← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1416

تحرير علوم الحديث

عبد الله الجديع

Полный текст (1 074 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قلت: وهذا تعليل معتبر في حل راو لم يعرف بالصدق، أما من ثبت صدقه وعرفت أمانته، وكان يذهب إلى شيء من تلك المذاهب بتأويل، وكان ينتصر إلى مذهبه ذلك، فهذا مراد كذلك في قول هؤلاء الأئمة، لكن لا يتنزل عليه تعليل الخطيب. والذي يتحرر من إمعان النظر في هذا المذهب أنه مذهب نظري اليوم في شأن رواة الحديث، وذلك أن أمر الدعوة إلى البدعة مما لا يمكن حصره وضبطه، والكلام في رواة الحديث فد فرغ منه، وصارت العمدة في معرفة أحوال الرواة على ما بلغنا من أخبارهم، والمتأمل يجد في تلك الأخبار وصف عدد غير قليل من الرواة بالبدعة، لكن يندر فيهم من يمكن القول: إنه كان داعية، نعم؛ وصف طائفة بالغلو، إلا أنه لا يعني بالضرورة كون الموصوف بذلك داعية إليها. المذهب الرابع: عدم اعتبار البدعة جرحاً مسقطاً لحديث الراوي، لما تقوم عليه من التأويل، وإنما العبرة بالحفظ والإتقان والصدق، والسلامة من الفسق والكذب. وعلى هذا في التحقيق يتنزل مذهب من ذهب من كبار الأئمة إلى أن البدعة لا تمنع قبول حديثهم، إلا من كان يستحل الكذب. وهذا هو منقول من مذهب أبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والشافعي (١). قال سفيان بن عيينة: " حدثنا عبد الملك بن أعين، وكان شيعياً، وكان عندنا رافضياً صاحب رأي " (٢).

стр. 387

قال ابن دقيق العيد: " والذي تقرر عندنا: أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية، إذ لا نكفر أحداً من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة، فإذا اعتقدنا ذلك، وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى، فقد حصل معتمد الرواية " (١). وهو قول يحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، ومحمد بن عمار الموصلي، وإليه مال الخطيب البغدادي (٢). قال علي بن المديني: قلت ليحيى (يعني القطان) " إن عبد الرحمن (يعني ابن مهدي) يقول: اترك من كان رأساً في البدعة يدعو إليها، قال: " كيف نصنع بقتادة وابن أبي رواد وعمر بن ذر؟! " وذكر قوماً، قال يحيى: " إن ترك هذا الصنف ترك ناساً كثيراً " (٣). قلت: يرد يحيى مذهب ابن مهدي، بل مقتضى قوله أن يكون من سماهم ممن يندرج تحت رأي ابن مهدي، وهو يحل الاستشكال الذي نراه: ما هو حد الداعية من غيره؟ فهذا يحيى القطان يرى قتادة ومن ذكره معه من الدعاة، وإلا لما صح له الاستدراك على ابن مهدي بذكرهم، وهم من ثقات الناس ومتقنيهم وعليهم مدار كثير من الحديث. يقابله ما نقله محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: قلت لعلي بن عبد الله المديني: يا أبا الحسن، إن يحيى بن معين ذكر لنا: أن مشايخ من البصريين كانوا يمرمون بالقدر، إلا أنهم لا يدعون إليه، ولا يأتون في حديثهم بشيء منكر، منهم: قتادة، وهشام صاحب الدستوائي، وسعيد بن

стр. 388

أبي عروبة، وأبو هلال، وعبد الوارث، وسلام (١)، كانوا ثقات، يكتب حديثهم، فماتوا وهم يرون القدر، ولم يرجعوا عنه، فقال لي علي، ﵀: " أبو زكريا كذا كان يقول عندنا، إلا أن أصحابنا ذكروا أن هشام الدستوائي رجع قبل موته، ولم يصح ذلك عندنا " (٢). قلت: ففي هذا نفي أن يكون قتادة داعية إلى بدعته، لكن فيه تثبيت أن جميع هؤلاء كانوا يذكرون بالبدعة، ويحيى اعتبر في ثقتهم أمرين: عدم الدعوة إلى البدعة، مع الحفظ والإتقان. وهذا عبد الرحمن بن مهدي قد ترك بعض الرواة لأجل البدعة، ثم حدث عنهم قبل موته: فقد قال ابن أخته الحافظ أبو بكر بن أبي الأسود: كان خالي عبد الرحمن بن مهدي يترك الحديث عن الحسن بن أبي جعفر الجفري وعثمان بن صهيب وغيرهما من أهل القدر؛ للمذهب، والضعف، فلما كن بأخرة حدث عنهم، وخرجهم في تصانيفه، فقلت: يا خال، أليس قد كنت أمسكت عن الرواية عن هؤلاء؟ فقال: " نعم، لكن خفت أن يخاصموني بين يدي ربي فيقولون: يا رب، سل عبد الرحمن: لم أسقط عدالتنا؟ " (٣). وقد سئل الحافظ محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن (علي بن غراب)، فقال: " كان صاحب حديث بصيراً به " فقيل له: أليس هو ضعيفاً؟ قال: " إنه كان يتشيع، ولست أنا بتارك الرواية عن رجل صاحب حديث يبصر الحديث بعد أن لا يكون كذوباً للتشيع أو القدر، ولست براو عن رجل لا يبصر الحديث ولا يعقله ولو كان أفضل من فتح _ يعني الموصلي _ " (٤).

стр. 389

وسئل الحافظ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الأخرم عن (الفضل بن محمد الشعراني)، فقال: " صدوق في الروية، إلا أنه كان من الغالين في التشيع " قيل له: فقد حدثت عنه في " الصحيح " فقال: " لأن كتاب أستاذي ملآن من حديث الشيعة " يعني مسلم بن الحجاج (١). وفي " صحيح البخاري " عن جمع كبير من المنسوبين إلى البدع. فهؤلاء الأعيان قدوة الناس في هذا الفن، وممن إليهم المرجع فيه. وقال ابن حزم: " من أقدم على ما يعتقده حلالاً، فما لم يقم عليه في تحريمه حجة، فهو معذور مأجور وإن كان مخطئاً، وأهل الأهواء معتزليهم ومرجئيهم وزيديهم وإباضيهم بهذه الصفة، إلا من أخرجه هواه عن الإسلام إلى كفر متفق على أنه كفر، أو من قامت عليه حجة من نص أو إجماع فتمادى ولم يرجع فهو فاسق " (٢). قلت: ومن أمثلة ما يتنزل عليه هذا المذهب وهم ثقات محتج بهم: ١ _ عبد الله بن أبي نجيح. قال علي بن المديني: " أما الحديث فهو فيه ثقة، وأما الرأي فكان قدرياً معتزلياً " (٣). وقال يحيى بن معين: " كان ابن أبي نجيح من رؤساء الدعاة " (٤). ٢ _ خالد بن مخلد. قال الجوزجاني: " كان شتاماً معلناً بسوء مذهبه " (٥).

стр. 390

٣ _ سالم بن عجلان الأفطس: قال الجوزجاني: " كان يخاصم في الإرجاء، داعية، وهو متماسك " (١). ٤ _ عبد الرحمن بن صالح الأزدي. قال يعقوب بن يوسف المطوعي (وكان ثقة): كان عبد الرحمن بن صالح الأزدي رافضياً، وكان يغشى أحمد بن حنبل، فيقربه ويدنيه، فقيل له: يا أبا عبد الله، عبد الرحمن رافضي، فقال: " سبحان الله! رجل أحب قوما من أهل بيت النبي ﷺ نقول له: لا تحبهم؟! هو ثقة " (٢). وكان يحيى بن معين يعلم تشيعه، بل نعته بذلك، ومع فقد كتب حديثه وروى عنه، ووثقه، وكذلك وثقه غيره (٣). مع أن أبا داود السجستاني قال: " لم أر أن أكتب عنه، وضع كتاب مثالب في أصحاب رسول الله ﷺ " (٤). ٥ _ عمران بن حطان. قال أبو داود السجستاني: " ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج " ثم ذكر عمران بن حطان، وأبا حسان الأعرج (٥). ٦ _ عباد بن يعقوب الرواجني. وشأنه في الغلو في الرفض والدعوة إليه مشهور، ومن أبينه ما حكاه الثقة المتقن القاسم بن زكريا المطرز، قال: وردت الكوفة، وكتبت عن شيوخها كلهم غير عباد بن يعقوب، فلما

стр. 391

فرغت ممن سواه دخلت عليه، وكان يمتحن من يسمع منه، فقال لي: من حفر البحر؟ فقلت: الله خلق البحر، فقال: هو كذلك، ولكن من حفره، فقلت: يذكر الشيخ، فقال: حفره علي بن أبي طالب، ﵁، ثم قال: من أجراه؟ فقلت: الله، مجري الأنهار، ومنبع العيون، فقال: هو كذلك، ولكن من أجرى البحر؟ فقلت: يفيدني الشيخ، فقال: أجراه الحسين بن علي، (وذكر تمام القصة) (١). وجاء أنه كان يشتم عثمان بن عفان، ﵁، وقال ابن حبان: " كان رافضياً داعية إلى الرفض " (٢). قلت: ومع ذلك فخرج حديثه البخاري في " الصحيح "، وحكم بثقته غير واحد. ٧ _ الحسين بن الحسن الأشقر. قال ابن الجنيد عن يحيى بن معين: " كان من الشيعة المغلية الكبار "، قلت: فكيف حديثه؟ قال: " لا بأس به "، قلت: صدوق؟ قال: " نعم، كتبت عنه " (٣). قلت: فهذه المناهج لهؤلاء الأعلام من أئمة الحديث صريحة في عدم الاعتداد بالبدعة قادحاً في العدالة، ومن أجل هذا جرت ألفاظهم بالتعديل لهؤلاء الرواة مع ما عرفوا به من البدعة. والتأويل بالبدع أوسع منه في المعاصي؛ لأن وجه المخالفة بها للشرع خفي، فإذا كنا عذرنا بالمخالفة تأويلاً في المنهيات الصريحة في الشرع كقتل المسلم، كالذي حصل بين الصحابة، فالعذر فيما كان وجه

стр. 392

المخالفة في خفياً أولى، وإنما تكون العبرة بالصدق والإتقان، فإذا ثبت فحديثه مقبول. قال ابن جرير الطبري: " لو كان كل من ادعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعي به، وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك؛ للزم ترك أكثر محدثي الأمصار؛ لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه " (١). قلت: وإنما يخرج من هذا التأصيل: من كان من الرواة طعن عليه لبدعته وحديثه جيمعاً، فهذا مجروح من أجل حديثه، وذلك مثل: جابر الجعفي، وعمرو بن عبيد البصري. قال سفيان بن عيينة: " كان الناس يحملون عن جابر قبل أن يظهر ما أظهر، فلما أظهر ما أظهر اتهمه الناس في حديثه، وتركه بعض الناس " فقيل له: " وما أظهر؟ قال: " الإيمان بالرجعة " (٢). قلت: فكأن سفيان جعل اتهامه في حديثه من أجل بدعته، والواقع أنه لا تلازم بينهما، لجواز أن يكون صاحب بدعة صدوقاً، كما تقدمت له أمثلة، وإنما المعنى أنه بعدما ظهرت منه هذه العقيدة ظهر منه في روايته ما اتهم فيه. وكذلك القول في عمر بن عبيد، مع ظهور الفسق وضعف التأويل في بعض ما جاء عنه، فقد تكلم بما لا يحتمل (٣).

стр. 393

ولا ريبة أن كثير من أهل البدع نصروا مذاهبهم برواية النكرات إسناداً ومتناً، وجماعات منهم عرفوا بوضع الحديث لأجل ذلك. وهو المعنى الذي خافه من شدد فرد أحاديث أهل البدع. لكن مادامت الخشية محصورة في كون صاحب البدعة قد تدفعه بدعته إلى المجيء بالمنكرات من الروايات نصرة لتلك البدعة، فالأمر إذاً عائد إلى القول في روايته، فإذاً تحرر لنا صدقه، وسلامة روايته من النكارة، فقد ذهب المحذور. فمن قال من المتأخرين: إذا روى صاحب البدعة ما تعتضد به بدعته رد، وإن روى غير ذلك قبل. فهذا مذهب وإن تداولته كتب علوم الحديث فليس صواباً؛ لأن قبول روايته حيث قبلناها فإنما حصل لأجل كونه بريئاً من الكذب معروفاً بالصدق والأمانة، فإذا صرنا إلى رد حديثه عند روايته ما تعتضد به بدعته فقد اتهمناه، وهذا تناقض، مع ملاحظته أن من ذهب مذهباً كان أحرص من غيره على حفظ ما يقوي مذهبه، فينبغي أن يقال: حفظ وأتقن؛ لأن داعية الإتقان متوفرة فيه، فيكون هذا مرجحاً لقبول تلك الرواية ما دام موصوفاً بالصدق. وعلى مظنة أن تدعو البدعة إلى الكذب في الرواية من معروف بالصدق، فهذا لا ينحصر في البدعة، فإن الهوى يكون في غيرها أيضاً. وأما إطلاق القول بتكذيب طائفة من أهل البدع على التعيين، كقول يزيد بن هارون: " لا يكتب عن الرافضة؛ فإنهم يكذبون " (١)، فهذا مما يجري على غالب من أدرك يزيد ورأى من هؤلاء، وأن يكون أراد غلاتهم، غير أن واقع الأمر أن طائفة من الرواة وصفوا من قبل بعض النقاد بالرفض، كانوا من أهل الصدق، روى الأئمة عنهم الحديث وأثنوا عليهم، كما مثلت هنا بجماعة منهم.

стр. 394

وخلاصة الفصل في هذا: أن ما قيل من مجانبة حديث المبتدع، ففيه اعتبار الزمان الذي كانت الرواية فيه قائمة، ومرجع الناس إلى نقلة الأخبار في الأمصار، وما كان قد حصر يومئذ بيان أحوال الرواة، أما بعد أن أقام الله بأهل هذا الشأن القسطاس المستقيم (علم الجرح والتعديل) فميزوا أهل الصدق من غيرهم، وفضح الله بهذا العلم خلائق من أهل الأهواء والبدع وافتضحوا بالكذب في الحديث، فأسقطهم الله، كما أصاب الهوى بعض متعصبة السنة، فوقعوا في الكذب في الحديث كذلك، وهو وإن كانوا أقل عدداً من أصحاب البدع، إلا أنهم شاركوهم في داعية الهوى والعصبية، وقابل هؤلاء وأولئك من ثبت له وصف الصدق من الفريقين، فأثبت أئمة الشأن له ذلك، فلا يكون في التحقيق وصف من وصفوة بالصدق إلا من أجل ما روى. السبب الخامس: الجهالة الجهالة على ما يأتي من بيان معناها في الفصل التالي، كانت جهالة عين أو جهالة حال، فإن لحاقها بالجرح لا من أجل ثبوته في حق الراوي، وإنما هو من أجل اجتماعها في معنى رد حديث الراوي؛ ولذلك صار المصنفون من المتأخرين الذين أفردوا الرواة المجروحين بالتصنيف، إلى إدخال المجهولين كذلك في كتبهم. وهذا معنى صحيح عندما لا يتحرر إلحاقهم بالعدول، وهو على معنى التوقف فيهم؛ لما يشترط لإثبات العدالة من ثبوت شخص أحدهم، وسلامة حديثه من النكارة، على ما تقدم بيانه في التعديل. وعليه: فالقدح في العدالة بسبب الجهالة صحيح بالاعتبار الذي ذكرنا (١). * * *

стр. 395

المبحث الثالث: تحرير عود ما يسلب الضبط إلى سوء حفظ الراوي يقع سلب الضبط عن الراوي بسبب سوء حفظه، سلباً كلياً أو جزئياً. وهذا في الجملة قسمان: أولهما: فساد الضبط إلى حد أن يكون الراوي متروك الحديث، وقد يكون علامة عند بعض النقاد على سوء الظن به، واتهامه بالكذب بما ينتقل به القدح إلى عدالته. وثانيهما: اختلال الضبط جزئياً، فيثبت على الراوي الوهم في بعض ما يرويه، فإن كثر رجح به إلى جانب الرد دون القدح في أصل عدالته وصدقه، فيبقيه في إطار من يعتبر به عند الموافقة، وربما نزل به عن درجة المتقنين، دون النزول به عن درجة القبول، لكنه يكون في مرتبة دنيا منه. وهذا قد يتميز منه أن سلب الضبط وقع للراوي في حال دون حال، وتميز ذلك من أمره، فهو مجروح به في الحال المتميز، عدل مقبول فيما سواه، كمن ضبط عن بعض الشيوخ دون آخرين، وكالمختلط فيما حدث به بعد اختلاطه وقبله.

стр. 396

وسوء الحفظ لا ينافي الصدق في الأصل. ومراجعة إلى الغفلة وضعف تيقظ الراوي. وتارة تكون الغفلة طبعاً فيه، وتارة عارضة لعدم الاعتناء بالمحفوظ، وتأثير عوارض أخرى عليه، كالاشتغال بالعبادة دون العلم، أو ترك بثه في أهله، أو الانشغال بالدنيا، أو تقدم السن، أو لغير ذلك. وكثير من ذلك في المنسوبين للصلاح والتعبد، حتى ربما حدثوا بالموضوع والكذب، يجري على ألسنتهم دون تعمد، وربما كان أحدهم سمع بعض الحديث، فيحمل إسناد هذا على حديث هذا، وحديث هذا على إسناد هذا، ويحدث على التوهم عن الرجل بما ليس من حديثه، وربما ألصق كلاماً حسناً بإسناد معروف، ليس ذلك الإسناد من ذلك الكلام في شيء، وربما أدخل عليه ما ليس من حديثه وهو لا يعلم فيحدث به على أنه من حديثه، وهكذا. لذا كان أبو الزناد عبد الله بن ذكوان يقول: " أدركت بالمدينة مئة، كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله " (١). وكذلك قال مالك بن أنس: " لقد أدركت في هذا البلد _ يعني المدينة _ مشيخة، لهم فضل وصلاح وعبادة، يحدثون، ما سمعت من أحد منهم حديثاً قط "، قيل له: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: " لم يكونوا يعرفون ما يحدثون ". وعن حماد بن زيد: أن فرقداً (يعني السبخي) ذكر عند أيوب (يعني السختياني)، فقال: " لم يكن صاحب حديث، وكان متقشفاً، لا يقيد علماً، ذاك لون، والبصر بالعلم لون آخر ".

стр. 397

وقال عمرو الناقد: سأل رجل وكيعاً (يعني ابن الجراح)، قال: يا أبا سفيان، تعرف حديث سعيد بن عبيد الطائي عن الشعبي في رجل حج عن غيره، ثم حج عن نفسه؟ فقال: " من يرويه؟ "، قلت: وهب بن إسماعيل، قال: " ذاك رجل صالح، وللحديث رجال ". وكان يحيى بن سعيد القطان يقول: " ما رأيت الكذب في أحد، أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير ". وفي لفظ: " لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث " (١). قال الإمام مسلم: " يجري الكذب على لسانهم، ولا يتعمدون الكذب " (٢). وعلل يحيى القطان نفسه مرة بعلة أخرى غير ما قاله مسلم، فقال: " لأنهم يكتبون عن كل من يلقون، لا تمييز لهم فيه " (٣). قلت: يعني يحيى أنهم يحدثون بالكذب الواقع من غير جهتهم، وكلا العلتين صحيحتان. وكان يحيى القطان يقول كذلك: " رب صالح لو لم يحدث كان خيراً له، إنما هو أمانة، إنما هو تأدية، الأمانة في الذهب والفضة أيسر منه في الحديث " (٤). ومن أمثلته: (ثابت بن محمد الزاهد)، قال ابن عدي: " هو ممن لا يتعمد

стр. 398

الكذب، ولعله يخطئ، وفي أحاديثه ما يشتبه عليه فيرويه حسب ما يستحسنه، والزهاد والصالحون كثيراً ما يشتبه عليهم فيروونا على حسن نياتهم " (١). و (رواد بن الجراح)، قال ابن عدي: " كان شيخاً صالحاً، وفي حديث الصالحين بعض النكرة " (٢). و (سلم بن ميمون الخواص)، قال ابن عدي: " روى عن جماعة ثقات ما لا يتابعه الثقات عليه: أسانيدها ومتونها "، ثم فسر فقال: " هو في عداد المتصوفة الكبار، وليس الحديث من عمله، ولعله كان يقصد أن يصيب فيخطئ في الإسناد والمتن؛ لأنه لم يكن من عمله " (٣). و (زكريا بن يحيى الوقار)، قال ابن عدي: " سمعت مشايخ أهل مصر يثنون عليه في باب العبادة والاجتهاد والفضل، وله حديث كثير، بعضها مستقيمة، وبعضها ما ذكرت وغير ما ذكرت موضوعات، وكان يتهم الوقار بوضعها؛ لأنه يروي عن قوم ثقات أحاديث موضوعات، والصالحون قد رسموا بهذا الرسم أن يرووا في فضائل الأعمال أحاديث موضوعة بواطيل، ويتهم جماعة منهم بوضعها " (٤). ومثال من كانت الغفلة طبعه، حتى ربما حدث بالكذب وهو لا يدري: ذاك الواسطي الذي أخبر بقصته الحافظ يزيد بن هارون، قال: " كان بواسط رجل يروي عن أنس بن مالك أحرفاً، ثم قيل: إنه أخرج كتاباً عن أنس، فأتيناه فقلنا له: هل عندك سوى تلك الأحرف؟ فقال: نعم، عندي كتاب عن أنس، فقلنا: أخرجه إلينا، فأخرجه إلينا، فنظرنا فيه، فإذا هي

стр. 399

أحاديثك شريك بن عبد الله النخعي، فجعل يقول: حدثنا أنس بن مالك، فقلنا له: هذه أحاديث شريك، فقال: صدقتم، حدثنا أنس بن مالك عن شريك "، قال: " فأفسد علينا تلك الأحرف التي سمعناها منه، وقمنا عنه " (١). قلت: فهذا الشيخ إنما أتي من غفلته وجهله، فأين شريك من أنس، فأنس صحابي توفي سنة (٩٢)، وشريك من أتباع التابعين ولد سنة (٩٥) , فكيف روى أنس عن شريك؟! ومن هؤلاء (محاضر بن المورع)، قال أبو سعيد أحمد بن داود الحداد الواسطي (وكان ثقة): " محاضراً لا يحسن أن يصدق، فكيف يحسن أن يكذب! كنا نوقفه على الخطأ في كتابه، فإذا بلغ الموضوع أخطأ " (٢). وقال أحمد بن حنبل: " سمعت منه أحاديث، لم يكن من أصحاب الحديث، كان مغفلاً جداً " (٣). ومنهم: (عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد)، قال أبو حاتم الرازي: " الأحاديث التي أخرجها أبو صالح في آخره عمره التي أنكروا عليه نرى أن هذا مما افتعل خالد بن نجيح، وكان أبو صالح يصحبه، وكان سليم الناحية، وكان خالد بن نجيح يفتعل الحديث ويضعفه في كتب الناس، ولم يكن وزن أبي صالح وزن الكذب، كان رجلاً صالحاً " (٤). ومنهم (سفيان بن وكيع بن الجراح)، قال أبو حاتم الرازي: " دخلت

стр. 400

الكوفة، فحضرني أصحاب الحديث، وقد تعلقوا بوراق سفيان بن وكيع، فقالوا: أفسدت علينا شيخنا وابن شيخنا، قال: فبعثت إلى سفيان بتلك الأحاديث التي أدخلها عليه وراقة يرجع عنها، فلم يرجع عنها، فتركته " (١). وهذه الحال قد تبلغ بإنسان حد الترك لحديثه في نظر بعض الأئمة، وذلك بحسب أثر ذلك على ما روى، كما قال أبو بكر بن أبي شيبة في (مصعب بن سلام التميمي): " تركنا حديثه، وذلك أنه جعل يملي علينا عن شعبة أحاديث: حدثنا شعبة، حدثنا شعبة، فذهبت إلى وكيع فألقيتها عليه، قال: من حدثك بهذا؟ فقلت: شيخ ههنا، قال: هذه الأحاديث كلها حدثنا بها الحسن بن عمارة، فإذا الشيخ قد نسخ حديث الحسن بن عمارة في حديث شعبة " (٢). وهذا ذكر يحيى بن معين أنه قد رجع عنه (٣)، لكنه ينبئ أن بعض النقلة لم يكن يميز، وهذا الرجل له حديث حسن من روايته عن غير شعبة إذ هو صدوق في الأصل، وما وقع منه من قلب فيما ذكروه من روايته عن شعبة أو الزبرقان السراج فإنه لا يسقطه جملة، إنما تبين أن ما حدث به عن غيرهما فيه المحفوظ، على أنه لا ينبغي أن يحتج به لذاته، بل يكتب حديثه للاعتبار. ومن هؤلاء من لم يكن يفهم ما الحديث، فكان يؤتى من جهله: قال أبو حاتم الرازي في (عقيل الجعدي): " منكر الحديث، ذاهب، ويشبه أن يكون أعرابياً، إذ روى عن الحسن البصري، قال: دخلت على سلمان الفارسي، فلا يحتاج أن يسأل عنه " (٤).

стр. 401

وحاصل هذا: أن من الغفلة ينتج سوء الحفظ، فيخطئ الراوي في الأسانيد: فيرفع الموقوف، ويوقف المرفوع، ويوصل المرسل، ويرسل الموصول، ويقلب الأسانيد، فيجعل ما لهذا الشيخ لشيخ آخر، ولا يضبط المتون، ويغير فيها. وسوء الحفظ يكون بسبب خلقي، وهو ضعف ذاكرته، كما يكون بتفريط من الراوي، وعليه فهذان قسمان: القسم الأول: الوهم والغلط بمقتضى الجبلة وهو طبيعة ثابتة لكل نفس، ولا تكون سبباً للقدح في الراوي حتى تكثر منه إلى جنب إلى ما روى (١)، فإن كثرت صارت به إلى مرتبة في الجرح، تتفاوت قدراً، وقد تبلغ بالراوي إلى ترك حديثه، وذلك إذا فحش منه، كما قال الشافعي: " من كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل صحيح لم يقبل حديثه، كما يكون من كثر غلطه في الشهادة لم تقبل شهادته " (٢). ومن أمثلته: قول الدارقطني في (الجراح بن مليح أبي وكيع): " ليس بشيء، هو كثير الوهم "، قال البرقاني: قلت: يعتبر به؟ قال: " لا " (٣). وقول الحافظ عمرو بن علي الفلاس في (جعفر بن الزبير الشامي) وكان متروك الحديث، ومنهم من بالغ فكذبه: " متروك الحديث، وكان رجلاً صدوقاً كثير الوهم " (٤).

стр. 402

ومن الرواة من يكثر خطؤه إذا حدث من حفظه، ويضبط إذا حدث من كتابه، كما ذكرته في صور الجرح النسبي (١). والأصل أن علة كثرة الخطأ والوهم لا تنافي الصدق، فما لم تغلب على الراوي فإنه باق في درجة من يعتبر به، كما قال الدارقطني في (مبارك بن فضالة): " لين، كثير الخطأ، بصري، يعتبر به " (٢). فهذه كثرة غير غالبة، فلم تمنع من الاعتبار بحديثه، وهذا يتبينه الباحث في حق الراوي من خلال النظر فيما قاله جماعة النقاد في ذلك الراوي، وملاحظة قدر ما عليه من الخطأ. و الوهم والغلط يقع بأسباب: أولها: المخالفة في الأسانيد . والمقصود أن يأتي بها على غير ما يأتي بها الثقات. مثل (عبد الله بن عمر العمري)، قال أحمد بن حنبل: " كان يزيد في الأسانيد، ويخالف، وكان رجلاً صالحاً " (٣). ومثل (أشعث بن عطاف)، قال ابن عدي: " لم أر له منكراً، إلا أنه يخالف الثقات في الأسانيد، ولأشعث بن عطاف أحاديث حسان عن الثوري وغيره، وهو عندي لا بأس به " (٤). ومن صور المخالفة في الأسانيد: القلب. مثل (محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى)، وقد روى الكثير، وبلغ به

стр. 403

سوء الحفظ إلى أن قال البخاري: " صدوق، ولا أروي عنه؛ لأنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً " (١). كان من سوء حفظه يقلب الأحاديث سنداً أو متناً، كما قال شعبة بن الحجاج: " أفادني ابن أبي ليلى أحاديث، فإذا هي مقلوبة " (٢). وممن عرف بسوء الحفظ، وكان من علته قلب الأحاديث (علي بن زيد بن جدعان)، قال حماد بن زيد: " حدثنا علي بن زيد، وكان يقلب الأحاديث " (٣). وقال حماد بن زيد: " كان علي بن زيد يحدث بالحديث فيأتيه من الغد فيحدث به كأنه حديث آخر " (٤). و ثانيها: وصل المراسيل . مثل (إبراهيم بن الحكم بن أبان)، جرحوه، قال ابن عدي: " بلاؤه مما ذكروه أنه يوصل المراسيل عن أبيه، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه "، وكان الحافظ عباس بن عبد العظيم قد قال فيه قبله: " كانت هذه الأحاديث في كتبه مراسيل، ليس فيها ابن عباس، ولا أبو هريرة، يعني أحاديث أبيه عن عكرمة " (٥). و ثالثها: رفع الموقوف . ولك أن تعدها من أمثلة الزيادة في الأسانيد.

стр. 404

مثل (إبراهيم بن مسلم الهجري)، فقد كان ضعفه من جهة أنه كان يرفع الموقوف، قال سفيان بن عيينة: " كان رفَّاعاً " (١). ومثله قول شعبة في (علي بن زيد بن جدعان): " كان رفاعاً " (٢)، وقوله في (يزيد بن أبي زياد) مثل ذلك (٣). و رابعها: الجمع بين الرواة في سياق واحد وحمل حديث بعضهم على بعض . ومثاله في الضعفاء (ليث بن أبي سليم): قال أبو نعيم الفضل بن دكين: قال شعبة لليث بن أبي سليم: " كيف سألت عطاء وطاوساً ومجاهداً كلهم في مجلس؟ "، قال: سل عن هذا خف أبيك. قال ابن أبي حاتم: فقد دل سؤال شعبة لليث بن أبي سليم عن اجتماع هؤلاء الثلاثة له في مسألة، كالمنكر عليه (٤). وقال الداقطني: " صاحب سنة، يخرج حديثه، إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد، وحسْب " (٥). قلت: وهذه صورة ناتجة عن تخليط الراوي واضطرابه؛ لما علم من سوء حفظه. وقال إبراهيم الحربي: سمعت أحمد (يعني ابن حنبل) وذكر الواقدي، فقال: " ليس أنكر عليه شيئاً إلا جمعه الأسانيد، ومجيئه بمتن واحد على

стр. 405

سياقة واحدة عن جماعة، وربما اختلفوا ". قال إبراهيم: ولم، وقد فعل هذا ابن إسحاق، كان يقول: حدثنا عاصم بن عمر، وعبد الله بن أبى بكر، وفلان، وفلان. والزهري أيضاً قد فعل هذا؟ قال إبراهيم: قال بور بن أصرم (١): رآني الواقدي أمشي مع أحمد بن حنبل، قال: ثم لقيني بعد، فقال لي: رأيتك تمشي مع إنسان ربما تكلم في الناس. قيل لإبراهيم: لعله بلغه عنه شيء؟ قال: نعم، بلغني أن أحمد أنكر عليه جمع الرجال والأسانيد في متن واحد. قال إبراهيم: وهذا قد كان يفعله حماد بن سلمة، وابن إسحاق، ومحمد بن شهاب الزهري (٢). قلت: يعني وما أنكر عليهم، فلم ينكر على الواقدي؟ وقد كان أحمد ربما أطلق على صنيع الواقدي هذا قلب الأحاديث، وهو إنما كان يحيل لفظ هذا على لفظ هذا، قال أحمد بن حنبل: " يقلب الأحاديث، يلقي حديث ابن أخي الزهري على معمر، ونحو هذا " (٣). وذكر ابن حبان هذه المسألة وكان قد ضرب مثلاً بحماد بن سلمة، فقال في الجواب عن قول من قال: " يروي عن جماعة حديثاً واحداً، بلفظ واحد من غير أن يميز بين ألفاظهم ": " يقال له: كان أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون يؤدون الأخبار على المعاني بألفاظ متباينة، وكذلك كان حماد يفعل، كان يسمع الحديث عن أيوب وهشام وابن عون ويونس وخالد وقتادة (٤) عن ابن سيرين، فيتحرى المعنى ويجمع في اللفظ، فإن أوجب

стр. 406

ذلك منه ترك حديثه أوجب ذلك ترك حديث سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وأمثالهم من التابعين؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك " (١). وتكلم شعبة بن الحجاج في (عوف بن أبي جميلة الأعرابي) بمثل ذلك. قال يحيى القطان: قال لي شعبة في أحاديث عوف عن خلاس عن أبي هريرة، ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة إذا جمعهم، قال لي شعبة: " ترى لفظهم واحد؟ "، قال ابن حاتم: كالمنكر على عوف (٢). قلت: يحتمل فعل مثل هذا من راو متقن؛ لأن إتقانه حائل دون خالط، مثل الزهري، على قلته منه، أما من يكثر من ذلك ويتبين الغلط في روايته بسببه، كليث بن أبي سليم، فيكون ذلك دليلاً على ضعفه. و خامسها: قبول التلقين . وهذا حين يكون الشيخ قد استولت عليه الغفلة، فيقال له: حدثك فلان بكذا، فيما هو من حديثه وما ليس من حديثه، وهو لا يميز، فيحدث به على أنه من حديثه. ومن أمثلة هؤلاء الذين جرحوا بقبول التلقين: (عبد الحميد بن إبراهيم الحضرمي أبو تقي الحمصي)، قال الحافظ

стр. 407

محمد بن عوف الحمصي: " كان شيخاً ضريراً لا يحفظ، وكنا نكتب من نسخة الذي كان عند إسحاق بن زبريق لا بن سالم، فنحمله إليه ونلقنه، فكان لا يحفظ الإسناد، ويحفظ بعض المتن، فيحدثنا، وإنما حملنا الكتاب عنه شهوة الحديث " (١). وقال أبو حاتم الرازي: " ذكر أنه سمع كتب عبد الله بن سالم عن الزبيدي (٢)، إلا أنها ذهبت كتبه فقال: لا أحفظها، فأرادوا أن يعرضوا عليه، فقال: لا أحفظ، فلم يزالوا به حتى لان، ثم قدمت حمص بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة، فإذا قوم يروون عنه هذا الكتاب، وقالوا: عرض عليه كتاب ابن زبريق، ولقنوه، فحدثهم بهذا، وليس هذا عندي بشيء، رجل لا يحفظ، وليس عنده كتب " (٣). ومنهم (سفيان بن وكيع بن الجراح)، قال ابن عدي: " بلاؤه أنه كان يتلقن ما لقن، ويقال: كان له وراق يلقنه من حديث موقوف فيرفعه، وحديث مرسل فيوصله، أو يبدل في الإسناد قوماً بدل قوم " (٤). وقد كان بعض نقاد المحدثين يستعملون هذا طريقاً لتبين حفظ الراوي، مثل ما حكاه أبو المنذر يحيى بن المنذر الكوفي قال: كنا بمكة، فقدم علينا عطاء بن عجلان البصري، فأخذ في الطواف، فجاء غياث بن إبراهيم وكدام بن مسعر وآخر قد سماه، فجعلوا يكتبون حديث عطاء، فإذا مروا بعشرة أحاديث أدخلوا حديثاً من غير حديثه، حتى كتبوا أحاديث وهو يطوف، فقال لهم حفص بن غياث: ويلكم؛ اتقوا الله، فانتهروه وصاحوا

стр. 408

به، فلما فرغ كلموه أن يحدثهم، فأخذ الكتاب فجعل يقرأ، حتى انتهى إلى حديث فمر فيه فقرأه قال: فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قرأ حتى انتهى إلى الثالث، فانتبه الشيخ واستضحكوا، قال: فقال لهم: إن كنتم أردتم شيني فعل الله بكم وفعل (١). وهل إطلاق العبارة على الراوي بقبول التلقين يسلم قادحاً فيه؟ يقع قبول التلقين للراوي إما بسبب الغفلة، أو التساهل في حديث النبي ﷺ ، فمن عرف عنه ذلك من الرواة، فلا يخلو من أن تكون هذه البلية عرضت عليه بعد حفظ وإتقان، أو لم يعرف أصلاً بالحفظ، فإن كان من النوع الأول وتميز حديثه الذي كان يحفظ من حديثه الذي لقن فيه، قبل ما حفظه ورد ما لقن فيه، وإن لم يتميز رد جميع حديثه، وأما من لزمه هذا الوصف ولم يعرف بضبط أصلاً فكل حديثه مردود من طريقه. فقبول التلقين قد يصير الرجل متروك الحديث ليس بثقة، وذلك إذا تلقن الحديث الموضوع وحدث به، كما وقع لمثل (محمد بن معاوية النيسابوري)، قال أبو زرعة الرازي: " كان شيخاً صالحاً، إلا أنه كلما لقن يلقن، وكلما قيل: إن هذا من حديثك، حدث به، يجيئه الرجل فيقول: هذا من حديث معلى الرازي، وكنت أنت معه، فيحدث بها على التوهم ". قلت: فأضر ذلك به حتى قال أحمد بن حنبل: "رأيت أحاديثه أحاديث موضوعة "، بل اتهمه يحيى بن معين فقال: " كذاب " (٢). كما قد يكون في حديثه ما يدل على رواية المنكر، وكان قبول التلقين من أسباب ذلك، مثل ما حكى ابن حبان عن عفان بن مسلم قال: كنت أسمع الناس يذكرون قيساً (يعني ابن الربيع) فلم أدر ما علته، فلما قدمنا

стр. 409

الكوفة أتيناه فجلسنا إليه، فجعل ابنه يلقنه ويقول له: حصين، فيقول: حصين، فيقول رجل آخر: ومغيرة، فيقول: ومغيرة، فيقول آخر: والشيباني، فيقول: والشيباني (١). قال قتادة بن دعامة السدوسي: " إذا سرك أن يكذب صاحبك فلقنه " (٢). وقال الحافظ عبد الله بن الزبير الحميدي: " ومن قبل التلقين ترك حديثه الذي لقن فيه، وأخذ عنه ما أتقن حفظه إذا علم ذلك التلقين حادثاً في حفظه لا يعرف به قديماً، وأما من عرف به قديماً في جميع حديثه فلا يقبل حديثه، ولا يؤمن أن يكون ما حفظه مما لقن " (٣). وقال ابن حزم: " من صح أنه قبل التلقين ولو مرة، سقط حديثه كله " (٤). قلت: وليس كما قال ابن حزم، وإنما العبرة بثبوت أثر التلقين على حديثه، فإن ادعي أنه كان كذلك وكان موصوفاً بالثقة والصدق، ولم يثبت عليه في مثال فلا يرد حديثه بمجرد الدعوى، وإن ثبت عليه في بعض حديثه وتميز، فلا يرد سائر حديثه الذي لم يتأثر بالتلقين: و سادسها: التصحيف إذا حدث من كتبه . ويقع بسبب عدم الضبط الكتاب، فيحدث من كتابه فيخطئ الأسماء أو في المتون.

стр. 410

وقلة ذلك شأنها شأن الوهم اليسير من الراوي لا يقدح في ثقته إن غلب حفظه وإتقانه، فإن كثر أضر به. سئل أبو حاتم الرازي عن (مؤمل بن إسماعيل) و (أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي) صاحبي سفيان الثوري؟ فقال: " في كتبهما خطأ كثير، وأبو حذيفة أقلهما خطأ "، وقال كذلك في (أبي حذيفة أقلهما خطأ "، وقال كذلك في (أبي حذيفة) وقد وصفه بالصدق: " كان يصحف " (١). وممن ضعف بالتصحيف: مصعب بن سعيد المصيصي، ضعفه بذلك ابن عدي (٢). ومن الثقات ممن ذكروا بالتصحيف جماعة، منهم: عبد الوارث بن سعيد، وكان حافظاً متقناً فصيحاً، لكن أخذ عليه الخطأ في كتابه في الإسناد وأسماء الرجال، جاء ذلك عن علي بن المديني قال: " في كتابه في الإسناد وأسماء الرجال، جاء ذلك عن علي بن المديني قال: " في كتاب عبد الوارث بن سعيد خطأ كثير "، فقيل له: في الحديث؟ قال: " في الإسناد وأسماء الرجال " (٣). ومنهم: محمد بن إسحاق صاحب " المغازي "، فعن صاحبه يحيى بن سعيد الأموي، قال: " كان ابن إسحاق يصحف في الأسماء؛ لأنه إنما أخذها من الديوان " (٤). فالثقة إذا ذكر بالتصحيف فإنه وإن لم يقدح ذلك في صحة حديثه، لكن يوجب الاحتياط في أسانيده ومتونه فيما حدث به من كتبه. والحال أن الأخذ من الكتب يوجب الاحتياط مطلقاً، فإن مظنة

стр. 411

التصحيف في قراءة النصوص واردة على جميع الناس، ولكن الثقة المتقن من يضبط كتابه إذا كان يحدث منه. قال أحمد بن حنبل: " من يفلت من التصحيف؟ كان يحيى بن سعيد يشكل الحرف إذا كان شديداً، وغير ذاك لا، وكان هؤلاء أصحاب الشكل عفان وبهز وحَبان " (١). القسم الثاني: ما يرجع من سوء الحفظ إلى تساهل الراوي ووقع من بعض الرواة في السماع والإسماع، كمن لا يبالي بالنوم عند السماع، أو يحدث من غير أصل صحيح، أو يحمل الحديث عن الشيخ في المذاكرة. وهذا مثل قول أبي بكر الإسماعيلي في (أحمد بن عبد الكريم الوزان الجرجاني): " صدوق، ضعف آخر عمره، كتبت عنه في صحته، ثم كنت أمر به يقرأ عليه وهو نائم، أو شبه النائم " (٢). ومن التساهل: طعن بعض الأئمة على رواية من سمع " الموطأ " بقراءة حبيب بن رزيق كاتب مالك بن أنس، فإنه كان يقرأ على مالك لبعض الغرباء، وكان معروفاً بالكذب ووضع الحديث. قال يحيى بن معين: " أشر السماع من مالك عرض حبيب، كان يقرأ على مالك، فإذا انتهى إلى آخر القراءة صفح أوراقاً وكتب: بلغ، وعامة سماع المصريين عرض حبيب " (٣).

стр. 412

وقال: " كان ابن بكير سمع من مالك بعرض حبيب، وهو أشر العرض " (١). قلت: وهذا يعد من التساهل في حمل الحديث أن لا يكون القارئ على الشيخ ثقة. قال القاضي عياض: " عدم الثقة بقراءة مثله، مع جواز الغفلة والسهو (يعني على الشيخ) عن الحرف وشبهه، وما لا يخل بالمعنى، مؤثر في تصحيح السماع .. ولهذه العلة لم يخرج البخاري من حديث ابن بكير عن مالك إلا القليل، وأكثر عنه الليث " (٢). والمذاكرة: ليست ظرفاً مناسباً لتحمل الحديث عن الشيخ؛ لأنهم يتساهلون فيها؛ إذ لم يقصدوا الأداء. وكان جماعة من كبار أئمة الحديث، ينهون أن يحمل عنهم الحديث في المذاكرة، مثل الإمام عبد الرحمن بن مهدي، فقد كان يقول: " حرام عليكم أن تأخذوا عني في المذاكرة حديثا؛ لأني إذا ذاكرت تساهلت في الحديث " (٣). * * *

стр. 413

المبحث الرابع: متى يترك حديث الراوي ؟ عمت مما تقدم في (تفسير التعديل) أن ضبط الراوي يعرف مقارنته بحديث الثقات المعروفين، فإن وافق فيما نقل ولو معنى، أو غلبت عليه الموافقة وندرت المخالفة وتميزت؛ فهو ضابط. لكن أعلم أن السلامة من الغلط والوهم ليست واردة على أحد من رواة الحديث وإن وصف بكونه " أمير المؤمنين في الحديث ". لذا فالخطأ النادر المتميز من الثقة، في راو أو إسناد أو متن، لا يسقط به الثقة، إنما يرد من روايته ذلك الخطأ. قال سفيان الثوري: " ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ، وإن غلط، وإن كان الغالب عليه الغلط ترك " (١). وقال عبد الله بن المبارك: " ومن يسلم من الوهم؟ " (٢).

стр. 414

وكان يحيى بن معين يقول: " من لا يخطئ في الحديث فهو كذاب " (١). ويقول: " لست أعجب ممن يحدث فيخطئ، إنما العجب ممن يحدث فيصيب " (٢). وقال ابن حبان: " وفي الدنيا أحد بعد رسول الله ﷺ يعرى عن الخطأ؟ ولو جاز ترك حديث من أخطأ لجاز ترك حديث الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المحدثين؛ لأنهم لم يكونوا بمعصومين " (٣). قال الذهبي: " ليس من حد الثقة أنه لا يغلط ولا يخطئ فمن الذي يسلم من ذلك غير المعصوم الذي لا يقر على الخطأ " (٤). قلت: فهذا شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، ومع ذلك فقد أخذ عليه الخطأ اليسير في أسماء الرواة. قال أبو زرعة الرازي: " كان أكثر وهم شعبة في أسماء الرجال " (٥)، ونحوه قال أبو حاتم كذلك (٦). وقال أبو داود السجستاني: " شعبة يخطئ فيما لا يضره ولا يعاب عليه " يعني في الأسماء (٧). وله في " علل الحديث " لا بن أبي حاتم ثمانية أو تسعة مواضع أخطأ فيها.

стр. 415

وما من هؤلاء الحفاظ المكثرين من يسلم من شيء يؤخذ عليه، والإكثار مظنة العثار، والراوي يحفظ الكثير، فيهم في اليسير، فلا يقدح قليل خطئه في كثير صوابه. قال ابن عدي في (أبي داود الطيالسي): " حدث بأصبهان كما حكى عنه بندار أحداً وأربعين ألف حديث ابتداء، وإنما أراد به من حفظه، وله أحاديث يرفعها، وليس بعجب ممن يحدث بأربعين ألف حديث من حفظه أن يخطئ في أحاديث منها، يرفع أحاديث يوقفها غيره، ويوصل أحاديث يرسلها غيره، وإنما أتي ذلك من قبل حفظه، وما أبو داود عندي وعند غيري إلا متيقظ ثبت " (١). وقال الحافظ أبو حامد ابن الشرقي في (أبي الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري): " أبو الأزهر هذا كتب الحديث فأكثر، ومن أكثر لا بد من أن يقع في حديثه الواحد والاثنان والعشرة مما ينكر " (٢). قلت: فالعبرة إنما هي بغلبة الحفظ والضبط والإتقان وأن يقل الغلط إلى جنب ما روى. واعلم أن ورود مظنة الغلط على كل راو أوجبت التحري والتثبت في قبول الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله ﷺ بفحص أحوال النقلة وتمييز ضبطهم من عدمه، وتمامه من نقصه، ومقدار غلطهم بالنسبة إلى جملة ما رووا، فراو حدث بمئة حديث وأخطأ في بضعة أحاديث، فرفع ما هو موقوف أو وصل ما هو مرسل، فلا تطرح المئة لأجل البضعة، وإنما يميز ما أخطأ فيه بالحجة، ويقبل سائره، وآخر روى عشرة أحاديث فأخطأ في بعضها، فقلة ما روى مع الخطأ تورد الريبة في سائر العشرة، فمثله لا يقبل منه التفرد ويوصف بعدم الضبط أو خفته، وقد يبقى في درجة من يستشهد به، وقد يطرح كلية.

стр. 416

قال عبد الرحمن بن مهدي: قيل لشعبة: متى يترك حديث الرجل؟ قال: " إذا حدث عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون، وإذا أكثر الغلط، وإذا اتهم بالكذب، وإذا روى حديثاً غلطاً مجتمعاً عليه فلم يتهم نفسه فيتركه لذلك طرح حديثه، وما كان غير ذلك فارووا عنه " (١). وقال أحمد بن سنان الواسطي: " كان عبد الرحمن بن مهدي لا يترك حديث رجل إلا رجلاً متهماً بالكذب، أو رجلاً الغالب عليه الغلط " (٢). وكان عبد الرحمن بن مهدي يقول: " ثلاثة لا يحمل عنهم: الرجل المتهم بالكذب، والرجل الكثير الوهم والغلط، ورجل صاحب هوى يدعو إلى بدعة " (٣). وقال أبو موسى محمد بن المثنى: قال لي عبد الرحمن بن مهدي: " يا أبا موسى، أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد ". قلت: يا أبا سعيد، إنهم يقولون: إنك تحدث عن كل أحد. قال: " عمن أحدث؟ "، فذكرت له محمد بن راشد المكحولي، فقال لي: " احفظ عني، الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه. وآخر يهم، والغالب على حديثه الصحة، فهو لا يترك حديثه، لو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس. وآخر يهم، والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه " (٤).

стр. 417

وقال الحميدي: " فإن قال قائل: فما الشيء الذي ظهر لك في الحديث أو من حدث عنه لم يكن مقبولاً؟ قلنا: أن يكون في إسناده رجل غير رضى، بأمر يصح عليه: بكذب، أو جرحة في نفسه ترد بمثلها الشهادة، أو غلطاً فاحشاً لا يشبه مثله، وما أشبه ذلك. فإن قال: فما الغفلة التي ترد بها حديث الرجل الرضى الذي لا يعرف بكذب؟ قلت: هو أن يكون في كتابه غلط، فيقال له في ذلك، فيترك ما في كتابه ويحدث بما قالوا، أو يغيره في كتابه بقولهم، لا يعقل فرق ما بين ذلك. أو يصحف تصحيفاً فاحشاً، فيقلب المعنى، لا يعقل ذلك، فيكف عنه. وكذلك من لقن فتلقن، التلقين يرد حديثه الذي لقن فيه، وأخذ عنه ما أتقن حفظه إذا علم أن ذلك التلقين حادث في حفظه لا يعرف به قديماً، فأما من عرف به قديماً في جميع حديثه؛ فلا يقبل حديثه، ولا يؤمن أن يكون ما حفظ مما لقن " (١). وقال الشافعي: " ومن كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم نقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم نقبل شهادته " (٢).

стр. 418

قلت: هذه بعض عباراتهم الجامعة تشرح ما لخصته قبل: أن ثبوت الغلط من الراوي لا يقدح في حديثه حتى يكثر منه، وما تميز حفظه له من الحديث فهو مقبول، والصدق لا ينافي الغلط في الحفظ. * * *

стр. 419

المبحث الخامس: درجات سوء الحفظ سوء الحفظ باعتبار أثره على حديث الراوي درجات متفاوتة، محصورة في الجملة في قسمين: القسم الأول: اختلال الضبط بما لا يسقط به الراوي وتحته أربعة أصناف من الرواة: الصنف الأول: من غلب ضبطه، واعتراه الوهم والخطأ في اليسير من حديثه: تقدم أنه ليس من شرط الثقة أنه لا يخطئ، وأن الخطأ لا تعصم منه نفس بشر، وإنما العبرة بغلبة الحفظ، وندرة الخطأ أو قلته. فمن أمثلة في الثقات: ١ _ فراس بن يحيى المكتب. قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن فراس المكتب؟ فقال: " ما بلغني عنه شيء، ولا أنكرت من حديثه إلا حديث الاستبراء " (١).

стр. 420

ولذا اتفق على توثيقه النقاد: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي، والنسائي، ومحمد بن سعد، والعجلي، وابن حبان، وغيرهم، ولم يضعفه أحد لروايته حديثاً منكراً؛ نظر لكثرة ما حدث به، وغاية ما جرح به قول يعقوب بن سفيان: " في حديثه لين، وهو ثقة " (١)، وكأنه اطلع على كلمة يحيى القطان فلينه قليلاً مع توثيقه. ٢ _ إسحاق بن إبراهيم بن أبي إسرائيل المروزي. كان ثقة في الحديث، ما عيب عليه إلا في رأيه في مسألة القرآن (٢)، لكن قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: " كان عندي أنه لا يكذب "، فقيل له: إن أبا حاتم قال: ما مات حتى حدث بالكذب، فقال: " حدث بحديث منكر " (٣). قلت: فهذا إن سلم فإنه لم يتجاوز الحديث اليسير الذي لا يؤثر على ثقته في الجملة وصحة حديثه. ٣ _ الحسن بن سوار البغوي. هو صدوق ثقة، لكنه حدث بحديث واحد بإسناد منكر. فقد قال الحافظ أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي: حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء الثقة الرضى وقلت له: الحديث الذي حدثتنا: (رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت) أعده علي، وكان قد حدثتني به قبل

стр. 421

هذه المرة بسنتين. قال: نعم، حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن ضمضم بن جوس، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب، قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت على ناقة، لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. قال أبو إسماعيل: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث؟ فقال: " هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب "، ثم أطرق ساعة، وقال: " أكتبتموه من كتاب؟ "، قلنا: نعم (١). وفي لفظ قال أحمد: " أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر " (٢). وأنكر هذا الحديث غير أحمد من الحفاظ: علي بن المديني، وظاهر صنيع البخاري (٣)، والعقيلي (٤). وذلك أن صواب الإسناد لهذا الحديث كما رواه أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله الكلابي: (رأيت النبي ﷺ الحديث. فهؤلاء النقلة وشبههم لا يتوقف عن شيء من حديثهم حتى يقوم برهان على خطأ أحدهم في شيء معين من ذلك، ولا يلحقون بالمجروحين، بل هم ثقات، إنما يرد عين ما أخطأ فيه أحدهم، لا سائر حديثه. كما تقدم أن ثقات درجات، والراوي الصدوق نازل عن درجة الثقة العليا لنزول درجته في الحفظ لكنا لا نسقط حديثه.

стр. 422

ومن أمثلة هذا الصنف: (محمد بن مصعب القرفساني)، قال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه؟ فقال: " صدوق في الحديث، ولكنه حدث بأحاديث منكرة "، قلت فليس هذا مما يضعفه؟ قال: نظن أنه غلط فيها ". قال: سألت أبي عنه فقال: " ضعيف الحديث "، قلت له: إن أبا زرعة قال كذا، وحكيت له كلامه، فقال: " ليس هو عندي كذا، ضعف لما حدث بهذه المناكير " (١). ويفصح يحيى بن معين عن سبب ذلك فيقول: " لم يكن محمد بن مصعب من أصحاب الحديث، كان مغفلاً، حدث عن أبي الأشهب عن أبي رجاء عن عمران بن حصين: كره بيع السلاح في الفتنة، وإنما هو كلام أبي رجاء " (٢). فمثل هذا لا يلغي وصف الراوي بالصدق، ويبقيه في منزلة التوثيق وقبول الحديث، لكن ينظر في حديثه ويتأنى فيه حتى تزول شبهة النكارة عن حديثه المعين الذي يرويه. وهذا الشأن فيمن ثبت أنه وقعت في حديثه بعض المناكير بسبب سوء الحفظ. أما من ادعي ذلك عليه ولم يوقف منه على شيء من ذلك، فهذا باق على مطلق الثقة وصحة حديثه. وهذا مثل (محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة)، وقد قال فيه على بن المديني: " كان عندنا ثقة، وقد أنكرت عليه أحاديث " (٣)، فهذا الإنكار لا أثر له، وابن المديني لم يعتد به، وكذلك جرى غيره من النقاد على توثيقه.

стр. 423

الصنف الثاني: من كان ضابطاً لكتابه، غير ضابط إذا حدث من حفظه. إذا كان الراوي المعروف بسوء الحفظ رجع إلى كتاب صحيح، فكان يحدث من كتابه، فحديثه من الكتاب صحيح، ويرد من حديثه ما كان حدث به من حفظه. وذلك مثل (شريك بن عبد الله القاضي)، فقد كان كثير الحديث جداً، لكنه سيىء الحفظ، وحديثه القديم صحيح مطلقاً، أما ما لم يتبين منه فهو ضعيف لسوء حفظه، إلا ما كان من كتابه فهو صحيح. قال الحافظ محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: " شريك كتبه صحاح، فمن سمع منه من كتبه فهو صحيح "، قال: " ولم يسمع من شريك من كتابه إلا إسحاق الأزرق " (١). قلت: وقد يتكلم في الراوي لمثل هذه العلة، لكنه يعرف بتعاهد كتابه، فمثل يغلب في حديثه جانب الثقة. وذلك مثل: (همام بن يحيى العوذي البصري)، فقد كان ثقة صادقاً، لكنه كان سيىء الحفظ، يغلط إذا حدث من حفظه. قال يزيد بن زريع: " همام حفظه رديء، وكتابه صالح " (٢)، وقال أبو حاتم الرازي: " ثقة صدوق في حفظه شيء " (٣). قلت: لكنه كان يتعاهد كتابه ويرجع إليه، فاندفع ما يخشى من سوء حفظه. قال أحمد بن حنبل: " من سمع من همام بأخرة هو أصح، وذلك أنه

стр. 424

أصابته مثل الزمانة، فكان يحدثهم من كتابه، فسماع عفان وحبان وبهز أجود من سماع عبد الرحمن؛ لأنه كان يحدثهم (يعني لعبد الرحمن، أي أيامهم) من حفظه. قال عفان: حدثنا همام يوماً بحديث، فقيل له فيه، فدخل فنظر في كتابه، فقال: ألا أراني أخطئ وأنا لا أدري، فكان بعد يتعاهد كتابه " (١). قلت: لكن تبقى حاجة إلى اعتبار هذا الوصف فيه، فإن بين أن ذلك الحديث من كتابه، فهو صحيح، لكن إن لم يبين فربما كان قد استثبته من كتابه وربما اعتمد فيه على مجرد حفظه، غير أن هذا لا يوجب التوقف عن قبول خبره، إنما يوجب الاحتياط فيه، فيبحث فيه عن وهمه وخطئه، فإن عدم فحديثه صحيح، وهكذا ما احتج به الشيخان من حديثه، وذلك من أجل ما عرف به من الصدق والأمانة والحرص على التثبت في الرواية، فذلك يجعله في محل من يقبل حديثه. الصنف الثالث: من تميز ضبطه في حال، وسوء حفظه ولينه في حال. وهذا جرح نسبي، لا يسقط بالراوي جملة، وإنما حيث تميز ما يتقنه من غيره، قبل المحفوظ، وطرح ما سواه، وهنا يجب أن تتنبه إلى أن بعض النقاد ربما أطلق وصف الضعف على من هذا نعته، فظن من لا خبرة له أنه ضعيف مطلقاً، وليس كذلك. ولهذا الصنف صور: الصورة الأولى: أن يكون ضابطاً إلا في حديث بعض الشيوخ.

стр. 425

مثل (عبد الرزاق بن عمر) ثقة إلا عن الزهري. قال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي مسهر _ أو قيل له _: فعبد الرزاق بن عمر؟ فأخبرنا أنه سمع سعيد بن عبد العزيز يقول: " ذهبت أنا وعبد الرزاق بن عمر إلى الزهري، فسمعنا منه "، فحدثنا أبو مسهر أن عبد الرزاق بن عمر أخبره من بعد ما أخبرهم سعيد ما أخبرهم، من حضوره معه عند الزهري: أنه ذهب سماعه من الزهري. قال أبو مسهر: ثم لقيني عبد الرزاق بعد، فقال: قد جمعتها، من بعدما أخبره أنها ذهبت، فقال لنا أبو مسهر: " فيترك حديثه عن الزهري، ويؤخذ عنه ما سواه "، قلت لأبي مسهر: يحدث عن إسماعيل بن عبيد الله، فقال: " ثقة " يعني في إسماعيل بن عبيد الله وغيره خلا الزهري، يعني لذهابها، أو لأنه تتبعها بعد ذهابها (١). ومثل (عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي) ثقة عن شيوخه من أهل بيته، لين عن غيرهم، وكان أيضاً قد اختلط. قال الدارقطني: " إذا حدث عن أبي إسحاق وعمرو بن مرة والأعمش فإنه يغلط، وإذا حدث عن معن والقاسم وعون فهو صحيح، وهؤلاء هم أهل بيته " (٢). ومثل (عكرمة بن عمار)، صدوق عن إياس بن سلمة، لين عن غيره. قال أحمد بن حنبل: " مضطرب عن غير إياس بن سلمة، وكأن حديثه عن إياس بن سلمة صالح " (٣)، وقال: " أحاديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير ضعاف، ليس بصحاح " قال له عبد الله ابنه: من عكرمة أو من يحيى؟ قال: " لا، إلا من عكرمة "، وقال: " أتقن حديث إياس بن سلمة " (٤).
следующие страницы →