← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1416

تحرير علوم الحديث

عبد الله الجديع

Полный текст (1 074 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

هذه المرة بسنتين. قال: نعم، حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن ضمضم بن جوس، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب، قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت على ناقة، لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. قال أبو إسماعيل: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث؟ فقال: " هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب "، ثم أطرق ساعة، وقال: " أكتبتموه من كتاب؟ "، قلنا: نعم (١). وفي لفظ قال أحمد: " أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر " (٢). وأنكر هذا الحديث غير أحمد من الحفاظ: علي بن المديني، وظاهر صنيع البخاري (٣)، والعقيلي (٤). وذلك أن صواب الإسناد لهذا الحديث كما رواه أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله الكلابي: (رأيت النبي ﷺ الحديث. فهؤلاء النقلة وشبههم لا يتوقف عن شيء من حديثهم حتى يقوم برهان على خطأ أحدهم في شيء معين من ذلك، ولا يلحقون بالمجروحين، بل هم ثقات، إنما يرد عين ما أخطأ فيه أحدهم، لا سائر حديثه. كما تقدم أن ثقات درجات، والراوي الصدوق نازل عن درجة الثقة العليا لنزول درجته في الحفظ لكنا لا نسقط حديثه.

стр. 422

ومن أمثلة هذا الصنف: (محمد بن مصعب القرفساني)، قال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه؟ فقال: " صدوق في الحديث، ولكنه حدث بأحاديث منكرة "، قلت فليس هذا مما يضعفه؟ قال: نظن أنه غلط فيها ". قال: سألت أبي عنه فقال: " ضعيف الحديث "، قلت له: إن أبا زرعة قال كذا، وحكيت له كلامه، فقال: " ليس هو عندي كذا، ضعف لما حدث بهذه المناكير " (١). ويفصح يحيى بن معين عن سبب ذلك فيقول: " لم يكن محمد بن مصعب من أصحاب الحديث، كان مغفلاً، حدث عن أبي الأشهب عن أبي رجاء عن عمران بن حصين: كره بيع السلاح في الفتنة، وإنما هو كلام أبي رجاء " (٢). فمثل هذا لا يلغي وصف الراوي بالصدق، ويبقيه في منزلة التوثيق وقبول الحديث، لكن ينظر في حديثه ويتأنى فيه حتى تزول شبهة النكارة عن حديثه المعين الذي يرويه. وهذا الشأن فيمن ثبت أنه وقعت في حديثه بعض المناكير بسبب سوء الحفظ. أما من ادعي ذلك عليه ولم يوقف منه على شيء من ذلك، فهذا باق على مطلق الثقة وصحة حديثه. وهذا مثل (محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة)، وقد قال فيه على بن المديني: " كان عندنا ثقة، وقد أنكرت عليه أحاديث " (٣)، فهذا الإنكار لا أثر له، وابن المديني لم يعتد به، وكذلك جرى غيره من النقاد على توثيقه.

стр. 423

الصنف الثاني: من كان ضابطاً لكتابه، غير ضابط إذا حدث من حفظه. إذا كان الراوي المعروف بسوء الحفظ رجع إلى كتاب صحيح، فكان يحدث من كتابه، فحديثه من الكتاب صحيح، ويرد من حديثه ما كان حدث به من حفظه. وذلك مثل (شريك بن عبد الله القاضي)، فقد كان كثير الحديث جداً، لكنه سيىء الحفظ، وحديثه القديم صحيح مطلقاً، أما ما لم يتبين منه فهو ضعيف لسوء حفظه، إلا ما كان من كتابه فهو صحيح. قال الحافظ محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: " شريك كتبه صحاح، فمن سمع منه من كتبه فهو صحيح "، قال: " ولم يسمع من شريك من كتابه إلا إسحاق الأزرق " (١). قلت: وقد يتكلم في الراوي لمثل هذه العلة، لكنه يعرف بتعاهد كتابه، فمثل يغلب في حديثه جانب الثقة. وذلك مثل: (همام بن يحيى العوذي البصري)، فقد كان ثقة صادقاً، لكنه كان سيىء الحفظ، يغلط إذا حدث من حفظه. قال يزيد بن زريع: " همام حفظه رديء، وكتابه صالح " (٢)، وقال أبو حاتم الرازي: " ثقة صدوق في حفظه شيء " (٣). قلت: لكنه كان يتعاهد كتابه ويرجع إليه، فاندفع ما يخشى من سوء حفظه. قال أحمد بن حنبل: " من سمع من همام بأخرة هو أصح، وذلك أنه

стр. 424

أصابته مثل الزمانة، فكان يحدثهم من كتابه، فسماع عفان وحبان وبهز أجود من سماع عبد الرحمن؛ لأنه كان يحدثهم (يعني لعبد الرحمن، أي أيامهم) من حفظه. قال عفان: حدثنا همام يوماً بحديث، فقيل له فيه، فدخل فنظر في كتابه، فقال: ألا أراني أخطئ وأنا لا أدري، فكان بعد يتعاهد كتابه " (١). قلت: لكن تبقى حاجة إلى اعتبار هذا الوصف فيه، فإن بين أن ذلك الحديث من كتابه، فهو صحيح، لكن إن لم يبين فربما كان قد استثبته من كتابه وربما اعتمد فيه على مجرد حفظه، غير أن هذا لا يوجب التوقف عن قبول خبره، إنما يوجب الاحتياط فيه، فيبحث فيه عن وهمه وخطئه، فإن عدم فحديثه صحيح، وهكذا ما احتج به الشيخان من حديثه، وذلك من أجل ما عرف به من الصدق والأمانة والحرص على التثبت في الرواية، فذلك يجعله في محل من يقبل حديثه. الصنف الثالث: من تميز ضبطه في حال، وسوء حفظه ولينه في حال. وهذا جرح نسبي، لا يسقط بالراوي جملة، وإنما حيث تميز ما يتقنه من غيره، قبل المحفوظ، وطرح ما سواه، وهنا يجب أن تتنبه إلى أن بعض النقاد ربما أطلق وصف الضعف على من هذا نعته، فظن من لا خبرة له أنه ضعيف مطلقاً، وليس كذلك. ولهذا الصنف صور: الصورة الأولى: أن يكون ضابطاً إلا في حديث بعض الشيوخ.

стр. 425

مثل (عبد الرزاق بن عمر) ثقة إلا عن الزهري. قال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي مسهر _ أو قيل له _: فعبد الرزاق بن عمر؟ فأخبرنا أنه سمع سعيد بن عبد العزيز يقول: " ذهبت أنا وعبد الرزاق بن عمر إلى الزهري، فسمعنا منه "، فحدثنا أبو مسهر أن عبد الرزاق بن عمر أخبره من بعد ما أخبرهم سعيد ما أخبرهم، من حضوره معه عند الزهري: أنه ذهب سماعه من الزهري. قال أبو مسهر: ثم لقيني عبد الرزاق بعد، فقال: قد جمعتها، من بعدما أخبره أنها ذهبت، فقال لنا أبو مسهر: " فيترك حديثه عن الزهري، ويؤخذ عنه ما سواه "، قلت لأبي مسهر: يحدث عن إسماعيل بن عبيد الله، فقال: " ثقة " يعني في إسماعيل بن عبيد الله وغيره خلا الزهري، يعني لذهابها، أو لأنه تتبعها بعد ذهابها (١). ومثل (عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي) ثقة عن شيوخه من أهل بيته، لين عن غيرهم، وكان أيضاً قد اختلط. قال الدارقطني: " إذا حدث عن أبي إسحاق وعمرو بن مرة والأعمش فإنه يغلط، وإذا حدث عن معن والقاسم وعون فهو صحيح، وهؤلاء هم أهل بيته " (٢). ومثل (عكرمة بن عمار)، صدوق عن إياس بن سلمة، لين عن غيره. قال أحمد بن حنبل: " مضطرب عن غير إياس بن سلمة، وكأن حديثه عن إياس بن سلمة صالح " (٣)، وقال: " أحاديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير ضعاف، ليس بصحاح " قال له عبد الله ابنه: من عكرمة أو من يحيى؟ قال: " لا، إلا من عكرمة "، وقال: " أتقن حديث إياس بن سلمة " (٤).

стр. 426

ومثل (جرير بن حازم) ثقة إلا عن قتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري، فكان سيىء الحفظ. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت يحيى (يعني ابن معين) عن جرير بن حازم؟ فقال: " ليس به بأس "، فقلت له: إنه يحدث عن قتادة عن أنس أحاديث مناكير؟ فقال: " ليس بشيء، هو عن قتادة ضعيف " (١). وقال ابن عدي: " له أحاديث كثيرة عن مشايخه، وهو مستقيم الحديث، صالح فيه، إلا روايته عن قتادة، فإنه يروي أشياء عن قتادة لا يرويها غيره " (٢). وقال مسلم بن الحجاج: " وجرير لم يعن في الرواية عن يحيى، إنما روى من حديثه نزراً، ولا يكاد يأتي بها على التقويم والاستقامة، وقد يكون من ثقات المحدثين من تضعف روايته عن بعض رجاله " (٣). ومثل (حماد بن سلمة)، فقد كان من أثبت الناس في ثابت البناني، لكن قال مسلم: " وحماد يعد عندهم إذا حدث عن غير ثابت، كحديثه عن قتادة وأيوب ويونس وداود بن أبي هند والجريري ويحيى بن سعيد وعمرو بن دينار وأشباههم، فإنه يخطئ في حديثهم كثيراً " (٤). الصورة الثانية: أن يكون متقناً فيما حدث به في بلد، دون ما حدث به في غيره. وذلك من أجل عدم التمكن في غير بلده، يخطئ لذلك. مثل (شبيب بن سعيد الحبطي)، قال علي بن المديني: " بصري ثقة،

стр. 427

كان من أصحاب يونس (١)، كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه كتاب صحيح " (٢). قال ابن عدي: " عنده عن يونس عن الزهري، وهي أحاديث مستقيمة، وحدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير، وكأن شبيباً إذا روى عنه ابنه أحمد بن شبيب نسخة يونس عن الزهري إذ هي أحاديث مستقيمة ليس هو شبيب بن سعيد الذي يحدث عنه ابن وهب بالمناكير، ولعل شبيباً بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب ومن حفظه؛ فيغلط ويهم، وأرجو أن لا يتعمد شبيب هذا الكذب " (٣). وتكلم فيما حدث به (محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب) في العراق دون الحجاز (٤). الصورة الثالثة: أن يكون متقناً فيما حمله من حديث أهل بلده دون غيرهم. وهذا متصور من أجل اعتناء الراوي بحديث أهل بلده فيتقن حفظه، دون ما حدث به عن غيرهم. وذلك مثل (إسماعيل بن عياش الحمصي)، قال يحيى بن معين: " إذا حدث عن الشاميين فحديثه صحيح، وإذا حدث عن العراقيين أو المدنيين خلط ما شئت " (٥). وقال ابن عدي بعد أن ذكر طائفة من حديثه عن غير أهل بلده الشاميين: " هذه الأحاديث من أحاديث الحجاز ليحيى بن سعيد، ومحمد بن عمرو، وهشام بن عروة، وابن جريج، وعمر بن محمد، وعبيد الله الوصافي، وغير ما ذكرت من حديثهم، ومن حديث العراقيين، إذا رواه

стр. 428

ابن عياش عنهم فلا يخلو من غلط يغلط فيه، إما أن يكون حديثاً موصولاً يرسله، أو مرسلاً يوصله، أو موقوفاً يرفعه، وحديثه عن الشاميين إذا روى عنه ثقة فهو مستقيم الحديث، وفي الجملة: إسماعيل بن عياش ممن يكتب حديثه ويحتج به في حديث الشاميين خاصة " (١). ومن هؤلاء (بقية بن الوليد الشامي)، قال ابن عدي: " في بعض رواياته يخالف الثقات، وإذا روى عن أهل الشام فهو ثبت، وإذا روى عن غيرهم خلط، كإسماعيل بن عياش، إذا روى عن الشاميين فهو ثبت، وإذا روى عن أهل الحجاز والعراق خالف الثقات في روايته عنهم " (٢). الصورة الرابعة: أن يكون ثقة مقبولاً في أحاديث الرقائق والمواعظ، دون الأحكام. وهذه الصورة راجعة في الأصل إلى تسهل أهل الحديث في روايات المعروفين بالصدق في غير ما يثبت حكماً أو أصلاً، لعلة أن الأحكام مما تتوافر الهمم على حفظه، فكونه لا يأتي إلا من طريق من في حفظه ضعف، فذلك شبهة على عدم إتقانه، بخلاف أبواب الرقائق وشبهها فالشواهد لها في الأصل قائمة، فالراوي المتكلم في حفظه لا يأتي فيها بما لا يحتمل مثله. وهذا مثل: (فليح بن سليمان المدني)، فقد خرج له البخاري في " صحيحه " في مواضع، وهو لين الحديث ليس بالقوي فيه، لكن عذر البخاري أنه لم يخرج له في الأحكام شيئاً، إنما عامة ما أخرجه له إما ما هو معروف من غير طريقه أو رقائق. وتكلم بعض النقاد في حفظ (محمد بن إسحاق) صاحب " السيرة "، في روايته في غير السير.

стр. 429

نقل أبو الفضل عباس بن محمد الدوري عن أحمد بن حنبل قال: " أما محمد بن إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث " كأنه يعني المغازي ونحوها " فأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً هكذا " , وقبض أبو الفضل أصابع يده الأربع من كل يد ولم يضم الإبهام (١). وسئل عبد الله بن أحمد بن حنبل عن (محمد بن إسحاق)؟ فقال: كان أبي يتتبع حديثه ويكتبه كثيراً بالعلو والنزول، ويخرجه في (المسند)، وما رأيته اتقى حديثه قط، قيل له: يحتج به؟ قال: " لم يكن يحتج به في السنن " (٢). فابن إسحاق ثقة حجة في السير والمغازي؛ لا عتنائه بها، وهو في التحقيق صدوق في الأحكام، يحكم لحديثه بالحسن بعد السبر والنظر وتحقق حفظه له على الوجه. الصورة الخامسة: أن يكون متقناً في النقل لغير الحديث، دون ذلك في الحديث. وفي هذا أن الناقل يكون قد انصرف همه إلى الاعتناء بفن فأتقنه، وتقحم الحديث وليس من فنه فأتى بما لا يحمد، فحيث تميز لنا أمره وعرفنا الفصل فيما روى، فنقتصر على جرحه في الحديث خاصة دون سائر ما روى من العلم. وهذا مثل (حفص بن سليمان القارئ)، فقد بلغ به سوء حفظه ونكارة حديثه إلى أن كان متروكاً في الحديث، لكنه حجة في القراءة، بل عليه المعول في قراءة عاصم، والتي يقرأ بها اليوم أكثر أهل الإسلام.

стр. 430

وقال يحيى بن معين في (زياد بن عبد الله البكائي): " ليس حديثه بشيء، وكان عندي في المغازي لا بأس به " (١). قلت: يعني في روايته " المغازي " عن ابن إسحاق. الصورة السادسة: ثقة في الأصل، لكن اختلط وتغير حفظه بأخرة، للكبر، أو لعارض. الاختلاط، هو: فساد العقل بالخرف، لتقدم السن غالباً، أو لعوارض أخرى. مثل (صالح بن نبهان مولى التوأمة)، سأل محمد بن عثمان بن أبي شيبة علي بن المديني عن صالح مولى التوأمة؟ فقال: " صالح ثقة، إلا أنه خرف وكبر، فسمع منه قوم وهو خرف كبير، فكان سماعهم ليس بصحيح: سفيان الثوري منه سمع منه بعدما خرف، وكان ابن أبي ذئب قد سمع منه قبل أن يخرف " (٢). وقال ابن أبي مريم: سمعت يحيى بن معين يقول: " صالح مولى التوأمة ثقة حجة "، قلت له: إن مالكاً ترك السماع منه، فقال لي: " إن مالكاً إنما أدركه بعد أن كبر وخرف، وسفيان الثوري إنما أدركه بعد ما خرف، فسمع منه سفيان أحاديث منكرات، وذلك بعدما خرف، ولكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف " (٣). وروى عباس الدوري عن يحيى بن معين، قال: " خرف قبل أن يموت، فمن سمع منه قبل أن يختلط فهو ثبت " (٤).

стр. 431

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن بشر بن عمر زعم أنه سأل مالكاً عن صالح مولى التوأمة؟ فقال: " ليس بثقة "؟ فقال أبي: " مالك كان قد أدرك صالحاً وقد اختلط وهو كبير، من سمع منه قديماً فذاك، وقد روى عنه أكابر أهل المدينة، وهو صالح الحديث، ما أعلم به بأساً " (١). وقال ابن عدي: " هو في نفسه ورواياته لا بأس به إذا سمعوا منه قديماً، فالسماع القديم منه سمع منه ابن أبي ذئب وابن جريج وزياد بن سعد وغيرهم، ممن سمع منه قديماً، فأما من سمع منه بأخرة فإنه سمع وهو مختلط، ولحقه مالك والثوري وغيرهما بعد الاختلاط، وحديث صالح الذي حدث به قبل الاختلاط ولا أعرف له حديثاً منكراً إذا روى عنه ثقة، وإنما البلاء ممن دون ابن أبي ذئب، ويكون ضعيفاً فيروي عنه، ولا يكون البلاء من قبله، وصالح مولى التوأمة لا بأس بروايته وحديثه " (٢). أما ابن حبان، فإنه ذكر قول يحيى بن معين من رواية الدوري عنه، وقال بعده: " هو كذلك لو تميز حديثه القديم من حديثه الأخير، فأما عند عدم التمييز لذلك واختلاط البعض بالبعض يرتفع به عدالة الإنسان حتى يصير غير محتج به ولا معتبر بما يرويه " (٣). قلت: كلام ابن حبان هذا من حيث التأصيل في شأن المختلط صحيح في الجملة، لكن القدح في عدالته إنما أراد به الإتقان، وعدم الاعتبار بما يرويه ليس على معنى الترك. أما بالنظر إلى حال صالح، فليس كما قال؛ لأنه قد تميز أن رواية ابن أبي ذئب والأقدمين عنه كانت قبل اختلاطه، وما مثل به ابن حبان من

стр. 432

الحديث الذي أنكره عليه فهو من رواية ابن أبي ذئب عنه ولم يرده ابن حبان إلا من جهة معارضته في رأيه لحديث آخر صحيح، وليس بينهما معارضة في التحقيق. وأمثلته في الثقات عديدة، ومن أحسن ما فيه كتاب " الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات " لأبي البركات ابن الكيال (المتوفى سنة: ٩٣٩). ومن العوارض الأخرى غير الخرف، ما قاله أبو حاتم الرازي في (أبي بكر بن أبي مريم): " ضعيف الحديث، طرقته لصوص فأخذوا متاعه، فاختلط " (١). ومن علة الجرح بالاختلاط أن المختلط ربما قبل التلقين. مثل ما حدث به أحمد بن حنبل، قال: " رأيت سنيداً عند حجاج بن محمد، وهو يسمع منه كتاب (الجامع) _ يعني لابن جريج _، فكان في الكتاب: ابن جريج، قال: أخبرت عن يحيى بن سعيد، و: أخبرت عن الزهري، و: أخبرت عن صفوان بن سليم. فجعل سنيد يقول لحجاج: قل يا أبا محمد: ابن جريج عن الزهري، و: ابن جريج عن يحيى بن سعيد، و: ابن جريج عن صفوان بن سليم. فكان يقول له هكذا ". قال عبد الله بن أحمد: ولم يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجاج، وذمه على ذلك. قال أحمد: " وبعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذه " يعني قوله: (أخبرت)، و (حدثت عن فلان) (٢).

стр. 433

وليس من الاختلاط قول الحاكم في (عبد الله بن محمد بن عقيل): " عمر، فساء حفظه، فحدث على التخمين " (١). فهذا إنما هو ضعف للحفظ للكبر، كالذي وقع لهشام بن عروة، ولم يقدح في حديثه، وليس خرفاً. حكم حديث المختلط: وقع كثيراً من أئمة الحديث الكبار متقدميهم ومتأخريهم تعليل الروايات بأن فلاناً إنما سمع من فلان بعد أن اختلط. فهذا أحمد بن حنبل يعلل حديثاً من رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق السبيعي، فيقول: " زهير سمع من أبي إسحاق بأخرة " (٢). قال الحازمي: " أما من زال عقله بأمر طارئ، كالاختلاط وتغيب الذهن؛ فلا يعتد بحديثه، ولكن يلزم الطالب البحث عن وقت اختلاطه، فإن كان لا يمكن الوصول إلى علمه طرح حديثه بالكلية؛ لأن هذا عارض قد طرأ على غير واحد من المتقدمين والحفاظ المشهورين، فإذا تميز له ما سمعه ممن اختلط في حال صحة جاز له الرواية عنه وصح العمل فيها " (٣). وجوب تحقيق تأثير الاختلاط في حديث الراوي الموصوف به: الراوي إذا أطلق الكبار من نقاد المحدثين توثيقه، وذكر أنه اختلط لما كبر، فالأصل التوثيق حتى يتبين الوهم بسبب الاختلاط، ولا يجوز رد حديثه بمجرد هذا الوصف له. فهذا (بحر بن مرار بن عبد الرحمن بن أبي بكرة) وصفه يحيى بن

стр. 434

سعيد القطان بالاختلاط، فقال: " رأيته قد اختلط "، وتبع بعضهم يحيى على ذلك، وطائفة أطلقت توثيقه دون الاعتداد بوصفه بالاختلاط، وذلك أن الرجل لم يثبت وهمه في شيء أو تحديثه بما ينكر بسبب ما قاله يحيى من اختلاطه، مما يجيز أن يكون لم يحدث بعد اختلاطه بشيء، ولذا قال ابن عدي: " لا أعرف له حديثاً منكراً فأذكره، ولم أر أحداً من المتقدمين ممن تكلم في الرجال ضعفه إلا يحيى القطان ذكر أنه كان قد خولط، ومقدار ما له من الحديث لم أر فيه حديثاً منكراً " (١). أما إن ثبت أن الاختلاط أضر بحديثه، فلينوه بعد اختلاطه من أجل ذلك، فهذا هو الذي لا يقبل من حديثه إلا ما حدث به قبل اختلاطه، وذلك بحسب قدم السامعين منه، وما حدث به بعد الاختلاط فهو صالح للاعتبار ما لم يثبت فيه وهم أو خطأ فيميز. قال ابن حبان وقد ذكر المختلط في آخر عمره: " لا نعتمد من حديثهم إلا ما روى عنهم الثقات من القدماء الذين نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم، وما وافقوا الثقات في الروايات التي لا نشك في صحتها وثبوتها من جهة أخرى؛ لأن حكمهم وإن اختلطوا في أواخر أعمارهم، وحمل عنهم في اختلاطهم بعد تقدم عدالتهم، حكم الثقة إذا أخطأ، أن الواجب ترك خطئه إذا علم، والاحتجاج بما نعلم أنه لم يخطئ فيه، وكذلك حكم هؤلاء: الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات، وما انفردوا مما روى عنهم القدماء من الثقات الذين كان سماعهم منهم قبل الاختلاط سواء " (٢). كما قال ابن عدي في (سعيد بن إياس الجريري) و (سعيد بن أبي عروبة): " سعيد الجريري مستقيم الحديث وحديثه حجة من سمع منه قبل

стр. 435

الاختلاط، وهو أحد من يجمع حديثه من البصريين، وسبيله كسبيل سعيد بن أبي عروبة، لأن سعيد بن أبي عروبة أيضاً اختلط، فمن سمع منه قبل الاختلاط فحديثه مستقيم حجة " (١). وقال في (ابن أبي عروبة): " من سمع منه قبل الاختلاط فإن ذلك صحيح حجة، ومن سمع بعد الاختلاط فذلك ما لا يعتمد عليه " (٢). ويخرج من هذا الأصل: ما دل التحري أن راوياً ممن حدث عن المختلط بعد اختلاطه قد انتفى من حديثه المستقيم المحفوظ؛ فهذا استثناء يلحق بالمقبول الصالح للاحتجاج من حديث ذلك المختلط. قال يحيى بن معين: قلت لوكيع بن الجراح: تحدث عن سعيد بن أبي عروبة وإنما سمعت منه في الاختلاط؟ قال: " رأيتني حدثت عنه إلا بحديث مُستوٍ؟! " (٣). ومن هذا ما خرجه الشيخان من حديث من روى عن بعض الثقات المختلطين بعد اختلاطهم، فإنهما لم يخرجا من حديث هذا الضرب ما يمكن إنكاره، وما خرجا منه إلا ما هو محفوظ. وتلخيص القسمة في الراوي الثقة الذي ثبت أنه اختلط أن قبول ما يقبل من حديثه ورد ما يرد منه على أحوال أربعة تضبط بحسب من روى عنه: أولها: أن يثبت أن السماع وقع منه قبل اختلاطه، فهذا يحتج به. وثانيها: أن يثبت أن السماع وقع منه بعد اختلاطه، فهذا ضعيف لا يحتج به، وإنما يصلح للاعتبار إن لم يكن مما ثبت خطؤه فيه بعينه فيجتنب الخطأ.

стр. 436

وثالثها: أن يثبت أن السماع وقع منه بعد اختلاطه، ولكن من حمل عنه تحرى في أخذه عنه، فلم يحمل عنه إلا صحيح حديثه، فهذا يحتج به. ورابعها: أن لا يتبين متى وقع السماع منه: قبل الاختلاط أو بعده، فهذا يتحرى فيه، ويلحق بأشبه حديثه قبل اختلاطه غالباً ألحق بمن يحتج بحديثه عنه، وإن كان العكس فالعكس، وإن تحير الباحث توقف فيه، وهذا يجعله صالحاً للاعتبار على أدنى تقدير. الراوي يختلط فلا يتميز صحيح حديثه من سقيمه: وهذه حال خارجة عن وصف الثقة، إذ هذا الصنف من الرواة ضعفاء. وصورته: الراوي يختلط فيأتي بالمنكرات بسبب اختلاطه، ولا يتميز ما حدث به على الصحة من غيره. فهذا يضعف مطلقاً، وغاية أمره أن يصلح حديثه للاعتبار، إذا لم يبلغ حد الترك. ومن مثاله: (ليث بن أبي سليم)، قال مؤمل بن الفضل _ وكان ثقة _: قلنا لعيسى بن يونس: لم تسمع من ليث بن أبي سليم؟ قال: " قد رأيته وكان قد اختلط، وكان يصعد المنارة ارتفاع النهار فيؤذن " (١). وقال ابن حبان في (عبيد بن معتب): " كان ممن اختلط بأخرة، حتى يجعل يحدث بالأشياء المقلوبة عن أقوام أئمة، ولم يتميز حديثه القديم من حديثه الجديد، فبطل الاحتجاج به " (٢).

стр. 437

وممن وقع له ذلك ولم يتميز من حمل عنه قبل اختلاطه ممن حمل عنه بعده، فضعف مطلقاً (يزيد بن أبي زياد)، قال ابن حبان: " كان يزيد صدوقاً، إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير، فكان يتلقن ما لقن، فوقع المناكير في حديثه من تلقين غيره إياه وإجابته فيما ليس من حديثه؛ لسوء حفظه، فسماع من سمع منه قبل دخوله الكوفة في أول عمره سماع صحيح، وسماع من سمع منه في آخر قدومه الكوفة بعد تغير حفظه وتلقنه ما يلقن سماع ليس بشيء " (١). قلت: ولا يكاد يتميز شيء مما حدث به قبل التغير، إلا أن يظهر بالمتابعة، أما لذاته فضعيف. التخليط غير الاختلاط بأخرة: التخليط اختلال عارض في الضبط يقع في حال الصحة لا الخرف. ومنه قول أبي حاتم الرازي في (أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب: " كتبنا عنه وأمره مستقيم، ثم خلط بعد، ثم جاءني خبره أنه رجع عن التخليط "، وقال: " كان صدوقاً ". قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة وأتاه بعض رفقائي، فحكى عن أبي عبيد الله ابن أخي ابن وهب أنه رجع عن تلك الأحاديث، فقال أبو زرعة: " إن رجوعه مما يحسن حاله، ولا يبلغ به المنزلة التي كان قبل ذلك " (٢). وهذا زال تخليطه وضبط حديثه ورجع عن خطئه. ومن الرواة من يقع ذلك له فيتمكن منه سوء الحفظ، حتى لا يقيم الحديث.

стр. 438

مثل (إسماعيل بن مسلم المكي)، وقد ضعفوه، قال يحيى القطان: " لم يزل مخلطاً، كان يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب " (١). ومثل (صالح بن أبي الأخضر)، قال عمرو بن علي: سمعت معاذ بن معاذ العنبري، وذكر صالح بن أبي الأخضر، فقال: سمعته يقول: سمعت من الزهري، وقرأت عليه، فلا أدري هذا من هذا، فقال يحيى بن سعيد القطان وهو إلى جنبه: " لو كان هكذا لكان خيراً، ولكنه سمع وعرض، ووجد شيئاً مكتوباً، فقال: لا أدري هذا من هذا " (٢). وقال ابن حبان: " يروي عن الزهري أشياء مقلوبة .. اختلط عليه ما سمع من الزهري بما وجد عنده مكتوباً، فلم يميز هذا من ذاك ". قال: " من اختلط عليه ما سمع بما لم يسمع ثم لم يرع عن نشرها بعد علمه بما اختلط عليه منها، حتى نشرها وحدث بها وهو لا يتيقن بسماعها؛ لبالحري (٣) أن لا يحتج به في الأخبار؛ لأنه في معنى من يكذب وهو شاك، أو يقول شيئاً وهو يشك في صدقه، والشاك في صدق ما يقول لا يكون بصادق " (٤). الصنف الرابع: من غلب عليه سوء الحفظ، فغلب في حديثه احتمال خطئه ووهمه، مع بقاء وصف الصدق له في الجملة. وهذا كثير في الرواة المجروحين، ممن يعتبر بحديثهم، ولم يسقطوا، وتقدم له أمثلة كثيرة في الرواة كليث بن أبي سليم، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعلي بن زيد بن جدعان، وشبههم من الضعفاء الذين يكتب حديثهم ويعتبر به.

стр. 439

القسم الثاني: فساد الضبط إلى حد أن يكون الراوي متروك الحديث وهذا يقع بغلبة المناكير على حديث الراوي، فيوصف بكونه: " منكر الحديث "، أو " متروك الحديث ". فأما أن يكون " متروك الحديث " فلا يدخل هذا الوصف اشتباه، إذ هو الراوي غلب عليه الوهم والخطأ حتى فحش، وغلبت المنكرات على حديثه، حتى ربما أورده الشبهة عليه بالكذب، فاتهم به بناء على ذلك، كما بينت بعض أمثلته في (المبحث الثاني). ومن مثاله (عبد الله بن سلمة الأفطس) اتفقوا على كونه متروك الحديث، بل اتهم، ويفسر ابن حبان جرحه بقوله: " كان سيىء الحفظ، فاحش الخطأ، كثير الوهم " (١). ولكن يقع الاشتباه في الراوي يوصف بكونه (منكر الحديث)، فإن تلك النكارة على درجات في عبارات النقاد، بينتها في (تفسير عبارات الجرح والتعديل)، وفي (القسم الثاني) عند الكلام على (الحديث المنكر)، حيث أطلقت على الراوي لا يبلغ الترك، كما أطلقت على المتروك. طريق كشف النكارة: والمعتبر في وصف الراوي بذلك في الأصل هو ما أتى به من الروايات المنكرة التي علمت نكارتها، بالتفرد بغير المعروف، أو بالمخالفة للمعروف، بالقدر الذي يغلب على حديث الراوي. كما قال مسلم بن الحجاج: " علامة المنكر في حديث المحدث: إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى،

стр. 440

خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث، غير مقبوله ولا مستعلمه، فمن هذا الضرب من المحدثين: عبد الله بن محرر، ويحيى بن أبي أنيسة، والجراح بن المنهال أبو العطوف، وعباد بن كثير، وحسين بن عبد الله بن ضميرة، وعمر بن صهبان، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث، فلسنا نعرج على حديثهم ولا نتشاغل به " (١). ومن طريق كشف نكارة الحديث: أن يستغرب الحديث مما تفرد به عن الثقة، فيبحث عن أصله في كتب ذلك الثقة وقد عرف اعتناؤه بحديثه ورجوعه إلى أصول، فلا يوجد فيها الحديث، فيعرف بذلك أن الحديث منكر. قال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد سئل عن حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن أنس عن النبي ﷺ قال: " الأئمة من قريش "؟ قال: " ليس هذا في كتب إبراهيم، لا ينبغي أن يكون له أصل " (٢). ومن أمثلته في الرواة: (محمد بن أبي حميد الزرقي)، قال أحمد بن حنبل: " أحاديثه أحاديث مناكير " (٣)، وفي معناه قول يحيى بن معين المجمل: " ليس بشيء " (٤)، وقال أبو حاتم: " منكر الحديث، ضعيف الحديث، مثل ابن أبي سبرة ويزيد بن عياض، يروي عن الثقات المناكير " (٥). قلت: وهذا منكر الحديث، قد يتردد في بلوغه الترك.

стр. 441

و (مغيرة بن زياد الموصلي)، قال أحمد بن حنبل: " ضعيف الحديث "، وقال: " روى عن عطاء عن ابن عباس في الرجل تحضره الجنازة، قال: لا بأس أن يصلي عليها ويتيمم "، قال أحمد: رواه ابن جريج وعبد الملك عن عطاء، مرسل "، قال أحمد: " وروى عن عطاء عن عائشة عن النبي ﷺ : من صلى في يوم ثنتي عشرة ركعة. وهذا يروونه عن عطاء عن عنبسة عن أم حبيبة: من صلى في يوم ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة. وروى عن عطاء عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا سافر قصر وأتم، والناس يروونه عن عطاء، مرسل " (١). وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن حديث المغيرة بن زياد عن عطاء عن عائشة قالت: قصر النبي ﷺ في السفر وأتم، وصام وأفطر، يصح؟ قال: " له أحاديث منكرة "، وأنكر هذا الحديث (٢). وقال أحمد مرة: " ضعيف الحديث، له أحاديث منكرة "، وفي موضع آخر: " ضعيف الحديث، أحاديثه أحاديث مناكير "، وفي موضع: " كل حديث رفعه مغيرة بن زياد فهو منكر " (٣). أما يحيى بن معين فقلل قدر المناكير في حديثه، فقال: " له حديث واحد منكر "، وفسره عبد الله بن أحمد عن أبيه بحديث ابن عباس في الرجل تمر به الجنازة يتيمم ويصلي (٤). قلت: وهذا مثال لمن يتردد بين الترك والاعتبار. و (محمد بن معاوية النيسابوري)، قال أحمد بن حنبل: " رأيت أحاديثه موضوعة "، وقال أبو حاتم الرازي: " روى أحاديث لم يتابع عليها، أحاديثه

стр. 442

منكرة، فتغير حاله عند أهل الحديث "، وكان يحيى بن معين يقول: " كذاب "، لكن أبا زرعة الرازي يفسر تلك المنكرات منه بسبب قبوله التلقين، فيقول: " كان شيخاً صالحاً، إلا أنه كلما لقن يلقن، وكلما قيل: إن هذا من حديثك حدث به، يجيئه الرجل فيقول: هذا من حديث معلى الرازي، وكنت أنت معه، فيحدث بها على التوهم " (١). وهذا التفسير من أبي زرعة يدفع عنه تعمد الكذب، مع أن أحاديثه موضوعة، فمثله متروك الحديث على أي حال. والعلة في التردد في بعض هؤلاء بين الاعتبار بحديثه أو تركه كلية، وكذلك من كان أمره إلى ترك حديثه مطلقاً، هو قدر الغلط في حديثهم. وحيث إن أحدهم لم يبلغ به الجرح حد التهمة، فإن سبب الجرح يعود إلى سوء حفظه الموجب كثرة خطئه وغلبته. مظان سياق منكرات الراوي: كتب الجرح والتعديل قد سلك أكثرها مسلك الاختصار، فمع أن الناقد صار إلى جرح الراوي بحسب ما ظهر له من حاله وحديثه، إلا أنه لا يكاد يسوق مثالاً من مرويات ذلك المجروح مما كان دليلاً لديه على جرحه، سوى أن ما تفرق من جرح للرواة في أثناء كتب علل الحديث يصلح أن يستفاد من تلك الأحاديث المعللة أمثلة على ما من أجله قدح في بعض الرواة، فهذا طريق. كذلك اعتنى المتأخرون الذين صنفوا في تتبع المجروحين بجمع أنكر ما للراوي المجروح، أو مثلوا ببعض ذلك ليستدل به على ما عداه، وذلك مثل: أبي أحمد بن عدي في كتاب " الكامل "، وأبي جعفر العقيلي في كتاب " الضعفاء "، وأبي حاتم بن حبان في كتاب " المجروحين "، كما جرى على

стр. 443

سننهم الذهبي في " ميزان الاعتدال " بحكاية بعض ما قالوا، وبالزيادة عليه. لكن يجدر بك أن تعلم أنهم ربما ذكروا الحديث الثابت، يكون التمثيل له للمنكر من حديث الراوي مرجوحاً، أو لا يكون ذكر الراوي في هذه الكتب صواباً أصلاً، وابن عدي خاصة أكثرهم اعتناء بذكر ما ينكر على الراوي، لكنه يزيد فيذكر من غرائبه وأفراده، زد على ذلك أنه ربما ذكر من الرواة من الصواب فيه التعديل، في نظر ابن عدي نفسه أو نظر غيره من أهل العلم، وربما ساق للراوي من حديثه ما يستدل به على أن حديثه من قبيل المحتمل أو الصالح أو المستقيم المحفوظ. * * *

стр. 444

المبحث السادس: مسائل تتصل بالجرح بسوء الحفظ المسألة الأولى: الراوي قد يكون لين الحديث من جهة عدم ظهور إتقانه لقلة حديثه، أو لمجيء حديثه على غير سياق روايات الثقات، وإن لم يكن أتى بمنكر. مثل (عبد الصمد بن حبيب العوذي)، كان قليل الحديث، قال البخاري وأبو حاتم الرازي: " لين الحديث، ضعفه أحمد " (١)، زاد أبو حاتم: " يكتب حديثه، ليس بالمتروك ". ومثل (إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي)، ضعفه الأكثرون، لكن جاء ضعفه من جهة لين فيه لا أنه روى منكراً، ولذا قال ابن عدي: " ليس هو بمنكر الحديث، يكتب حديثه " (٢)، وقال أبو حاتم قبله: " يكتب حديثه، وهو حسن الحديث " (٣). المسألة الثانية: الإغراب عن الثقات. نعت الراوي برواية الغرائب سبب للجرح، إذا كان مثله لا يحتمل

стр. 445

مثلها، كراو لم يرو إلا بضعة أحاديث، فيغرب بأكثرها، وذلك إسناداً أو متناً أو جميعاً، فهذا يشعر بلين حديثه، وإن لم يصل ما تفرد به إلى حد النكارة. أما الثقة المكثر إذا أغرب ببعض حديثه عن شيخ عرف بالعناية به، فهو من علامة تميزه وإتقانه. لذا فحين تكلم في (حرملة بن يحيى التجيبي المصري) من أجل ما أغرب به عن عبد الله بن وهب رد ذلك ابن عدي، فقال: " قد تبحرت حديث حرملة وفتشته الكثير، فلم أجد في حديثه ما يجب أن يضعف من أجله، ورجل توارى ابن وهب عندهم ويكون عنده حديثه كله، فليس ببعيد أن يغرب على غيره من أصحاب ابن وهب كتباً ونسخاً " (١). والإغراب مما تميل إليه النفوس بطبعها، لكن من عرفوا بالإتقان كانوا يتقون الإغراب إلا بمحفوظ، بخلاف من كان همه تكثير الرواية، فهذا لا يبالي بما حدث ولا عمن حدث، حتى ربما لحقته التهمة بسبب ذلك، كما كان الشأن في حق (الهيثم بن عدي) , و (محمد بن عمر الواقدي) وشبههما. كما قال أبو يوسف القاضي: " من تتبع غريب الحديث كُذِّب " (٢).

стр. 446

وقال ابن حبان: " صناعة الحديث صناعة من لم يقنع بيسير ما سمع عن كثير ما فاته "، قال: " وكل من حدث عن كل من سمع في الأيام وبكل ما عنده، عرض نفسه للقدح والملام، ولست أعلم للمحدث إذا لم يحسن صناعة الحديث خصلة خيراً له من أن ينظر إلى كل حديث يقال له: إن هذا غريب ليس عند غيرك، أن يضرب عليه من كتابه ولا يحدث به؛ لئلا يكون ممن يتفرد دائماً، لو أراد الحاسد أن يقدح فيه تهيأ له، ولا يسمعه أن يروي إلا عن شيخ ثقة بحديث صحيح، يكون إلى رسول الله ﷺ بنقل العدل عن العدل موصولاً " (١). والناقد إذا روى الراوي الذي لا يحتمل الإغراب لعدم شهرته بالحفظ، أو لقلة ما روى، جاء عن الراوي المشهور بغير المعروف من حديثه من رواية الثقات، كان ذلك شبهة للقدح فيه، وتقوى حتى تثبت على ذلك الراوي بحسب نوع ما تفرد به وقدره، ويقع هذا في شأن راو قليل الحديث أصلاً غير مشهور ربه. ومن أمثلة هؤلاء: (سعيد بن زربي)، ذكر العقيلي حديثاً من روايته عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ قال: " لقد أوتي أبو موسى مزماراً من مزامير آل داود "، قال العقيلي: " ولا يتابع عليه من حديث ثابت، وقد روي هذا بإسناد جيد ثابت من غير هذا الوجه " (٢). وكقول ابن حبان في (محمد بن عبيد الله (٣) العصري): " منكر الحديث جداً، يروي عن ثابت ما لا يتابع عليه كأنه ثابت آخر، لا يجوز الاحتجاج به، ولا الاعتبار بما يرويه إلا عند الوفاق للاستئناس به " (٤).

стр. 447

فأمثال هذا أو ذاك ممن لم يرو إلا القليل، ومع ذلك يتفرد بما لا يعرف عن الثقات، فهذا يعود عليه تفرده ذلك بالجرح لا بالمحمدة. المسألة الثالثة: الإصرار على الخطأ. يراد به أن يبين للراوي أنه أخطأ، فيصر أنه مصيب، ولا يرجع إذا بين له، وهذا جعله بعض النقاد قادحاً فيمن عرف منه مطلقاً، وبعضهم يذكره قادحاً لكن لا يطلقه، ولذلك فقد ذكر به بعض من استقر عند الأكثرين توثيقهم. والتحرير لهذه المسألة: أن القدح في الراوي إنما هو من جهة خطئه لا من جهة إصراره على ما يحسب نفسه مصيباً فيه. قال حمزة السهمي: سألته (يعني الدارقطني) عمن يكون كثير الخطأ؟ قال: " إن نبهوه عليه ورجع عنه فلا يسقط، وإن لم يرجع سقط " (١). ومن أمثلته في الضعفاء (سفيان بن وكيع) " قيل لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: لم رويت عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وتركت سفيان بن وكيع؟ فقال: " لأن أحمد بن عبد الرحمن لما أنكروا عليه تلك الأحاديث رجع عنها عن آخرها، إلا حديث مالك عن الزهري عن أنس: (إذا حضر العشاء)، فإنه ذكر أنه وجده في درج من كتب عمه في قرطاس، وأما سفيان بن وكيع، فإن وراقه أدخل عليه أحاديث، فرواها، وكلمناه فيها فلم يرجع عنها، فاستخرت الله وتركت الرواية عنه " (٢). و (المسيب بن واضح)، قال أبو حاتم الرازي: " صدوق، كان يخطئ كثيراً، فإذا قيل له لم يقبل " (٣).

стр. 448

ومن أمثلته في الثقات: (محمد بن عبيد الطنافسي)، قال أحمد بن حنبل: " كان يخطئ، ولا يرجع عن خطئه " (١). و (محمد بن غالب تمتام) فقد ذكر الدارقطني من أوهامه أنه حدث محمد بن جعفر الوركاني، عن حماد بن يحيى الأبح، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ قال: " شيبتني هود وأخواتها "، قال الدارقطني: " فأنكروا عليه موسى بن هارون وعبيدة، فأخرج أصله وجاء إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي، فأوقفه عليه، فقال: ربما وقع على الناس الخطأ في الحداثة، ولو تركته لم يضرك، فقال: أنا لا أرجع عما في أصل كتابي "، ثم بين الدارقطني كيف دخله الوهم، ووثقه وأثنى عليه (٢). قلت: وهذا من أمثلته الثقات، كان إصراره حين أصر من أجل ما اعتقده من ضبطه. المسألة الرابعة: جرح الراوي مقارنة بغيره، من الجرح النسبي، ولا ينافي أصل الثقة، إلا أن تكون المقارنة بين ضعيفين. الناقد ربما ضعف الراوي في بعض الشيوخ، ولم يعن مطلقاً، وإنما عند المقارنة بمن هو أتقن منه عن ذلك الشيخ، كالشأن في تضعيف بعض أصحاب الزهري مقارنة بالمتقنين. قال يعقوب بن شيبة: سمعت يحيى بن معين يقول: " كان جعفر بن برقان أمياً "، فقلت له: جعفر بن برقان كان أمياً؟ قال: " نعم "، قلت: كيف روايته؟ فقال: " كان ثقة صدوقاً، وما أصح رواياته عن ميمون بن مهران وأصحابه! "، فقلت له: أما روايته عن الزهري ليست مستقيمة؟ قال: " نعم "، وجعل يضعف روايته عن الزهري (٣).

стр. 449

هكذا ظاهر قول ابن معين أن حديثه عن الزهري ضعيف مطلقاً، لكن قال ابن عدي: " إنما قيل ضعيف في الزهري؛ لأن غيره عن الزهري أثبت منه، أصحاب الزهري المعروفين: مالك، وابن عيينة، ويونس، وشعيب، وعقيل، ومعمر، فإنما أرادوا أن هؤلاء أخص بالزهري، وهم أثبت من جعفر بن برقان؛ لأن جعفراً ضعيف في الزهري لا غير " (١). قلت: وهذا التفسير معتضد بهذه المحاورة بين عثمان الدارمي وشيخه يحيى بن معين، قال عثمان: سألت يحيى بن معين عن أصحاب الزهري: قلت له: معمر أحب إليك في الزهري أو مالك؟ فقال: " مالك ". قلت: فيونس أحب إليك وعقيل، أم مالك؟ فقال: " مالك ". قلت: فابن عيينة أحب إليك، أم معمر؟ فقال: " معمر ". قلت: فإن بعض الناس يقولون: سفيان بن عيينة أثبت الناس في الزهري؟ فقال: " إنما يقول ذاك من سمع منه، وأي شيء كان سفيان! إنما كان غليماً أيام الزهري ". قلت: فشعيب _ أعني ابن أبي حمزة _؟ فقال: " هو ثقة مثل يونس وعقيل "، " شعيب بن أبي حمزة كتب عن الزهري إملاء للسطان، وكان كاتباً ". قلت: فالزبيدي؟ قال: " هو مثلهم ". قلت: فإبراهيم بن سعد أحب إليك أو ليث؟ فقال: " كلاهما ثقتان ". قلت: فمعمر أحب إليك أو صالح بن كيسان؟ فقال: " معمر أحب إلي، وصالح ثقة ".

стр. 450

قلت: فالماجشوني _ أعني عبد العزيز _؟ قال: " ليس به بأس ". قلت: فصالح بن أبي الأخضر؟ فقال: "ليس بشيء في الزهري ". قلت: فمحمد بن أبي حفصة؟ قال: " صويلح، ليس بقوي ". قلت: فابن جريج؟ فقال: " ليس بشيء في الزهري ". فجعفر بن برقان؟ فقال: " ضعيف في الزهري ". قلت: فمحمد بن إسحاق؟ فقال: " ليس به بأس، وهو ضعيف الحديث عن الزهري ". قلت له: عبد الرحمن بن إسحاق الذي يروي عن الزهري؟ فقال: " صالح ". وسألته عن سفيان بن حسين؟ فقال: " ثقة، وهو ضعيف الحديث عن الزهري ". قلت له: فمعمر أحب إليك أو يونس؟ فقال: " معمر ". قلت: فيونس أحب إليك أو عقيل؟ فقال: " يونس ثقة، وعقيل ثقة نبيل الحديث عن الزهري ". وسألته عن الأوزاعي: ما حاله في الزهري؟ فقال: " ثقة ". قلت له: أين يقع من يونس؟ فقال: يونس أسند عن الزهري، والأوزاعي ثقة، ما أقل ما روى الأوزاعي عن الزهري! ". قلت: فزياد بن سعيد، أي شيء حاله في الزهري؟ فقال: " ثقة ". قلت: فما حال سليمان بن موسى في الزهري؟ فقال: " ثقة ". قلت: فعبد الله بن عبد الرحمن الجمحي، كيف حديثه عن ابن شهاب؟ فقال: " لا أعرفه ".

стр. 451

قلت: فعنبسة بن مهران عن الزهري، من عنبسة، يروي عنه يحيى بن المتوكل؟ فقال: " لا أعرفه ". قلت: فعمر بن عثمان الذي يروي عن أبيه عن ابن شهاب، ما حالهما؟ فقال: " ما أعرفهما ". قلت: فابن أبي ذئب، ما حاله في الزهري؟ فقال: " ابن أبي ذئب ثقة ". وسألته عن أخي الزهري، ما حاله؟ فقال: " ضعيف " (١). وقال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) وذكر يونس بن أبي إسحاق، فضعف حديثه، وقال: " حديث إسرائيل أحب إلي منه " (٢). قلت: فهذا تضعيف ليونس مقارنة بابنه إسرائيل عن أبي إسحاق خاصة، وليس ضعفاً مطلقاً، فلا يصح القول: يونس ضعيف عند أحمد مثلاً. وهكذا حين قيل لأحمد: غندر وحفص بن غياث؟ قال: " غندر أحب إلي من حفص، حفص كان مخلطاً " وضعف أمره (٣). قلت: فالتحقيق في الجرح الوارد على هذه الصفة أنه تليين للراوي بالمقارنة بمن ذكر معه، ولا يصلح اقتطاع لفظ الجرح في ذلك الراوي عما اقترن به، بل الشأن عند إطلاق القول في أكثر هؤلاء المضعفين مقارنة بمن هو فوقهم في بعض الشيوخ أنهم ثقات عند الإطلاق. فإن قلت: ما فائدة هذا الجرح؟

стр. 452

قلت: الترجيح عند الاختلاف. وأما المقارنة بين الضعفاء فتدل على التفاوت بينهم في الضعف خفة وشدة، وقد تساعد في تقدير درجة الراوي في حفظه. سئل يحيى بن معين عن المثنى بن الصباح؟ فقال: " ضعيف الحديث، هو أقوى من طلحة بن عمرو " (١). قلت: المثنى يعتبر به، وطلحة متروك، لكن هذه المقارنة تنبئ بتدني رتبة المثنى حتى صار يقارن بطلحة، وإن كان أقوى منه، على حد قول القائل: ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا؟ وقال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عن جويبر والكلبي؟ فقدم جويبراً، وقال: " جويبرٌ على ضعفه، والكلبي متهم " (٢). قلت: هما متروكان، وكأن أبا داود يقول: لو كان في أحد منهما خير، ففي جويْبر. وقال الدارقطني: " مُجالد بن سعيد الكوفي ليس بثقة، يزيد بن أبي زياد أرجح منه، ومجالدٌ لا يُعتبر به " (٣). قلت: بالغ الدارقطني في شأن مجالد، لكن المقارنة له بيزيد، ويزيد يعتبر به تجعل إمكان الاعتبار بمجالد وارداً. وقال البرقاني: سألته عن عدي بن الفضل؟ قال: " يترك "، ثم قال: " وأبو جزي نصر بن طريف أسوأ حالاً منه " (٤). قلت: كأنه يقول: إن كان عدي متروكاً، فما بالك بأبي جزي؟

стр. 453

المبحث السابع: أصول في جرح الرواة الأصل الأول: يثبت الجرح بقول ناقد واحد. بينت هذا في (أصول في تعديل الرواة) (١)، وأنه لا يطلب فيه أكثر من كفاءة الناقد. الأصل الثاني: هل يشترط لقبول الجرح أن يكون مفسراً قادحاً؟ الراوي لا يخلو إما أن يكون معدلا، أو مجروحاً، أو مختلفاً فيه، أو مسكوتاً عنه. فمن ليس فيه غير التعديل فهو عدل ما دام وصفه صادراً من أهل لذلك، وتقدم أن التعديل يكتفى فيه بالقول المجمل من عارف بالتزكية، ولا يطلب فيه التفسير لتعذر حصر أسبابه. ومن ليس فيه غير الجرح فهو مجروح بقدر ما ذكر به من الجرح إن كان بين السبب، أو كان للعبارة دلالة ظاهرة يمكن حمله عليها. والجرح ربما قدح في الراوي بسبب واحد وقف عليه الناقد، فيمكن حصره، وبهذا فارق التعديل.

стр. 454

ولما كان قد يقع بما ليس بجارح على التحقيق، أو يكون جرحاً نسبياً يرد على بعض حديث الراوي لا على شخصه، كما تقدم في (المبحث الأول) من هذا الفصل، كما لا يمكن ادعاء سلامة أحد من النقاد من الوقوع في جرح الراوي بما لا يعد جارحاً في التحقيق. لذا؛ فإنه لا يجوز تأصيلاً تسليم كون الراوي مجروحاً حتى يوقف على سبب الجرح، فيتبين أنه قادح فيه أو في حديثه. فإن قلت: فماذا إذا لم يأت في الراوي إلا جرح مجمل، ولم يعدل، فهل يستعمل ذلك الجرح أم لا؟ قلت: نعم، يستعمل ذلك الجرح ما دام استعماله في حق ذلك الراوي ممكناً، بل إعماله أولى من إهماله، لصدوره من ناقد عارف، لكن لا على تسليم صحة جرح الراوي بمجرد ذلك، ولكنا حيث اشترطنا ثبوت عدالة الراوي لقبول حديثه، وأن غير ثابت العدالة لا يخلو من أن يكون مجروحاً بسبب من أسباب الجرح، أو مجهولاً، فأدنى ما ننزل عليه حال هذا الراوي أن يكون مجهولاً غير محتج به، فيكون وجه رد حديثه عدم ثبوت العدالة. وقال ابن حجر: " من جل حاله، ولم يعلم فيه سوى قول إمام من أئمة الحديث: إنه (ضعيف)، أو (متروك)، أو (ساقط)، أو (لا يحتج به)، ونحو ذلك، فإن القول قوله ولا نطالبه بتفسير ذلك، إذ لو فسره وكان غير قادح، لمنعنا جهالة حال ذلك الرجل من الاحتجاج به، كيف وقد ضعف؟ " (١). وقد ذهب بعض العلماء، كابن حزم، إلى اشتراط تفسير الجرح مطلقاً، حتى في مثل هذه الحالة (٢)، وهو الأوفق للأصول.

стр. 455

الأصل الثالث: درجات المجروحين متفاوتة. وهذا واقع بالنظر إلى اعتبار العدالة أو الحفظ جميعاً. لكن ما رجع الجرح فيه إلى العدالة بما يتلخص لنا تحريره مما تقدم في هذا الفصل، وهو الفسق والكذب والتهمة فيه وسرقة الحديث، فهذا لا يفيد فيه تفاوت درجات المجروحين، فالجميع ساقط لا اعتبار به، وإن كان الكذب أشد من مجرد التهمة به مثلاً. أما ما رجع الجرح فيه إلى الحفظ، فتفاوت درجات المجروحين فيه مؤثر، إذ منهم من هو مطروح ساقط، ومنهم من هو صالح يعتبر به، ومنهم من ناله الوصفان بحسب حديثه، ومنهم من يحتج به في حال ويرد في حال. فهذه أربع درجات أذكرها بحسب القوة: الأولى: من يحتج به في حال، وهو سيىء الحفظ في حال أخرى. والثانية: من لا يحتج لسوء حفظه، مع ثبوت وصف الصدق له في الجملة، وهو الأكثر في الضعفاء. والثالثة: من غلب عليه الخطأ في طرف من رواياته فصار في حد من لا يعتبر به، وكان أحسن حالاً في طرف آخر، فكان فيه صالحاً للاعتبار، كما سأذكره مثاله في (الأصل الرابع). والرابعة: من بلغ به سوء الحفظ إلى أن غلب عليه الخطأ، فترك حديثه، فهذا لا يعتبر به. وكل من كان سوء حفظه لم يبلغ به حد الترك، فهو صالح الحديث للاعتبار، وإنما يسقط من حديثه في تلك الحال ما تفرد به. الأصل الرابع: الراوي يكون مجروحاً، يعتبر ببعض حديثه دون بعض. وهذا كالفرع عن الأصل السابق. وفي الضعفاء جماعة حديثهم في بعض الأحوال صالح يعتبر به، وفي

стр. 456

بعضها مطروح منكر، يجب على المشتغل بهذا الفن أن يلاحظ ذلك، لئلا ينزل الجرح فيهم منزلة واحدة، فيعتبر بكل حديثهم، أو يترك كل حديثهم. مثل (أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن)، قال علي بن المديني: " كان شيخاً ضعيفاً ضعيفاً، وكان يحدث عن محمد بن قيس ويحدث عن محمد بن كعب بأحاديث صالحة، وكان يحدث عن المقبري وعن نافع بأحاديث منكرة " (١). وقال عمرو بن علي الفلاس: " ضعيف، ما روى عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب ومشايخه، فهو صالح. وما روى عن المقبري وهشام بن عروة ونافع وابن المنكدر، فهي رديئة لا تكتب " (٢). الأصل الخامس: الكتب المؤلفة في الضعفاء. اعتنى أئمة الحديث بتمييز المجروحين من الرواة، واختصهم طائفة كثيرة بالتصنيف، كالبخاري والجوزجاني والنسائي والعقيلي وابن عدي وابن حبان والدارقطني، ممن وصلتنا كتبهم، وفي المتأخرين: ابن الجوزي، والذهبي، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم. وهي مصنفات تمثل مرجعية ضرورية لمعرفة هذا الصنف من الرواة. فأما كتب البخاري والجوزجاني والنسائي والدارقطني فمختصرة. وكان أبو حاتم الرازي قد قال في عدد من الرواة ذكرهم البخاري في " الضعفاء ": " يحول "، ولا يوجد ذلك في كتاب البخاري الذي بين أيدينا، والعلة: أن الذي وصلنا للبخاري إنما هو " الضعفاء الصغير "، وله " الكبير "، والظاهر أنه محل تلك الأسماء المنتقدة من قبل أبي حاتم، وكذلك ابن عدي عن البخاري من الجرح ما لا يوجد في هذا " الصغير ".

стр. 457

وأما كتاب الجوزجاني فهو معروف بـ (أحوال الرجال)، وقد اتهم بالتحيز لأهل الشام، والخصومة لأهل العراق، لذلك طعن في هذا الكتاب على جماعة من ثقات الكوفيين وأئمتهم، كما بينته في (صفة الناقد). وكتاب العقيلي كتاب نافع جداً، يذكر الراوي ويعتني بالنقل لألفاظ الجرح فيه عمن تقدمه كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري، كما يجرح من جهة نفسه، ويسوق من منكرات الراوي ما يستدل به لضعفه، لكن أخذ عليه إيراد بعض الثقات فيه، مما يوجب التحوط عند الأخذ منه. أما كتاب ابن عدي " الكامل في ضعفاء الرجال "، فهو قرة عين لكل معتن بهذا الفن، رسم فيه للنقد طريق السلف فأتى به ظاهر اً بيناً في أحسن صورة، وكاد أن تكون كل ترجمة من تراجمه بمنزلة مثل تطبيقي في نقد الرواة، يحتذيه من قصد أن يفهم منهج القوم. وقال منهجه في جمع الضعفاء: " ذاكر في كتابي هذا كل من ذكر بضرب من الضعف، ومن اختلف فيهم: فجرحه البعض، وعدله البعض الآخر، ومرجح قول أحدهما مبلغ علمي من غير محاباة، فلعل من قبح أمره أو حسنه تحامل عليه أو مال إليه، وذاكر لكل رجل منهم مما رواه ما يضعف من أجله، أو يلحقه بروايته له اسم الضعف " (١). وضمن كتابه هذا ما جاوز ألفين ومئتي ترجمة. وفي كتابه طائفة كبيرة من الثقات المتقنين، ذكرهم فيه لأن بعض من سبقه ذكرهم بالضعف، فحرر القول، وذب عنهم، فليس ذكره لأحدهم في هذا الكتاب بمنقص من قدر المذكور، بل هو رافع لشأنه؛ لأنه إنما أورده للدفاع منه. مع أنه ربما وجد الحرج من ذكر الثقة الحافظ في هذا الكتاب، فتراه

стр. 458

يقول مثلاً في ترجمة (أحمد بن صالح المصري): " لولا أني شرطت في كتابي هذا أن أذكر فيه كل من تكلم فيه متكلم، لكنت أجل أحمد بن صالح أن أذكره " (١). وذكر الحافظ (أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة)، وقال: " ولم أجد بداً من ذكره؛ لأني شرطت في أول كتابي هذا أن أذكر فيه كل من تلكم فيه متكلم ولا أحابي، ولولا ذاك لم أذكره؛ للذي كان فيه من الفضل والمعرفة " (٢). لكن أخذ على ابن عدي في كتابه أمور: أولها: ذكر رواة ثقات لم يذكرهم بطعن لا عن متقدم ولا عن نفسه. مثل (ثابت بن الوليد بن عبد الله بن جميع) (٣)، قال الذهبي: " ذكره ابن عدي في الكامل، ولكن ما غمزه بكلمة، وساق له حديثاً واحداً محفوظ المتن. (٤) و (حازم بن إبراهيم البجلي)، ساق له أحاديث، ولم يذكر فيه مطعناً عن أحد، ولم يجرحه بشيء، بل قال: " أرجو أنه لا بأس به " (٥). وكان الذهبي يتعقبه بمثل ذلك، وذلك في الجملة في شيء يسير. ثانياً: ذكره الراوي الثقة بسبب كلمة لمتقدم، أجراها على معنى القدح فيه وليس الأمر كما فهم ابن عدي. وهذا نادر، مثاله (حنظلة بن أبي سفيان الجمحي)، ذكره من أجل

стр. 459

كلمة نقلها عن علي بن المديني، وقيل له: كيف رواية حنظلة عن سالم؟ فقال: " رواية حنظلة عن سالم واد، ورواية موسى بن عقبة واد آخر، وأحاديث الزهري عن سالم كأنها أحاديث نافع "، فقال رجل: يدل على أن حديث سالم كثير، قال: " أجل " (١). فتعقبه الذهبي بقوله: " هذا القول من ابن المديني لا يدل على غمز في حنظلة بوجه، بل هو دال على جلالته، وأنه نظير موسى وابن شهاب في حديثه عن سالم " (٢). ثالثا: ربما وقع في " الكامل " كذلك ذكر الراوي ألصقت به بعض المنكرات، والنكارة فيها من جهة غيره في الإسناد، ولا يذكر ابن عدي الطعن في ذلك الراوي عن أحد تقدمه، والأصل أن لا يورد ذلك الراوي من أجل تلك المنكرات التي هي من جهة غيره، بل ينبغي أن يسوقها في ترجمة من أتى بها من المجروحين. وهذا مثل (الوليد بن عطاء بن الأغر)، فإنه ذكر في ترجمة حديثاً منكراً البلية فيه من الراوي عنه بإقرار ابن عدي نفسه، ولم يعبه بشيء (٣). رابعاً: استدراك تراجم عديدة لم يذكرها، وهي من شرط كتابه. لكنه معذور في ذلك، فهو إنما ذكر ما بلغه علمه ممن تكلم فيه. ومن قارن بما استدركه الذهبي في " الميزان " ثم من جاء بعده كالعراقي وابن حجر من أسامي من تكلم فيه ممن يندرج تحت شرط ابن عدي وجد من ذلك عدداً كبيراً. وكتاب ابن الجوزي " الضعفاء والمتروكون "، لا يعتمد عليه، لما فيه

стр. 460

من تخاليط كثيرة، وخطأ في حكاية النقل عن الأئمة، واختصار مخل لعباراتهم. وللذهبي " المغني في الضعفاء "، فيه فوائد كثيرة، لكن الذهبي ربما أختصر العبارة وتصرف فيها فأخل. وفي " الميزان " بعض الشبه من هذا، ومما يؤخذ عليه فيه أنه يقول في عدد من الرواة: " لا يعرف "، وهذا إذا لم يسبق إليه، فربما كان مستنده فيه ما قاله ابن حجر عائباً ذلك منه: " إذا لم يجد المزي قد ذكر للرجل إلا راوياً واحداً جعله مجهولاً، وليس هذا بمطرد " (١). أما تتمة ابن حجر " لسان الميزان " فمليئة بالفائدة. وفي الجملة: يجب أن تحتاط وتحقق في الأخذ من هذه الكتب، إذ ليس بمجرد ذكر الراوي فيها تسليم للقدح فيه، كما سأذكره في فصل (اختلاف الجرح والتعديل). الأصل السادس: يطلب نقد رواة الآثار كما يطلب نقد رواة الحديث. على هذا رأينا أئمة هذا الشأن، لا يفرقون في تحقيق أهلية الراوي بين من يروي الحديث عن النبي ﷺ ومن يروي الآثار عن الصحابة والتابعين. لكن ليس هذا على معنى المساواة في قدر التشديد بين الصورتين، فإنهم إذا كانوا يفرقون فيما يرويه الراوي عن النبي ﷺ في الأحكام وما يرويه في الرقائق، فتفريقهم بين ما يروى عن النبي ﷺ وما يروى عن غيره أولى بالاعتبار. وإنما المقصود أنهم يخضعون الجميع للنقد، ولا يستسهلون نسبة رأي إلى صحابي أو عالم بمجرد أن وجد منسوباً إليه، بل كانوا يحققون إسناده.
следующие страницы →