الرابعة: اعتبار شهرته من عدمها بحسب ما ورد عنه من أخبار.
فلو أخذت له مثالاً (عبد الله بن عوف الكناني)، فهو راو لم يوثقه غير ابن حبان، لكنه كان أحد عمال عمر بن عبد العزيز، فهذا تعديل له في شخصه دون روايته، لما عرف من صرامة عمر في الحق وعدله، فما كان ليولي فاسقاً، فبقيت عدالته في الرواية بحسب سلامته من التفرد بمنكر (١).
الخامسة: وجود التصريح بالتعديل لشيخ له لم يعرف ذلك الشيخ إلا من طريق هذا الراوي.
مثل: (مالك بن الخير الزبادي) رجل من أهل مصر، فزعم ابن القطان أنه لم تثبت عدالته (٢)، وتعقبه الذهبي في ذلك وقال فيه: " محله الصدق " (٣).
قلت: وهذا الرجل تفرد بالرواية عن (مالك بن سعد التجيبي)، لم يرو عنه أحد سواه، وما عرف مخرج حديثه إلا من طريقه، وقد قال أبو زرعة الرازي في هذا التجيبي: " مصري لا بأس به " (٤)، وذكر يعقوب بن سفيان في " ثقات التابعين من أهل مصر " (٥)، كما ذكره ابن حبان في " الثقات " (٦)، فإذا صح أن يكون هذا ثقة، وجب أن يصح الطريق إليه، ولا يصح إلا بعد أن يكون رواته ثقات.
стр. 492
والقسم الثاني: من وجدناه في الأسانيد، لكن لم نقف له على ترجمة.
اعتنى الأئمة ومتأخروهم على التعيين بتتبع أسماء من تكلم فيه من الرواة على سبيل الاستيعاب، وما وقعت العناية بتتبع جميع الرواة، وإن حاولها بعضهم، وأوعب ما ألف في جمع من تكلم فيهم: " ميزان الاعتدال " للحافظ الذهبي، مع الزيادة عليه في " لسان الميزان " للحافظ ابن حجر العسقلاني، والذي أورد فيه تراجم من تكلم فيهم ممن لا ترجمة لهم في " تهذيب الكمال " للمزي.
وقد ذكر ابن حجر في آخر كتاب " اللسان " فائدة حاصلها: أن من لم يترجم له في " الميزان " أو " اللسان " أو " تهذيب التهذيب " قال: " فهو إما ثقة، أو مستور " (١).
قلت: وهذا أصل نافع في رواة كثيرين، إذا بحثت عن تراجم لهم لم تقف عليها، وهم معروفون بالنقل، فهذا طريق يعين على تنزيلهم ما يليق بهم، لكن بعد التحقق على نفس منهاج متقدمي النقاد، من اعتبار الشهرة بالحديث، ورواية ما هو معروف، إلى سائر ما تقدم بيانه في شرح منهجهم.
والعمل بهذا الطريق اقتداء بأئمة هذا الشأن ممن تعرضوا لبيان أحوال رواة لم يسبقوا إلى الكلام فيهم، كابن عدي والعقيلي وابن حبان والدارقطني والخطيب البغدادي.
فهذا ابن عدي مثلاً، قد تتبع المجروحين إلى زمانه في كتابه الفذ: " الكامل "، حتى قال في مقدمته: " لا يبقى من الرواة الذين لم أذكرهم إلا من هو ثقة أو صدوق، وإن كان ينسب إلى هوى وهو فيه متأول " (٢).
стр. 493
ومنهجه في اتباع هذا الطريق واضح في كتابه، ومن عبارته في بعض الرواة:
قوله في (سليمان بن أبي كريمة) بعد أن أذكر له جملة أحاديث: " وله غير ما ذكرت، وليس بالكثير، وعامة حديثه مناكير، ويرويه عنه عمرو بن هاشم البيروتي، وعمرو ليس به بأس، ولم أر للمتقدمين فيه كلاماً، وقد تكلموا فيمن هو أمثل منه بكثير، ولم يتكلموا في سليمان هذا؛ لأنهم لم يخبروا حديثه " (١).
وقوله في (سعد بن سعيد سعدويه الجرجاني) وذكر له أحاديث: " لسعد غير ما ذكرت من الحديث غرائب وأفراد غريبة تروى عنه، وكان رجلاً صالحاً، ولم تؤت أحاديثه التي لم يتابع عليها من تعمد منه فيها، أو ضعف في نفسه ورواياته، إلا لغفلة كانت تدخل عليه، وهكذا الصالحون، ولم أر للمتقدمين فيه كلاماً؛ لأنهم كانوا غافلين عنه، وهو من أهل بلدنا، ونحن أعرف به " (٢).
وهذا المنهج رأيت عمل الحافظ الذهبي قد جرى عليه في تعديل طائفة من الرواة، خصوصاً من طبقات من يأتي بعد طبقات رواة الأئمة الستة، وذلك بالنظر إلى شهرته، مع كون أمره على الستر والسلامة، وأنه لم يوقف فيما روى على شيء منكر.
تنبيه وفائدة:
قال الثقة عبد الله بن أحمد الدورقي: " كل من سكت عنه يحيى بن معين فهو عنده ثقة " (٣).
стр. 494
قلت: هذا يجب حمله على رجال جاءوا في معرض السؤال ليحيى، فلم يذكر فيهم جرحاً ولا تعديلاً، إذ من شأن يحيى أنه إذا سئل عن الراوي المجروح لم يسكت عنه، وإذا كان لا يعرفه أجاب بذلك، فحيث سكت عن جرحه وعن تجهيله، فهو عنده في جملة المقبولين الموثقين، والله أعلم.
* * *
стр. 495
الفصل الخامس
تعارض الجرح والتعديل
стр. 496
تمهيد
جرح الرواة وتعديلهم قائم على اجتهاده النقاد، وكل ما رجع إلى الاجتهاد فهو مظنة للاختلاف، وذلك اختلاف جائز توجبه سنة التفاوت في العلم والفهم، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].
قال المنذري: " اختلاف هؤلاء كاختلاف الفقهاء، كل ذلك يقتضيه الاجتهاد، فإن الحاكم إذا شهد عنده بجرح شخص، اجتهد في أن ذلك القدر مؤثر أم لا، وكذلك المحدث إذا أراد الاحتجاج بحديث شخص ونقل إليه فيه جرح، اجتهد فيه هل هو مؤثر أم لا " (١).
قلت: نعم، ليس الاختلاف في هذا الباب واقعاً في جميع الرواة، بل منهم خلق كثير ثقات عدول متفق على قبولهم والاحتجاج بهم، كما فيهم مجروحون متفق على جرحهم، لا يحتج بهم، بل لا يعتبر بكثير منهم، وفيهم من هو مسكوت عن أمره، كما تقدم في (الفصل الرابع)، وفيهم المختلف فيه.
والشأن ابتداء وجوب اعتبار إعمال النصين أو النصوص التي ظاهرها التعارض بالاجتهاد في التوفيق بينهما دون تكلف، وذلك قبل المصير إلى الترجيح الموجب ترك العمل بأحد النصين، فإن تعذر الجمع بين النصوص المختلفة وجب المصير إلى العمل بالراجح، وإن كان ذلك لا يقع إلا
стр. 497
بالاجتهاد؛ لأن تمييز المقبول من المردود فيما يضاف إلى صاحب الشريعة واجب.
واعلم أن تعارض الجرح والتعديل يقع في الأصل بين قول ناقد وناقد غيره لكنه أيضاً ربما يقع في النقل عن الناقد نفسه، فيأتي عنه التعديل والجرح جميعاً، وبالنظر إلى ذلك فهاتان صورتان:
الصورة الأولى: تعارض الرواية في الجرح والتعديل عن الناقد المعين.
ومن أكثر من نقل عنه مثل هذا من الأئمة يحيى بن معين، فإنه كثيراً ما تختلف الرواية عنه.
كقوله في (الحسن بن يحيى الخشني): " ثقة " في رواية ابن أبي مريم عنه، و" ليس بشيء " في رواية الدوري عنه (١).
وقوله في (قَزعة بن سُويد): " ثقة " في رواية الدارمي عنه، و " ضعيف " في رواية الدوري عنه، و " ضعيف الحديث " في رواية أحمد بن أبي يحيى المجروح عنه (٢).
قال الذهبي في سبب اختلاف النقل عن يحيى بن معين: " سأله عن الرجال عباس الدوري، وعثمان الدارمي، وأبو حاتم، وطائفة، وأجاب كل واحد منهم بحسب اجتهاده، ومن ثم اختلف آراؤه وعبارته في بعض الرجال، كما اختلفت اجتهادات الفقهاء المجتهدين، وصارت لهم في المسألة أقوال " (٣).
وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: " قد يخطر على قلب المسؤول عن الرجل من حاله في الحديث وقتاً ما ينكره قلبه، فيخرج جوابه على حسب
стр. 498
النكرة التي في قلبه، ويخطر له ما يخالفه في وقت آخر، فيجيب على ما يعرفه في الوقت منه ويذكره، وليس ذلك تناقضاً ولا إحالة، ولكنه قول صدر عن حالين مختلفين، يعرض أحدهما في وقت والآخر في غيره " (١).
والصورة الثانية: تعارض الجرح والتعديل الصادرين من ناقدين أو أكثر.
وهذا هو الأكثر في هذا الباب، وهو أشق مسائله وأصعبها.
* * *
стр. 499
المبحث الأول:
مقدمات ضرورية لتحقيق القول
في الراوي المختلف فيه
تحرير القول في الراوي المختلف فيه جرحاً وتعديلاً يحتاج إلى اعتبار تنبيهات وضوابط، لا بد من مراعاتها؛ للمصير إلى ما هو الألصق بالعدل الذي أوجب الله في حق نقلة العلم، ولئلا ينسب إلى الدين برواية من ليس بأهل ما ليس منه، أو ينفي عنه بالقدح على الثقة ما هو منه.
وتحرير تلك التنبيهات والضوابط في المقدمات التالية:
المقدمة الأولى: أهلية الناقد لقبول قوله
والمقصود: أهليته للكلام في النقلة على ما تقدم بيانه في صفة الناقد.
قال يعقوب بن سفيان: سمعت إنساناً يقول لأحمد بن يونس: عبد الله العمري ضعيف، قال: " إنما يضعفه رافضي مبغض لآبائه، لو رأيت لحيته وخضابه وهيئته لعرفت أنه ثقة " (١).
قال الخطيب: " فاحتج أحمد بن يونس على أن عبد الله العمري ثقة بما ليس حجة؛ لأن حسن الهيئة مما يشترك فيه العدل والمجروح " (٢).
стр. 500
وقال ابن الجنيد: سألت يحيى بن معين عن شداد بن سعيد الراسبي؟ فقال: " ثقة "، قلت ليحيى: إن ابن عرعرة (١) يزعم أنه ضعيف، فغضب، وقال: " هو ثقة "، وتكلم يحيى بكلام وأبو خيثمة يسمع، فقال أبو خيثمة: " شداد بن سعيد ثقة "، ثم قال لي يحيى: " يزعم ابن عرعرة أن سلم بن زرير ثقة " (٢)، قلت: كذلك يقول، قال: " هو ضعيف ضعيف " (٣).
وكذلك قال ابن الجنيد: قال رجل ليحيى بن معين وأنا أسمع: زعم إبراهيم بن عرعرة أن محمد بن ذكوان والحسين بن ذكوان، ليسا بشيء، فغضب يحيى، وقال: " أما الحسين بن ذكوان فحدثني عنه يحيى بن سعيد وعبد الله بن المبارك، ولكن كان قدرياً، وأما محمد بن ذكوان فليس به بأس، أي شيء كان عنده؟ روى عنه حماد بن زيد وعبد الوارث وعبد الصمد، لا بأس به، قل لا بن عرعرة: اذهب ازرع " (٤).
والخطأ هنا في جرح ابن عرعرة لثة وتعديله لمجروح أنه وإن كان ثقة معتنياً بالحديث، إلا أن ابن معين لم يراه من أهل الصنعة، فإنه سئل عنه فقال: " ثقة، معروف بالحديث، كان يحيى بن سعيد يكرمه، مشهور بالطلب، كيس الكتاب، ولكنه يفسد نفسه؛ يدخل في كل شيء " (٥).
ونقل أبو حاتم الرازي عن هشام بن يوسف الصنعاني قوله في (عبد الله بن معاذ بن نشيط صاحب معمر): " هو صدوق، وكان عبد الرزاق يكذبه " ثم قال أبو حاتم: " أقول: هو أوثق من عبد الرزاق " (٦).
стр. 501
قلت: وهذا لكون عبد الرزاق لم يكن ممن له شأن في الكلام في النقلة، فحين تكلم أخطأ.
المقدمة الثانية: التحقق من ثبوت الجرح أو التعديل عن الناقد المعين
وهذا الشرط مقدمة سابقة للنظر في صيغة النقد وأثرها في الراوي.
والمقصود أن تحاكم النصوص المنقولة عن علماء الجرح والتعديل في نقد الرواة بنفس قوانين علم الحديث، فلا يفرع إلى على صيغة ثبت إسنادها إلى قائلها.
فهناك روايات عديدة ذكرت عن بعض الأئمة لا توجد عنهم من طريق مسند، أو وجدت ولكن أسانيدها لم تثبت.
مثالها: (تاريخ) رواه أحمد بن أبي يحيى أبو بكر الأنماطي البغدادي عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، اعتمده ابن عدي في " كامله " في مواضع كثيرة، وهو غير ثابت عنهما، وذلك أن ابن أبي يحيى هذا قال فيه الحافظ الثقة إبراهيم بن أورمة الأصبهاني: " كذاب " (١).
ومما يشبه هذه القاعدة: أن لا يقبل ما يحكى عن الراوي مما يكون سبباً للقدح فيه إلا بالرواية الثابتة عنه.
فمثل ما أورده جماعة في القدح في (أبي صالح باذام) من طريق سفيان الثوري، قال: قال لي الكلبي: قال لي أبو صالح: " كل شيء حدثتك فهو كذب " (٢)، فهذا مما لا يجوز الاعتماد عليه، فإن الكلبي
стр. 502
هو محمد بن السائب، رأس في الكذب، فكيف يصدق على أبي صالح؟
وهكذا كان الناقد البارع يعتبر هذا الطريق في تثبيت الجرح.
المقدمة الثالثة: منع قبول صيغة الجرح أو التعديل التي لا تنسب إلى ناقد معين
وهذا كقولهم في الراوي: (تكلموا فيه)، و: (يتكلمون فيه)، كما يقع في كلام البخاري وأبي حاتم الرازي وأبي الفتح الأزدي وغيرهم، و: (فيه مقال) كما يكثر عند المتأخرين، وما يشبهها من الألفاظ التي لا تعزى إلى ناقد معين.
ولا اعتبار بأن يكون حاكيها من النقاد المعروفين، فإنه لم ينشئها من جهته، إلا أن يضيف إليها من عبارته ما يبينها، كما تراه في عدد من قيلت فيه.
زد على ذلك أنها من قبيل الجرح المجمل أيضاً.
لكنها تدل على شبهة الجرح، فيبحث عن تفسيرها، فإن عدم عدم أثرها.
стр. 503
وفي التعديل مما يكثر وقوعه عند المتأخرين، كالذهبي والهيثمي: (وثق) و (موثق) فهذه عبارة يجب البحث عن قائلها المجهول الذي بنيت له، وفي الغالب يكون مرادهم ابن حبان، فكأنهم لضعف الاعتماد على ما يتفرد به من التعديل يبنون العبارة للمجهول.
المقدمة الرابعة: مراعاة ميول الناقد المذهبية في القدح في النقلة
الجرح والتعديل جميعاً يتأثران بهذا، فيعدل من ليس بأهل، وهو الأقل وروداً في كلامهم، ويجرح من هو عدل، ووقع من طائفة بسبب المخالفة في العقائد والمسالك، كما قدمت التمثيل له بجرح الجوزجاني لأهل الكوفة بسب فشو التشيع فيه، والدولابي لمخالفي الحنفية، وكما وقع من طائفة من أهل الحديث في أهل الرأي من أهل الكوفة وغيرهم.
قال ابن حجر: " وممن ينبغي أن يتوقف في قبوله قوله في الجرح: من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب، وذلك؛ لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع، فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة، وعبارة طلقة، حتى أنه أخذ يلين مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية، فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه، فوثق رجلاً ضعفه؛ قبل التوثيق.
ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خراش المحدث الحافظ، فإنه من غلاة الشيعة، بل نسب إلى الرفض، في جرحه لأهل الشام للعداوة البينة في الاعتقاد " (١).
ومن أمثلة ذلك في النقلة ما جاء في ترجمة (أحمد بن الفرات أبي مسعود الرازي) وكان من الثقات الحفاظ المتقنين، من المعروفين بالسنة،
стр. 504
قال ابن عدي: سمعت أحمد بن محمد بن سعيد يقول: سمعت ابن خراش يحلف بالله: " إن أبا مسعود أحمد بن الفرات يكذب متعمداً ".
فتعقبه ابن عدي فقال: " وهذا الذي قاله ابن خراش لأبي مسعود هو تحامل، ولا أعرف لأبي مسعود رواية منكرة، وهو من أهل الصدق والحفظ " (١).
وعاب الذهبي على ابن عدي إيراده في " كتابه "، فقال: " ذكره ابن عدي فأساء، فإنه ما أبدى شيئاً غير أن ابن عقدة روى عن ابن خراش، وفيهما رفض وبدعة " وذكر النص السابق.
وأقول: لا عيب على ابن عدي، فإنه يذكر في كتابه من تكلم فيه، فإن كان بباطل رده، وهكذا فعل هنا.
وقال الذهبي في " السير " (٢): " من ذا الذي يصدق ابن خراش ذاك الرافضي في قوله؟! ".
قلت: ومما نرد قول ابن خراش إلا لأجل المذهب، وأبو مسعود قد استقرت ثقته وثبت إتقانه، وشاع علمه.
ومن قبيح ما سودت به صحف كثيرة ما وقع من نقمة جماعة من أهل الحديث على أبي حنيفة وأصحابه، بسبب المذهب.
كما قال يحيى بن معين: " أصحابنا يفرطون في أبي حنيفة وأصحابه " فقيل له: أكان أبو حنيفة يكذب؟ فقال: " كان أنبل من ذلك " (٣).
قلت: وتلك الطعون التي سودت بها صحف كثيرة لا تعود في التحقيق إلا إلى التحامل بسبب خلاف المذهب كمن أطلق أن أبا حنيفة
стр. 505
كان يبيح المسكر، وهو إنما أباح باجتهاده النبيذ الذي لم يستثن من حفاظ وأئمة الكوفيين من موافقته فيه إلا الفرد بعد الفرد، إلى أشياء أخرى طعن فيها على أبي حنيفة وأصحابه كأبي يوسف ومحمد بن الحسن، كانت بسبب مخالفة الطاعن لأبي حنيفة في مذهبه، وأنه كان يدع الحديث بالرأي، وهذا لو صح فمعروف أن الفقيه قد يدع العمل بالحديث لأسباب صحيحة معتبرة، ولم يسلم من ذلك فقيه من فقهاء الأمة الكبار المتبوعين.
فهذا مالك بن أنس، وقد أجمعوا على ثقته، ومع ذلك فقد ترك القول بأحاديث هي عنده صحيحة، لمعارضات معتبرة لديه، وهذا ابن عبد البر المالكي يورد عن الليث بن سعد قوله: " أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة، كلها مخالفة لسنة رسول الله صلى عليه وسلم مما قال فيها برأيه، ولقد كتبت إليه أعظه في ذلك " (١).
وللشافعي في الرد على مالك، كما له في الرد على محمد بن الحسن والأوزاعي، وكثير مما يعود إليه ذلك: القول بالحديث أو تركه.
فمثل هذا لا يجوز التعلق به من أقوال المجرحين، في حق من عرف مقامه في الدين.
كما يجب أن يتفقد من عبارة الجارح في كل مخالف له في مذهبه، إذ هو بشر يعتريه من حال البشر، ويتكلم في الغضب والرضى، والعدل مجاهدة، وكم من جرح يمكن تخريجه على مثل هذا؟
وأما الميل إلى التعديل، فكتوثيق ابن عقدة الحافظ الشيعي لبعض من على مذهبه من المجروحين، وهو قليل.
وقال يحيى بن معين: " كان أبو نعيم (٢) إذا ذكر إنساناً فقال: هو
стр. 506
جيد وأثنى عليه، فهو شيعي، وإذا قال: فلان كان مرجئاً، فاعلم أنه صاحب سنة لا بأس به " (١).
المقدمة الخامسة: اعتبار بشرية الناقد في تأثيرها في إطلاق الجرح أو التعديل
الناقد يعتريه ما يعتري البشر من الغفلة أو الغضب، فيقول القول لا يعني به شيئاً يتصل بهذا العلم، وإنما أوقعه فيه بعض هذه العوارض، فهذا إن كان لفظ جرح أو تعديل، فإنه لا يجوز أن يكون له أثر على الراوي الموصوف بذلك.
فمن مثال ما قد يرد على الناقد من التوهم:
ما حكاه حماد بن حفص (٢) (وكان ثقة)، قال شهدت يحيى بن سعيد (يعني القطان) وجاء إليه شيخ من أهل البصرة، فتذاكرا الحديث، فقال الشيخ ليحيى: حدثنا ابن أبي رواد بكذا وكذا، فقال يحيى: " عرف عليه كذاب "، فقال: فلما كان بعد ساعة قال: " الأب حدثك أو الابن؟ " فقال: بل الأب، فقال: " الأب لا بأس به، إنما ظننت أنك تعني الابن " (٣).
ومما يخرج على صدوره بسبب الغضب مثلاً: ما جاء من تكذيب أبي داود السجستاني لابنه أبي بكر، إن صح عنه، فإن أبا بكر حين مات أبوه كان شاباً، وصار إماماً بعد وفاة أبيه، وقد عاش بعده إحدى وأربعين سنة، عرفه فيها تلامذته الحفاظ كأبي حسن الدارقطني بالحفظ والثقة.
ومن هذا (جرح الأقران)، ككلام مالك بن أنس في محمد بن إسحاق، وكلام ابن إسحاق فيه.
стр. 507
وقال علي بن المديني في (سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف): " كان أصحابنا يرمونه بالقدر، وكان عندنا ثقة ثبتاً، وكان مالك بن أنس يتكلم فيه، وكان لا يروي عنه مالك شيئاً، وكان سعد قد طعن على مالك في نسبه " (١).
واعلم أنه ليس المراد بالتنبيه على هذه الصورة إلغاء كلام القرين في قرينه مطلقاً، بل إن أدق صور النقد للنقلة هي النقد للمعاصر، ومنه نقد الأقران، وذلك لكون الناقد قد اطلع على حال من عدله أو جرحه وخبر أمره، فهو أقوى من جرحه أو تعديله لمن لم يدركه.
وإنما المراد هنا البحث عن سبب الجرح عند معارضة التعديل، فإن أعاد الناقد الجرح إلى علة مدركة في شأن من جرح، واستدل لذلك وبينه، فقوله معتبر، ولا أثر للاقتران، إلا أن يثبت وجود خصومة أو خلاف بينه وبين من جرحه، فهذا مما يوجب الاحتياط، والأصل: ترك قوله فيه، على أنك لو بحثت عن حال هذا الصنف وجدت الطعون فيهم من مخالفيهم تأتي من قبيل الجرح المجمل الذي يطرح في مقابلة التعديل المعتبر؛ لمجرد إجماله.
قال ابن عبد البر: " والصحيح في هذا الباب: أن من صحت عدالته، وثبتت في العلم إمامته، وبانت ثقته، وبالعلم عنايته، لم يلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة يصح بها جرحته على طريق الشهادات، والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب تصديقه فيما قاله، لبراءته من الغل والحسد والعداوة والمنافسة، وسلامته من ذلك كله، فذلك كله يوجب قبول قوله من جهة الفقه والنظر، وأما من لم تثبت إمامته ولا عرفت عدالته، ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايته؛ فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه، ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه.
والدليل على أنه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين
стр. 508
إماماً في الدين قول أحد من الطاعنين: أن السلف، ﵃، قد سبق من بعضهم في بعض كلام، كثير منه في حال الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد ... ، ومنه على جهة التأويل، مما لا يلزم المقول فيه ما قال القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلاً واجتهاداً، لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان وحجة توجبه " (١).
وهل يؤثر تعديل الأقران أيضاً على اعتبار أن المعدل قد يميل لشخص لموافقة في الرأي والمذهب مثلاً، فيثني عليه ويعدله؟
الواقع العملي لا يكاد يثبت وجود أثر لمثل ذلك، بل الأمثلة لا تكاد تحصى في تعديل المخالف وجرح الموافق.
المقدمة السادسة: وجوب اعتبار مرتبة الناقد مقارنة بمخالفة .
وذلك بأربع اعتبارات:
الاعتبار الأول: قلة الكلام في النقلة وكثرته.
وهو قدر اعتناء الإمام الناقد بتعديل الرواة وتجريحهم، فإن من أثر عنه تتبع ذلك والاعتناء به، لا يوضع في درجة واحدة مع من لم يؤثر عنه من البيان لذلك إلا اليسير، وبهذا الاعتبار قسمهم الذهبي إلى ثلاثة أقسام:
١ _ من تكلموا في أكثر الرواة، كيحيى بن معين، وأبي حاتم الرازي.
٢ _ من تكلموا في كثير من الرواة، كمالك بن أنس، وشعبة.
٣ _ من تكلموا في الرجل بعد الرجل، كسفيان بن عيينة، والشافعي (٢).
стр. 509
الاعتبار الثاني: التشدد والاعتدال والتساهل.
وقسم الذهبي الناقد باعتبار هذا المعنى إلى ثلاثة أقسام، فقال:
" قسم منهم متعنت في الجرح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويلين بذلك حديثه، فهذا إذا وثق شخصاً، فعض على قوله بناجذيك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلاً فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسراً، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلاً: هو ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب.
وابن معين، وأبو حاتم، والجوزجاني، متعنتون.
وقسم في مقابلة هؤلاء، كأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البيهقي، متساهلون.
وقسم كالبخاري، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عدي، معتدلون منصفون " (١).
قلت: هذا الذي مثل به الذهبي من ذكر هؤلاء الأعيان صحيح في الجملة بالنظر إلى ما وقع من كلامهم، في النقلة، لكنك تحتاج إلى مراعاته عند اختلاف الجرح والتعديل، لا مطلقاً، فإن أقوال هؤلاء جميعاً الأصل فيها الإعمال والاعتبار، والذهبي نفسه اعتمد على جرحهم وتعديلهم في كتبه.
وإلا فمن ذا يجافي كلام العارفين بنقلة الحديث، من أمثال يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين والنسائي، مع ما عرف عنهم من التشديد؟!
стр. 510
فالقطان كان قل من يرضى من الرواة، كما قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو بن علقمة: كيف هو؟ قال: " تريد العفو أو تشدد؟ "، قلت: بل أشدد، قال: " فليس هو ممن تريد، كان يقول: حدثنا أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب (١)، قال يحيى: " وسألت مالكاً عنه؟ فقال فيه نحواً مما قلت لك " (٢).
وابن معين كانت تحمله الغيرة على حديث النبي ﷺ ، حتى يقول من العبارة ما يتحصل المقصود بدونه، ككلامه في سويد بن سعيد وعلي بن عاصم.
وقال أبو الفضل بن طاهر المقدسي: سألت الإمام أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني بمكة عن حال رجل من الرواة، فوثقه، فقلت: إن أبا عبد الرحمن النسائي ضعفه، فقال: " يا بني، إن لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطاً أشد من شرط البخاري ومسلم " (٣).
ولكن الشأن فيما إذا تعارض قول أحدهم مع قول ناقد سواه، فنلاحظ ما يحتمل وروده بسبب ما عرف عنهم من الشدة، كما نلاحظ من آخرين ما يمكن أن يكون في تعديلهم، بسبب ما ذكروا به من التساهل، كابن حبان.
الاعتبار الثالث: النظر والإنشاء، للمتقدمين، والتحرير والترجيح، للمتأخرين.
والمقصود أن لا تقيم التعارض مثلاً بين جرح أبي حاتم الرازي وتوثيق الذهبي، من أجل أن أبا حاتم إنما جرح بمقتضى بحثه ودرايته بحال الراوي واختبار حديثه، والذهبي وثق ترجيحاً لقول من خالف أبا حاتم من النقاد، باتباع قوانين الترجيح التي نحن في صدد بيانها.
стр. 511
وإنما يقوم التعارض بين كلام المنشئين.
الاعتبار الرابع: الناقد العارف في جرح وتعديل أهل بلده.
وهذا وجدنا له الأثر في أن الناقد إذا عدل أو جرح بلديه كان أصح مذهباً فيهم من الغرباء، ولا يستغرب ذلك، فكونه من أهل داره يوجب مزيد اطلاع.
قال حماد بن زيد: " بلدي الرجل أعرف بالرجل " (١).
قال أبو بكر المروذي: سألت (أحمد بن حنبل) عن قطن الذي روى عنه مغيرة؟ فقال: " لا أعرفه إلا بما روى عنه مغيرة "، قلت: إن جريراً ذكره بذكر سوء، قال: " لا أدري، جرير أعرف به وببلده " (٢).
وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، ما تقول في سعيد بن بشير؟ قال: " أنتم أعلم به " (٣).
وقال ابن عدي في (شقيق الضبي): " كان من قصاص أهل الكوفة، والغالب عليه القصص، ولا أعرف له أحاديث مسندة كما لغيره، وهو مذموم عند أهل بلده، وهم أعرف به " (٤).
وكان محمد بن عبد الله بن نمير من نقاد الكوفيين، قال علي بن الحسين بن الجنيد: كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان في شيوخ الكوفيين: " ما يقول ابن نمير فيهم؟ " (٥).
стр. 512
وقال ابن عدي في (محمد بن عوف الحمصي): " هو عالم بأحاديث الشام، صحيحها وضعيفها " (١).
قلت: ومن أمثلته في النقاد: أبو مسهر في الشاميين، ومحمد بن عوف في الحمصيين، وأحمد بن صالح، وابن يونس في المصرين.
المقدمة السابعة: ملاحظة مذهب الناقد فيما يراه جرحاً، ومذهبه فيه مرجوح
وهذا لا يضبطه إلا ما سيأتي ذكره في المبحث التالي من اشترط تفسير سبب الجرح، وإنما المراد هنا أن تتفطن إلى أن الناقد المعتد به في الجملة قد يقدح بما ليس بقادح في التحقيق.
ومثال ذلك أن علي بن المديني سأل يحيى بن سعيد عن حديث ابن جريج عن عطاء الخراساني؟ فقال: " ضعيف "، قال: قلت ليحيى: إنه يقول: (أخبرني)، قال: " لا شيء، كله ضعيف، إنما هو كتاب دفعه إليه " (٢).
قلت: فضعفه لأنه يرى ضعف التحمل بهذا الطريق، وهو مذهب مرجوح كما بينته في (طرق التحمل).
ومن هذا ما حدث به أبو داود الطيالسي، قال: سمعت شعبة يقول: " جرير بن حازم وحماد بن زيد أتياني يسألاني أن أسكت عن الحسن بن عمارة، ولا والله، لا سكت عنه، ثم لا والله، لا سكت عنه، هذا الحسن بن عمارة يحدث عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وعن الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي، قالا: إذا وضعت زكاتك في صنف من الأصناف جاز. وأنا والله سألت الحكم عن ذلك؟ فقال: إذا وضعت في
стр. 513
صنف من الأصناف أجزأك، فقلت: عمن؟ فقال: عن إبراهيم النخعي. وهذا الحسن بن عمارة يحدث عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وعن الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي، أن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد وغسلهم. وأنا سألت الحكم عن ذلك عن ذلك فقال: يصلي عليهم ولا يغسلون، قلت: عمن؟ قال: بلغني عن الحسن البصري " (١).
وفي رواية قال أبو داود: قال شعبة: " ائت جرير بن حازم، فقل له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة؛ فإنه يكذب "، قلت لشعبة: ما علامة ذلك؟ قال: " روى عن الحكم أشياء لم نجد لها أصلاً "، ثم ذكر شيئاً من ذلك ببعض الاختلاف (٢).
قال القاضي الرامهرمزي: " وليس يستدل على تكذيب الحسن بن عمارة من الطريق الذي استدل به أبو بسطام؛ لأنه استفتى الحكم في المسألتين، فأفتاه الحكم بما عنده، وهو أحد فقهاء الكوفة زمن حماد، فلما قال له أبو بسطام: عمن، أمكن أن يكون يظن أنه يقول: من الذي يقوله من فقهاء الأمصار؟ فقال في إحداهما: هو قول إبراهيم، وفي الأخرى: هو قول الحسن، هذا مقام الحجة وليس يلزم المفتي أن يفتي بجميع ما روى، ولا يلزمه أيضاً أن يترك رواية ما لا يفتي به، وعلى هذا مذاهب جميع فقهاء الأمصار: هذا مالك يرى العمل بخلاف كثير مما يروي، والزهري عن سالم عن أبيه أثبت وأقوى عند علماء أهل الحديث من الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وقد خالف مالك هذه الرواية في رفع
стр. 514
اليدين بعد أن حدث به عن الزهري. وهذا أبو حنيفة يروي حديث فاطمة بنت أبي حبيش في المستحاضة ويقول بخلافه (١).
وقد يمكن أن يحدث الحكم ابن عمارة من كتابه بما لا يحفظه، والعمل عنده بخلافه، ويسأله شعبة فيجيب على ما يحفظ، والعمل عليه عنده.
والإنصاف أولى بأهل العلم، وكان أبو بسطام سيىء الرأي في الحسن، والله يغفر لهما " (٢).
المقدمة الثامنة: التحقق من آخر قولي أو أقوال الناقد في الراوي، إن كان قد اختلف عليه
وهذا كالذي نبهت عليه في صدر هذا الفصل من اختلاف النقل جرحاً وتعديلاً عن الناقد المعين، كالذي مثلت به عن يحيى بن معين.
والمقصود أن الناقد قد يعدل الراوي، ثم يبدو له من أمره ما يوجب جرحه فيصير إليه، كما سأل أبو بكر أبو المروذي أحمد بن حنبل عن (الحكم بن عطية البصري) قال: كيف هو؟ قال: " كان عندي ليس به بأس، ثم بلغني أنه حدث بأحاديث مناكير " وكأنه ضعفه (٣).
وكما في قول يحيى بن معين في (ثواب بن عتبة المهري)، ففي رواية الدوري عنه: " ثقة " (٤)، وكذلك نقل إسحاق بن منصور عن يحيى (٥)، وهذا ما كان قد صار إليه في شأنه، ومن الدليل عليه قول ابن حاتم:
стр. 515
" سمعت أبي وأبا زرعة ورأيا في كتاب رواه عباس الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: ثواب بن عتبة ثقة، فأنكرا جميعاً ذلك " (١).
يظهر لي أنهما أنكرا ما في الكتاب من توثيق يحيى، لعلمهما أن الدوري إنما سمع من يحيى تضعيفه، كما يدل عليه قول الدوري في موضع آخر من " التاريخ ": " سمعت يحيى يقول: ثواب بن عقبة شيخ صدق "، قال الدوري: " فإن كنت كتبت عن أبي زكريا فيه شيئاً أنه ضعيف،، فقد رجع أبو زكريا، وهذا هو القول الأخير من قوله " (٢).
المقدمة التاسعة: مراعاة دلالة ألفاظ الجرح والتعديل
إذ منها اللفظ المجمل الذي لا يتبين وجهه فيبحث عن تفسيره في كلام قائله، أو كلام غيره، أو بتأمل حال الراوي وحديثه، ومنها اللفظ الذي هو ظاهر الإفادة للجرح، ومعناه فيه بين، ومنها اللفظ يتردد في وضوح دلالته بنفسه.
وقد تتبعت في الفصل التالي مشهور تلك الألفاظ وأكثرها استعمالاً، وبينت نكتاً تتصل بمعناها، توقف على ما يحتاج إليه لاستعمال هذه المقدمة.
المقدمة العاشرة: التحقق من كون العبارة المعينة قيلت من قبل الناقد في ذلك الشخص المعين
حكاية ألفاظ علماء الجرح والتعديل من قبل رواتها والناقلين لها عنهم قد يداخلها الوهم، فيكون الناقد قال تلك العبارة في راو، فيذكرها من أخذها عنه في راو آخر، ربما شابهه في اسمه أو نسبه، أو انتقل البصر من ترجمة إلى أخرى.
стр. 516
مثل ما نقله العقيلي وابن عدي عن البخاري قال: " زيد أبو عمر عن أنس، سكتوا عنه " (١)، وأسند العقيلي لزيد هذا حديثاً عن أنس في ذكر الجهنميين، وقال بعده: " روي هذا المتن بغير هذا الإسناد بأسانيد جياد ".
واعتمد ابن الجوزي على ما نقله العقيلي أو ابن عدي البخاري، فذكر الرجل في " الضعفاء " (٢)، وكذا الذهبي، مع إقراره بكون المتن الذي رواه زيد محفوظاً (٣)، وبعده ابن حجر، ولم يتعقب بشيء إلا بذكر ابن حبان للرجل في " الثقات " (٤).
وجميع هذا وهم، فإن البخاري لم يقل العبارة المذكورة في (زيد أبي عمر)، إنما قالها في الراوي الذي تلاه في " التاريخ الكبير "، فبعد أن فرغ من ذكر (زيد أبي عمر) وحديثه في ذكر الجهنميين، قال: " زيد بن عوف أبو ربيعة، من بني عامر بن ذهل، ويقال: فهد، عن حماد بن سلمة، سكتوا عنه " (٥).
وأيد الوهم أن من تقدم ذكرهم جميعاً حين ترجموا لـ (زيد بن عوف)، لم يذكروا هذه العبارة عن البخاري فيه.
كما يؤيده أن عبارة (سكتوا عنه) جرح بليغ من البخاري، وهذا الرجل لم يعرف إلا بحديث الجهنميين المشار إليه، وهو حديث محفوظ عن أنس من غير طريقه، لذا فقول ابن حبان في إيراده في (الثقات) هو الصواب، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحاً ولا تعديلاً (٦).
стр. 517
وهو بخلاف ابن عوف، فإنه رجل متروك الحديث.
وربما رجع أصل الوهم إلى رواية من نسخة من أصول " تاريخ " البخاري، لأن العقيلي وابن عدي إنما يرويانه عنه من جهتين مختلفتين.
وتارة يكون الوهم من قبل الناقد نفسه، كأن يسأل عن راو قد اشترك مع آخر مجروح عنده في اسم أو نسب، فيجيب بحكمه في المجروح، كالمثال المتقدم عن يحيى القطان في (المقدمة الخامسة).
المقدمة الحادية عشرة: التحقق من لفظ المنقولة عن الناقد
ومن ذلك أن يأمن التصحيف أو التحريف للعبارة بما قد يحيل معناها، مثل ما وقع في كثير من الكتب من تحريف قول عبد الله بن عون البصري في (شهر بن حوشب): " نزكوه " بالنون والزاي في أوله، حرفت إلى " تركوه " بتاء فوقية في أوله فراء، في كثير من المراجع، وبين العبارتين فرق كبير في المعنى، فمعنى: (نزكوه) قال مسلم بن الحجاج: " أخذته ألسنة الناس، تكلموا فيه " (١)، وقال عياض: " معناه: طعنوا عليه، مأخوذ من النيزك، وهو الرمح القصير " (٢).
ومن قبيح التحريف أيضاً ما وقع في " الميزان " للذهبي في ترجمة (أبي صالح باذام مولى أم هانئ): " وقال إسماعيل بن أبي خالد: كان أبو صالح يكذب، فما سألته عن شيء إلا فسره لي " (٣). وصواب العبارة: " كان أبو صالح يكتب " (٤).
ومن ذلك أن يقف على سياق لفظ الناقد بتمامه، لا يبني على اللفظ
стр. 518
المختصر، فربما صدر لفظ الناقد في راو بما يوهم الجرح حين سئل عنه وعمن هو أوثق منه على سبيل المقارنة، كأن يقول: (فلان ثقة، وفلان ضعيف)، أي مقارنة بمن ذكر معه، لا مطلقاً، وربما نقلت العبارة عنه بتصرف، فإذا تم الوقوف على نصها كانت على دلالة أخرى، وربما نقلت على المعنى، كأن يقال: (وثقه فلان) أو: (ضعفه فلان) أو (تركه فلان)، ولا تذكر الصيغة المفيدة لذلك، وربما عكس الأمر، فيكون أصل المنقول: (تركه فلان) فتحكى عنه قولا: " متروك ".
قال يعقوب بن سفيان: سمعت أحمد بن صالح، وذكر مسلمة بن علي، قال: " لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، قد يقال: (فلان ضعيف)، فأما أن يقال: (فلان متروك) فلا، إلا أن يجتمع الجميع على ترك حديثه " (١).
وله أمثلة كثيرة، منها:
نقل العقيلي عن يحيى بن سعيد القطان قوله في حسين المعلم وقد ذكر أحاديثه: " فيه اضطراب "، فصدر العقيلي بقوله: " حسين بن ذكوان المعلم، بصري، مضطرب الحديث " (٢)، أخذها من عبارة يحيى القطان متوسعاً فيها حتى جعل الوصف اللازم لحسين هذا أنه مضطرب الحديث.
ومن هذا أيضاً: الاختصار في نقل عبارة الناقد، أو حكايتها بالمعنى، مما يقع به الخروج عن أصل دلالتها.
المقدمة الثانية عشرة: التيقظ إلى ما يقع أحياناً من المبالغة في صيغة النقد
وذلك كاستعمال العبارات المشعرة بشدة جرح الراوي، كأن يحمل
стр. 519
خطأه على الكذب، وإنما هو الوهم، أو يحمل منكراً رواه، عليه، وإنما هو التدليس.
مثل ما حكى عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قلت لأبي: كان يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر أن أبا قتادة الحراني كان يكذب، فعظم ذلك عنده جداً، قال: " هؤلاء _ يعني أهل حران _ يحملون عليه، كان أبو قتادة يتحرى الصدق، لربما رأيته يشك في الشيء "، وأثنى عليه وذكره بخير. قال أحمد: " لعله كبر واختلط، الشيخ وقت ما رأيناه كان يشبه الناس ما علمته، كان يتحرى الصدق ". وقال: " أظن أبا قتادة كان يدلس " (١).
قلت: وفي هذا كذلك فرق ما بين نعت الناقد العارف بهذا الشأن وأدبه، وغيره، فيعقوب بن إسماعيل هذا ليس معدوداً فيمن يعرف هذا الشأن.
وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: ترى المسيب بن شريك كان يكذب؟ قال: " معاذ الله، ولكنه كان يخطئ " (٢).
وكان يحيى بن معين ربما بالغ في عبارة النقد، فكن يقظاً لذلك.
وذلك كقوله وقد ذكر له عبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح، فقال له رجل: قوم يقدمون عبد الرحمن بن مهدي؟ فقال: " من قدم عبد الرحمن على وكيع _ فدعا عليه _ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " (٣).
فهذا مما عيب على يحيى، وأنكر منه.
قال يعقوب بن سفيان: " كان غير هذا الكلام أشبه بكلام أهل العلم، ومن حاسب نفسه وعلم أن كلامه من عمله لم يقل مثل هذا " (٤).
стр. 520
وقال الذهبي: " هذا كلام رديء، فغفر الله ليحيى، فالذي أعتقده أنا أن عبد الرحمن أعلم الرجلين وأفضل وأتقن، وبكل حال هما إمامان نظيران " (١).
المقدمة الثالثة عشرة: قد تطلق العبارة لا يراد ظاهرها
جرى في لسان العرب إطلاق لفظ الكذب على معناه المتبادر عند الإطلاق، الذي هو ضد الصدق، كما أنهم ربما أطلقوه على إرادة مجرد الخطأ.
وتكرر وقوعه بهذا المعنى في مواضع في المنقول عن السلف، ومن أمثلته:
ما حدث به أبو نهيك الأزدي:
أن أبا الدرداء كان يخطب الناس، فيقول: لا وتر لمن أدركه الصبح. قال فانطلق رجال إلى عائشة، ﵂، فأخبروها، فقالت: كذب أبو الدرداء، كان النبي ﷺ يصبح فيوتر (٢).
ومن هذا أنهم ربما أطلقوا على الراوي وصف (الكذب) وعنوا في رأيه ومذهبه، لا في حديثه وروايته.
стр. 521
مثل: (تليد بن سليمان المحاربي الكوفي)، كان أحد من سمع منهم أحمد بن حنبل وأثنى عليه (١)، لكنهم نقموا عليه مذهبه في التشيع، وغلظ يحيى بن معين فيه العبارة حتى قال: " كذاب "، لكني بحثت عن سبب تكذيبه له، فوجدته قد أحاله على مذهبه لا على حديثه، إذ نص مقالة يحيى كما رواها عنه الدوري: " تليد كذاب، كان يشتم عثمان، وكل من يشتم عثمان أو طلحة أو أحداً من أصحاب النبي ﷺ دجال، لا يكتب عنه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " (٢).
فتأثرت طائفة جاءوا من بعد بعبارة يحيى، وليس الأمر كما ذهبوا إليه، إنما علته مما ذكرت، فتأمل !
* * *
стр. 522
المبحث الثاني:
تحرير منع تقديم الجرح على التعديل إلا بشروط
التأصيل: أن من ثبت تعديله من ناقد عارف، فالواجب منع المصير إلى خلافه إلا بحجة.
والتحقيق من مذاهب أهل العلم: أن الجرح الثابت عن الناقد العارف متروك حتى تجتمع فيه شروط ثلاثة:
الشرط الأول:
أن يكون مفسراً، ولو من ناقد واحد
الجرح المجمل: هو اللفظ ظاهره القدح، لكن لم يبين وجهه، ولم يشرح سببه، كقول الناقد في راو: (ضعيف)، أو (ليس بشيء)، أو (متروك)، أو استعماله عبارة من العبارات النادرة الاستعمال، كقوله: (ارم به)، أو يسأل عن الراوي، فيشير بيده، أو لسانه، أو يحرك رأسه.
كما لا عبرة بعدد المعدلين والجارحين على التحقيق، وما يسلكه بعض المنتسبين لهذا العلم من المتأخرين من حساب عدد من جرح ومن عدل، فيصير إلى الراجح بالعدد، فمذهب ضعيف لا يقوم على أصول هذا العلم.
стр. 523
فالتأصيل: أن الجرح ولو كان من واحد في مقابل تعديل الجمع، إذا سلم كونه قادحاً، قدم على التعديل، لأن الجارح بما هو قادح بمنزلة زيادة العلم من الثقة، فالجارح قد اطلع على ما يخرج ذلك الراوي عن محل السلامة في العدالة أو الضبط، إلى حيز الجرح والقدح (١)، دون أن يكون لمجرد العدد تأثير في ذلك.
فإن قلت: لم لا يقدح الجرح مطلقاً ما دام صادراً من ناقد عارف، بناء على أن التعديل إنما جاء على وفاق الأصل، الذي هو السلامة من الجرح، والجرح زيادة علم جاء به الناقد، والأصل أن هؤلاء الناقد لما عرف من درايتهم بالنقلة، فهم يعنون ما يقولون، لا يطلقون عبارة الجرح إلا أن تكون جارية على اعتبارهم أسباب الجرح القادح المؤثر؟
فالجواب: الاشتباه واقع فيما يرد على لفظ الجرح من الاحتمال بسبب الإجمال، مع صحة وقوع المثال من قبل النقاد أنفسهم أنهم ربما أطلقوا اللفظ ظاهره الجرح، ويحتمل وجهاً غير معارض للتعديل، كما أن أحدهم ربما جرح بغير جارح، أو بلغه سبب الجرح عن غيره فبنى عليه، أو خرج منه مخرج الغضب والانفعال.
قال أبو الطيب الطبري: " لا يقبل الجرح إلا مفسراً، وليس قول أصحاب الحديث: (فلان ضعيف) و (فلان ليس بشيء) مما يوجب جرحه ورد خبره، وإنما كان كذلك، لأن الناس اختلفوا فيما يفسق به، فلا بد من ذكر سببه؛ لينظر: هل هو فسق أم لا؟ ".
قال الخطيب: " وهذا القول هو الصواب عندنا، وإليه ذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده، مثل: محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، وغيرهما " (٢).
стр. 524
ومن أمثلته المؤكدة لوجوب تحقق هذا الشروط:
ما رواه عباس الدوري في (بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي)، قال: سمعت يحيى (يعني ابن معين) يقول: حدث يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق فقال: رأيت بريدة بن سفيان يشرب الخمر في طريق الري.
قال الدوري: " والذي يظن ببريدة بن سفيان أنه شرب نبيذاً، فرآه محمد بن إسحاق فقال: رأيته يشرب خمراً، وذاك أن النبيذ عند أهل المدينة ومكة خمر، لا أنه يشرب خمراً بعينها إن شاء الله، فهذا وجه الحديث عندي " (١).
قلت: وكأن الجوزجاني استعمل هذه الحكاية للطعن عليه حين قال: " مغموص عليه في دينه " (٢)، فزاد الجرح إبهاماً، فتأمل!
وقال يحيى القطان: " كان محمد بن سيرين لا يرضى حميد بن هلال " (٣).
فقال ابن عدي: " لحميد بن هلال أحاديث كثيرة، وقد حدث عنه الناس والأئمة، وأحاديثه مستقيمة، والذي حكاه يحيى القطان أن محمد بن سيرين لا يرضاه لا أدري ما وجهه، فلعله كان يرضاه في معنى آخر ليس الحديث، فأما في الحديث فإنه لا بأس به وبروايته " (٤).
والأمر كما قال ابن عدي، وذلك المعنى الآخر غير الحديث بينه أبو حاتم الرازي بقوله: " دخل في شيء من عمل السلطان، فلهذا كان لا يرضاه، وكان في الحديث ثقة " (٥).
стр. 525
وقال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن (الربيع بن عبد الله بن خطاف)، وقلت له: إن عبد الرحمن بن مهدي يثنى عليه، فقال: " أنا أعلم به "، وجعل يضرب فخذه تعجباً من عبد الرحمن، وقال: " لا ترو عنه شيئاً "، فقلت: لا أروي عنه حديثاً أبداً (١).
قلت: فهذا جرح مجمل، لم يذكر يحيى له سبباً، وتسليمه له مع قيام المعارض، وهو التعديل لا يصح.
قال ابن عدي: لم أر له حديثاً يتهيأ لي أن أقول من أي جهة أنه ضعيف، والذي يرويه عن الحسن وابن سيرين إنما هي مقاطيع " (٢).
وتبين أن العلة التي تكلم لأجلها فيه يحيى هي مظنة أنه كان يذهب إلى القول بالقدر.
بين ذلك ما نقلة علي بن المديني قال: سألت عبد الرحمن بن مهدي عنه؟ فقال: " كان عندي ثقة في حديثه "، قلت لعبد الرحمن: كان يرى القدر؟ قال: " كان يجالس عمرو بن فائدٍ يوم الجمعة " (٣).
ومما يبين ضرورة تفسير سبب الجرح وقوع الحالات التالية:
أولاً: أن الكلام في الراوي قد يكون بسبب منكرات جاءت من طريقة، ليس الحمل فيها عليه، إنما على مجروح أو مجهول غيره في الإسناد فوقه أو دونه.
فتكلمت طائفة من النقاد في (بقية بن الوليد)، وذلك في التحقيق لشهرته بكثرة الرواية عن المتروكين والمجهولين، حتى أضر ذلك به عند طائفة.
стр. 526
قال الدارقطني: " يروي عن قوم متروكين، مثل مجاشع بن عمرو، وعبد الله بن يحيى، ولا أعرفه، ولا أعلم له راوياً غير بقية " (١).
قال ابن عدي: " إذا روى عن المجهولين، فالعدة عليهم، والبلاء منهم لا منه " (٢).
ومن أمثلته: ما حكاه أبو حاتم الرازي في (عثمان بن أبي العاتكة): سمعت دحيماً يقول: " لا بأس به، ولم ينكر حديثه عن غير علي بن يزيد، والأمر من علي "، فقيل له: إن يحيى بن معين يقول: الأمر من القاسم أبي عبد الرحمن، فقال: " لا ".
قلت: ودحيم المرجع في رواة الشاميين، وعثمان هذا منهم، ولذا قال أبو حاتم: " لا بأس به، بليته من كثرة روايته عن علي بن يزيد، فأما ما روي عن عثمان عن غير علي بن يزيد فهو مقارب، يكتب حديثه " (٣).
وقال الذهبي في (أبي الحسن علي بن عبد الله بن الحسن بن جهضم الهمذاني): " ليس بثقة، بل متهم يأتي بمصائب " (٤)، فعارض قول الحافظ شيرويه الديلمي: " كان ثقة صدوقاً عالماً زاهداً، حسن المعاملة، حسن المعرفة بعلوم الحديث " (٥).
وتبين أن التهمة بالكذب حكاها ابن الجوزي فقال: " ذكروا أنه كان كذاباً، ويقال: إنه وضع صلاة الرغائب " ونقل عن أبي الفضل بن خيرون قوله: " قد تكلموا فيه " (٦).
стр. 527
وهذا الطعن متهافت، فمن ذا كذبه، فالجرح لا يقبل من مجهول، والتهمة بوضع صلاة الرغائب جاءت من جهة أنه روى الحديث فيها، لكنه لم يكن سوى ناقل، وعلتها ممن فوقه، فإسنادها مجهول (١).
وكثير من الثقات رووا عن المجهولين والضعفاء والمتهمين ما هو منكر أو كذب، وما لحقهم الجرح بسببه، إنما التهمة لمن يعرف من رجاله بالعدالة.
وتفطن إلى صورة تقابل هذه، وهي: أن يكون الراوي عن المتكلم فيه مجروحاً، فيروي عنه منكرات، والحمل فيه على ذلك المجروح.
كما قال الدارقطني في (سماك بن حرب): " إذا حدث عنه شعبة والثوري وأبو الأحوص فأحاديثهم عنه سليمة، وما عن شريك بن عبد الله وحفص بن جيمع ونظرائهم ففي بعضها نكارة " (٢).
وكما قال ابن عدي في (ثابت بن أسلم البناني): " هو من ثقات المسلمين، وما وقع في حديثه من النكرة فليس ذلك منه، إنما هو من الراوي عنه؛ لأنه قد روى عنه جماعة ضعفاء ومجهولون، وإنما هو في نفسه إذا روى عمن هو فوقه من مشايخه فهو مستقيم الحديث ثقة " (٣).
وذكر ابن عدي جماعة من الرواة، عيبهم من هذا الباب، فذب عنهم، وحمل النكارة في أحاديث جاءت عنهم على أنها من قبل الأسانيد إليهم (٤).
ثانياً: قد يكون الجرح من أجل الخطأ في حديث معين، فيطلق الناقد العبارة في الراوي، وليس الأمر كما قال، بل الإنصاف أن يقيد الجرح بما أخطأ فيه خاصة، ويحتج به فيما سوى ذلك.
стр. 528
مثاله: عبد الرحمن بن نمر الشامي، روى عن الزهري ومكحول، وروى عنه الوليد بن مسلم وسليمان بن كثير.
قال فيه يحيى بن معين: " ابن نمير ضعيف في الزهري " (١).
وهذا الجرح تبين أنه كان من أجل حديث معين، أورده ابن عدي من طريقه عن الزهري عن عروة بن الزبير، أنه سمع مروان بن الحكم يقول: أخبرتني بسرة بنت صفوان الأسدية أنها سمعت رسول الله ﷺ يأمر بالوضوء من مس الذكر، والمرأة مثل ذلك.
ثم قال ابن عدي: " هذا الحديث بهذا الزيادة التي ذكر في متنه: والمرأة مثل ذلك، لا يرويه عن الزهري غير ابن نمر هذا ".
قال: " له عن الزهري غير نسخة، وهي أحاديث مستقيمة .. وقول ابن معين: هو ضعيف في الزهري، ليس أنه أنكر عليه في أسانيد ما يرويه عن الزهري، أو في متونها، إلا ما ذكرت من قوله: والمرأة مثل ذلك، وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء " (٢).
وأقول: بل ذهب ناقد أهل الشام دحيم إلى تصحيح حديثه عن الزهري، كما قال الخبير بحديث الزهري الحافظ محمد بن يحيى الذهلي بعد أن أطلق ثقته: " لا تكاد تجد لا بن نمر حديثاً عن الزهري إلا ودون الحديث مثله يقول: سألت الزهري عن كذا؟ فحدثني عن فلان وفلان، فيأتي بالحديث على وجهه " (٣).
على أنه من الجائز أن تكون تلك الزيادة التي أجلها ضعفه ابن معين على ما بينه ابن عدي مدرجة من قول الزهري ورأيه، والزهري
стр. 529
معروف بمثل ذلك يدرج في المتون التفسير والرأي، خصوصاً مع مراعاة ما ذكره الذهلي من أنه كان يسأل الزهري.
ثالثاً أن يكون الجرح عائداً إلى كون الراوي قد ضعف في شيخ معين، أو في حال معين، فهذا لا يصلح فيه قبول الجرح المطلق، بل يرد من حديثه القدر الذي ضعف فيه، ويحتج بما سواه من حديثه.
قال ابن القيم منبهاً على ما يقع من بعضهم الغلط فيه من مثل هذا: " أن يرى الرجل قد تكلم في بعض حديثه، وضعف في شيخ، أو في حديث، فيجعل ذلك سبباً لتعليل حديثه وتضعيفه أين وجده، كما يفعله بعض المتأخرين من أهل الظاهر وغيرهم، وهذا غلط، فإن تضعيفه في رجل أو في حديث ظهر فيه غلط لا يوجب التضعيف لحديثه مطلقاً، وأئمة الحديث على التفصيل والنقد واعتبار حديث الرجل بغيره، والفرق بين ما انفرد به أو وافق فيه الثقات " (١).
تنبيه:
مما يكون من قبيل الجرح المجمل: ذكر الراوي في كتب الضعفاء.
شأن جماعة من الثقات أوردهم ابن عدي والعقيلي في كتابيهما في الضعفاء.
فابن عدي في " الكامل " ذكر طائفة من أعيان الثقات، ممن حكم هو بأنهم من الثقات المتقنين، منهم: حبيب بن أبي ثابت، وثابت بن أسلم البناني، وأبو العالية الرياحي، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وأبو نضرة العبدي، وعبد الله بن وهب المصري، وغيرهم.
стр. 530
وذكرهم من أجل كلام بعضهم فيه، وكان شرطه إيراد كل متكلم فيه ليذب عنه.
بل ذكر ابن عدي في (كتابه) بعض الصحابة لأجل الحديث الذي روي عنهم، لا لجرح فيهم، مثل: ذي اليدين، وزيد بن أبي أوفي، وسليك الغطفاني، وأبي الطفيل عامر بن واثلة.
وبين ابن عدي وجه ذلك فقال: " وكل من له صحبة ممن ذكرنا في هذا الكتاب، فإنما تكلم البخاري في ذلك الإسناد الذي انتهى فيه إلى الصحابي، أن ذلك الإسناد ليس بمحفوظ، وفيه نظر، لا أنه يتكلم في الصحابة، فإن أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لحق صحبتهم، وتقادم قدمهم في الإسلام، لكل واحد منهم في نفسه حق وحرمة؛ للصحبة، فهم أجل من أن يتكلم أحد فيهم " (١).
وكذا أورد العقيلي في (كتابه) جماعة وهم من المتقنين: أمية بن خالد القيسي، وجرير بن عبد الحميد الضبي، وعلي بن مسهر، وعلي بن المديني، وغيرهم.
ومع اشترط الذهبي في " الميزان " استقصاء من تكلم فيه، وإن كان من الثقات المتقنين؛ لإبطال دعوى الجرح فيهم، إلا أنه تحاشى ذكر أحد من الصحابة، وقال في بيان شرطه: " إلا ما كان في كتاب البخاري وابن عدي وغيرهما من الصحابة، فإني أسقطهم؛ لجلالة الصحابة، ولا أذكرهم في هذا المصنف؛ فإن الضعف إنما جاء من جهة الرواة إليهم " (٢).
قلت: وطريقة الذهبي أجود.