← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1416

تحرير علوم الحديث

عبد الله الجديع

Полный текст (1 074 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قال الدارقطني: " يروي عن قوم متروكين، مثل مجاشع بن عمرو، وعبد الله بن يحيى، ولا أعرفه، ولا أعلم له راوياً غير بقية " (١). قال ابن عدي: " إذا روى عن المجهولين، فالعدة عليهم، والبلاء منهم لا منه " (٢). ومن أمثلته: ما حكاه أبو حاتم الرازي في (عثمان بن أبي العاتكة): سمعت دحيماً يقول: " لا بأس به، ولم ينكر حديثه عن غير علي بن يزيد، والأمر من علي "، فقيل له: إن يحيى بن معين يقول: الأمر من القاسم أبي عبد الرحمن، فقال: " لا ". قلت: ودحيم المرجع في رواة الشاميين، وعثمان هذا منهم، ولذا قال أبو حاتم: " لا بأس به، بليته من كثرة روايته عن علي بن يزيد، فأما ما روي عن عثمان عن غير علي بن يزيد فهو مقارب، يكتب حديثه " (٣). وقال الذهبي في (أبي الحسن علي بن عبد الله بن الحسن بن جهضم الهمذاني): " ليس بثقة، بل متهم يأتي بمصائب " (٤)، فعارض قول الحافظ شيرويه الديلمي: " كان ثقة صدوقاً عالماً زاهداً، حسن المعاملة، حسن المعرفة بعلوم الحديث " (٥). وتبين أن التهمة بالكذب حكاها ابن الجوزي فقال: " ذكروا أنه كان كذاباً، ويقال: إنه وضع صلاة الرغائب " ونقل عن أبي الفضل بن خيرون قوله: " قد تكلموا فيه " (٦).

стр. 527

وهذا الطعن متهافت، فمن ذا كذبه، فالجرح لا يقبل من مجهول، والتهمة بوضع صلاة الرغائب جاءت من جهة أنه روى الحديث فيها، لكنه لم يكن سوى ناقل، وعلتها ممن فوقه، فإسنادها مجهول (١). وكثير من الثقات رووا عن المجهولين والضعفاء والمتهمين ما هو منكر أو كذب، وما لحقهم الجرح بسببه، إنما التهمة لمن يعرف من رجاله بالعدالة. وتفطن إلى صورة تقابل هذه، وهي: أن يكون الراوي عن المتكلم فيه مجروحاً، فيروي عنه منكرات، والحمل فيه على ذلك المجروح. كما قال الدارقطني في (سماك بن حرب): " إذا حدث عنه شعبة والثوري وأبو الأحوص فأحاديثهم عنه سليمة، وما عن شريك بن عبد الله وحفص بن جيمع ونظرائهم ففي بعضها نكارة " (٢). وكما قال ابن عدي في (ثابت بن أسلم البناني): " هو من ثقات المسلمين، وما وقع في حديثه من النكرة فليس ذلك منه، إنما هو من الراوي عنه؛ لأنه قد روى عنه جماعة ضعفاء ومجهولون، وإنما هو في نفسه إذا روى عمن هو فوقه من مشايخه فهو مستقيم الحديث ثقة " (٣). وذكر ابن عدي جماعة من الرواة، عيبهم من هذا الباب، فذب عنهم، وحمل النكارة في أحاديث جاءت عنهم على أنها من قبل الأسانيد إليهم (٤). ثانياً: قد يكون الجرح من أجل الخطأ في حديث معين، فيطلق الناقد العبارة في الراوي، وليس الأمر كما قال، بل الإنصاف أن يقيد الجرح بما أخطأ فيه خاصة، ويحتج به فيما سوى ذلك.

стр. 528

مثاله: عبد الرحمن بن نمر الشامي، روى عن الزهري ومكحول، وروى عنه الوليد بن مسلم وسليمان بن كثير. قال فيه يحيى بن معين: " ابن نمير ضعيف في الزهري " (١). وهذا الجرح تبين أنه كان من أجل حديث معين، أورده ابن عدي من طريقه عن الزهري عن عروة بن الزبير، أنه سمع مروان بن الحكم يقول: أخبرتني بسرة بنت صفوان الأسدية أنها سمعت رسول الله ﷺ يأمر بالوضوء من مس الذكر، والمرأة مثل ذلك. ثم قال ابن عدي: " هذا الحديث بهذا الزيادة التي ذكر في متنه: والمرأة مثل ذلك، لا يرويه عن الزهري غير ابن نمر هذا ". قال: " له عن الزهري غير نسخة، وهي أحاديث مستقيمة .. وقول ابن معين: هو ضعيف في الزهري، ليس أنه أنكر عليه في أسانيد ما يرويه عن الزهري، أو في متونها، إلا ما ذكرت من قوله: والمرأة مثل ذلك، وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء " (٢). وأقول: بل ذهب ناقد أهل الشام دحيم إلى تصحيح حديثه عن الزهري، كما قال الخبير بحديث الزهري الحافظ محمد بن يحيى الذهلي بعد أن أطلق ثقته: " لا تكاد تجد لا بن نمر حديثاً عن الزهري إلا ودون الحديث مثله يقول: سألت الزهري عن كذا؟ فحدثني عن فلان وفلان، فيأتي بالحديث على وجهه " (٣). على أنه من الجائز أن تكون تلك الزيادة التي أجلها ضعفه ابن معين على ما بينه ابن عدي مدرجة من قول الزهري ورأيه، والزهري

стр. 529

معروف بمثل ذلك يدرج في المتون التفسير والرأي، خصوصاً مع مراعاة ما ذكره الذهلي من أنه كان يسأل الزهري. ثالثاً أن يكون الجرح عائداً إلى كون الراوي قد ضعف في شيخ معين، أو في حال معين، فهذا لا يصلح فيه قبول الجرح المطلق، بل يرد من حديثه القدر الذي ضعف فيه، ويحتج بما سواه من حديثه. قال ابن القيم منبهاً على ما يقع من بعضهم الغلط فيه من مثل هذا: " أن يرى الرجل قد تكلم في بعض حديثه، وضعف في شيخ، أو في حديث، فيجعل ذلك سبباً لتعليل حديثه وتضعيفه أين وجده، كما يفعله بعض المتأخرين من أهل الظاهر وغيرهم، وهذا غلط، فإن تضعيفه في رجل أو في حديث ظهر فيه غلط لا يوجب التضعيف لحديثه مطلقاً، وأئمة الحديث على التفصيل والنقد واعتبار حديث الرجل بغيره، والفرق بين ما انفرد به أو وافق فيه الثقات " (١). تنبيه: مما يكون من قبيل الجرح المجمل: ذكر الراوي في كتب الضعفاء. شأن جماعة من الثقات أوردهم ابن عدي والعقيلي في كتابيهما في الضعفاء. فابن عدي في " الكامل " ذكر طائفة من أعيان الثقات، ممن حكم هو بأنهم من الثقات المتقنين، منهم: حبيب بن أبي ثابت، وثابت بن أسلم البناني، وأبو العالية الرياحي، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وأبو نضرة العبدي، وعبد الله بن وهب المصري، وغيرهم.

стр. 530

وذكرهم من أجل كلام بعضهم فيه، وكان شرطه إيراد كل متكلم فيه ليذب عنه. بل ذكر ابن عدي في (كتابه) بعض الصحابة لأجل الحديث الذي روي عنهم، لا لجرح فيهم، مثل: ذي اليدين، وزيد بن أبي أوفي، وسليك الغطفاني، وأبي الطفيل عامر بن واثلة. وبين ابن عدي وجه ذلك فقال: " وكل من له صحبة ممن ذكرنا في هذا الكتاب، فإنما تكلم البخاري في ذلك الإسناد الذي انتهى فيه إلى الصحابي، أن ذلك الإسناد ليس بمحفوظ، وفيه نظر، لا أنه يتكلم في الصحابة، فإن أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لحق صحبتهم، وتقادم قدمهم في الإسلام، لكل واحد منهم في نفسه حق وحرمة؛ للصحبة، فهم أجل من أن يتكلم أحد فيهم " (١). وكذا أورد العقيلي في (كتابه) جماعة وهم من المتقنين: أمية بن خالد القيسي، وجرير بن عبد الحميد الضبي، وعلي بن مسهر، وعلي بن المديني، وغيرهم. ومع اشترط الذهبي في " الميزان " استقصاء من تكلم فيه، وإن كان من الثقات المتقنين؛ لإبطال دعوى الجرح فيهم، إلا أنه تحاشى ذكر أحد من الصحابة، وقال في بيان شرطه: " إلا ما كان في كتاب البخاري وابن عدي وغيرهما من الصحابة، فإني أسقطهم؛ لجلالة الصحابة، ولا أذكرهم في هذا المصنف؛ فإن الضعف إنما جاء من جهة الرواة إليهم " (٢). قلت: وطريقة الذهبي أجود.

стр. 531

الشرط الثاني: أن يكون جرحاً بما هو جارح ليس كل جرح يكون قادحاً حتى ولو كان مفسراً؛ وذلك لما عرف أن الراوي قد يجرح بغير جارح، والعالم ربما جرح بالشيء يخالف فيه، والصواب والعدل قول مخالفه. وتقدم في (تفسير الجرح) أنه وقع بأسباب لا أثر لها في التحقيق، فاستبنه مما شرحته هناك. فإذا كان الجرح مفسراً قادحاً فهو مقدم على التعديل، على التحقيق. الشرط الثالث: أن لا يكون الجرح مردوداً من ناقد آخر بحجة فقد وجدنا الرجل يجرح الرجل أو يعدل من بعض النقاد، فيأتي بعده من يطلع على جرحه أو تعديله، فيرد قوله. فأما رد التعديل بظهور الجرح، فهذا يميز بالشرط الأول. مثل قول الجوزجاني: قلت لأحمد (يعني ابن حنبل): إن موسى (يعني ابن عبيدة الربذي) قد روى عنه سفيان وشعبة؟ قال: " لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه " (١). وكقول الدارقطني في (عبد الغفار بن القاسم أبي مريم): " متروك "، ثم قال: " شيخ شعبة، أثنى عليه شعبة، وخفي أمره على شعبة، وبقي بعد شعبة زماناً فخلط " (٢).

стр. 532

ومن هذا تعديل بعض السلف لبعض من أدركوا من الرواة، فاكتشف من جاء بعدهم من أمرهم ما خفي على من عدلهم، كتعديل بعضهم لجابر الجعفي، وعبد الكريم بن أبي المخارق، والواقدي. فتقديم الجرح في هذه الأمثلة صحيح ما دام مفسراً مبيناً قادحاً. ولكن رد الجرح من قبل الناقد الآخر هو المعني بهذا الشرط، ومن أمثلته: ١ _ قال ابن الجنيد: سألت يحيى بن معين عن هلال بن خباب وقلت: إن يحيى القطان يزعم أنه تغير قبل أن يموت واختلط؟ فقال يحيى: " لا، ما اختلط، ولا تغير "، قلت ليحيى: فثقة هو؟ قال: " ثقة مأمون " (١). قلت: وهذا النفي من ابن معين جائز أن يكون بالنظر إلى روايات الرجل، فلم ير لما ذكر يحيى القطان تأثيراً فيها، فكأنه يقول: لو صح ما قال القطان فلا وجه للقدح به، إذ كأنه لم يكن. ٢ _ وقال الآجري: قلت لأبي داود: العوام بن حمزة، حدث عنه يحيى القطان، قال عباس (يعني الدوري) عن يحيى بن معين: إنه ليس بشيء؟ قال: " ما نعرف له حديثاً منكراً " (٢). قلت: فأبو داود يقول: لا وجه لجرحه بما قال ابن معين؛ لسلامة حديثه، وخذ منه أن ابن معين ربما قال هذه العبارة لا يعني بها رد حديث الراوي، إنما يعني قلة حديثه. ٣ _ وقال علي بن المديني في (عبد الحميد بن جعفر الأنصاري): " كان يقول بالقدر، وكان عندنا ثقة، وكان سفيان الثوري يضعفه " (٣).

стр. 533

قلت فلم يعتد بتضعيف سفيان، وجائز أن يكون من أجل إجماله، أو من أجل البدعة، ولم يكن ابن المديني يرى لها أثراً في صدق الراوي وثقته. ٤ _ وفي طائفة من الرواة كان البخاري عدهم في جملة الضعفاء فيما ألفه في ذلك، فخالفه فيهم أبو حاتم الرازي، على ما يذكر من تشدده: فمنهم: حريث بن أبي حريث، قال أبو حاتم: " يحول اسمه من هناك، يكتب حديثه ولا يحتج به " (١)، يريد أنه صالح الحديث للاعتبار. ومنهم: عبيد بن سلمان الأعرج، قال أبو حاتم: " لا أرى في حديثه إنكاراً، يحول من كتاب الضعفاء الذي ألفه البخاري إلى الثقات " (٢). ومنهم: عبيد الله بن أبي زياد القداح، قال أبو حاتم: " ليس بالقوي ولا بالمتين، وهو صالح الحديث، يكتب حديثه، ومحمد بن عمرو أحب إلي منه، يحول اسمه من كتاب الضعفاء الذي صنفه البخاري " (٣). ومنهم: عباد بن راشد التميمي البصري، قال أبو حاتم: " صالح الحديث " وأنكر على البخاري إدخال اسمه في كتاب الضعفاء، وقال: " يحول من هناك " (٤). ومنهم: عبد الرحمن بن مسلمة، قال أبو حاتم: " صالح الحديث " وأنكر على البخاري إدخاله في كتاب الضعفاء، وقال: " يحول من هناك " (٥). ومنهم: عبد الرحمن بن عطاء المديني، قال أبو حاتم: " شيخ " قال له

стр. 534

ابنه عبد الرحمن: أدخله البخاري في كتاب الضعفاء؟ فقال: " يحول من هناك " (١). ومنهم: عبد الرحمن بن حرملة، قال أبو حاتم: " ليس بحديثه بأس، وإنما روى حديثاً واحداً ما يمكن أن يعتبر به، ولم أسمع أحد ينكره ويطعن عليه، وأدخله البخاري في كتاب الضعفاء، يحول منه " (٢). ومنهم: عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت، قال أبو حاتم: " ليس عندي بمنكر الحديث " فقال ابنه: أدخله البخاري في كتاب الضعفاء، قال: " يكتب حديثه، ليس بحديثه بأس، ويحوَّل من هناك " (٣). ومنهم: عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، قال أبو حاتم " صدوق "، وأنكر على البخاري إدخاله اسمه في كتاب الضعفاء، وقال: " يحول منه " وقال: " يروي عن الضعفاء يشبه ببقية في روايته عن الضعفاء " (٤). قلت: وتلاحظ أن المقياس عند أبي حاتم لرد جرح البخاري كان اعتبار حديث الراوي، فيكون مذهب البخاري فيهم التشديد، والصواب فيهم التوسط. وهذا باب يطول استقصاؤه، وإنما هذه أمثلة. ٥ _ ومنه من ذكر بجرح قديم، فأعرض عن ذلك الجرح صاحبا (الصحيح) ولم يعداه شيئاً، واحتجا بحديث ذلك الراوي، كطائفة من المتكلم فيهم في كتابيهما. وقد تعقب الدارقطني النسائي في جرحه لجماعة ممن احتج بهم

стр. 535

البخاري ومسلم، فرد قول النسائي، كما ترى ذلك في جزء حدث به الثقة أبو محمد الحسن بن محمد الصيداوي عن أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن بكير البغدادي عن الدارقطني (١). فالناقد قد يرد قول الناقد بعد أن يطلع عليه من جهة وقوفه على ما لم يقف عليه من تقدمه: فإن تعقب بتعديل فلكونه حقق مقال من سبقه في الجرح فلم يره صواباً لثبوت ضده، أو عدم الدليل عليه، وإن تعقب بجرح؛ فلكونه كشف من أمره الراوي ما فات من سبقه. * * *

стр. 536

المبحث الثالث: تنبيهات حول تعارض الجرح والتعديل التنبيه الأول: ترك التعديل عند ظهور الجرح لا يقدح في شخص المعدل أو علمه . اعلم أن تقديم الجرح باجتماع الشروط المتقدمة، فذلك بناء على أن الجارح أتى بزيادة علم، لم يأت بها أو لم يطلع عليها من عدله، وليس في تقديمه قدح في المعدل بهذا الاعتبار. قال ابن حزم: " التجريح يغلب التعديل؛ لأنه علم زائد عند المجرح لم يكن عند المعدل، وليس هذا تكذيباً للذي عدل، بل هو تصديق لهما معاً " (١). التنبيه الثاني: الجرح لمن استقرت عدالته وثبتت إمامته مردود . الراوي إذا ثبت عدالته وعرفت ثقته وإمامته باتفاق النقاد السالفين، فتناوله جارح متأخر فتكلم فيه بعد ذلك، فذلك مما لا يلتفت إليه، وإن كان ذلك الجارح ممن يفهم هذا الفن، وإن وجدت لهذا مثالاً فإنك لا تعدم إما نقص الحجة على الجرح، وإما الخطأ فيه.

стр. 537

سأل أبو عبد الرحمن السلمي الدارقطني عن أبي حامد الشرقي؟ فقال: " ثقة مأمون إمام "، قال السلمي: فقلت: فما تكلم فيه ابن عقدة، فقال: " سبحان الله! وترى فيه مثل كلامه؟ ولو كان بدل ابن عقدة يحيى بن معين "، قلت: وأبو علي الحافظ كان يقول من ذلك، فقال: " وما كان محل أبي علي وإن كان مقدماً في الصنعة أن يسمع كلامه في أبي حامد، رحم الله أبا حامد، فإنه صحيح الدين، صحيح الرواية " (١). التنبيه الثالث: تقديم الجرح عند اجتماع الشروط لا يلزم منه السقوط بالراوي . وإنما المقصود إعماله، وقد يصير إلى النزول بدرجة الراوي عن درجة المتقنين إلى من يقبل حديثه بعد تحقق سلامته من الغلط، كما قد يعتبر الجرح فيه عند مقارنته بمن هو فوقه، لا إذا استقل بالرواية، وقد ينزل به إلى درجة من يرد حديثه الذي ينفرد به، ويعتبر به عند الموافقة، وقد يلحق بالمتروكين، أو الكذابين. والعبرة بدلالة ذلك الجرح المفسر وأثر قدحه. التنبيه الرابع: جرى عند علماء هذا الفن أن الراوي إذا اتفق على توثيقه إماما الصناعة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فإنه جاز بذلك القنطرة. والمقصود أنه لو جرح فغاية أمره أن يكون لخطأ أخطأه لا يسقط به، ولا يزيله عن درجة المقبولين، وإنما قد ينزل به عن درجة المتقنين إلى من يحسن حديثه.

стр. 538

والاستثناء لمن هذه صفته وقع من جهة انتفاء وجود حالة خرجت عما ذكرت من القبول. مثل: (حشرج بن نباتة الأشجعي)، أنكر عليه البخاري حديث الخلفاء (١)، وذكره ابن عدي واعتذر عنه، وأجاب عما أنكر عليه، ثم قال: " وأحاديثه حسان وإفرادات وغرائب، وقد قمت بعذره فيما أنكروه عليه، وهو عندي لا بأس به وبروايته، على أن أحمد ويحيى قد وثقاه " (٢). واتفقا على توثيق شهر بن حوشب، وضعفه بعض الحفاظ، لكنك لا تجد في المفسر القادح من الجرح ما ينزل به عن رتبة الصدوق الذي يحسن حديثه. ويشبه هذه الصورة كذلك اتفاق يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي على الرواية عن راو. وإذا قلنا هذا فيمن وثقوه، فكذلك وجدناه فيمن جرحوه، لا يكاد يبرأ. التنبيه الخامس: الراوي يختلف فيه جرحاً وتعديلاً، وهو قليل الحديث . مثل هذا إذا كان جرحه بالخطأ في حديث أو بعض حديثه الذي روى، فالجرح يلين حديثه، وينزل بدرجة ذلك الراوي عن درجة من يحتج به، وإنما يعتبر بحديثه ويستشهد. * * *

стр. 539

الفصل السادس مراتب الرواة وتفسير عبارات الجرح والتعديل

стр. 540

المبحث الأول: مراتب الرواة والمقصود اعتباره في هذا المبحث: هو مذاهب أئمة الشأن في مراتب الرواة باعتبار درجات تعود جملتها إلى: الاحتجاج، أو الاعتبار، أو السقوط. ومراعاتها طريق الباحث لتقرير قبول الراوي أو رده، وإن رده فهل إلى الترك أم دونه. وأقدم من جاء عنه تقسيم مراتب الرواة هو الإمام عبد الرحمن بن مهدي، وذلك باعتبار القبول والتوسط والرد. قال: " الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه. وآخر يهم، والغالب على حديثه الصحة، فهو لا يترك حديثه، لو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس. وآخر يهم، والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه " (١).

стр. 541

وفسر ابن أبي حاتم قوله في آخره: " يترك حديثه " بقوله: " يعني: لا يحتج بحديثه ". وذلك لما سأذكره عنه أن من غلب عليه الوهم فهذا لا يترك مطلقاً، وإنما احتمل منه الترغيب والترهيب، والزهد والآداب، لا أحكام الحلال والحرام. مراتب الرواة في تقسيم ابن أبي حاتم: وللحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي السبق في تفصيل تعيين مراتب الرواة، فجعلهم على خمس مراتب، وعلى ما بينه جرى عامة من جاء بعده، وإنما أعملوا النظر في إلحاق ما لم يذكره من العبارات بقسمته، مع بعض المغايرات غير الجوهرية. ونحن على ما جرينا عليه في هذا الكتاب، قصدنا إلى تحرير هذا العلم من خلال منهج المتقدمين الذي إليهم ترجع اصطلاحات هذا الفن وقوانينه، لم نر مزيد التحشية بتفصيل ما اجتهد بإضافته المتأخرون في هذا الباب؛ لأن جل الهم عندهم كان في تتبع الألفاظ وتنزيلها على قسمة ابن أبي حاتم، ولم يكن ابن أبي حاتم نفسه ليعجز عن ذكر أكثر مما ذكر منها، ولكنه قصد إلى التمثيل بمشهورها، على أن من تعقب لم يقدر أن يأتي على جميعها، كما أن منهم من أقحم ألفاظاً لم يعرف شيوعها إلا عند المتأخرين أنفسهم، ولم يزل الباحثون يتعقبون بالزيادة. ورأينا: أن تتبع الألفاظ ليس ذا كبير أهمية، فإن النظير يعرف بالنظير، وتحري الكلام في كل راو لذاته يفصل في تبيين درجته، بل وفهم ما أطلق فيه من العبارة جرحاً وتعديلاً، ومما لا يضل معه المعتني بهذا العلم بأي المراتب يحلقه. وأحسن ابن الصلاح بقوله بعد أن تعقب على ابن أبي حاتم بألفاظ

стр. 542

قليلة: " وما من لفظة منها ومن أشباهها، إلا ولها نظير شرحناه، أو أصل أصلناه يتنبه إن شاء الله تعالى بها عليها " (١). فأما قسمة ابن أبي حاتم لتلك المراتب لتلك نقلاً عن أهل الحديث، فإنه قال: " فمنهم: الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ للناقد للحديث. فهذا الذي لا يختلف فيه، ويعتمد على جرحه وتعديله، ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال. ومنهم: العدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ لحديثه، المتقن فيه. فذلك العدل الذي يحتج بحديثه، ويوثق في نفسه. ومنهم: الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحياناً، وقد قبله الجهابذة النقاد، فهذا يحتج بحديثه. ومنهم: الصدوق الورع، المغفل، الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو. فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب، والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام. وخامس: قد ألصق نفسه بهم، ودلسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق

стр. 543

والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولي المعرفة منهم الكذب، فهذا يترك حديثه وتطرح روايته " (١). وفي أول " الجرح والتعديل " ذكر قسمة أخرى باعتبار مراتب الألفاظ، فيها مزيد تفصيل، فقال: " وجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى: (١) فإذا قيل للواحد: إنه ثقة، أو: متقن ثبت، فهو ممن يحتج بحديثه. (٢) وإذا قيل له: إنه صدوق، أو: محله الصدق، أو: لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه. وهي المنزلة الثانية. (٣) وإذا قيل: شيخ، فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية. (٤) وإذا قيل: صالح الحديث، فإنه يكتب حديثه للاعتبار. (٥) وإذا أجابوا في الرجل بلين الحديث، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتباراً. (٦) وإذا قالوا: ليس بقوي، فهو بمنزلة الأولى في كتب حديثه، إلا أنه دونه. (٧) وإذا قالوا: ضعيف الحديث، فهو دون الثاني، لا يطرح حديثه، بل يعتبر به. (٨) وإذا قالوا: متروك الحديث، أو: ذاهب الحديث، أو: كذاب، فهو ساقط الحديث، لا يكتب حديثه، وهي المنزلة الرابعة " (٢). قلت: فتلاحظ أن ابن حاتم اعتبر في هذه الدرجات الاحتجاج

стр. 544

بالراوي أو عدمه، وعليه يمكن أن يستخلص من قسمته ما ذكرت أولاً، أن مراتب الرواة في الجملة ثلاث: المرتبة الأولى: الاحتجاج . وهو درجتان: الدرجة الأولى: درجة راوي (الحديث الصحيح). ويندرج تحتها في قول ابن أبي حاتم في القسمة الأولى: " الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث "، وقوله: " العدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ لحديثه، المتقن فيه "، وفي القسمة الثانية: " ثقة، أو: متقن ثبت ". والدرجة الثانية: درجة راوي (الحديث الحسن). ويندرج تحتها في قول ابن أبي حاتم في القسمة الأولى: " الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحياناً، وقد قبله الجهابذة النقاد "، وفي القسمة الثانية: " صدوق، أو: محله الصدق، أو: لا بأس به ". المرتبة الثانية: الاعتبار . وهو ثلاث درجات: الدرجة الأولى: راوي الحديث الصالح المحتمل للتحسين. ويندرج تحتها في قول ابن أبي حاتم في القسمة الثانية: " شيخ " و " صالح الحديث ". نعم، جعل ابن أبي حاتم اللفظ الأول أعلى من الثاني، لكن كما سيأتي في (شرح العبارات) أنه لا يبلغ الموصوف به الاحتجاج، فهو وإن كان أرقى من " صالح الحديث " لكنه لا يحتج به.

стр. 545

الدرجة الثانية: راوي الحديث اللين الصالح للاعتبار. ويندرج تحتها في قول ابن أبي حاتم في القسمة الثانية: " لين الحديث "، و " ليس بقوي ". الدرجة الثالثة: راوي الحديث الضعيف الصالح للاعتبار. ويندرج تحتها في قول ابن أبي حاتم في القسمة الأولى: " الصدوق الورع، المغفل، الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو "، وقوله في القسمة الثانية: " ضعيف الحديث ". المرتبة الثالثة: السقوط . وجعلها ابن أبي حاتم درجة واحدة، وهي حرية بذلك وإن تفاوتت , فرواية أخف من رواية الكذاب، لكن جمعهما بطلان نسبة الراوية إلى النبي ﷺ . ويندرج تحتها في قول ابن أبي حاتم في القسمة الأولى: " من ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولي المعرفة منهم الكذب "، وفي القسمة الثانية: " متروك الحديث، أو: ذاهب الحديث، أو: كذاب ". وما يتصل بتفاوت ما بين مراتب الثقات وما بين مراتب الضعفاء فله مزيد تفصيل بينته في (تفسير التعديل) و (تفسير الجرح). * * *

стр. 546

المبحث الثاني: تفسير عبارات الجرح والتعديل هذا المبحث معقود لبيان دلالات الألفاظ التي ورد عن السلف من أئمة هذا الشأن بيان معانيها، أو كانت كثيرة الاستعمال شائعة، يجدر التنبيه على بعض ما يتصل بها مما تكون له فائدة لكشف أثر استعمالها. ولم أقصد إلى حصر ألفاظ الجرح والتعديل، فهذا مما لا يتحمله هذا المقام (١)، ولم أر تتبع ذلك استقصاء مما له كبير فائدة، وذلك أن منها ما يندر استعماله، بل فيها ما لم يستعمل إلا في الراوي الواحد (٢)، ومنها الشائع المنتشر، وهذا غالبه بين في دلالته اللغوية، فالأصل أن تلك الألفاظ موضوعة على دلالاتها في كلام العرب، ومنها ما يعرف بالمقايسة بما أذكر. فإن كانت للفظ دلالة خاصة، فالطريق إلى العلم بها أحد أمور ثلاثة: الأول: بيان مستعملها أنه يعني بها كذا.

стр. 547

والثاني: دلالة قرينة في السياق على إرادة معنى معين. والثالث: إفادة التتبع لاستعمالات الناقد لتلك اللفظة. ١ _ من هو (الحجة)؟ قولهم: (فلان حجة)، أو: (يحتج بحديثه) أو: (لا يحتج بحديثه) مما يتكرر كثيراً في كلام النقاد في تعديل الرواة وتجريحهم. فقولهم: (حجة) يعني (ثقة)، بل فوق الثقة (١)، يصحح حديثه ويحتج به. وتأتي عبارة (يحتج به)، في أكثر الأحيان وصفاً إضافياً مع لفظ آخر أو أكثر من ألفاظ التعديل، لكن قد يستعملها الناقد أحياناً وصفاً مستقلاً، وهي عندئذ من أوصاف التعديل، وصريحة في صحة الاحتجاج بحديث الموصوف بها عند قائلها. من ذلك الدارقطني في (مغيرة بن سبيع الكوفي) يروي عن بريدة الأسلمي: " يحتج به " (٢). ويقابلها قولهم: (لا يحتج به) في التجريح، وستأتي. فإذا قال الناقد: (فلان لا بأس به) فيقال له: يحتج به؟ فيقول: (لا)، دل ذلك على أنه لم يرد بعبارة التعديل ما يفهمه إطلاقها من صحة أو حسن حديث ذلك الراوي. ويأتي في شرح عبارة: (لا بأس به) من أمثلة ما يوضح ذلك. وللأئمة في إطلاق وصف " حجة " إرادة خاص.

стр. 548

فقال أحمد بن حنبل وقد سئل عن عقيل بن خالد ويونس بن يزيد وشعيب بن أبي حمزة من أصحاب الزهري: " ما فيهم إلا ثقة " قال المروذي: وجعل يقول: " تدري من الثقة؟ إنما الثقة يحيى القطان، تدري من الحجة؟ شعبة وسفيان حجة، ومالك حجة "، قلت: ويحيى؟ قال: " يحيى وعبد الرحمن، وأبو نعيم الحجة الثبت، كان أبو نعيم ثبتاً ". وشبيه به ما نقله المروذي، قال: قلت (يعني لأحمد بن حنبل): عبد الوهاب (يعني ابن عطاء) ثقة؟ قال: " تدري من الثقة؟ الثقة يحيى القطان " (١). وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت ليحيى بن معين، وذكرت له الحجة، فقلت له: محمد بن إسحاق منهم؟ فقال: " كان ثقة، إنما الحجة عبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز " (٢). قال أبو زرعة: فقلت ليحيى بن معين: فلو قال رجل: إن محمد بن إسحاق كان حجة، كان مصيباً؟ قال: " لا، ولكنه كان ثقة " (٣). قلت: وهذه العبارات وشبهها من هؤلاء الأعلام أرادوا بها الحجة الذي يكون حكماً على غيره فيما يرويه، ينازع الرواة إلى روايته، ولا ينازع هو إلى غيره، لكونه قد تجاوز في الحفظ والإتقان أن يكون محكوماً عليه، أو أرادوا من يليق إطلاق القول: " هو ثقة "، أو " هو حجة " دون تحفظ. وإلا فإنهم احتجوا بروايات الثقات المقلين، وبالثقات الذين قورنوا هنا ببعض كبار المتقنين، بل واحتجوا بحديث الصدوق لكن بعد عرضه على المحفوظ من حديث الثقات.

стр. 549

٢ _ قولهم: (ثقة)، ويشبهها: (متقن)، و (ثبت). هذه اللفظة إذا صدرت من ناقد عارف كمن وصفنا، فإنها تعني أن الموصوف بها صحيح الحديث، يكتب حديثه ويحتج به في الانفراد والاجتماع. قال أبو زرعة الرازي في (حصين بن عبد الرحمن السلمي): " ثقة "، فقال ابن أبي حاتم: يحتج بحديثه؟ قال: " إي، والله " (١). لكنهم إذا اختلفوا فلاحظ أن لفظ (ثقة) يمكن أن يجامع اللين اليسير الذي لا يضعف به الراوي، وإنما قد ينزل بحديثه إلى مرتبة الحسن، كقول علي بن المديني في (أيمن بن نابل): " كان ثقة، وليس بالقوي " (٢)، وقول يعقوب بن سفيان في (الأجلح بن عبد الله الكندي): " ثقة، في حديثه لين " (٣)، وفي (فراس بن يحيى): " في حديثه لين، وهو ثقة " (٤). كما أنه قد يجامع الضعف الذي يبقي الراوي في إطار من يعتبر بحديثه، مثل قول يعقوب بن شيبة في (علي بن زيد بن جدعان): " ثقة، صالح الحديث، وإلى اللين ما هو " (٥). وإدراك هذا يعين على الإجابة عن تعارض ظاهر في العبارات المنقولة عن الناقد المعين، ويكثر مثله عن يحيى بن معين، حيث تختلف عنه الروايات في شأن بعض الرواة جرحاً وتعديلاً (٦)، كما يعين على الإجابة كذلك عن تعارض يقع بين عبارات النقاد في الراوي المعين.

стр. 550

٣ _ قولهم: (جيد الحديث). عبارة تعديل واحتجاج، مستعملة عندهم بغير شيوع، واستعملوها بما يساوي (ثقة)، ولذا فربما اقترنت بها في كلام بعض النقاد. فمن ذلك، قول أحمد بن حنبل في (زكريا بن أبي زائدة): " جيد الحديث، ثقة " (١)، وفي (سليمان بن أبي مسلم الأحول): " ثقة، جيد الحديث " (٢). ووقعت مرسلة في كلام أبي داود السجستاني، فقد قال في (عمر بن عبد الله الرومي): " جيد الحديث " (٣)، وكذلك قال أبو زرعة الدمشقي في (الوليد بن عبد الرحمن الجرشي) (٤). ٤ _ قولهم: (صدوق). وصف الراوي بهذه العبارة جرى عند المتأخرين حملها على من يكون في مرتبة من يقولون فيه: (حسن الحديث)، والاصطلاح لا حرج فيه، لكن ليس على ذلك الإطلاق استعمال السلف. نعم، هي مرتبة دون الثقة في غالب استمالهم، بل حديث الموصوف بها على ما نص عليه ابن أبي حاتم عن منهج أئمة الحديث أنه يكتب وينظر فيه، أي لا يؤخذ ثابتاً على التسليم، حتى تدفع عنه مظنة الخطأ والوهم، ويكون ذلك الحديث المعين منه محفوظاً. و (الصدوق) هو من يحكم بحسن حديثه عند اندفاع تلك المظنة.

стр. 551

قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عطاء الخراساني؟ فقال: " لا بأس به، صدوق "، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: " نعم " (١). وقد تأتي (صدوق) وصفاً للثقة المبرز في الحفظ والإتقان، فيكون إطلاقها عليه مجردة لا يخلو من قصور من قبل القائل، لا ينزل بدرجة ذلك الحافظ، من أجل ما استقر من العلم بمنزلته. وذلك مثل قول أبي حاتم الرازي في (عمرو بن علي الفلاس): " كان أرشق من علي بن المديني، وهو بصري صدوق " (٢). وجدير أن تعلم أن عبارة (صدوق) قد تجامع وصف الراوي بكونه (ثقة) في قول الناقد، يوصف الراوي بهما جميعاً، فإذا وجدت ذلك في راو، فالأصل أنه بمنزلة التوكيد لنعته بالثقة من قبل ذلك الناقد. كقول أحمد بن حنبل في (أبي بكر بن أبي شيبة): " صدوق ثقة " (٣)، فأبو بكر متفق على حفظه وثقته، فلم يقع هذا النعت له على سبيل التردد بين الوصفين. وأكثر ما يأتي ذلك على هذا المعنى. نعم، قد يطلق الوصفان مجموعين تارة، ويشعر استمالهما مقارنة بأوصاف سائر النقاد لذلك الراوي بأن المراد (هو صدوق أو ثقة) على سبيل التردد، كقول أبي حاتم الرازي في (سماك بن حرب): " صدوق ثقة (٤). وربما جمع الناقد الأوصاف المتعددة من أوصاف التعديل في الراوي، والتي لو جاءت مفرقة لكان لكل منها دلالتها ومعناها، لكنها حيث اجتمعت

стр. 552

فإنها تحمل على تأكيد التعديل، كقول أبي حاتم الرازي في (السري بن يحيى الشيباني): " صدوق، ثقة، لا بأس به، صالح الحديث " (١)، وقوله في (عبد الله بن محمد بن الربيع الكرماني): " شيخ ثقة صدوق مأمون " (٢). وربما جمعت إلى وصف أدنى، فتنزل بالراوي عند الناقد له إلى تلك المرتبة الدنيا، مع بقاء الوصف بالصدق في الجملة. مثل: (عباد بن عباد المهلبي)، قال فيه أبو حاتم: " صدوق، لا بأس به "، قيل له: يحتج بحديثه؟ قال: " لا " (٣). أما إذا جاء الوصفان من أكثر من قائل، فالأصل اعتبار دلالات ألفاظ كل على سبيل الاستقلال، فإن الرجل يختلف فيه بين أن يكون ثقة أو صدوقاً، فيصار إلى تحرير أمره تارة بالجمع بين أقوالهم، وتارة بالترجيح بدليله. ٥ _ قولهم: (لا بأس به)، أو: (ليس به بأس). الأصل أن هذه اللفظة إذا أطلقت على راو من قبل ناقد عارف فهي تعديل له في نفسه وحديثه، فإن أريد به معنى مخصوص بين. وذلك كقول أحمد بن حنبل في (مجاعة بن الزبير): " لم يكن به بأس في نفسه " (٤). قد يحتج به ابتداء: كقول أبي حاتم الرازي في (غوث بن سليمان بن زياد الحضرمي): " صحيح الحديث، لا بأس به " (٥).

стр. 553

وقوله في (واقد بن محمد بن زيد العمري): " لا بأس به، ثقة، يحتج بحديثه " (١). وقوله في (عطاء بن أبي مسلم الخراساني): " لا بأس به، صدوق "، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " نعم " (٢). وقوله في (عبد ربه بن سعيد): " لا بأس به "، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " هو حسن الحديث، ثقة " (٣). وقول الدارقطني في (مبشر بن أبي المليح): " لا بأس به، ويحتج بحديثه " (٤). ومن هذا استعمالها في كلام الناقدين: يحيى بن معين، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم. قال أبو بكر بن أبي خيثمة: قلت ليحيى بن معين: إنك تقول: (فلان ليس به بأس)، و (فلان ضعيف)؟ قال: " إذا قلت: (ليس به بأس) فهو ثقة، وإذا قلت لك: (هو ضعيف) فليس هو بثقة، ولا يكتب حديثه " (٥). وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم: ما تقول في علي بن حوشب الفزاري؟ قال: " لا بأس به "، قلت: ولم لا تقول (ثقة) ولا تعلم إلا خيراً؟ قال: " قد قلت لك: إنه ثقة " (٦). ولك أن تقول: إنما جعلها ابن معين ودحيم تساوي الوصف بقولهم:

стр. 554

(ثقة)، على اعتبار أنها مرتبة من مراتب الثقات، لا أنها تعادلها من كل وجه عند الإطلاق. وقد تكون بمنزلة قولهم في الراوي: (صدوق)، فيكتب حديثه وينظر فيه، ويحتج به بعد اندفاع شبهة الوهم والخطأ، لكون الوصف بها حينئذ قاصراً عن وصف أهل الضبط والإتقان. مثل قول ابن عدي في (المغيرة بن زياد الموصلي): " عامة ما يرويه مستقيم، إلا أنه يقع في حديثه كما يقع في حديث من ليس به بأس من الغلط، وهو لا بأس عندي " (١). وقد يكون موضع تردد عن الناقد: كقول أبي حاتم الرازي في (إبراهيم بن عقبة بن أبي عياش الأسدي) وقد وثقوه: " صالح، لا بأس به "، قال ابنه: قلت: يحتج بحديثه؟ قال: " يكتب حديثه " (٢). وقوله في (زهرة بن معبد أبي عقيل): " ليس به بأس، مستقيم الحديث " فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " لا بأس به " (٣). وقد يعتبر به، ولا يبلغ حديثه الاحتجاج: كقول أبي حاتم في (عبيد الله بن علي بن أبي رافع المدني): " لا بأس بحديثه، ليس منكر الحديث "، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " لا، هو يحدث بشيء يسير، وهو شيخ " (٤). وقوله في (عنبسة بن الأزهر الشيباني) و (محمد بن سعيد ابن

стр. 555

الأصبهاني) في كل منهما: " لا بأس به، يكتب حديثه، ولا يحتج به " (١). وقول ابن عدي في (جعفر بن ميمون أبي العوام البصري): " ليس بكثير الرواية، وقد حدث عنه الثقات، مثل: سعيد بن أبي عروبة، وجماعة من الثقات، ولم أر بحديثه نكرة، وأرجو أنه لا بأس به، ويكتب حديثه في الضعفاء " (٢). وعند الدارقطني ربما قارن هذا اللفظ قلة حديث الراوي: كما قال في (أيوب بن وائل) الذي يحدث عن نافع، وعنه حماد بن زيد: " مقل، صاحب حديث، لا بأس به " (٣). وقال في (ثمامة بن شراحيل) الراوي عن ابن عمر: " لا بأس به، شيخ مقل " (٤). وقال في (الخصيب بن زيد) الراوي عن الحسن البصري: " شيخ لا بأس به، ليس له كبير مسند " (٥). تنبيه: أما عبارة: (لا أعلم به بأساً)، فهذه وقعت في كلام أحمد بن حنبل في جماعة من الرواة، منهم: صالح بن نبهان مولى التوأمة قبل أن يختلط (٦)، وعبد الله بن شريك (٧)، والمختار بن فلفل (٨)، وداود بن صالح

стр. 556

التمار (١)، ويزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد (٢)، وعمير بن سعيد النخعي (٣)، وقيس بن طلق (٤). ولم يقلها في راو من هؤلاء إلا وهو إما ثقة وإما صدوق، ليس فيهم من ينزل عن ذلك. وشبيه به استعمال من جرت في قوله من سواه من النقاد، كالذهبي من المتأخرين، فإنه يقولها في رواة من المستورين أو من فوقهم. ولو جاريت مجرد دلالة اللفظ اللغوية، لوجدت بينها وبين (لا بأس به) فرقاً، وذلك شبيه بما حدث به عبد الله بن عون، قال: قال ابن سيرين لرجل في شيء سأله عنه: " لا أعلم به بأساً "، ثم قال له: " إني لم أقل لك: لا بأس به، إنما قلت: لا أعلم به بأساً " (٥). قلت: لكن حين تبين لنا المراد بالتعديل بها في حق النقلة، وعلمنا أن الناقد قد عنى التعديل، لم يؤثر ما للفظ اللغوي من دلالة. وأرى مثلها قول أحمد بن حنبل في جماعة من الرواة: (لا أعلم إلا خيراً)، فقد تتبعتها فوجدته لا يكاد يقولها إلا في ثقة أو صدوق، وندر منه قولها في مجروح ينزل عن درجة الاعتبار. وذلك كالذي نقل الميموني عن أحمد في (الحكم بن عطية) قال: " لا أعلم إلا خيراً "، فقال له رجل: حدثني فلان عنه عن ثابت عن أنس، قال: كان مهر أم سلمة متاعاً قيمته عشرة دراهم، فأقبل أبو عبد الله يتعجب،

стр. 557

وقال: " هؤلاء الشيوخ لم يكونوا يكتبون، إنما كانوا يحفظون، ونسبوا إلى الوهم، أحدهم يسمع الشيء فيتوهم فيه " (١). وكان أحمد بعد ذلك إذا سئل عنه لينه، كما قال له المروذي: الحكم بن عطية، كيف هو؟ قال: البصري؟ قلت: نعم، الذي روى عن ثابت، قال: " كان عندي ليس به بأس، ثم بلغني أنه حدث بأحاديث مناكير " وكأنه ضعفه (٢). قلت: وفي هذا من الفائدة دلالة على أنه قوله في الراوي: (لا أعلم إلا خيراً) تعديل يساوي قوله: (ليس به بأس). أما عن غير أحمد من سائر النقاد، فندر استعمال هذه اللفظة في كلامهم. ٦ _ قولهم: (حسن الحديث). شرحت ما يتصل به في الكلام على (الحديث الحسن). ٧ _ قولهم: (مقارب الحديث). وقع استعمال هذه العبارة في كلام أحمد بن حنبل، والبخاري، وهي عبارة تعديل وقبول، تساوي مرتبة (حسن الحديث)، على هذا دل استقراء أحوال من قيلت فيه، على قلة ذلك في كتب الجرح والتعديل. بل وجدت البخاري قال في (الوليد بن رباح): " مقارب الحديث "، وحكم على حديث رواه بقوله: " حديث صحيح " (٣). والترمذي يبني على من يقول فيه البخاري ذلك أن يحسن حديثه (٤)،

стр. 558

نعم، ربما خالف شيخه في قوله ذلك ولم يقنع به في رواة شاع لأهل العلم بالحديث فيهم الجرح (١). وبمعناه أيضاً عبارة (حديثه مقارب)، ووقعت في كلام أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وبندرة في كلام يحيى بن معين، وغيرهم. ٨ _ قوهم: (وسط). تقع في كلام ابن المديني، ومن المتأخرين الذهبي. وهل هي مرتبة تعديل، أم لا؟ دلالتها من لفظها تضع الموصوف بها في مرتبة بين التعديل والتجريح، ومن كان كذلك فلا يحسن أن يلحق بمراتب التعديل، كما لا يصار به إلى الجرح، فحديثه موقوف على المرجح، وهو المتابعات والشواهد، وعليه يقال: هي مرتبة صالح الحديث الذي لا يحتج بحديثه ولكن يعتبر به. ومما يبين ذلك من استعمالهم: قول يحيى بن سعيد القطان في (يزيد بن كيسان اليشكري): "ليس هو ممن يعتمد عليه، وهو صالح وسط " (٢). وقول علي بن المديني في (محمد بن مهاجر): " كان وسطاً " (٣). وقوله في (موسى بن أعين): " كان صالحاً وسطاً " (٤). وقول أبي زرعة الرازي في (محمد بن الزبرقان أبي همام): " صالح، هو وسط " (٥).

стр. 559

قلت: فدلالة هذه العبارة لا تعدو صلاحية حديث الراوي للاعتبار عند من قالها في حق من قيلت فيه. ٩ _ قولهم: (شيخ). عبارة تقع في كلام بعض أئمة الحديث في معرض بيان حال الراوي على سبيل النعت المستقل، لا مضمومة إلى غيرها، وأكثرهم لها استعملاً الإمام أبو حاتم الرازي. وبتأمل معناها من خلال النظر في حال من قيلت فيه، فإنها لا تدل على عدالة الراوي إلا من جهة أنه مذكور برواية، وليس هذا تعديلاً ولا جرحاً، وليس فيه تمييز لضبطه، ولذا لا تقال إلا في راو قليل الحديث، ليس بالمشهور به. قال الذهبي: " ليس هو عبارة جرح، ولكنها أيضاً ما هي بعبارة توثيق " (١). فمن أمثلتها المبينة لذلك ما يلي: سأل ابن الجنيد يحيى بن معين عن (المفضل بن فضالة أبي مالك البصري)؟ فقال: " شيخ، وأيش عنده؟ ! " (٢). وقال أبو حاتم الرازي في (سليمان بن زياد الحضرمي المصري): " صحيح الحديث "، فقال ابنه: ما حاله؟ قال: " شيخ " (٣). قلت: وهذا رجل قليل الحديث، جملة ما روى من الحديث أربعة أو خمسة أحاديث، يرويها جميعاً عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي من صغار الصحابة، وروى عنه جماعة من أهل مصر، وما رواه فجميعه

стр. 560

محتمل، ولذلك قال يحيى بن معين: " ثقة " (١)، وذكره يعقوب بن سفيان في " ثقات التابعين من أهل مصر " (٢). وقال أبو حاتم في (شبيب بن بشر البجلي): " لين الحديث، حديثه حديث الشيوخ " (٣). قلت: يعني بقوله: " حديثه حديث الشيوخ " أنه قليل الحديث، وكذلك أمره، فجميع ما روى من الحديث إذا استبعدت رواية بعض الهلكى عنه، إنما هو بضعة عشر حديثاً، حديثان من روايته عن عكرمة عن ابن عباس، والباقي من روايته عن أنس، ولم يعرف أكثر ما رواه إلا من طريقه، واشتهر ذكره من رواية أبي عاصم النبيل عنه، ولا يكاد توجد لغيره رواية عنه إلا من طريق لا يخلو من علة، ولذا قال غير واحد من الأئمة: " لم يرو عنه غير أبي عاصم "، وأحسن ما روي عنه من غير طريق أبي عاصم: رواية إسرائيل بن يونس لحديث واحد، وأحمد بن بشير الكوفي بحديث واحد كذلك، ولا كلام في كونه معروفاً، لكن في حديثه على قلته من التفرد ما لا يقدر على حمله، وله في التفسير نصوص رواها عن عكرمة عن ابن عباس، كان أبو حاتم الرازي يقول، وقد سئل عن عمر بن الوليد الشني: " من تثبت عمر أن عامة حديثه عن عكرمة فقط، ما أقل ما يجوز به إلى ابن عباس، لا شبه شبيب بن بشر الذي جعل عامة حديثه عن عكرمة عن ابن عباس " (٤) وهو يريد بذلك ما رواه من التفسير، وفيه نقول غريبة مستنكرة. وقال أبو حاتم وأبو زرعة في (طالب بن حجير أبي حجير): " شيخ " (٥).

стр. 561

ففسره أبو الحسن بن القطان بقوله: " يعنيان بذلك أنه ليس من طلبة العلم ومقتنيه، وإنما هو رجل اتفقت له رواية لحديث أو أحاديث أخذت عنه " (١). وقال أبو حاتم في (عبد الله بن الأسود القرشي): " شيخ، لا أعلم روى عنه غير عبد الله بن وهب " (٢). قلت: لابن وهب عنه حديثان، يروي أحدهما عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه مرفوعاً: " أعلنوا النكاح "، والثاني عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد مرفوعاً: " لا تزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل اطلاع النجوم "، كما وقفت له على حديث ثالث ظاهر صنيع أبي حاتم عدم الوقوف عليه، وهو من رواية عبد الله بن عياش بن عباس القتباني عنه عن أبي معقل، عن أبي عبيد مولى رفاعة مرفوعاً: " ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله فمنع سائله ". فهذه رواية ثان عنه، ومقدار هذا الذي رواه يعسر معه تمييز حفظه وإتقانه، لكن حين رأى الدارقطني أن هذا القدر اليسير ليس فيه منكر قال: " مصري لا بأس به " (٣). وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي، قلت له: يحيى البكاء أحب إليك، أو أبو جناب (٤)؟ قال: " لا هذا، ولا هذا "، قلت: إذا لم يكن في الباب غيرهما، أيهما أكتب؟ قال: " لا تكتب منه شيئاً "، قلت: ما قولك فيه؟ قال: " هو شيخ " (٥).

стр. 562

وقد قال فيه ابن عدي: " ليس بذاك المعروف، وليس له كثير رواية " (١). وقد يخرج عن المعنى الذي بينت ما لا تخفى دلالته بالقرينة، وذلك كقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: من رأيت في هذا الشأن، أعني الحديث؟ قال: " ما رأيت مثل يحيى بن سعيد "، قلت: فهشيم؟ قال: " هشيم شيخ " (٢). قلت: فهذا خرج مخرج المقارنة لهشيم بن بشير بيحيى القطان، وإلا فحسبك من قدر هشيم في الحديث أن يقارن بيحيى. ١٠ _ قولهم: (محدث). هذه العبارة في كلام المتقدمين تعني الاعتناء بالحديث رواية، وهي وصف مدح، لكنها لا تفيد التعديل الذي يحتج معه بحديث ذلك الراوي، حتى يعرف منه ضبطه لحديثه، وسلامته من قادح في العدالة، فكأن العبارة تساوي (عنده حديث كثير). ولتبين هذا المعنى خذ له مثالاً قول أبي حاتم الرازي وقد سئل عن (عبد العزيز بن محمد الدراوردي) و (يوسف بن الماجشون): " عبد العزيز محدث، ويوسف شيخ " (٣). فهذه المقارنة تفسر المفارقة بين النعتين، فحيث إن لفظة (شيخ) تعني قلة الحديث، فعبارة (محدث) تعني كثرته. ومن برهان صحة هذا أن أحمد بن حنبل قال في (الدراوردي): " كان

стр. 563

معروفاً بالطلب " (١)، وقال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان مقارنة بينه وبين (عبد العزيز بن أبي حازم): " ابن أبي حازم أفقه من الدراوردي، والدراوردي أوسع حديثاً " (٢). ولا يبعد من هذا استعمال المتأخرين مصنفي التراجم عندما يطلقون على الرجل وصف " المحدث "، فهم يذكرون هذا الوصف لمن كانت له بالحديث عناية متميزة، أو فائقة. لكن ينبغي أن تلاحظ منه أن الدراية ليست مرادة في هذا، كذلك قدر المروي لا أصل له في كلامهم، فما ادعاه بعض المتأخرين أن (المحدث) وصف يطلق على من حفظ قدر كذا من الحديث، دعوى لا تعرف لها حجة. ١١ _ قولهم: (صالح الحديث). قال الحافظ أحمد بن سنان: " كان عبد الرحمن بن مهدي ربما جرى ذكر حيث الرجل فيه ضعف، وهو رجل صدوق، فيقول: رجل صالح الحديث " (٣). واستعمل الإمام أحمد هذه العبارة فيمن هو دون الثقة، ويحتج به. فقال ابن هانئ: سألته عن الأعمش: هل هو حجة في الحديث؟ قال: " نعم "، قلت له: فأبو الزبير؟ قال: " نعم، هو حجة "، قلت: فيزيد التستري؟ قال: " نعم، هؤلاء نحتج نحن بحديثهم "، قلت: فابن إسحاق؟ قال: " هو صالح الحديث، وأحتج به أيضاً " (٤).

стр. 564

لكن ربما كانت عبارة تردد هل يحتج به أم لا، عند أبي حاتم الرازي، فإنه قال في (بشير بن عقبة أبي عقيل الأزدي): " صالح الحديث " , فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " صالح الحديث " (١)، مع أن غيره يطلق توثيقه كأحمد وابن معين. بل ربما كانت عنده دون درجة من يحتج به، كما قال في (عمر بن روبة التغلبي): " صالح الحديث "، فقال ابنه: تقوم به الحجة؟ فقال: " لا، ولكنه صالح " (٢). وقال في (موسى بن أبي عائشة): " صالح الحديث "، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " يكتب حديثه " (٣). وهذا يعني أنه (صالح الحديث) للاعتبار، أي في الشواهد والمتابعات. هذا إن صح حمله على التردد، وإلا فهو عبارة تعديل بلا تردد، فتجرى في حق الراوي منزلة سائر ألفاظ التعديل فيه، فإن كانت تلك العبارات قد صيرته إلى الاحتجاج أهملنا أثر التردد في هذه العبارة، وإن كانت تنزل به إلى الاعتبار كان محمل هذه العبارة عليه صحيحاً أيضاً، فإن من يعتبر بحديثه فهو صالح الحديث كذلك. كما قال أبو حاتم في (حنش بن المعتمر الكناني): " هو عندي صالح "، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " ليس أراهم يحتجون بحديثه " (٤). وقال يزيد بن الهيثم: قيل ليحيى (يعني ابن معين) وأنا أسمع: (إسماعيل بن زكريا) روى حديث حجية عن علي في قصة صدقة العباس؟

стр. 565

فقال: " ليس بشيء، إسماعيل بن زكريا صالح الحديث "، قيل له: فحجة هو؟ قال: " الحجة شيء آخر " (١). ١٢ _ قولهم: (صويلح). هي كقولهم: (صالح الحديث) في الصلاحية للاعتبار لا للاحتجاج، وإن كانت صيغتها تفيد أنها دونها في القوة. وقد قيلت في كلام المتقدمين في طائفة غير كثيرة من الرواة، وقعت في كلام يحيى بن معين (٢)، وقالها أبو زرعة الرازي في فرد لعله لم يقلها في غيره (٣). وقال الدارقطني في (هارون بن مسلم صاحب الحناء): " صويلح، يعتبر به " (٤). قلت: فدل هذا، مع التأمل لحال من قالها فيهم ابن معين وأبو زرعة، على أن من هذا وصفه ليس بخارج عما قاله الدارقطني في هارون هذا.
следующие страницы →