← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1416

تحرير علوم الحديث

عبد الله الجديع

Полный текст (1 074 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ففسره أبو الحسن بن القطان بقوله: " يعنيان بذلك أنه ليس من طلبة العلم ومقتنيه، وإنما هو رجل اتفقت له رواية لحديث أو أحاديث أخذت عنه " (١). وقال أبو حاتم في (عبد الله بن الأسود القرشي): " شيخ، لا أعلم روى عنه غير عبد الله بن وهب " (٢). قلت: لابن وهب عنه حديثان، يروي أحدهما عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه مرفوعاً: " أعلنوا النكاح "، والثاني عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد مرفوعاً: " لا تزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل اطلاع النجوم "، كما وقفت له على حديث ثالث ظاهر صنيع أبي حاتم عدم الوقوف عليه، وهو من رواية عبد الله بن عياش بن عباس القتباني عنه عن أبي معقل، عن أبي عبيد مولى رفاعة مرفوعاً: " ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله فمنع سائله ". فهذه رواية ثان عنه، ومقدار هذا الذي رواه يعسر معه تمييز حفظه وإتقانه، لكن حين رأى الدارقطني أن هذا القدر اليسير ليس فيه منكر قال: " مصري لا بأس به " (٣). وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي، قلت له: يحيى البكاء أحب إليك، أو أبو جناب (٤)؟ قال: " لا هذا، ولا هذا "، قلت: إذا لم يكن في الباب غيرهما، أيهما أكتب؟ قال: " لا تكتب منه شيئاً "، قلت: ما قولك فيه؟ قال: " هو شيخ " (٥).

стр. 562

وقد قال فيه ابن عدي: " ليس بذاك المعروف، وليس له كثير رواية " (١). وقد يخرج عن المعنى الذي بينت ما لا تخفى دلالته بالقرينة، وذلك كقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: من رأيت في هذا الشأن، أعني الحديث؟ قال: " ما رأيت مثل يحيى بن سعيد "، قلت: فهشيم؟ قال: " هشيم شيخ " (٢). قلت: فهذا خرج مخرج المقارنة لهشيم بن بشير بيحيى القطان، وإلا فحسبك من قدر هشيم في الحديث أن يقارن بيحيى. ١٠ _ قولهم: (محدث). هذه العبارة في كلام المتقدمين تعني الاعتناء بالحديث رواية، وهي وصف مدح، لكنها لا تفيد التعديل الذي يحتج معه بحديث ذلك الراوي، حتى يعرف منه ضبطه لحديثه، وسلامته من قادح في العدالة، فكأن العبارة تساوي (عنده حديث كثير). ولتبين هذا المعنى خذ له مثالاً قول أبي حاتم الرازي وقد سئل عن (عبد العزيز بن محمد الدراوردي) و (يوسف بن الماجشون): " عبد العزيز محدث، ويوسف شيخ " (٣). فهذه المقارنة تفسر المفارقة بين النعتين، فحيث إن لفظة (شيخ) تعني قلة الحديث، فعبارة (محدث) تعني كثرته. ومن برهان صحة هذا أن أحمد بن حنبل قال في (الدراوردي): " كان

стр. 563

معروفاً بالطلب " (١)، وقال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان مقارنة بينه وبين (عبد العزيز بن أبي حازم): " ابن أبي حازم أفقه من الدراوردي، والدراوردي أوسع حديثاً " (٢). ولا يبعد من هذا استعمال المتأخرين مصنفي التراجم عندما يطلقون على الرجل وصف " المحدث "، فهم يذكرون هذا الوصف لمن كانت له بالحديث عناية متميزة، أو فائقة. لكن ينبغي أن تلاحظ منه أن الدراية ليست مرادة في هذا، كذلك قدر المروي لا أصل له في كلامهم، فما ادعاه بعض المتأخرين أن (المحدث) وصف يطلق على من حفظ قدر كذا من الحديث، دعوى لا تعرف لها حجة. ١١ _ قولهم: (صالح الحديث). قال الحافظ أحمد بن سنان: " كان عبد الرحمن بن مهدي ربما جرى ذكر حيث الرجل فيه ضعف، وهو رجل صدوق، فيقول: رجل صالح الحديث " (٣). واستعمل الإمام أحمد هذه العبارة فيمن هو دون الثقة، ويحتج به. فقال ابن هانئ: سألته عن الأعمش: هل هو حجة في الحديث؟ قال: " نعم "، قلت له: فأبو الزبير؟ قال: " نعم، هو حجة "، قلت: فيزيد التستري؟ قال: " نعم، هؤلاء نحتج نحن بحديثهم "، قلت: فابن إسحاق؟ قال: " هو صالح الحديث، وأحتج به أيضاً " (٤).

стр. 564

لكن ربما كانت عبارة تردد هل يحتج به أم لا، عند أبي حاتم الرازي، فإنه قال في (بشير بن عقبة أبي عقيل الأزدي): " صالح الحديث " , فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " صالح الحديث " (١)، مع أن غيره يطلق توثيقه كأحمد وابن معين. بل ربما كانت عنده دون درجة من يحتج به، كما قال في (عمر بن روبة التغلبي): " صالح الحديث "، فقال ابنه: تقوم به الحجة؟ فقال: " لا، ولكنه صالح " (٢). وقال في (موسى بن أبي عائشة): " صالح الحديث "، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " يكتب حديثه " (٣). وهذا يعني أنه (صالح الحديث) للاعتبار، أي في الشواهد والمتابعات. هذا إن صح حمله على التردد، وإلا فهو عبارة تعديل بلا تردد، فتجرى في حق الراوي منزلة سائر ألفاظ التعديل فيه، فإن كانت تلك العبارات قد صيرته إلى الاحتجاج أهملنا أثر التردد في هذه العبارة، وإن كانت تنزل به إلى الاعتبار كان محمل هذه العبارة عليه صحيحاً أيضاً، فإن من يعتبر بحديثه فهو صالح الحديث كذلك. كما قال أبو حاتم في (حنش بن المعتمر الكناني): " هو عندي صالح "، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " ليس أراهم يحتجون بحديثه " (٤). وقال يزيد بن الهيثم: قيل ليحيى (يعني ابن معين) وأنا أسمع: (إسماعيل بن زكريا) روى حديث حجية عن علي في قصة صدقة العباس؟

стр. 565

فقال: " ليس بشيء، إسماعيل بن زكريا صالح الحديث "، قيل له: فحجة هو؟ قال: " الحجة شيء آخر " (١). ١٢ _ قولهم: (صويلح). هي كقولهم: (صالح الحديث) في الصلاحية للاعتبار لا للاحتجاج، وإن كانت صيغتها تفيد أنها دونها في القوة. وقد قيلت في كلام المتقدمين في طائفة غير كثيرة من الرواة، وقعت في كلام يحيى بن معين (٢)، وقالها أبو زرعة الرازي في فرد لعله لم يقلها في غيره (٣). وقال الدارقطني في (هارون بن مسلم صاحب الحناء): " صويلح، يعتبر به " (٤). قلت: فدل هذا، مع التأمل لحال من قالها فيهم ابن معين وأبو زرعة، على أن من هذا وصفه ليس بخارج عما قاله الدارقطني في هارون هذا.

стр. 566

ثم أكثر من استعمالها الذهبي فيما لا يخرج عن استعمال من تقدم، في المعنى الذي بينت. واعلم أنه ليس من هذا أن يقال في الراوي: (له أحاديث صالحة)، إذ ليس هذا وصفاً له في عموم ما روى، بل هو وصف لبعض حديثه، وقد يكون ما عدا تلك الأحاديث واهية منكرة. وهذا مثل قول ابن عدي في (سليمان بن أرقم) وذكر بعض حديثه: " لسليمان غير ما ذكرت من الحديث أحاديث صالحة، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه " (١). وقوله في (القاسم بن غصن): " له أحاديث صالحة غرائب، ومناكير " (٢). ١٣ _ قولهم: (محله الصدق). هي عبارة تعديل، تقرب من (صدوق) وإن كانت دونها، فإن حققت فيها ما يشترط لحسن الحديث، حسنت حديث الموصوف بها، ما لم يقترن بها وصف تليين سواهاً، فحينئذ لا تبلغ بالراوي مرتبة الاحتجاج، وإنما هو بمنزلة من يعتبر به ويستأنس بحديثه. كما قال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان في (سعيد بن بشير): " محله

стр. 567

الصدق عندنا "، قال ابن أبي حاتم: قلت لهما: يحتج بحديثه؟ فقالا: " يحتج بحديث ابن أبي عروبة، والدستوائي، هذا شيخ يكتب حديثه " (١). ويزيده بياناً قول أبي حاتم الآتي عند شرح عبارة (لا يحتج به). أما ذكرها مجردة عن وصف التليين، فوقعت كثيراً في كلام طائفة من الأئمة، وأكثر منها أبو حاتم الرازي. وشبهها قولهم: (إلى الصدق ما هو)، وهي نادرة الاستعمال جداً، إن قيلت مرسلة، فتقرب من (صدوق)، كما قالها أبو زرعة الرازي في (سعيد بن سالم القداح) (٢)، وإن ضم إليها تليين فالراوي بحسبه، كما قال أبو زرعة أيضاً في (ربيعة بن عثمان التيمي): " إلى الصدق ما هو، وليس بذاك القوي " (٣)، وقال في (مشمعل بن ملحان): " لين، إلى الصدق ما هو " (٤)، فهذان صالحاً الأمر يعتبر بهما. ١٤ _ قولهم: (لين)، أو: (لين الحديث). قال الحافظ حمزة السهمي: سألت أبا الحسن الدارقطني، قلت له: إذا قلت: (فلان لين) أيش تريد به؟ قال: " لا يكون ساقطاً متروك الحديث، ولكن يكون مجروحاً بشيء لا يسقط عن العدالة " (٥). قلت: وهذا المعنى في التحقيق هو الأصل في معنى هذا اللفظ في كلامهم، وهو الضعف من جهة سوء الحفظ. وفي معناها كذلك قولهم: (فيه لين)، و (فيه ضعف)، وإن كانت قد

стр. 568

تفيد خفة عن (لين) بمقتضى وضعها اللغوي، لكنها كذلك في استعمالهم. ١٥ _ قولهم: (ليس بالحافظ). قال ابن القطان الفاسي: " هذا قد يقال لمن غيره أحفظ منه " (١). قلت: وذلك كما قال يحيى بن سعيد القطان في (عاصم بن سليمان الأحول): " لم يكن بالحافظ " (٢)، فإن عاصماً كان من الثقات التقنين، ولكن جفت فيه عبارة يحيى، وغاية القول: أراد بالنظر إلى أقرانه من البصريين. ومما يبينه أيضاً أن ابن أبي حاتم سأل أباه عن حديث يرويه (حميد بن قيس الأعرج) وقد اختلف عليه فيه؟ فقال: " إن كان شيء فمن حميد؛ لأن حميداً ليس بالحافظ " (٣). قلت: وحميد هذا من الثقات، وإنما فيه لين يسير. وسأل البرذعي أبا زرعة الرازي عن رواية (يونس بن يزيد الأيلي) عن غير الزهري؟ فقال: " ليس بالحافظ " (٤). قلت: أراد ليس بالمتقن لما رواه عن غير الزهري إتقانه عن الزهري، ولهذا نقل ابن أبي حاتم عن أبي زرعة إطلاقه القول في (يونس) هذا: " لا بأس به " (٥). وقال أبو حاتم الرازي في (عبد الله بن نافع الصائغ): " ليس بالحافظ، هو لين، تعرف حفظه وتنكر، وكتابه أصح " (٦).

стр. 569

قلت: وهو عندهم جيد الحديث، وهذا لا تخرج عنه عبارة أبي حاتم هذه. وقال ابن عدي في (الهيثم بن جميل الأنطاكي): " ليس بالحافظ، يغلط على الثقات " (١). قلت: وهو موصوف عند عامتهم سوى ابن عدي بالحفظ والإتقان والثقة، وكأنه لينه لوهم يسير وقف عليه منه، والثقة قد يخطئ. وممن يكثر استعماله لها: أبو أحمد الحاكم، ولفظه بها: " ليس بالحافظ عندهم "، فهو يلخص بذلك عبارة من تقدمه من نقاد المحدثين، وقد يعني بها ما ذكرت من دلالتها على المنزلة المتوسطة للراوي، وربما عنى الضعف الذي لحق الراوي بسبب سوء الحفظ والوهم والخطأ، وقد يكون أثر ذلك في حديثه قليلاً، وقد يكون كثيراً. لذا، يجب تمييز قدر الضعف فيها بالنظر في عبارات من تقدم أبا أحمد من النقاد. وتقايس بها عبارات هي في معناها، كقولهم: (ليس بالمتقن). ١٦ _ قولهم: (معروف). هل تعني التعديل؟ قال أبو حاتم الرازي في (الحجاج بن سليمان ابن القمري): " شيخ معروف " (٢). والتحقيق: أنه هو الرعيني، مصري اختلفوا فيه جرحاً وتعديلاً، وقرين أبي حاتم أبو زرعة الرازي قال في (الرعيني) هذا: " منكر الحديث " (٣)، فكأن أبا حاتم أراد بالمعرفة أنه ليس بمجهول، فتأمل !

стр. 570

بينما قال علي بن المديني في (حصين بن أبي الحر مالك العنبري): " معروف " (١)، وهو ثقة. والتحقيق: أنها عبارة مجملة، يبحث في تفسيرها في عبارات سائر النقاد في ذات ذلك الراوي. ومن دليل ذلك، قول أحمد بن حنبل في (أبي ريحانة عبد الله بن مطر): " هو معروف "، فسأله ابنه عبد الله: كيف حديثه؟ قال: " ما أعلم إلا خيراً " (٢). فلو كانت العبارة دالة بمفردها على التعديل لما احتاج عبد الله ليسأل أباه عن حاله في الحديث. ومثلها أيضاً عبارة (مشهور) إذا وصف بها الراوي مجردة، كقول يحيى بن معين في (مغيرة بن حذف العبسي): " مشهور " (٣). ١٧ _ قولهم: (يكتب حديثه). تأتي على ثلاثة أحوال: الأولى: مفردة. فهي عندئذ مشعرة بضعف الراوي لذاته، وصلاحية حديثه للاعتبار، على أدنى الدرجات. قال أبو حاتم الرازي في (الوليد بن كثير بن سنان المزني): " شيخ يكتب حديثه " (٤)، فقال الذهبي: " قول أبي حاتم هذا ليس بصيغة توثيق، ولا هو بصيغة إهدار " (٥).

стр. 571

والثانية: مضافة إلى لفظ تعديل، كإضافتها إلى (حسن الحديث) أو (صدوق)، فيكون المراد وجوب التحري لإثبات سلامة ما رواه من الخطأ والوهم وإثبات كونه محفوظاًَ، كما بينته في (حسن الحديث). ومن مثاله: قول أبي حاتم الرازي في (إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي): " يكتب حديثه، وهو حسن الحديث " (١). وأورد ابن عدي عن يحيى بن معين قوله في (إبراهيم بن هارون الصنعاني ": " ليس به بأس، يكتب حديثه "، فقال: " معناه: أنه في جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم، ولم أر لإبراهيم هذا عندي إلا الشيء اليسير، فلم أذكره ههنا " (٢). قلت: وهذا منه مؤكد أنه لم يأت بمنكر، وإلا سارع لذكره، لكنه ليس في محل من يحتج به، لعدم ظهور ذلك لقلة حديثه. والثالثة: أن تضاف إلى عبارة تجريح. فمقتضى العبارة أن ذلك التجريح لا يبلغ بالراوي درجة من لا يعتبر به، فهو في عداد من يصلح حديثه في المتابعات والشواهد. كقول أبي حاتم الرازي في (إسماعيل بن مسلم المكي): " ضعيف الحديث، ليس بمتروك، يكتب حديثه " (٣). ويشبه هذه العبارة قولهم: (يخرج حديثه)، كما قال الدارقطني في (عبد الملك بن أبي زهير الطائفي): " شيخ مقل، ليس بالمشهور، يخرج حديثه " (٤).

стр. 572

لا ينبغي أن تتجاوز هذه العبارة الدلالة على أن الراوي يكتب حديثه للاعتبار، حتى يرتفع أمره بوصف تعديل يصير معه إلى الاحتجاج. ١٨ _ قولهم: (يعتبر به). ظاهرة الدلالة على المراد بها، وهو صلاحية الراوي أو الحديث في المتابعات والشواهد، دون الاحتجاج، وتأتي مضافة إلى غيرها من ألفاظ التليين أو التضعيف، كما تأتي مفردة. والدرا قطني يستعملها كثيراً مفردة. كما قالها في (أيوب أبي العلاء القصاب)، و (أسيد بن أبي أسيد)، و (أشعث بن سوار)، و (بكر بن عمرو المعافري) وغيرهم (١). وبين المراد بها في غير ترجمة: فمن ذلك قوله في (سعيد بن زياد الشيباني): " لا يحتج به، ولكن يعتبر به " (٢). وقوله في (عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد): " لا يحتج به، يعتبر به " (٣). وقوله في (محمد بن إسحاق بن يسار) وأبيه: " لا يحتج بهما، وإنما يعتبر بهما " (٤). ١٩ _ قولهم: (لا يحتج به). عبارة إنما يتبادر من لفظها أنها جرح، مع أنها قد تطلق على راو صالح الأمر يعتبر بحديثه في المتابعات والشواهد، ولا يحتج به.

стр. 573

وهي جرح مبهم، فإذا لم يوجد تفسير مؤثر لسببها، فالأصل: أن لا عبرة بها إذا عارضت التعديل من أهله، إلا مراعاة معنى استثنائي يأتي التنبيه عليه. قال الضياء المقدسي في (شريح بن النعمان الصائدي) بعد أن ذكر قول أبي إسحاق السبيعي فيه: " وكان رجل صدق ": " وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وكذا عادة أبي حاتم يقول في غير واحد ممن روى له أصحاب الصحيح: لا يحتج به، ولا يبين الجرح، فلا نقبل إلا ببيان الجرح " (١). وكذلك قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي راداً قول أبي حاتم في (بهز بن حكيم): " وقول أبي حاتم: لا يحتج به، لا ينبغي أن يقبل منه إلا بحجة " (٢). كما قال رداً لقول أبي حاتم في (أيوب أبي العلاء): " وقول أبي حاتم فيه: لا يحتج به، لا يلتفت إليه إذا لم يفسره، كسائر الجرح المجمل " (٣). قلت: لكن بين أبو حاتم مراده باستعمال هذه العبارة، بما يزيح عنه بعض الإجمال، فإنه قال: " إبراهيم بن مهاجر ليس بقوي، هو وحصين بن عبد الرحمن، وعطاء بن السائب، قريب بعضهم من بعض، محلهم عندنا الصدق، يكتب حديثهم ولا يحتج بحديثهم "، قال ابنه عبد الرحمن: قلت لأبي: ما معنى: لا يحتج بحديثهم؟ قال: " كانوا قوماً لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون فيغلطون، ترى في حديثهم اضطراباً ما شئت " (٤). قلت: فهذا البيان يورد شبهة في حديث من وصف بها، فإن عارضها التعديل، فمع قولنا: (هي جرح مجمل)، إلا هذا البيان من أبي حاتم

стр. 574

يوجب تحوطاً في الاحتجاج بحديث من وصف بها حتى تزول الشبهة، وذلك يتحقق سلامة حديثه المعين من الخطأ، شأن ما يشترط لقبول حديث (الصدوق)، أو بتفرده بإطلاقها دون سائر النقاد، وقد عرف بالتشدد. وفي معناها قولهم في الراوي: (ليس بحجة). ٢٠ _ قولهم: (ليس بذاك). وقعت في كلامهم بكثرة، وهي صيغة جرح، تتبعتها فوجدتها قد اطردت في تليين الراوي الموصوف بها، لكنها درجات متفاوتة في التليين: فأطلقت على من دون الثقة. وأطلقت على الصدوق الذي يعد حديثه المحفوظ من قبيل الحديث الحسن. كما قالها يحيى بن معين في (عمرو بن شعيب) (١)، وهو معروف بحسن حديثه، بل في رواية الدوري عن يحيى بن معين نفسه قوله فيه: " ثقة " (٢)، وقالها في (العلاء بن عبد الرحمن) (٣)، وهو صدوق جيد الحديث، احتج به مسلم في " صحيحه ". وكما قال أبو زرعة الرازي في (الحكم بن فصيل (٤) الواسطي): " شيخ، ليس بذاك " (٥)، وهو صدوق لا بأس به، حسن الحديث، قال يحيى بن معين: " ليس به بأس " (٦)، وفي رواية: " ثقة " (٧).

стр. 575

وقال أبو داود: " ثقة " (١)، وذكره ابن حبان في " الثقات " (٢). وأطلقت على من يعتبر به ممن لم يتبين إتقانه لقلة حديثه. كما قال يحيى بن معين في (خالد بن الفزر): " ليس بذاك " (٣)، وهو شيخ ليس بالمشهور، لم يرو عنه غير الحسن بن صالح، وقال أبو حاتم: " شيخ ". وأطلقت على من ليس بقوي في حديثه، يعتبر به ولا يحتج به. كما في ترجمة (إبراهيم بن رستم المروزي)، إذ سأل ابن أبي حاتم أباه قال: قلت: ما حاله في الحديث؟ قال " ليس بذاك، محله الصدق " (٤)، والرجل ليس بالقوي في الحديث لوهمه وخطئه. وكما قال يحيى بن معين في (جعفر بن ميمون الأنماطي): " ليس بذاك " (٥)، والرجل صالح الحديث، لكنه لا يبلغ الاحتجاج للينه، وابن معين نفسه قال مرة: " صالح "، وقال أخرى: " ليس بثقة " (٦)، فكأنه يقول: لم يبلغ مبلغ الثقات. وأطلقت على الضعيف المعروف بالضعف، ممن الأصل فيه الصدق فيعتبر بحديثه. كما قال يحيى بن معين ومحمد بن عبد الله بن نمير في (عثمان بن سعد الكاتب): " ليس بذاك " (٧)، وهو لين الحديث، سيىء الحفظ، شرح

стр. 576

أمره ابن حبان فقال: " كان ممن لا يميز شيخه من شيخ غيره، ويحدث بما لا يدري، ويجيب فيما يسأل، فلا يجوز الاحتجاج به " (١). وكما قال يحيى بن معين في (روح بن أسلم أبي حاتم الباهلي): " ليس بذاك، لم يكن من أهل الكذب "، كأنه يرد قول عفان بن مسلم: " كذاب "، وعفان مع إتقانه لا يعد في مبرزي النقاد، وفسر العبارة فيه أبو حاتم الرازي فقال: " لين الحديث، يتكلم فيه " (٢)، فكأنه يشير إلى قول عفان ممرضاً، وأن الرجل لا ينزل حاله عن مجرد الضعف للين حديثه، ولذا أطلق تضعيفه طائفة، ولم يجاوزوا. وكما قال أحمد بن حنبل في (سلم بن سالم البلخي الزاهد): " ليس بذاك في الحديث " قال عبد الله بن أحمد: " كأنه ضعفه " (٣). قلت: وهو كذلك ضعيف الحديث عند أكثرهم، وعلته من جهة ما روى من المنكر، وكأنه لغفلة الصالحين، وشدد بعض النقاد القول فيه حتى أشار إلى أنه يكذب، لكنه لا يبلغ ذلك، بل هو ضعيف، يبقى في حد الاعتبار. ولا تعني السقوط بأي اعتبار، فإن وجدتها وصف بها من هو متروك أو متهم، فذلك ممن قالها لعدم اطلاعه على سبب شدة الجرح في ذلك الراوي. وحيث وقع استعمالها فيما يتردد في الدرجات المتفاوتة احتجاجاً واعتباراً، فلا يصح عدها سبباً لرد حديث الموصوف بها، حتى يحدد معناها بغيرها.

стр. 577

وتجد في كلامهم يذكرون تلك العبارة مضافة إلى لفظة مفسرة، وهي عندئذ بحسبها، فيقولون: (ليس بذاك الثقة)، و (ليس بذاك المعروف)، و (ليس بذاك المشهور) , و (ليس بذاك القوي)، وهذه عبارات متكررة في كلامهم، سوى الأولى منها فهي نادرة. ٢١ _ قولهم: (ليس بالقوي). عبارة تليين، يكتب حديث الموصوف بها، ويعتبر به. قال الذهبي: " هذا النسائي قد قال في عدة: ليس بالقوي، ويخرج لهم في كتابه، قال: قولنا: (ليس بالقوي) ليس بجرح مفسد " (١). وعليه قال الذهبي أيضاً في تفسير قول أبي حاتم: (ليس بالقوي): " لم يبلغ درجة القوي الثبت " (٢). قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألته (يعني أباه) عن هشام بن حجير؟ فقال: " ليس هو بالقوي "، قلت: هو ضعيف؟ قال: " ليس هو بذاك " (٣). وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن فرقد السَّبخيِّ؟ فقال: " ليس هو بقويِّ في الحديث "، قلت: هو ضعيف؟ قال: " ليس هو بذاك " (٤). وقال علي بن المديني في (الفرج بن فضالة): " هو وسط، وليس بالقوي " (٥). وقال في (سليمان بن قَرْمٍ): " لم يكن بالقوي، وهو صالح " (٦)،

стр. 578

ونحوُها في (كثير بن زيد) (١)، و (هشام بن سعد) (٢) و (منكدر بن محمد بن المنكدر " ... (٣). وقال في محمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي الزُّهريِّ: " ضعيفٌ، ليس بالقوي، ونحن نكتب حديثه " (٤). */* وفي (أبي خلف موسى بن خلف): " ليس بالقوي، يعتبر به " (٥). وقال الدارقطني في (شبل بن العلاء بن عبد الرحمن): " ليس بالقوي، ويُخرَّج حديثه " ... (٦). قلت: عامة استعمالهم لهذه العبارة لا يخرج في دلالته عما ذكرت، فهي عبارة جرح خفيف، تجعل الراوي في مرتبة (صالح الحديث) لغيره، و (لا يحتج به) لذاته. وقد تدل بالنظر إليها مقرونة بعبارات سائر النقاد في الراوي الذي قيلت فيه على أنه في منزلة من هو دون الثقة وفوق الضعيف، فتليينه بهذه العبارة من جهة عدم بلوغه درجة أهل الإتقان، وكذلك الصدوق، وتارة تدل سائر العبارات على أن الرجل ضعيف الحفظ، فيوصف بالضعف مع صحة الاعتبار بحديثه، لكن لا تفيد شدة الضعف لذاتها. وقد يراد بها لمعنى غير الحديث، لكن لا يأتي ذلك إلا مبيناً في نفس لفظ الجرح، مثل قول الدارقطني وقد سئل عن (أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة): " حافظ محدث، ولم يكن في الدين بالقوي، ولا أزيد على هذا " (٧).

стр. 579

واعلم أن مما يلتحق بهذه اللفظة في المعنى: قولهم: (ليس بالمتين) على معنى قولهم: (ليس بالقوي) بتفصيله. ٢٢ _ قولهم: (إلى الضعف ما هو). عبارة تليين شائعة، لكنها قليلة الاستعمال في كلامهم، والتليين فيها لم أجده إلا من جهة سوء الحفظ. كقول أحمد بن حنبل في (عاصم بن عبيد الله بن عاصم العمري): " حديثه وحديث ابن عقيل إلى الضعف ما هو " (١). وقالها يحيى بن معين في (بشر بن حرب الندبي) (٢). ويَبَيِّنُها قول أبي حاتم الرازي في (الصلت بن دينار الأزدي): " ليِّنُ الحديث، إلى الضعف ما هو، مضطرب الحديث، يكتب حديثه " (٣). وهؤلاء الرواة جميعاً عرفوا بسوءِ الحفظ، وحديثهم يعتَبَر به، ولا يحتج به، وبعضهم أرفع من بعض، وعبد الله بن محمد بن عقيل من أحسنهم حالاً، وقد يحسن حديثه مع لينه. وشذَّت عبارة يعقوب بن شيبة في (عبد الكريم بن مالك الجزَريِّ)، حيث قال: " إلى الضعف ما هو، وهو صدوق ثقة " (٤). قلت: وابن شيبة يجمع بين ألفاظ لا تأتي على استقامة مصطلحاتهم، فتنبَّه، وكأنه يعني هنا أن الجَزريَّ يُتردَّدُ فيه بين أن يكون صدوقاً أو ثقة، إذ في حفظه ما يميل به إلى الضعف عن درجة الثقات، وليس المراد الضعف الذي ينزل بالراوي عن درجة الاحتجاج، بل إن الجزريَّ ممن يحتج بحديثه.

стр. 580

٢٣ _ قولهم: (تَعرف وتُنْكر). عبارة جرح في التَّحقيق، تتَّصل بحديث الراوي لا بشخصه، والمعنى: تارة هكذا وتارة هكذا، يأتي بالحديث مرة على الوجه، ومرة على غير ذلك، أي: لم يكن يتقن حديثه. ولذا كان الناقد ربما قالها في الراوي، وقرنها بالتَّعبير بالحركة إشارةًَ إلى عدم استقرار حال الراوي وثباته فيما يؤديه. كما قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد (يعني القطان) عن (الربيع بن حبيب)؟ فقال: " تَعْرف وتُنْكر " وقال بيده (١). قلت: وهو قد روى عن الربيع هذا، وهو صدوق جيد الحديث. وكما قال ابن أبي حاتم الرازي في (الحسين بن زيد بن عليٍّ الهاشميِّ): قلت: لأبي: ما تقول فيه؟ فحرك يده وقبلها، يعني تعرف وتنكر (٢). وفسر القول فيه ابن عدي فقال: " أرجو أنه لا بأس به، إلا أني وجدت في بعض حديثه النكرة " (٣). وكذلك قال ابن أبي حاتم في (زيد بن عوف القطعي) المقلب بـ (فهد): قيل لأبي: ما تقول فيه؟ فقال: " تَعْرف وتُنْكر " وحرك يده (٤). قلت: وقد وجدت هذا اللفظ وقع في كلام يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري وأبي حاتم الرازي، وغيرهم، وليس بالكثير، وقيل في رواة درجاتهم متفاوتَةٌ في اللين والضَّعف، وفيهم من

стр. 581

الراجح قبوله، وفيهم من الراجح ضعفه، لذا فهي عبارة تليين مجملة في قدر اللين في الراوي، فتُحرَّرُ فيمن قيلت فيه بحسب دلالة سائر أقوال النقاد فيه الراوي، أو بتأمُّل حديثه وروايته. ٢٤ _ قولهم: (سيئ الحفظ). عبارة صريحة التعلُّق بحديث الراوي، وليست كثير الورود في كلام المتقدِّمين مطلقة دون وصف آخر، وإنما كان أكثر ما ترد عنهم مقرونة بوصف آخر كالقول: (صدوق سيئ الحفظ)، و (سيئ الحفظ كثير الوهم)، أو (كثير الغلط)، أو (كثير الخطأ)، وما معناها، أو (مضطرب الحديث)، وغير ذلك، وإنما جاءت مطلقة في الراوي بعد الراوي، وقعت في كلام أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وأبي بكر البزار، والدر قطني، وكثر استعمالها بإطلاق كلام المتأخرين. ويندر أن تجدها تستعمل فيمن بلغ به سوء الحفظ إلى حدِّ الترك. كما وقع فيما حكاه عمرو بن علي الفلاَّسُ عن يحيى بن سعيد القطان في (عيسى بن أبي عيسى الحَنَّاط)، وهو متروك الحديث، قال: " كان سيئ الحفظ " (١). وكما قال عمرو بن علي في (عبيدة بن معتب الضبي): " سيئ الحفظ، متروك الحديث " (٢). قلت: وهو متروك عند جماعة من النقاد، ضعيف لا يبلغ الترك عند آخرين. وقالوا في جماعة: (سيئ الحفظ جداً)، ولا تعني السقوط.

стр. 582

والتحقيق: أن الضعف العائد إلى سوء الحفظ قد يبلغ صاحبه حد الترك، كما بينته في (تفسير الجرح)، لكن يندُرُ ذلك في الرواة الذين قيلت فيهم هذه العبارة، بل أكثرهم يعتبر بحديثه، ولا يكادُ يقبل حديث من رجح له هذا الوصف لذاته وإن كان منعوتاً بالصدق. ٢٥ _ قولهم: (فيه نظر). شاع استعمال هذه العبارة عن البخاريِّ، واستعملها غيره من المتقدمين بقلَّة، كأبي حاتم الرازي وابن عديِّ وأبي أحمد الحاكم وغيرهم، وأكثر من استمالها من المتأخرين أبو المحاسن محمد بن علي الحسيني صاحب " الإكمال في ذكر من له رواية في مسند أحمد ". وقد قال الذهبي في تفسيره هذه اللفظة: " قلَّ أن يكون عند البخاري رجل فيه نظر، إلا وهو متهم " (١)، وقال في موضع آخر: " لا يقول هذا إلا فيمن يتهمه غالباً " (٢). قلت: لكن المتَتَبَّع لاستعمال البخاري له لا يجد ما أطلقه الذهبي صواباً، بل إنك تجده قالها في المجروحين على اختلاف درجاتهم، كما قالها في بعض المجهولين الذين لم يتبيَّن أمرهم لقلة ما رَوَوا، بل قالها في رواة هم عند غيره في موضع القبول. فقالها في (عبد الحكيم بن منصور الخزاعي) (٣)، وهو متروك متهم. وقالها في (حريث بن أبي مطر الحنَّاط) (٤)، وهو منكر الحديث.

стр. 583

وقالها في (عمرو بن دينار قَهْرَمانِ آل الزبير) (١)، وهو ضعيف الحديث. وقالها في (علي بن مسعدة الباهلي) (٢)، وهو صالح الحديث يعتبر به. وقالها في (جميل بن عامر) (٣)، وهذا ذكره ابن عدي وقال: " يعرف بحديث أو حديثين " (٤). كما قالها في (سعيد بن خالد الخُزاعيِّ) (٥)، وقال ابن عدي: " هذا الذي ذكره البخاري إنما يشير إلى حديث واحد، يرويه عنه عبد الملك الجُدِّيُّ، وهو يعرف به، ولا يعرف له غيره " (٦). وفي (شعيب بن ميمون) يروي عن حصين بن عبد الرحمن وغيرِهِ (٧)، وذكر ابن عدي أن الرجل له حديث واحد (٨)، وقال أبو حاتم الرازي: " مجهول " (٩). وقالها في (حُيَيِّ بن عبد الله المعافِريَّ) (١٠)، وهو حسنُ الحديث لا بأس به. وقالها في (حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير) (١١)، وقد احتج به

стр. 584

مسلم في " صحيحه " في موضع واحد (١)، وهو صدوق حسن الحديث، وثقه أبو حاتم الرازي وأبو داود السجستاني وابن حبان (٢). وأكثر الذين قال فيهم البخاري تلك العبارة هم ممن يكتب حديثه ويعتبر به، وفيهم جماعة كانوا قليلي الحديث، غير مشهورين به، لا يَصِلون إلى حدِّ السُّقُوط، خلافاً لما قاله الذهبي. ومما يبين مراد البخاري بقوله هذا، ما ذكره الترمذي عنه من قوله في (حكيم بن جبير): " لنا فيه نظر "، قال الترمذي: " ولم يعزم فيه على شيء " (٣). فهذا يدل على أن هذه العبارة من البخاري فيمن هو في موضع تأمُّل وتوقُّف عنده، فهي عبارة احتراز عن قبول حديث الراوي والاحتجاج به، أو الاعتبار به، ولكونِها توقفاً عن القبول، فهي في جملة ألفاظ الجرح، وإن لم يقصد البخاري إلحاق الجرح بمن أطلقها عليه. وأكثر ما يقال: هي من عبارات الجرح المجملة، يبحث عن تفسيرها في كلام سائر النقاد في ذلك الراوي. وإذا عرف هذا في دلالة هذا اللفظ، تبين المراد بقوله أيضاً: (في حديثه نظر)، فالمعنى فيه غير خارج عما ذكرت من توقف البخاري في قبول حديث ذلك الراوي، أو إسناده، تارة بسببه، وتارة من جهة علة دونه في الإسناد، لا يقضى معها بقبول خبره، أو بالدلالة على أمره في إدخاله في جملة رواة العلم. ومثال ما كان مورد النظر بسببه، قول البخاري في (إسماعيل بن

стр. 585

إبراهيم بن مهاجر البجلي): " في حديثه نظر " (١)، وهو معروف بالضَّعْف. وما كان النظر من جهة الإسناد الذي رواه، قوله في (إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي): " في حديثه نظر " (٢). إذ حديثه هذا الذي يشير إليه البخاري رواه محمد بن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن أبي الأشعث الكندي، قال: حدثني إسماعيل بن إياس بن عفيف، عن أبيه، عن جده عفيف، في قصة. وابن الأشعث فيه مجهول، وإياس أبو إسماعيل قال فيه البخاري أيضاً: " فيه نظر " (٣) ولم يرو عنه غير ابنه (٤). وما نسبه الذهبي إلى البخاري أنه قال: " إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو واه متهم " (٥)، فهذا لم أقف عليه مسنداً إلى البخاري في شيء، ولا يدل عليه ما وقفنا عليه من استعمال البخاري. وأما قول البخاري: (في إسناده نَظَر) فتوقُّفٌ منه في ثبوت إسناد معَّين جاء من رواية المذكور، إذ أكثر ما أتت هذه العبارة في كلامه، عقبَ حديث أو أثر يذكره في ترجمة الراوي، فالهاء في قوله (إسناده) لا تعود على الراوي، إنما تعود على الرواية المذكورة. ومن أدل علامة عليه، قوله في ترجمة (أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي): قال لنا مسددٌ: عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النُّكري، عن أبي الجوزاء، قال: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة، ليس من القرآن آية إلا سألتْهُم عنها. قال البخاري: " في إسناده نظر " (٦).

стр. 586

قلت: فهذا ليس حُكماً على أبي الجوزاء، فإنه ثقة معروف، وإنما هو توقُّفٌ من البخاري في إثبات هذا الخبر عنه، والمفيد اتِّصال ما بينه وبين ابن عباس وعائشة، وربما من أجل كونه من رواية جعفر بن سليمان الضبعي، وهو عند البخاري " يخالف في بعض حديثه " (١). قلت: وعلى هذا الذي بيَّنْت عن استعمال البخاري يقع استعمال غيره، إلا أن تقوم قرينةٌ على إرادة معنى مخصوص. وذلك كاستعمال ابن عبد البرِّ لعبارة: " فيه نظر " (٢)، ففسرها العلائي بقوله: " أي في صحبته " (٣). وقال السُّليمانيُّ (٤) في (محمد بن المغيرة بن سنان الضبي فقيه الحنفية بهَمَذانَ): " فيه نظر "، فقال الذهبي: " يشير إلى أنه صاحب رأي " (٥). ٢٦ _ قولهم: (ضعيف) أو: (ضعيف الحديث). هي صيغة جرح بلا تردُد، لكن هل هي مفسرة أو مجملة؟ التحقيق: أنها مجملة، فإذا عارضها تعديل معتبر لم يعتد بها حتى يبين وجهها.

стр. 587

ثم إن التضعيف بها قد يراد به الضعف اليسير، كثقة أو صدوق إذا قورن بمن هو فوقه قيل فيه: " ضعيف الحديث ". وقد تطلق على الراوي ويراد بها أنه دون من يحتج بحديثه، لسوء حفظه مثلاً، ولكن يعتبر به. قال أبو حاتم الرازي في (عُبيد بن واقد أبي عبَّاد القَيْسيَّ): " ضعيف الحديث، يكتب حديثه " (١). وقال الدارقطني في (قابوس بن أبي ظَبْيَان): " ضعيف، ولكن لا يترك " (٢). وقد تطلق على المجروح الشديد الضعف الذي لا يكاد يكتب حديثه، كقول أبي حاتم الرازي في (حمزة بن نجيح أبي عُمارة): " ضعيف الحديث "، فقال ابنه: يكتب حديثه؟ قال: " زاحفاً " (٣). وعلى شديد الضعف الذي يبلغ حديثه الترك، وإن كان غير مُتَّهم، كقولِ عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن أبي قتادة الحرَّاني، قلت: ضعيف الحديث؟ قال: " نعم، لا يحدث عنه " ولم يقرأ علينا حديثه (٤). وقال علي بن المديني في (الوليد بن محمد الموقَّريِّ): " ضعيف، ليس بشيء، وكان قد روى عن الزهري، ولا نروي عنه شيئاً " (٥). وقال أبو حاتم الرازي في (رَوْحِ بن مسافر أبي بشر): " ضعيف الحديث، لا يكتب حديثه " (٦).

стр. 588

ومن هذا استعمال يحيى بن معين لها، حيث قال: " وإذا قلت لك: (هو ضعيف) فليس هو بثقة، ولا يكتب حديثه " (١). ومن هذا قولهم: (ضعيف جداً)، وهي دالة بلفظها على معناها. كما تطلق على الراوي المتَّهم بالكذب، فإذا وجدت ذلك فلا تقل: هو جرح يسير. ويطلب تعيين مرتبة ذلك الضعف بالنظر في القرائن. ومن هذا قول ابن عدي في " كامله " في كثير من الرواة: " هو في جملة الضعفاء "، فربما قالها فيمن يعتبر به، وربما قالها في متروك. ٢٧ _ قولهم: (مضطرب الحديث). شرحت في تفسير (الحديث المضطرب) أنَّ إحدى صورتي الاضطراب هي الاختلاف على الراوي، حيث يأتي الحديث عنه على وجوه، تدل على لينه وسوء حفظه. وذلك كقول أحمد بن حنبل في (خُصَيفِ بن عبد الرحمن): " شديد الاضطراب في المسند " (٢)، لذلك وصفه في موضع آخر بقوله: " ليس بقوي في الحديث " (٣). ٢٨ _ قولهم: (يخالف الثقات). عبارة جرح مجملةٌ، إذا عارضت التعديل فإنها تثير شُبهة إمكان الشُّذوذ، وربما أيضاً التفرد. وابن حبان يقول في مواضع فيمن يوردهم في " الثقات ": " يخالف "، " ربَّما خالف " فهي عبارة لا تعني الجرح المسقط، والثقة قد يخالف،

стр. 589

فتكون روايته شاذَّة إذا كانت المخالفة لمن هو أتقن منه، وإنما يكون مجرَّد المخالفة قادحاً مؤثِّراً في الراوي إذا كان قليل الحديث. ٢٩ _ قولهم: (لا يتابع على حديثه). قال ابن القطان الفاسيُّ: " يُمسُّ بهذا من لا يعرف بالثقة، فأما من عرف بها فانفراده لا يضره، إلا أن يكثر ذلك منه " (١). قلت: والأمر كما قال، وأكثر من استعمل هذه العبارة من المتقدِّمين البخاري، وإذا قالها في راو فإنه يعني تفرده بما لا يعرف إلا من طريقه، وفي الغالب هو حديثٌ معيَّنٌ ليس لذلك الراوي سواه، ولذا فهذه اللفظة إذا قالها البخاري في راو فهو تضعيف؛ لأنها غالباً إمَّا في مجهول أو مُقلِّ، ومن كان بهذه المنزلة ولا يروي إلا حديثاً واحد يتفرد به، فلا يحتج به. وتبعه على استعمالها العقيلي، وأطلقها على جماعة من الرواة هم بهذه المثابة. لكنه ذكر بعض الثقات أيضاً، وقال فيهم مثل ذلك، وربما أورد الحديث مما يعنيه أن ذلك الراوي لم يتابع عليه. فقالها مثلاً في سعد بن طارق الأشجعي، وسلام بن سليمان أبي المنذر، وعقبة بن خالد السَّكونيِّ، ويحيى بن عثمان الحربي (٢)، وغيرهم، وهؤلاء ثقات، والتفرد لا يضر في قبول ما رووا. وقال في (عبد الله بن خَيرانَ البغدادي) (٣): " لا يتابع على حديثه "، فتعقَّبه الخطيب فقال: " قد اعتبرت من رواياته أحاديث كثيرة، فوجدتها مستقيمة تدل على ثقته " (٤).

стр. 590

فمثل هذا من العُقيلي يتثبَّت فيه، ولا يُسلَّم ابتداء كسبب في رد حديث الموصوف به. ٣٠ _ قولهم: (روى مناكير) أو: (روى أحاديث منكرة). جرح، لكن لا يلزم منه جرح ذات الراوي الذي وصف بها، حتى لا يكون في الإسناد من يحمل عليه سواه، أو كان ذلك الراوي لم يعدل أصلاً. والراوي يأتي بالمنكرات من الروايات والمأخذُ فيها عليه سواه من رجال الإسناد، سبب شائع من أسباب الطعن عليه، كما بينته في (تفسير الجرح)، ويناله من قدر الضعف بحسب ما روى من المنكرات بالنظر إلى سائر مرويَّاته. قال حرب بن إسماعيل الكِرمانيُّ: قلت لأحمد بن حنبل: قيس بن الربيع، أيُّ شيء ضعَّفه؟ قال: " روى أحاديث منكرة " (١). ولمعنى النكارة هنا ولما سيأتي مما يتصل بهذا اللَّفظ انظر تفسير (الحديث المنكر). ٣١ _ قولهم: (منكر الحديث). هذا الوصف صريح في حق الراوي باعتبار حديثه، لا أمْر آخر. وهي من ألفاظ الجرح الموجبة ضعفه عند الناقد. وقدر الجرح بهذه العبارة في التحقيق متفاوت، بين الضعف الذي يبقي للراوي شيئاً من الاعتبار، والشديد الذي يبلغ به إلى حد التهمة، فهي لفظةٌ مفسَّرةُ باعتبار، مجملة باعتبار.

стр. 591

ويفسَّرُ ذلك في حقِّ الراوي المعين بالقرائن المصاحبة للوصف، أو بدلالة أقاويل سائر النقاد فيه. ومما يبين تلك الدرجات الأمثلة التالية: ١ _ قول أبي حاتم الرَّازيِّ في (سعيد بن الفضل بن ثابت البصريِّ): " ليس بالقوي، منكر الحديث " (١)، وقوله في (سليمان بن عطاء الحرَّانيِّ): " منكر الحديث، يكتب حديثه " (٢)، وقوله في (عبد الله بن جعفر بن نجيح المدينيِّ): " منكر الحديث جداً، ضعيف الحديث، يحدث عن الثقات بالمناكير، يكتب حديث ولا يحتج به " (٣). وقول أبي زرعة الرازي في (سلامة بن روح الأيْليِّ): " ضعيف منكر الحديث "، فقال له ابن أبي حاتم: يُكتب حديثه؟ قال: " نعم، يكتب على الاعتبار " (٤). فاقترانُ وصف (منكر الحديث) بتليين الراوي، أو بكتابة حديثه، دليلٌ على أنه ليس بمطروح الحديث، بل يعتبر به. وشبيهٌ به في المعنى ما يقع في عبارات ابن حِبان، كقوله في (عبد الله بن نافع المدني مولى ابن عمر): " منكر الحديث، كان ممن يخطئ ولا يعلم، لا يجوز الاحتجاج بأخباره التي لم يوافق فيه الثقات، ولا الاعتبار منها بما خالف الأثبات " (٥). فهذا يجعله في مرتبة من يعتبر به في المتابعات والشواهد.

стр. 592

وجدير أن تلاحظ هنا أنَّ من يعتبر به ممن هذا نعته، فإنما هو الاعتبار بغير المنكر من روايته؛ لأن المنكر كما بينت في (القسم الثاني) من هذا الكتاب لا يعتبر به. ٢ _ وسئل أحمد بن حنبل عن (عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقيِّ)، قيل له: يروى عن الإفريقيِّ؟ قال: " لا، هو منكر الحديث " (١)، وقال أبو زرعة في (محمد بن عبد الله بن نمران): " منكر الحديث، لا يكتب حديثه " (٢)، وقال أبو حاتم الرازي في (مسلمة بن علي الخُشَنيِّ): " ضعيف الحديث، لا يشتغل به "، فقال له ابنه: هو متروك الحديث؟ قال: " هو في حد الترك، منكر الحديث " (٣). فهذه الأمثلة دلت على أن (منكر الحديث) يكون في منزلة المتروك الذي لا يعتبر به. ٣ _ وقال يحيى بن معين في (محمد بن سعيد الشامي المصلوب): " منكر الحديث " (٤). فهذا رجل معروف بالكذب ووضع الحديث، ووصفه يحيى بكونه (منكر الحديث). وعلمنا كون هذا الاستعمال هنا أريد به المتروك الكذاب بدلالة المعروف عن النقاد في شأنه. إذاً استعمالهم لهذه اللفظة يجب أن يراعى فيه درجة الجرح بها، ولا

стр. 593

يصح أن تحمل على الشديد المسقط لذاتها، إلا أن يُعدم في الراوي من الأوصاف سِواها. وهذا الذي ذكرت في بيان معنى هذه العبارة هو الذي يجري عليه الاصطلاح لعامة النقاد، ومنهم البخاري في التحقيق. تفسير قول البخاري في الراوي: " منكر الحديث ": حكى أبو الحسن القطان عن البخاري أنه قال في كتابه " الأوسط ": " كل من قلت فيه: منكر الحديث؛ فلا تحل الرواية عنه " (١). هذا النص عن البخاري وجدت من يذكره يعزوه لابن القطان، ولم أجد له ذكراً فيما في أيدينا من مصنَّفَات البخاري، ولما فيه من الشِّدَّة ألحق في رأي بعض متأخري المحدثين بأسوأ مراتب التجريح. والذي وجدته بالتتبُّع أن استعمال البخاري لهذه اللفظة لا يختلف عن استعمال من سبقه أو لحقه من علماء الحديث، فهو إنما يقول ذلك في حقِّ من غلبت النكارة على حديثه، أو استحكمت من جميعه، وربما حكم عليه غيره بمثل حُكمه، وربَّما وصف بكونه (متروك الحديث)، وربما اتُّهم بالكذب، وربما وصف بمجرد الضعف، وربما قال ذلك البخاري في الراوي المجهول الذي لم يرو إلا الحديث الواحد المنكر. وهذه أمثلة متفاوتة من الرواة لذلك: قال البخاري في (إسحاق بن نجيح الملطي): " منكر الحديث "، وهذا رجل معروف بالكذب ووضع الحديث عندهم، ومثله ممن لا تحل الراوية عنه إلاَّ للبيان. وقالها في (ثابت بن زهير أبي زهير)، وهكذا جاءت عبارات غيره

стр. 594

على الموافقة لما قال لفظاً أو معنى , وقال ابن عدي: " كل أحاديثه تُخالفُ الثقات في أسانيدها ومتونها " (١)، ومنهم من قال: " متروك الحديث ". وقالها في (جُميع بن ثُوب الرَّحبيِّ)، وقال ابن عدي: " عامَّةُ أحاديثه مناكير، كما ذكره البخاري " (٢). قلت: وهذا من ابن عدي تفسير ظاهر لمراد البخاري بهذه اللفظة، والتي تؤكد ما ذكرته آنفاً أنَّه مراد أئمة الشأن. وقالها البخاري في (إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة)، ولم يقله غير ممن سبقه، بل قال أحمد بن حنبل: " ثقة "، وقال ابن معين: " صالح "، لكن وافقه عليه من أقرانه أبو حاتم الرازي، وفسَّره فقال: " شيخ ليس بقوي، يكتب حديثه، ولا يُحتج به، منكر الحديث " (٣)، فكأنه يقول: له أحاديث مناكير، ولم يغلب ذلك على حديثه إلى درجة أنه صار لا تحل الراوية عنه. وهذا ابن عدي يقول بعدما حرَّر مروياته: " له غير ما ذكرته من الأحاديث، ولم أجد له أوحش من هذه الأحاديث، وهو صالح في باب الرواية، كما حكي عن يحيى بن معين، ويكتب حديثه مع ضعفه " (٤). قلت: وكان البخاري قال مرة: " عنده مناكير " (٥)، وهذه أظهر في أمره من الإطلاق المتقدِّم، لكن دل هذا على أن تلك العبارة من البخاري لا تعني دائماً أن يكون الراوي الموصوف بذلك ينزَّل منزلة المتروك الساقط، والذي هو مقتضى عبارة: " لا تحل الرواية عنه ".

стр. 595

وقالها البخاري في (عبد الله بن خالد بن سلمة المخزومي)، وكذلك قال أبو حاتم الرازي (١)، وفسر أمره ابن عدي، فقال: " ليس به من الحديث إلا اليسير، ولعله لا يروي عنه غير محمد بن عقبة " (٢). ومن بابه (عبد الله بن المؤمل المخزومي)، قال أبو داود: " منكر الحديث " (٣)، وكان قليل الحديث، كما بين ذلك ابن حبان فقال: " قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد؛ لأنه لم يتبين عندنا عدالته فيقبل ما انفرد به، وذاك أنه قليل الحديث، لم يتهيأ اعتبار حديثه بحديث غيره لقلته، فيحكم له بالعدالة أو الجرح، ولا يتهيأ إطلاق العدالة على من ليس نعرفه بها يقيناً فيقبل ما انفرد به، فعسى نحل الحرام ونحرم الحرام برواية من ليس بعدل، أو نقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل اعتماداً منها على رواية من ليس بعدل عندناً، كما لا يتهيأ إطلاق الجرح على من ليس يستحقه " (٤). قلت: وفي هذا بقاء على أصل استعمال هذه اللفظة فيمن لم يرو إلا المنكر أو غلب ذلك على حديثه، فهذا وإن لم يرو إلا اليسير، لكن جميعُ ذلك منكر، فصح أن يكون (منكر الحديث)، وهذا جرح له بالنظر إلى مروياته دون حاله. ويستثنى من دلالة الاصطلاح في استعمال (منكر الحديث) صورة تحتاج إلى تيقظ، وهي: ما وقع من استعمال بعض المتقدمين هذا الوصف يريد به أن الراوي يتفرد ويُغْرب.

стр. 596

وعلى هذا حمل بعض الأئمة قول يحيى بن سعيد القطان في (قيس بن أبي حازم): " منكر الحديث " وذكر له أحاديث مناكير (١). كما قال يعقوب بن شيبة: " الذين أطْرَوْه يحملون هذه الأحاديث عنه على أنها عندهم غير مناكير، وقالوا: هي غرائب " (٢). ولذا قال ابن حجر: " ومراد القطان بالمنكر: الفرد المطلق " (٣). وهو استعمال أحمد بن حنبل أيضاً في طائفةٍ من الثقات، لم يكن مرادُهُ يعدو التفرد، مثل: محمد بن حنبل أيضاً في طائفة من الثقات، لم يكن مراده يَعدو التفرد، مثل: محمد بن إبراهيم التيمي، وزيد بن أبي أنيسة، وعمرو بن الحارث، والحسين بن واقد، وخالد بن مخلد. ومما يُؤيِّد هذا قول أحمد بن حنبل في (الحسين بن الحسن الأشقر): " منكر الحديث، وكان صدوقاً " (٤). فوصفه بالصدق مع كونه عنده منكر الحديث. ٣٢ _ قولهم: (روى أحاديث معضلةً) أو: (يروي المعضَلاتِ). جاء استعمالُ (المعضلِ) في كلام السلف بمعنى: الحديث المنكر، أو شديد النكارة، أو الموضوع، وقع ذلك في مواضع عدة في كلام الجوز جاني، وابن عدي، وابن حبان، كما وقع بِنْدرة في كلام آخرين، كالبخاري (٥)، وأبي حاتم الرازي (٦)، والعقيلي (٧).

стр. 597

ومن عبارتهم فيه: قال الجوزجاني في (ضبارة بن عبد الله بن مالك الحضرمي): " روى عن ذُويد عن الزهري حديثاً معضلاً عن أبي قتادة "، يعني منكراً، وهذا رجل مجهول. وقال ابن عدي في (الحسن بن زيد بن الحسن الهاشمي): " يروي عن أبيه، وعكرمة أحاديث معضلة " (١)، أراد منكرة. وبمعناه قوله في (حصين بن عمر الأحمسيِّ): " عامة أحاديثه معاضيل ينفرد عن كل من يروي عنه " (٢). وقال ابن حبان في (عمر بن محمد بن صهبان الأسلمي): " كان ممن يروي عن الثقات المعضلات التي إذا سمعها من الحديث صناعته لم يشك أنها معمولة، يجب التنكُّب عن روايته في الكتب " (٣). ولابن حبان في هذا الاستعمال نظائر أخرى معروفة. ومنه قوله في (سلام بن أبي خُبْزة العطار): " كثير الخطأ، معضل الأخبار، يروي عن الثقات المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به " (٤). وجميع هذا لا يعنون به (المعضل) بمعناه الاصطلاحي الذي شاع استعماله عند المتأخرين، وكان يُذْكر عند المتقدمين نادراً، كما بيَّنته في (ألقاب الحديث). ٣٣ _ قولهم: (أستخير الله فيه). عرفت هذه العبارة عن ابن حبَّان، ولا تكاد تراها لغيره، ووجدتها من

стр. 598

كلام عبد الرحمن بن مهدي، لكنِّي لم أجدها عنه بإسناد يصحُّ، ولو صحَّ عنه فهو نادر قليل. وظاهرها: تردُّدُ الناقد في الراوي: يُلْحق بالثقات أو الضعفاء، والترجيح بحسب ما يتبين من كلام سائر النقاد والنظر في حديث الراوي. ٣٤ _ قولهم: (ليس بشيء). تكثر في كلام يحيى بن معين، ويقولها غيره. قال الحاكم: " قول يحيى بن معين: (ليس بشيء)، هذا يقوله ابن معين إذا ذكر له الشيخ من الرواة يقل حديثه، ربما قال فيه: ليس بشيء، يعني لم يسند من الحديث ما يشتغل به " (١). قلت: ومن مثاله قول يحيى بن معين في (حنظلة بن عبد الرحمن التيمي): " ليس بشيء "، وقال مرَّة: " لم يكن به بأس إن شاء الله " (٢)، وفي رواية: " ضعيف، يكتب حديثه " (٣)، فترددت فيه عبارته في معنى متقارب، والسبب فيه ما قال ابن عدي: " لم أر له من الحديث إلا القليل، إلا أن الثوري قد حدث عنه بشيء يسير، ولم يتبين لي ضعفه؛ لقلة حديثه " (٤). قلت: أراد الضعف المسقط. ولم يبد لي صحة ما قاله الحاكم في أكثر من أطلق عليهم ابن معين هذه العبارة، وهو قد أطلقها على عدد كثير من الراوة، وجدت أكثرهم من المعروفين بالرواية، لكنهم من الضعفاء والمتروكين والمتهمين، ومثاله منتشر جداً في الروايات عن ابن معين.

стр. 599

نعم، يوجد في بعضهم من يمكن وصفه بقلة الرواية على ضعفه، لكن لا يصح أن يحمل عليه مراد يحيى؛ لأنه الأقل مقارنة بالصنف الآخر. والصواب أن عبارة يحيى هذه: عبارة جرح مجملة في تحديد قدر الجرح وسببه، ولا تخرج عن نفس مراد غيره من النقاد على ما يأتي ذكره عن المنذري. ومما يدل على ذلك: ما حكاه الآجري، قال: قلت لأبي داود: العوَّام بن حمزة حدث عنه يحيى القطان، قال عباس عن يحيى بن معين: إنه ليس بشيء، قال: " ما نعرف له حديثاً منكراً " (١). وحين نقل عثمان الدارمي عن ابن معين قوله في (سليمان بن داود الخولاني): " ليس بشيء "، قال عثمان: " أرجو أنه ليس كما قال يحيى، وقد روى يحيى بن حمزة أحاديث حساناً كلها مستقيمة " (٢). وقال المنذري: " أما قولهم: (فلان ليس بشيء)، ويقولون مرَّة: (حديثه ليس بشيء)، فهذا ينظر فيه: فإن كان الذي قيل فيه هذا قد وثَّقه غير هذا القائل، واحتج به، فيحتمل أن يكون قوله محمولاً على أنه ليس حديثه بشيء يحتج به، بل يكون حديثه عنده يكتب للاعتبار وللاستشهاد وغير ذلك. وإن كان الذي قيل فيه ذلك مشهوراً بالضعف، ولم يوجد من الأئمة من يحسن أمره، فيكون محمولاً على أن حديثه ليس بشيء يحتجُّ به، ولا يعتبر به ولا يستشهد به، ويلتحق هذا بالمتروك " (٣). قلت: فهذا يؤكد أن هذه العبارة من قبيل الجرح المجمل.

стр. 600

نعم، ربما دل على شدة ضعف الموصوف بها أيضاً عند الناقد اقترانها بما يدل على ذلك، مثل قول علي بن المديني في (أبي بكر الدَّاهريِّ): " ليس بشيء، لا يكتب حديثه " (١)، فعبارة (لا يكتب حديثه) لا تقال إلا في شديد الضعف، ومن يعود ضعفه في الأصل إلى روايته. وقال يحيى بن معين في (عمر بن موسى الوجيهيِّ): " ليس بشيء "، وفي موضع آخر: " كذَّابٌ، ليس بشيء " (٢)، وقال فيه داود السجستاني: " ليس بشيء، يروي عن قتادة وسماك مناكير " (٣)، قلت: وهو معروف بكذبه ونكارة حديثه. وقال يحيى بن معين في (معلى بن زياد القُردوسيِّ): " ليس بشيء، ولا يكتب حديثه "، فتعقبه ابن عدي بقوله: " لا أرى بروايته بأساً، ولا أدري من أين قال ابن معين: لا يكتب حديثه، وهو عند ي لا بأس به " (٤). فتأمَّل استدراك ابن عدي، فلم يتعقب يحيى في قوله: (ليس بشيء)، إنما في قوله: (لا يكتب حديثه)، فدل على أن (ليس بشيء) وحدها عندهم لم تكن تدل على تفسير قدر الجرح لذاتها، ويمكن حملها على أدنى الجرح عندما يتبين من حال الراوي أنه لا يتجاوز ذلك. ويلتحق بها قولهم: (لا يساوي شيئاً)، وإن كانت قليلة الاستعمال، فقد تتبعها فوجدتها كذلك.
следующие страницы →