← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1416

تحرير علوم الحديث

عبد الله الجديع

Полный текст (1 074 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وعلى هذا حمل بعض الأئمة قول يحيى بن سعيد القطان في (قيس بن أبي حازم): " منكر الحديث " وذكر له أحاديث مناكير (١). كما قال يعقوب بن شيبة: " الذين أطْرَوْه يحملون هذه الأحاديث عنه على أنها عندهم غير مناكير، وقالوا: هي غرائب " (٢). ولذا قال ابن حجر: " ومراد القطان بالمنكر: الفرد المطلق " (٣). وهو استعمال أحمد بن حنبل أيضاً في طائفةٍ من الثقات، لم يكن مرادُهُ يعدو التفرد، مثل: محمد بن حنبل أيضاً في طائفة من الثقات، لم يكن مراده يَعدو التفرد، مثل: محمد بن إبراهيم التيمي، وزيد بن أبي أنيسة، وعمرو بن الحارث، والحسين بن واقد، وخالد بن مخلد. ومما يُؤيِّد هذا قول أحمد بن حنبل في (الحسين بن الحسن الأشقر): " منكر الحديث، وكان صدوقاً " (٤). فوصفه بالصدق مع كونه عنده منكر الحديث. ٣٢ _ قولهم: (روى أحاديث معضلةً) أو: (يروي المعضَلاتِ). جاء استعمالُ (المعضلِ) في كلام السلف بمعنى: الحديث المنكر، أو شديد النكارة، أو الموضوع، وقع ذلك في مواضع عدة في كلام الجوز جاني، وابن عدي، وابن حبان، كما وقع بِنْدرة في كلام آخرين، كالبخاري (٥)، وأبي حاتم الرازي (٦)، والعقيلي (٧).

стр. 597

ومن عبارتهم فيه: قال الجوزجاني في (ضبارة بن عبد الله بن مالك الحضرمي): " روى عن ذُويد عن الزهري حديثاً معضلاً عن أبي قتادة "، يعني منكراً، وهذا رجل مجهول. وقال ابن عدي في (الحسن بن زيد بن الحسن الهاشمي): " يروي عن أبيه، وعكرمة أحاديث معضلة " (١)، أراد منكرة. وبمعناه قوله في (حصين بن عمر الأحمسيِّ): " عامة أحاديثه معاضيل ينفرد عن كل من يروي عنه " (٢). وقال ابن حبان في (عمر بن محمد بن صهبان الأسلمي): " كان ممن يروي عن الثقات المعضلات التي إذا سمعها من الحديث صناعته لم يشك أنها معمولة، يجب التنكُّب عن روايته في الكتب " (٣). ولابن حبان في هذا الاستعمال نظائر أخرى معروفة. ومنه قوله في (سلام بن أبي خُبْزة العطار): " كثير الخطأ، معضل الأخبار، يروي عن الثقات المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به " (٤). وجميع هذا لا يعنون به (المعضل) بمعناه الاصطلاحي الذي شاع استعماله عند المتأخرين، وكان يُذْكر عند المتقدمين نادراً، كما بيَّنته في (ألقاب الحديث). ٣٣ _ قولهم: (أستخير الله فيه). عرفت هذه العبارة عن ابن حبَّان، ولا تكاد تراها لغيره، ووجدتها من

стр. 598

كلام عبد الرحمن بن مهدي، لكنِّي لم أجدها عنه بإسناد يصحُّ، ولو صحَّ عنه فهو نادر قليل. وظاهرها: تردُّدُ الناقد في الراوي: يُلْحق بالثقات أو الضعفاء، والترجيح بحسب ما يتبين من كلام سائر النقاد والنظر في حديث الراوي. ٣٤ _ قولهم: (ليس بشيء). تكثر في كلام يحيى بن معين، ويقولها غيره. قال الحاكم: " قول يحيى بن معين: (ليس بشيء)، هذا يقوله ابن معين إذا ذكر له الشيخ من الرواة يقل حديثه، ربما قال فيه: ليس بشيء، يعني لم يسند من الحديث ما يشتغل به " (١). قلت: ومن مثاله قول يحيى بن معين في (حنظلة بن عبد الرحمن التيمي): " ليس بشيء "، وقال مرَّة: " لم يكن به بأس إن شاء الله " (٢)، وفي رواية: " ضعيف، يكتب حديثه " (٣)، فترددت فيه عبارته في معنى متقارب، والسبب فيه ما قال ابن عدي: " لم أر له من الحديث إلا القليل، إلا أن الثوري قد حدث عنه بشيء يسير، ولم يتبين لي ضعفه؛ لقلة حديثه " (٤). قلت: أراد الضعف المسقط. ولم يبد لي صحة ما قاله الحاكم في أكثر من أطلق عليهم ابن معين هذه العبارة، وهو قد أطلقها على عدد كثير من الراوة، وجدت أكثرهم من المعروفين بالرواية، لكنهم من الضعفاء والمتروكين والمتهمين، ومثاله منتشر جداً في الروايات عن ابن معين.

стр. 599

نعم، يوجد في بعضهم من يمكن وصفه بقلة الرواية على ضعفه، لكن لا يصح أن يحمل عليه مراد يحيى؛ لأنه الأقل مقارنة بالصنف الآخر. والصواب أن عبارة يحيى هذه: عبارة جرح مجملة في تحديد قدر الجرح وسببه، ولا تخرج عن نفس مراد غيره من النقاد على ما يأتي ذكره عن المنذري. ومما يدل على ذلك: ما حكاه الآجري، قال: قلت لأبي داود: العوَّام بن حمزة حدث عنه يحيى القطان، قال عباس عن يحيى بن معين: إنه ليس بشيء، قال: " ما نعرف له حديثاً منكراً " (١). وحين نقل عثمان الدارمي عن ابن معين قوله في (سليمان بن داود الخولاني): " ليس بشيء "، قال عثمان: " أرجو أنه ليس كما قال يحيى، وقد روى يحيى بن حمزة أحاديث حساناً كلها مستقيمة " (٢). وقال المنذري: " أما قولهم: (فلان ليس بشيء)، ويقولون مرَّة: (حديثه ليس بشيء)، فهذا ينظر فيه: فإن كان الذي قيل فيه هذا قد وثَّقه غير هذا القائل، واحتج به، فيحتمل أن يكون قوله محمولاً على أنه ليس حديثه بشيء يحتج به، بل يكون حديثه عنده يكتب للاعتبار وللاستشهاد وغير ذلك. وإن كان الذي قيل فيه ذلك مشهوراً بالضعف، ولم يوجد من الأئمة من يحسن أمره، فيكون محمولاً على أن حديثه ليس بشيء يحتجُّ به، ولا يعتبر به ولا يستشهد به، ويلتحق هذا بالمتروك " (٣). قلت: فهذا يؤكد أن هذه العبارة من قبيل الجرح المجمل.

стр. 600

نعم، ربما دل على شدة ضعف الموصوف بها أيضاً عند الناقد اقترانها بما يدل على ذلك، مثل قول علي بن المديني في (أبي بكر الدَّاهريِّ): " ليس بشيء، لا يكتب حديثه " (١)، فعبارة (لا يكتب حديثه) لا تقال إلا في شديد الضعف، ومن يعود ضعفه في الأصل إلى روايته. وقال يحيى بن معين في (عمر بن موسى الوجيهيِّ): " ليس بشيء "، وفي موضع آخر: " كذَّابٌ، ليس بشيء " (٢)، وقال فيه داود السجستاني: " ليس بشيء، يروي عن قتادة وسماك مناكير " (٣)، قلت: وهو معروف بكذبه ونكارة حديثه. وقال يحيى بن معين في (معلى بن زياد القُردوسيِّ): " ليس بشيء، ولا يكتب حديثه "، فتعقبه ابن عدي بقوله: " لا أرى بروايته بأساً، ولا أدري من أين قال ابن معين: لا يكتب حديثه، وهو عند ي لا بأس به " (٤). فتأمَّل استدراك ابن عدي، فلم يتعقب يحيى في قوله: (ليس بشيء)، إنما في قوله: (لا يكتب حديثه)، فدل على أن (ليس بشيء) وحدها عندهم لم تكن تدل على تفسير قدر الجرح لذاتها، ويمكن حملها على أدنى الجرح عندما يتبين من حال الراوي أنه لا يتجاوز ذلك. ويلتحق بها قولهم: (لا يساوي شيئاً)، وإن كانت قليلة الاستعمال، فقد تتبعها فوجدتها كذلك.

стр. 601

٣٥ _ قولهم: (لا شيء). عبارة كثيرة الاستعمال، وهي من ألفاظ التجريح المجملة. ومن أكثر النقاد استعمالاً لها: يحيى بن معين، كما وقعت في كلام غيره بقلَّة، كسفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل والبخاري وأبي زرعة الرازي وغيرهم. ولم أجدها خارجة عن دلالة قولهم: (ليس بشيء)، فأكثر من قيلت فيهم الضعفاء، ومراتبهم في الضعف تتفاوت بين خفته كاللِّين، وشدَّته كالتُّهمة بالكذب. وفسرها ابن أبي حاتم الرازي في استعمال ابن معين، فنقل عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين في (خالد بن أيوب البصري) قال: " لا شيء "، قال: " يعني ليس بثقة " (١). وقيلت في الراوي المقلِّ الذي لم يتبين حفظه وإتقانه لقلِّة حديثه، كما قالها مثلاً يحيى بن معين في (هبيرة بن حدير العدوي) (٢)، وقالها الدارقطني في (الهجنَّع بن قيس) (٣). ٣٦ _ قولهم: (لا يعتبر به). صريحة في ترك حديث الموصوف بها، لكن لا تكاد تجدها لسابق غير الدارقطني. فمن ذلك قوله: " لا يعتبر به " في (مسلم بن يسار أبي عثمان الطُّنبذيِّ) (٤)، و (يزيد بن صليح الحمصي) (٥).

стр. 602

وينبغي أن يكون من بابها: " لا يعتبر بحديثه " من جهة واقع الاستعمال، لكنها نادرة في كلامهم، وجدتها من قول الجوزجاني في (عبد الغفار بن الحسن أبي الرَّمليِّ)، قال: " لا يعتبر بحديثه " (١). قلت: لكن أبا حازم هذا صدوق في التحقيق، قال أبو حاتم الرازي: " كوفي، وقع إلى الشام، لا بأس به " (٢)، وذكره ابن حبان في " الثقات " (٣)، ولا عبرة بقول الأزدي: " كذاب " (٤)، فالأزدي ليس ممن يعتمد عليه في هذا الشأن؛ لكونه مجروحاً في نفسه. ٣٧ _ قولهم: (ليس بثقة). هي عبارة جرح، قلَّ أن تجدها مقولة في راو إلا وهو شديد الضعف: متروك الحديث، أو متهم بالكذب، أو كذَّاب معروف، خصوصاً في كلام يحيى بن معين والنسائي وقد أكثر منها. لكن ليس ذلك بإطلاق، فقد وقعت منهم في جماعات من الرواة الضعفاء، أو ممن في حفظهم بعض اللِّين، وإنما تبيَّن ذلك بدراسة أحوال أولئك الرواة ممن قيلت فيهم هذه الكلمة. مثل ما قال بشر بن عمر: سألت مالك بن أنس عن محمد بن عبد الرحمن الذي يروي عن سعيد بن المسيب؟ فقال: " ليس بثقة "، وسألته عن صالح مولى التوأمة؟ فقال: " ليس بثقة "، وسألته عن أبي الحويرث؟ فقال: " ليس بثقة "، وسألته عن شعبة الذي روى عنه ابن أبي ذئب؟ فقال:

стр. 603

" ليس بثقة "، وسألته عن حرام بن عثمان؟ فقال: " ليس بثقة "، وسألت مالكاً عن هؤلاء الخمسة؟ فقال: " ليسوا بثقة في حديثهم " (١). قلت: وليس في هؤلاء من يبلغ الترك سوى حرام بن عثمان، بل هم بين صدوق، أو صالح يعبتر به. وتعقب ابن القطان الفاسي قول مالك ذلك في (شعبة مولى ابن عباس) فقال: " إن مالكاً لم يضعفه، وإنما شحَّ عليه بلفظة: ثقة، وقد كانوا لا يطلقونها إلى على العدل الضابط .. وربما قالوا: (ليس بثقة) للضعيف أو المتروك، فإذاً هو لفظ يتفسَّر مراد مطلقه بحسب حال من قيل فيه ذلك " (٢). وقال الخطيب بعد أن ذكر نماذج من ألفاظ بعض النقاد في الجرح بفعل بعض المباحات أو مواقعة بعض المكروهات، أو فعل ما يختلف في تحريمه، قال: " وكذلك قول الجارح: (إن فلاناً ليس بثقة)، يحتمل أن يكون لمثل هذا المعنى، فيجب أن يفسَّر سببه " (٣). قلت: ويصدق هذا أن يحيى بن معين عن (يونس بن خباب)؟ فقال: " ليس بثقة، كان يشتم أصحاب النبي ﷺ ، ومن شتم أصحاب النبي ﷺ فليس بثقة " (٤). قلت: فأعاد ابن معين هذه اللفظة حين فسرها هنا إلى معنى غير الحديث. فحيث قام الاحتمال في دلالتها على الضعف المسقط أو غير

стр. 604

المسقط، بل الجرح المعتبر أو غير المعتبر، فإنه لا يصح عدها من قبيل الجرح الشديد بمجرد إطلاقها. وعليه: فهي لا حقة بألفاظ الجرح المجملة، لا يعتد بها مجردة حتى تفسَّر. نعم، رد ابن حجر تأويل ابن القطان المتقدم بقوله: " هذا التأويل غير شائع، بل لفظة (ليس بثقة) في الاصطلاح يوجب الضعف الشديد " (١). قلت: وابن حجر مسبوق إلى اعتبار هذا المعنى، فحين قال الجوزجاني في (سعيد بن كثير بن عفير): " فيه غير لون من البدع، وكان مخلطاً غير ثقة " (٢)، تعقبه ابن عدي بقوله: " هذا الذي قال: فيه غير لون من البدع، فلم ينسب ابن عفير المصري إلى بدع، والذي ذكر أنه غير ثقة، فلم ينسبه أحد إلى الكذب " (٣). قلت: فدل هذا على أن ابن عدي من قبل كان يحملها عنهم على الضعف الشديد الذي يبلغ بالراوي حد الكذب، وذلك فيما يبدو من خلال ما وجده عنهم في أكثر استعمالهم كما ذكرت أولاً. ٣٨ _ قولهم: (متروك الحديث). جرح بليغ، مفسِّر في لفظه، ظاهر في أنه من جهة حديث الراوي وما أتى به من المنكرات التي غلبت عليه، فاستحق بذلك هذا الوصف. وتقدم في (تفسير الجرح) وفي (المبحث الأول) من هذا الفصل ما بينه ابن أبي حاتم عن أهل الحديث أن من يقولون فيه ذلك، فهو ساقط الحديث، لا يعتبر به.

стр. 605

وفي معناها قولهم: (ذاهب الحديث)، و (ساقط الحديث)، و (واهي الحديث). فإذا لم تضف للفظ (الحديث)، كقولهم: (متروك) و (ذاهبٌ) و (ساقط) و (واه)، فأغلب ما استعملت له هو ذات المعنى بالإضافة، لكن قد يراد به غير ذلك، فتفطن، وابحث عن وجهه في كلمات سائر النقاد، فلن تعدم وجهه إن شاء الله. ٣٩ _ قولهم: (تركه فلان). هذه صيغة جرح، ولا تلازم بينها وبين صيغة (متروك) أو (متروك الحديث)؛ فقد يراد بها ذلك، وقد يراد بها أن الناقد ترك ذلك الراوي لمجرد ضعفه عنده. ومن أبرز النُّقُّاد الذين يجدر بك أن تلاحظ طريقتهم في ذلك: الإمامان يحيى بن سعيد القطان، وصاحبه عبد الرحمن بن مهدي، وأكثر من نقل عنهما الحافظان: عمرو بن على الفلاس، ومحمد بن المثنى الزمن. فقد كان علماء هذا الفن والمصنِّفُون فيه يزنون النقلة من خلال ما بلغهم من اختيار هذين الإمامين، في موضع اتفاقهما وافتراقهما. وطريقة يحيى معروفة عندهم بالتشدد، وطريقة ابن مهدي بالاعتدال، فإن اتفقا على ترك الراوي، فلا يكاد جرحه يندمل، وإذا اتفقا على الرواية عنه فقد جاز القنطرة، وإذا افترقا، فقبله ابن مهدي وتركه يحيى فعندئذ يغلب الاعتدال، فيكون رأي ابن مهدي أرجح عند النقاد، أو قبله يحيى وتركه ابن مهدي رجح القبول بطريقة الأولى، لكن حال اختلافهما لا يعني أن يكون القبول فيه بمعنى الاحتجاج، كما لا يكون الترك بمعنى السقوط، بل ربما كان الراوي في موضع من يكتب حديث للاعتبار.

стр. 606

فمن أمثلة من اتفقا على الرواية عنهم: واصل بن عبد الرحمن أبو حرة البصري (١)، وعبد الله بن عثمان بن خثيم (٢)، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي (٣)، وما من هؤلاء إلا مقبول الحديث، فثلاثتهم من أهل الصدق. ومن أمثلة من اتفقا على ترك الرواية عنهم، وهي كثيرة: أشعث بن سوار (٤)، ورباح بن أبي معروف (٥)، ومحمد بن راشد المكحولي (٦)، والمثنى بن الصباح (٧)، ومسلم بن كيسان الأعور (٨)، وهؤلاء لم يبلغ حديثهم الترك عند سائر الأئمة، بل هم موصوفون بالصدق في الجملة، لكن لا يحتج بهم، إنما يكتب حديثهم للاعتبار، وبعضهم أضعف من بعض والأخيران أضعفهم. والصلت بن دينار (٩)، وعمرو بن عبيد المعتزلي (١٠)، ومحمد بن عبيد الله العرزمي (١١)، وإبراهيم بن يزيد الخوزي (١٢)، والحسن بن دينار (١٣)، ونصر بن طريف أبو جزي (١٤)، وأبان بن أبي عياش (١٥)، هؤلاء متروكون، بل بعضهم معروف بوضع الحديث.

стр. 607

ومن أمثلة من افترقا فيهم فروى عنهم يحيى وتركهم ابن مهدي: قابوس بن أبي ظبيان (١)، وأبو صالح باذام مولى أم هانئ (٢). وممن روى عنهم ابن مهدي وتركهم يحيى: الحسن بن أبي جعفر (٣)، وحبيب المعلم (٤)، وحرب بن شداد (٥)، والرَّبيع بن صبيح البصري (٦)، وعمران بن داور القطان (٧). والراجح في جميع هؤلاء من روى عنهم يحيى أو ابن مهديِّ الصدق في حديثهم، وقبول رواياتهم، منهم احتجاجاً ومنهم اعتباراً، وليس يلحق واحد منهم بالمتروكين. قال الترمذي بعد أن نقل عن ابن المديني أسماء بعض الرواة ترك الرواية عنهم يحيى القطان: " وإن كان يحيى بن سعيد القطان قد ترك الرواية عن هؤلاء، فلم يترك الرواية عنهم أنه اتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال حفظهم. . وقد حدث عن هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد القطان: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من الأئمة " (٨). ونقل الليث بن عبدة عن يحيى بن معين قال: " كان ابن مهدي إذا حدث بحديث معاوية بن صالح زبره يحيى بن سعيد، وقال: أيش هذه الأحاديث؟ وكان ابن مهدي لا يبالي عمن روى، ويحيى ثقة في حديثه " (٩).

стр. 608

قلت: لا يقبل من يحيى هذا الإطلاق في حق ابن مهدي. وقد ذكرت في (صفة الناقد) ما روي عن ابن المديني قال: " إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن؛ لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد " (١). وإذ قال ابن معين هذه العبارة المشعرة بتساهل ابن مهدي وأشار إلى تقديم القطان عليه، فإنه أيضاً قال في موضع آخر: " كان يحيى بن سعيد القطان لا يروي عن إسرائيل، ولا شريك، وكان يستضعف عاصماً الأحوال، وكان يروي عمن هو دونه: مجالد " (٢). وإنما كان ابن معين يتشدد، بل هو معروف بذلك، كما بينته في غير موضع. وفي الجملة: فهذا جرح غير مفسر السبب، وربما كان مرجع التارك إلى علة لا تكون جرحاً قادحاً. كما وقع من عبد الله بن المبارك، وكان من أئمة النقاد، وقد اعتدَّ أهل العلم بتركه فيمن ترك، وبروايته فيمن روى عنهم، كان ربما ترك الراوي فأعاد السَّبب إلى أنه اقتدى ببعض من يثق به في هذا العلم، وليس من أجل علة بينة بنى عليها تركه، كما قال عبد العزيز بن أبي رزمة (وكان ثقة): جلس ابن المبارك بالبصرة مع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، وذكر قوماً من أهل الحديث، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، لم تركت الحسن بن دينار؟ قال: " تركه إخواننا هؤلاء " (٣).

стр. 609

وقال فيه ابن المبارك أيضاً: " اللهم إني لا أعلم إلا خيراً، ولكنَّ أصحابي وقفوا فوقفت " (١). ٤٠ _ قولهم: (لم يحدث عنه فلان). قد تساوي " تركه فلان "، فيكون لها معناها. قال أحمد بن حنبل في (أبي الزبير محمد بن مسلم): " قد روى عنه قوم واحتملوه، روى عنه أيوب وغير واحد، إلا أن شعبة لم يحدث عنه " (٢). ولم يحدث مالك بن أنس عن جماعة من أهل المدينة، وقد قال علي بن المديني: " كلَّ مدني لم يحدث عنه مالك ففي حديثه شيء، ولا أعلم مالكاً ترك إنساناً إلا إنساناً في حديثه شيء " (٣). وقال أبو حاتم الرازي: " إذا رأيت الرجل لا يروي عنه الثوري " وأراه قال: " وشعبة، وقد أدركاه، فما ظنك به؟ " (٤). وقال عمرو بن علي الفلاس: سألت عبد الرحمن _ يعني ابن مهدي _ عن حديث (عمرو بن ثابت) فأبى أن يحدث عنه، وقال: " لو كنت محدثاً عنه، لحدثت بحديث أبيه عن سعيد بن جبير في التفسير " (٥). قال أبو حاتم الرازي في (القاسم بن محمد بن أبي شيبة): " كتبت عنه، وتركت حديثه "، وقال أبو زرعة: " كتبت عنه ولم أحدث عنه بشيء " (٦).

стр. 610

ويراد بها أيضاً أنه لم يتهيأ له السماع منه، فلذلك لم يكتب عنه شيئاً، وليست جرحاً أصلاً. مثاله: قال أبو الحسن الميموني لأحمد بن حنبل وقد ذكر له دخوله الرقة وسماعه من بعض أهلها: فكيف لم تكتب عن عبد الله بن جعفر (يعني الرقي)؟ فقال: " ما كان عبد الله بن جعفر تلك الأيام يذكر "، قلت: فقد أتيتها بعد ذاك، فكيف لم تكتب عنه؟ قال: " لم أكتب عنه "، قلت: تركته من علة؟ قال: " لا، ولكن لم أكتب عنه شيئاً " (١). كذلك كقول أبي حاتم الرازي في (عبيد بن جناد الحلبي): " صدوق، لم أكتب عنه " (٢). وقول أبي زرعة الرازي في (عبد الله بن الجهم الرازي): " كان صدوقاً، رأيته ولم أكتب عنه " (٣). ٤١ _ قولهم: (سكتوا عنه). هي عبارة محالة، خبر من قائلها عن غيره، لا ينشئ بها شيئاً من جهته. فهي بمنزلة قول الناقد وقد اطلع على كلام غيره من أهل الحديث: (تكلموا فيه)، أو (طعنوا عليه)، ودلَّ الاستقراء لحال من قيلت فيه أنها مساوية لإخبار الناقد عن غيره بقوله: (تركوه). لذا فهي من عبارات الجرح المجملة، ولولا دلالة الاستقراء لكانت في جملة ما لا يصح الاعتماد عليه في جرح الرواة حتى يوقف على تفسيره. وقد عرف استعمالها عن البخاري، وندرت جداً عن غيره، كأبي حاتم الرازي وأبي زرعة ومسلم بن الحجاج.

стр. 611

ولا يعاب استعمالها منهم فيمن قالوها فيه، إلا قول البخاري في (أبي حنيفة النعمان بن ثابت الإمام الفقيه): " سكتوا عنه، وعن رأيه، وعن حديثه " (١). فهذه حكاية من البخاري عن أهل الحديث، ومن تأمَّل فاحصاً منصفاً متبرئاً من العصبية وجد هذا القول خطأ، وذلك _ بإيجاز _ من جهتين: الأولى: دلالة الاستقراء على أن أهل الحديث قد اختلفت عباراتهم في أبي حنيفة، بين معدِّل وجارح، علماً أن الجرح عند من جرح لم يفسر بسبب حديثه، فكيف سكتوا عنه , وفيهم من أثنى عليه وأطراه ورفع من شأنه. والثانية: أن عبارات الجارحين وقع فيها من المبالغة والتَّهويل، وذلك بسبب الشِّقاق الذي كان بين أهل الرأي وأهل الحديث في تلك الفترة، علماً بأن كثيراً من تلك الأقاويل لا تصح نسبتها إلى من عزيت إليه. وأبو حنيفة شغله الفقه عن الحديث، ولعله لو اشتغل به اشتغال كثير من أهل زمانه، لم يمكن مما مُكِّن فيه من الفقه، ومع ذلك فإنه قد روى وحدث، نعم، ليس بالكثير على التحقيق؛ للعلة التي ذكرنا، وهي انصرافه إلى فقه النصوص دون روايتها. ٤٢ _ ومن عباراتهم في الجرح: قياس المجروح بالمجروح. من مسالك نقاد النقلة أن يستدل لبيان حال الراوي بقياسه براو هو أظهر في حاله، فإذا أردت الوقوف على قدر الجرح في مراد الناقد لزمك النظر في رأيه في المقيس عليه، فإذا لم تجد له فيه نصاً مفسراً، نظرت تفسيره في كلام غيره من النُّقَّاد، ومن أمثلته: قول أحمد بن حنبل في (مطر بن طهمان الورَّاق): " كان يحيى بن

стр. 612

سعيد (يعني القطان) يشبه مطر الورَّاق بابن أبي ليلى " يعني في سوء الحفظ (١). ويبيِّن هذا قول أحمد بن حنبل في (ابن أبي ليلى): " كان سيئ الحفظ، مضطرب الحديث، وكان فقه ابن أبي ليلى أحبَّ إلينا من حديثه، حديثه فيه اضطراب " (٢). ومن مثاله أيضاً: قول أحمد في (سليمان بن داود الشَّاذ كونيِّ): " هو من نحو عبد الله بن سلمة الأفطس "، لكن هذا فسَّره أبو بكر الأثرم بقوله: يعني الكذب (٣). قلت: وليس كما قال، ولم يكن ذلك وجه المشابهة، وذلك أنك إذا عدت إلى النظر في حال (الأفطس) في رأي أحمد وغيره لم تجد أحداً اتَّهمه بالكذب، إنما كان متروكاً عند أحمد وغيره لأمر آخر، هو سوء الخلق، قال أحمد: " كان سيئ الخلق، وتركنا حديثه وتركه الناس " (٤)، وكانت بينه وبين يحيى بن سعيد القطَّان خصومة، فتحدى يحيى وتكلم فيه يحيى، وعلى قاعدة ترك الكلام في الأقران إذا علم أن الشُّبهة قامت دون اعتبار ذلك الجرح، فاعتماد قول يحيى فيه محل نظر. فالرجل لم يترك في التحقيق من أجل كذب، إلا ما يوحيه بعض قول يحيى فيه، وهو قابل للتأويل أيضاً، إنما الأمر كما قال أحمد: " كان خبيث اللسان " (٥)، وقال أبو زرعة الرازي: " صدوق، ولكنه كان يتكلم

стр. 613

في عبد الواحد بن زياد ويحيى القطان " (١)، وقال أيضاً: " إنما قيل فيه من أجل لسانه " (٢). وعلى هذا فتفسير أبي بكر الأثرم لقياس أحمد للشَّاذ كونيِّ على الأفطس بأنه في الكذب، تفسير غير مسلِّم، وإنما ينبغي حمله على موضع اتفاق بين الرجلين، والذي كان في الشَّاذ كونِّي مما يشبه ما كان في الأفطس هو سوء خلق ذكر به الشَّاذ كونِّي أيضاً، أما الكذب فابن الشَّاذ كونيِّ أظهر فيه من أن يقاس بالأفطس. وقال أبو حاتم الرازي فيه (عبد العزيز بن حصين بن الترجمان المروزي): " ليس بقوي، منكر الحديث، وهو في الضعف مثل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم " (٣). وقد قال أبو حاتم في (ابن أسلم): " ليس بقوي في الحديث، كان في نفسه صالحاً، وفي الحديث واهياً، ضعفه علي بن المديني جداً " (٤). فعبد العزيز عند أبي حاتم واهي الحديث ضعيف جداً كذلك. وقال أبو حاتم في (عقبة بن علقمة أبي الجنوب اليشكري): " ضعيف الحديث، وهو مثل أصبغ بن نُباتة وأبي سعيد عقيصاً متقاربين في الضعف، ولا يشتغل بهم " (٥). وقال في (أصبغ): "لين الحديث " قال ابنه: وعقيصا؟ فقال: " بابتهم، غير أن أصبغ أشبه " (٦).

стр. 614

ولم ينقل ابنه عنه في (عقيصا) شيئاً، فإذا وازنت أمر الثلاثة في رأي أبي حاتم وجدت رأيه لم يبلغ بهم الترك وإن كان قال: " لا يشتغل بهم "، فهذه العبارة ليست صريحة في الترك، لذلك تجد عبارة أبي حاتم بين (ضعيف الحديث) و (لين الحديث)، وقوله: " أصبغ أشبه " كأنه يقول: في حديثه ما قد يعتبر به. وحاصل هذا النوع من ألفاظ الجرح: اللِّحاق بألفاظ الجرح المجمل، حتى يوقف على معناه بالتَّتبُّع والنظر والتَّحري. تنبيهات: الأول: لم أذكر ألفاظ الوصف بالكذب ووضع الحديث، لظهورها واستغنائها باللفظ عن التفسير. الثاني: وقولهم: (يسرق الحديث) فسرتها في (تفسير الجرح) بتفصيل أمثلتها، كذلك لم أذكر تفسير (مجهول)، و (لا أعرفه) وما في معناها؛ لكوني استوعبته في (تفسير الجهالة). الثالث: سائر العبارات المحالة في صيغتها على الغير كقولهم: (فيه مقال)، و: (تكلموا فيه)، و: (ضعفوه)، و: (ضعِّف)، و: (تركوه)، و: (تُرِك)، وشبهها، أعرضت عن ذكرها، وإن كثرت عند المتأخرين، لأن إجمال القول فيها: كُلُها من الجرح الذي لا يقبل ولا يعوَّل عليه حتى يوقف على فاعل القول فيه، فإن تحقَّق وجب تمييز ما يرجع إليه من تفسير أو إجمال.

стр. 615

الباب الثالث النقد الخفي

стр. 616

الفصل الأول المراد بالنقد الخفِيِّ وبيان منزلته وتعيينُ محلَّه

стр. 617

المبحث الأول: معنى النقد الخفي مقصودنا بالنَّقد الخفي: استكشاف العلل الخفية في الأحاديث التي ظاهرها السلامة من العلل، وذلك أن الحديث يستجمع شروط القبول: من اتصال الإسناد، وعدالة الرواة، وضبطهم، فَيُحْكم عليه ظاهراً بالقول: (إسناده صحيح)، لكن يقف الناقد على سبب غير ظاهر يرد الحكم بصحة الحديث، وقد يبلغ به الحكم بالوضع. وهذا السبب الخفي، هو (العلة). وحاصل تعريفها، أنها: سبب غامض خفي، يقدح في ثبوت الحديث، وظاهره السلامة منه. ومحل (النقد الخفي): رواياتُ الثقات. والبحث عن علة الحديث مُقدم في علم الحديث على إفناء العمر في مجرد الجمع والتكثير، دون تحقيق ولا تمحيص، كما يجري عليه أكثر المتعرضين إليه. كان الإمام عبْد الرحمن بن مهدي يقول: " لأن أعرف علة الحديث هو عندي، أحبُّ إليَّ من أن أكتب عِشرين حديثاً ليس عندي " (١).

стр. 618

قلت وكيف لا؟ وكان همهم مَعرفة السُّنن للعمل بها وإرشاد الأمة، فإذا تميز له من التعليل سلامة الرواية عَلِم ما لزم بمُقتضاها، وإن تبين سُقوطها عَلِم سُقوط أثرها، وهذا ما لا يكون بمُجرّد الجَمع والتكثير. وسيأتي تحريرُ القول في لَقب (الحديث المعلل) في (القِسم الثاني) من هذا الكتاب. طريقةُ النُّقَّاد فيما يسمَّى (علّة): اعلم أن أئمة الحديث أطْلقوا لَفْظَ (العلَّة) على ما هو أعم من الخفية في الإسناد الجامع في الظاهر لشروط القبول، فأطلقوا اللفظ على: الظاهرة، والخفية، كما أطلقوه من جهة أخرى على: القادحة، وغير القادحة، على ما سأذكره. و (العلة الخفية) واردة في تحقيق أهل هذه الصنعة في الإسناد، وواردة في المتن، خلافاً لما شوش به طائفة ممن تعرض لنقد السنة من المعاصرين من المستشرقين ومن تأثر بهم من المسلمين، أن المحدثين اعتنوا بنقد الإسناد دون المتن، فهذا منهم يرجع في خلاصته إلى سببين: الأول: ضعف معرفتهم بمنهج أهل الحديث، وذلك ظاهر في ضعف استقرائهم. والثاني: التأثر بطريقة المتأخرين من علماء الحديث، الذين أهمل أكثرهم اعتبار البحث عن العلل الخفية في الأحاديث، بل حكموا بتصحيح الأحاديث الكثيرة التي أعلها المتقدمون، من أجل ما أجروا عليه الحكم من مجرد اعتبار النظر إلى ظاهر الإسناد. واعلم أن (العلة) في المتن، توجب طعناً في الإسناد ولا بد، حتى وإن كان ظاهر الإسناد السلامة من العلل، فإنه لا بد أن يكون أخطأ فيه راوٍِ، أو دلس، والنقاد يبينون ممن يكون الخطأ والوهم، أو التدليس، من رواة الإسناد الثقات.

стр. 619

واعلم أنه لم يسلم من الوهم أوثق نقلة الحديث، من مثل شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وهؤلاء رءوس الحفاظ. فأحصيت لشعبة في (علل ابن أبي حاتم) الخطأ في تسعة مواضع، وللثوري في ثلاثة مواضع، وكانا يعتمدان على حفظ الصدر، والثوري أحفظ من شعبة، ولمالك الوهم في اسم بعض رواة الإسناد، ولا يكاد يذكر له وهم في الكتب إلا بَنْدرة، حتى قال في وصفه ابن حجر: " رأس المتقنين، وكبير المتثبِّتين " (١)، والعلة أنه كان يعود حفظه إلى طريقي التوثُّق: الصدر والكتاب. لكن المقصود أن تعلم أنه لم يسلم أحد من الرواة من وهم وإن ندر (٢). وفي هذا الباب تبيين هذا الأصل الأصعب تحقيقاً من شروط قبول الحديث، في استعراضه على سبيل الاقتداء والتحرير لمذاهب أهل الصنعة، كخلاصة تتبع طويل، مع التمثيل والتدليل لتقريبه، تأصيلاً لتطبيقه، وتبيين أنه ليس بسحر وكهانة كما خيَّله بعض الناس، بل علمٌ تُدرك مقدماته وتُفهم أسبابه، وتُمكن معرفته. ولا تهويل فيما قاله الحافظ أبو يعلى الخليلي: " العلة تقع للأحاديث من أنحاء شتَّى لا يمكن حصرها " (٣). فإنما هذا فيما قصد هو أن ينبه عليه من علوم الحديث، حيث تعرض لها بإيجاز في مقدمة كتابه ... " الإرشاد "، ولم يَكن ذلك محلاُّ لتتبع أسباب التعليل للأحاديث، وإلاَّ فإنَّ من دَرَسَ طريقة القَوم يتبين أن العلل في الأحاديث عنْدهم تَعود إلى أسباب مَفهومةٍ مُدْرَكة، يُمكن حصْرها وفَهمها، بل وتطبيقها.

стр. 620

نعمْ، وقع في تعليلهم رد الحديث بغير سبب مفسر، وهو قليل، لكن هذا ليس طريقاً ينبغي التعويل عليه، ولا يجوز القول برد رواية الثقة إلا بحجة قائمة؛ لما يقتضيه رد روايته من الحكم بخطئه، والأصل منع ذلك في أخبار العدول دون برهان. لك، بل ينبغي أن تجعل من تعليل الناقد لحديث معين بغير حجة مفسرة، شبهة توجب البحث عن العلة، فإن استنفدت الممكن من وسائل استكشاف العلة، وثبتت براءة الحديث منها، وجب التسليم بثبوت ذلك الحديث. * * *

стр. 621

المبحث الثاني: منزلة هذا العلم والطريق إليه هذا العلم من علوم الحديث من أشرفها وأعظمها قدراً، وهو علم لا تتهيأ المعرفة به إلا بصبر طويل، وسعة تحصيل، ودراية بمقدمات في هذا العلم تكتسب بالخبرة، ويقود إليها عمق النظرة، لا يقتصر فيه على حفظ ظاهر، بل هو بحفظ وتحقيق، اقترن فيه الأخذ بالأسباب بالتوكل الموجب للتوفيق. وهو علم تخصص، كأي تخصص، لا يجرؤ عليه من ليس من أهله إلا سقط، ولا من لم يتأهل فيه بعد إلاَّ أكثر الغلط، فتخيله إن شئت فيمن تعرض لتطبيب إنسان، وما له نصيب في دراسة طب الأبدان، أو طالب أقبل على علم الطب بالكلية، لكنه لم يكتسب من الأهلية ما يمكنه معه إجراء عملية جراحية، فهل ترى يستغرب من عاقبة استعجاله هلاك نفس بشرية؟ فعلم (علل الحديث) هو علم الطب لأبدان الأحاديث المروية، وليس الذكي فيه من شخص ظاهر العلل، فذلك باد بالحسن، وإنما الذكي من اكتشف العلل الباطنة الخفية. فلهذا، كانت معرفة هذا العلم صعبة إلا على من فتح الله عليه ومنحه من فضله، بصدق تحصيله له وسلامة قصده، مع السعي الدؤوب للبلوغ مبلغ أهله.

стр. 622

ومن هذه الجهة جاءت عن السلف عبارات تنبئ عن هذه الحقيقة، ففسرها من لم يفهم مراد أهلها بأن هذا العلم كهانة. قال علي بن المديني: جاء رجل لعبد الرحمن (يعني ابن مهدي)، فقال: يا أبا سعيد، إنك تقول للشيء: هذا صحيح، وهذا لم يثبت، فعمن تقول ذلك؟ قال عبد الرحمن: " أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا ستوق، وهذا نبهرج (١)، أكنت تسأل عمن ذلك، أو كنت تسلم الأمر إليه؟ "، قال: لا، بل كنت أسلم الأمر إليه، قال: " فهذا كذلك؛ لطول المجالسة أو المناظرة والخبرة " (٢). قلت: فانظر كيف أعاده إلى أمر مدرك: طول مجالسة لأهله، وكثرة مناظرة فيه، وخبرة مكتسبة. وكذلك انظر إلى مثله المضروب، فالصَّرَّاف يميَّز مزيَّفَ النَّقد من صحيحه، لا بصدفةٍ أو إلهام مجرد، بل بدراية ومعرفة، أكسَبَها طول الملازمة، وشُغْل الوقت في المعالجة. المبرّزون من أئمة الحديث في معرفة علله: حفَّاظ الحديث خلق كثير على مرِّ الأزمان، وإن شحَّ بهم هذا الزمان، لكنك لا تجد فيهم المتعرِّض إلى هذا الفن من فنون هذا العلم، إلا قليلاًَ، وذلك لما تقدمت الإشارة إليه، أن معرفة هذا العلم لا تقتصر على مجرد حفظ، فإذا كان في بعض من يحفظ الحديث من لا يميز علله الظاهرة وهم أكثر المعدودين في حفَّاظه، فكيف يفهم علله الباطنة؟ ولذا كان من عدَّ في العارفين به قلة في أئمة الأمة.

стр. 623

قال أبو حاتم الرازي: " الذي كان يحسن صحيح الحديث من سقيمه وعنده تمييز ذلك، ويحسن علل الحديث: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وبعدهم أبو زرعة كان يحسن ذلك " فقيل له: فغير هؤلاء تعرف اليوم أحداً؟ قال: " لا " (١) قلت: بل منهم في عصره: البخاري، ومحمد بن يحيي الذهليُّ، ثم بعدهم مسلم والترمذي، فالنسائي وهكذا، وأبو حاتم نفسه رأسٌ من رءوس أهله. فأما أحمد بن حنبل، فعنه كلام كثير منقول في هذا الباب. ويحيى بن معين، ففي بعض كتبه منثورات في علل الحديث. وعلي بن المديني، له فيه تصنيف، وصلنا بعضه، وقد قال فيه الخطيب: " كان علي بن المديني فيلسوف هذه الصنعة وطبيبها، ولسان طائفة الحديث وخطيبها " (٢). وتلميذه محمد بن إسماعيل البخاري، وله كلام كثير منثور في " تاريخيه " وحكى عنه الترمذي الكثير في مصنفه في (العلل)، بل " صحيحه " أعظم الأدلة على قوة تمكنه وكبير منزلته، فإن نقاد الحديث توالوا على تتبعه فيه ونقده في خفي علل الحديث، وما كاد يرجح فيه رأيهم على رأيه إلا في مواضع معدودة. وتلميذه مسلم بن الحجاج، وله فيه كتاب " التمييز "، وصلنا بعضه، وهو ينبئ عن تمكن ودراية، مثله الذي جعل لـ" صحيحه " التقدم حتى صار ثاني الكتب في صحيح السنة. ويعقوب بن شيبة، وقد ألف مسنداً معللا، تدل القطعة التي وصلتنا

стр. 624

منه من (مسند عمر بن الخطاب) على تبحره في معرفة هذا العلم، وذكروا أنه لم يتم ذلك الكتاب (١). وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، قدوة في معرفة هذا العلم، وكلامهما في علل الحديث كثير نافع، ضمَّنه عبد الرحمن بن أبي حاتم الكتاب الذي جمعه في ذلك عنهما. وأبو بكر البزار، وقد ضمَّن " مسنده " المعروف بـ" البحر الزَّخَّار " من علوم الحديث أنواعاً، وضرب منه بنصيب وافر في بيان علل الحديث، وإن كان مختصر العبارة فيه. وأبو عبد الرحمن النسائي، وفي كتابيه " السنن الكبرى " و " المجتبى " من بيان علل الحديث شيء كثير. وغيرهم عدد ليس بالكثير من أقرانهم من الحفاظ، وبعدهم طائفة من الكبار، هم قلة في أئمة الحديث، من أبرزهم: الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني، وكتابه " العلل الواردة في الأحاديث النبوية " الذي رواه عنه تلميذه الحافظ أبو بكر البرقاني، من أعظم هذه الكتب نفعاً، يبين عن دقة هذا العلم، وتمكن الدارقطني فيه. قال ابن كثير يبين قدر هذا الكتاب: " هو من أجل كتاب، بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، رقد أعجز من يريد أن يأتي بعده " (٢). لكن ينبغي أن تلاحظ أنه يعل بالعلل القادحة وغير القادحة، فقد توسع في ذلك.

стр. 625

هل انتهى الزمن الذي يمكن فيه تمييز العلل الخفية للأحاديث ؟. كذا قد يخيل لبعض الناس، وذلك لما رأوا في المتأخرين من ضعف المعرفة بهذا العلم، لكن إدراك أن الحاجة إليه لا زالت قائمة , يوجب أن يكون في الأمة من يفهمه، ولو عجز عنه أهل زمان فلا يعني تعذره، بل الواجب تحصيله كسائر علوم الاجتهاد، فهذا علم قام على اجتهاد النقاد، وباب الاجتهاد لا يحل لأحد غلقه، وبقاء الحاجة علة بقائه، والحاجة لمعرفة الصحيح من السقيم من الحديث لم تنته، ونقد السنن المروية لم يزل. وإذا كان يجب على الأمة أن توجد من بينها من يجتهد لها في دينها، ليميز لها الحلال من الحرام، وعلة ذلك بقاء الحوادث، أو للترجيح في الخلاف، فالسنن المروية لم يزل كثير منها مما يجتهد فيه أهل الحديث، وأكثره مما يحتاج فيه إلى الترجيح في الخلاف، فوجب أن يوجد فيها من يميز الصحيح من السقيم، ولا سبيل إليه إلا بتمييز علل الحديث. والحق أن في المتأخرين طائفة من الأئِمة تعرضوا لنقد الأحاديث بالعلل الخفية، وإن لم يكثر ذلك منهم بالنظر إلى تعرضهم له، أو بالمقارنة بكلامهم في العلل الظاهرة، منهم: الخطيب البغدادي، وابن عبد البرِّ المالكي، وأبو طاهر السلفي، وابن القطان الفاسي، وتقي الدين ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، وابن كثير الدمشقي، وابن رجب الحنبلي، وأبو الفضل العراقي، وابن حجر العسقلاني، ومحمد ناصر الدين الألباني. والمتعرضون من أهل هذا الزمان لهذا العلم كثير، لكن الشأن في أغلبهم على حد قول القائل: أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل

стр. 626

المبحث الثالث: تحديد إطار النقد الخفيِّ تقدم أن الحديث يخضع في بحث الناقد إلى إدخاله في مخبرةٍ؛ ليستكشف ما يمكن أن يكون مانعاً من القول بثبوته، وذلك يجعل الناقد يستعرض جميع ما يقف عليه مما يمكن أن يكون له تأثير ولو احتمالاً، وفيه ما تأثيره ظاهر، وفيه ما تأثيره خفي، وفيه ما يورد الشبهة. ولكوْن هذا العلم من علوم الحديث كان النقاد يتكلمون فيه دون مصطلحات مستقرة، فقد دخل بعض صوره في بعض، كما دخل فيه ما ليس منه. وتوضيح ذلك بحصر أنواع التعليل الواقع في كلامهم في صور أربع، أذكرها مبيناً ما ينبغي إدراجه تحت هذا العلم، وما يخرج عنه، إما لكونه غير مرادٍ أصلا أن يدخل في هذا الباب، بل ذكره فيه خطأٌ، وإما لكونه اندرج بعد الاصطلاح تحت باب آخر: الصورة الأولى: ما أطلق عليه مسمى (العلة) وليس من هذا الباب . وله مثالان: الأول: الحديث المنسوخ. تسمية (النسخ) علة، وقع بنَدرة في كلام بعض الأئمة، كأبي حاتم

стр. 627

الرازي (١) والترمذي ... (٢). وليس هذا من موضوع (علل الحديث)؛ إذا الناسخ والمنسوخ جميعاً صحيحا النسبة إلى النبي ﷺ ، وموضوع (علم العلل) ما لا يثبت عن النبي ﷺ من الحديث لقادح خفي. والثاني: مُشكل الحديث. وذلك في الحديث يشكل معناه، أو الحديثين يتعارضان ظاهراً، فهذا طريق لعلك لا تجد في أهل الحديث المتقدمين من أعلَّ حديثاً بمقتضاه، وإنما وقع في أزمانهم من بعض أهل البدع طعناً منهم في السنن الصحيحة بما استشكلوه من ظاهرها، أو جاءت على النقض لبدعهم، ولو ردوه إلى أهل العلم بالسنن لعلمه الذين يستنبطونه. وقد اصطفى الله تعالى رجالاً من أهل الذكر، فذَبُّوا عن السنن بدفع الإشكال بأحسن البيان، كالشافعي في " مختلف الحديث "، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار " وهو أجمع كتاب في بابه وأجله، وابن قتيبة الأديب البارع في " تأويل مختلف الحديث "، وغيرهم. والمقصود: أنَّ ما استشكل الإنسان معناه، أو ظنه معارضاً لأصل، فإنه لا يجوز له رده حتى يستيقن فساده، ويجد في نقلته من يحمل تبعته، كما كان يصنع نقاد أهل الحديث، فإنهم ردوا أحاديث بمخالفة الأصول،

стр. 628

وبينوا أن الغلط وقع فيها من بعض نقلتها، كما سأذكر بعض أمثلته في (التعليل بمخالفة القرآن)، أو (السنن المحفوظة). الصورة الثانية: ما أطلق عليه مسمى (العلة) ولا أثر له على ثبوت الحديث . وهذه الصورة وقعت في كثير من الأحاديث المعللة في كلام أئمة الحديث، ترجع عامتها إلى اختلاف الرواة في الإسناد، أو المتن. وهذا له أمثلة عديدةٌ، يأتي التنبيه عليها أثناء بيان أسباب التعليل من خلال منهج النقاد، وذِكر ما لا يتأثر بالتعليل منها، كالتعليل بمجرد التفرد، وتعليل زيادة الثقة في أحوال، وكالحديث يختلف في إسناده ثقتان، كلٌّ يأتي به على وجه، ولا علة له فوق ذلك الثقة، فإن لم يترجح الخطأ في أحدهما فهو صحيح على أي حال، إذ كيفما كان المحفوظ فيه فهو صحيح إلى منتهاه. ومما ينبغي التنبه له أمران: الأول: يعود إلى اختلاف ألفاظ المتن للحديث الواحد. فهذا إن وجدته في حديث، فليس بعلة، ما لم تتضاد تلك الألفاظ في معانيها، وذلك من أجل جواز الرواية بالمعنى بشروطه، فلا تعجل بالتعليل لهذا السبب، حتى تعدم ردَّ ذلك الاختلاف إلى معنى واحد صحيح، أو معان غير متناقضة. والثاني: إذا قام الدليل على كون المختلف فيه حديثين، فليس هذا اختلافاً في التحقيق، وعليه فليس هو بعلة. قال ابن رجب: " وعلامة ذلك: أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر، أو نقص منه، أو تغييرٌ، يُستدل به على أنه حديث آخر " (١).

стр. 629

واعتبار كونهما حديثين، ولا يُعل أحدهما بالآخر، هو على طريقة ابن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيَّين وأكثر الحفَّاظ. أما الدارقطني، فقد كان يعل الحديث بمثل هذا الاختلاف، إذا تقارب المعنى بين الحديثين، كأحاديث الصلاة على النبي ﷺ في التشهد (١) الصورة الثالثة: ما أطلق عليه مسمى (العلة)، وهو من العلل الظاهرة . وهي العلَّة العائدة إلى انقطاع ظاهر، أو مجيء الرواية من طريق مجروح، أو اشتراك اسم بين راوٍ ثقة وآخر مجروح. والطريق لتمييز هذه العلة معرفة المراسيل، وتواريخ الرواة لمعرفة الإدراك، والجرح والتعديل، والمتفق والمفترق أو مشتبه الأسماء. ومن أمثلة العلل الظاهرة: أولاً: أن يختلف ثقة ومجروح، فليس هذا من خفي العلل، إذ رواية المجروح مرجوحة ضعيفة من جهة ضعفه المتميز، وهو لو تفرَّد فهو واهٍ، فكيف به وقد خالف؟ نعم، يستثنى من ذلك اختلاف الرواية بين ثقة أو ثقات ومن هو ثقة أو صدوق في الأصل، يُلين في بعض شيوخه لا مطلقاً، إذا كان وقع الاختلاف على شيخه الذي هو فيه ضعيف، إذ هذا مما قد يخفى، إجراء على أصل ثقته، كرواية بعض الثقات من أصحاب الزهري عنه، وقد ضُعِّفوا فيه، وسأذكر له مثالاً بمخالفةٍ من هشام بن سعد لسائر أصحاب الزهريِّ، عنه. ثانياً: تعليل الحديث براوٍ غير منسوب، يشترك في إطلاقه راويان: ثقة ومجروح.

стр. 630

وذلك كرواية وكيع بن الجراح عن النضر، لا يبينه: وهو يروي عن النضر بن عربي وهو ثقة، وعن النضر الخزاز وهو ضعيف. ورواية حفص بن غياث عن أشعث عن الحسن البصري، وهو يروي عن أشعث بن عبد الملك وهو ثقة، وعن أشعث بن سوار وهو ضعيف. فهذا وإن كان فيه خفاء من أجل تعيين الراوي المهمَل، لكن ليس ذلك الخفاء علة بنفسه، واعتبار عدالة الرواة وضبطهم يوجب تمييزه، فيصار فيه إلى رواية العدل الضابط فتقبل الرواية، أو رواية المجروح فترد بالعلة الظاهرة. وجدير أن تعلم بخصوص التعليل بالعلة الظاهرة مسألتين تتصل إحداهما بالأخرى: المسألة الأولى: الإسناد فيه أكثر من مجروح، والأعلى أشد ضعفاً ممن دونه، فعلى من تُحمل النكارة في ذلك الحديث؟ والمسألة الثانية: إذا جاء المجروحون في الإسناد على نسق، فبمن تلصق النكارة؟ الجواب: إذا توالى في الإسناد أكثر من مجروح، ألصقت النكارة بأشدهم ضعفاً، إلا أن يتابع بما يقوم دليلاً على أن النكارة ليست من جهته، فيصار إلى من فوقة. قال يعقوب بن سفيان: حدثني عبيد بن إسحاق العطار الكوفي، حدثنا سيف بن عمر، قال: كنت عند سعد الإسكاف، فجاءه ابنه يبكي، فقال: ما لك؟ قال: ضربني المعلم، قال: أما لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " معلمو صبيانكم أشراركم، أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين " (١).

стр. 631

قال يعقوب: " سيف وسعد بن طريف الإسكاف، حديثهما وروايتهما ليس بشيء ". وقال ابن عديٍّ: " هذا حديث منكر موضوع، وقد اتفق في هذا الحديث ثلاثة من الضعفاء فروَوه: عبيد بن إسحاق الكوفي العطار، يلقب عطار المطلقات، ضعيف، وسيف بن عمر الضَّبِّيُّ كوفي، وسعد الإسكاف كوفي ضعيف، وهو أضعف الجماعة، فأرى والله أعلم أن البلاء من جهته ". قلت: فيعقوب أعله بمن وافق وروده في سياقه من المجروحين، دون الإبانة عمن تلصق به التهمة، أما ابن عدي فكان كلامه أبين، فإنه بين إعلاله بالثلاثة جميعاً، لكنه صار إلى إلصاق التهمة بسعد، مع الضعف دونه، من أجل كونه عنده أشدهم ضعفاً. وههنا أيضاً فائدة في التعليل بالأعلى دون الأدنى، لأنه جهة مخرج الحديث، كذلك فإنه لو وقف على متابع الأدنى _ كما يقع كثيراً في مثل هذه الأحاديث الغرائب _ بقي معلولاً بالأعلى، فإن المتابعة تتعذر على أصله، إلا أن تكون من سارق. الصورة الرابعة: ما أطلق عليه مسمى (العلة)، وهو صواب . وهي التي تقع في روايات الثقات، وفي الأسانيد التي ظاهرها الاتصال. وهذا محل العلل الخفية القادحة. قال الحاكم: " إنما يعلل الحديث من أوجهٍ ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واهٍ، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات: أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولاً " (١).

стр. 632

الفصل الثاني أسباب التَّعليل من خلال منهج النُّقَّاد

стр. 633

المبحث الأول: التعليل بالتَّفرُّد قدمت في مدخل هذا الكتاب بيان أصل ما يعود إليه معنى التفرد، وأنه يساوي الغرابة، وبينت قسمي التفرد أو الغرابة: المطلق، والنسبي وأهم الصور التي يقع عليها التفرد. كما ذكرتُ أن التفرد من حيث الجملة لا يعني ضعف الحديث فالأفراد فيها: الصحيح، والحسن، والضعيف المنكر. والأصل في تفرد الثقات القبول، لا خلاف بين أهل العلم بالحديث في ذلك، وعلى هذا بنى أصحاب الصحاح كتبهم، وعليه جرى حكم الأئمة في تصحيح أكثر الحديث. وعلى هذا جرى المبرزون من أئمة الحديث في معرفة علله، كأحمد وابن المديني والبخاري ومسلم، والرازيين، وغيرهم، يحتجون بأفراد الثقات. مثل ما قال ابن أبي حاتم الرازي: سألت أبا زرعة عن حديث رواه علي بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في قصة الغار؟ قال أبو زرعة: " لا أعلم أنه رواه غير علي بن مسهر "، قلت له: هو صحيح؟ قال: " نعم، علي بن مسهر ثقة " (١).

стр. 634

وتحرير القول في الأفراد من جهة ما يكون سالماً محفوظاً أو معلولاً، كما يلي: أولاً: تفرد الثقة بما لم يروه غيره مطلقاً، كحديث: " إنما الأعمال بالنيات " تفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري بإسناده إلى النبي ﷺ ، لم يروه غيره. فهذا التفرد صحيح محتج به، وأكثر الأحاديث الصحيحة من هذا. لكن قد يختلفون فيه لشبهة، والتحقيق امتناعها وقبوله. مثاله: ما رواه سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: " نعم الإدَامُ الخلُّ " (١). احتج به مسلم في " الصحيح "، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث هشام بن عروة إلا من حديث سليمان بن بلال ". وقال أبو عبد الله بن بطة الحنبلي: " ليس يعرف هذا الحديث من حديث عائشة إلا من هذا الطريق، ولا رواه عن هشام بن عروة غير سليمان بن بلال، وهو حديث صحيح، طريقه مستقيم، ولكن الحديث المشهور حديث جابر " (٢).

стр. 635

وقال الذهبي: " حديث صحيح غريب فرد على شرط الشيخين " (١). وممن بقي عنده هذا الحديث من الحفاظ وكان يُقصد لأجله: الحافظ عبد الله بن عبد الرحمن الدرامي، وكان يرويه عن يحيى بن حسان عن سليمان بن بلال، فقد جاء عنه أنه قال: " كان يقرع على بابي ببغداد، فأقول: من ذا؟ فيقول: يحيى بن حسان: نعم الإدَامُ الخلُّ " (٢). ولم يعرفه البخاري إلا من رواية يحيى بن حسَّان عن سليمان بن بلال، فيما نقله عنه الترمذي. والصواب أنه معروف من رواية غير واحد عن سليمان، وإنما التَّفرد به من قبل سليمان. وروي من طريق وكيع بن الجراح عن هشام بن عروة، لكنه لا يصح (٣)، وكذلك رواه أبو أويس المدني عن هشام، وأنكره أبو حاتم الرازي (٤). وقد ذهب بعض كبار النقاد إلى إنكار هذا الحديث: منهم: أحمد بن حنبل (٥). وقال أحمد بن صالح المصري، وقد سئل عن هذا الحديث، وحديث
следующие страницы →