← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1416

تحرير علوم الحديث

عبد الله الجديع

Полный текст (1 074 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

قال يعقوب: " سيف وسعد بن طريف الإسكاف، حديثهما وروايتهما ليس بشيء ". وقال ابن عديٍّ: " هذا حديث منكر موضوع، وقد اتفق في هذا الحديث ثلاثة من الضعفاء فروَوه: عبيد بن إسحاق الكوفي العطار، يلقب عطار المطلقات، ضعيف، وسيف بن عمر الضَّبِّيُّ كوفي، وسعد الإسكاف كوفي ضعيف، وهو أضعف الجماعة، فأرى والله أعلم أن البلاء من جهته ". قلت: فيعقوب أعله بمن وافق وروده في سياقه من المجروحين، دون الإبانة عمن تلصق به التهمة، أما ابن عدي فكان كلامه أبين، فإنه بين إعلاله بالثلاثة جميعاً، لكنه صار إلى إلصاق التهمة بسعد، مع الضعف دونه، من أجل كونه عنده أشدهم ضعفاً. وههنا أيضاً فائدة في التعليل بالأعلى دون الأدنى، لأنه جهة مخرج الحديث، كذلك فإنه لو وقف على متابع الأدنى _ كما يقع كثيراً في مثل هذه الأحاديث الغرائب _ بقي معلولاً بالأعلى، فإن المتابعة تتعذر على أصله، إلا أن تكون من سارق. الصورة الرابعة: ما أطلق عليه مسمى (العلة)، وهو صواب . وهي التي تقع في روايات الثقات، وفي الأسانيد التي ظاهرها الاتصال. وهذا محل العلل الخفية القادحة. قال الحاكم: " إنما يعلل الحديث من أوجهٍ ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واهٍ، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات: أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولاً " (١).

стр. 632

الفصل الثاني أسباب التَّعليل من خلال منهج النُّقَّاد

стр. 633

المبحث الأول: التعليل بالتَّفرُّد قدمت في مدخل هذا الكتاب بيان أصل ما يعود إليه معنى التفرد، وأنه يساوي الغرابة، وبينت قسمي التفرد أو الغرابة: المطلق، والنسبي وأهم الصور التي يقع عليها التفرد. كما ذكرتُ أن التفرد من حيث الجملة لا يعني ضعف الحديث فالأفراد فيها: الصحيح، والحسن، والضعيف المنكر. والأصل في تفرد الثقات القبول، لا خلاف بين أهل العلم بالحديث في ذلك، وعلى هذا بنى أصحاب الصحاح كتبهم، وعليه جرى حكم الأئمة في تصحيح أكثر الحديث. وعلى هذا جرى المبرزون من أئمة الحديث في معرفة علله، كأحمد وابن المديني والبخاري ومسلم، والرازيين، وغيرهم، يحتجون بأفراد الثقات. مثل ما قال ابن أبي حاتم الرازي: سألت أبا زرعة عن حديث رواه علي بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في قصة الغار؟ قال أبو زرعة: " لا أعلم أنه رواه غير علي بن مسهر "، قلت له: هو صحيح؟ قال: " نعم، علي بن مسهر ثقة " (١).

стр. 634

وتحرير القول في الأفراد من جهة ما يكون سالماً محفوظاً أو معلولاً، كما يلي: أولاً: تفرد الثقة بما لم يروه غيره مطلقاً، كحديث: " إنما الأعمال بالنيات " تفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري بإسناده إلى النبي ﷺ ، لم يروه غيره. فهذا التفرد صحيح محتج به، وأكثر الأحاديث الصحيحة من هذا. لكن قد يختلفون فيه لشبهة، والتحقيق امتناعها وقبوله. مثاله: ما رواه سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: " نعم الإدَامُ الخلُّ " (١). احتج به مسلم في " الصحيح "، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث هشام بن عروة إلا من حديث سليمان بن بلال ". وقال أبو عبد الله بن بطة الحنبلي: " ليس يعرف هذا الحديث من حديث عائشة إلا من هذا الطريق، ولا رواه عن هشام بن عروة غير سليمان بن بلال، وهو حديث صحيح، طريقه مستقيم، ولكن الحديث المشهور حديث جابر " (٢).

стр. 635

وقال الذهبي: " حديث صحيح غريب فرد على شرط الشيخين " (١). وممن بقي عنده هذا الحديث من الحفاظ وكان يُقصد لأجله: الحافظ عبد الله بن عبد الرحمن الدرامي، وكان يرويه عن يحيى بن حسان عن سليمان بن بلال، فقد جاء عنه أنه قال: " كان يقرع على بابي ببغداد، فأقول: من ذا؟ فيقول: يحيى بن حسان: نعم الإدَامُ الخلُّ " (٢). ولم يعرفه البخاري إلا من رواية يحيى بن حسَّان عن سليمان بن بلال، فيما نقله عنه الترمذي. والصواب أنه معروف من رواية غير واحد عن سليمان، وإنما التَّفرد به من قبل سليمان. وروي من طريق وكيع بن الجراح عن هشام بن عروة، لكنه لا يصح (٣)، وكذلك رواه أبو أويس المدني عن هشام، وأنكره أبو حاتم الرازي (٤). وقد ذهب بعض كبار النقاد إلى إنكار هذا الحديث: منهم: أحمد بن حنبل (٥). وقال أحمد بن صالح المصري، وقد سئل عن هذا الحديث، وحديث

стр. 636

آخر في فضل التمر يرويان جميعاً بنفس الإسناد: " نظرت في كتب سليمان بن بلال، فلم أجد لهذين الحديثين أصلاً، وحدثني ابن أبي أويس، قال حدثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة عن رجل من الأنصار، أن رسول الله صلى الله عليه سأل قوماً: ما إدامكم؟، قالوا: الخل، قال: نِعْمَ الإدَامُ الخلُّ " (١). وسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث بهذا الإسناد؟ فقال: " هذا حديث منكر بهذا الإسناد " (٢). قلت: سليمان بن بلال ثقة من أصحاب هشام بن عروة، ولكن عرضت الشبهة لمن أنكر روايته هذه من جهات ثلاث: أولاها: كون الحديث معروفاً من حديث جابر بن عبد الله. وثانيها: أن أحمد بن صالح لم يجده في كتب سليمان بن بلال. وثالثها: أن ابن أبي أويس رواه عن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة على غير ما رواه سليمان. وأقول: وهذه شبهات مردودة، لا يصلح بمثلها القدح على حديث الثقة. فأما روايته من حديث جابر، فتلك بإسناد لا صلة له بهذا، وإنما هو حديث مستقل، واحتج به مسلم كما احتج بحديث عائشة. وأما عدم وقوف أحمد بن صالح عليه في كتب سليمان، فلم يأتي عن سليمان أنه لم يكن يحدث إلا من كتبه، ولا أن أحمد بن صالح مع حفظه اطلع على جميع ما كان لسليمان من الأصول، على أن هذا الطعن يتوجه

стр. 637

إلى من دون سليمان، لكن له عنه طرق صحيحة لا مجال للطعن عليها في مجموعها. وأما الاعتراض عليه برواية إسماعيل بن أبي أويس، عن ابن أبي الزناد، فاعتراضٌ برواية الأدنى على الأعلى، فإسماعيل لم يكن بالمتقن مع صدقه، وابن أبي الزناد صدوق حسن الحديث لا يبلغ مبلغ سليمان في الثقة. وبهذا المثال قايس في وجوب تحرير القول فيما تدعى عليه العلة، وهو من روايات هذا الصنف من الثقات. ثانياً: تفرد الثقة من أصحاب من يدور عليهم الحديث، كتفرد حماد بن سلمة عن ثابت البناني بحديث، لا يرويه عن ثابت غير حماد، وقد يعرف عن غير ثابت. فهذا صحيح محتج به. ثالثاً: تفرد الثقة عن رجل ممن يدور عليهم الحديث، وليس ذلك الثقة من أصحاب ذلك الرجل، كتفرد معمر بن راشد عن قتادة بن دعامة السدوسي، بما لا يُعرف عند أصحاب قتادة المعروفين به، كشعبة بن الحجاج وسعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي وغيرهم فهذا محل للتعليل. كما قال مسلم بن الحجاج: " حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئاً ليس عند أصحابه، قبلت زيادته. فأما من تراه يعمد لمثل الزُّهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، ... أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث،

стр. 638

مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس " (١). رابعاً: تفرد الصدوق الذي لم يبلغ في الإتقان مبلغ الثقات، كمحمد بن عمرو بن عَلْقَمَة، وعمر بن شعيب، وأسامة بن زيد اللَّيثي، بما لم يروه غيره مطلقاً. فهذا مقبول بتحقيق ما يُطلب لحسن الحديث. خامساً: تفرد الصدوق عن شيخ له، عرف بالاعتناء بحديثه والضبط له، كتفرد عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل شقيق بن سلمة، أو عن زر بن حبيش. ومنه تفرد الصدوق المعروف بالاعتناء بحديث أهل بلده بشيء عنهم لا يرويه عنهم غيره، كتفرد إسماعيل بن عياش بحديث عن ثقة من أهل الشام. ومنه تفرده في باب اعتنائه بما لم يروه غيره من أقرانه عن شيخ مشهور، كأفراد محمد بن إسحاق فيما سمعه من شيخ ثقة في أبواب السير والمغازي؛ لاعتنائه بهذا الباب وضبطه له. سادساً: تفرد الصدوق عن مشهور من الثقات بما لا يوجد عند ثقات أصحاب ذلك المشهور، وليس لذلك الصدوق اعتناء بحديث الشيخ، كتفرد يحيى بن اليمان عن سفيان الثوري والأعمش بما لا يرويه أصحابهما عنهما. فهذا محل للتعليل، وقد يبلغ النكارة، وربما اعتبر به إذا وجد له فيمن فوق الثوري أو الأعمش مثلا ً أصل. ومن مثاله في الرواية: ما رواه محمد بن عمرو بن علقمة، قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش:

стр. 639

أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : " إذا كان دم الحيضة، فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو عرق " ... (١). قلت: هذا مما تفرد به محمد بن عمرو، وهو صدوق، ومثله لا يحتمل مثل هذا التفرد دون سائر أصحاب الزهري، بمتن لا يعرف في الباب عن غيره في جعل الفارق بين دم الحيض والاستحاضة هو اللَّونَ. ولذا قال أبو حاتم الرازي حين سأله ابنه عن هذا الحديث: " لم يتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر " (٢).

стр. 640

سابعاً: تفرد المجروح، كان تفرداً مطلقاً أو نسبياً، فهو منكر، وليس من باب علل الحديث؛ لظهور نكارته بجرح راويه (١). مسألتان متممتان لمبحث التفرد: المسألة الأولى: بين الترمذي عن أهل الحديث الأسباب التي يعود إليها وصف الحديث بالغرابة، في الصور التالية، ومنها يستفاد ما يأتي في استعمال الترمذي للفظ (الغريب) في كثير من الأحاديث في " جامعه ":

стр. 641

١ - الحديث لا يروى إلا من وجه واحد، وهو الغريب المطلق، كما يسمى الفرد المطلق. مثل: ما حدث حماد بن سلمة، عن أبي العشراء، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذَّكاةُ إلا في الحلق واللَّبَّةِ؟ فقال: " لو طعنت في فخذها أجزأ عنك ". قال الترمذي: " فهذا حديث تفرد به حماد بن سلمة عن أبي العشراء، ولا يعرف لأبي العشراء عن أبيه إلا هذا الحديث، وإن كان هذا الحديث مشهوراً عند أهل العلم، وإنما اشتهر من حديث حماد بن سلمة، لا نعرفه إلا من حديثه " (١). ٢ - الرجل من الأئمة يحدث بالحديث، لا يعرف إلا من حديثه، لكن يشتهر الحديث لكثرة من روى عنه. مثل: ما روى عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته. قال الترمذي: " لا يعرف إلا من حديث عبد الله بن دينار. رواه عنه عبيد الله بن عمر وشعبة وسفيان الثوري ومالك بن أنس وابن عيينة وغير واحد من الأئِمة "، وبين وهم من رواه عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر (٢). ٣ - الحديث يستغرب لزيادة تكون فيه. ومثل له الترمذي بزيادة مالك: " من المسلمين "، في حديث زكاة الفطر، وإن كان التحقيق أن مالكاً لم يتفرد بها (٣).

стр. 642

٤ - الحديث يروي من أوجه كثيرة، وإنما يستغرب لحال الإسناد. مثل: ما رواه شبابة بن سوار، قال: حدثنا شعبة، عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر، أن النبي ﷺ نهى عن الدُّباء والمز فَّت. أسنده الترمذي، وقال: " هذا حديث غريب من قبل إسناده، لا نعلم أحد حدث به عن شعبة غير شبابة. وقد روى عن النبي ﷺ من أوجه كثيرة: أنه نهى أن ينتبذ في الدُّبَاءِ والمُزَفَّتْ. وحديث شبابة إنما يستغرب لأنه تفرد عن شعبة. وقد روى شعبة وسفيان الثوري بهذا الإسناد عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر عن النبي ﷺ أنه قال: الحج عرفة. فهذا الحديث المعروف أصح عند أهل الحديث بهذا ... الإسناد " (١). والمسألة الثانية: وقوع التفرد من الثقات المكثرين بعد انتشار التدوين، قليل بالنظر إلى مجموع ما يرويه أحدهم. قال الذهبي بعد ذكره طبقات كبار الحفاظ إلى زمانه: " فهؤلاء الحفاظ الثقات إذا انفرد الرجل منهم من التابعين فحديثه صحيح، وإن كان من الأتباع قيل: صحيح غريب، وإن كان من أصحاب الأتباع قيل: غريب فرد، ويندر تفردهم، فتجد الإمام منهم عنده مِئَتا ألف حديث، لا يكاد ينفرد بحديثين ثلاثة " (٢). * * *

стр. 643

المبحث الثاني: التعليل بالزيادة صورتها: أن يروي جماعة من الثقات حديثاً واحد بإسناد واحد ومتن واحد، فيزيد بعض الرواة الثقات فيه زيادة لم يذكرها سائرهم (١). وعليه: فيخرج الحديث الفرد يرويه الثقة لا يشاركه فيه غيره، فإنه وإن كان زاد علماً لم يأت به سواه لكنه انفصل به عن غيره، فلم يشاركوه في أصله، وليس مما عنوا به كما عني به، ومقتضى ثقته قبول ما حفظه من العلم فتقبل أفراده ابتداء ما لم يقم دليل على غلطه. وأما لو شارك غيره في الرواية، ثم أتى بما لم يأت به غيره فيها، فذلك المقصود بزيادة الثقة. والقول في زيادات الثقات يتحرر ببيان أصلين:

стр. 644

الأصل الأول: محل وقوع زيادات الثقات . يتبين من التعريف المتقدم لزيادة الثقة أنها تقع في الإسناد، وتقع في المتن. وصورها محصورة في خمس، ثلاث في الإسناد: وصل مرسل، ورفع موقوف أو مقطوع، والزيادة خلال الإسناد، ومنه: المزيد في متصل الأسانيد، وواحدة في المتن، وهي زيادة الكلمة، أو الجملة أو أكثر، ومشتركة بينهما، وهي: الإدراج، وهذا بيانها: أولاً: وصل المرسل . والمقصود بالمرسل هنا: ما رفعه التابعي فقط، لأننا احترزنا بما ذكرنا من الزيادة خلال الإسناد عن وصل المنقطع، وسيأتي. ومثاله، قال أبو يعلي الخليلي: " حدثني رواه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، وهو ثقة إمام، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة. هذا مما يتفرد به أبو عاصم مسنداً مجوداً. والناقلون رووه عن مالك عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة مرسلاً، عن النبي ﷺ ليس فيه أبو هريرة. وتابع على ذلك أبا عاصم عبد الملك بن الماجشون، ويحيى بن أبي قتيلة من أهل مصر، وليسا بذاك. وقال أهل البصرة لأبي عاصم: خالفك أصحاب مالك في هذا، فقال: حدثنا به مالك بمكة، وأبو جعفر المنصور بها، هاتوا من سمع معي. ورواه معمر بن راشد عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي ﷺ .

стр. 645

وهو المحفوظ المخرج في صحيح البخاري وغيره " (١). ثانياً: رفع الموقوف . مثاله: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: " لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه ". رواه قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو. واختلف عنه: فرواه هشام الدستوائي، فقال: عن قتادة عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو، قوله موقوفاً. ذكره العقيلي (٢) معلقاً دون إسناد، وأتبعه بقوله: " وهذا أولى " يعني من المرفوع الآتي. ورواه شعبة وغيره عن قتادة، واختلف على شعبة فيه وقفاً ورفعاً: فرواه يحيى بن سعيد القطان، وهو من أتقن الناس، ومحمد بن جعفر غندر، وهو من متقني أصحاب شعبة، وعمرو بن مرزوق، وهو ثقة، ثلاثتهم عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو، قوله، ولم يرفعه إلى النبي ﷺ . وتابع الثلاثة: عبد الله بن المبارك، ومعاذ بن هشام، عن شعبة، بإسناده إلى عبد الله بن عمرو، لكن زادا: عن النبي ﷺ ، فرفعاه. رواه عن ابن المبارك من ثقات أصحابه: أحمد بن جميل، ويعمر بن بشر وهو صحيح عنه، وكذلك هو جيد الإسناد إلى معاذ بن هشام. وابن المبارك شيخ الإسلام، الحافظ المتقن الإمام، أتى عن شعبة بما

стр. 646

لم يأت به يحيى بن سعيد القطان وهشام الدستوائي ومحمد بن جعفر، فحفظ من العلم عليهم زيادة، وافقه عليها عن شعبة: معاذ، وهو صدوق جيد الحديث. وجزم أبو علي النيسابوري بترجيح الوقف، وتردد تلميذه الحاكم، وجزم تلميذه البيهقي بموافقة أبي علي. ولو نظرت إلى ما أتى به ابن المبارك وحده عن شعبة لما جاز على الأصول رده، لإتقانه وحفظه، فكيف وقد وافقه غيره عن شعبة؟ ثم كيف وأن عامة أصحاب قتادة عدا ما ذكره العقيلي عن هشام الدستوائي، يروونه عن قتادة مرفوعاً؟ كذلك قال: سعيد بن أبي عروبة، وهمام بن يحيى، وعمران بن داور القطان، وعمر بن إبراهيم العبدي، رووه جميعاً عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا بنظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه ". وسعيد من أتقن أصحاب قتادة قبل أن يختلط، وهذا رواه عنه سرار بن مجشر، ونص النسائي على تقديمه فيه، لكونه روى عنه قبل الاختلاط. وهمام من ثقات أصحاب قتادة. وعمران صدوق حسن الحديث، وهو في المتابعات أحسن، والإسناد إليه حسن. وعمر صدوق، لكنه لم يكن متقناً لحديث قتادة، كان يخالف فيه، غير أنه ههنا جاءت روايته على الوفاق لرواية ثلاثة من ثقات أصحاب قتادة فلم يخالف ولم يتفرد، وذلك من طريقين صحيحين عنه، وخالف في رواية جاءت من طريق ابنه الخليل عنه، وهي ضعيفة، ذكر فيها (الحسن) بدل (سعيد بن المسيب).

стр. 647

وحاصل هذا: أن الرفع زيادة في رواية هذا الحديث، جاءت من طريق خمسة من أصحاب قتادة: سعيد، وهمام، وعمران القطان، وعمر بن إبراهيم، والخامس شعبة، ولم يبق يقابل ذلك في النقص، سوى رواية هشام الدستوائي عن قتادة، فإن صحت فقد قصر فيها هشام، وحفظ الزيادة عن قتادة غيره من أصحابه، وقد اجتمع فيهم الضبط والعدد (١). ثالثاً: الزيادة خلال الإسناد . وهي غير ما يدرجه بعض الرواة من تفسير راوٍ مهمل، أو الزيادة في اسمه ونسبه، أو بيان درجته في الرواية، أو شبه ذلك. وإنما هي واقعة على صور ثلاث: الصورة الأولى: زيادة راوٍ خلال الإسناد في موضع عنعنة . لم يأت ذكره في رواية أخرى للحديث، فتكشف انقطاعاً في الإسناد الناقص، لم يكن ليظهر لولا تلك الزيادة. مثاله: ما أخرجه أحمد بن حنبل، قال: حدثنا إسماعيل، حدثنا أبو هارون الغنوي، عن مطرف، قال: قال لي عمران بن حصين: أي مطرف، والله إن كنت لأرى أني لو شئت حدثت عن نبي الله ﷺ يومين متتابعين لا أعيد حديثاً، ثم لقد زادني بطأً عن ذلك وكراهية له: أن رجالاً من أصحاب محمد ﷺ ، أو من بعض أصحاب محمد ﷺ , شهدت كما شهدوا، وسمعت كما سمعوا، يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، ولقد علمت أنهم لا يألون عن الخير، فأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم، فكان أحيانا ً يقول: لو حدثتكم أني سمعت من نبي الله ﷺ كذا وكذا رأيت أني قد صدقت، وأحياناً يعزم فيقول: سمعت نبي الله ﷺ يقول كذا وكذا.

стр. 648

قلت: فهذا الحديث ظاهر إسناده الاتصال والسلامة من العلة، ورواته جميعاً ثقات (١). لكن كشف بشر بن المفضل عن علته، فقال: عن أبي هارون الغنوي، قال حدثني هانئ الأعور، عن مطرِّف، عن عمران بن حصين. حدث به عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني نصر بن علي، حدثنا بشر، به. قال عبد الله: فحدثت به أبي، فاستحسنه، وقال: زاد فيه رجلاً (٢). قلت: فبينت رواية بشر أن الرواية الأولى كانت منقطعة، ونظرنا من بعد إلى حلقة الوصل هانئاً هذا فوجدناها لينة، لا تقوم معها رواية الحديث. وزيادة بشر محفوظة، لكونه ثقة ضابطاً. واعلم أن الزيادة قد تكون مرجوحة شاذة، وذلك مثل ما رواه زهير بن معاوية، عن حميد الطويل، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: لبَّى رسول الله ﷺ بالعمرة والحج معاً، فقال: " لبيك بعمرة وحجة ". قال البخاري: " هذا خطأ، أصحاب حميد يقولون: عن حميد سمع أنساً " (٣). هشيم بن بشير (٤)، ويحيى بن سعيد القطان (٥)،

стр. 649

وسفيان بن عيينة (١)، ذكروا جميعاً عن حميد سمع أنساً. كما رواه غيرهم ما يزيد على ستة عشر نفساً من أصحاب حميد، عنه، لم يذكروا واسطة بينه وبين أنس، بما يأتي على رواية من ذكر السماع (٢). فشذ زهير بن معاوية مع حفظه وإتقانه؛ لأن اتفاق جميع أصحاب حميد على ترك ما ذكره، وتأكيد ذلك بذكر السماع ممن ذكره، لا يقوم معه بعد احتمال أنه يكون من قبيل (المزيد في متصل الأسانيد) الآتي ذكره. الصورة الثانية: المزيد في متصل الأسانيد . وهو الإسناد الصحيح الذي اتصل برواية العدل عن العدل بما لا يحتمل انقطاعاً، يأتي من وجه آخر صحيح يكون بعض رواته تلقى بواسطة

стр. 650

عن شيخه في السند الأول، ولا يكون من باب الاختلاف الذي يدخله الترجيح، والذي يقال فيه: المحفوظ إحدى الروايتين والأخرى وهم. وشرحت مثال هذه الصورة في مبحث (الشاذ). و الصورة الثالثة: زيادة ذكر التحديث والسماع بدل العنعنة . وهذا كثير في الأسانيد، خصوصاً لما بينا في الكلام على العنعنة أنهم كانوا يتخففون بذكرها عن سياق ألفاظ السماع، ولا ريب أن حفظها زيادة تدفع الشبهة عن حديث الموصوف بالتدليس من الثقات، بل تنفي على أي حال شبهة الانقطاع. وقبولها مشروط إضافة إلى كون الراوي الحافظ لها ثقة بأن يصح الإسناد إليه، وأن يسلم ذلك من المعارض الراجح، فقد تقوم الحجة على وهم الثقة في ذكر السماع (١). والصور المتقدمة كان السلف من أئمة هذا العلم يعتنون بتمييزها وحفظها، ويعيبون على من يقع له الحديث على وجهين: ظاهر الاتصال في أحدهما، ومنقطع في الآخر، فيحدث بما ظاهره الاتصال دون المنقطع. كما قال الميموني: تعجب إلي أبو عبد الله _ يعني أحمد بن حنبل _ ممن يكتب الإسناد ويدع المنقطع، ثم قال: " وربما كان المنقطع أقوى إسناداً وأكبر "، قلت: بينه لي، كيف؟ قال: " يكتب الإسناد متصلاً وهو ضعيف، ويكون المنقطع أقوى إسناداً منه، وهو يرفعه ثم يسنده، وقد كتبه هو على أنه متصل، وهو يزعم أنه لا يكتب إلا ما جاء عن النبي ﷺ "، معناه: لو كتب الإسنادين جميعاً عرف المتصل من المنقطع، يعني: ضعف ذا، وقوة ذا (٢).

стр. 651

رابعاً: الزيادة في متن الحديث . وهي ما يقع في ألفاظ متن الحديث الواحد المتحد في أصله، كحديث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، من مفردة، أو مفردات، أو جملة، أو مقطع، أو قصة، أو ما يزيد حتى يبلغ أن يكون بمنزلة حديث آخر. وهو كثير في الأحاديث، ويمكن أن يستفاد بعض مثاله مما بينته من مثال لفوائد المستخرجات على " الصحيحين "، وما يقع فيها من زيادات الرواة في المتون. وربما كان تمام الحديث بتلك الزيادة، ومن لم يذكرها اختصره، ففوت باختصاره ما قد يدل عليه من العلم أصل سياقه. وقد اعتنى به جماعة من فقهاء المحدثين، كأبي داود السجستاني في " السنن "، وأبي بكر النيسابوري في " الزيادات على كتاب المزني "، والبيهقي في " السنن ". وجمع ألفاظ الحديث، وتبيين ما يزيد الثقات في متنه على بعضهم يحرر أصول كثير من الأحاديث، وربما أبان عن معنى يتحصل بتلك الزيادة، أو بتمام السياق لم يكن ليحصل بدونه. بل في اختلاف الفقهاء مسائل كثيرة يعود سبب اختلافهم فيها إلى هذا المعنى كاختلافهم في كفارة المواقع في رمضان، وهل هي لإفطاره بأي سبب، أو لإفطاره بالمواقعة خاصة، وحكم القضاء له، أو عدمه، وكاختلافهم في صفة القعود للتشهد من صلاة الصبح بالتورك أو الافتراش، لما جاء به الرواة لحديث أبي حميد السَّاعديِّ في صفة الصلاة اختصاراً وتماماً، وغير ذلك. ومن مثاله الذي يتنازع أئمة الحديث قبوله: زيادة " وإذا قرأ فأنصتوا " في حديثي أبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، من قبل بعض الثقات في حديث كل منهما عن النبي ﷺ : " إنما جعل الإمام ليؤتم به "، وهو حديث معروف الصحة، سوى هذه الزيادة، فقد اختلفوا فيها قبولاً وردا.

стр. 652

وقد أورد مسلم الحديث بها في " صحيحه " (١) من حديث أبي موسى، ولم يبال بما قاله غيره من تفرد سليمان التيمي بها عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى، من أجل ما عرف من إتقان التيمي. بينما أحجم مسلم أن يسوق الحديث بها في " صحيحه " من حديث أبي هريرة مع حكمه بصحته، من أجل شدة إنكارهم لها على محمد بن عجلان، إذ تفرد بها عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال إبراهيم بن سفيان راوي " الصحيح " عن مسلم: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث (٢)، فقال مسلم: " تريدُ أحفظ من سليمان؟ "، فقال أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: " هو عندي صحيح "، فقال: لِمَ لم تضعه ههنا؟ قال: "ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه (٣). تنبيه: ربما أطلق بعض العلماء عبارة: (زيادة الثقة) على ما يأتي به الصحابي من العلم في حديث يشاركه فيه صحابي آخر عن النبي ﷺ ، لكن هذا الآخر لا يذكر تلك الزيادة في حديثه. مثل ما وقع في حديث عبد الله بن مغفل في غسل الإناء من ولوغ الكلب: " وعفروه الثامنة بالتراب"، فجعل غسلة التراب غير الغسلات السبع، وأبو هريرة حين روى ذلك جعل غسلة التراب من السبع، قال البيهقي: " أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، فروايته أولى "، فتعقبه الناقد ابن

стр. 653

التركماني الحنفي فقال: " بل رواية ابن مغفل أولى؛ لأنه زاد الغسلة الثامنة، والزيادة مقبولة، خصوصاً من مثله " (١). وصاغ ذلك ابن حجر بصيغة أخرى، فقال: " هي زيادة ثقة، فيتعين المصير إليها " (٢). وكذلك وقع في كلام طائفة من العلماء (٣). وهذا من جهة الاصطلاح واسع، لكنه ليس المراد بكلامهم في زيادات الثقات عادة، وإنما يعنون بها زيادات الرواة الثقات فيمن دون الصحابي أصل الحديث، على اعتبار أن رواية الصحابي حديث مستقل لذاتة، بخلاف ما تتفرع به الأسانيد منه، فإنها جميعاً تنتهي إليه (٤). وكما يكون ذلك في الزيادة يكون كذلك في الموافقة والمخالفة، ففي الموافقة فكل منهما شاهد لحديث الآخر، وفي المخالفة يتبع طريق النظر في مشكل الحديث. غير أنك لو استعملت هذه العبارة فقلت: (زيادة ثقة) فيما اتحدت فيه القصة مما يحدث به الصحابيان فأكثر يزيد بعضهم على بعض، فليس في ذلك من حرج، وإنما المقصود التنبيه على طريقة القوم.

стр. 654

خامساً: الإدراج . ويقع في الإسناد والمتن. ولوقوعه في روايات الثقات صور ثلاث: الصورة الأولى: أن يكون وهماً من الثقة، وهو أن يدخل حديثاً في حديث، كأن يسوق إسناداً، ثم يدخل عليه متناً مروياً بإسناد آخر، وهذا أكثر ما يدخل من صور الإدراج تحت (علل الحديث)، وسيأتي مثاله في (التعليل بالغلط). الصورة الثانية: أن يقع الحديث للراوي بإسنادين أو أكثر، ربما اختلفت وصلاً وإرسالاً، أو تفاوتت فيما بينها في المتن زيادة ونقصاً، فيحمل رواية بعضهم على بعض، ولا يبين حديث هذا من حديث هذا. وادعي أنه ربما فعله سفيان بن عيينة، ولم أقف له على مثال، وعيب على محمد بن إسحاق (١). ومثله قادح في الحديث، تعل به الرواية. وكان الزهري يجمع بين الروايات المسندة من روايات الثقات من شيوخه، ويحمل ألفاظ بعضهم على بعض. كما قال في سياقه لقصة حديث الإفك: " أخبرني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة، زوج النبي ﷺ ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصاً (٢)، وقد وعيت عن كل واحد منهم

стр. 655

الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضاً، ذكروا أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت " الحديث (١). قال القاضي عياض: " هو مما انتقد قديماً على الزهري؛ لجمعه الحديث عنهم، وإنما عند كل واحد منهم بعضه، وقيل: كان الأولى أن يذكر حديث كل واحد منهم بجهته، ولا درك (٢) على الزهري في شيء منه؛ لأنه قد بين ذلك في حديثه، والكل ثقات أئمة لا مطعن فيهم، فقد علم صحة الحديث، ووثق كل لفظة منه، إذ هي أحد هؤلاء الأربعة الأقطاب عن عائشة " (٣). وحين حدث محمد بن إسحاق بهذا الحديث عن الزهري، ذكر عنه هذا التلفيق وزاد، فقال عن الزهري: " كل قد حدثني بعض هذا الحديث، وبعض القوم كان أوعى له من بعض، وقد جمعت لك الذي حدثني القوم "، قال محمد بن إسحاق: " وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، وعبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، عن نفسها، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعاً، يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه، وكل كان عنها ثقة، فكلهم حدث عنها ما سمع " (٤). قلت: فمثل هذا لا يعل بمثل هذا التصرف؛ لكونه متصلاً، ويعود في جملته إلى رواية الثقات، وإن كان خلاف الأولى. وإنما يكون قادحاً معللاً لو كان بعض تلك الطرق مرسلة أو ضعيفة. وذلك كالإدراج الذي وقع من الزهري في روايته عن ابن أُكيمة الليثي، عن أبي هريرة:

стр. 656

أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: " هل قرأ معي منكم أحد آنفاً؟ "، فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله، قال: فقال رسول الله ﷺ : " إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ ". فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ . قلت: فهذه الجملة (فانتهى الناس. . ) إلى آخره، مما أدرجه الزهري في الحديث في قول عامة متقدمي النقاد ممن تعرض للقول في هذا الحديث، كالبخاري ومحمد بن يحيى الذهلي وأبي داود السجستاني والبيهقي والخطيب، وغيرهم، وبينوا وجه ذلك وحجته بما يطول المقام بتفصيله (١). وهي عبارة لا يقولها الزهري إلا بتوقيف؛ لأنها خبر، فلا بد أن يكون تلقاها بواسطة بينه وبين زمان النبوة، وليست تلك الواسطة في الراجح: ابن أُكيمة عن أبي هريرة، إذ لا تساعد الروايات على تصحيح ذلك، فهي إذاً رواية مرسلة. فيكون الزهري قد أدرج بعض ما هو مرسل فيما هو موصول. وهذا لا يدعى في شيء من الحديث حتى تقوم الحجة عليه، كما تراه وقع في هذا الحديث، أو تقوى الشبهة فيه. الصورة الثالثة: أن يقع بقصد لفائدة، وليس هذا من علل الحديث. وإدراج الزيادة من هذا يبين عادة، وإن ترك بيانه فلظهوره فلا محظور منه ولا يُعل به. وهو مثل إدراج لفظة تشرح اسم راوٍ في الإسناد، بتبيين نسبه أو جرحه وتعديله، أو شيء من أمره، وهو كثير الورود في الأسانيد، فهذا يأتي الإدراج فيه بقرينة مبينة.

стр. 657

مثاله: قول أبي داود السجستاني: حدثنا مخلد بن خالد، قال: حدثنا إبراهيم، يعني ابن خالد، عن رباح بن زيد فذكر بإسناده حديثاً (١). فعبارة (يعني ابن خالد) إدراج من أبي داود، وعلامة الإدراج قوله: " يعني "، ولو لم تأت هذه القرينة وجاء السياق بلفظ: (إبراهيم بن خالد)، لم يصح ادعاء الإدراج في تفسيره وإنما هو تعريف مخلد نفسه بشيخه. ومما لايبين لظهوره مثلا، ما تراه في كتاب يعقوب بن سفيان، حيث يسوق إسناده إلى راو، لا يريد ذكر روايته، وإنما ينتهي إليه ليبين درجته في الحديث. كقوله مثلا: " حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن صلة بن أشيم، تابعي كوفي ثقة " (٢). فعبارة (تابعي كوفي ثقة) ليست من كلام سفيان الراوي عن صلة وهو الثوري، ولا مدرجة من كلام أبي نعيم الفضل بن دُكيِّن، إنما هي من إنشاء الحافظ يعقوب بن سفيان، يستعمل ذلك كثيراً في كتابه هذا ومثله بين للمعتني بهذا العلم. فإن قلت: فماذا لو جاء الإسناد في موضع يقول فيه الثقة مثلا: (حدثنا حماد)، ويأتي في مكان آخر يقول فيه ذلك الثقة: (حدثنا حماد بن زيد)، فهل تكون زيادة (ابن زيد) مدرجة من قول من حدث بذلك الإسناد عن ذلك الثقة؟ أم هي من زيادة الثقة، يحفظ الزيادة في الإسناد كما يحفظ الزيادة في المتن، يذكرها بعض الرواة عنه ولا يذكرها بعضهم؟ قلت: بل هي زيادة ثقة محفوظة كجزء من روايته، لا تنسب إلى غير ذلك الثقة المحدث بها عن ذلك الشيخ المهمل، ولا يدعى عليها الإدراج إلا بحجة تفسره، أو شبهة قوية تقوم دون التسليم بقبولها.

стр. 658

ويقع مثل ذلك الإدراج في المتون أيضاً، بقصد شرح لفظ غامض أو نحو ذلك. مثل: ما جاء في أثناء قول عائشة في حديث بدء الوحي: ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه، وهو التعبد، الليالي ذوات العدد. . الحديث (١). فعبارة: (وهو التعبد) جزم بعض العلماء أنها مدرجة من قول الزهري يشرح بها معنى التَّحنُّث، وفي رواية عن الزهري جاءت العبارة معترضة بصيغة: (قال: والتَّحنُّث: التعبد) (٢). الأصل الثاني: الحكم في زيادة الثقة . ما هو محل للتعليل من صور زيادات الثقات: زيادة الوصل في محل الإرسال، أو الراوي في محل العنعنة، أو زيادة الرفع في محل الوقف، أو الزيادة في متن الحديث. وليس منه: المزيد في متصل الأسانيد، ولا زيادة التحديث في موضع العنعنة، فهذا لا أثر له فيما يأتي من الخلاف. ونقسم الكلام في حكم زيادة الثقة عند أهل العلم إلى قسمين: القسم الأول: زيادة الثقة في الإسناد: الوَصل، أو الرفع، أو راوياً في محل العنعنة. بين أهل العلم في هذا اختلاف، حصره الخطيب في المذاهب الأربعة التالية:

стр. 659

المذهب الأول: عدم قبول الزيادة، والحكم لتاركها، حكاه عن أكثر أهل الحديث. المذهب الثاني: الترجيح بالعدد، فإن كان التارك أكثر فالقول قوله، وكذلك العكس. قال الزَّيلعيُّ: " إن جماعة من الحنفية لا يرون الترجيح بكثرة الرواة، وهو قول ضعيف؛ لبعد احتمال الغلط على العدد الأكثر، ولهذا جعلت الشهادة على الزنا أربعة؛ لأنه أكبر الحدود " (١)، وقال: " وإنما يرجح بكثرة الرواة إذا كانت الرواة محتجا بهم من الطرفين " (٢). المذهب الثالث: الترجيح بالحفظ، فإن كان التارك أحفظ فقوله أرجح، وكذلك العكس. وهذه طريقة الدارقطني. فمع إقراره بمبدأ: (الزيادة من الثقة مقبولة) لكنه لا يرجح به، إنما يرجح الأحفظ. فقد سئل عن حديث اختلف فيه مطرف بن طريف وسفيان الثوري روياه جميعاً عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر، فزاد مطَرِّف: عن عمر. فأجاب بأن ثلاثة رووه عن مطرف، أتقن ثقتان على روايته عنه بزيادة عمر، ورواه عنه شريك القاضي، فلم يذكر عمر، ثم قال الدارقطني: " مطرف من الأثبات، وقد اتفق عنه رجلان ثقتان، فأسنداه عن عمر، ولولا أن الثوري خالفه فرواه عن زيد العمي فلم يذكر فيه عمر، لكان القول قول من أسند عن عمر، لأنه زاد، وزيادة الثقة مقبولة " (٣).

стр. 660

وسئل عن حديث رواه إسماعيل بن جعفر عن عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ في فضل ما يقال عند الأذان. خالف ابن جعفر فيه: إسماعيل بن عياش، فرواه عن عمارة، عن خبيب عن النبي ﷺ مرسلاً، كما خالفهما: يحيى بن أيوب الغافقي، فرواه عن عمارة عن خبيب موقوفاً؟ فقال الدارقطني: " إسماعيل بن جعفر أحفظ من يحيى بن أيوب، وإسماعيل بن عياش، وقد زاد عليهما، وزيادة الثقة مقبولة " (١). قلت: وهكذا رأيته فعل في مواضع، ثم الترجيح بالأحفظ هو القاعدة العامة التي جرى عليها الدارقطني في تعليله الأحاديث. المذهب الرابع: قبول الزيادة من العدل الضابط، مطلقاً كان التارك لها واحداً أو أكثر، مثله في الحفظ أو أحفظ منه. وهذا المذهب قال الخطيب: " هو الصحيح عندنا؛ لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله ولا تكذيب له، ولعله أيضاً مسند عند الذين رووه مرسلاً، أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضى له على الذاكر، وكذلك حال راوي الخبر إذا أرسله مرة ووصله أخرى، لا يضعف ذلك أيضاً؛ لأنه قد ينسى فيرسله، ثم يذكر بعده فيسنده، أو يفعل الأمرين معاً عن قصد منه فغرض له فيه " (٢). وقال الخطيب: " اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفاً؛ لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة ويرفعه إلى النبي ﷺ ، ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى ولا يرفعه، فحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعاً، وقد كان سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيراً في حديثه، فيرويه تارة مسنداًً مرفوعاً، ويقفه مرة أخرى قصداً واعتماداً، وإنما

стр. 661

لم يكن هذا مؤثراً في الحديث ضعفاً،. . . لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أولى؛ لأنه أزيد " (١). ولهذا انتصر ابن حزم، ولم يعد الاختلاف في ذلك مؤثراً في رواية الثقة موصلة (٢). وهذه في التحقيق طريقة كبار النقاد من الأئمة، كما هو الشأن في إطلاق من أطلق: (زيادة الثقة مقبولة)، كأحمد بن حنبل، كما سيأتي، وغيره. وسئل البخاري عن حديث إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: " لا نكاح إلا بولي "؟ فقال: " الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه، فإن ذلك لا يضر الحديث " (٣). والبخاري لا يقبل زيادة الثقة مطلقاً، إنما يعتبر في ذلك قوة الحفظ، فإنه أعل أخباراً بالاختلاف فيها وإرسالاً، أو رفعاً ووقفاً، ولا يقبل فيها زيادة الوصل أو الرفع، في أمثلة في " التاريخ " وعلل الترمذي ". وقال مسلم بن الحجاج: " والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذي لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم " (٤). وقال أبو زرعة الرازي في شأن زيادة وصل لعبد الله بن المبارك: " إذا زاد حافظ على حافظ قبل، وابن المبارك حافظ " (٥). كما قال كذلك في زيادة الوصل أيضاً: " زيادة الحافظ على الحافظ تقبل " (٦).

стр. 662

قلت: والعمل بهذا الإطلاق يشبه أن يكون عليه عمل عامة المتأخرين من علماء الحديث، كالحاكم والبيهقي وابن الجوزي، ومن بعدهم. قال أبو يعلى الخليلي، وهو يذكر نوعاً من أنواع علل الحديث: " أن يروي الثقات حديثا مرسلا، وينفرد به ثقة مسندا، فالمسند صحيح وحجة، ولا تضره علة الإرسال " (١). وقال ابن القطان الفاسي من المتأخرين بعد أن ذكر حديثاً أعل بالإرسال والواصل ثقة: " هو نظر غير صحيح أن تعل رواية ثقة حافظ وصل حديثا رواه غيره مقطوعا، أو أسنده ورواه غبره مرسلا؛ لأجل مخالفة غيره له، والأمر يحتمل أن يكون قد حفظ ما لم يحفظه من خالفه، وإذا كان المروي من الوصل والإرسال عن رجل واحد ثقة، لم يبعد أن يكون الحديث عنده على الوجهين، أو حدث به في حالين، فأرسل مرة، ووصل في أخرى، وأسباب إرساله إيَّاه متعددة: فقد تكون أنه لم يحفظ في الحال حتى راجع مَكتوباً إن كان عنده، أو تذكَّر، أو لأنه ذكره مُذاكرا ً به، كما يقول أحدنا: قال رسول الله ﷺ ، لِما هو عنده بسنده، أو لغير ذلك من الوجوه. وإنما الشأن في أن يكون الذي يُسند ما رواه غيره مَقطوعاً أو مُرسلاً، ثقة. فإنه إن لم يكن ثقة لم يُلتفت إليه ولو لم يُخالفه أحدٌ، فإذا كان ثقة فهو حُجة على من لم يَحفظ. وهذا هو الحق في هذا الأصْل، وكما اختاره أكثر الأصوليون فكذلك أيضاً اختاره من المحدثين طائفة، وإن كانَ أكثرهم على الرأي الأول، فمَّمن اختار ما اخترناه: أبو بكر البزار، ذهب إلى أنه إذا أرْسل الحديث جَماعة،

стр. 663

وحدَّث به ثقةٌ مسندا، كان القول قول الثقة (١)، فيجيءُ على قوله أحرى وأولى بالقبول: ما إذا أرسل ثقةٌ ووصل ثقة، فإنه إذا لم يُبال بإرسال جماعة إذا وصله ثقة، فأحرى أن لا يُباليَ بإرسال واحدٍ إذا أسْنده ثقة " (٢). الراجح: والراجح المحرر في هذا من بين مذاهبهم، القول: زيادة الثقة للوصْل في موضِع الإرسال، أو الرفع في موضع الوقف، أو الواسِطة في موْضع العنعنة، مقبولة، ما حققت فيها اعْتبارين: الأول: أن يكون الراوي ثِقة ضابطاً، لا يُذكر بلين في حفظه. والثاني: أن يَبْرأ من قيام حُجة على خطئه فيما زاد. قال الترمذي: " وإنما تصحُّ إذا كانت الزيادة ممن يُعتمد على حِفظه " (٣)، وقال: " إذا زاد حافظ ممن يُعتمد على حِفظه قُبل ذلك منه " (٤). قلت: فأما الصدوق ومن في حِفظه لين فلا تقبل زيادته، فهؤلاء قد يزيد أحدهم الشيء وهْما، كمن يزيد الوصل في الإسناد المرسل يُجريه على الجادَّة غفلة. قال أحمد بن حنبل: " كان ابنُ المنكدر رجُلاً صالحاً، وكان يُعرف بجابر، مثل ثابت عن أنس، وكان يُحدث عن يزيد الرَّقاشي، فربَّما حدَّث بالشيء مُرسلاً فجعلوه عن جابر " (٥).

стр. 664

وقال أبو طالب: قال أحمد بن حنبل: " يونُس بن أبي إسحاق حديثه فيه زيادة على حديث ... الناس "، قلت: يقولون: إنه سمع في الكتاب فهو أتمُّ، قال: " إسرائيل ابنه سمع من أبي إسحاق وكتب، فلم يكن فيه زيادة مثل ما يزيد يونس " (١). قلت: ولمثل هذا المعنى تردد شُعبة بن الحجاج في حديث تفرّد برفعه سماك بن حرب دون جماعة من الثقات وقفوه، وذلك أن سِماكاً وإن كان ثقة، لكنه يَهم ويُخطئُ وفي حفظه شيءٌ. قال أبو داود الطيالسي: سمعت خالد بن طُليق يسأل شعبة، فقال: يا أبا بسْطام، حدثني حديث سِماك بن حرب في اقْتضاء الذهب من الوَرق، حديث ابن عُمر، فقال: " أصلحك الله، هذا حديثٌ ليس يرفعه أحدٌ إلا سماك "، قال: فترهبُ أن أرْوي عنك؟ قال: " لا، ولكن حدثنيه قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر، ولم يرفعه وأخبرنيه أيوب عن نافع عن ابن عمر، ولم يَرفعه، وحدثني داود بنُ أبي هند عن سعيد بن جبير، ولم يَرفعه، ورفعه سِماك، فأنا أفْرقُه " (٢). تنبيهان: التنبيه الأول: الحديث قد يختلف فيه النقلة رَفعاً ووقْفاً، لكن يوجد في الرواية الموقوفة ما يدل على كون الخبر لا يُقال إلا بتوْقيف، فيكون ذلك دليلاً على ترجيح الرَّفع. وذلك نحو حديث أبي سعيد الخُدري، قال: " من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة، أضاء الله له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق ".

стр. 665

فهذا الحديث مما اختلف فيه رفعاً ووقفا (١)، والصناعة الحديثية بناءً على الأصل المتقدم في قبول زيادة الثقة لا تُساعد على قبول زيادة الرفع من جهة حِفظ من زادها، ولكنه اعتضد بكون هذا وإن كان الراجح فيه الوقف بناءً على القواعد، لكنه مرفوعاً حُكماً، إذ مثله لا يُقال من قبل الرأي، فكانت هذه قرينة مُرجحة لزيادة الرَّفع في التحقيق. التنبيه الثاني: من الثقات المتقنين من كانوا يُوقِفون الحديث تَقصيراً، وغيرهم يَرفعه، فمن تبيَّن ذلك منه لم يَصحَّ أن يُقام صَنيعه مُخالفة مُعتبرة للثقة الذي رفع الحديث. كقول أبي بكر المُروذيِّ: سألته (يعني أحمد بن حنبل) عن هشام بن حسان؟ فقال: " أيوب وابنُ عوْن أحب إليَّ " وحسَّن أمر هشام، وقال: " قد روى أحاديث رَفعها أوْقفوها، وقد كانَ مذْهبهم أن يُقصروا بالحديث ويوقفوه " (٢). القسم الثاني: زِيادة الثقة في المتن . مَذهب جُمهور أهل الفقه والأصول قَبولها، ونسب بَعضهم إلى الإمام أبي حنيفة أنه ردَّها (٣). والتحقيق: أن مَذهب أبي حنيفة الذي يتبين من صنيع أصْحابه: قبولُ زيادة الثقة، كما وَجدته في كلام الطحاوي (٤)، وتعلق به المتأخرون في مَواضع، كابن الهُمام (٥)، وذكروه على التسليم. وأحْسب الوهْم دخل على من نسب ردَّ الزيادة لأبي حنيفة، من جهة مذْهبه في النَّصَّين المستقلين، في أحدهما من الحُكم ما ليس في الآخر،

стр. 666

يتراخى أحدهما، فليس من مذهبه بناء المطلق على المقيد ولا العام على الخاص في هذه الحالة، وإنما يرى المتأخر منهما ناسخاً، وإلا تعارضا، في تفصيل يُعرف من أصول مذهبه (١). وليست هذه المسألة من باب زيادة الثقة في الحديث الواحد المعين. وكذلك الشأن عنْد أهل الصنعة، أهل الحديث، فإن الزيادة في المتن عندهم مَقبولة إذا كانَ من جاء بها ثِقة مُتقنا، لم يَقم دليل على وهمه فيها. فكذلك كان أحمد بن حنبل يرى، كما سيأتي بعض قوله، وعلى ذلك جرى منهج الشيخين البُخاري ومسلم، فخرَّجا الكثير من مُتون الحديث يزيد الرُّواة فيها على بعضهم، يُصححان كل ذلك. وسأل عبدُ الرحمن بنُ أبي حاتم أباه وأبا زُرعة عن حديث رواه أبو إسحاق السبيعي عن حارثة بن مُضرِّب في قصة ابن النواحة، الزيادة التي يزيد أبو عوانة أنه قال: " وكفَّلهم عشائرهم ": هو صحيح؟ فقالا: " رواه الثوري ولم يذكره هذه الزيادة، إلا أن أبا عوانة ثقة، وزيادة الثقة مقبولة " (٢).

стр. 667

وذكر الخطيب في قبول الزيادة من الثقة أو ردّها من متن الخبر مذاهب، ورجح منها قول الجُمهور، وهو: أن الزيادة الواردة في متن خبر مقبولة مُطلقاً، ومعمولٌ بها، إذا كان راويها عدْلاً حافظاً ومُتقناً ضابطاً (١). والوجه في قبولها: أن الثقة إذا انفرد بحديث لم يأت به غيره، فهو صحيح مُحتجٌّ به، فإذا كانَ يُقبل تفرده بالحديث، فتفرَّده بالزيادة أولى بالقبول. كما نقل صالحُ بن أحمد عن أبيه في زيادةِ (من المسلمين) في حديثِ ابن عمر في زكاة الفِطر، قال: " قد أنكر على مالك هذا الحديث، ومالكٌ إذا انفرد بحديث فهو ثقة، وما قال أحدٌ ممن قال بالرأي أثْبتَ منه في الحديث " (٢). فهو يقول: إذا انفرد بحديث فهو ثقة، فكذلك يَجب أن تُقبل الزيادة يتفرد بها. فإن قيل: الحديث الواحد يُمكن أن يَسْمعه الراوي دون أن يُشاركه أحدٌ، أما الزيادة في متن حديث مَسموع لغيره كما هو مسموع له، لا يحفظ فيه ذلك الغير تلك الزيادة، فيَنبغي أن يكون دليلاً على خطئها. قيل: كلاَّ، وذلك لوُجوه، منها: أولاً: مَظنة أن يكون الراوي يُحدث بالحديث في الأحوال والأزمانِ المختلفة واقعٌ صحيحٌ، فتحديثه بالحديث تارة ببعض الاختصار وتارة بالتمام غير ممتنع (٣)، فسمعه النقلة على الوجهين. ثانيا: كما أنه لا يَمتنع أن يحضر الجماعة المجلس الواحد، فيسمعوا

стр. 668

الحديث جميعاً، فيحفظ بعضهم ما لا يحفظه الآخر، وإذا جاز أن يَسمع الراوي الحديث فينساه كله، فأولى من ذلك صِحة احتمال نِِسيان بعضه. ثالثاً: وكذلك فإن بعض الرواة عن ذلك الشيخ قد يَعمد إلى اختصار الحديث، فلا يجوز أن يكون صنيعه قادحاً في رواية من جاء بلفظ أتم من لفظه. وللزَّيْلعي في زيادة الثقات في المتون تفصيل مُعتبرٌ، يؤيد ما تقدم من أن القبولَ مَشروطٌ بإتقان الراوي لها، وعدم خطئه فيها، فإنه قال في شأن زيادة ذكْر البَسملة في حديث أبي هريرة من رواية نُعيم المُجمر عنه: " فإن قيل: قدْ رواها نُعيم المجمر، وهو ثقةٌ، والزيادة من الثقة مقْبولة. قلنا: ليس ذلك مُجمعاً عليه، بل فيه خلاف مَشهورٌ: فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مُطلقاً، ومنهم من لا يَقبلها، والصحيح التفصيل، وهوَ أنها تُقبل في موضعٍ دون موضع. فتُقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثِقةً حافظاً ثبْتاً، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس، قوله: " من المسلمين " في صدقة الفِطر، واحتج بها أكثر العلماء. وتُقبل في موْضع آخر لقرائن تخصها. ومن حكم في ذلك حُكماً عاماً فقد غلط، بل كلُّ زيادة لها حكم يخصها، ففي مَوْضعٍ يُجزم بِصِحَّتها، كزيادة مالك. وفي موضع يغلب على الظن صحتها، كزيادة سَعْد بن طارق في حديث: " جُعلت الأرْضُ مسْجداً، وجعلت ترْبتُها لنا طَهُوراً "، وكزيادة سُليمان التميمي في حديث أبي موسى: " وإذا قرأ فأنصتوا ". وفي موضع يُجزم بخطأ الزيادة، كزيادة مَعمر ومن وافقه، قوله: " وإن كانَ مائِعاَ فلا تقْربوه "، وكزيادة عبد الله بن زياد ذِكْر البسملة في حديث:

стр. 669

" قسمت الصلاة بيني وبين عبْدي نصْفين "، وإن كان مَعْمرٌ ثقةً، وعبد الله بن زياد ضعيفاَ، فإن الثقة قد يَغلط. وفي موضع يَغلب على الظن خطؤها، كزيادة مَعمرٍ في حديث ماعز " الصلاة عليه "، رواها البُخاري في (صحيحه)، وسُئل هل رواها غيرُ معْمر؟ فقال: لا، وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر، وقال فيه: " ولم يُصلِّ عليه "، فقد اختلف على معمرٍ في ذلك، والراوي عن معمرٍ هو عبد الرزاق وقد اختلف عليه أيضاً، والصواب أنه قال: " ولم يُصلِّ عليه ". وفي موْضع يُتوقف في الزيادة، كما في أحاديث كثيرة. وزيادة نُعيم المُجمر التسمية في هذا الحديث مما يُتوقف فيه، بلْ يغلب على الظن ضَعفه " (١). قلت: قد يناقش الزَّيْلعي في بعض ما مثَّل به، ولكن ما أشار إليه من عدم تنزيل الزيادة من الثقة منزلة القبول مُطلقاً، صحيحٌ في الجملة. تنبيهان: التنبيه الأول: الراوي يبلغه الحديث أو يسمعه بواسطة عن شيخٍ، ثُم يلقى ذلك الشيخ فيحمله عنه بعُلوِّ دون واسِطة، فيقع تَحديثه به تارة بالواسطة، وتارة بعَدمها. هذه الصورة إذا انتفت فيها شُبهة الغلط، فالحديث مَحفوظ من الوجهين، ولا يُعدُّ ذلك اختلافاً مؤثراً. لكن يجب أن يكون مَحلُّ وقوع الاختلاف على الراوي نَفسه، ومن اختلفا أو اختلفوا عليه ثقتان أو ثقاتٌ، وهو ثقةٌ كذلك، أماَّ إذا وقع الاختلاف بين النقلة في طبقة أدنى من طبقةِ من روى عن ذلك الشيخِ، فمَظنةُ الغلط أرْجح.

стр. 670

مثال هذه المسألة: ما رواه يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، أنه بَلغه، أن نوْفل بن معاوية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من الصلاة صَلاةُ، من فاتته فكأنما وُتر أهله وماله "، قال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " هي صلاة العصر " (١). ورواه جعفر بن ربيعة، أنَّ عِراك بن مالك حدثه، أن نَوْفل بن معاوية حدثه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " من فاتته صلاة العصْر فكأنما وُتر أهله وماله " (٢). قال الخطيب: " والحُكم يوجب القَضاء في هذا الحديث لجعفر بن ربيعة بثبوت إيصاله الحديث؛ لثقته وضبطه، ورواية الليث (٣) ليست تكذيباً له؛ لجواز أن يكون عِراك بلغه هذا الحديث عن نوفل بن معاوية، ثم سمعه منه بعد، فرواه على الوجهين جميعاً " (٤). التنبيه الثاني: قال ابن حبان: " لا نقبل شيئاً منها إلا عمن كان الغالب عليه الفقه، حتى يُعلم أنه كان يرْوى الشيء ويَعلمه، حتى لا يُشك فيه أنه أزاله عن سننه أو غيَّره عن معناه، أم لا " (٥). قلت: هذا مما انفرد به ابن حبان، واشترط ثِقة الناقل وعدم الدليل على وهمه فيما زاد يدفع المظِنة التي ذكرها ابن حبان.
следующие страницы →