يتراخى أحدهما، فليس من مذهبه بناء المطلق على المقيد ولا العام على الخاص في هذه الحالة، وإنما يرى المتأخر منهما ناسخاً، وإلا تعارضا، في تفصيل يُعرف من أصول مذهبه (١).
وليست هذه المسألة من باب زيادة الثقة في الحديث الواحد المعين.
وكذلك الشأن عنْد أهل الصنعة، أهل الحديث، فإن الزيادة في المتن عندهم مَقبولة إذا كانَ من جاء بها ثِقة مُتقنا، لم يَقم دليل على وهمه فيها.
فكذلك كان أحمد بن حنبل يرى، كما سيأتي بعض قوله، وعلى ذلك جرى منهج الشيخين البُخاري ومسلم، فخرَّجا الكثير من مُتون الحديث يزيد الرُّواة فيها على بعضهم، يُصححان كل ذلك.
وسأل عبدُ الرحمن بنُ أبي حاتم أباه وأبا زُرعة عن حديث رواه أبو إسحاق السبيعي عن حارثة بن مُضرِّب في قصة ابن النواحة، الزيادة التي يزيد أبو عوانة أنه قال: " وكفَّلهم عشائرهم ": هو صحيح؟ فقالا: " رواه الثوري ولم يذكره هذه الزيادة، إلا أن أبا عوانة ثقة، وزيادة الثقة مقبولة " (٢).
стр. 667
وذكر الخطيب في قبول الزيادة من الثقة أو ردّها من متن الخبر مذاهب، ورجح منها قول الجُمهور، وهو: أن الزيادة الواردة في متن خبر مقبولة مُطلقاً، ومعمولٌ بها، إذا كان راويها عدْلاً حافظاً ومُتقناً ضابطاً (١).
والوجه في قبولها: أن الثقة إذا انفرد بحديث لم يأت به غيره، فهو صحيح مُحتجٌّ به، فإذا كانَ يُقبل تفرده بالحديث، فتفرَّده بالزيادة أولى بالقبول.
كما نقل صالحُ بن أحمد عن أبيه في زيادةِ (من المسلمين) في حديثِ ابن عمر في زكاة الفِطر، قال: " قد أنكر على مالك هذا الحديث، ومالكٌ إذا انفرد بحديث فهو ثقة، وما قال أحدٌ ممن قال بالرأي أثْبتَ منه في الحديث " (٢).
فهو يقول: إذا انفرد بحديث فهو ثقة، فكذلك يَجب أن تُقبل الزيادة يتفرد بها.
فإن قيل: الحديث الواحد يُمكن أن يَسْمعه الراوي دون أن يُشاركه أحدٌ، أما الزيادة في متن حديث مَسموع لغيره كما هو مسموع له، لا يحفظ فيه ذلك الغير تلك الزيادة، فيَنبغي أن يكون دليلاً على خطئها.
قيل: كلاَّ، وذلك لوُجوه، منها:
أولاً: مَظنة أن يكون الراوي يُحدث بالحديث في الأحوال والأزمانِ المختلفة واقعٌ صحيحٌ، فتحديثه بالحديث تارة ببعض الاختصار وتارة بالتمام غير ممتنع (٣)، فسمعه النقلة على الوجهين.
ثانيا: كما أنه لا يَمتنع أن يحضر الجماعة المجلس الواحد، فيسمعوا
стр. 668
الحديث جميعاً، فيحفظ بعضهم ما لا يحفظه الآخر، وإذا جاز أن يَسمع الراوي الحديث فينساه كله، فأولى من ذلك صِحة احتمال نِِسيان بعضه.
ثالثاً: وكذلك فإن بعض الرواة عن ذلك الشيخ قد يَعمد إلى اختصار الحديث، فلا يجوز أن يكون صنيعه قادحاً في رواية من جاء بلفظ أتم من لفظه.
وللزَّيْلعي في زيادة الثقات في المتون تفصيل مُعتبرٌ، يؤيد ما تقدم من أن القبولَ مَشروطٌ بإتقان الراوي لها، وعدم خطئه فيها، فإنه قال في شأن زيادة ذكْر البَسملة في حديث أبي هريرة من رواية نُعيم المُجمر عنه: " فإن قيل: قدْ رواها نُعيم المجمر، وهو ثقةٌ، والزيادة من الثقة مقْبولة.
قلنا: ليس ذلك مُجمعاً عليه، بل فيه خلاف مَشهورٌ:
فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مُطلقاً، ومنهم من لا يَقبلها، والصحيح التفصيل، وهوَ أنها تُقبل في موضعٍ دون موضع.
فتُقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثِقةً حافظاً ثبْتاً، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس، قوله: " من المسلمين " في صدقة الفِطر، واحتج بها أكثر العلماء.
وتُقبل في موْضع آخر لقرائن تخصها.
ومن حكم في ذلك حُكماً عاماً فقد غلط، بل كلُّ زيادة لها حكم يخصها، ففي مَوْضعٍ يُجزم بِصِحَّتها، كزيادة مالك.
وفي موضع يغلب على الظن صحتها، كزيادة سَعْد بن طارق في حديث: " جُعلت الأرْضُ مسْجداً، وجعلت ترْبتُها لنا طَهُوراً "، وكزيادة سُليمان التميمي في حديث أبي موسى: " وإذا قرأ فأنصتوا ".
وفي موضع يُجزم بخطأ الزيادة، كزيادة مَعمر ومن وافقه، قوله: " وإن كانَ مائِعاَ فلا تقْربوه "، وكزيادة عبد الله بن زياد ذِكْر البسملة في حديث:
стр. 669
" قسمت الصلاة بيني وبين عبْدي نصْفين "، وإن كان مَعْمرٌ ثقةً، وعبد الله بن زياد ضعيفاَ، فإن الثقة قد يَغلط.
وفي موضع يَغلب على الظن خطؤها، كزيادة مَعمرٍ في حديث ماعز " الصلاة عليه "، رواها البُخاري في (صحيحه)، وسُئل هل رواها غيرُ معْمر؟ فقال: لا، وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر، وقال فيه: " ولم يُصلِّ عليه "، فقد اختلف على معمرٍ في ذلك، والراوي عن معمرٍ هو عبد الرزاق وقد اختلف عليه أيضاً، والصواب أنه قال: " ولم يُصلِّ عليه ".
وفي موْضع يُتوقف في الزيادة، كما في أحاديث كثيرة.
وزيادة نُعيم المُجمر التسمية في هذا الحديث مما يُتوقف فيه، بلْ يغلب على الظن ضَعفه " (١).
قلت: قد يناقش الزَّيْلعي في بعض ما مثَّل به، ولكن ما أشار إليه من عدم تنزيل الزيادة من الثقة منزلة القبول مُطلقاً، صحيحٌ في الجملة.
تنبيهان:
التنبيه الأول: الراوي يبلغه الحديث أو يسمعه بواسطة عن شيخٍ، ثُم يلقى ذلك الشيخ فيحمله عنه بعُلوِّ دون واسِطة، فيقع تَحديثه به تارة بالواسطة، وتارة بعَدمها.
هذه الصورة إذا انتفت فيها شُبهة الغلط، فالحديث مَحفوظ من الوجهين، ولا يُعدُّ ذلك اختلافاً مؤثراً.
لكن يجب أن يكون مَحلُّ وقوع الاختلاف على الراوي نَفسه، ومن اختلفا أو اختلفوا عليه ثقتان أو ثقاتٌ، وهو ثقةٌ كذلك، أماَّ إذا وقع الاختلاف بين النقلة في طبقة أدنى من طبقةِ من روى عن ذلك الشيخِ، فمَظنةُ الغلط أرْجح.
стр. 670
مثال هذه المسألة:
ما رواه يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، أنه بَلغه، أن نوْفل بن معاوية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من الصلاة صَلاةُ، من فاتته فكأنما وُتر أهله وماله "، قال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " هي صلاة العصر " (١).
ورواه جعفر بن ربيعة، أنَّ عِراك بن مالك حدثه، أن نَوْفل بن معاوية حدثه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " من فاتته صلاة العصْر فكأنما وُتر أهله وماله " (٢).
قال الخطيب: " والحُكم يوجب القَضاء في هذا الحديث لجعفر بن ربيعة بثبوت إيصاله الحديث؛ لثقته وضبطه، ورواية الليث (٣) ليست تكذيباً له؛ لجواز أن يكون عِراك بلغه هذا الحديث عن نوفل بن معاوية، ثم سمعه منه بعد، فرواه على الوجهين جميعاً " (٤).
التنبيه الثاني: قال ابن حبان: " لا نقبل شيئاً منها إلا عمن كان الغالب عليه الفقه، حتى يُعلم أنه كان يرْوى الشيء ويَعلمه، حتى لا يُشك فيه أنه أزاله عن سننه أو غيَّره عن معناه، أم لا " (٥).
قلت: هذا مما انفرد به ابن حبان، واشترط ثِقة الناقل وعدم الدليل على وهمه فيما زاد يدفع المظِنة التي ذكرها ابن حبان.
стр. 671
المبحث الثالث:
التعليل بالمخالفة
لعدم الوُضوح في تحرير أصول هذا العلم، ولِما يَقع من إطلاق النُّقاد لعبادة: (رواه فلان وفلان، وخالف فلان)، صارت عِبارة (مُخالفة) كأنها حقيقة في كل علِّة تقع بسبب مجيء الرواة بالحديث على أكثر من وجه، وليس كذلك، بل الحديث قد يأتي على وَجهين، كأن يُروى مُتصلاً ومُرسلاً، أو مرفوعاً وموقوفاً، ويُسمى الناقد ذلك مُخالفة، أو اختلافاً، وهو كذلك بالنظر إلى صورته: أن جاء هذا على وجهٍ، لكن ليس بين النَّقص والزيادة تعارضُ أصْلاً، إذ الرواية بالزيادة في الأصل تضمنت الرواية الناقصة مع مَزيد فائدة، فغاية ما يحتاج إلى تحقيقه، هو: هل هذه الزيادة مما يُقبل أم لا؟ على ما تقدم في المبحث السابق.
والمخالفة الواقعة من الثِّقات أنواع:
النوع الأول: الشذوذ
وهو مُخالفة الثقة لمن هو أقوى منه، على ما سيأتي في (الحديث الشاذ) (١).
стр. 672
والواجب حصْرها بالمخالفة التي لا وجه لها، وقامت الحُجة على الخطأ فيها، لتعذّر جمعها إلى رواية الأحفظ.
النوع الثاني: مُخالفة القرآن
اعلم أنه يُخطئ على هذا العلم من أقام المعارضة بين القرآن والحديث يَزعم صِحته، فالمفارقة بين طريقي نقلهما كافيةٌ للقضاء أن لا يوجد حديث يقوم لمعارضة القرآن.
لذا ما يُمكن تصور وُجوده من ذلك إن كان ظاهرُه الصحة نقلاً، فلا يَخلو من أحد حاليين:
الأول: أن تكون المعارضة بينه وبين القرآن لا تعدو أن تكون غلطاً من مُدعيها، لا غلطاً في نفس الأمر، وهذا يكون تارةً وهْماً، وتارة هوىً.
والثاني: أن تكون مُعارضة حقيقة، وعندئذ لا يَسلم الإسناد من علةٍ خفيَّة.
والمقصود: منع وُقوع التعارض الحقيقي بين آية من كتاب الله، وحديث صحيح عن رسول الله ﷺ ، إلا على معنى وُجود النسخ، وواقع الحال: امتناع أن يأتي حديث يَسلمُ من علةٍ، يُعارض آية من كتاب الله، وإنما توجد أمْثلة من الحديث يحسبها بعْض المشتغلين بالحديث صحيحة، ولم يقفوا على عِللها، ووجدها غيرُهم مما يخالف القرآن.
وعرض الحديث على القرآن طريقٌ من طُرق فحصه، اعتبره أئمة هذا العلم وبنوا عليه التعليل لبعض الحديث الآتي على خلافه.
وقد روي في اتباع هذا المنهج في عرض الحديث على القرآن حديثٌ ضعيف.
فعن عليِّ بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ : " إنها تكون بعدي
стр. 673
رُواةٌ يرون عني الحديث، فاعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافق القرآن فُخُذوا به، وما لم يُوافق القرآن فلا تأخذوا به " (١).
كما روي معناه من وُجود أخرى، ولا يثبت في هذا خبرٌ مرفوعٌ إلى النبي ﷺ (٢).
ولسْنا بحاجة إلى مثله لإقرار صِحة هذا المنهج، فإن القرآن حكمٌ
стр. 674
على ما سواه، ووجدْنا في صنيع بَعْض أعيان أئمة الصحابة من استعمل هذا المنهج في نقد الروايات.
وذلك مثل: ما صحَّ عن عمر بن الخطاب، ﵁، حين حدثت فاطمة بنْت قيسٍ بقصتها في سُكنى المطلقة:
فعن أبي إسحاق السبيعي، عن الشعبي، عن فاطمة بنْت قيس، قالت: طلقني زوجي، فأردت النُّقلة، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقال: " انْتقلي إلى بيت ابن عمك عمْرو بن أم مكتوم، فاعتدَّي فيه ". فحصبه (١) الأسود، وقال ويْلك، لم تُفتي بمثل هذا؟ قال عمر: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله ﷺ ، وإلا لم نترك كتاب الله لقول امرأة: ﴿لا تُخرجوهنَّ من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة بينة﴾ [الطلاق: ١] (٢).
стр. 675
وكانت أم المؤمنين عائشة تعرض ما يبلغها من الرواية عن رسول الله ﷺ على كتاب الله، وكانت ترد من ذلك ما يأتي على خلاف القرآن، في وقائع عدة.
كقصتها في تخطئة عمر وابنه عبد الله عندما حدثا عن النبي ﷺ : " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه "، فقالت عائشة: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله ﷺ : إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهل عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: " إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهل عليه "، وقالت: حسبكم القرآن: ﴿ولا تزرُ وازرةٌ وزر أُخرى﴾ [الإسراء: ١٥].
وقالت في رواية: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ (١).
وعن عروة بن الزبير، قال: ذكر عند عائشة أن ابن عمر يرفع إلى النبي ﷺ : " إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله عليه "، فقالت: وَهل (٢)، إنما قال رسول الله ﷺ : " إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن "، وذاك مثل قوله (٣): إن رسول الله ﷺ قام على القليب يوم بدر وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال: " إنهم ليسمعون ما أقول "، وقد وهل، إنما قال: " إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق " ثم
стр. 676
قرأت: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ الآية [النمل: ٨٠]، ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ [فاطر: ٢٢] (١).
قلت: في هذا الذي استدركته عائشة في الجملة مناقشة وكلام، ولكن المقصود أن من أعيان الصحابة من كان يعرض ما يبلغه من الرواية عن النبي ﷺ على القرآن، ولا يقبل منها ما أتى على خلافه.
وسئل الأوزاعي: أكل ما جاءنا عن النبي ﷺ نقبله؟ فقال: " نقبل منه ما صدقه كتاب الله ، فهو منه، وما خالفه فليس منه "، فقيل له: إن الثقات جاءوا به؟ قال: " فإن كان الثقات حملوه عن غير الثقات؟ " (٢).
ومن أمثلته في نظر المتقدمين ما سأذكره عن الشافعي في النوع التالي. ... وتعليل بعض أهل العلم لحديث أبي هريرة، قال أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فقال: " خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الأثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل " (٣).
فهذا رده جماعة من محققي الأئمة، وأقوى مستند في رده معارضة القرآن، فإنه إذا استثني اليوم السابع في خلق آدم، فإن الحديث دل على أن الأرض خلقت في ستة أيام، والله يقول في كتابه: ﴿قل أئِنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين﴾ [فصلت: ٩، ١٠]، أي فعدة مدة خلق الأرض بما فيها أربعة
стр. 677
أيام، لقوله من بعد في مدة خلق السماوات: ﴿فقضاهنَّ سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها﴾ [فصلت: ١٢]، فهذه ستة أيام لخلق السماوات والأرض، كما قطع بذلك القرآن العزيز في مواضع، كقوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨].
وأبان البخاري أن الوهم من الثقة دخل فيه من جهة أن بعض الرواة أخطأ، فهذا مما حمله أبو هريرة عن كعب الأحبار، وليس هو عن النبي ﷺ ، قال البخاري: " وقال بعضهم: عن أبي هريرة، عن كعب، وهو أصح " (١)، وأعله غيره بغير ذلك (٢).
النوع الثالث: مخالفة المعروف من السنن النبوية
وهذا طريق يكشف به إتقان الرواة وحفظهم: أن يقارن حديث الراوي بالمحفوظ المعروف من روايات غيره، كما بينته في (الجرح والتعديل)، وكذلك هو طريق يكشف به وهم الثقة.
مثاله: عرض الروايات المختلفة عن النبي ﷺ في صفة صلاة الكسوف، على السنن المحفوظة عنه أنه صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان، كما صح من حديث عائشة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وغيرهم.
ورويت فيها صفات غير ذلك من طريق بعض الثقات، لكنها لا تصح، من أجل خلافها للمحفوظ من السنة، والنبي ﷺ إنما صلى في حياته الكسوف مرة واحدة، ويمتنع تعدد الصفة لصلاة واحدة.
стр. 678
ومن عمل الأئمة بهذا الأصل قول الشافعي وقد استدل بالمحفوظ من السنة أن لا يقطع الصلاة شيء: " فإن قال قائل: فقد روي أن مرور الكلب والحمار يفسد صلاة المصلي إذا مرا بين يديه. قيل: لا يجوز إذا روي حديث واحد أن رسول الله ﷺ قال: " يقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار " (١) وكان مخالفاً لهذا الأحاديث، فكان كل واحد منها أثبت منه، ومعها ظاهر القرآن، أن يترك إن كان ثابتاً، إلا بأن يكون منسوخاً، ونحن لا نعلم المنسوخ حتى نعلم الآخر، ولسنا نعلم الآخر، أو يرد ما يكون غير محفوظ ".
قال: " وهو عندنا غير محفوظ؛ لأن النبي ﷺ صلى وعائشة بينه وبين القبلة (٢)، وصلى وهو حامل أمامة، يضعها في السجود ويرفعها في القيام (٣)، ولو كان ذلك يقطع صلاته لم يفعل واحداً من الأمرين، وصلى إلى غير سترة (٤)، وكل واحد من هذين الحديثين يرد ذلك الحديث؛ لأنه حديث واحد، وإن أخذت فيه أشياء.
فإن قيل: فما يدل عليه كتاب الله من هذا؟ قيل: قضاء الله أن ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الإسراء: ١٥]، والله أعلم: أنه لا يبطل عمل رجل
стр. 679
عمل غيره، وأن يكون سعي كل لنفسه وعليها، فلما كان هذا هكذا، لم يجزْ أن يكون مرور رجل يقطع صلاة غيره " (١).
قلت: وسبقت عائشة أم المؤمنين الشافعي لترد ما بلغها في هذا الباب إلى ما تعلمه من حالها مع رسول الله ﷺ :
فعنها، وذكر عندها ما يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة، فقالت عائشة: قد شبهتمونا بالحمير والكلاب (وفي رواية: إن المرأة لدابة سوء)، والله، لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي وإني على السرير، بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله ﷺ ، فأنسل من عند رجليه (٢).
قلت: وهذا المثال الذي ذكرته عن الشافعي محل مناقشة بين أهل العلم، لكنك رأيت من خلاله أنهم كانوا يردون الحديث الواحد من رواية الثقة إلى المحفوظ من السنن، ويجعلون من ذلك المحفوظ ميزان يزنون به رواية ذلك الثقة، فإن جاءت على خلاف المحفوظ جعلوا ذلك علة لها.
وهذا يحتاج إلى تحوط شديد، كالذي ذكرته في العرض على القرآن، إذ لا يحل رد خبر الثقة بالمظنة الضعيفة، حتى تظهر حجة بينة فتكون تلك الحجة هي المعللة لروايته.
النوع الرابع: مخالفة المحسوس
والمقصود: أن تأتي رواية الثقة على خلاف المشاهد.
وهذه الصورة من التعليل معدومة في أحاديث الثقات، ولا يؤخذ على ثقة أنه روى ما يخالف المحسوس.
стр. 680
لكن قد تشتبه بعض النصوص على قوم، يحسبونها تخالف الواقع المشاهد، وإنما ذلك أنهم أتوا من قبل أفهامهم أو أهوائهم، والدليل على خطئهم وجود المخالف لهم فيما يدعونه، وما يخالف المحسوس على سبيل اليقين لا يماري فيه أحد.
وذلك مثل تعليل من ليس من أهل الصنعة لحديث أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: " لن يفلح قوم ولًّوا أمرهم امرأة " (١). فقال: الواقع شاهد بأن المرأة حكمت في بعض البلدان في الغابر والحاضر، وأفلح قومها بعقلها ورشدها، كبلقيس التي قصًّ الله تعالى نبأها مع نبيه سليمان، ﵇، وكيف صارت بقومها إلى الإسلام.
وأقول: إذا كان هذا هو معنى الحديث، فله نصيب من هذا التعليل، ولكن الحديث ورد على سبب، فقد قال أبو بكرة في صدره: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال (فذكر الحديث).
نعم، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن مراعاة السبب أصل لفهم مراد الله ورسوله ﷺ ، خصوصاً عند اشتباه المعنى، والعموم باق في مثل صورة السبب، وقوم كسرى بعد هلاكه ما رفع الله لهم ذكراً، ما أفلحوا حين ولوا ابنته، لما دعا عليهم به النبي ﷺ (٢)، ولقوله: " هلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعده " (٣).
стр. 681
فحديث أبي بكرة عام في قوم أشبهوا في الحال قوم كسرى فيما كتب الله عليهم من الهزيمة.
وهكذا ربما اعترض بعض الناس من غير أهل الحديث على رواية الثقة الصحيحة، زعماً أنها على خلاف الواقع، وإنما وقعت له شبهة، أو قصد الطعن على السنن فحجب بسوء قصده عن الوقوف على المعنى.
وليس من هذا النوع: أن يفسر العلم الحديث شيئاً من الخلق بتفسير علمي يدل عليه النظر والمشاهدة، وأن يكون له تفسير نبوي آخر لا يعرف مثله إلا عن طريق الوحي، ولا يتناقض في معناه مع التفسير العلمي.
مثاله: حديث أبي ذر الغفاري، حين قال له النبي ﷺ حين غربت الشمس: " تدري أين تذهب؟ "، قلت الله ورسوله أعلم، قال: " فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقرٍ لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾ [يس: ٣٨] " (١).
قلت: فلا يصح الاعتراض على هذا الحديث الصحيح بالمشاهد، وهو أن الشمس لا تغيب إلا باعتبار البقعة المعينة من الأرض، وهو في الوقت الذي تغيب فيه عن موضع، تكون طالعة في موضع آخر، فمتى يكون ذهابها لتسجد عند العرش وتستأذن لطلوعها؟ وذلك أن أمر العرش غيب، وخضوع غير الإنسان لله وسجوده لله على صفة يعلمها الله ليست مما يدرك بالمشاهدة، والقرآن أثبت سجود المخلوقات جميعاً لله رب العالمين في مواضع منه، كما قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثيرٌ حق عليه العذاب﴾ [الحج: ١٨].
стр. 682
والحديث لم يتحدث عن غياب للشمس بمعنى انقطاعها عن الأرض، وإنما اعتبر لها حالاً غيبيا عند غروبها عن محل من الأرض، هو السجود تحت العرش، وعلى اعتبار أن الشمس في حال غياب وطلوع دائم لما نعلمه من طبيعة الخلق فهي في سجود لله دائم، وفي استئذان للطلوع دائم، وذلك أنها مسيرة بأمره وتدبيره ﵎.
النوع الخامس: مخالفة العقل
وهذا النوع ذكره تكميل من أجل تبيين وجهه؛ لأنه معدوم في روايات الثقات، إنما يوجد ما تتفق العقول على بطلانه في رواية الكذابين الذين حدثوا بالمستحيل.
ولا وجه لافتراضه أصلا في روايات الثقات حيث كان الواقع ينفيه.
وإنما يوجد في بعض الحديث ما لم تستوعب بعض العقول فهمه، تارة للجهل، وتارة للهوى والبدعة وبُغض السنن.
ووقع مثل ذلك عن طوائف من الناس ردوا بمحض العقول نصوصاً تتصل بالغيب، كبعض نصوص الصفات واليوم الآخر، مما لم تنفرد به السنن الصحيحة، وإنما له في القرآن نظائر، وهذا مما لا يجوز أن يكون العقل فيه حاكماً على النص.
وربما وقع من بعض العلماء استشكال معنى حديث صحيح، يحسبه أحدهم أتى على خلاف العقل في ظاهره، فيجتهد في تأويله لا في تعليله، وهذا وإن كان مما ينظر في أفراده وأمثلته، لكنه أقوم طريقاً من طريق من يسارع لرد الحديث وتعليله دون العمل على حمله على أحسن وجوهه.
ومن أمثلة صنيع بعض العلماء: ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يؤتى بالموت كهيئة
стр. 683
كبش أملح، فينادى مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت "، ثم قرأ: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم في غفلة﴾، وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا، ﴿وهم لا يؤمنون﴾ [مريم: ٣٩] (١).
قال أبو بكر ابن العربي: " استشكل هذا الحديث لكونه يخالف صريح العقل؛ لأن الموت عرض، والعرض لا ينقلب جسما، فكيف يذبح؟ فأنكرت طائفة صحة هذا الحديث ودفعته، وتأولته طائفة، فقالوا هذا تمثيل، ولا ذبح هناك حقيقة، وقالت طائفة: بل الذبح على حقيقته، والمذبوح متولي الموت، وكلهم يعرفه؛ لأنه الذي تولى قبض أرواحهم " (٢).
قلت: والذي ألجأ إلى ظن مخالفة صريح العقل قياس الغيب على الشهادة، وأمر الآخرة غيب، وقص علينا ربنا ﵎ من شأنه، وكذلك نبيه ﷺ ما لا يأتي على القياس، ولا تتصوره العقول، والله تعالى يخلق ما يشاء، ويحيل ما يشاء إلى ما يشاء، وليس في قدرته مستحيل والوقف عند النص هو اللائق هنا دون التأويل.
وهكذا في جميع ما تظن بعض العقول أنه لا يأتي على مقاييسها من أخبار الثقات المتقنين، فإن بابه كباب هذا الحديث، أو يكون وجهه خفي على مدعي معارضته للعقول.
стр. 684
خلاصة هذا المبحث:
وقوع تعليل الحديث من رواية الثقات بأنواع المخالفة المتقدمة، حاصل في الأنواع الثلاثة الأولى: الشذوذ عن رواية الأقوى، ومخالفة القرآن، ومخالفة المعروف من السنن، على ما بينته بمثاله، دون اعتقاد كثرة وقوعه، بل هو نادر قليل في أحاديث الثقات، والنوع الأول أكثره.
وأما التعليل بالمخالفة للمحسوس، والعقل، فلا يوجد له مثال في روايات الثقات.
وما يقع أحياناً من الإشكال في دلالة بعض نصوص الأحاديث الصحيحة، فشبيه بما يقع من الإشكال في دلالة بعض آيات الكتاب، ينظر وجهه ومعناه، ويؤلف بينه، وبدفع ما يبدو من تعارض الظاهر برده إلى المحكم، وحمل معناه عليه.
ولم يزل علماء الأمة يعنون بهذا، فيما ألفوه في مشكل الحديث مفرداً، أو ما ضمن في شروحه، واستحضر دائماً قول الله : ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣].
* * *
стр. 685
المبحث الرابع:
التعليل بالاختلاف
معنى الاختلاف على الراوي:
قال أبو داود السجستاني: " أسند الزهري أكثر من ألف حديث عن الثقات، وحديث الزهري كله ألفا حديث ومئتا حديث، النصف منها مسند،. . . وأما ما اختلفوا عليه؛ فلا يكون خمسين حديثاً، والاختلاف عندنا ما تفرد قوم على شيء وقوم على شيء " (١).
قلت: هذا يبين معنى الاختلاف على الراوي عند أئمة هذا الشأن، فالزهري حافظ كثير الحديث، وأصحابه الذين رووا عنه الحديث خلق كثير، وهم درجات في حفظهم، والثقات المتقنون عنه كمالك بن أنس ويونس بن يزيد الأيلي وعقيل بن خالد وسفيان بن عيينة ومعمر بن راشد وشعيب بن أبي حمزة، وغيرهم، ربما اختلفوا عنه في الرواية، وصلاً وإرسالاً، أو رفعاً ووفقاً، أو على إسنادين مختلفين، أو غير ذلك.
وقبل ذكر صور الاختلاف على الراوي، يجب أن تعلم أنه ليس كل اختلاف في الرواية يكون قادحاً مؤثراً في صحتها، وإنما الاختلاف بهذا الاعتبار قسمان:
стр. 686
القسم الأول: اختلاف غير قادح .
ولهذا صور، منها:
الصورة الأولى: أن تتكافأ الطرق قوة عن راو ثقة، يروي حديثاً، فيقول فيه مرة: (عن فلان)، ومرة: (عن رجل آخر)، لا على سبيل الشك، وإنما افتراق الوجهان بافتراق طرق كل عن ذلك الثقة.
مثل أن يروي بعض أصحاب سهيل بن أبي صالح حديثاً عنه عن أبيه عن أبي هريرة، وغيرهم عنه عن أبيه عن أبي سعيد.
فهذا لا يخلو من واحد من احتمالين:
أولهما: أن يكون صوابه من أحد الوجهين، فيكون أخطأ فيه ذلك الثقة، وقد يترجح الصواب بعينه بقرينة، فيصار إليه، وقد لا يترجح شيء، فتقبل الرواية أيضاً؛ لأنه غاية أمرها أن تكون محفوظة بأحد الإسنادين.
وثانيهما: أن يكون محفوظاً من الوجهين جميعاً.
وهذا طريق لا يصار إليه إلا إذا كان ذلك الثقة ممن لا يعاب من مثله تعدد الأسانيد، من مثل الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، ومنصور بن المعتمر، وشبههم.
وطائفة من المتأخرين يصيرون إلى ترجيح الاحتمال الثاني، بعضهم يقول: " ذلك أولى من تخطئة الثقة "، وبعضهم يجعله منه من أجل ثقته قوة للحديث أن حفظه من وجهين.
كما قال ابن حزم في مثل هذا: " هذا قوة للحديث وزيادة في د لائل صحته ".
فقال مثلاً في المثال المذكور: " في الممكن أن يكون أبو صالح سمع الحديث من أبي هريرة، ومن أبي سعيد، فيرويه مرة عن هذا، ومرة عن هذا " (١).
стр. 687
والتحقيق: أنه لا يكون علة قادحة؛ من أجل أن كلا الاحتمالين لا يمنع القول بثبوت الحديث.
ومن أمثلة ما يقوى فيه ترجيح الاحتمال الثاني:
حديث رسول الله ﷺ : " اطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء، واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ".
رواه أبو رجاء العطاردي، فاختلف عنه، فرواه عوف بن أبي جميلة وسلم بن زرير وقتادة وأيوب السختياني من طريق صحيح عن أبي رجاء عن عمران بن حصين. ورواه أيوب السختياني في أكثر الطرق عنه وأبو الأشهب جعفر بن حيان وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن نجيح وصخر بن جويرية عن أبي رجاء عن ابن عباس.
وأخرج الحديث الشيخان: البخاري من حديث عمران بن حصين (١)، ومسلم من حديث ابن عباس (٢).
وقال الترمذي: " كلا الإسنادين ليس فيهما مقال، ويحتمل أن يكون أبو رجاء سمع منهما جميعاً " (٣).
ورواه أبو داود الطيالسي فقال: حدثنا أبو الأشهب، وجرير بن حازم، وسلم بن زرير، وحماد بن نجيح، وصخر بن جويرية، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين، وابن عباس، ﵄، قالا: قال رسول الله ﷺ ، به (٤).
قلت: وهذا _ فيما أرى _ من صنيع أبي داود أشبه، حمل رواية بعضهم على بعض، وهو مرجح لما ذهب إليه الترمذي.
стр. 688
الصورة الثانية: أن يروي الحفاظ الأثبات عن ثقة حديثاً بإسناد معين، وينفرد ثقة متقن عنهم، فيرويه عن ذلك الثقة بإسناد آخر للحديث.
مثاله: ما رواه عامة أصحاب الأعمش عنه، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ في سؤال اليهود إياه عن الروح، ونزول قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح﴾.
كذلك قال في إسناده عن الأعمش: وكيع بن الجراح، وأبو معاوية الضرير، وحفص بن غياث، وعيسى بن يونس، وعبد الواحد بن زياد، وغيرهم (١) وهؤلاء من الحفاظ الأثبات من أصحاب الأعمش.
خالفهم عبد الله بن إدريس الأودي، فقال: عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن مسعود، به (٢).
وابن إدريس ثقة حافظ لا يختلف فيه.
وهذه الرواية تختلف عن الأولى، لكنها لا تناقضها، ويخاف من مثلها من راو صد وق لم يعرف بمتانة الحفظ، أو كان ثقة قليل الحديث، فلا يحتمل أن يأتي بمثل هذه المخالفة؛ لعدم تبين إتقانه لمثلها لقلة ما جاء به، بل ربما كان مجيء مثل هذه الرواية عنه دليلاً على لينه.
أما من ثبت كونه من الثقات المتقنين المكثرين، فالأصل: أن نقبل ما
стр. 689
روى حتى يقوم دليل على خطئه، وليس مما يدل على خطئه أن يستقل دون الجماعة بما لا يروونه، وإنما يروي ما يناقض رواية الجماعة، ولا يكون له مخرج سوى الحكم بخطئه أو بخطأ الجماعة، وحيث امتنع الثاني، فقد تعين الأول، وهو (الشذوذ) كما سيأتي.
والدارقطني متشدد، وقد يعل رواية الثقة بمجرد المخالفة وإن لم تكن مناقضة لرواية من هو أولى منه، ولكنه قال في هذا الحديث وقد ذكر مخالفة ابن إدريس للجماعة: " ولعلهما صحيحان، وابن إدريس من الأثبات، ولم يتابع على هذا القول " (١).
وهكذا دل صنيع مسلم حيث أخرج الحديث بالروايتين، وقال ابن حبان عقب إخراجه الحديث من رواية ابن إدريس التي تفرد بها: " ذكر البيان بأن الأعمش لم يكن بالمنفرد في سماع هذا الخبر من عبد الله بن مرة دون غيره " وساق روايته عن إبراهيم كما رواها عنه الجماعة، فأفاد تصحيح الخبر من الطريقين.
بل في سياق رواية مسلم ما يشعر بوقوع الحديث لابن إدريس من الوجهين، حيث قال: " سمعت الأعمش يرويه عن عبد الله بن مرة " وذكر إسناده، فكأنه يقول: هذا الحديث الذي رواه الأعمش عن إبراهيم سمعته كذلك يرويه عن عبد الله بن مرة.
وكذلك وجدته رواه عبد الله بن محمد الكرماني، وهو ثقة، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله (٢).
وهذه كرواية الجماعة، دلت على وقوع الحديث لابن إدريس من
стр. 690
الوجهين، والأعمش حافظ مكثر لا ينكر له حفظ الحديث من الوجهين.
الصورة الثالثة: أن يروي الحديث ثقتان، يختلفان في راو في الإسناد، يسميه أحدهما ويبهمه الآخر.
فهذا في التحقيق اختلاف غير مؤثر، إذ لا تضاد فيه، وإنما يؤثر الاختلاف الموجب للترجيح، أو التوقف، وأما في هذه الصورة فرواية من سمى قضت على رواية من أبهم، إذ الذي سمى قد حفظ علماً قصر عنه من أبهم.
القسم الثاني: اختلاف قادح .
وله صور أيضاً:
الصورة الأولى: أن يروي الحفاظ الأثبات عن ثقة حديثاً بإسناد معين، وينفرد واحد دونهم في الحفظ، فيرويه عن ذلك الثقة بإسناد آخر للحديث.
مثاله: ما رواه ابن شهاب الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، في كفارة المواقع امرأته في نهار رمضان.
هكذا رواه الثقات المتقنون من أصحاب الزهري: مالك بن أنس، ومعمر بن راشد، وسفيان بن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد الأيلي، وعقيل بن خالد، وابن جريح، وإبراهيم بن سعد، ومنصور بن المعتمر، والأوزاعي، والليث بن سعد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعراك بن مالك، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، ومحمد بن أبي حفصة، وغيرهم (١).
стр. 691
وخالفهم في إسناده: هشام بن سعد، فقال: عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (١).
وهشام ثقة في الجملة، لكن لمجيئه بمثل هذه الرواية عن الزهري ضعف فيه خاصة؛ ولذا:
قال البخاري: " قال هشام بن سعد: عن الزهري، عن أبي سلمة، ولم يصح: أبو سلمة " (٢).
وقال ابن خزيمة: " هذا الإسناد وهم، الخبر عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن، هو الصحيح، لا عن أبي سلمة ".
وقال العقيلي: " المحفوظ حديث حميد " (٣).
وقال ابن عدي في رواية هشام: " خطأ ".
وقال الخليلي: " هذا أنكره الحفاظ قاطبة من حديث الزهري عن أبي سلمة؛ لأن أصحاب الزهري كلهم اتفقوا عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخي أبي سلمة، وليس هو من حديث أبي سلمة،
стр. 692
ومنهم من رواه عن هشام عن الزهري مقطوعاً عن أبي هريرة، رواه هكذا وكيع (١)، قال أبو زرعة الرازي: أراد وكيع، ﵀، الستر على هشام، فأسقط أبا سلمة " (٢).
قلت: ولو كان من حفاظ أصحاب الزهري لاحتملنا له ما احتملناه لابن إدريس عن الأعمش.
الصورة الثانية: الاضطراب .
وذلك: بأن يختلف الجماعة من الثقات , ولا يقوم مع اختلافهم مرجح يصير إلى الحكم برواية على أخرى؛ لاستواء الثقات درجة واحدة.
مثاله: ما نقله أبو داود السجستاني قال: سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: " اختلف شعبة وسعيد وهشام في حديث أنس: (كان أصحاب النبي ﷺ تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضأون)، في اللفظ، وكلهم ثقات " (٣).
وساق أبو داود ألفاظهم، فلفظ شعبة عن قتادة عن أنس: (ينامون، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضأون على عهد النبي ﷺ , ولفظ سعيد بن أبي عروبة عنه: (يضعون جنوبهم، فينامون من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ)، ولفظ هشام الدستوائي عنه: (ينتظرون العشاء الآخر حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضأون).
قلت: فأعل أحمد بالاختلاف ولم يرجح، لثقة الرواة وتقارب درجاتهم في الحفظ.
стр. 693
وهذه صورة (المضطرب)، وهو قادح.
الصورة الثالثة: أن يروي الثقتان حديثاً يتفقان فيه سنداً ومتناً، إلاًّ في لفظة، يرويها أحدهما على ضد ما يرويها الآخر.
مثل: رواية عبد الله بن نمير، وهو من الثقات، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قصة المسيء صلاته:
" ثم اسْجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ".
فذكر في القصة الجلوس بعد السجدة الثانية، وهذه الجلسة هي التي تسمى ب (جلسة الاستراحة).
خالفه أبو أسامة حماد بن أسامة، وقد رواه عن عبيد الله بن عمر، فقال في لفظه: " ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ".
فأسقط ذكر الجلسة من روايته، وبلفظ مخالف لإثباتها.
ورجح البيهقي روايته على رواية ابن نمير؛ لأنه أثبت في الجملة منه.
لكن وجدنا من القرائن ما بين الخطأ في رواية أبي أسامة، وذلك أن الرواية عنه قد اختلفت، فرواه عنه إسحاق بن منصور وهو ثقة حافظ بترك الجلسة، ورواه إسحاق بن راهويه موافقة لرواية ابن نمير، ولا سبيل إلى الطعن على من دون أبي أسامة، فلم يبق إلا الوهم عليه، كما وجدنا الترجيح لذلك بغير ذلك من القرائن (١).
стр. 694
المبحث الخامس:
التعليل بالغلط
ويأتي على أمثلة كثيرة، يندرج تحتها بعض ما تقدم، مما يعود إلى وهم الراوي الثقة، كالخطأ في الوصل أو الإرسال، أو الرفع أو الوقف، ومن أظهر ما يكون من علل الحديث، مما ترى التعليل به عند أئمة الشأن الصور التالية:
الصورة الأولى: دخول حديث في حديث .
قال علي بن المديني: " حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : لا يحرم من الرضاعة المصة والمصتان.
رواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبي هريرة.
وهذا غلط.
ورواه يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن النبي ﷺ .
ورواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن الحجاج بن أبي الحجاج، أنه سأل النبي ﷺ : ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ قال: غرة عبد أو أمة.
стр. 695
وحديث ابن إسحاق عندهم خطأ، وأدخل حديثاً في حديث.
والحديث عندي حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن النبي ﷺ : " لا تحرم المصة والمصتان ".
وحديث هشام بن عروة، عن الحجاج بن أبي الحجاج، أنه سأل النبي ﷺ " ما يذهب مذمة الرضاع ".
وعن هشام بن عروة، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبي هريرة: الرضاع ما فتق الأمعاء.
وقول أبي هريرة، وحديث الثلاثة صحاح، وحديث ابن إسحاق وهم " (١).
ومن مثاله أيضاً ما حكاه أبو زرعة الدمشقي، قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن حديث أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن أم حبيبة، أن النبي ﷺ قال:
" أريت ما تلقى أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دم بعض، وكان ذلك سابقاً من الله ، فسألته أن يوليني شفاعة فيهم يوم القيامة، ففعل "؟.
قال أبو عبد الله: " ليس له عن الزهري أصل "، وأخبرني أنه من حديث شعيب عن ابن أبي حسين، وقال لي: " كتاب شعيب عن ابن أبي حسين اختلط بكتاب الزهري، إذ كان به ملصقاً "، قال: " وبلغني أن أبا اليمان قد اتهم، وليس له أصل "، ورأيته كأنه يعذر أبا اليمان ولا يحمل.
قال أبو زرعة: وقد سألت عنه أحمد بن صالح؟ فقال لي مثل قول أحمد: إنه لا أصل له عن الزهري (٢).
стр. 696
الصورة الثانية: التصحيف في الأسانيد والمتون .
وهذا يقع في المتن وفي الإسناد، كما بينته في (الحديث المصحف).
فمثاله في الإسناد:
ما رواه زهير بن معاوية، عن واصل بن حيان البجلي، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال:
" الكمأة دواء العين، وإن العجوة من فاكهة الجنة، وإن هذه الحبة السوداء دواء من كل داء إلا الموت " (١).
قلت: إسناد هذا الحديث ظاهره الصحة، ولكن الحال أن زهيراً قد تحرف عليه اسم شيخه فيه، وصوابه: (صالح بن حيان).
بين ذلك جماعة من كبار الأئمة:
قال أحمد بن حنبل وذكر صالح بن حيان: " غلط زهير في اسمه، فقال: واصل بن حيان " (٢).
وقال يحيى بن معين وذكر زهير بن معاوية: " يخطىء عن صالح بن حيان، يقول: واصل بن حيان، ولم يرَ واصل بن حيان " (٣).
وقال أبو حاتم الرازي وسأله ابنه عن هذا الحديث: " أخطأ زهير مع إتقانه، هذا هو صالح بن حيان، وليس هو واصل، وصالح بن حيان ليس بالقوي، هو شيخ، ولم يدرك زهير واصلاً " (٤).
стр. 697
قلت: وكذلك روى هذا الحديث عن صالح بن حيان: محمد بن عبيد الطنافسي (١)، وعبدة بن سليمان (٢).
ومثاله في المتن:
ما روي عن حديج بن معاوية، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: " الإيمان كلمات ".
سأل ابن أبي حاتم الرازي أباه عنه؟ فقال: " خطأ، وإنما هو: ألا إنما هو كلمات: سبحان الله، والحمد لله. ورواه جماعة كثيرة عن حديج هكذا، ورواه إسرائيل عن أبي إسحاق، عن الأغر، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: كلمات من قالهن: سبحان الله، والحمد لله، الحديث ".
قال أبو حاتم: " قال لنا أبو حصين (٣): رأيت في كتاب أبي هذا الحديث: فقال رسول الله ﷺ : (الا)، وقد تآكل ما بعده، فجاء الرازيون فلقنوه: (الإيمان كلمات)، وإنما موضعه موضع دارس قد تآكل " (٤).
قلت: وهذا الحشو لموضع السقط أبدع للحديث معنى لم يأت به، كما لا يخفى.
قلت: ومثل هذا نراه اليوم يقع كثيراً من كثير من المتعرضين لنشر كتب العلم ومصادر السنن، منهم من ينشأ تحريفه من سوء قراءته لنص الأصل، ومنهم من يقع له ذلك بسبب إقحامه على النص ما ليس منه، كتعليق في هامش المخطوط ليس لحقاً مصححاً، يدخله على النص، أو يزيد
стр. 698
من كتب التخرج والإحالة ما لم يكن في النص، وهذا من أقبح ما يكون، وقد رأينا من يخرج الحديث من كتاب آخر فيجده في الفرع المخرج عنه موصولاً، وهو في أصل الذي تحمل ثقل الأمانة فيه مرسل أو منقطع، فيزيد الوصل من فرع التخريج، فيجعله موصلاً، وقد يكون الإرسال في أصله علة للوصل في فرع التخريج.
وكشف هذا النوع من أخطاء الثقات أيسر مما سواه من علل الحديث، كالقلب والوهم بمخالفة الثقات، أو التفرد عنهم بما تقوم الشبهة فيه.
كما قال مسلم بن الحجاج: " الذي يدور به معرفة الخطأ في رواية ناقل الحديث إذا هم اختلفوا فيه من جهتين:
أحدهما: أن ينقل الناقل حديثاً بإسناد، فينسب رجلاً مشهوراً بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته، أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذلك غير خفي على أهل العلم حين يرد عليهم " (١).
ومثل لذلك، فمن تلك الأمثلة (٢):
١_ قول النعمان بن راشد: عن الزهري، عن أبي الطفيل عمرو بن واثلة.
قال مسلم: " ومعلوم عند عوام أهل العلم أن اسم أبي الطفيل عامر، لا عمرو ".
٢ _ قول مالك: عن الزهري: عن عباد، وهو من ولد المغيرة بن شعبة.
قال مسلم: " وإنما هو عباد بن زياد بن أبي سفيان، معروف النسب عند أهل النسب، وليس من المغيرة بسبيل ".
стр. 699
٣ _ رواية من روى حديث: " إن أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم " الحديث، فقال: " ملحد في الحرفة ".
قال مسلم: " فهذه الجهة التي وصفنا من خطأ الإسناد ومتن الحديث هي أظهر الجهتين خطأ، وعارفوه في الناس أكثر.
والجهة الأخرى: أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثاً عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة، بإسناد واحد ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد، أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد، وإن كان حافظاً.
على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث مثل شعبة، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أئمة أهل العلم " (١).
الصورة الثالثة: القلب:
وبينت معنى القلب في (الحديث المقلوب).
ومن الأمثلة التي وقع فيها القلب في الإسناد، وتضمن غير نوع من العلل:
ما رواه أبو الأحوص سلام بن سليم، عن سماك بن حرب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة بن نيار، قال: قال رسول الله ﷺ : " اشربوا في الظروف، ولا تسكروا " (٢).
стр. 700
سأل ابن حاتم الرازي أبا زرعة عن هذا الحديث؟ فقال: " وهم أبو الأحوص فقال: عن سماك، عن القاسم، عن أبيه، عن أبي بردة، قلب من الإسناد موضعاً، وصحف في موضع، أما القلب فقوله: عن أبي بردة، أراد: عن ابن بريدة، ثم احتاج أن يقول ابن بريدة عن أبيه، فقلب الأسناد بأسره، وأفحش في الخطأ.
وأفحشُ من ذلك وأشنع: تصحيفه في متنه: اشربوا في الظروف، ولا تسكروا. وقد روى هذا الحديث عن ابن بريدة عن أبيه: أبو سنان ضرار بن مرة، وزبيد اليامي، عن محارب بن دثار، وسماك بن حرب، والمغيرة بن سبيع، وعلقمة بن مرثد، والزبير بن عدي، وعطاء الخراساني، وسلمة بن كهيل، كلهم عن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ : " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية، ولا تشربوا مسكراً "، وفي حديث بعضهم قال: واجتنبوا كل مسكر. ولم يقل أحد منهم: ولا تسكروا، وقد بان وهم حديث أبي الأحوص من اتفاق هؤلاء " (١).
* * *
стр. 701
المبحث السادس:
التعليل بالتدليس
وشرحت معنى التدليس في (الحديث المدلس) (١).
والتعليل به بمعنى الوقوع لا المظنة، أي: ليس التعليل بمجرد العنعنة من الراوي الموصوف بالتدليس، وإنما بكشف وقوع تدليسه في ذلك الحديث، عن طريق جمع أسانيده.
مثل: حديث بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : " إن الله يحب الملحين في الدعاء ".
هكذا رواه كثير بن عبيد الحذاء عن بقية (٢).
فهذا يقول فيه المبتدئ: (في إسناده بقية، وهو مدلس وقد عنعن)، ثم
стр. 702
يقلب فيرى بعض من رواه عن كثير قال فيه: " حدثنا كثير بن عبيد، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا الأوزاعي " (١)، فيقول: (انزاحت عنه شبهة التدليس، والأوزاعي فمن فوقه إسناد معروف الصحة).
لكن يقول الناقد في هذه الرواية، كما قال البيهقي: " هكذا قال: حدثنا الأوزاعي، وهو خطأ "، يعني لتفرد راو بها عن كثير عن بقية دون الجماعة، مع قيام الدليل على الواسطة بين بقية والأوزاعي فيه.
كما قال أبو حاتم الرازي: " هذا حديث منكر، نرى بقية دلسه عن ضعيف عن الأوزاعي " (٢).
وقال العقيلي: " لعله أخذه بقية عن يوسف بن السفر ".
قلت: هو كذلك، إنما حمله بقية عن أبي الفيض يوسف بن السفر كاتب الأوزاعي، عن الأوزاعي، وكان يوسف هذا متهماً بالكذب ووضع الحديث، كذلك رواه عن بقية: عيسى بن المنذر الحمصي، وهو ثقة (٣)، وتابعه أحد المتروكين (٤) لكن العبرة برواية عيسى هذا.
وكذلك أعله ابن عدي بتدليس بقية.
والتعليل بهذا الطريق لا يتفطن له إلا من رزق بصيرة وقوة معرفة وسعة اطلاع في هذا العلم، والذي يعل به الطلبة غايته ما ذكرت، لا يعدو
стр. 703
أن يجد أحدهم الراوي الموصوف بالتدليس لم يصرح بالسماع في روايته، فيقول: (إسناد ضعيف، فيه فلان مدلس، ولم يصرح بالتحديث)، وليس هذا من العلل الخفية، إنما العلة الخفية كشف وقوع التدليس في تلك الرواية، والتعليل بمجرد العنعنة من الموصوف بالتدليس تعليل ظاهر، قد يكون مرجوحاً لا أثر له في اتصال الإسناد، كما تلاحظه في بيان (الحديث المدلس).
стр. 704
الفصل الثالث
قوانين ضبط عملية
تعليل الأحاديث
стр. 705
المبحث الأول
علم التخريج
الطريق لكشف علة الحديث: جمع الروايات ثم سبرها وتنقيحها.
قال الخطيب: " السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط " (١).
قال الأوزاعي: " كنا نسمع الحديث، فنعرضه على أصحابنا كما يعرض الدرهم الزيف على الصيارفة، فما عرفوا أخذنا، وما تركوا تركنا " (٢).
وقال ابن أبي حاتم: " تعرف جودة الدينار بالقياس إلى غيره، فإن تخلف عنه في الحمرة والصفاء علم أنه مغشوش، ويعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره، فإن خالفه في الماء والصلابة علم أنه زجاج، ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاماً يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالة بروايته " (٣).