Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
جنايته"، فجعل بيعه فداء منه له.
مسألة (١٩٧): إذا باع رجل عبدًا, فباعه المشتري من ثالث, فمات في يده, فاطلع على عيب به, فرجع بالأرش على البائع الثاني كان لبائع الثاني أن يرجع به على البائع الأول.
ولو كانت المسألة بحالها غير أن العبد تعيب في يد المشتري الثاني بعيب حادث, فمنعه الرد بالعيب القديم, فرجع بالارش على البائع الثاني لم يكن للثاني أن يرجع به على البائع الأول.
والفرق بينهما: أنه إذا مات انقضى حكم الرد وتعين طلب الأرش, فإذا
стр. 1087
طولب به البائع الثاني كان له مطالبة البائع الأول به.
وأما إذا حدث به عيب حادث, فطولب البائع الثاني بالأرش, فابتدر وغرم لم يرجع به؛ لأنه كان قادرًا على أن يأخذه مع العيبين, فيعرضه على البائع الأول, فلعله يرضى به معيبًا بالعيبين جميعًا, فإذا لم يفعل, وغرم الأرش لم يكن له أن يرجع به.
مسألة (١٩٨): إذا اشترى رجل جارية, فوجد بينه, وبينها حرمة رضاع, فأراد ردها على البائع لم يكن له ردها.
ويمثله لو صادفها في عدة زوج, أو في عدة وطء بشبهة] فأراد الرد كان له الرد.
стр. 1088
الفرق بين المسألتين: أنه إذا صادفها معتدة, فهي محرمة الوطء [عليه, وعلى جميع الناس إلى زمان معلوم, وذلك عيب يوجب نقصانًا من الثمن ظاهرًا؛ لأن الوطء من جملة مقاصد الجواري.
وأما إذا صادفها محرمة بالرضاع, فتلك الحرمة مختصة به, وهذا لا يوجب نقص القيمة, وإنما يثبت الرد بما يعد عيبًا ينقص القيمة نقصانًا بينًا؛ ولذلك قال الشافعي ﵁: إذا وطء الأب جارية ابنه, ولم تحبل لم يغرم قيمتها وإن حرم عليه وطأها, وإنما يغرم إذا أحبلها.
وقال الشافعي ﵀: "لو أرضعت امرأة رجل بلبنه أمته الصغيرة, فحرمتها عليه لم تغرم شيئًا", ولذلك قلنا: لو اشترى رجل جارية رضيعة, فاسترضعها أم البائع, فأرضعتها, ثم اطلع على عيب قديم
стр. 1089
كان له ردها به, ولم يكن للبائع أن يقول: حرمتها علي, فلا تردها بالعيب.
стр. 1090
مسائل اختلاف المتبايعين
مسألة (١٩٩): إذا اختلف المتبايعان, فقال البائع: بعت منك العبد بألفين من دينك الذي علي, وقال المشتري: إنما اشتريته بألف, فليس بينهما تحالف.
ولو قال: بعت العبد منك بألفين, وأطلق, وقال المشتري: بل اشتريته بألف تحالفا, ولا فرق في المسألتين بين أن تكون السلعة فائتة وبين أن تكون باقية.
والفرق بينهما: أن البائع إذا قال: بعته بألفين من دينك الذي علي, فقد أقر بأنه قبض جميع الثمن الذي يدعيه؛ لأن من باع سلعة من غريمه بدينه الذي يستحقه عليه صار الثمن بنفس العقد مقبوضًا, وقبضه براءة ذمته عن مقدار ثمن سلعته, فصار كما لو قال: بعت العبد منك بألفين, وقد قبضت الألفين,
стр. 1091
وقال المشتري: إنما اشتريته بألف, فلا تحالف بينهما.
وأما إذا أطلق البائع الألفين, وكذبه المشتري, فالدعوى المطلقة لا تتضمن إقرارًا بالقبض, وهما مختلفان في الثمن, فلا بد من التحالف.
مسألة (٢٠٠): إذ كان لرجل على دين, فباع ذلك الدين] بعين, وقبضها قبل التفرق, فالمذهب المشهور أن البيع صحيح.
ولو باع ذلك الدين من غير [من هو في ذمته كان البيع باطلًا.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا باع الدين ممن عليه الدين كان نفس البيع متضمنًا تسليم المبيع وهو براءة ذمته عن الدين الذي قد باعه منه, فأما إذا باعه من غيره, فنفس البيع لا يتضمن براءة ذمة ذلك الغريم؛ لأن ذمته إنما
стр. 1092
تبرأ بالقضاء, أو بالإبراء, والبيع من غيره ليس بإبراء, وذلك الدين مضمون] في ذمته وهو ضامنه في المعاوضة السابقة, فلا يجوز أن يصير الثاني ضامنًا له بحق [هذه المعاوضة, فيتوالى ضمانان من جنس واحد في حالة واحدة على مال واحد؛ فلذلك افترقت المسألتان.
مسألة (٢٠١): إذا اختلف المتبايعان, فقال أحدهما: بعته منك بشرط الخيار, وأنكر الأخر الخيار تحالفًا وترادًا.
ولو اختلفا في ذكر العيب, فقال البائع: اشتريته على أنه معيب] وقال المشتري: ما اشتريته على أنه معيب [، فلا تحالف بينهما, والقول قول المشتري.
والفرق بينهما: أنهما إذا اختلفا في الخيار, فقد تصور الاختلاف بينهما على
стр. 1093
وجه لو اقترن بالعقد حالة العقد بطل ولم ينعقد, وذلك أن البائع لو قال: بعته, منك بألف على أن لي الخيار ثلاثة أيام, فقال] المشتري: اشتريته منك بما قلت على أن لا خيار لك لم ينعقد [البيع بينهما, فإذا اختلفا في الانتهاء مثل هذا الاختلاف تحالفا, وصار كاختلافهما في مقدار الثمن يتحالفان؛ لهذه العلة؛ لأن البائع لو قال: بعتك هذا العبد بألفين, فقال المشتري: اشتريته بألف لم ينعقد البيع بينهما, فإذا اختلفا مثل هذا الاختلاف تعذر إمضاء العقد بينهما, فوجب التحالف.
فأما المسألة الأخرى, فليست كذلك؛ لأنهما لو اختلفا في الابتداء, فقال البائع: بعته منك بكذا وكذا على أنه معيب,] وقال المشتري: اشتريته منك بهذا
стр. 1094
الثمن على أنه غير معيب [انعقد العقد بينهما بكل حال, سواء كان معيبًا, أو سليمًا عن العيوب, فإذا وقع بينهما مثل هذا الاختلاف في الانتهاء لم يضر ولم نوجب التحالف.
مسألة (٢٠٢): المنصوص عليه للشافعي ﵁ أن المتبايعين إذا تحالفا, وفرغا لم ينفسخ البيع/ (١٤٢/ أ) بينهما, وكان متوقفًا إلى أن يقول القاضي للبائع: أترضى بما قال المشتري؟ فإن لم يرض قال للمشتري: أترضى بما قال البائع؟ فإن لم يرض فسخ البيع بينهما, وإن رضي أحدهما بما قال الثاني أمضى بينهما ذلك العقد, فأما انفساخ البيع بنسف التحالف, فتحريج بعض أصحابنا, وليس بمنصوص.
وإذا لاعن الرجل امرأته, ففرغ من اللعان, وقعت الفرقة بفراغه, ولا يتوقف على لعانها, ولا على تفريق القاضي بينهما.
стр. 1095
والفرق بينهما: أن المتبايعين إذا تحالفا احتمل بعد التحالف تراضيهما, واتفاقهما على رأي أحدهما, وإن اشتدت في التحالف خصومتهما, وإنما يفسخ الحاكم العقد إذا تحقق اليأس من استدامته بينهما, فأما في اللعان فإن الزوج إذا رضي بأن يعير نفسه, وفراشة بالقذف, ثم زاد على ذلك المرافعة, ثم ذكر أربع شهادات بالله أنها زانية, ثم ختمها بالخامسة, وهي ذكر اللعنة عقل العقلاء أن الوصلة بينهما صارت مأيوسًا منها حقيقة للفضيحة الحاصلة, والمقصود من النكاح هذه الوصلة, وما فيها من حسن العشرة, والنكاح بين هذين الشخصين بعد اللعان لو انعقد لم تتوفر عليه مقاصده في الحال, ولا في المآل, وقد قال من فوض الفرقة إلى القاضي: يلزمه التفريق, ولو تراضى الزوجان بالصحبة بعد اللعان لم ينفعهما تراضيهما.
مسألة (٢٠٣): إذا اختلف الزوجان, فقالت المرأة: لا أسلم نفسي إليك ما لم تسلم مهري إلى, وقال الزوج: لا أسلم المهر ما لم
стр. 1096
تسلمي إلي نفسك, فالمرأة غير مجبورة على التسليم بحال, ولكن إما أن يجبر الزوج, وإما أن يعدل المهر.
وإذا اختلف البائع, والمشتري مثل هذا الاختلاف جاز إجبار البائع على تسليم السلعة قبل قبض الثمن.
والفرق بين المرأة والبائع - وهي بمنزلة البائع -: أن البائع إذا أجبر على تسليم السلعة, فسلمها, فالتسليم لا يتضمن هلاكها, فأما تسليم المرأة بضعها.
стр. 1097
فإنه يتضمن هلاك البضع؛ لأن تسليمها يمكن الزوج من إصابتها, ولا يجوز إجبارها على ابتداء التفويت قبل وصول المهر إليها.
стр. 1098
مسائل المرابحة
مسألة (٢٠٤): إذا باع رجل سلعة مرابحة, فقال في العقد: بعتها منك بما قامت على في عقدها: على كل عشرة ربح درهم, وكان قد اشتراها بمائة, وأنفق عليها عشرين للغسل والطراز والقصارة وغير ذلك, لزم البيع بينهما بمائة وعشرة دارهم.
] ولو كانت المسألة بحالها, فقال: بعتها منك بما قامت: على كل عشره ربح درهم [، فقال: اشتريت, لزم البيع بينهما بمائة واثنين وثلاثين.
والفرق: أنه إذا ذكر العقد فقال: بما قامت علي في العقد كان
стр. 1099
الظاهر من هذه اللفظ أنه أراد الثمن دون المؤن, والثمن مائة وعلى كل عشرة ربح درهم, فهي واجبة عليه بمائة وعشرة.
فأما إذا لم يذكر العقد, واقتصر على قوله بما قامت علي, فهذا اللفظ لفظ عام شامل ينطلق على الثمن, والمؤن التي استنفقها, وجملتها مائة وعشرون, وربح الجملتين اثنا عشر, فلذلك ألزمناه السلعة بمائة واثنين وثلاثين.
مسألة (٢٠٥): إذا باع رجل سلعة بثمن مجهول, ولم يتفرقا حتى صيراه معلومًا, فالبيع باطل.
ولو اشترى سلعة, ثم باعها مرابحة, والمشتري غير عالم بأصل الثمن فقد قال
стр. 1100
بعض أصحابنا: إن لم يتفرقا عن المجلس حتى صيرا ذلك الثمن معلومًا كان البيع صحيحًا.
الفرق: أن المرابحة عقد مبني على عقد يترتب حكمه عليه, والثمن معلوم في العقد الأول, والجهالة مأمونة, والتأمل غير متعذر, فإذا لم يتفرقا حتى صار معلومًا, فكأنما ذكرا مقداره في أصل العقد, فأما في غير المرابحة, فالعقد ابتداء وليس ببناء, وشرط صحة التلفظ به إعلام العوضين من الجانبين, وليس ها هنا أصل سابق في العلم يمكن الرجوع إليه.
فإن قال قائل: أليس الشافعي ﵀ جعل مجلس العقد, كحالة
стр. 1101
العقد؟ فهلا جعلتم إعلام الثمن في مجلس العقد نظير إعلامه في حالة العقد.
قلنا: الشافعي - رحمة الله عليه - جعل مجلس العقد إذا سبق العقد,] كحالة العقد, وأما إذا لم يسبق [عقد صحيح بشرائطه, فليس لذلك العقد مجلس.
وفي هذا الأصل غلط بعض أصحابنا في التفريع, فقال: إذا باع سلعة بمائة درهم وزق خمر, ثم لم يتفرقا حتى حذفا ما ذكرا من الخمر كان البيع صحيحًا؛ لأن مجلس العقد, كحال العقد, وهذا محال؛ لأن هذا العقد ليس بعقد من أوله, وإذا لم يثبت له حكم العقد لم يثبت له مجلس العقد.
مسألة (٢٠٦): إذا اشترى رجل سلعة, وباعها, فحط البائع الأول بعض الثمن
стр. 1102
عن المشتري الأول لم يجبر المشتري الأول في الحط عن الثاني.
ولو كان بيعه مع الثاني مرابحة, أو توليه, أو شركة لزمه أن يحط عن الثاني ما حط عنه.
والفرق: ما ذكرنا في المسألة السابقة أن المرابحة عقد مبني على عقد يترتب عليه حكمه, فإذا ثبت في الأول حط تعدى إلى الثاني.
فأما إذا لم تكن مرابحة, ولا تولية, ولا شركة, فالبيع الثاني مبتدأ غير مبني, فلا يتصل حكم أحد العقدين بالثاني.
стр. 1103
مسائل البيوع الفاسدة
مسألة (٢٠٧): إذا باع رجل عبدًا, ثم ادعى بعد البيع أنه كان أعتقه لم تقبل دعواه.
ولو بيع عليه في دين بقضاء القاضي, ثم ادعى أنه كان أعتقه فدعواه مسموعة والبيع باطل.
والفرق: أن العبد إذا بيع عليه, فهو بدعوى العتق] لا يكذب نفسه؛ لأن القاضي هو الذي باشر البيع, فأما إذا باعه بنفسه, ثم ادعى العتق السابق, فهو بدعوى العتق [السابق يكذب نفسه بنفسه, ولو جاء
стр. 1104
بشاهدين يشهدان على لفظ العتق السابق فشهادتهما مردودة؛ لأنه لما كذب نفسه بالبيع السابق فقد كذب بينته, والخصم إذا كذب البينة فالبينة ساقطة.
وقد قال الشافعي ﵀: "لو باع رجل سلعة مرابحة وذكر أنه اشتراها بتسعين, ثم رجع من بعد وقال: كنت أشتريها بمائة لم يسمع منه, وإن أقام بينة على ذلك لم تسمع بينته".
وعلى هذا قال بعض مشايخنا: "إذا زوجت البكر تزويج إجبار فادعت بعد ذلك رضاعًا بينها وبين زوجها تسمع دعواها, والثيب إذا
стр. 1105
زوجت فادعت رضاعها بينها وبين زوجها فدعواها غير مسموعة".
والفرق بينهما: أن البكر لم تستأذن فلم تتضمن دعواها تكذيب نفسها,] وأما الثيب فقد استؤذنت فأذنت فتتضمن دعواها تكذيب نفسها [.
وعلى هذا يفصل بين البائع إذا ادعى أن ما باع كان وقفًا, وبين وارثه إذا ادعى ذلك والوارث من الأرباب, فلا تسمع بينة المرث؛ لأنه كذب نفسه بنفسه, وتسمع البينة من الوارث, ويبطل
стр. 1106
البيع, ويرجع المشتري بالثمن على تركه البائع إن كان خلف تركه.
مسألة (٢٠٨): بيع الصوف على ظهر الغنم باطل.
وبيع الزرع على أن يقطعه جائز, وكذلك يجوز بيع قوائم الشجرة, وأغصانها من غير شرط القطع.
والفرق بين الصوف, وبين القوائم, والزرع: أنه إذا اشترى الصوف, ثم أراد أن يجزه من أصل الظهر لم يكن له ذلك, وكذلك إذا أراد أن يحلقه حلقًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى تعذيب الحيوان لغير مأكله, وقد
стр. 1107
نهى رسول الله ﷺ عن تعذيب الحيوان إلا لمأكله. وإن ألزمنا المشتري جز البعض، واستبقاء البعض كان مجهولًا، ولا يجوز بيع المجهول.
فأما إذا اشترى الأغصان، أو الزرع، فحقه أن يقطعه عن وجه الأرض، وحقه في القوائم، والأغصان أن يقطع جميع ما يسمى غصنًا، وهذا ممكن غير متعذر، فيكون العقد عاريًا عن الجهالة.
مسألة (٢٠٩): إذا بايع الرجل أعمى، أو كان البائع أعمى، والمبيع عين من الأعيان، فالبيع باطل.
ولو باع رجل عبده الأعمى من نفسه بمال معلوم، أو كاتبه، فالبيع صحيح والكتابة صحيحة.
стр. 1108
والفرق بينهما: أن العبد إذا اشترى نفسه، أو قبل الكتابة على نفسه/ (١٤٣/ ب)، فقد قبل العقد على ما هو غير مجهول [عنده؛ لأن الإنسان لا يجهل نفسه وإن كان أعمى، فأما إذا اشترى ثوبًا، والمشتري أعمى، فالمعقود عليه مجهول] عند العاقد، وشرط البيع علم المتعاقدين جميعًا بالمعقود عليه عند العقد.
ولهذا المعنى فصلنا بين شراء العين، وبين عقد السلم في حق الأعمى، فقلنا: إذا اشترى عينًا، فالعقد باطل، وإذا اشترى سلمًا، فالعقد صحيح.
الفرق بينهما: أن العلم بالسلم طريقه طريق الأوصاف، والأعمى يستدرك العلم بالوصف، كما يستدركه البصير، فأما العلم المستفاد بالمعاينة، فلا يحصل ذلك للأعمى مع فقد حاسة البصر.
стр. 1109
وفصل المزني في السلم بين الأعمى، والأكمه، فقال: إنما يصح السلم من الأعمى الذي كان في الأصل بصيرًا، فعاين الأشياء، وعرفها، وعرف أوصافها، ثم اعترض العمى، ولا يصح من الأكمه، وهو الذي خلق أعمى، وفصل بينهما؛ بأن الأكمه إذا لم ير الأشياء قط لم يعرفها وإن وصف له وصفها، وادعى أن الشافعي ﵀ أراد هذا المراد، وهذا الفرق.
وساعده بعض أصحابنا، وخالفه بعضهم، وقال من خالفه: إنا صادفنا جماعة من العميان الذين خلقوا عميانًا يستقصون أوصاف الأعيان [متتابعين فيها غير غالطين فيما يستقصون من أوصافها، فعرفنا أنهم إذا سمعوا أوصاف الأعيان]، وعقلوها، وضبطوها صارت معلومة عندهم.
стр. 1110
ثم لابد في سلم الأعمى من بصير عند التسلم، والتسليم؛ لأن الأعمى لا يعرف العين بحال.
فإن قال قائل: ما الفرق بين اللون، وبين الطعم، وقد قلتم إذا نظر البصير إلى خل فرأى لونه جاز أن يشتريه من غير أن يذوقه، وإذا ذاقه الأعمى، فعرف طعمه لم يجز له شراؤه، وطعمه معظم مقصودة، وكذلك ما أشبه الخل مما له طعم؟
قلنا: الفرق بينهما: أن الأعمى وإن ذاق الطعم، فالمعاينة مفقودة من جهته، وعلم الأعيان بالمعاينة.
ألا ترى أن البصير لو شم المسك في بيت مظلم - والمقصود منه رائحته - فاشتراه من غير معاينة لم يجز ذلك العقد في قول، وجاز في
стр. 1111
قول، وثبت له خيار الرؤية.
ولو شاهد المسك، ولكنه أخشم لا يشم رائحته، فاشتراه، صح الشراء، ولا خيار له فيه، فعرفت أن الشم، والذوق، واللمس حواس لا تأثير له في العلم المشروط لصحة البيع، وإنما التأثير للمعاينة.
مسألة (٢١٠): القيم إذا دفع دراهم إلى الطفل، ليقضي دينًا كان ذلك الطفل، فأوصلها إلى الغريم صح ذلك القضاء.
ولو أن الصبي - بغير إذن القيم - قضي دينه لم يصح القضاء.
والفرق بين الحالتين: أن تعيين الدراهم المصروفة إلى قضاء الدين حق
стр. 1112
للقيم، وإذا أراد/ (١٤٤/ أ) الصبي التعيين لم يصح ذلك منه، وإذا عين القيم، وسلمها إلى طفل صح التعيين من جهة من إليه التعيين، ووصلت العين المعينة إلى يدي مستحقها.
فإن قال قائل: يد الصبي لا تصلح للقبض، والإقباض، كما أن الصبي لا يصلح للتعيين، والتمييز، فما بالكم جعلتم يده في التسليم وإسقاط الضمان، كيد البالغ، ولم تجعلوا تمييزه، وتعيينه، كتعيين البالغ؟
قلنا: إن يد الصبي في هذه المسألة يد مفقودة الحكم، ونحن ما صححنا قضاء الدين لإلحاق يده بيد البالغ، ولكن لو ميز القيم دراهم لدين فلان، فسمع فلان بالتمييز، فجاء بنفسه، وأخذ تلك الدراهم من غير دفع، وإقباض وقعت الموقع، وصار الدين مقضيًا، وحصلت براءة الذمة، فتسليم الصبي لا ينزل عن هذه الدرجة التي صورناها.
مسألة (٢١١): إذا باع رجل سلعة من مراهق بثمن معلوم، فالبيع باطل،
стр. 1113
وإن استهلكها ذلك المراهق، فليس لصاحب السلعة مطالبته بقيمتها، ولا بثمنها.
ولو أن رجلًا أودع مراهقًا وديعة، فاستهلكها، فالمذهب الصحيح أن له تغريم المراهق.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا أودعه، فقد استحفظه، وإذا استحفظه لم يسلطه على استهلاك العين، ومعقول أن صاحب المال لو رأى مراهقًا يتلف ماله، فسكت كان له تغريمه، ولم يكن سكوته رضي منه بذلك الاستهلاك، فكيف يكون إيداعه، واستحفاظه رضي بالاستهلاك؟
فأما إذا بايعه، وسلم السلعة إليه، فقد سلطه على استهلاكها، لأن كل من باع سلعة من إنسان، وسلمها إليه علم أن ذلك المشتري إنما اشتراها، ليستمتع
стр. 1114
بها استمتاع مثله بمثلها، وإذا تحقق التسليط على الاستهلاك استحال التغريم، ولو أن رجلًا باع سلعة من سفيه محجور عليه، فأتلفها لم يكن له عليه عوضها، لا في الحال، ولا في المآل، فمنزلة المراهق في هذا الاستهلاك مثل منزلة السفيه والله أعلم بالصواب.
стр. 1115
كتاب السلم
مسألة (٢١٢): إذا باع رجل عبدًا وكان حاضرًا، فصار بعد البيع آبقًا، فالبيع لا يبطل، غير أن المشتري بالخيار، فإن شاء فسخ البيع، وإن شاء أجازه وانتظر عود العبد الآبق.
وإذا أسلم في شيء إلى وقت معلوم، فدخل وقت المحل والمسلم فيه منقطع مفقود بطل السلم في أحد القولين، والقول الثاني: إنه كالعبد الآبق، فإن شاء أجاز وانتظر وجود المسلم فيه في العام القابل، وإن شاء فسخ واسترد المال.
стр. 1116
والفرق بين العبد والمسلم: أن العبد إذا كان حاضرًا حين استقر العقد عليه كان موصوفًا بأنه مقدور عليه وعلى/ (١٤٤/ ب) تسليمه عند محله ومحله عقيب العقد، ومن باع عينًا مقدورًا على تسليمها عند محلها صح البيع، فإذا أبق تراخى فعل التسليم، فلم يبطل البيع ما دام العبد حيًا؛ لعدم فوات التسليم على الحقيقة.
فأما إذا أسلم في طعام وجعل محله زمانًا معلومًا، [فأول زمان التسليم ذلك الزمان المعلوم]، فإذا حان ذلك الزمان وهو منقطع صار في تقدير من باع عبدًا آبقًا إباقًا مقترنًا بالبيع، ومثل هذا البيع باطل.
стр. 1117
ولذلك فصلنا بين من يؤجر دارًا مغصوبة، فيبطل العقد، وبين من يؤجرها غير مغصوبة فيعترض الغصب، وكذلك الغصب المقترن بعقد الكراء يمنع صحته، والمعترض لا ينافي صحته، ولكن يثبت خيار فسخه.
مسألة (٢١٣): إذا باع عينًا بيعًا حالًا، لا أجل في ثمنه جاز إطلاق العقد من غير تقييد بالحلول، ثم يكون مطلقه حالًا.
فأما إذا أسلم، وأطلق إطلاقًا، فقد قال بعض أصحابنا: إن السلم باطل
стр. 1118
حتى يقيده بالحلول، وبعضهم خالفه في ذلك، واستشهد القائل الأول بلفظ الشافعي ﵀ في كتاب السلم حيث قال: "وقال: في كل واحد حدًا وأجلًا معلومًا، أو قال: حالًا"، فاشترط في السلم الحال أن يقول: حالًا.
والفرق بين العين والسلم: أن العادة الغالبة في السلم الجاري بين الناس الآجال، والسلم الحال وإن كان جائزًا، فهو غير معتاد، فإذا أطلق السلم تقيد بالعادة، ثم الآجال تختلف، فتطول وتقصر، فصار في التقدير، كأنه ذكر أجلًا من الآجال غير معلوم.
ومثال: أن يبيع بنقد مطلق، فيقول: بعت منك هذا الثوب بألف درهم، وفي البلد نقود مختلفة، فالبيع باطل، وهو في تقدير من قال: بعته منك بنقد من النقود.
فأما بيوع الأعيان، فليس الغالب عليها التأجيل، بل العادات فيها متقابلة، ولعل عادة الحلول أغلب، وأكثر، فإذا باع، وأطلق البيع تعين؛
стр. 1119
لحلول الثمن المحل المعتاد في العين الحالة، وهو الزمان الذي يعقب العقد.
مسألة (٢١٤): إذا باع عينًا، والبائع والمشتري عالمان بها، ولا يعلمها في السوق غيرهما، فالبيع جائز، ولا يضر اختصاصهما بالعلم، ومثل ذلك في السلم غير جائز، حتى يكون في البلد رجلان عدلان، فصاعدًا يعرفان من وصف ذلك الشيء المسلم فيه ما يعرف المتعاقدان.
والفرق بينهما: أن العين إذا بيعت بعد المعاينة والإحاطة بها تيسر تسليمها، فإذا سلمها انقطعت الخصومة بينهما، ولا يتصور في المستقبل جهالة وخصومة في التسليم، والتسليم للخروج من العهدة، فأما إذا أسلم في شيء وذكر أوصافه، ولا يعلم ذلك الشيء بتلك الأوصاف سوى المتعاقدين فالخصومة عند/ (١٤٥/ أ) التسليم غير مأمونة.
стр. 1120
ألا ترى أن السلم إذا حل، فجاء البائع بذلك الشيء، وقال: هذا الشيء بهذه الصفات هو ما أسلمت فيه، وقال المشتري: ليس هذا الشيء بمستجمع لأوصاف العقد، كان القول فيه قول المشتري، فإذا لم يكن في البلد سواهما عدلان يعرفان وصفه؛ لتقطع الخصومة بشهادتهما تحققت الجهالة عند التسليم، وكانت جهالة مستندة إلى أصل العقد المنعقد بينهما، فلذلك اشترط الشافعي ﵀ علم غيرها نصًا في كتاب السلم.
مسألة (٢١٥): إذا أسلم في عبد وجارية معًا، واقتصر على أكثر أوصافهما المشروطة في السلم حكمنا بصحة العقد.
ولو قال: على أن يكون الغلام ولد هذه الجارية الموصوفة، فالسلم باطل.
стр. 1121
والفرق: أنه إذا اشترط أن يكون الغلام ولد تلك الجارية على الأوصاف المذكورة، فالغالب تعذر الوجود، والسلم في العزيز الوجود باطل، حتى يكون عام الوجود.
[ألا ترى أنه إذا أسلم في شيء، وجعل محله زمانًا يحتمل أن يكون موجودًا فيه، ويحتمل أن يكون مفقودًا، وليس الغالب الوجود] كان السلم باطلًا.
وإذا لم يشترط أن يكون الوصيف ولد الوصيفة لم يكن عزيز الوجود؛ لأن العبيد والإماء موجودون غالبًا.
مسألة (٢١٦): إذا اشترط في السلم أجود الطعام، فالسلم باطل. وإذا اشترط أردأه، فالسلم جائز على أحد القولين
стр. 1122
والفرق بينهما: أنه إذا اشترط أجوده، فأتاه بطعام جيد كان له أن يمتنع عن القبول، ويطلب أجود من ذلك الجيد على مقتضى شرطه في عقده، ثم لا يعلم للجودة غاية حتى تنقطع بينهما الخصومة بتلك الغاية.
وأما إذا اشترط الأردى [فأتاه بطاعم رديء، فليس للمسلم أن يقول أريد أردى] من هذا بعدما تبرع البائع، وأعطاه أجود الرديئين، فيتيسر في هذه الصورة قطع الخصومة بينهما، فلهذا افترقا.
مسألة (٢١٧): إذا باع عينًا بدراهم إلى آجال صح البيع وطولب في الآجال بمقادير الثمن.
ولو أسلم دراهم في حنطة إلى آجال ففي السلم قولان منصوصان: أحدهما: أنه صحيح، والثاني: أنه باطل.
стр. 1123
والفرق: أن السلم ربما يتيسر في المحل الأول بعض قسطه فيسلمه ويتعذر الباقي، وإذا تعذر انفسخ العقد، أو تخير في الفسخ، فلا يجد بدًا من توزيع رأس المال، فيؤدي إلى الجهالة المستندة إلى أصل العقد، فأما بيع العين فلا ينفسخ، وإن تعذر تسليم بعض الثمن في بعض الآجال المذكورة فلا يؤدي إلى هذا الفساد.
فإن قال قائل:/ (١٤٥/ ب) ولم يبطل السلم بهذا العارض ولا يبطل بيع العين، وما الفرق بينهما؟
قلنا: الفرق بينهما: ما سبق بيانه أن السلم غير مستقر في الذمة، والثمن في بيع العين مستقر في الذمة، وقد ذكرنا دليل الاستقرار.
وعلى هذا الأصل قلنا: لو باع رجل عبدًا بمائة دينار وألف درهم إلى أجل
стр. 1124
واحد فالبيع صحيح، ولو أسلم دنانير في حنطة وشعير إلى أجل واحد ففي السلم قولان.
والفرق في هذه المسألة مثل الفرق الذي ذكرناه في الشيء الواحد إلى الآجال، وذلك أن الحنطة ربما توجد وينقطع الشعير، أو يوجد الشعير وتنقطع الحنطة.
مسألة (٢١٨): إذا اشترى رجل ثوبًا بعينه، فقبضه، فصادفه معيبًا، فرده على معنى الاستبدال به لم يجز ذلك له، ولكن له إما فسخ العقد وإما الإجازة.
ولو أسلم في ثوب، فطالبه عند المحل فسلم إليه ثوبًا على وصف عقده، وشرطه، فوجد به عيبًا، فرده لم ينفسخ العقد، وله مطالبته بثوب غير معيب.
والفرق: أن استحقاق الثوب في السلم يعتمد الوصف، ولا يعتمد العين، فإذا انكشف الثوب المقبوض معيبًا استبان أن حقه في ثوب غيره،
стр. 1125
وذلك الثوب المستحق موصوف في ذمته غير معين، فهو بالاستبدال غير ناقل عقده من عين إلى عين.
فأما إذا اشترى عينًا فأراد الاستبدال بها فإنه ناقل عقده من ثوب إلى ثوب، والعين إذا تعينت في العقد، فلا سبيل إلى تبديلها، والمجلس، وما وراء المجلس في ذلك سواء.
مسألة (٢١٩): امتنع الشافعي ﵀ عن وقف العقود في أكثر كتبه الجديدة، وقال بوقفها في القديم، وفي بعض كتبه الجديدة.
следующие страницы →