Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
والفرق: أنه إذا اشترط أن يكون الغلام ولد تلك الجارية على الأوصاف المذكورة، فالغالب تعذر الوجود، والسلم في العزيز الوجود باطل، حتى يكون عام الوجود.
[ألا ترى أنه إذا أسلم في شيء، وجعل محله زمانًا يحتمل أن يكون موجودًا فيه، ويحتمل أن يكون مفقودًا، وليس الغالب الوجود] كان السلم باطلًا.
وإذا لم يشترط أن يكون الوصيف ولد الوصيفة لم يكن عزيز الوجود؛ لأن العبيد والإماء موجودون غالبًا.
مسألة (٢١٦): إذا اشترط في السلم أجود الطعام، فالسلم باطل. وإذا اشترط أردأه، فالسلم جائز على أحد القولين
стр. 1122
والفرق بينهما: أنه إذا اشترط أجوده، فأتاه بطعام جيد كان له أن يمتنع عن القبول، ويطلب أجود من ذلك الجيد على مقتضى شرطه في عقده، ثم لا يعلم للجودة غاية حتى تنقطع بينهما الخصومة بتلك الغاية.
وأما إذا اشترط الأردى [فأتاه بطاعم رديء، فليس للمسلم أن يقول أريد أردى] من هذا بعدما تبرع البائع، وأعطاه أجود الرديئين، فيتيسر في هذه الصورة قطع الخصومة بينهما، فلهذا افترقا.
مسألة (٢١٧): إذا باع عينًا بدراهم إلى آجال صح البيع وطولب في الآجال بمقادير الثمن.
ولو أسلم دراهم في حنطة إلى آجال ففي السلم قولان منصوصان: أحدهما: أنه صحيح، والثاني: أنه باطل.
стр. 1123
والفرق: أن السلم ربما يتيسر في المحل الأول بعض قسطه فيسلمه ويتعذر الباقي، وإذا تعذر انفسخ العقد، أو تخير في الفسخ، فلا يجد بدًا من توزيع رأس المال، فيؤدي إلى الجهالة المستندة إلى أصل العقد، فأما بيع العين فلا ينفسخ، وإن تعذر تسليم بعض الثمن في بعض الآجال المذكورة فلا يؤدي إلى هذا الفساد.
فإن قال قائل:/ (١٤٥/ ب) ولم يبطل السلم بهذا العارض ولا يبطل بيع العين، وما الفرق بينهما؟
قلنا: الفرق بينهما: ما سبق بيانه أن السلم غير مستقر في الذمة، والثمن في بيع العين مستقر في الذمة، وقد ذكرنا دليل الاستقرار.
وعلى هذا الأصل قلنا: لو باع رجل عبدًا بمائة دينار وألف درهم إلى أجل
стр. 1124
واحد فالبيع صحيح، ولو أسلم دنانير في حنطة وشعير إلى أجل واحد ففي السلم قولان.
والفرق في هذه المسألة مثل الفرق الذي ذكرناه في الشيء الواحد إلى الآجال، وذلك أن الحنطة ربما توجد وينقطع الشعير، أو يوجد الشعير وتنقطع الحنطة.
مسألة (٢١٨): إذا اشترى رجل ثوبًا بعينه، فقبضه، فصادفه معيبًا، فرده على معنى الاستبدال به لم يجز ذلك له، ولكن له إما فسخ العقد وإما الإجازة.
ولو أسلم في ثوب، فطالبه عند المحل فسلم إليه ثوبًا على وصف عقده، وشرطه، فوجد به عيبًا، فرده لم ينفسخ العقد، وله مطالبته بثوب غير معيب.
والفرق: أن استحقاق الثوب في السلم يعتمد الوصف، ولا يعتمد العين، فإذا انكشف الثوب المقبوض معيبًا استبان أن حقه في ثوب غيره،
стр. 1125
وذلك الثوب المستحق موصوف في ذمته غير معين، فهو بالاستبدال غير ناقل عقده من عين إلى عين.
فأما إذا اشترى عينًا فأراد الاستبدال بها فإنه ناقل عقده من ثوب إلى ثوب، والعين إذا تعينت في العقد، فلا سبيل إلى تبديلها، والمجلس، وما وراء المجلس في ذلك سواء.
مسألة (٢١٩): امتنع الشافعي ﵀ عن وقف العقود في أكثر كتبه الجديدة، وقال بوقفها في القديم، وفي بعض كتبه الجديدة.
стр. 1126
فأما وقف القبض، فجائز، ومعنى وقف القبض: أن يقبض الرجل المسلم معيبًا وذلك دون وصفه، فيكون ذلك، القبض موقوفًا على رضاه وسخطه، فإن رضي به معيبًا حكمنا بأنه حقه لسابق عقده، وإن لم يرض به فرده كان له مطالبته بالسلم.
والفرق بين القبض وبين العقد: أن الأملاك تنتقل من مالك إلى مالك بالعقد، فإذا كان في أصله وقف - والأصل بقاء الملك للمالك الأول - لم يصلح ذلك اللفظ الضعيف بما تضمنه من الوقف لإزالة الملك.
فأما القبض، فليس بموضوع لنقل الملك، ولكنه استيفاء ما سبق من الملك المستحق، فجاز أن يكون متوقفًا على سخطه ورضاه في المستقبل.
стр. 1127
وإذا رده كان الرد عند بعض أصحابنا نقضًا للقبض، كنقض بيع العين برد المعيب، وقال/ بعض أصحابنا: رد السلم بالعيب رفع القبض وإعدامه لا نقضه.
فمن جعله إعدامًا ورفعًا [من الأصل لم يوجب على البائع استبراء الجارية المردودة في السلم بالعيب، ومن جعله نقضًا، لا رفعًا أوجب على البائع الاستبراء، ومن جعله إعدامًا ورفعًا] لم يجوز الاستبدال [في الصرف (على الموصوف، ومن جعله نقضًا جوز الاستبدال) في الصرف على] الموصوف.
стр. 1128
مسألة (٢٢٠): إذا اشترى رجل عبدين، وقبضهما، فمات أحدهما في يده، وكان بالثاني عيب، فأراد استدراك عهدة العيب، فسبيله أن يغرم قيمة الميت، ويرد الثاني، ويستر الثمن، وهذا أحد القولين "فإذا اختلفا في قيمة العبد الميت، فالقول قول المشتري".
والقول الثاني - في أصل المسألة -: أنه يرد العبد الثاني، ويسترد حصته من الثمن، ولا تعرف حصته ما لم تعرف قيمة
стр. 1129
الميت، فإن اختلفا في قيمته، ففي المسألة قولان: أحدهما إن القول قول البائع.
والفرق - على هذا القول -: أنهما إذا اختلفا، وحكمنا على المشتري برد العبد القائم مع قيمة التالف، فهو للعبد غارم، والقول في مقدار القيمة قول الغارم أبدا.
ألا ترى أن الغاصب، والمالك إذا اختلفا في قيمة المغصوب التالف، فالقول قول الغاصب؛ لأنه غارم، والأصل براءة ذمته، فأما إذا جعلنا
стр. 1130
له رد القائم بحصته من الثمن، فليس بغارم لقيمة العبد التالف، ولكن إنما نتعرف قيمته؛ لنهتدي إلى التقسيط، والتوزيع، والأصل أن ملك البائع مستقر على الثمن بالقبض؛ ولا ينقض ملكه في شيء منه بقول المشتري ولكن ينقض بالبينة، وإلا فالقول قول البائع مع يمينه.
مسألة (٢٢١): إذا باع عبدين بثمن معلوم، فتلف أحدهما قبل القبض استبقينا البيع على العبد الثاني على أصح القولين، والصحيح أن البيع إنما يستبقى عليه بما يخصه من الثمن، لا بجميع الثمن.
فإن قال قائل: إذا استبقيتم البيع عليه بحصته من الثمن صار أصل البيع في التقدير، كأنه قال: بعت منك هذا العبد بما يخصه من عشرة آلاف درهم إذا وزعت على قيمته، وعلى قيمة هذا العبد الثاني، [ولو قال هكذا، كان البيع باطلًا، فما الفرق؟
стр. 1131
قلنا: الفرق أنه إذا قال: بعت منك هذا العبد بما يخصه من عشرة آلاف درهم موزعة على قيمته وعلى قيمة العبد الثاني]، فذلك العبد الثاني غير داخل في العقد/ (١٤٦/ ب)، وإنما ورد العقد على هذا العبد المنفرد بثمن مجهول في أصل العقد سيصير معلومًا من بعد، ومثل هذه الجهالة تبطل العقد، فأما إذا باعهما بشعرة آلاف، فقد ورد العقد عليهما بثمن واحد معلوم، فحكمنا بصحة العقد، ثم لما تلف أحدهما [مست حاجتنا إلى التوزيع؛ لفسخ العقد في أحدهما]، والجهالة عند الفسخ لا تضر، وإنما تضر الجهالة عند العقد.
стр. 1132
فرق آخر: أن الجهالة في المسألة الأولى، وهي مسألة الإبطال جهالة مقصودة مقرونة بالعقد مشروطة، واشتراط الجهالة مبطل.
وأما في المسألة الثانية فإنها جهالة تصورت بالشرع، لا بالشرط.
ألا ترى أن رجلًا لو باع سلعة، واستثنى المشتري من الثمن المعلوم حصة أرش العيب مع الجهالة بالحصة كان البيع باطلًا، وإذا أطلق العقد استحق، أن يسترد من أصل الثمن عند فوات السلعة حصة الأرش، ولكنها جهالة ثبتت بالشرع، لا بالشرط.
مسألة (٢٢٢): إذا أسلم في ديباج لم يصح عقده حتى يذكر اللون مع ما يذكره من سائر الأوصاف.
وإذا أسلم في فرس، فقد نص الشافعي ﵀ على أنه لو لم يذكر
стр. 1133
اللون كان جائزًا، والمستحب أن يذكره وأن يذكر الشيات، فإن أغفل فأتاه بهيمًا كان عليه قبوله.
والفرق بينهما: أن الأوصاف المقصودة من الخيل قوائمها، وكرمها وصلابتها في الجري، العدو، وصبرها على الإعياء، فأما ألوانها، وإن كانت تقصد، فليست من معظم المقصود. وأما الديباج، فمن معظم مقصوده لونه، وأكثر ما تختلف فيه الأغراض ألوان الديباج، فلذلك اشترطنا فيها ذكر اللون، ولم نشترط ذلك في الخيل، وما أشبه الخيل.
стр. 1134
فإن قال قائل: الشعر في الجواري من معظم المقصود، وقد قال الشافعي ﵀: "إذا أسلف في العبيد والإماء وصف السن واللون والجنس، وحلاها بالجعودة، والسبوطة، [ولو ترك التحلية جاز"، فكيف جوز ترك التحلية بذكر الجعودة، والسبوطة]؟
قلنا: إذا ذكر الشعر وسلامته، فالجعودة والسبوطة مما تختلف فيه أغراض الناس اختلافًا متقاربًا غير متباين، ومن كان من الاختلاف بهذه الصفة فذلك غير قادح، وأما الألوان في الجواري، والعبيد، والثياب، فتفاوت الأغراض فيها متفاحش؛ يدلك على ذلك: بُعد ما بين النوبي والتركي في الأغراض، وقرب ما بين الشعر الجعد، والشعر السبط إذا كانا في الأصل سليمين.
стр. 1135
فإن قال قائل: أليس قد قال الشافعي: لو اشتراها على أنها جعدة، فوجدها سبطة لم يلزمها؛ لأن الجعودة أكثر ثمنًا؟
قلنا: بلى قد نص الشافعي على هذا، ولكن قد قال/ (١٤٧/ ب) بعض أصحابنا: لو اشتراها على أنها سبطة، فوجدها جعدة، فله الرد، واتفقوا على أنه لو اشترى عبدًان واشترط أنه كاتب فأخلف الشرط، ولكن وجد فيه منفعة فوق المنفعة المفقودة كان له الرد؛ لما وجد من الخلف، فالشافعي ﵀ أشار بما ذكر من كثر القيمة، ن وقلتها إلى الغرض
стр. 1136
المقصود في أعيان المتبايعين، لا إلى عين القيمة، حيث نقل تارة، وتكثر أخرى.
مسألة (٢٢٣): قال الشافعي ﵀ في رواية الربيع: لو أسلم في ذات در أنها لبون، ففيها قولان: أحدهما أنه جائز، والثاني: أن اللبن يتميز منه، فلا يجوز، كالحمل، وهذا أشبه القولين.
ولم يختلف قوله في السلم في الحامل أنه باطل.
والفرق بينهما: أن الوجود في اللبون على أوصاف السلم أعم، وأظهر، فأما وجود الحامل مستجمعًا لسائر الأوصاف، فذلك يعز، والسلم يبطل إذا كان المسلم فيه مما يعز وجوده، ويتعذر تسليمه.
مسألة (٢٢٤): قال الشافعي ﵀ في رواية الربيع: لو أسلم في لبيس
стр. 1137
من الثياب كان باطلًا. وقد نص في مواضع [على جواز السلم في الثياب المختلفة الألوان، التي لا يستغنى في ضبطها، ووصفها] عن الاستقصاء والجهد البليغ.
والفرق بين اللبيس، وغيره من الثياب: أن كونه لبيسًا وصف لا نهاية له، وتختلف صفته، وقيمته باختلاف هذا الوصف، وأكثر ما يمكن ذكره في إعلام هذا الوصف أن يذكر زمان اللبس، فيقول: لبيس شهر، ولبيس سنة، ولو قال ذلك بقيت الجهالة أيضًا لاختلاف الناس في اللبس، وأما سائر الأوصاف في الثياب، فلا يتعذر ذكر نهايتها؛ ولذلك قال الشافعي ﵀ في بعض المواضع: لا يجوز السلم في الرديء، ولا يجوز السلم في
стр. 1138
اللحم المشوي، واللحم الأعجف، وما جانس ذلك.
مسألة (٢٢٥): قال الشافعي ﵀ في كتاب البيوع من رواية الربيع، إذا تغيب الرجل الذي عليه الدين، حتى يحط عنه صاحبه شيئًا، فحط ما حد له، ثم يقول: إنما حططت؛ للتغيب، قال: لا يرجع، فيما حط، وليس هذا من معاني الإكراه.
والفرق بين الإكراه، والتغيب: أن الإكراه خوف حاصل على النفس، أو على المال إن ألحقنا المال بالنفس في الإكراه، فإذا حط؛ لذلك الخوف لم يصح ذلك الحط؛ لأنه محض إكراه لا يشوبه الاختيار. فأما إذا تغيب الغريم فالإكراه بذلك غير متحقق؛ لأنه قد يظهر بعد التغيب،
стр. 1139
فيتصور الاستعداء، والإعداء عليه، وقد يتصور ذلك في الحال؛ لأن القاضي يتجسس، ويعدى على المتغيب، كما يعدى على غير المتغيب.
مسألة (٢٢٦): قال الشافعي ﵀ في آخر هذه المسألة: - ولو قال: إن ظهر فقد وضعت عنه كذا، فظهر لم يلزمه؛ لأنها عطية مخاطرة. أي لم يلزمه ذلك الحط، ولم يصح لما فيه من التعليق.
ولو قال لمكاتبه: إن فعلت كذا فأنت حر عتق إذا فعله المكاتب، لم يختلف مذهبه في ذلك، وفي ذلك تعليق إبراء؛ لأن المكاتب لا يعتق إلا بالإبراء.
стр. 1140
والفرق بين المسألتين: أنه إذا قال: إن ظهر فقد وضعت عنه كذا، فقد قصد عين الإبراء بالمخاطرة والغرر، والإبراء لا يقبل الغرر، والخطر، والجهالة
فأما/ (١٤٧/ ب) إذا علق عتق مكاتبه، فالعتق من جنس ما يقبل الغرر، والخطر والجهالة، فجاز أن يندرج تحته ما لا يقبل الغرر.
ومثاله: أن الإمساك لا يقبل الغرر والخطر في نكاح المشركات، حتى لو قال: كلما أسلمت واحدة، فقد أمسكتها لم يكن ذلك إمساكًا.
ولو قال: كلما أسلمت واحدة، فقد طلقتها كان هذا التعليق صحيحًا؛ لأن من ضرورة الطلاق أن يندرج تحته الإمساك.
стр. 1141
مسألة (٢٢٧): قال الشافعي ﵀ إذا دفع إلى رجل كتابًا فيه ذكر الشراء، أو البيع باسمه، فختم عليه لم يكن ختمه إقرارًا، وقال في كتاب الطلاق: "ولو كتب بطلاقها كان طلاقًا".
والفرق: أن المقصود من الكتاب، والكتابة الإفهام، كما أن المقصود من المخاطبة الإفهام، والغائب يُفهم الغائب بالكتاب، كما أن الحاضر يُفهم الحاضر بالخطاب، فصارت مكاتبته في حال الغيبة مع البينة قائمة مقام المخاطبة.
فأما ختم الرجل الكتاب، فليس يقصد منه الإفهام، وإنما يقصد
стр. 1142
منه إحراز الكتاب ومنع الناظرين عن النظر فيه، فلا يمكننا أن نجعل هذا القدر من الفعل إقرارًا، ولا شيئًا منه قائمًا مقام العبارة - قال الشافعي ﵀ في هذه المسألة: - وإنما جعل السكوت قائمًا مقام النطق في البكر.
стр. 1143
كتاب الرهن
مسألة (٢٢٨): عقد الرهن قبل الإقباض من العقود الجائزة، ولا يبطل بموت أحد المتعاقدين، ولا بموتهما جميعًا، فأما عقد الوكالة، والجعالة وما أشبههما فإنه يبطل بالموت.
والفرق: أن الوكالة عقد جائز لا ينتهي إلى اللزوم ولا يعقد له،
стр. 1144
وأما عقد الرهن فإنه يعقد حيث يعقد لقصد اللزوم والإلزام، غير أنه يتوقف وجود صفة اللزوم على معنى متوقع في الثاني وهو القبض والإقباض، والعقد الموصوف بهذه الصفة لا يبطل بالموت.
ألا ترى أن البيع إذا تضمن شرط الخيار، فهو غير لازم ما دام الخيار قائمًا، ولكنه لما كان معقودًا لمقصود اللزوم لم يبطل بالموت ولا بالجنون ولا بالإغماء، فكذلك الرهن.
فإن قال قائل: إن عقد الهبة عقد يقصد به اللزوم ويتوقف الانبرام على القبض، وقد قلتم إذا وهب لوارث شيئًا في صحته فمرض مرض موته قبل تسليمه إليه بطلت هبته، ولو كان سلمه في حال صحته لأنبرمت بالتسليم، وما ضره اعتراض مرض الموت، فما الفرق؟
стр. 1145
قلنا: قد حكمت الشريعة بأن الوصية لا تجوز لوارث، وإذا وهب في حال صحته، ثم سلم في حال مرضه - والتمليك في الهبة بالتسليم - فكأنه أوصى له بما ملكه في مرض الموت. وكان أبو بكر الصديق ﵁ قد نحل عائشة جداد عشرين وسقًا، فمرض أبو بكر قبل الإقباض والقبض، فقال لها: وددت/ (١٤٨/ ب) أنك كنت قد حزتيه، وهو اليوم مالك ومال أخويك وأختيك، فقالت: عائشة أما أختي فلانة فقد عرفتها، فمن أختي الأخرى؟ فقال: إن فلانة حامل وما أراها إلا تلد جارية،
стр. 1146
فولدت جارية.
فدل حديث أبي بكر على أن مرض الموت إذا اعترض على الهبة للوارث قبل الحيازة بطلت الهبة، فأما عقد الرهن، فلا يتضمن هذا المعنى، وأقصى إشكاله أن يكون المرتهن وارثًا فيمرض المورث الراهن ويموت قبل الإقباض، فلا يضر عقد الرهن؛ لأنه لا ينقلب وصيه له.
فإن قال قائل: إن عقد البيع بعد الإيجاب وقبل القبول في حد الجواز، [كما أن الرهن بعد الإيجاب وقبل القبول في حد الجواز]، وموت أحد المتبايعين بين طرفي العقد مبطل للطرف الموجود، فهلا كان
стр. 1147
الموت مبطلًا للرهن إذا لم يكن مقبوضًا.
قلنا: أحد طرفي العقد بعض العقد، وبعض العقد لا يأخذ حكم العقد، فأما إذا استقل بطرفيه وتكامل فيه الإيجاب والقبول فقد تحقق له اسم العقد، واستتبع حقيقة الاسم حقيقة الحكم؛ فلذلك قلنا: إن خيار الشرط في البيع موروث وخيار القبول غير موروث.
مسألة (٢٢٩): قال الشافعي ﵀: ولو رهنه وديعة له في يده وأذن له بقبضه، فجاءت عليه مدة يمكنه فيها أن يقبضه، فهو قبض؛ لأن قبضه وديعة غير قبضه رهنًا. ثم قال: ولو كان في المسجد والوديعة في بيته لم يكن قبضًا حتى يصير إلى منزله وهي فيه.
ففصل بين المسألتين، فجعل القبض في المسألة الأولى حاصلًا بانقضاء
стр. 1148
زمان إمكان القبض، وإن لم يرجع إلى بيته، ولم ينقل الوديعة من مكان إلى مكان، واشترط في المسألة الثانية أن يرجع إلى منزله، ولم يقتصر على مضي الزمان.
فقال بعض مشايخنا: مراد الشافعي ﵀ بالمسألة الأولى رهن العقار، أو رهن ما يوضع تحت قفل، أو ختم، أو يغلق عليه باب، فيعلم المرتهن - وإن كان في المسجد - أن تلك الوديعة باقية في منزله حيث وضعها وشاهدها، فيستغني بمضي زمان الإمكان عن الرجوع واستئناف المشاهدة، وأما المسألة الثانية: فمصورة في عبد، أو دابة؛ لأن الحيوان يتردد، فينتقل ويتحول من مكن إلى مكان، فلا تبعد غيبته عن منزل المرتهن بعدما فارق المرتهن الوطن.
ثم إن الشافعي ﵀ أكمل الهبة بنفس العقد، إذا كان الشيء
стр. 1149
الموهوب وديعة عند الموهوب له، ولم يكمل الرهن بنفس العقد، ولكن اشترط قبضًا جديدًا من جهة المرتهن المؤتمن.
والفرق: أن الرهن محض أمانة وردت/ (١٤٨/ ب) على أمانة، فلا يتضمن إزالة الملك، فأما عقد الهبة فإنه موضوع لإزالة الملك، [وإن كان يتوقف ذلك على القبض، فإذا حصل القبض زال الملك] عقيب القبض في المشهور من القولين، ويستند زواله في القول الثاني إلى العقد السابق إذا تصور فيه القبض، فكان أقوى أثرًا من الرهن، وشاكل البيع من هذا الوجه، ولو كانت السلعة وديعة عند مشتريها، فالمنصوص أن العقد بنفسه يغني عن القبض والإقباض.
مسألة (٢٣٠): إذا تقدم الرهن، وأنبرم بالقبض، ثم جني ذلك العبد المرهون جناية مالية كانت الجناية مقدمة على الرهن.
стр. 1150
وإن كانا حقين لآدميين، فيباع العبد في أرش الجناية.
والفرق بين حق المرتهن، وحق الجناية: أن الرهن متعلق بمحلين: أحدهما: ذمة الراهن، والثاني: عين الرهن، ولو كان الرهن غير موجود كانت الذمة محلًا كاملًا مستغنيًا عن المحل الثاني.
وأما أرش الجناية، فليس كذلك؛ لأنه مختص بمحل واحد، وهو رقبة العبد، وليس له تعلق في أصل الجناية بذمة السيد؛ لأن السيد ما لم يضمن بالفداء لم تشتغل ذمته بأرش الجناية، فكانت الجناية أخص بالرقبة من دين المرتهن؛ فلذلك صار الأرش مقدمًا على حق المرتهن.
ثم إذا اجتمع هذان الحقان، ووجب تقديم الجناية نظرت إلى السيد فإن فداه، والتزم أرش الجناية، أو اصطلحا على شيء، أو
стр. 1151
أبرأه رب الجناية عن حقه من الأرش كان الرهن باقيًا بحاله؛ لأن الاعتراض على الرهن بالجناية لحق المجني عليه، فإذا وصل إليه حقه من غير الرقبة، أو رضي الإبراء استحال أن يكون الرهن باطلًا؛ لأن نفس الجناية لا تتضمن فسخ الرهن، ولا إبطال الدين.
مسألة (٢٣١): إذا تقدمت الجناية المالية من المملوك وتعلقت برقبته، ثم رهنه سيده، فقد نص الشافعي ﵀ على أن الرهن باطل، ثم أبلغ في الجواب فقال: الرهن مفسوخ، وإن أبطل رب الجناية حقه، يعني بعد عقد الرهن، ثم زاد تأكيدًا آخر فقال: ولو كانت الجناية تساوي دينارًا والعبد يساوي ألفًا، هذا لفظه في كتاب الرهن.
وقال في كتاب البيوع: "ولو باع عبدًا، وقد جني، ففيها
стр. 1152
قولان: أحدهما: أن البيع جائز، كما يكون العتق جائزًا، وعلى السيد الأقل من قيمته، أو أرش جنايته، والثاني: أن البيع مفسوخ من قبل أن الجناية في عنقه كالرهن، فيرد البيع ويباع، فيعطى رب الجناية جنايته، وبهذا أقول، إلا أن يتطوع السيد بدفع الجناية، أو قيمة العبد إن كانت جنايته أكثر، كما يكون هذا في الرهن".
فحصل له قولان في جواز بيع الجاني،/ (١٤٩/ ب) وقطع القول بإبطال الرهن إذا ورد عليه.
والفرق بينهما: أن البيع في صحته يستدعي أن يلاقي ملك البائع، وأن
стр. 1153
يكون ذلك الملك ملكًا كاملًا، وأن لا ينافي المالك عقدًا بعقد، ولا يضاد تصرفًا لازمًا، بتصرف لازم، والجناية إذا تعقلت برقبة العبد لم تزل ملك المالك عن الرقبة، ولم يضعف الملك، ولكن السيد مخير بين أن يفديه، فيستبقي عليه ملكه الكامل، وبين أن يرضى بزوال ملكه، فيباع في جنايته، ولم يتقدم منه عقد لازم وتصرف حتى يصير بيعه إياه مناقضًا لذلك التصرف السابق؛ لأن تعلق الجناية برقبته على غير اختيار منه، وهو إذا باع عبده لم يقصد ببيعه إياه وصول المشتري إلى قيمة ذلك العبد، وإنما قصد إدخاله في ملك المشتري، ويستحيل أن يقصد بالبيع قيمة المبيع، بل إنما يقصد به عينه، وعينه كما ذكرنا ملك بائعه، والملك فارغ عن عهدة عقد من جهته، بخلاف بيع المرهون.
فأما إذا رهن العبد الجاني، فالمقصود من رهنه وصول المرتهن إلى
стр. 1154
قيمته بعد محل حقه وتعذر الاستيفاء من جهة سيده، والجناية إذا تعلقت بالرقبة أوجبت حق المجني عليه في قيمته أيضًا، ألا تراه يستحق أن يباع في حقه، [كما يستحق المرتهن أن يباع في حقه]. فلما استويا كان المتقدم منهما مقدمًا على المتأخر، ومعلوم أن الرهن لو ورد على المرهون كان الرهن الثاني باطلًا؛ لهذه النكتة، فإذا ورد الرهن على الجاني كان أولى بالإبطال، والدليل على أنه أولى بالإبطال: أن المرهون بعد صحة رهنه إذا جني جناية مالية كانت الجناية مبطلة للرهن بعد لزوم الرهن، فإذا ورد الرهن على الجناية استحال تصحيح الرهن.
مسألة (٢٣٢): إذا تقدم الرهن التام على المال الذي هو من جنس أموال الزكاة، ثم حال الحول عليه، فقد قال الشافعي ﵀: "وجبت فيها الصدقة، فإن كانت إبلًا فريضتها الغنم بيع منها، فاشتريت صدقتها وكان ما
стр. 1155
بقي رهنً". فقدم حق الزكاة وأوجبه في المرهون، وإن كان عقد الرهن سابقًا على الحول.
وقال في باب الدين مع الصدقة: "وكل مال رهن، فحال عليه الحول أخرج منه الزكاة قبل الدين"، ثم قال المزني: "قد قال في كتاب اختلاف ابن أبي ليلى: إذا كانت له مائتا درهم وعليه مثلها فلا زكاة عليه، والأول من قوله مشهور"، فحصل له قولان في منع وجوب الزكاة بالدين، والمشهور
стр. 1156
من القولين ما قاله المزني: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة، وإن الزكاة مقدمة على الرهن.
والفرق بين الحقين على هذا القول: أن الراهن علق حق المرتهن مختارًا بعين/ (١٤٩/ ب) الرهن بعد تعلقه بذمته، فاستغنى بذمته عن الرهن، فأما وجوب الزكاة، فبخلاف وجوب الدين، وتعلقها آكد من تعلقه؛ الدليل على ذلك: أن الزكاة لا تستغني قط عن مال تتعلق به، [والدين يستغني عن رهن يتعلق به].
ثم من العلماء من قال: الزكاة تتعلق بالعين مع تعقلها بالذمة، ومنهم من
стр. 1157
قال: إنها تتعلق بالذمة مع تعلقها بالعين، فكانوا مجمعين على أن العين غير خالية عن الحق، واتفقوا على أن الزكاة إذا وجبت، فتلف المال قبل إمكان الأداء سقطت الزكاة، ولا يوجد هذا الوصف في الرهن على أصل الشافعي ﵀، فلذلك قدمنا الزكاة وأوجبناها في الين المرهونة، وصال حق الزكاة من هذا الوجه قريبًا من حق الجناية المالية في رقبة العبد؛ لأن الأرش يعتمد الرقبة وإذا تلفت الرقبة قبل الفداء والأداء سقط أرش الجناية، كما تسقط الزكاة بتلف المال.
مسألة (٢٣٣): قال الشافعي ﵀: ولو رهنه ماشية وجبت فيها الزكاة أخذت منها وما بقي فرهن.
стр. 1158
وقال في كتاب الرهن: ولو رهن عبدًا قد صارت في عنقه جناية على آدمي، أو في مال، فالرهن مفسوخ.
والفرق بين تعلق الزكاة برقبة المال، وبين تعلق الجناية بالرقبة من وجهين: أحدهما: أن الزكاة وإن تعلقت بالعين، فلها تعلق بالذمة على القولين جميعًا، على قول العين، وعلى قول [الذمة؛ لأن القولين عند تحقيقهما في تغليب (العين على الذمة، أو تغليب) الذمة على] العين، فأما أرش الجناية، فليس له تعلق بالذمة قبل الفداء، وإنما يتعلق بالرقبة، فهو أخص بالعين من الزكاة.
والفرق الثاني: أن تعلق الأرش بالرقبة، وتعلق الرهن بها متقاربان في المعنى، وذلك: أن تأدية حق المجني عليه من قيمة الرهن، وتأدية حق المرتهن - أيضًا - من القيمة، فلما تجانسا، وتقاربا من هذا الوجه قلنا: لا سبيل إلى تصحيح
стр. 1159
الرهن بعد تقدم الجناية، فأما تعلق الزكاة بالمال، وتعلق الرهن به، فإنهما متباينان غير متفقين؛ لأن الزكاة لا تعتمد القيمة.
فإن قال قائل: إنما يفتقر إلى هذا الفرق لو لم يبطل الشافعي الرهن في مقدار الزكاة، [فأما إذا أبطل الرهن في مقدار الزكاة] بقوله: أخذت منها الزكاة، وحكم بصحة الرهن في الباقي، فقد اتفق جوابه في الجناية والزكاة على إبطال الرهن، فلا حاجة إلى الفرق.
الجواب: أن الشافعي ﵀ لم يقطع القول بإبطال الرهن في مقدار الزكاة، ولكن حكم بأن الزكاة إذا أخذت من تلك الجملة، فالباقي رهن. والدليل على هذا لفظه وهو قوله: "ولو رهنه ماشية وجبت فيها الزكاة أخذت منها وما بقي فرهن". وقوله "أخذت منها" بإجماع من
стр. 1160
أصحابنا راجع إلى حالة دون حالة، وهي: إذا كان المالك معسرًا لم يقدر على/ (١٥٠/ أ) أداء الزكاة من مال آخر، فتعين الأخذ من ذلك المال.
ألا ترى أن الشافعي ﵀ قد قال نصًا في باب المبادلة بالماشية والصداق منها: "ولو حال الحول عليها، ثم بادل بها، أو باعها ففيها قولان. أحدهما: أن مبتاعها بالخيار بين أن يرد البيع بنقص الصدقة، أو يجيز البيع، فمن قال بهذا قال: فإن أعطى رب المال البائع المصدق ما وجب عليه فيها من ماشية غيرها، فلا خيار للمبتاع؛ لأنه لم ينقص من البيع شيء.
следующие страницы →