Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
ولو قال في الطلاق: "أنت طالق, فطالق طلقت اثنتين".
والفرق بين المسألتين: أنه إذا قال: لفلان على درهم, فهذا إخبار وليس ابتداء إيجاب, وإذا قال: فدرهم تردد اللفظ الثاني بين ابتداء الإقرار وإعادته, فغلبنا الإعادة إذا لم يحتمل ابتداء إيجاب, وصار كما لو قال: لفلان علي درهم, أو لفلان علي درهم درهم لا يلزمه إلا درهم واحد.
وأما الطلاق, فله إنشاء] إيقاعه, وليس بمخبر عن شيء, فانصرفت اللفظة الثاني إلى إنشاء [إيقاع, كما انصرف اللفظة الأولى إلى إيقاع الطلقة الأولى.
والذي يدل على صحة هذا الفرق: أن الرجل لو قال لامرأته يوم السبت: أنت
стр. 1297
طالق, ثم قال لها يوم الأحد: أنت طالق, ثم ادعى أنه أراد باللفظين طلاقًا واحدًا لم تسمع دعواه, وحكم بوقوع طلقتين, ولو أقر يوم السبت بدرهم لرجل, ثم أقر له يوم الأحد بدرهم, ثم قال: أردت بالدرهمين الدرهم الواحد, كانت دعواه مسموعة, وكان/ (١٧٢ - أ) القول قوله مع يمينه, وقد يقول الرجل: لفلان علي درهم, فدرهم لازم إذن, فيكون مراده التحقيق والتأكيد, ولا يريد بذلك استئناف إقرار.
مسألة (٣٠٥): قال الشافعي ﵀: "لو قال: له علي دراهم, ثم قال: هي قص أو زيف لم يصدق - يعني إذا كان مفصولًا - ثم قال: ولو قال من سكة كذا وكذا صدق مع يمينه, كان أدني الدراهم أو أوسطها, أو جائزة بغير ذلك البلد أو غير جائزة, كما لو قال: له علي ثوب أعطي ثوب أقر له به وإن كان لا يلبسه أهل بلده".
стр. 1298
وشرح هذا الكلام وبيانه: أن الرجل إذا قال: لفلان علي درهم, ثم ادعى نقصان الوزن مثل أن يقول: قندهارية أو خوارزمية نظر, فإن وصل هذا التفسير باللفظ كان مقبولًا منه؛ لأنه كلام واحد موصول, وإن فصله عن اللفظ بزمان يقع فيه الفصل لم يقبل منه التفسير ولزمته الدراهم وافية الوزن, فأما إذا قال بعد انقضاء الإقرار من] سكة كذا - وكانت دون سكة بلده - كان هذا التفسير مقبولًا منه, سواء كان موصولًا, أو مفصولًا, ويلزمه أن يعطيه دراهم من تلك [السكة تامة الوزن غير مغشوشة.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا أطلق الإقرار فقال: لفلان علي ألف درهم فالمعقول أن هذا الإطلاق وزن الإسلام وهي الدرهم الهرقلية التي هي وزن سبعة, ومعنى قولنا: وزن سبعة: أن تزن العشرة فيها سبعة مثاقيل بمثقال مكة, فإذا
стр. 1299
قال بعد تطاول الزمان: أردت ألف درهم بوزن خوارزم كان راجعًا عن بعض إقراره والرجوع غير مقبول, ولو أنه استثنى استثناء مفصولًا لم يكن مقبولًا؛ لأنه يشبه الرجوع, فكذلك التفسير بهذا الورق نظير الرجوع عن الإقرار فاستحال أن يكون مقبولًا.
فأما إذا فسر الإقرار المطلق بسكة بلدة أخرى سوى بلدته التي هو بها وجاء بها وافية الوزن فقد أقر بألف وسلم ألفًا كاملة, والإقرار المطلق لا يتقيد بنقد البلد, كما يتقيد البيع المطلق بنقد البلد - وقد ذكرنا الفرق بين هاتين المسألتين - واستشهد الشافعي ﵀ بأن قال: "لو أقر بثوب عنده لفلان, ثم جاء بثوب لا يلبسه أهل بلده كان التفسير مقبولًا".
فإن قال قائل: الدراهم خلاف الثوب, والواجب في الدراهم مراعاة نقد البلد, ألا تراه لو قال: بعت منك هذا العبد بثوب كان البيع باطلًا, ولو قال: بعت منك هذا العبد بألف درهم كان البيع صحيحًا منصرفًا إلى نقد البلد.
قلنا: البيع المطلق إنما ينصرف إلى نقد البلد لعاداتهم في معاملاتهم/ (١٧٢/ب) على
стр. 1300
ذلك النقد الواحد, وليس ذلك من ضرورة الأقارير, فلذلك افترقا في الإطلاق.
مسألة (٣٠٦): إذا قال الرجل لامرأتيه: "إحداكما طالق ثلاثًا ومات قبل البيان وقفنا لهما ميراث امرأة"، هذا جواب الشافعي ﵀.
وقال الشافعي ﵀: "لو قال الرجل عند وفاته لثلاثة أولاد لأمته: أحد هؤلاء ولدي - ولم يبين وله ابن معروف - قال: يقرع بينهم, فمن خرج سهمه عتق, ولم يثبت له نسب, ولا ميراث, وأم الولد تعتق بأحد الثلاثة"، ولم يذكر الشافعي ﵀ في هذه المسألة وقف ميراث.
فقال المزني: وجب أن يوقف ميراث ابن؛ لأن تيقنا بإقراره أن فيهم ابنًا غير أنا جهلنا عينه, كالمرأتين إذا طلق إحداهما ثلاثًا ولم يعين ومات.
فمن أصحابنا من ساعده واستغنى عن الفرق, ومن أصحابنا من جرى على ظاهر كلام الشافعي.
стр. 1301
وفرق بين المسألتين: بأن قال: إذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق ولم يبين حتى مات, فقد تيقنا أن كل واحدة منهما كانت زوجة له, وشككنا في ارتفاع النكاح, فاستصحبنا الأصل السابق إلى أن نجد أصلًا يرفع ذلك الأصل؛ فلذلك وقفنا ميراث امرأة, وإنما اقتصرنا على وقف ميراث امرأة؛ لأن ميراث المرأة الواحدة وميراث الأربع سواء في المقدار ربعًا أو ثمنًا, فأما في مسألة الجارية, فالأصل عدم النسب, ولم يتعين بهذا الإقرار واحد منهم؛ ولذلك لم يقف لهم شيئًا من الميراث حتى يثبت نسب كل واحد بيقين, والله أعلم.
стр. 1302
كتاب العارية
مسألة (٣٠٧): إذا اختلف راكب الدابة وصاحبها, فقال الراكب: أعرتنيها, وقال رب الدابة: أكريتكها, ففي المسألة قولان منصوصان: أحدهما: إن القول قول الراكب, نص عليه في كتاب العارية, والثاني: إن القول قول المالك, نص عليه في كتاب المزارعة.
ونص الشافعي ﵀ على أن رجلًا لو غسل ثوبًا لرجل, ثم قال الغسال: استأجرتني لغسله, فعليك الأجرة, وقال صاحب الثوب: ما استأجرتك لغسل ثوبي, فالقول قول صاحب الثوب مع يمينه ولا تلزمه الأجرة.
والفرق: أن الغسال معترف بأنه بنفسه أتلف منافع نفسه غير أنه ادعى عقد إجارة, والأصل عدم العقد وبراءة ذمة صاحب الثوب, فجعلنا القول قوله مع يمينه, وضاعت منافع الغسال فلم يستحق أجره.
стр. 1303
فأما إذا قال المالك:] أكريتك هذه الدابة, وقال الراكب: أعرتنيها, فالمالك [هو الذي ادعى العقد على الراكب, حيث قال: أكريتها مني وهو جاحد, فلم يقبل قول مالك الدابة على راكبها.
فإن قيل: إذا لم يقبل قول المالك على الراكب, فيما ادعى عليه من عقد الكراء, فلا يقبل قول الراكب على المالك في الإعارة.
قلنا: مالك الدابة معترف بأنه قد ركب بإذنه لكنه يدعي في الإذن جهة المعاوضة, والخصم جاحد, فالقول قول الخصم في إسقاط العوض.
مسألة (٣٠٨): إذا أعار رجل رجلًا أرضًا على أن يبني عليها بناء وشرط فقال: أعرتكها للبناء سنة على أن تقلع بناءك إذا انقضت السنة, ثم كلفه القلع قبل انقضاء السنة غرم ما نقص بالقلع, وإن كلفه القلع بعد انقضاء السنة لم يغرم.
وبمثله لو قال: أعرتك هذه الأرض سنة للبناء, واقتصر على هذا اللفظ, ثم كلفه القلع فعليه أن يغرم ما نقص بالقلع بكل حال, سواء كلفه القلع بعد انقضاء السنة, أو قبل انقضائها.
стр. 1304
والفرق بين المسألتين: أنه إذا قال: أعرتكها سنة - ولم يزد على هذه العبارة - تقيد لفظه المطلق بالعادة, والعادة في البناء التأييد, فليس في إعارته ما يخالف هذه العادة, فإذا كلفه خلاف العادة التزم له ما نقص القلع, فأما إذا قال: أعرتكها على أن تقلع عند انقضاء السنة, فقد قبل اللفظ بما ناقض العادة, فالتزمنا مقتضى اللفظ, وقلنا: اقلع بناءك ولا غرم لك.
فإن قال قائل: ففائدة التأقيت بالسنة تكليف القلع بعد انقضائها, فهلا كان مجرد التأقيت مناقضًا للعادة, كشرط القلع؟
قلنا: العادة المتيقنة لا تنتفي بلفظ محتمل متمثل, والتأقيت بالسنة لفظ متمثل, يحتمل أن يريد به تكليف القلع, ويحتمل أن يريد به الأجرة بعد السنة المتيقنة, ويتحمل أن يريد به بيعها منه بعد انقضاء السنة, فلما احتمل معاني صار التأقيت والإطلاق بمنزلة واحدة في استيفاء حكم العادة المعتادة, ولو أطلق ولم يقيد بوقت, فمتى ما كلفه القلع كان عليه أن يغرم ما نقص بالقلع للعرف الجاري والعادة المعهودة في تخلية الأبنية.
وإذا تقررت هذه المسألة في الأرض, والبناء, فكذلك هي في كل عارية مؤبدة مثل: عارية الجدار لوضع الجذوع, أو لفتح الكوة, أو عارية النهر لإجراء الماء,
فأما العارية في الأرض للزرع, فليست للتأييد فإن أعاره أرضًا ليزرع وذكر
стр. 1305
مدة فانقضت, والزرع بقل نظر, فإن كان ذلك التقصير من المستعير بتأخير الزراعة كان لصاحب الأرض أن يكلفه قلع الزرع وتسليم الأرض, ولا يغرم نقصان القلع, وإن لم يكن من الزارع تقصير بتأخير كان زرعه محترمًا لا يجوز قلعه, ولكن يلزم المستعير للمدة الزائدة أجر مثل الأرض؛ لأنها خارجة عن مدة الإذن, وأما العارية للفسل, فعلى ضربين, إن كان فسيلًا يبقى] ويخلد في العرف, فهي كالبناء, وإن كان فسيلًا يبقى [مدة, ثم ينقل للبيع, ولسائر الأغراض كان حكم هذه الفسل حكم الزرع.
مسألة (٣٠٩): العارية والغصب سواء في أصل الضمان, وليسا سواء في
стр. 1306
صفة الضمان, فإن الغاصب يضمن قيمة المغصوب أقصى ما كان قيمته من وقت الغصب إلى وقت التلف.
فأما المستعير فإنه يضمن قيمة العارية معتبرة بيوم القبض, وفيها قول آخر: إنها كالغصب, وليس بصحيح.
الفرق بينهما: أن المستعير وإن كان ضامنًا باليد, فلا عدوان منه؛ لأنه استأذن, فانتفع.
وأما الغاضب, فقد تحقق العدوان منه بالغصب السابق, والعين المغصوبة حين ارتفعت قيمتها كانت في يده, ويده في تلك الحالة موصوفة بالعدوان المستدام, كما كانت موصوفة بالعدوان المبتدأ, فغلظنا عليه الغرامة؛ ولهذه النكتة يفصل بين ولد الغصب وولد العارية.
والذي يوضح هذا الفرق: أن المستعير إذا استعمل العارية حتى تلفت بالاستعمال جزاءَا, فجزاءًا, فلم يبق منها شيء, فلا ضمان عليه, كالثوب يبلى وتنسحق أجزاؤه, وكالسيف والسكين تنسحق أجزاؤهما قليلًا قليلًا.
стр. 1307
بالاستعمال، وكذلك نعل الدابة، ونعل الخف إذا لم يبق منه شيء، فلا ضمان عليه، وهذا معنى قول مشايخنا: إن أجزاء العارية غير مضمونة، وذلك كله للإذن السابق والتسليط على المنافع.
مسألة (٣١٠): إذا بان أن العارية كانت مستحقة فالأجزاء التالفة بالاستعمال مضمونة، كما لو تلفت من غير انتفاع كانت مضمونة.
ولو تلفت الوديعة عند المُودع، [ثم بان أنها كانت مستحقة كان المُودع] بريئًا من الضمان، فإن طولب رجع على المُودع حتى يستقر الضمان عليه، وقرار الضمان في العارية المستحقة على المستعير دون المعير.
الفرق ظاهر: وهو أن المستعير مُلك المعير ضامن باليد، فإذا استعار
стр. 1308
مستحقًا/ (١٧٤ - ب) كانت يده محل قرار الضمان، والمُودع إذا أخذ ملك المودع، فتلف كان بريئًا عن الضمان، فإذا أخذ مستحقًا لم يستقر عليه الضمان.
مسألة (٣١١): المستأجر من المستأجر، كالمستأجر الأول في نفي الضمان عنه، والمستعير من المستأجر، كالمستعير من المستعير، فإذا تلفت العين في يده تلفت مضمونة.
وإنما كان كذلك؛ لأنه أخذها على اسم العارية، والمستأجر أخذها على عقد الإجارة، فصار، كما لو أخذ من مالك العين، فيضمن من يأخذ على اسم العارية، ولا يضمن من يأخذ على اسم الإجارة.
مسألة (٣١٢): إذا انقضت مدة الإجارة، فبقيت الدابة عند المستأجر، لكنه لم يركبها، فتلفت عنده في غير زمان العقد، فلا ضمان عليه.
стр. 1309
والعارية المؤقتة إذا انقضى وقتها، فبقيت عند المستعير، ولم يركبها، فتلفت عنده تلفت مضمونة.
والفرق: أن المستأجر كان غير ضامن للعين في المدة المؤقتة، فلم يصر ضامنًا بعد المدة إلا بعدوان. والعدوان مفقود، فأما المستعير فإنه كان في المدة ضامنًا، واستدمنا حكم الضمان؛ لأن كل من ضمن شيئًا باليد لم يبرأ من الضمان إلا بيد أخرى سوى تلك اليد، إلا في الآباء، والأجداد، وليس على المستأجر أجرة المثل لهذه المدة الزائدة إذا لم ينتفع بالعين، فإن انتفع التزم أجرة المثل، وصار ضامنًا للعين؛ لأن هذا الانتفاع انتفاع بالعين على حكم العدوان. والمستعير بعد انقضاء المدة لو انتفع بالعين صار ضمانه، كضمان الغصب: أقصى ما كانت قيمته من وقت الابتداء بالانتفاع عقيب المدة إلى وقت التلف.
стр. 1310
كتاب الغصب
مسألة (٣١٣): العين المغصوبة إذا ارتفعت قيمتها في يد الغاصب؛ لكثرة الراغبين وقلة تلك السلعة في الأسواق فصارت قيمتها ألفًا، وكانت قيمتها يوم الغصب خمسمائة، ثم تراجعت بتراجع السوق إلى خمسمائة، فردها على صاحبها: فليس عليه ضمان تلك الزيادة، ولو أنها كانت مهزولة فسمنت فارتفعت قيمتها، ثم عادت مهزولة، كما كانت فردها: فعليه أن يغرم زيادة السمن، بخلاف زيادة السوق.
والفرق بين الزيادتين: أن الأسواق إذا ارتفعت في العين المغصوبة فليست زيادة صفة من صفات الذات، بل تلك الذات على حالتها الواحدة، سواء ارتفعت الأسواق، أو انخفضت، والغاصب/ إنما يضمن ما تحقق فيه معنى الاستيلاء، ولا يتحقق الاستيلاء على زيادة السوق، فأما السمن الحادث في العين المغصوبة فزيادة تحقق الاستيلاء عليها باليد العادية، فإذا فقدت بعد الحصول في يد الغاصب وجب عليه ضمانها.
مسألة (٣١٤): إذا غصب جارية قيمتها خمسمائة، فارتفع السوق إلى ألف، ثم انخفض السوق إلى خمسمائة فردهما فلا شيء عليه.
ولو غصبها وقيمتها خمسمائة، فعلمها قرآنًا فارتفعت قيمتها إلى ألف فنسيت ما تعلمت، فردها وقيمتها خمسمائة غرم خمسمائة.
стр. 1311
فإن قال قائل: هذه الزيادة زيادة لا تدخل تحت اليد، وعينها في الحالتين، كما كانت ما زادت وما نقصت، فهلا ألحقتموها بزيادة الأسواق، وما الفرق؟.
قلنا: الفرق بينهما [ظاهر وهو: أنها إذا تعلمت القرآن اكتسبت] صفة في النفس زائدة، وصفات النفس خلاف صفات السوق، فإن السوق إذا ارتفعت لم يتصور في نفسها صفة زائدة، ألا ترى أن شيئًا من صفات نفسه لا يتبدل، وإذا تعلمت قرآنا اتصفت نفسها بفضيلة لم تكن، فارتع السوق مع استواء أحوال الأسواق للزيادة الحاصلة في عينها، فصارت هذه الصفة ملحقة بالسمن وسائر زيادات الأعيان.
فإن قيل: يلزمكم أن تقولوا إذا ارتفعت قيمة الجارية بارتفاع السوق، ثم انخفضت السوق، ثم تلفت الجارية: أن لا يغرم الغاصب زيادة السوق؛ لأن الزيادة ما كانت صفة حاصلة في البدن، وقد قلتم: إذا تلفت استوت الزيادات: زيادة السمن وزيادة السوق بإيجاب الضمان، وإذا رد الغصب افترقت الزيادات، فأوجبتم ضمان زيادة السمن وتعلم القرآن، وأسقطتم ضمان زيادة السوق، فما الفرق بين الحالتين؟.
قلنا: الفرق بينهما: أن الجارية إذا ارتفع سوقها وانخفضت وصارت
стр. 1312
مردودة على صاحبها، فجميع ما استولت عليه يد الغصب صار مردودًا على المالك، والتضمين محال مع الرد الكامل، فأما إذا تلفت فعين الغصب ما صارت مردودة، فاحتجنا إلى تضمين القيمة، فإذا كانت قيمتها يومًا من الأيام كثيرة مرتفعة، ولو تلفت يومئذٍ، كما لو أتلفها في ذلك اليوم ضمناه قيمة ذلك اليوم، وإن تراجعت من بعد ذلك؛ لأن ذلك اليوم يوم ضمان العين، كما أن زمان الراجع زمان ضمان العين، وإذا لم يكن أحد الزمانين أولى من الثاني فالغصب لا يقتضي التخفيف، وإنما يقتضي نهاية التغليظ/ وبذلك باين العارية - على أحد القولين - في مراعاة أقصى القيمتين، وفي تضمين الأولاد.
فأما السمن وما شاكله من صفات الذات فزيادات في العين صارت موجودة، ثم صارت مفقودة، فعليه ضمانها سواء رد الأصل أو عجز عن رد الأصل.
مسألة (٣١٥): إذا غصب جارية قيمتها ألف فسمنت فصارت قيمتها ألفين، ثم هزلت فرجعت قيمتها إلى ألف، ثم سمنت ثانية فارتفعت قيمتها إلى
стр. 1313
ألفين، ثم هزلت فتراجعت إلى ألف: ردها وغرم معها ألفين.
ولو غصب جارية قيمتها ألف فعلمها سورة البقرة فبلغت قيمتها ألفين، فنسيتها وتراجعت إلى ألف، فعلمها سورة البقرة ثانية فبلغت قيمتها ألفين، فنسيتها وتراجعت إلى ألف: ردها وغرم ألفًا واحدًا على الصحيح من المذهب.
والفرق بينهما: أن السمن الثاني غير الأول، إذ يستحيل عود الأول، واليد الغاصبة قد استولت في زمانين على العينين المتغايرتين فوجب عليه ضمانهما مع أصل الغصب.
فأما التعليم الثاني فقد صادف تلك الصورة السابقة بعينها، والإنسان ينسى شيئًا ثم يذكره فذلك المذكور الأول، وإن كان التذكر والتعلم والجهد في الثاني غير الجهد في الأول، فنظير السمن الثاني أن يعلمها بعد نسيان البقرة سورة الكهف، ثم تنساها؛ لأنهما زيادتان متباينتان، فيلتزم ضمانهما
стр. 1314
جميعًا، فأما الزجاجة إذا انكسرت فأعيدت فالصحيح أن الإعادة كالسورة الثانية في التعليم.
مسألة (٣١٦): إذا جرح عبدًا لغيره، فنقصت قيمته لم نوجب بدل الغرامة ما دامت الجراحة دامية، ولكن إذا اندملت أغرمناه النقصان في جنايات الحكومات إن بقي نقصان، فإن زال النقص كله لم يغرم شيئًا.
وإذا تعدى على ثوب، فمزقه وجب عليه تعجيل الغرامة فيما حصل من نقصان القيمة، فإن زال النقصان بالترقيع، وحسن الرفو لم يسقط ذلك الغرامة عنه.
стр. 1315
والفرق بين المسألتين: أن الجناية إذا حصلت على الثوب قلت، أو كثرت فهي جناية متناهية، وما من جزء مزقه إلا وقد تناهت الجناية فيه، والجناية المتناهية تقتضي التغريم، إذ لا ينتظر زوالها وارتفاعها.
فأما الجراحة، فجناية غير متناهية، ألا ترى أنها ربما تزداد والتمزيق لا يزداد، فلما كانت سراية الجناية، كنفس الجناية كان زمان السراية/ (١٧٥ - ب) كزمان الجناية، ولو فرغ الجاني من الجناية، فتأملناها فلم تنقص شيئًا - كاللطمة والخدشة - لم نوجب شيئًا، فكذلك إذا اندملت، ولم يبق شين ونقص لم نوجب عليه شيئًا، وعصى - الله تعالى - بما تعاطى من هذه الجناية، وقد فصل الشافعي ﵀ بهذه النكتة بين استعجال القصاص في الأطراف، واستعجال ديتها، على ما سنذكر في كتاب الجنايات.
مسألة (٣١٧): إذا غصب حنطة، فطحنها، فامتنع صاحب الحنطة من أخذ الدقيق، فطالبه بالحنطة، فليس له ذلك، ويلزمه أن يأخذ دقيق الحنطة، فإن نقص شيء، فعلى الغاصب ما نقص، ولو غصب حنطة فعفنت عند
стр. 1316
الغاصب عفونة بليغة، غير متناهية، فالمالك بالخيار: إن شاء أخذ الحنطة العفنة، وغرمه النقص، وإن شاء تركها، وغرمه المثل.
والفرق بين المسألتين: أن الحنطة إذا عفنت، وتفاحشت العفونة كان النقصان في الزيادة كل يوم إلى أن تفسد، وتصير إلى حد التلف، فجعلناها في الحال، كأنها تالفة وإن لم تكن تالفة، وإذا تلفت المغصوب كان للمالك تغريم المثل في ذوات الأمثال. فأما إذا طحنها، فالدقيق غير فاسد، ولا مشرف على فساد غير متناه، فلا ننزله منزلة التالف، ولكن يأخذ ما وجد، ويكون خصمًا في النقصان إن ظهر النقصان.
مسألة (٣١٨): الغاصب إذا زنى بالجارية المغصوبة، فحبلت، وولدت ولدًا ميتًا، فقد كان الشيخ أبو بكر القفال ﵀ يوجب عليه ضمان قيمته ويفصل بينه وبين ولد المغرور من المملوكة إذا سقط ميتًا: لا تجب قيمته.
стр. 1317
والفصل: أن المغرور غير متعد بمثل عدوان الغاصب، والعدوان إذا تحقق صار علة التغليظ، وكان يستشهد بقول الشافعي ﵀ في كتاب الغصب بعدم ذكر استيلاد المشتري من الغاصب - قال: "فأما الغاصب إذا أولدها، فعليه أن يغرم المهر وقيمة من كان منهم ميتًا".
وأعلم أن التسوية بين المسألتين أقوم على الأصول، فيجب أن يقال: لا يغرم الغاصب قيمة من سقط منهم ميتًا، كما لا يغرم المشتري من الغاصب قيمة من سقط ميتًا، وكما لا يغرم المغرور في النكاح، وإنما يحسن تضمين قيمة الولد الذي يسقط ميتًا في الجنايات على الأجنة، [فيسقط مضمونًا بغرة، إن كان حرًا، أو بعشر قيمة أمه إن كان مملوكًا.
стр. 1318
فأما من يسقط ميتًا في الجنايات] فلا يسقط مضمونًا بقيمة نفسه/ (١٧٦ - ب) ولا سبيل إلى تقويمه في البطن، ولم يكن له حالة بعد الانفصال في الحياة ليتيسر تقويمه بإسناد النظر إلى تلك الحالة؛ ولذلك قال الشافعي ﵀ في الرد على أبي حنيفة ﵀ في كتاب الجنايات: "وكيف يقوم من لم يخرج حيًا"؟، وأما لفظ الشافعي ﵀ في كتاب الغصب - فتأويله أنها ولدت، ومات الولد في يد الغاصب، فعليه ضمان ذلك الولد، خلافًا لما قال أبو حنيفة في ولد الغصب.
مسألة (٣١٩): إذا غصب رجل جارية، فماتت في يده، فاختلف الغاصب والمالك في قيمتها، فقد قال الشافعي ﵀: "لو شهد شاهدان على صفاتها واستقصيا، فأراد المقومون تقويمها على ما سمعوا من الوصف، فليس لهم ذلك؛ لأن الملاحة تختلف".
وقد جوز الشافعي السلم في الجواري، ولم ينظر إلى أن الملاحة تختلف، كما نظر إلى هذه العلة بعض الناس.
стр. 1319
والفرق بين الأصلين: أن الرجل إذا أسلم في شيء، ووصف واستقصى، فكل وصف مشروط في المسلم فيه إذا وجد ذلك الوصف في أدنى درجاته أمكن إجبار المشتري على القبول.
ألا ترى أنه إذا ذكر الجودة في الحنطة، فجاء بحنطة تسمى جيدة. لم يكن للمشتري أن يطلب أجود منها، وكذلك تنوع الأعيان في الأوصاف المشروطة، مثل أن يقول: على أنه كاتب، فصادفه كاتبًا ينطلق عليه هذا الاسم، فيلزمه البيع وإن كانت الكتابة درجات، فكذلك الملاحة في الجارية التي أسلم فيها لها درجات، ولكن إذا كانت الجارية التي جاء بها تسمى مليحة يلزمه قبولها، وإن كان غيرها أملح منها.
فأما الغصب والتغريم والتضمين، فمظلمة بينهما، ولا يمكنا أن نبني الحكم على أدنى درجات الملاحة، فيخشى أن يظلم المالك، وليس لأقصاها منتهى، ولا يجوز أن يظلم الغاصب بتغريم الزيادة؛ فلذلك لم يجز للشهور أن يعتمدوا على الوصف ويشهدوا على القيمة، ولا للمقومين أن يعتمدوا شهادة
стр. 1320
الشهود، إلا أن يكون الشاهدان مقومين، ولا تقويم إلا عن مشاهدة.
مسألة (٣٢٠): قال الشافعي ﵀: "لو أن رجلًا غصب جارية وباعها من رجل، فنقصت في يده بعيب، أو جناية جان، فالمغصوب منه بالخيار: بين أن يرجع بذلك النقص على الغاصب، وبين أن يرجع على/ المشتري، فإن رجع على المشتري كان للمشتري أن يرجع به على الغاصب فيسترده منه مع الثمن".
قال المزني: "وجب أن لا يكون له الرجوع على الغاصب بهذا النقص، كما لو تلفت الجارية في يد المشتري، فغرم القيمة لم يكن له أن يرجع على الغاصب بقيمتها، ولا شيء منها".
وقال ابن سريج: إذا قلنا ليس للمشتري أن يرجع على الغاصب، فوجهه: ما قال المزني وإذا قلنا: له أن يرجع عليه، كما قال الشافعي ﵀ فوجهه: الفرق بين الجملة والأبعاض، ثم ذكر الفرق على عبارة المناظرة فقال: يقول
стр. 1321
الغاصب للمشتري: ألست لو غرمت جميع القيمة بتلف الجارية في يدك لم يكن لك أن ترجع على بشيء [مما غرمت من قيمتها، فكذلك إذا غرمت أرش النقص، فليس لك أن ترجع على بشيء]، فيقول المشتري للغاصب: إني اشتريتها منك، لتكون الجملة مضمونة علي، ولا تكون الأبعاض مضمونة علي، أرأيت لو اشتريت منك عبدًا مملوكًا لك، ووفرت عليك الثمن، فنقص العبد في يدك أيكون لي أن أرجع عليك بما نقص؛ لأني كنت مخيرًا بين أخذه ناقصًا، ولا شيء لي، وبين أن أدعه لك وأسترد منك الثمن، فيكون الجميع مضمونًا عليك، ولا يكون النقص مضمونًا عليك؟ قال ابن سريج ﵀: [وهذا معنى لطيف.
وقال الشيخ أبو بكر القفال]: وهذا، كما نقول: لو أن رجلًا باع عبدًا بثوب وقبض الثوب وسلم العبد، فنقص العبد في يد المشتري، فوجد البائع بالثمن عيبًا، فرده، فإن شاء أخذ العبد ناقصًا، ولا شيء له، وإن شاء أمسك الثمن معيبًا ورجع بأرش العيب، ومثله لو كان العبد تالفًا في يد المشتري، كان للبائع أن يرد الثمن معيبًا، ويسترد منه القيمة، فكانت الجملة مضمونة على المشتري، وما كانت الأبعاض مضمونة.
стр. 1322
مسألة (٣٢١): إذا غصب رجل جارية، فمكثت في يده مدة، ثم ردها غرم أجرة مثلها، ولا يغرم من مهرها شيئًا، والحيلولة موجودة في منافع بضعها، كما كانت موجودة في سائر منافعها.
الفرق بين الجنسين: أن منافع بدنها تدخل تحت يد الغصب بالاستيلاء، كما تدخل الأعيان تحت يد الغصب والاستيلاء، وليس للجارية يد عل منافع بدنها فصارت اليد بالغصب لغاصبها، فأما الأبضاع فإن الأيدي لا تستولي عليها.
ألا ترى أن الزوجين إذا تداعيا نكاح حرة، وهي تحت أحدهما لم/ نجعل له عليها يدًا، والدعوى لم تتوجه عليه، وإنما تتوجه الدعوى على المرأة، فتستحلف للمدعى، وإذا أقرت لأحد الزوجين المتداعين ثبت الحكم بإقرارها، فبان أن اليد لها، وإن استكرهت، فوطئت، فالمستكره قد أتلف عليها تلك المنفعة، كما يتلف المستسخر منافع الحر بالاستسخار.
стр. 1323
وأما بضع الأمة في ملك اليمين مع سيدها، فكبضع الحرة مع نفسها، لا تتحقق يد الغاصب على جنس الأبضاع، لا في الإماء، ولا في الحرائر، فلذلك لم يتوجه على الغاصب ضمان بضع الأمة المغصوبة.
مسألة (٣٢٢): الأمة إذا أباحت لرجل قطع يدها، فقطعها غرم لسيدها نصف قيمتها، ولا تأثير لإباحتها. ولو أنها أباحت بضعها، فزنى بها رجل وهي مطاوعة لم يغرم الزاني عقرها على الصحيح من المذهب.
والفرق: أنها إذا أباحت بضعها صارت بغيًا، وقد نهى رسول الله ﷺ عن مهر البغي، كما نهى عن ثمن الكلب، وحلوان الكاهن في الحديث الواحد، وأخذ مهر البغي هي عادة الجاهلية التي حرمها القرآن والسنة، فأما إذا أباحت قطع يدها فإنها لم تكتسب بذلك اسمًا ومعنى سوى محض الاعتراض على حق السيد، ثم تضمن ذلك اعتراضًا على حق الله - تعالى - في الدماء، وحق سيدها لا يسقط ولا ينقطع باعتراضها، وجنايتها؛ فلذلك فصلنا بين العوضين.
стр. 1324
مسألة (٣٢٣): إذا غصب رجل جارية قيمتها ألف، فانفقأت عينها في يده، فنقص من قيمتها ستمائة غرم ستمائة، وهو مقدار من قيمتها، وإن نقص من قيمتها أربعمائة، فالصحيح من المذهب أنه لا يغرم أكثر من أربعمائة.
ولو جني جان على عينها وهي في يد المشتري من الغاصب كان للمالك طلب نصف قيمتها وهو خمسمائة؛ لأن الضمان في المسألة الأولى ضمان اليد، والضمان الثاني ضمان الجناية، وجراح المملوك من ثمنه، كجراح الحر من ديته.
ثم إن المالك إن أراد مطالبة الجاني، فله مطالبته بنصف القيمة؛ لجنايته على عينها الواحدة، وإن أراد مطالبة المشتري وهذه الجناية قد نقصت أربعمائة درهم من قيمتها لم يكن له مطالبة المشتري بأكثر من الأربعمائة، فأما المائة الزائدة فإن شاء طالب بها الجاني، فيغرمها ويستقر عليه ضمانها، وإن شاء طالب بها
стр. 1325
الغاصب، فيغرمها، ثم لا يستقر عليه ضمانها، بل يرجع/ (١٧٧ - ب) الغاصب بها على الجاني؛ لأن الجاني أولى باستقرار الضمان عليه.
مسألة (٣٢٤): إذا باع رجل عبدًا، أو ثوبًا من رجل بيعًا فاسدًا، وقبض الثمن، وسلم السلعة، وتلفت، ثم استبان لهما بطلان البيع، وجب على البائع أن يرد الثمن، ويطالب المشتري بقيمة السلعة، وربما تكون [القيمة أكثر من الثمن، والقيمة نقد البلد، وربما يكون] الثمن سلعة في مقابلة السلعة.
وقد قال الشافعي ﵀: "لو أن رجلًا غصب جارية، وباعها وقبض ثمنها، وتلفت الجارية في يد المشتري، والثمن بعينه باقٍ في يد البائع الغاصب، كان للمالك أن يأخذ ذلك الثمن".
وقال الربيع والمزني: ليس له أن يأخذ ذلك الثمن؛ لأنه ملك المشتري.
وقال أبو العباس بن سريج: هذا الجواب الذي أجاب به الشافعي ﵀ ليس على وقف العقود، ولكن إذا قلنا: لا توقف العقود، ففي مثل هذا الموضع قولان: أحدهما: أنه لا يتوقف، والثاني: أنها
стр. 1326
تتوقف على إجازة المالك، والنكتة الفاصلة التي تدور عليها هذه المسألة ونظائرها: أن الغاصب إذا أخذ مال رجل وتصرف فيه، وتعذر على المالك الوصول إلى عين ماله، فهذا الثمن الحاصل في يد الغاصب هو مال من أموال ذلك المشتري، وما كان ذلك البيع برضا من المالك، ومن هذا الوجه حكم بفساده، فدعته ضرورة المصلحة إلى إجازة ذلك البيع؛ ليقوم عين الثمن مقام تلك العين، وربما يغصب الرجل دراهم لرجل، فيتصرف فيها أعوامًا، ويربح فيها أرباحًا كثيرة، وكذلك عامل القراض ربما يهرب بالمال ويستفضله في الغيبة، حتى يصير أضعافًا مضاعفة، ثم يرجع، فيريد أن يرد أصل المال، ويفوز بالأرباح، وذلك مفسدة لأموال الناس، فجوزنا للمالك على جهة المصلحة أن يجيز جميع عقوده التي عقدها، ويأخذ جميع الأرباح التي ربحها، فأما من باع بنفسه سلعة، ثم بان أن بيعه كان فاسدًا، فقد أتى من جهة نفسه، حيث أقدم على البيع وهو لا يعلم شرائطه، فلا نحكم له بملك ذلك الثمن، والبيوع الباطلة بالشروط الفاسدة لا تصح بالإجازة، ولا بحذف الشروط، ولابد فيها من الاستئناف.
стр. 1327
ثم اعلم أن الشافعي ﵀ لم يفصل في المسألة التي حكيناها بين البيع بالعين، وبين البيع المرسل في الذمة، فإذا كانت البيوع من الغاصب بيوع الأعيان، لا بيوع الذمة، فطريق الوقف والإجارة/ مسلوكة معلومة للمصلحة، كما فسرنا وقررنا.
وأما إذا كانت بيوع الغاصب التي عقدها - وكان فيها مشتريًا - عقودًا في الذمة، لكنه وفي الأثمان من المال المغصوب فالقياس الجلي في هذه العقود أنها وقعت له دون مالك الأثمان، وعلى الغاصب أن يغرم الأثمان، غير أن المصلحة التي ذكرناها إذا راعيناها جوزنا للمالك الأثمان، غير أن المصلحة أن يأخذ جميع الأعيان التي وفي أثمانها من ماله مخافة ما ذكرنا أن يغصب الرجل دراهم الناس ودنانيرهم، فيشتري السلع، في الذمة وتوفي أثمانها من تلك الدراهم والدنانير، ثم إذا استكثر الأرباح واستفضل رد على الملاك أصل دراهمهم ودنانيرهم، وفي ذلك ضرر على الناس، ولولا أن البائعين شاهدوا في يده تلك الأثمان؛ لما عاملوه؛ ولما بايعوه، والعقد وإن كان في الذمة، فغير بعيد أن تصير الأثمان التي في يد المشتري محلًا لتعليق حقوق تلك العقود.
стр. 1328
ألا ترى أن المأذون له في التجارة إذا اشترى من الناس شيئًا في الذمة وكان في يده أمة من مال التجارة، فقد قال الشافعي ﵀: "ليس للسيد تزويج تلك الأمة بعدما ركبت الديون المأذون"، وإنما منع من التزوج؛ لأنه ينقص قيمة تلك الأمة، فيرجع الضرر إلى الغرماء الذين عاملوه، وإن كانوا قد عاملوه على الذمة لا على عين تلك الأمة.
مسألة (٣٢٥): إذا غصب رجل رجلًا خشبًا، ثم نحت من ذلك الخشب أبوابًا، ثم جاء الملك ليسترجعها، فأراد الغاصب تفصيلها ليردها مفصلة، فليس له ذلك، إلا أن يكلفه المالك التفصيل.
ولو غصب أرضًا فحفر فيها بئرًا وطواها بحجارة، أو خشب من مال المغصوب منه، واسترجع المالك الأموال المغصوبة، فأراد أن يطمس تلك البئر ويرد البقعة، كما كانت فله ذلك، وليس للمالك أن يمنعه هذا المراد.
والفرق بينهما: أن البئر المحفورة في ملك المالك لو تردى فيها بهيمة فماتت، ولو بعد حين كان ضمانها على الغاصب، فله أن يروم بردمها وطمسها
стр. 1329
الأمان من الضمان في المستقبل، وليس يخشى مثل هذا المعنى في الخشب المنحوت، والتبر المصوغ، والغزل المنسوج، والقطن المغزول إذا أراد النقض وإفساد الصنعة؛ فلذلك افترق الجنسان.
مسألة (٣٢٦): إذا غصب رجل دارًا وأكراها، فمالكها بين خيرتين:/ (١٧٨ - ب) إن شاء رجع بأجرة المثل على الغاصب، وإن شاء رجع بها على المكتري، [فإن رجع بها على المكتري، فليس له أن يرجع على الغاصب بها]، ولم يختلف قول الشافعي ﵀ في ذلك.
وكذلك إذا غصب جارية، فزوجها رجلًا، فسيدها بين خبرتين: إن شاء رجع بمهر مثلها على الغاصب، وإن شاء رجع به على الناكح، فإن رجع به على الناكح، فليس له أن يرجع به على الغاصب قولًا واحدًا.
ولو أن رجلًا مغرورًا بنكاح جارية، فأصابها، ثم تبين له التدليس والغرور، ففسخ النكاح كان له - في أحد القولين - أن يرجع على الغار الذي غره.
والفرق بينهما: أن الرجل إذا تزوج وكان مغرورًا بالحرية كان النكاح منعقدًا،
стр. 1330
ألا ترى أنه لو رضي بها بعد البيان أقررناهما على النكاح، فإذا اختار الفسخ للغرور، فقد صار الغرور سببًا لتفويت البضع المملوك على المالك، وهذا جاء من جهة الغار، والتفويت منسوب إليه؛ فلذلك رجع عليه بالغرم في أحد القولين، فأما الغاصب إذا زوج المغصوب، فأصابها الزوج، أو أكرى الدار المغصوبة، فسكنها المكتري، ثم بان الغصب، وقامت البينة بالاستحقاق، فليس في انتزاع الدار من الساكن والجارية من الناكح تفويت ملك عليهما؛ لأن العقد في الأصل باطل، وهو المنتفع بمنافع الدار والمستمتع بمنافع البضع، فكان أولى الناس باستقرار الغرامة عليه؛ فلذلك لم نرجع بها على الغاصب الغار.
ووزان مسألة الغصب من الغرور في النكاح أن يتزوج الرجل جارية مغرورًا بحريتها، ثم يظهر الغرور، ويكون هذا الناكح واجدًا للطول، أو آمنًا من العيب، فتبين فساد النكاح، فإذا غرم الناكح عقرها لم يرجع بذلك العقر على الغاصب الغار؛ لأنه لم يملك بعضها ولم يتصور تفويت الملك عليه.
مسألة (٣٢٧): إذا غصب رجل ثوبًا قمته عشرون، فأبلاه فتراجعت قيمته بالإبلاء إلى عشرة، ثم تراجع السوق، فصار يساوي خمسة، فعليه أن يرده ويرد معه عشرة، وإن كان مقدار النقصان خمسة عشر.
стр. 1331
ولو غصبه وقيمته عشرون، فتراجع السوق إلى عشرة فأبلاه فرجع إلى خمسة فرده، كان عليه أن يغرم عشرة.
فاستوت المسألتان في مقدار الغرم وافترقا في الصورة، وصارت زيادة السوق في أحدهما متبعضة بعضها مضمون وبعضها غير مضمون، وفي الأخرى غير متبعضة بل جميعها غير مضمون.
والمعنى المعتبر في المسألتين - ما نذكره إن شاء الله - وهو أن كل جزء أبلاه من الثوب باللبس، فذلك الجزء مغصوب تلف في يد الغاصب، فلابد من أن يغرم قيمة ذلك التالف، ولا يغرم في ذلك التالف تراجع السوق إذا كان التراجع بعد التلف، وإنما يضمن تراجع/ السوق فيما يقدم فيه التراجع، ثم وجد التلف، وكان كل عين نقصت بالسوق، ثم ردها فليس عليه نقصان سوقها. فإذا تقرر هذا الأصل قلنا في المسألة الأولى: إن الثوب كان يساوي عشرين فرجع بالإبلاء إلى عشرة، فلابد من أن يغرم هذه العشرة، فإذا تراجع السوق من بعد إلى خمسة، فهذا التراجع في الباقي من الثوب، لا في التالف، والباقي صار مردودًا، فلا يضمن نقصان السوق في المردود، فالغرم عشرة والنقصان خمسة عشر بالإبلاء وخمسة بالتراجع.
стр. 1332
فأما المسألة الثانية، فالتراجع فيها قبل الإبلاء؛ لأنه غصبه وقيمته عشرون، فتراجع إلى عشرة، ثم أبلى، فتراجع إلى خمسة، فكانت خمسة من التراجع حصة ما أبلى وخمسة حصة ما أبقى، وقد رد الباقي، فلم يغرم حصته من التراجع، ولم يرد الأجزاء التي أبلاها - وهي خمسة - وحصتها من التراجع خمسة دراهم؛ فلذلك أغرمناه نقص السوق بخلاف المسألة السابقة.
مسألة (٣٢٨): قال الشافعي ﵀: "لو فتح قفصًا عن طائر أو حل دابة فوقفا، ثم ذهبا لم يضمن، ولو حل زقًا، أو راوية، فاندفقا ضمن، إلا أن يكون الزق مستندًا، فكان الحل لا يدفع ما فيه، ثم سقط بتحريك، أو غيره، فلا يضمن؛ لأن الحل قد كان، ولا جناية فيه".
فسوى بين الحيوان، وبين غير الحيوان، ثم فصل بين اتصال التلف، والطيران يفعل المعتدي، وبين انفصال التلف والطيران عن فعله.
وإنما فصل بين الحالتين؛ لأن الفعل إذا لم يكن له سراية فأثره ما يعقبه على جهة الاتصال، فإذا انفصل، وتباعد استحالت النسبة، ولابد من قطع التلف عن الفعل المتقدم، فأما الأفعال التي لها سراية، فجائز أن يكون زمان السراية، كزمان الجناية؛ لأنها غير منقطعة.
стр. 1333
فإن قال قائل: للحيوان اختيار، وليس للمانع اختيار، فهلا ينسب طيران الطير في الحالتين إلى اختيار الطائر منفصلًا كان، أو متصلًا.
قلنا: إذا اتصل الطيران كان خروجه في ظاهر الحال لروعة تداخلته من ذلك الفاتح، فإن العادة فزع الطائر من الآدمي.
ولو أن رجلًا خوف طائرًا بتصفيق فطار، وضاع كان على هذا الرجل ضمانه، وإن كان للطائر اختيار؛ لأنه صار بالتفزيع مسلوب الاختيار، فاستوي الحيوان، والمانع عند الاتصال؛ لنسبة التلف إلى الجناية المتصلة، وإذا انفصل التلف صار كالجراحة المندملة.
مسألة (٣٢٩): إذا غصب رجل عبدًا بعدما/ جني العبد في يد سيده جناية تستغرق قيمته، فجني في يد الغاصب جناية ثانية تستغرق قيمته، ثم استحقه المالك بالسنة واسترجعه، وامتنع عن فدائه: بيع في الجنايتين، وتكون القيمة المأخوذة مقسومة بين المجني عليهما نصفين، إذا استوي مقدار الجنايتين، ثم للمالك أن يغرم الغاصب نصف قيمة العبد. وكل مغصوب رده غاصبه لم يغرم مع الرد شيئًا من القيمة.
стр. 1334
والفرق بين هذه المسألة وبين سائر الغصوب المردودة: أن هذه العين بعد الرد لما بيعت صار نصف قيمتها مستحقًا بجناية حصلت من الغصب في يد الغاصب، فكان الغاصب ضامنًا لما فات من القيمة بسبب جناية في يده، وسائر الغصوب إذا صارت مردودة سلمت العين المردودة لمالكها، وما صارت مستحقة بعدوان وجناية موجودة في اليد العادية.
المسألة بحالها: فإذا أخذ القيمة بالبيع من المشتري كانت هذه القيمة مقسومة نصفين، وإذا أخذ السيد نصف القيمة من الغاصب كان هذا النصف كله للمجني عليه الأول، ولم يكن للمجني عليه الثاني شركة في هذا النصف، وإن كانا شريكين في القيمة المأخوذة من المبتاع.
والفرق بينهما: أن تلك القيمة كانت مشتركة، ونصف القيمة كان خالصًا للخصم الأول؛ لأن الجناية السابقة، هي الجناية التي كانت في يد المالك، ولم يكن يومئذٍ في رقبة العبد جناية للثاني، ولما جني العبد في يد الغاصب الجناية الثانية كانت الجناية الأولى متعلقة برقبته، فلم يجز اختصاص الخصم الثاني بشيء من القيمة، ووجب اختصاص الخصم الأول بالنصف، فيقول الأول
стр. 1335
للثاني: جنى هذا العبد على وعليك، فلما جني عليك جني وهو مستحق الرقبة بالجناية علي، فثبت لك الأرش في رقبة غير برية، وهذا النصف من القيمة الذي آخذ من الغاصب وجب قل الجناية عليك؛ لأن العبد صار مضمونًا على الغاصب بالغصب، والغصب حصل قبل الجناية عليك، فلم يثبت حقك إلا في رقبة مستحقة، وقد اقتسمنا قيمته نصفين، فلابد من أن أستخلص هذا النصف الثاني.
ومثال هذا ما نقول: لو أن عبدًا جني على رجل جناية تستغرق قيمته، فجني رجل على هذا العبد بعد جناية العبد فقطع يده، ثم قتل العبد المقطوع رجلًا، ثم مات العبد من سراية اليد المقطوعة: استوفينا قيمة العبد ممن قطع يده، ثم يقال: كم قيمة هذا العبد حين لم يكن/ (١٨٠ - أ) مقطوعًا؟ فيقال ألف، ثم يقال، كم قيمته بعدما قطعت يده؟ فيقال: ستمائة، فتقسم ستمائة من الألف بين المجني عليه أولًا وبين المجني عليه ثانيًا نصفين، وما زاد على ستمائة، فهو خالص للمجني عليه أولًا؛ لأنه يقول: إن هذا العبد جني علي وأعضاؤه موفورة، فثبت حقي في جميع رقبته على كمال قيمته، وجني عليك ويده مقطوعة، فثبت حقك في رقبة عبد مقطوع اليد، فإذا وصل إليك نصف قيمته مقطوعًا، فقد وصل
следующие страницы →