← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14176

الجمع والفرق = الفروق

والد إمام الحرمين الجويني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ولو غصبه وقيمته عشرون، فتراجع السوق إلى عشرة فأبلاه فرجع إلى خمسة فرده، كان عليه أن يغرم عشرة. فاستوت المسألتان في مقدار الغرم وافترقا في الصورة، وصارت زيادة السوق في أحدهما متبعضة بعضها مضمون وبعضها غير مضمون، وفي الأخرى غير متبعضة بل جميعها غير مضمون. والمعنى المعتبر في المسألتين - ما نذكره إن شاء الله - وهو أن كل جزء أبلاه من الثوب باللبس، فذلك الجزء مغصوب تلف في يد الغاصب، فلابد من أن يغرم قيمة ذلك التالف، ولا يغرم في ذلك التالف تراجع السوق إذا كان التراجع بعد التلف، وإنما يضمن تراجع/ السوق فيما يقدم فيه التراجع، ثم وجد التلف، وكان كل عين نقصت بالسوق، ثم ردها فليس عليه نقصان سوقها. فإذا تقرر هذا الأصل قلنا في المسألة الأولى: إن الثوب كان يساوي عشرين فرجع بالإبلاء إلى عشرة، فلابد من أن يغرم هذه العشرة، فإذا تراجع السوق من بعد إلى خمسة، فهذا التراجع في الباقي من الثوب، لا في التالف، والباقي صار مردودًا، فلا يضمن نقصان السوق في المردود، فالغرم عشرة والنقصان خمسة عشر بالإبلاء وخمسة بالتراجع.

стр. 1332

فأما المسألة الثانية، فالتراجع فيها قبل الإبلاء؛ لأنه غصبه وقيمته عشرون، فتراجع إلى عشرة، ثم أبلى، فتراجع إلى خمسة، فكانت خمسة من التراجع حصة ما أبلى وخمسة حصة ما أبقى، وقد رد الباقي، فلم يغرم حصته من التراجع، ولم يرد الأجزاء التي أبلاها - وهي خمسة - وحصتها من التراجع خمسة دراهم؛ فلذلك أغرمناه نقص السوق بخلاف المسألة السابقة. مسألة (٣٢٨): قال الشافعي ﵀: "لو فتح قفصًا عن طائر أو حل دابة فوقفا، ثم ذهبا لم يضمن، ولو حل زقًا، أو راوية، فاندفقا ضمن، إلا أن يكون الزق مستندًا، فكان الحل لا يدفع ما فيه، ثم سقط بتحريك، أو غيره، فلا يضمن؛ لأن الحل قد كان، ولا جناية فيه". فسوى بين الحيوان، وبين غير الحيوان، ثم فصل بين اتصال التلف، والطيران يفعل المعتدي، وبين انفصال التلف والطيران عن فعله. وإنما فصل بين الحالتين؛ لأن الفعل إذا لم يكن له سراية فأثره ما يعقبه على جهة الاتصال، فإذا انفصل، وتباعد استحالت النسبة، ولابد من قطع التلف عن الفعل المتقدم، فأما الأفعال التي لها سراية، فجائز أن يكون زمان السراية، كزمان الجناية؛ لأنها غير منقطعة.

стр. 1333

فإن قال قائل: للحيوان اختيار، وليس للمانع اختيار، فهلا ينسب طيران الطير في الحالتين إلى اختيار الطائر منفصلًا كان، أو متصلًا. قلنا: إذا اتصل الطيران كان خروجه في ظاهر الحال لروعة تداخلته من ذلك الفاتح، فإن العادة فزع الطائر من الآدمي. ولو أن رجلًا خوف طائرًا بتصفيق فطار، وضاع كان على هذا الرجل ضمانه، وإن كان للطائر اختيار؛ لأنه صار بالتفزيع مسلوب الاختيار، فاستوي الحيوان، والمانع عند الاتصال؛ لنسبة التلف إلى الجناية المتصلة، وإذا انفصل التلف صار كالجراحة المندملة. مسألة (٣٢٩): إذا غصب رجل عبدًا بعدما/ جني العبد في يد سيده جناية تستغرق قيمته، فجني في يد الغاصب جناية ثانية تستغرق قيمته، ثم استحقه المالك بالسنة واسترجعه، وامتنع عن فدائه: بيع في الجنايتين، وتكون القيمة المأخوذة مقسومة بين المجني عليهما نصفين، إذا استوي مقدار الجنايتين، ثم للمالك أن يغرم الغاصب نصف قيمة العبد. وكل مغصوب رده غاصبه لم يغرم مع الرد شيئًا من القيمة.

стр. 1334

والفرق بين هذه المسألة وبين سائر الغصوب المردودة: أن هذه العين بعد الرد لما بيعت صار نصف قيمتها مستحقًا بجناية حصلت من الغصب في يد الغاصب، فكان الغاصب ضامنًا لما فات من القيمة بسبب جناية في يده، وسائر الغصوب إذا صارت مردودة سلمت العين المردودة لمالكها، وما صارت مستحقة بعدوان وجناية موجودة في اليد العادية. المسألة بحالها: فإذا أخذ القيمة بالبيع من المشتري كانت هذه القيمة مقسومة نصفين، وإذا أخذ السيد نصف القيمة من الغاصب كان هذا النصف كله للمجني عليه الأول، ولم يكن للمجني عليه الثاني شركة في هذا النصف، وإن كانا شريكين في القيمة المأخوذة من المبتاع. والفرق بينهما: أن تلك القيمة كانت مشتركة، ونصف القيمة كان خالصًا للخصم الأول؛ لأن الجناية السابقة، هي الجناية التي كانت في يد المالك، ولم يكن يومئذٍ في رقبة العبد جناية للثاني، ولما جني العبد في يد الغاصب الجناية الثانية كانت الجناية الأولى متعلقة برقبته، فلم يجز اختصاص الخصم الثاني بشيء من القيمة، ووجب اختصاص الخصم الأول بالنصف، فيقول الأول

стр. 1335

للثاني: جنى هذا العبد على وعليك، فلما جني عليك جني وهو مستحق الرقبة بالجناية علي، فثبت لك الأرش في رقبة غير برية، وهذا النصف من القيمة الذي آخذ من الغاصب وجب قل الجناية عليك؛ لأن العبد صار مضمونًا على الغاصب بالغصب، والغصب حصل قبل الجناية عليك، فلم يثبت حقك إلا في رقبة مستحقة، وقد اقتسمنا قيمته نصفين، فلابد من أن أستخلص هذا النصف الثاني. ومثال هذا ما نقول: لو أن عبدًا جني على رجل جناية تستغرق قيمته، فجني رجل على هذا العبد بعد جناية العبد فقطع يده، ثم قتل العبد المقطوع رجلًا، ثم مات العبد من سراية اليد المقطوعة: استوفينا قيمة العبد ممن قطع يده، ثم يقال: كم قيمة هذا العبد حين لم يكن/ (١٨٠ - أ) مقطوعًا؟ فيقال ألف، ثم يقال، كم قيمته بعدما قطعت يده؟ فيقال: ستمائة، فتقسم ستمائة من الألف بين المجني عليه أولًا وبين المجني عليه ثانيًا نصفين، وما زاد على ستمائة، فهو خالص للمجني عليه أولًا؛ لأنه يقول: إن هذا العبد جني علي وأعضاؤه موفورة، فثبت حقي في جميع رقبته على كمال قيمته، وجني عليك ويده مقطوعة، فثبت حقك في رقبة عبد مقطوع اليد، فإذا وصل إليك نصف قيمته مقطوعًا، فقد وصل

стр. 1336

إليك جميع حقك، وما زاد في قيمته لسلامة أعضائه، فذلك خالص حقي، لا حق لك فيه. والله أعلم.

стр. 1337

كتاب الشفعة مسألة (٣٣٠): قال الشافعي: "إذا اشترى رجل شقصًا فيه شفعة بثمن حال، فالثمن على الشفيع حال، وإذا اشتراه بثمن مؤجل إلى سنة، فمات المشتري صار الثمن في تركته حالًا، ولم يصر على الشفيع حالًا، ولكن الشفيع بالخيار، إن شاء عجل الثمن، واستعجل الشفعة، وإن شاء أخر حتى ينقضي الأجل، ثم يعطي، فيأخذ". الفرق بين الحالتين: أن الثمن إذا كان في أصل العقد حالًا بالتسمية والإطلاق ثبت حق كل واحد منهما في أصل العقد على صفة واحدة، والشفيع يستحق بأصل العقد، كما يستحق المشتري بأصل العقد. ألا ترى أنه يستغني عن عقد جديد يفيد الملك، فلما كان الثمن في الأصل حالًا على المشتري كان كذلك حالًا على الشفيع، فأما إذا انعقد البيع مؤجلًا، فقد ثبت لكل واحد منهما بأصل العقد حق الأجل. ألا ترى أن البائع لا يتمكن من مطالبة المشتري قبل حلول الأجل، كما لا

стр. 1338

يتمكن المشتري من مطالبة الشفيع قبل الأجل، فلما مات المشتري سقط حقه، وحق ورثته في الأجل بالموت، وذلك لا يوجب سقوط حق الشفيع في الأجل، لأن بطلان حق المشتري [لا يتضمن بطلان حق الشفيع بعد ثبوته. ألا ترى أن المشتري] لو رضي بالإقالة، ولم يرض الشفيع، لا يعترض على حق الشفيع. المسألة بحالها: فلو مات الشفيع قام وارثه مقامه، ولا يكون الثمن حالًا في حقهم، وكل مديون مات والدين عليه مؤجل صار الدين حالًا عليه، وإنما لم يصر حالًا في حق ورثة الشفيع؛ لأن ذمة الشفيع بريئة عن الدين، والعقد يوجب له، ولا يوجب في ذمته دينًا، والديون المؤجلة إنما تصير حالة بخراب الذمة التي هي محل الدين المؤجل، والأجل، لا/يثبت قط في ذمة من له دين، وإنما يثبت في ذمة من عليه الدين، وإن كان حقًا على من له الدين. والدليل على أن الأجل في ذمة المديون: أن الأجل صفة للحق، ولا يتصور أن يكون الحق الموصوف في ذمة زيد، ووصفه في ذمة عمرو، ومنزلته منزلة الجودة، والرداءة، وأوصاف النقود، فلما كانت ذمة الشفيع بريئة استحال حلول هذا الدين بموته.

стр. 1339

فأما إذا كان الدين الواحد مستقرًا في ذمتين مؤجلًا - وهو الدين المضمون المؤجل يكون في ذمة الأصيل، والكفيل جميعًا، وصاحب الدين ممنوع عن مطالبتهما ومطالبة كل واحد منهما قبل الأجل - فلو مات الضامن كان لصاحب الحق مطالبة ورثته في تركته؛ لحلول الدين عليه بموته، فإذا أراد ورثة الضامن الرجوع على الأصيل، فلا سبيل لهم إلى الرجوع، لمثل النكتة التي ذكرناها في الفرق وهي: أن الدين كان مؤجلًا عليهما جميعًا، فلئن انتهى حق الضامن في الأجل بموته فلا ينتهي حق الأصيل مع بقائه وحياته، فليصبر ورثة الضامن حتى ينقضي الأجل، ثم لهم مطالبة الأصيل. وقال الشافعي ﵀ في هذه المسألة: "لو مات المضمون عنه، فحل الدين، فقال المستحق للوارث: أجلتك شهرًا كان للضامن أن يقول: إما أن تبرئني وإما أن تستوفي الدين من تركة الميت؛ لأن الورثة ربما يتبسطون فيها فيستهلكونها قبل الشهر فتستقر على الغرامة ولا أجد مرجعًا. وقريب من هذا: الرهن المستعار، فإن الأجل إذا حل فقال المرتهن للراهن المستعير: أجلتك شهرًا، كان للمعير أن يقول: إذا أردت تأجيله، ففك الرهن، ورد علي العبد، وإلا فاستعجل حقك وخلص رقبة العبد عن الرهن.

стр. 1340

مسألة (٣٣١): الشفعة إذا ثبتت لرجل، فبلغه الخبر أن فلانًا هو المشتري، وأن الثمن هو خمسمائة درهم، فقال: عفوت، ثم بان له أن المخبر كذب وأن الثمن ألف درهم، فقال: إني طالب للشفعة: لم يكن له شفعة، ولو كانت المسألة بحالها، فأخبر أن المخبر الأول كذب، حيث قال بخمسمائة درهم، فقال: عفوت، ثم بان له أن المخبر كذب وأن الثمن ألف درهم، فقال: إني طالب للشفعة: لم يكن له شفعة، ولو بخمسمائة درهم وإنما وقع الشراء بخمسمائة دينار، فقال: إني طالب للشفعة: كان له طلب الشفعة. والفرق بينهما: أن المخبر الأول إذا ذكر الدراهم، وذكر الثاني جنس الدراهم - وإن اختلفت في العدد - فالجنس واحد متحد، وإنما تفاوت الثمنان في القلة/ (١٨١ - أ) والكثرة مع اتفاق الجنس، فاستحال أن يكون عافيًا عن الشفعة، والثمن قليل، ثم يطالبها والثمن كثير، والجنس جنس واحد. فأما إذا اختلف الجنسان، فله الطلب بعد العفو؛ لأن ما وقع عليه العقد غير ما سمعه من المخبر الأول في الجنسية، فلم يكن عفوه موجودًا قط في جنس الثمن، لا في قليله، ولا في كثيره، فبقي العقد بمعزل عن العفو، والعفو بمعزل عن العقد، ولو أنه سمع أن زيدًا هو المشتري، فعفي، فتيقن أن المشتري عمرو كان له طلب الشفعة، لما ذكرناه من النكتة. فإن قيل: فالعقد بألف درهم غير العقد بخمسمائة [فهلا جعلتم له أن يطلب بعدما عفي؟.

стр. 1341

قلنا: في الألف خمسمائة]، وليس في الألف درهم شيء من الدنانير، ولا في الدنانير شيء من الدراهم، فلما تصورت المجانسة بينهما صار عقد العفو، وعقد الطلب، كالعقد الواحد، ولما تحققت المباينة بينهما - لاختلاف الجنس - تحققت المباينة في عقد العفو وعقد الطلب. مسألة (٣٣٢): الشفعة إذا ثبتت بين جماعة، فعفا بعضهم، وطلب بعضهم كان للطالب أن يستغرق الشفعة كلها، وليس للمشتري أن يقول: أعطيك منها قسطك الذي كان بحصتك مع جميعهم، وكذلك إذا ثبت حد القذف لجماعة، فعفا بعضهم كان لغير العافي استيفاء كمال الحد، وكذلك إذا ترك بعض أولياء النكاح حقه من الكفاءة كان للباقين الاعتراض والطلب.

стр. 1342

ولو أن رجلًا من المسلمين عقد لرجل من المشركين أمانًا على دمه وماله مستبدًا به لم يكن لسائر المسلمين أن يعترضوا عليه، وأن يطلبوا في دمه، أو ماله حقًا، وكل واحد من المسلمين عند الانفراد بمنزلة كل واحد من الشفعاء، والأولياء عند الانفراد. والفرق بينهما: أن العقد إذا صح ثبتت الشفعة، وهي لا تقبل التبعيض والتجزئة، فإذا عفا بعضهم سقط حقه بالعفو، ولم يسقط شيء، من حق الغير ولم نجد سبيلًا إلى التبعيض فكان لغير العافي الاستيعاب، كما لو كان منفردًا في الابتداء وكذلك ولاية النكاح حق ثابت، والتبعيض فيه محال، وكذلك حق القذف. فأما عقد الأمان، فمن عقده، فليس ذلك بإسقاط حق ثابت، وذلك أن المسلمين إنما يتعلق حقهم برقبته إذا استأسروه، وبماله إذا اغتنموه،

стр. 1343

وإذا لم يتصور في نفس الجربي إسار وفي ماله إحراز لم يثبت حق/ (١٨١ - ب) المسلمين، وإذا لم يثبت الحق لم يتصور إسقاطه، وابتداء عقد الأمان حق لكل مسلم مكلف، ولو أن الحق ثبت بالأسر فقال واحد من المسلمين إني أمنت فلانًا من الأساري لم يحرم بذلك الأمان دمه، ولا ماله؛ لأنه لما صار مأسورًا تعلق بدمه حق السفك وبرقبته حق الاسترقاق، أو المفاداة على ما يرى الإمام باجتهاده. فإن قيل: قد أسقطتم حق جميع أولياء القصاص بعفو بعضهم. قلنا: إنما أسقطناه إلى عوض وهو الدية، وهذا الحق إذا سقط سقط إلى غير عوض. فإن قيل: إذا أبرأ بعض أولياء القتيل عن نصيبه من الدية خصصتم الإبراء بنصيبه وأسقطتموه، ولم تجعلوا لسائر الأولياء طلب نصيبه من الدية خصصتم الإبراء بنصيبه وأسقطتموه، ولم تجعلوا لسائر الأولياء طلب نصيبه الذي أسقطه، فهلا أسقطتم في هذا الموضع نصيب العافي. قلنا: لأن من الحقوق ما لا يقبل التجزئة، والتبعيض، كخيار الثلاث وحد القذف، ومنها ما يقبل التبعيض، كالرد بالعيب والديون

стр. 1344

الواجبة، فبعضنا ما كان قابلًا للتبعيض، وجمعنا ما لا يقبل التبعيض. ولترك التبعيض قال الشافعي ﵀: "إذا حضر شفيع من الشفعاء الثلاثة لم يكن له أن يأخذ بعض الشفعة ويترك بعضها مع علمه وعلمنا بأن له شريكين في الشفعة، فيلزمه أن يأخذ الجميع ويؤدي الثمن بتمامه، فإذا رجع الشفيع الثاني وأراد الطلب لم يكن له أيضًا أن يأخذ الثلث، بل يلزمه أن يأخذ نصف الشفعة ويدفع نصف الثمن إلى الشفيع الأول، فإذا رجع الثالث ساواهما ورد ثلثي الثمن عليهما". مسألة (٣٣٣): قد نص الشافعي ﵀ على أن الشفعة تستحق بملك المكاتب وفي ملك المكاتب، وأن ملكه ملكًا ضعيفًا، فأما ملك المرتد في زمن ردته فإنه ملك تستحق به الشفعة ويستحق بالشفعة، ولا نحفظه منصوصًا، ولكنه مسطورًا لبعض مشايخنا.

стр. 1345

وأما رقبة الوقف فملك لا تستحق به الشفعة بحال، سواء حكمنا بأن الرقبة ملك للموقوف عليه، أو حكمنا بأن الرقبة ملك الواقف. والفرق بينهما: أن ملك المكاتب إذا أكملت إضافته فهو ملك كامل، ومعنى إكمال الإضافة أن تضيفه إلى المستحقين جميعًا: السيد والمكاتب؛ لأن كل واحد منهما يستحق في ذلك المال حقًا. ألا ترى: أن السيد يمنع المكاتب التبرع، وكذلك المكاتب يمنع السيد الاسترجاع والانتزاع، وإذا كان/ (١٨٢ - ب) الملك في نفسه موصوفًا بتمام صفة الملك - وإنما يقع الضعف في المضاف إليه عند الإفراد والانفراد - التحقت تلك الرقبة في صفة المالية بسائر الرقاب التي تكامل الملك عليها، وكذلك ملك

стр. 1346

المرتد في زمان ردته موصوفًا بأنه في نفسه مملوك بتمام صفات الملك والمالية، وإن استكملت جهة الأوصاف وصارت موقوفة على العاقبة. فأما الرقبة الموقوفة فأوصاف الملك والمالية في نفسها مختلفة متغيرة زائلة عما كانت من قبل؛ ولذلك قرب الشافعي الوقف من العتق فإن شبهته بحقيقة العتق، فذلك حقيقة زوال الملك، وإن شبهته بالاستيلاء فذلك حقيقة اختلال الملك، وإذا كانت الرقبة في معنى المالية فهذه الصفات ما كانت صالحة لاستحقاق الشفعة بها حتى تكون الرقبة التي تطلب بها الشفعة والرقبة التي تطلب بالشفعة سواء في صفة المالية؛ ولهذه النكتة كان للمكاتب أن يستقسم

стр. 1347

شريكه إذا كان الملك مشاعًا بينهما، وكذلك للسلطان أن يستقسم شريك المرتد ليقسم الملك المشترك، ولو أن أرباب الوقف أرادوا أن يتقاسموا، أو كان في دار شقص موقوف وشقص مملوك، لم يكن لأرباب الوقف طلب القسمة بالرقبة الموقوفة، ولو بقيت لها صفات المالية على الكمال لجاز طلب القسمة بالرقبة بها. فإن قال قائل: كيف ادعيتم كما ملك المرتد مع إسقاط الزكاة عن ماله إذا حال الحول في أيام الردة؟. قلنا: إذا حكمنا بأن الردة لا تزيل ملكه لم نحكم بإسقاط الزكاة، وإذا حكمنا بأن الردة أزالت ملكه أسقطنا الزكاة لا لضعف في الملك، ولكن لعدم تعيين المالك، وشرط وجوب الزكاة مع تمام الملك تعين المالك، وكذلك لا نوجب العشر في أوقاف المساجد والفقراء الموصوفين، ونوجبه في أوقاف المعينين.

стр. 1348

مسألة (٣٣٤): الشفعة إذا ثبتت لطفل، فالواجب على قيمة مراعاة النظر، فإن عفا، والغبطة في العفو صح عفوه، وليس لليتيم إذا بلغ أن يطلبها، وإن عفي، والغبطة في الأخذ لم يصح عفوه. ولو ثبت للطفل قصاص، فرأى قيمه أن يعفو، فعفا، وأخذ المال، فبلغ الطفل كان له طلب القود بكل حال. الفرق بينهما: أن المقصود المعظم من القود استدراك الغيظ والتشفي ومداواة الحقد، وهذا المعنى مما يختص به المولي، فليس للقيم في/ هذا المعنى مداخلة، ومساهمة؛ لأن الحميم يجد بحميمه ما لا يجد الأجانب بالأجانب. فأما الشفعة، والرد بالعيب، وما شاكلهما، فمحض المال، وسلطان القيم نافذ فيما تمخض فيه معنى المالية على شرط النظر، وقد راعى شرط النظر. مسألة (٣٣٥): إذا اشترى رجل من رجل شقصًا فيه شفعة، فأوصى به لرجل، ومات الموصي، فقام الشفيع وأخذ الشقص بالشفعة بطلت الوصية، وليس للموصى له حق في الثمن المأخوذ من الشفيع.

стр. 1349

ولو أوصى رجل لرجل بعبد، فمات الموصي، فقتل العبد كانت القيمة المأخوذة من القاتل للموصى له إذا قبل الوصية. والفرق بين المسألتين: أن الشقص المأخوذ بالشفعة إذا أخذه الشفيع أخذه باستحقاق سابق مستند إلى أصل العقد، وإن كان ملك الشفيع مترتبًا على ملك المشتري. ألا ترى أنه يأخذه بالثمن المسمى سواء كان مثل قيمته، أو أقل منها، أو أكثر منها. ألا ترى أن المشتري لو جحد الشراء، واعترف البائع كان للشفيع أخذ الشقص من البائع، وإذا كان كذلك صار الموصي في تقدير من أوصى لغيره بالمال المستحق، وما أوصى له بالثمن حتى يدفع إليه الثمن. فأما العبد الموصى به إذا قتل، فما كان مستحقًا، ولا في صورة مستحق، بل كان جميع الحق فيه لمالكه الموصي به إلى وقت القتل، فلما قتل انتقل حق الوصية إلى القيمة، فإنها عوض الرقبة، كما ينتقل حق الجنس في المبيع المقتول إلى قيمته، وكما ينتقل حق الرهن المقتول إلى قيمته.

стр. 1350

مسألة (٣٣٦): إذا رهن رجل نصف دار شائعًا، فحل الدين، فبيع بعض ذلك الرهن في الدين، وأراد ذلك الراهن أن يطلب الشفعة في الشقص المبيع بحق ما بقي له من الدار، فليس له طلب الشفعة، ولو بيع من الدار شقص، كان للراهن الشفعة بالملك المرهون. ولو أن رجلًا مات، وخلف تركة مستغرقة بالدين، وفي التركة نصف دار، فبيع من النصف الثاني شقص، كان للورثة طلب الشفعة في الشقص المبيع بحق الشقص المستغرق بالدين، كما قلنا في الراهن، ولو كان للوارث في تلك الدار شقص قديم سوى الشقص الموروث، فبيع في دين أبيه الشقص الموروث، فقد قال بعض أصحابنا: للوارث أن يأخذ الشقص المبيع الموروث بالشفعة. والفرق بين المسألتين: أن ملك/ (١٨٣ - ب) الراهن على عين الرهن سبق الرهن، وكان على صفة الكمال، وهو بعد الرهن باقٍ على ما كان من تمامه، وكماله، وهو الذي علق به عقد الرهن حقًا للمرتهن، فإذا بيع شقص ثبت له تملكه الكامل حق الشفعة في ذلك الشقص، وإذا بيع بعد الرهن لم يثبت للراهن فيه شفعة بما بقي من الرهن، ولا بغيره من الملك إن كان له في الدار ملك زائد على المرهون. فأما الوارث في التركة، فليس كذلك؛ لأن ملك التركة لم ينتقل إليه إلا

стр. 1351

مستغرقًا مستحقًا بالدين، وحق الميت متعلق بالتركة؛ لقضاء ديونه، وإن كان حق الوارث متعلقًا بها إرثًا، ولذلك قدمنا الدين على الميراث، فقلنا: إذا بيع من الدار شقص، فللوارث أن يطلب الشفعة بهذه التركة؛ لأنه مالك، وإن كان لمورثه حق متعلق بالعين، وقد أثبتنا للمكاتب الشفعة بملكه، وإن كان ملكه دون ملك الحر، بخلاف رب الوقف، فلا يطلب الشفعة برقبة الوقف، فإذا بيع هذا الشقص الموروث في الدين جعلنا للوارث بما له من الملك القديم أن يأخذ ذلك المبيع بالشفعة؛ لأن المبيع ما بيع في حق الوارث، كما يباع الرهن في حق الراهن، وإنما بيع في حق غيره، فصار ذلك الشقص الموروث في حكم ملك الوارث من وجه، وخارجًا عن ملك الوارث ي وجه. ومن أصحابنا من قال: يثبت للوارث بالشقص الموروث المستغرق شفعة في غيره إذا بيع، ولا يثبت له في الشقص الموروث شفعة وإن كان له في الدار ملك قديم، وسوى بينه وبين الراهن، وقال: يستحيل أن يطلب ملكًا بالشفعة، ويطلب الشفعة بذلك الملك. مسألة (٣٣٧): الشفعة لا تستحق بالشقص المُستحق بالشفعة عند بعض أصحابنا،

стр. 1352

ومنهم من قال: تستحق الشفعة بالشقص المستحق بالشفعة، حتى قال بعضهم: إذا اشترى رجل شقصًا فيه شفعة، فمات وعليه دين يستغرق التركة فبيع من تلك الدار شقص كان لروثته أخذ ذلك الشقص المستحق بالشفعة المستغرق بالدين. فمن قال: إنه لا يستحق الشفعة بالشقص المستحق بالشفعة، ويستحق الشفعة بالشقص المستغرق بالدين فصل بين المسألتين فقال: الفرق بينهما: أن الشقص المستحق بالشفعة استحقه شفيعه بالعقد الذي استحقه مبتاعه، واستند حقه إلى أصل العقد، فإذا بيع من الدار/ (١٧٨ - ب) شقص فأراد المشتري الأول أخذ ذلك الشقص بالشفعة قيل له: إنك لتطلب الشفعة بملك مملوك عليك حكمًا؛ لأن شفيعك استحق عليك وإن لم يأخذ منك، فهذا ملك غير موصوف بصفة استحقاق الشفعة.

стр. 1353

فأما الوارث في التركة، فليس كذلك؛ لأن حقوق الغرماء ما كانت متعلقة بتلك التركة والأب حي، وإنما كانت حقوقهم متعلقة بذمته، فلما مات صار حقه متقدمًا على حق الميراث. والذي يوضح هذا الفرق: أن الورثة لو أرادوا تبديل عين التركة وقضاء الدين من مال آخر وإمساك تلك الأعيان كان لهم ذلك، وأما الشقص المستحق بالشفعة، فهو عين حق الشفيع فلا سبيل فيه إلى الإمساك والتبديل. واعلم أن هذا الشقص المستحق بالشفعة وإن لم يثبت للمشتري به شفعة فيما يباع، وأضفناه إلى حق الشفيع، فلا يصير قبل أخذ الشفيع ملحقًا بأملاك الشفيع، فلو بيع من الدار شقص قبل أن يأخذه الشفيع، ثم أخذه من بعد، لم يستحق بهذا الشقص زيادة شيء في الشفعة عند من يقسم الشفعة على الأنصباء؛ لأنه الآن أخذه، وحتى يقول: لو أن هذا الشفيع لو لم يعلم بهذه الشفعة حتى باع ملكه القديم - وقلنا: لم تبطل

стр. 1354

شفعته؛ لجهله - فبيع شقص آخر قبل أخذ هذه الشفعة الأولىى، ثم أخذها لم يكن له أن يطلب الشفعة في الشقص الثاني، بعلة أنه كان مستحقًا؛ لأنه لم يكن مالكًا، وليس مستحق لملك بمنزلة المالك، فتفهم. مسألة (٣٣٨): خيار الثلاثة وحق الشفعة سواء في كثير من الأحكام، منها: أن الاعتياض عنهما ممنوع، ومنها: أنهما موروثان، ولكن لو اشترى جماعة سلعة على شرط الخيار ثلاثة أيام، فادعى البائع على واحد منهم الإجازة، فجحد، فاستحلف، فنكل، ردت اليمين على البائع، كما ترد الأيمان عقيب النكول في سائر الخصومات. ولو ثبتت الشفعة لجماعة، فادعى المشتري على واحدٍ منهم العفو، فجحد

стр. 1355

فاستحلف، فنكل، لم ترد اليمين على المشتري. والفرق بينهما واضح وهو: أن الواحد من المشتريين إذا أجاز انفراد بحمكه وليس لغيره أن يفسخ العقد فيما أجازه فيه، فرد اليمين على البائع رد مفيد فائدة الرد هي: أنه يحلف يمين الرد، فيصير البيع لازمًا/ (١٨٤ - ب) منبرمًا في نصيب الناكل، فأما الواحد من الشفعاء إذا نكل، فلا فائدة في رد اليمين على المشتري؛ لأن الواحد من الشفعاء ما دام ثابتًا على الطلب كان له أن يستغرق جميع الشفعة، بل كان عليه أخذ الجميع إذا قصد الشفعة، فوزان الخيار: الشفيع الواحد. فلو كانت المسألة بحالها في الشفعة فقال من بقي من الشفعاء: أنا آخذ نصيب الناكل، فقال الناكل: لا أعطيكم نصيبي وأحلف أني ما عفوت كان له ذلك، فإن استحلف، فنكل ردت اليمين على سائر الشفعاء، فلا يستحقون ما لم يحلفوا، وإنما قلنا يمينه بعد نكوله بخلاف سائر مسائل النكول؛ لأن نكوله الأول كان مع المشتري، وخصومته مع الشفعاء خصومة مستأنفة غير الخصومة الأولى، وصفتها غير صفتها. ألا ترى أن الرد تصور في إحدى الخصومتين ولم يتصور في الثانية، وإنما تصور الرد [في الثانية؛ لأنهم إذا حلفوا أخذوا نصيبه، ولم يتصور الرد في الأولى]؛ لأن المشتري لو حلف لم يأخذ بيمينه شيئًا. ولو كانت المسألة بحالها، فاستحلف سائر الشفعاء هذا الشفيع الناكل، فنكل

стр. 1356

معهم، [كما نكل مع المشتري، فأبطلنا حقه، فمات شفيع والناكل] وارثه، كان له أن يطلب بحق الميراث وإن سبق منه النكول، لأن المستحق بالإرث مستحق من جهة أخرى، ولو أن رجلًا قذف رجلًا، فمات المقذوف، وخلف ابنين، فعفي أحدهما عن حد القذف سقط حقه في الطلب، فلو مات أخوه كان له الطلب أي: طلب حد القذف بكماله؛ لأن ما سقط بنكوله عاد بميراثه. واعلم أن هؤلاء الشفعاء إذا خاصموا هذا الناكل، فخصومته مع كل واحد منهم خصومة أخرى، وربما يحلف مع بعضهم وينكل مع بعضهم، فلا يسقط جميع حقه من الشفعة إلا بنكوله مع جميعهم.

стр. 1357

كتاب القراض مسألة (٣٣٩): إذا دفع رجل ألف دينار إلى زيد مضاربة على النصف، ودفع ألف دينار إلى عمرو كذلك، فخسر كل واحد من العاملين من المالين خمسة وعشرين دينارًا، فأخرج المالك من كل واحد منهما من المالين عشرين دينارًا لبعض زكاة ذلك المال، فربحا وصار ما في يد كل واحد منهما ألفًا ومائتي دينار، قاسم المالك كل واحد منهما الربح نصفين، فيكون له مائة دينار ولزيد مائة، وله مما في يد عمرو مائة ولعمرو مائة دينار. ولو كانت المسألة بحالها فخسر كل واحد خمسة وعشرين دينارًا، ثم إن رب المال أدى مما في يد زيد عشرين دينارًا زكاة لما في يد عمرو، ومما في يد/ (١٨٤ - ب) عمرو عشرين دينارًا زكاة لما في يد زيد، ثم ربح العاملان فصار ما في يد كل واحد منهما ألفًا ومائتي دينارًا، فلكل عامل مائة دينار وعشرة دنانير وربع

стр. 1358

دينار، وما بقي في يده، فهو للمالك، وهو: ألف وتسعة وثمانون دينارًا وثلاثة أرباع دينار تسعون غير ربع. والفرق بين المسألتين إنما يتبين بتقديم أصلين، أحدهما: أن المال إذا كان فيه خسران، فاسترد رب المال طائفة في وقت الخسران اتبعنا ذلك المسترد حصته من الخسران، ولم يجب على العامل جبران حصة المسترد، وإنما يلزمه جبران حصة الباقي في يده. والأصل الثاني: أن الرجل إذا أدى عن مال القراض زكاة المال لم نجعل مقدار الزكاة - على الصحيح من المذهب - كطائفة مستردة، بل جعلناه كسائر المؤن التي تلزم المال، مثل: مؤنة الدلال والوزان، فيجب على العامل في آخر الأمر تسليم رأس المال من غير أن يحسب شيئًا من هذه المؤن، ثم يتقاسمان الربح، فأما إذا أدى عن المال الذي عند زيد شيئًا من زكاة المال الذي عند عمرو، فذلك

стр. 1359

كطائفة مستردة من المال، فإذا كان الاسترداد في وقت الخسران استتبع القدر المسترد نصيبه من خسران المال. فإذا تقرر هذان الأصلان فبيان الفرق بينهما أن يقال: إنه في المسألة الأولى أدى من مال زيد بعض زكاة ذلك المال عشرين دينارًا، وكان في المال يومئذٍ خسران خمسة وعشرين، فالجملتان خمسة وأربعون، [وهما جميعًا مما يجب على العامل جبرانه، إذ الزكاة من جملة المؤن]، فكأنه خسر خمسة وأربعين، ثم صار المال ألفًا ومائتين، فالألف رأس المال، والمائتان ربح بينهما على المناصفة. فأما المسألة الثانية فليست كذلك؛ لأنه أدى عما في يد زيد عشرين دينارًا من حساب زكاة ما في يد عمرو، فصارت هذه العشرون طائفة مستردة من المال، وكان في المال يوم الاسترداد خسران ربع العشر، فاستتبعت العشرون المستردة نصيبها من الخسران، وذلك ربع عشر العشرين وهو نصف دينار، فكأنه

стр. 1360

استرد عشرين دينارًا ونصف دينار، وبقي في يد العامل تسعمائة وتسعة وسبعون دينارًا ونصف، وهذا هو رأس المال، فما زاد على ذلك إلى ألف ومائتين، فكله ربح، وذلك مائتان وعشرون ونصف دينار فقسمناها بينهما نصفين؛ فلذلك خرج الجواب على ما ذكرناه. مسألة (٣٤٠): العامل في القراض إذا اشترى من يعتق على رب المال بغير إذنه وقع العقد للعامل، ولم ينصرف/ إلى رب المال، وإن اشترى بعين المال، فالعقد باطل، ولو أن العبد المأذون له في التجارة اشترى من يعتق على سيده بغير إذنه، ففي المسألة قولان: أحدهما: أن العقد باطل، والثاني: أن العقد صحيح منصرف إلى السيد، ويعتق عليه من حين اشتراه. والفرق بين المأذون والعامل: أن العامل مالك ذمته ومالك الشراء لنفسه،

стр. 1361

وإن قبل قراض غيره. ألا ترى أنه لو اشترى شيئًا في الذمة، ونوى نفسه وقع الشراء له، فلس من ضرورة القراض صرف عقوده بجملتها إلى رب المال، والشرط أن يشتري ما يربح فيه، فإذا اشترى من يعتق على رب المال كان ذلك مما لا يتصور فيه الربح، فلم ينصرف العقد إلى رب المال، وكان العامل من أهل العقد لنفسه، فانصرف إليه. وأما المأذون، فجهة تصرفاته واحدة وهي جهة السيد؛ لأنه لا يملك مالًا، ولا ذمة له مطلقة، وقد أذن له السيد في الشراء إذنًا مطلقًا، فإذا اشترى نزلت عبارته منزلة عبارة سيده، فكأن السيد اشترى من يعتق عليه، ولو أن المكاتب اشترى من يعتق على سيده صح شراؤه، فإذا عجز وتلك الرقبة في ملك المكاتب دخلت بالعجز في ملك السيد، وعتقت بالقرابة.

стр. 1362

مسألة (٣٤١): المأذون له في التجارة إذا اشترى عبدًا بإذن سيده، وتعيينه إياه له بعد تمام الإذن، فظهر استحقاقه، ولزمته العهدة رجع بالعهدة على السيد، ولو اشتراه بغير إذنه، فخرج مستحقًا [ولزمته العهدة كانت العهدة مستقرة] على المأذون، فيكتسب ويردها، فإن اتفقت حريته قبل أدائها كانت العهدة عليه أيام حريته. والفرق بين الصورتين: أن السيد إذا عين له عبدًا، فاشتراه، فخرج مستحقًا، فالمأذون له بمعزل عن التفريط مع التعيين، ومنزلته فيه منزلة العبد المحجور عليه إذا اشترى سلعة بإذن السيد، فتكون العهدة راجعة إلى السيد. فأما إذا لم يكن من السيد تعيين، فالشراء وقع باختيار المأذون، فإذا استبان الاستحقاق انتسب المأذون إلى التفريط، فكان استقرار العهدة عليه.

стр. 1363

وإذا ثبت هذا الفرق في المأذون بين المسألتين، فكذلك الوكيل في هاتين الصورتين، والفرق في الوكيل كالفرق في المأذون. مسألة (٣٤٢): قال الشافعي ﵀: "متى شاء العامل أن يخرج من القراض خرج منه، وإن مات رب المال صار لوارثه، فإن/ (١٨٥ - ب) رضي ترك المقارض على قراضه، وإلا قد انفسخ قراضه، فإن مات العامل لم يكن لوارثه أن يعمل مكانه ويبيع ما كان في يده". ففصل الشافعي، كما ترى بين موت رب المال، وبين موت العامل مع كون العقد جائزًا من الطرفين، فجعل لوارث رب المال تقرير العامل على القراض إن أراد تقريره، ولم يجعل لوارث العامل استدامة عقد أبيه. والفرق بين المسألتين: أن الأصل في القراض هو رب المال لا العامل، لا سيما إذا قلنا: لا يملك العامل شيئًا إلا بعد المفاصلة، فجاز أن يستديم حكم العقد بعد موت رب المال على جهة الاختيار، لا على جهة اللزوم، فهذا معنى قول الشافعي ﵀ في وارث رب المال: "فإن رضي ترك المقارض على قراضه وإلا قد انفسخ قراضه". فأما العامل إذا مات، فليس بأصل وإنما هو فرع وتبع، فلا يأخذ الفرع قوة الأصل.

стр. 1364

فإن قيل: إذا اعترض الموت على العقد الجائز وجب أن يبطل. قلنا: قد أثر الموت في العقد بنقل الحق والملك؛ ولذلك احتجنا إلى إذن من جهة الوارث. فإن قيل: فإن كان إذنه ابتداء مضاربة، فاشترطوا ما يشترط في الابتداء، وهو أن يكون المال دراهم، أو دنانير. قلنا: هذا الإذن وإن أشبه الابتداء من وجه، فليس كالابتداء من جميع الوجوه، وذلك أن الوارث يخلف الموروث في بعض أحكامه، بل في عامة أحكامه، وتقوى هذه الطريقة عند من يبني حول الوارث - في الزكاة - على حول الموروث، وهذا قول حكاه الربيع عن الشافعي ﵀.، وإن كان مستبعدًا.

стр. 1365

كتاب المساقاة مسألة (٣٤٣): قال الشافعي ﵀ في كتاب المساقاة: "وتجوز المساقاة سنين". وقال في كتاب القراض: "ولا يجوز أن يقارضه إلى مدة". فإن قال قائل: إذا كانت المضاربة مشتقة من المسافاة مستنبطة منها مشبهة بها في المعنى، والمعنى: أن كل واحد منهما معاملة على أصل غير قابل للإجارة، والمقصود الاستنماء والاستفضال، فكيف افترقا في التأقيت؟. قلنا: إنما افترقا في التأقيت؛ لأن من ضرورة المساقاة وجود المدة، وليس من ضرورة المضاربة ذكر المدة؛ لأن المساقاة تستدعي أن يعمل في البستان زمانًا طويلًا بالسقي والتأبير وتصريف/ (١٨٦ - ب) الجريد، وأنواع التعهد إلى أن يطلع النخل، فيزهي، ويرطب ويجد، ولو أنه ساقاه عليها والثمرة مزهية كانت

стр. 1366

المساقاة باطلة؛ فلذلك كانت المدة داخلة في المساقاة، فأما العامل في القراض، فربما يربح في اليوم الواحد، أو في الأسبوع الواحد، أو في العقد الواحد ما يرتفع به مقصودهما جميعًا. والذي يوضح هذا الكلام وبه يتكامل الفرق: أن القراض في الأصل عقد جائز، فاشتراط المدة فيه - على معنى ثبوت المدة - يؤدي إلى ألحاقه بالعقود اللازمة، وذلك محال، وأما المساقاة فإنها عقد لازم، فضرب المدة فيها لا يغيرها عن أصل موضوعها. فإن قال قائل: ما الذي أوجب الفرق بينهما في الجواز واللزوم وهما في الأصل، كالأصل الواحد؟. قلنا: إنما افترقا للنكتة التي ذكرناها: أن المدة من ضرورة المساقاة، كما أن المدة من ضرورة الإجارة والإجارة من العقود اللازمة، فصارت المساقاة ملحقة بها، فأما المضاربة، فمستغنية عن المدة؛ فلذلك لم تلتحق بالإجارات، والعقود اللازمة. مسألة (٣٤٤): الثمرة إذا برزت وظهرت ملك العامل في المساقاة نصيبه منها، ولا يتوقف ملكه على غاية منتظرة.

стр. 1367

وأما الربح في المضاربة, فعلى قولين, أحدهما: إن العامل يملك نصيبه بالظهور, كما يملك الثمرة في المساقاة, والقول الثاني: أنه لا يملك منه شيئا إلا بالمفاصلة وتسليم رأس سليما وتسليما تاما. والفرق بين المسألتين: أن الربح في مال القراض وقاية المال, فلا بد من تسليم رأس المال, والتسليم عند القسمة والتجارات تارات: فتارة تربح, وتارة تخسر, فإذا ظهر شيء من الربح لم نأمن فقده باضطراب الأسواق, فلو حكمنا أن العامل صار مالكا عند ظهوره لزمنا أن نجعله بذلك الملك شريكا, ثم لا يجوز أن يكون مال الشريك وقاية لمال الشريك الثاني, فحكمنا بأنه غير مالك في الحال حتى يتقاسما. فأما عامل المساقاة, فليس كذلك؛ لأن الثمرة التي برزت لا يكون بعضها وقاية لبعض, ولا الشجرة والبستان, فكل معنى أوجب تمليك العامل في الانتهاء أوجب تمليكه في الابتداء. فإن قال قائل: إذا لم يتكامل عمله - والشرط أن يملك بالعمل (١٨٦/ ب) فكيف حكمتم له بالملك, وهلا صبرتم إلى أن تنتهي الثمرة نهايتها؟.

стр. 1368

قلنا: الشرط بينهما أن يعمل على أن ما رزق الله من الثمرة, فهو بينهما, وقد رزق الله الثمرة؛ لأن الثمرة قد خلفت, ثم إذا خلفت وصارت موجودة, فعليه تمام العمل, كما على العامل بعد [ظهور الفائدة في العروض] البيع إلى حين تمام المقاسمة, وجمع المال لنهاية العقد والشرط. مسألة (٣٤٥): إذا عامل رجل رجلا على أغنام, وشرط للعامل نصف النسل والرسل, فالمعاملة باطلة, بخلاف المساقاة. والفرق بينهما: أن الفوائد المستفادة من الأغنام تحصل بما لا يكاد يظهر فيه أثر عمل العامل, وهو: الفحولة, وأما البستان, فالعلم يحصل فيه بالعامل سقيا, وتأبيرا. فإن قيل: أثر الفحل يحصل بالعامل, كما يحصل التأبير منه, وأما

стр. 1369

النسل, فقد يكون, وقد لايكون, كما أن الثمرة قد تكون, وقد لا تكون قلنا: ألا ترى وإن تصورت منه اختيارا في ذلك الفعل ليس إليه على الحقيقة, وإنما هو إلى ذلك الفحل المختار, فانقطعت نسبة هذا الفعل عن العامل, ولا يحتاج في ظهور ثمرة البسان إلى عمل يتعذر فيه اختيار, لأن الأشجار تثمر بنفسها, ثم التأبير هو استصلاح للثمرة, وليس يقع الفرق بين المسألتين؛ لأن الثمرة ربما تكون, وربما لا تكون لا محالة, وأن النسل - أيضا - موهوم, بل هما موهومان. والفرق بينهما: ما بيناه من وجود الاختيار, وعدم الاختيار. مسألة (٣٤٦): نص الشافعي ﵀ على ألفاظ مختلفة في وقت جواز المساقاة على الثمرة. والصحيح أن المساقاة صحيحة عليها قبل بروزها وإن قارب زمان العقد زمان البروز.

стр. 1370

فأما إذا ظهرت وأطلعت النخيل, ثم ساقاه عليها ولم يعلم أن غير الثمرة البارزة لا يبرز فالمسافة باطلة. والفرق بينهما: أن الثمرة إذا لم تكن بارزة, فساقاة واشترط أن ما رزق الله من الثمرة, فهو بيني وبينك صح هذا الشرط؛ لأن الله - تعالى - لم يرزق الثمرة بعد, وإذا رزقها نزلت على مقتضى الشرط, فأما إذا كانت الثمرة قبل
следующие страницы →