Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
وهذا, كما قلنا في المشتري يرضى بترك الفسخ لما أبق العبد المبيع من يد البائع بعد البيع يؤثر رضاه في ماضي حقه دون مستقبله, فيكون له الفسخ متى شاء, وكذلك امرأة المولى إذا رضيت, ثم ندمت, بخلاف امرأة العنين, فإنه لا ينفعها الندامة بعد الرضا.
مسألة (٣٦٦): إذا اكترى أرضا ليزرعها ذرة, فزرعها قمحا فعليه المسمى دون غيره ولو اكتراها ليزرعها حنطة فزرعها ذرة فعليه غرامة النقص - كما حكيناه عن الشافعي ﵁ إن رضي المالك.
стр. 1402
بإجازة العقد, فغرم بالمخالفة في إحدى الحالتين, ولم يغرم في الحالة الأخرى.
ولو اكترى دابة ليحمل عليها حديداً فحمل غليها تبناً, أو ليحمل عليها تبناً فحمل عليها حديداً, فعطبت الدابة فالغرامة عليه في الحالتين.
والفرق بين الحالتين: أنه إذا اكترى أرضا ليزرع الذرة فزرع قمحا فقد نقص الضرر, وزاده خيراً وصلاحا وبرآ فيها فاستحال أن يغرم شيئا, وإنما يغرم إذا زرعها ذرة, [وكان قد استأجرها لزراعة القمح]؛ لأن ضررها فوق ضرر القمح.
وأما المسألة الثانية وهي مسألة الحديد, والتبن, فما من مخالفة من المخالفتين إلا وهي متضمنة نوعا من الضرر ليس في الآخر: وذلك أنه إذا استأجرها ليحمل عليها تبنا فحمل عليها حديدا فالحديد مثقل في بدنها موضعا مخصوصا فيهده هدآ، وربما يرض - أيضا - العظام رضا, ولا يوجد هذا الضرر في التبن المحمول عليها؛ لأنه مسترسل على بدنها كله/ (١٩٣ - أ) أو جله.
стр. 1403
وأما إذا اكترى الدابة ليحمل عليها حديداً فحمل عليها تبناً: فإن التبن يعمها عماً مالا يعمها الحديد, لاختصاص ثقله بموضع مخصوص منه.
مسألة (٣٦٧): قال الشافعي ﵁ في كتاب الأم: - " إذا غصب رجل داراً مكتراة من مكتريها, فليس للمكتري مخاصمة الغاصب فيها, وإنما للمكري مخاصمة الغاصب أرأيت لو أقر المكتري للغاصب بتلك الأرض لكنت لا أقبل إقراره, ولو أقر المكري كنت أقبل إقراره"
فظاهر تعليل الشافعي ﵀ دليل على أن المكري لو أقر للغاصب برقبة الدار المكراة كان إقراره مقبولاً في الرقبة, لا في إبطال عقد المكتري عقد المنفعة.
وأصح طريقة في هذه المسألة أن ينظر: فإن أقر المكري للغاصب برقبة الدار بعدما أكراها وقبل أن يغصبها من المكتري لم يقبل ذلك الإقرار في
стр. 1404
إبطال عقد المكري, وإن غصب الغاصب الدار من المكتري, ثم أقر المكري للغاصب بالدار وهي في يد الغاصب كان إقراره مقبولاً في إبطال عقد الكراء.
والفرق بين الحالتين: أن المكري إذا أقر بأني غصبتها وكانت الدار وقت الإقرار في يد المكتري, فقول المكري غير مقبول في زمان تكون المنافع فيه حادثة في يد المكتري.
وأما إذا كانت الدار مغصوبة, فأقر المكري, فالمنافع زمان إقراره غير حادثة في يد المكتري, بل هي حادثة في يد الغاصب, فهذا الإقرار مقبول, فقبل إقراره في إبطال عقد الكرى.
وبهذه النكتة يفصل بين هذه المسألة وبين من رهن عبداً وسلمه, ثم أقر بأنه كان باعه من رجل آخر قبل رهنه لم يقبل إقراره في أحد
стр. 1405
القولين؛ لأن الرهن حالة إقراره في يد المرتهن.
وادعى بعض أصحابنا قولين تخريجا من مسألة الرهن إلى مسألة إقرار المكري للغاصب, والأصح فيه طريقة الفرق, كما بيناه. والله أعلم.
стр. 1406
=====
стр. 1407
فهرس محتويات الجزء الثاني
الموضوع ... الصفحة
المقدمة .................................................................................. ٣
كتاب الزكاة ............................................................................ ١٩
مسائل القيم في الزكوات والكفارات ....................................................... ٢٤
مسائل الثمار .......................................................................... ١١٠
مسائل زكاة التجارة ................................................................... ١٢١
مسائل زكاة المعدن ..................................................................... ١٥٠
مسائل صدقة الفطر ..................................................................... ١٥٦
كتاب الصيام .......................................................................... ١٧١
كتاب الاعتكاف ....................................................................... ١٨٦
كتاب الحج ............................................................................ ١٩٠
كتاب البيوع ........................................................................... ٣٢٩
مسائل الربا ............................................................................. ٣٤٩
مسائل القبض .......................................................................... ٣٨٩
مسائل الثمار ........................................................................... ٤٠٢
مسائل الرد بالعيب ...................................................................... ٤٠٦
مسائل اختلاف المتابعين .................................................................. ٤٢٤
مسائل المرابحة ........................................................................... ٤٣٢
مسائل البيع الفاسدة ..................................................................... ٤٣٧
كتاب السلم ............................................................................ ٤٤٩
كتاب الرهن ............................................................................ ٤٧٧
стр. 1408
الموضوع ....................................................................... الصفحة
كتاب التفليس ................................................................. ٥٤٥
كتاب الحجر ................................................................... ٥٦٣
كتاب الصلح ................................................................... ٥٦٩
كتاب الحوالة ................................................................... ٥٨١
كتاب الضمان ................................................................. ٥٨٧
كتاب الشركة .................................................................. ٥٩٥
كتاب الوكالة ................................................................... ٦٠٦
كتاب الإقرار .................................................................... ٦١٦
كتاب العارية .................................................................... ٦٣٦
كتاب الغصب ................................................................... ٦٤٤
كتاب الشفعة .................................................................... ٦٧١
كتاب القراض .................................................................... ٦٩١
كتاب المساقاة .................................................................... ٦٩٩
كتاب المزارعة .................................................................... ٧٠٨
كتاب الإجارات .................................................................. ٧١٢
стр. 1409
الجمع والفرق
أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني
المتوفى سنه ٤٣٨ هـ
تحقيق ودراسة
عبد الرحمن بن سلامه بن عبد الله المزيني
الأستاذ المساعد بقسم الفقه
بكلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم
الجزء الثالث
دار الجيل
стр. 1410
دار الجيل
للنشر والطباعة والتوزيع
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولي
٢٠٠٤ م - ١٤٢٤ هـ
بيروت: البوشرية - شارع الفردوس - ص. ب: ٨٧٣٧ (١١) - برقيا دار جيلاب
هاتف: ٦٨٩٩٥٠ - ٦٨٦٦٥١ - ٦٨٩٩٥٢/ فاكس: ٦٨٩٩٥٣ (٠٠٩٦١١)
Email: daraljil@inco.com.ib
Website: www.daraljil.com
القاهرة: هاتف: ٥٨٦٥٦٥٩/ فاكس: ٥٨٧٠٨٥٢ (٠٠٢٠٢)
تونس: هاتف: ٧١٩٢٢٦٤٤/ فاكس: ٧١٩٢٣٦٣٤ (٠٠٢١٦)
стр. 1411
كتاب إحياء الموات
مسألة (٣٦٨): إذا اشترى رجل أرضاً وظهر فيها معدن كان مالكاً للمعدن، ولو ظهر فيها ركاز من دفن الجاهلية لم يكن له حق في الركاز، وكان الركاز لمن ملكها قبله، فإن لم يعترف البائع بأنه ملكه عرض على من ملكها قبل هذا البائع، فإن لم يعترفوا، فهو لمن أحيا تلك الخطة الإحياء الأول. والمسألتان منصوصتان.
والفرق/ (١٩٣/ب) بينهما: أن المعادن المستكنة من الذهب والفضة وسائر الجواهر إنما هي عروق الأرض وأجزاؤها، ومن اشترى أرضاً ملك أجزاءها الظاهرة والباطنة إلى أسفل الثرى.
وأما الركاز المدفون، فليس هو من عروق الأرض وأجزائها، وإنما هو
стр. 1412
مودع بدفن؛ ولهذا قال الشافعي- ﵁ في كتاب البيوع-: "وإن كان في الأرض حجارة مستودعة، فعلى البائع نقلها وتسوية الأرض على حالها "، فجعل الحجارة المستودعة للبائع دون المشتري، فكذلك الدراهم والدنانير.
مسألة (٣٦٩): إذا اشترى أرضاً فيها ركاز [لم يستخرج قط لم يملك الركاز بالشراء، ومن أحيا أرضاً ميتة فيها ركاز] ملك الركاز بالإحياء.
والفرق بينهما: أن من أحيا أرضاً ميتة، فملكه على الأرض ملك غير مسبوق، ولو أنه قبل الإحياء استخرج ذلك الركاز حكم بأنه صار ملكاً له؛ لأنه مال عادي وجده في أرض عادية، فإذا أحياها ولم يستخرج الركاز حكم بأنه حصل ملكاً للركاز، فصار أولى به من جميع الناس.
وأما من اشتراها بعد الإحياء، فالركاز الذي فيها لا يدخل في ملكه؛ لأنه مسبوق ملكه، وعقد البيع يتناول الأرض بأجزائها، وليس الركاز من أجزائها.
стр. 1413
مسألة (٣٧٠): القتال إذا جرى بيننا وبين المشركين، فدافعونا عن بلادهم ودافعناهم، ثم افتتحناها، وبين ظهرانيها موات، فإن كانت المدافعة عن الموت والعمران، فليس لغير الغانمين مزاحمة الغانمين في إحياء الموات. وإن كانت المدافعة عن العمران دون الموات، فجميع المسلمين في الإحياء سواء.
والفرق بين الحالتين: أنهما إذا لم يدافعوا عن الموات ودافعوا عن العمران، فالغانمين وسائر المسلمين سواء، لم يوجد منهم أثر، ولا قصد قتال للاستيلاء على الموات؛ فلهذا استووا، واشتركوا في حق الإحياء، وأما إذا كانت المدافعة عن الجنسين، فقد حصل الموات والعمران في أيدي الغانمين بالقتال السابق، ولابد من تقديم الغانمين على حق غيرهم، ولا نجعلهم مالكين؛ لأن رقبة الموات لا تصير ملكاً ما دامت مواتاً، ولكنهم أحق من غيرهم، وصار
стр. 1414
هذا، كالمتحجر مواتاً يكون هو أحق به من غيره بما حجره، ولزم ذلك، حتى لو طال الزمان وهو معرض عن عمارة ما تحجره كان للسلطان أن يقطعه لغيره، ليحييه ولينتفع به.
مسألة (٣٧١): إذا حوط على حظيرة للمواشي ملكها بالتحويط، وإن لم يحدث فيها عمارة غير ذلك.
وأما إذا قصد إحيائها/ (١٩٤/أ) لمسكن يسكنه، فلا يملك الخطة بالتحويط، ولا ببعض الأبنية حتى يصيرها معدودة في المساكن.
وإنما كان كذلك؛ لأن نهاية الانتفاع بالخطة لحظيرة المواشي تحويطها، وقد حوطها، وما جرت العادة بنصب الأبواب في مثل هذه العمارة.
стр. 1415
وأما المساكن، فليست العادة فيها الاقتصار على التحويط، بل العادة أن يكون مع التحويط تسقيف وأبواب وإغلاق ومرافق، ثم يقتصر في هذه المسألة على الأقل من هذه العادة التي اشترطناها.
مسألة (٣٧٢): المسلم والذمي سواء في صيد بلاد الإسلام وحطبها وحشيشا، وليسا سواء في مواتها، فليس للذمي إحياء موات في بلاد الإسلام.
والفرق بينهما: أن إحياء الموات ربما يورث ضرراً وضيقاً، وليس للذمي أن يضيق على المسلم، ولا أن يساويه في بنيان، بخلاف الصيد، فليس فيه ذلك، ولا ما يوجب حرجاً وتضييقاً، وأما الكلأ، فهو يخلف وكذلك الحطب، على أن الذمي هو يبيع في دار الإسلام، والصيد والحشيش هو من البيع، بخلاف الأرض فإنها من الأصول والمسلمون بها أولى، إلا أن يبتاعها أهل الذمة بثمن.
стр. 1416
مسألة (٣٧٣): البقعة المعمورة في الجاهلية وعليها في الإسلام آثار العمارة موات في الحكم، إذا لم يتعلق للغانمين بها حق حيازة، فمن أحياها من المسلمين ملكها، ولا حاجة في ملكها إلى إذن السلطان.
البقعة المعمورة في دار الإسلام المفقود مالكها مال من أموال بيت المال، يصرفها الإمام إلى مصالح المسلمين على قضية الاجتهاد.
والفرق بين البقعتين: أن العمارة الإسلامية دليل على أن مسلماً من المسلمين صار مالكاً لتلك البقعة في زمان من الأزمنة، وملك المسلم إذا تفاني ملاكه، ولم يبق له ورثة يصير في بيت المال، ويكون لورثته العامة؛ ولهذا قلنا: إذا ملك بقعة بالإحياء، ثم اندرست آثار عمارتها [لم تعد مواتاً قط، ولكنها تصير في بيت المال إذا لم يبق لها مالك.
وأما البقعة المعمورة في الجاهلية التي لم تعمر، ولم تملك في الإسلام فكل من أحياها وجدد عمارتها]، فهو مالك لها؛ لأن غاية ما فيها أنها كانت ملكاً
стр. 1417
لجاهلي؛ ولهذا نقول: كل ركاز يجده المسلمون، فهو من أملاك الجاهلية، إلا أن الشريعة جعلت الواجد أولى به، كما جعلت الشريعة العامر أولى بهذه البقعة.
فإن قال قائل: فهلا قلتم في المعادن الجاهلية إذا عمرها المسلم أنه يصير مالكاً لها.
قلنا: قد اختلف قول الشافعي- ﵀ في معادن الجاهلية، فإذا قلنا: إنها لا تملك فالفرق بينهما وبين هذه البقعة: أن حافر المعدن لا يقصد بالحفر إحياء، وإنما يقصد أن ينال منه نيلاً، فحفره لطلب المستكن في الأرض، ألا/ (١٩٤/ب) ترى أنه يبدئ كل يوم حفرة طلباً لما فيه، وأما هذه البقعة فقد تحقق بهذا الفعل الذي فعله إحياؤها، في قصد تملك عينها؛ فلهذا صار مالكاً لها.
مسألة (٣٧٤): إذا لازم الرجل بقعة من السوق الواسع ليبيع ويشتري وينتابها كل يوم فسبق إليها غيره يوماً من الأيام كان للأول إزعاج السابق،
стр. 1418
ولو تصور ذلك في بقعة من المسجد الحرام ينتابها الرجل كل يوم، فسبق إليها غيره يوماً من الأيام كان السابق أولى، وكذلك أيضاً مضارب مني تكون مناخ من سبق.
والفرق بين المسجد الحرام وبين السوق: أن الأغراض تختلف في مقاعد الأسواق اختلافاً بيناً، بكثرة المجتازين الطالبين لسلع القاعدين وقلتهم وغير ذلك، فإذا داوم الرجل الواحد على بقعة من بقاعها لغرض له كان أولى با ما دام على الإنتياب، ولم يتحقق منه الإعراض والتعطيل، فإذا عطل وأعرض كان لغيره أن يأخذها ويرتفق بها. وشبهها الشافعي- ﵁-
стр. 1419
بفساطيط العرب المنتجعين، فمن ضرب منهم فسطاطه كان أولى بتلك البقعة من غيره ما دام غير معرض، فإذا قلع وتحول وحول نجعته صار الناس سواء في تلك البقعة، ورجوع هذا التاجر إلى منزله بالليل، كقلع العربي البدوي فسطاطه في بعض الأوقات وضربه في بعض الأوقات.
وأما بقاع المسجد فالأغراض فيها غير متفاوتة في صحة الصلاة، وتحصيل فضيلة الجماعة، وصحة الاعتكاف، فمن أراد فضيلة الصف الأول، فليسبق، وقد قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم-: "لو علمتم ما في الأذان والصف الأول لاستهمتم عليه"، فلما عظم حظ المسابقين إلى الصف الأول
стр. 1420
شرف ذلك المكان، فالسابقون الرحمة تنزل عليهم قبل نزولها على غيرهم، فعرفنا فضيلة الصف الأول، وهذا المعنى مفقود فيما ذكرناه من مقاعد الأسواق.
مسألة (٣٧٥): الرجل إذا نزل منزلا في المفازة مجتازا، فحفر عين ماء فاستنبطه وارتحل، فنزل غيره ذلك المنزل مستوطنا، كان له أن يتملك الحفر الذي حفره الأول.
ولو أن الأول نزل ذلك المنزل مستوطنا، فحفر على عادة مثله، ثم اتفق له الارتحال منتجعا، أو غير منتجع لم يكن لغيره أن يتملك الحفير الذي حفره، والمسألتان لا يفترقان بأن يطوي البير، أو لا يطويها.
والفرق بين المسألتين: أن المجتاز إذا حفر عين ماء، فقصده في الحال الارتفاق بذلك الماء، لا تملك ذلك المكان، إذ ليس في عادة مثله قصد إحياء البقعة.
] وأما إذا استوطن، فحفر على عادة مثله للتخليد والتأبيد، فقصده إحياء البقعة [، وكما يملك البقعة بالتحويط والزراعة - إذا سلك سبيل الزراعة إلى
стр. 1421
الإحياء - فكذلك يملك البقعة بحفر / (١٩٥/ أ) البير إذا قصد الإحياء بالحفر، ومن ملك بقعة بالحفر لم يكن لغيره مزاحمته فيها.
مسألة (٣٧٦): الرجل إذا حفر بئرا في مفازة، فسواء حفرها على قصد تملك البقعة، أو حفرها على قصد الارتفاق بالماء، كعادة المجتاز، فليس له في الصورتين أن يمنع فضل ماء البير.
ولو أن رجلا حفر في داره بيرا جاز له أن يمنع فضل مائها ويدخره ويستبقيه لحاجته، ولا يستحب ذلك له إذا علم حاجة غيره إليه.
والفرق بين البادية وبين المنزل: أن الغالب في المفازات إعواز الماء وشدة حاجة الناس إليه، فإذا منع فضل مائه - والحالة هذه- فقد سعى في ضرر غيره، والغالب في القرى والأمصار وجود الماء، والإعواز فيها من النوادر؛ فلهذا كان أملك لبيره وأولى بمائها من غيره، وإن كان في مائها فضل.
وقول النبي - صلي الله عليه وسلم-: "من منع فضل مائه ليمنع به الكلأ منعه الله - تعالى- فضل رحمته يوم القيامة" محمول على البوادي، ثم في هذا الخبر
стр. 1422
تنبيه على الفرق، فإن من منع فضل ماء بئر البادية فكأنه منع الكلأ المشترك؛ لأن غيره من أصحاب المواشي إذا أرادوا رعي الكلأ الذي حوالي البير لم يتمكنوا إلا أن يكونوا واثقين بماء هذه البئر، إذ لا تستغني الماشية في غالب الأحوال عن السقي عقيب الرعي، فمانع السقي مانع الرعي، وهذا المعنى مفقود في آبار الدور.
ولو ورد الغريب بماشية على بئر المفازة، وصاحب البئر قد زرع حوالي البير بقلا أو زرعا ما، كان ماشية الغريب أولى بفضل الماء من زرع صاحب البير، وصاحب البير ما دام محتاجا لماشيته إلى الماء، فهو أولى حتى يفضل عن
стр. 1423
ماشيته، فحرمة] الروح مقدمة على حرمة الزرع، وحرمة [ماشية صاحب البئر مقدمة على حرمة ماشية غيره، وليس يحتم عليه إعارة الدلو والرشا، فإن علم حاجة الغريب إلى الرشا والدلو كرهنا له المنع.
مسألة (٣٧٧): إذا استأجر رجلا لحفر معدن وقال: استأجرتك على أن تحفره بشرط أن يكون لك جميع ما تستخرجه من النيل، فجميع ما استخرج لصاحب المعدن، ولا يستحق الحافز على مالك المعدن أجرة المثل.
ولو ساقي رجل رجلا فقال: ساقيتك على هذه النخيل على أن جميع الثمر لك،
стр. 1424
فجميع الثمر لرب البستان، وللعامل أجرة المثل.
والفرق بين المسألتين: أن المقصود من العمل في البستان تنمية الأشجار وتربيتها بسقيها وتشذيبها وتأبيرها، وقد حصلت هذه المنافع وأمثالها وترتبت لرب / (١٩٥/ ب) البستان آثارها، فلا بد من أجرة المثل.
وأما حفر المعدن، فليس كذلك؛ لأن الحافر لا يقصد بالحفر عمارة المكان، وإنما يقصد الكشف عن التبر المستكن فيه يوما، فيوما، فليس لعمله أثر عمارة باقية حتى يستحق بذلك الأثر أجرة المثل. وقال بعض أصحابنا: له بالتطميع أجرة المثل، والصحيح طريقة الفرق.
стр. 1425
كتاب الحبس
مسألة (٣٧٨): إذا وقف رجل وقفا على ولد له - والولد جنين في البطن- ثم على أولاده وأولاد أولاده، فالوقف باطل، ولو وقف وقفا على ولد موجود، ثم على ولده، ثم على الفقراء، فمات ولده وله جنين كان الوقف موقوفا للجنين، فإن خرج حيا صرف إليه، وإن خرج ميتا صرف إلى الفقراء.
وكذلك لو وقف على ولدين له وقال: من مات منهما وله ولد صرف نصيبه إلى ولده، ثم قال: فإن انقرضوا ولم يبق أحد من الأولاد والأعقاب فإلى المساكين، فمات أحد الولدين ولم يعقب وبقي الولد الثاني فنصيب الميت - إلى أن ينقرض الباقون- وقف موقوف للفقراء يدفع إليهم إذا انقرض الأولاد والأعقاب.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا وقف والولد جنين كان وقفا لا مالك له يوم
стр. 1426
التحبيس، وشرط صحة الوقف أن يكون الموقوف عليه يوم الوقف ممن يصح أن يكون مالك منفعة، والولد غير المولود لا يكون مالك منفعة.
فأما إذا وقف على ولد موجود، فقد استقر أول الوقف وصح، فلا يضره ما اعترض عليه من عدم المستحق في بعض الأوقات، والأصول المبنية على مثل هذا، ألا ترى أن اقتران الشدة بالعصير في أحكام الملك خلاف الاعتراض، وكذلك الاعتداد، والارتداد وغيرهما.
مسألة (٣٧٩): إذا وقف واستثنى لنفسه سلطان التولية ثبت له سلطانها،
стр. 1427
فإن شاء تولى وإن شاء ولى، وله العزل بعد التولية، والتولية بعد العزل.
ولو أنه وقف وقفا واستثنى لنفسه بعض ريعه؛ لينفقه على نفسه، أو على من شاء، فالمذهب الصحيح أن الوقف باطل، ما لم يقض القاضي بتنفيذه، فلا يعترض على القضاء المنبرم.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا استثنى لنفسه ولنفقته بعض الغلة، فكأنما وقف على نفسه، ووقف الرجل على نفسه محال، وهذا المعنى غير موجود في اشتراط الولاية؛ لأن الوقف لا بد له ممن يقوم به وبمصالحه، وليس في قيام الواقف بمصلحة الوقف / (١٩٦/أ) ليصرفه إلى المصالح - ما ينافي القربة والزلفة إلى الله تعالى، وهو أولى الناس بهذه المراعاة؛ لأن الوقف صادر من جهته.
مسألة (٣٨٠): قال الشافعي - رحمة الله عليه-: "لو أقام رجل شاهدا أن أباه تصدق عليه بهذه الدار صدقة محرمة موقوفة وعلى أخوين له، فإذا انقرضوا، فعلى أولادهم، أو على المساكين، فمن حلف منهم ثبت حقه، وصار ما بقي ميراثا، فإن حلفوا معا أخرجت الدار من ملك صاحبها إلى من
стр. 1428
جعلت له حياته، ومضي الحكم فيها لهم، فمن جاء بعدهم ممن وقفت عليه إذا ماتوا قام مقام الوارث، فإن لم يحلف إلا واحد، فنصيبه منها وهو الثلث صدقة على ما شهد به شاهده، ثم نصيبه على من تصدق به أبوه عليه بعده وبعد إخوته.
فإن قال الذين تصدق به عليهم بعد الاثنين: نحن نحلف على ما أبى أن يحلف عليه الاثنان، ففيها قولان: أحدهما: أنه لا يكون لهم إلا ما كان للاثنين قبلهم، والآخر: أن ذلك لهم من قبل أنهم إنما يملكون إذا حلفوا بعد موت الذي جعل له ملك إذا مات، وهو أصح القولين، وبه أقول".
فعلق الشافعي قوله في يمين الأحفاد مع الشاهد إذا نكل الأولاد، ثم قال: ولو قال: على أولادهم، وأولاد أولادهم ما تناسلوا ..... وساق المسألة، وجعل للأحفاد أن يحلفوا عند نكول الأولاد قولا واحدا.
والفرق بين المسألتين: أن الواقف إذا قال في لفظ الوقف: فإذا انقرضوا، فعلى أولاد الأولاد، فقد رتب حق الأحفاد على حق الأولاد، فجعلناهم - في أحد القولين- يتلقون الملك عن أبائهم، فإذا نكل آباؤهم بطل حقهم في اليمين
стр. 1429
بالنكول، فيبطل حق الأحفاد، كما نقول في سائر الأيمان إذا نكل عنها الموروث سقط حق الوارث.
وأما حق الأحفاد في المسألة الثانية، فهو غير موقوف على حق الأولاد؛ لأنه قال: وعلى أولاد الأولاد، فتلقى الفريقان الحق من المتصدق، ونزلوا في حق اليمين منزلة واحدة، فلئن بطل حق البطن الأول بالنكول، فلا يبطل حق البطن الثاني؛ لأنهم كالبطن الواحد في الاستحقاق، ولو أن بعض أولاد الصلب نكلوا عن اليمين، ونشط بعضهم لها، فحلفوا ثبت حق الحالفين وبطل حق الناكلين.
مسألة (٣٨١): إذا استوعب المريض ثلث ماله بالوصايا، ثم وقف الثلثين على الورثة، فالوقف باطل، إلا أن يتفق الورثة على الإجازة، فيكون صحيحًا.
ولو أن المريض وقف في مرضه دارا له يحملها الثلث على ابنه وابنته / (١٩٦/ب) نصفين كان للابن إبطال الوقف في ربع الدار؛ للتسوية، والتسوية ها هنا بفضل، ولم يكن له إبطال الوقف في الجميع، ولا لها.
стр. 1430
والفرق بين المسألتين: أنه إذا تصرف في ثلثه بالوصايا، فقد صرف ما هو محل تصرفه، وهو الثلث إلى الوصايا، فليس له بعد ذلك وقف الثلثين، وإبطال حق الورثة في رقبة الملك، إلا أن يجيزوا بعد موته.
] وأما المسألة الثانية، فإن تصرفه فيها ما جاوز الثلث [، ولو أنه أراد صرف ثلثه إلى الأجانب لكان ذلك له، وإذا أراد أن يحبسه على الورثة لم يكن للورثة الاعتراض على تحبيسه، ولكن لما سوى بين الابن والبنت كانت التسوية جورا منه، وظلما على الابن، فيوقف صحة الوقف في مقدار الحق على رضا الابن؛ فلذلك قلنا: إنه إن رضي الابن كان نصف الدار وقفا عليه ونصفها وقفا على البنت، كما وقف المريض، وإن امتنع عن الإجازة كان له إبطال الوقف في الربع، فإذا بطل الوقف في الربع صار ذلك الربع ميراثا بينهما، فيقتسمانه للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك] لو وقف على ابنه وزوجته نصفين، فقد ظلمه بثلاثة [أثمان الدار، فإن أجاز أمضينا الوقف على المناصفة، وإن امتنع كان له أن يبطل الوقف في ثلاثة أثمان الدار ويعود إليه، إذ لا يكون للمرأة أكثر من الثمن، فيكون نصيب الابن سبعة أسهم، أربعة منها وقف ليس
стр. 1431
له إبطال الوقف فيها، وثلاثة منها ملك، فيكون للمرأة أن تقول: ليس من العدل أن يكون جميع نصيبي وقفا وبعض نصيبك ملكا، فنجعل ثمنها سبعة أسهم أربعة منها وقفا، وثلاثة منها ملكا.
стр. 1432
كتاب الهبات
مسألة (٣٨٢): إذا وهب الرجل لولده، أو لبعض ورثته هبة ولم يتفق تسليمها حتى مرض الواهب مرض موته، فسلمها يومئذ، فالتسليم باطل، والهبة باطلة؛ بتراخي تسليمها إلى المرض قولا واحدا.
واختلف القول في رجل علق عتق مملوكه بصفة وهو صحيح يوم التعليق، فوجدت الصفة في مرض موته، فأحد القولين: أن العتق عتق الصحة، والقول الثاني: العتق عتق المرض.
والفرق بين المسألتين: أن الصفة إذا وجدت فإنها ليست بعقد للعتق ولا تحاكي بعض عقد العتق، بل عقد العتق ما سبق من التعليق التام، غير أن العقد في العتق تارة ينعقد معجلا وهو التنجيز وتارة ينعقد مؤجلا وهو التعليق، والمؤجل /يسمى عتقا إذا وجد الوصف بالتعليق المتقدم لا بوجود الوصف، وإذا كان كذلك بان أن عقد العتق قد تكامل في الصحة؛ فلهذا جعلنا العتق عتق الصحة في أحد القولين، لا عتق المرض.
وأما عقد الهبة، فلا يتم إلا بالقبض، وإن سبق الإيجاب والقبول، فمنزلة
стр. 1433
القبض فيها منزلة شطر من شطري العقد، والقبض قد وجد في زمان المرض، وهو لو أراد ابتداء هبة لوارثه في هذا الزمان كانت باطلة.
فإن قال قائل: ألستم تزعمون أن القبض إذا وجد استند الملك إلى عقد الهبة؟ فإذا كان العقد في الصحة والقبض في المرض، وجب أن يكون العقد عقد صحة، لا عقد مرض.
قلنا: في هذه المسألة قولان: أحدهما: أن الملك يتعقب القبض، وهو المشهور.
والقول الثاني: إن الملك يستند إلى العقد على وجه التبيين، وهذه الهبة على القولين جميعا باطلة بتراخي القبض إلى المرض؛ لأنا وإن حكمنا بأن الملك يستند إلى القبض، فإن القبض هو الركن، وهو السبب في حصول الملك، وزمان القبض زمان منع هبة الوارث، والهبة للوارث باطلة في المرض؛ ولهذا قال - صلي الله عليه وسلم-: "لا وصية لوارث"، ونحل أمير المؤمنين أبو بكر الصديق عائشة ﵂ جداد عشرين وسقا، فمرض قبل القبض، فقال أبو بكر ﵁ لعائشة-: "وددت لو كنت حزتيه، وإنما هو اليوم مال
стр. 1434
الوارث"، فأطلق القول في إبطال تلك الهبة؛ لما تأخر القبض إلى المرض.
مسألة (٣٨٣): إذا وهب رجل لرجل شيئا هبة مؤقتة فقال: وهبت لك خمسين سنة، فالهبة باطلة.
ولو قال: وهبته لك ما دمت حيا على أنك إذا مت رجعت الهبة إلي، فالهبة صحيحة، وهذه حقيقة العمرى.
والفرق بينهما: أنه إذا جعلها مؤقتة لعمر الموهوب له، فهي في حق الموهوب له مؤبدة؛ لأن كل من ملك شيئا لم يزد ملكه على مدة عمره.
وأما الهبات إذا وقتها بخمسين سنة، فربما يعيش الموهوب له ستين
стр. 1435
سنة، فلا يكون التمليك ممتدا إلى آخر عمره، وكان أبو بكر القفال ﵀ يقول: لو قال: بعت هذا الشيء منك على أنك إذا مت رجع ملكه إلي فاشتراه لزم البيع، والشرط فاسد لا فائدة فيه.
مسألة (٣٨٤): إذا قال في لفظ العمرى: أعمرتك داري هذه، فقال / (١٩٧/ب): قبلت، وسلمها كانت هبة تامة لم يختلف القول فيها.
واختلف قول الشافعي ﵁ في الرقبى، فقال في القديم: إنه لا
стр. 1436
تصح الرقبى حتى يقول: جعلتها لك رقبى ولورثتك، والقول الجديد: إنها، كالعمري.
والفرق بين العمري والرقبي واقع باللفظ، وهو: ما روي عن النبي - صلي الله عليه وسلم- أنه قال: "من أرقب شيئا له ولورثته، فسبيله الميراث".
مسألة (٣٨٥): الهبة بشرط الثواب معاوضة، ولكن إن كان العوض مجهولا كان فيه قولان: أحدهما: هي باطلة، والثاني: هي صحيحة، والبيع بالعوض المجهول باطل.
стр. 1437
والفرق بينهما: أن الهبة عقد يستغني عن العوض، كما أن النكاح عقد يستغني عن العوض، ثم الجهالة بالمهر لا تقتضي فساد النكاح، فكذلك الجهالة بعوض الهبة، بخلاف البيع، فإنه عقد لا يستغني عن العوض، فشرط العوض المذكور فيه العلم، ثم إذا صححنا الهبة، والثواب فيها مجهول، فالأصح: أنه يرجع إلى قيمة مثلها، كما يرجع في النكاح إلى مهر المثل، ولا يصح مراعاة رضا الواهب، ولعله لا يرضى إلا بأضعاف هبته، وليس يصح الاقتصار على ما يسمى مالا، كما لا يرجع في النكاح إلى ما يسمى مهرا.
مسألة (٣٨٦): إن أطلق الهبة ومثله لا يستثيب، فلا ثواب، وإن كان مثله يستثيب من مثل ذلك الموهوب، ففي الثواب قولان إذا صححنا
стр. 1438
الهبة.
والفرق بينهما: أن الحالة إذا اختلفت أوجبت اختلاف العادة، والعادة تقترن بالعقود، كما تقترن بها العبارة، فتصير في تقدير من قال: وهبت لك هذا على أن تثيبني، فيلزمه الثواب إذا صححنا الهبة بشرط الثواب المجهول.
مسألة (٣٨٧): إذا وهب لرجل شقصا شائعا، وذكر عوضا معلوما لم تثبت الشفعة للشفيع حتى يتصل القبض بتلك الهبة في أحد القولين، والقول الثاني: إن الشفعة ثابتة بنفس العقد.
وإذا تزوج امرأة وأصدقها شقصا، فالشفعة تثبت بنفس العقد، وكذلك في البيع.
والفرق بين الهبة وغيرها: أن العوض وإن صار مذكورا في الهبة، فجنس
стр. 1439
العقد لا يتغير بكليته وجميع صفاته؛ ولهذا الواهب بشرط الثواب إن شاء أن لا يسلم الهبة كانت له هبته, وهذا غير موجود في النكاح والبيع, فإنهما عقدان/ (١٩٨/ب) لا زمان بأنفسهما؛ فلهذا تأخر لزوم الشفعة إلى أن يتصل القبض بالهبة, وإن لم يتأخر في سائر المعاوضات اللازمة.
стр. 1440
كتاب اللقطة
مسألة (٣٨٨): الملتقط إذا قصر في التعريف في أثناء السنة بعد اقتران التعريف بابتداء الأخذ, ثم عاود التعريف وداوم عليه لم يصر بذلك ضامنًا, ولو التقط ونوى مع أول الالتقاط ترك التعريف لم تنفعه بعد ذلك التوبة والتعريف, وصار ضامنًا للقطة.
والفرق بين المسألتين: أن أخذه في المسألة الأولى أخذ أمانة في الأصل غير أنه فرط في القيام بحق الأمانة التي تقلدها, فيكون أصل الأمانة مستدامًا مستصحبًا؛ ولهذا المودع لو عزم على الخيانة ولم تتحقق الخيانة بالاستعمال والمنع عند المطالبة بالرد لم يصر بذلك ضامنًا, وأما إذا التقطها وقصده مع أول
следующие страницы →