← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14176

الجمع والفرق = الفروق

والد إمام الحرمين الجويني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

مسألة (٤٠٦): المعتق بعضه إذا مات له حميم لم يرثه قولًا واحدًا, وإذا كان هو الميت ففي توريث حميمه قولان: أحدهما: أنه يرثه, والثاني: أنه لا يرثه. والفرق بين المسألتين: أنا إذا ورثنا عنه حميمه في المقدار المملوك له بنصفه الحر فقد ورثنا قريبًا من قريبه, وقررنا ذلك الميراث في يده, وتوارث القرابات بسبب القرابة غير مستبعد, بل هو أصل في التوريث. أما إذا مات حميمه فلو ورثناه لم نجد بدًا من توريث أجنبي عن أجنبي وذلك محال. وبيانه أن الشخص إذا كان بعضه حرًا وبعضه مملوكًا, فما من مال يتملكه إلا ويتقسط على نصفه, فيصير نصفه ملكًا له بنصفه الحر, والنصف الآخر ملكًا لمالك نصفه بنصفه المملوك, ومالك نصفه أجنبي من هذا الميت؛ فلهذا لم نورثه.

стр. 1472

فإن قال قائل: هلا حكمت بتوريثه وبملك تمليكه في الدرجة الأولى من الحميم الميت, ثم تنقل الملك عنه إلى مالك نصفه, فلا يؤدي إلى توريث الأجانب من الأجانب. ألا ترى أن العبد القن لو وهب له شيء فقبله وقبضه حكمنا بأنه يملكه ولكن لسيده؟ قلنا: لا سبيل إلى نسبة الملك إلى هذا الشخص في الوهلة الأولى إلا بنصفه الحر, فأما حصة نصفه المملوك فأول التمليك منسوب إلى السيد؛ لأن المملوك لا يملك شيئًا, وكذلك أيضًا احتطابه إذا احتطب, واصطياده, واحتشاشه, وكذلك أيضًا مسألة الوصية للملوك, والموهوب لا يدخل في ملك العبد

стр. 1473

ابتداء بحال, وأول الملك يحصل عليه لسيده. وإنما اختلف أصحابنا في العبد إذا وهب له شيء فقبله وقبضه فهل حصل الملك لسيده على جهة الجبر, أم يتخير السيد في الرد؟ على وجهين: أحدهما: أن الملك ملك جبر؛ لأن يد المملوك كاسبة للسيد قياسًا على الاصطياد والاحتطاب, والوجه الثاني: أن السيد بالخيار, وليست الهبة كالاحتطاب؛ لأنها عقد من العقود المالية, وليس للمملوك سلطان العقود المالية إلا/ (٢٠٣/ ب) بالإذن السابق من جهة السيد. فأما إذا احتطب, أو احتش, أو اصطاد, فذلك فعل يحصل من المملوك, فيصير سببًا لجلب ذلك الملك, والعقد في صورته لا مدفع له؛ ولهذا فصلنا بين استيلاد المجنون, وبين إعتاقه, وكذلك أيضًا فرقنا بين استيلاد المريض, والمحجور عليه وإعتاقهما. مسألة (٤٠٧): الموارثة منطقة بين المسلمين والمشركين بكل حال, والمناكحة

стр. 1474

جائزة في بعض الأحوال, فيجوز للمسلم نكاح الحرة الكتابية اليهودية كانت أم نصرانية. والفرق بين المسألتين: أنا لو ورثنا المسلم من الكافر أدى إلى تشريك الإسلام والشرك في الإرث الواحد؛ لأن الكافر إذا مات وخلف ابنًا مشركًا وابنًا مسلمًا لم يجز لنا أن نورث ابنه المسلم مع اختلاف الملتين,] بل يرثه من هو على دينه مع اتفاق الملتين, وإذا شركناهما اشترك الملتان [في الميراث الواحد والإسلام لا يشركه الشرك. وأما إذا نكح المسلم يهودية,] فهي المقصود منها ما أمر الله - تعالى - به وهو النسل؛ بدليل قوله تعالى ﴿فَالْئَنَ بَشِرُوهُنّ﴾ والولد من هذين الشخصين

стр. 1475

محكوم بإسلامه بكل حال؛ لأن الولد في الإسلام يتبع أحد الوالدين أيهما كان مسلمًا. مسألة (٤٠٨): المجوسي يرث اليهودي, والنصراني يرث اليهودي, وإن اختلفت بهم الملل, ولا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم, لاختلاف الملتين. والفرق بينهما: ما بيناه في المسألة السابقة: أن الشرك يشركه الشرك, كما قال الشافعي: "المشركون في تفرقهم واجتماعهم يجمعهم أعظم الأمور وهو الشرك بالله تعالى"، هذا لفظه في كتاب الرسالة وهو في مناوأة الإسلام كالنفس الواحدة, يتمالون على المسلمين وما زالوا كذلك, وللموالاة أثر في الموارثة؛

стр. 1476

ولهذا تنقطع الموارثة بين المهاجرين والمتخلفين حين انقطع النصرة والموالاة بينهم, وأما المسلم والكافر فالموالاة بينهما محال؛ فلهذا استحال بينهما الموارثة. فإن قال قائل: فإذا جعلتم المشركين في هذه المسألة كالنفس الواحدة] بالموالاة الجامعة, فهلا جعلتموهم في مناكحة المسلمين إياهم كالنفس الواحدة [, وكذلك في الذبائح, وقد قسمتموهم في

стр. 1477

الذبيحة, والنكاح مراتب مختلفة. قلنا: مناكحتنا إياهم وأكلنا ذبائحهم نوع تشريف لهم؛ لأن المناكحة مواصلة, فإذا وصلناهم, فقد شرفناهم, وكذلك إذا/ (٢٠٤/ أ) أكلنا ذبائحهم فقد احترمناهم, ولبعضهم أصل في الاحترام ليس لجميعهم؛ لأن من كان منهم من أهل الكتاب فلهم حرمة كتابهم, ومن لم يكن لهم كتاب لم يتمسك بمثل هذه الحرمة, بخلاف الموارثة فإنها ليست متعلقة بالاحترام, وإنما تتعلق بالموالاة والنصرة, والله أعلم.

стр. 1478

كتاب الوصايا مسألة (٤٠٩): إذا باع رجل في مرض موته وحابي, ثم رجع عن المحاباة قبل التسليم ومات كانت المحاباة لازمة من الثلث, ولو وهب ولم يسلم, ثم رجع عن هبته, ومات, فالهبة باطلة. والفرق بينهما: أن المقدار الذي حابي به المشتري صار في حكم المقبوض, وإن لم يتصور فيه القبض؛ لأن استحقاقه اتصل بعقد موضوع للالتزام وهو عقد البيع, والعقد إذا صار لازمًا تامًا كان رجوعه عن المحاباة محال بعد التمام واللزوم, وأما إذا وهب, ثم رجع قبل التسليم فقد امتنع عن تمام العقد وإلزامه. فوزان المحاباة من الهبة هبة موصوفة باللزوم, وهي الهبة التي تكاملت بالقبض, ووزان المحاباة وزان العتق المنجز في مرض الموت لا نجد سبيلًا إلى

стр. 1479

الرجوع عنه؛ ولهذا صار العتق المنجز مقدمًا على العتق الموصى به. ولو اجتمعت المحاباة والتنجيز في مرض الموت نظر إلى المتقدم منهما فإن كان تنجيز العتق متقدمًا على المحاباة, والثلث بعد العتق يضيق عن المحاباة فالمحاباة باطلة, وإن كانت المحاباة سابقة والثلث بها مستغرق - فالعتق باطل, وإن كانت تنجيزًا, إذا لم يجز الوارث ما زاد على الثلث, بخلاف الهبة الكاملة بالقبض في المرض فإنها هبة البتات في عبارة الشافعي ﵀, نازلة - بالقبض في المرض - منزلة التنجيز في مراعاة ما بيناه من الترتيب. مسألة (٤١٠): إذا مات الرجل وعليه ديون وله وصايا قضينا ديونه من رأس ماله, ثم اعتبرنا الثلث والثلثين في الباقي, ولو كانت المسألة بحالها ولكنه أوصى بقضاء ديونه من ثلثه: قسمنا ثلثه على ديونه ووصاياه تقسيطًا

стр. 1480

بالحصص, كما نقسم الثلث على الوصايا التي لا دين معها, فإن صارت الديون مقضية استغنينا بالثلث عن الثلثين (٢٠٤/ ب) , وإن فضلت فضلة من الدين وتعذر التقسيط قضاه من الثلث, وقضينا تلك البقية من الثلثين. والفرق بين المسألتين: أنه إذا مات ولم يوص بقضاء ديونه أمكنا مراعاة وصية الشرع في الترتيب, ومقتضى الشريعة في الترتيب تقديم الديون وأخذها من رأس المال قبل الوصايا, فلهذا أخذنا جميعها من رأس المال تبدئة وتقديمًا, ثم اعتبرنا الثلث والثلثين في حق الورثة وأصحاب الوصايا. وأما إذا أوصى بقضاء ديونه من ثلث فقد قصد أن يصرف قضاء الديون إلى محل تصرف المريض وهو الثلث إرفاقًا بالورثة؛ ولهذا قال ﵇: "إن الله أعطاكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم"، فوجب علينا

стр. 1481

مراعاة وصيته, وتنزيله المقصود, فجعلنا ديونه ووصاياه, كأنها في درجة واحدة, حتى يأخذ بالمحاصة من ثلثه لديونه, فيدخل على أصحاب الوصايا بذلك زيادة النقص, وربما تصير الديون بجملتها مقتضية فلا يجاوز ثلثه, ويبقى ثلثاه كاملًا لورثته, وإن فضلت بقية من الديون مددنا اليد إلى الثلثين حينئذ, إذ لابد من قضاء الديون. ألا ترى أن الدين لو استغرق التركة لم يكن للورثة حق في شيء من التركة. مسألة (٤١١): إذا أوصى رجل فقال: ادفعوا إلى فلان بعد موتي ألف درهم من مالي؛ ليتصرف فيها على أن يكون له ثلث الربح, فهذه وصية باطلة, ولا يتوجه على الورثة تنفيذ الوصية, وكذلك لو قال: بيعوا بعد موتي هذه الدار من فلان وتصدقوا بالثمن, ولا تبيعوها من غيره, فالوصية باطلة. ولو قال: اصرفوا إلى فلان من كراء داري كذا وكذا درهمًا كانت الوصية صحيحة, ولزمهم أن يصرفوا إليه من كراء الدار مقدار وصيته. والفرق بين هاتين الوصيتين: أن منافع الدار بنفسها مال عند الشافعي,

стр. 1482

وليس يتوقف معنى المالية فيها على إنشاء عقد, ومنزلتها منزلة أعيان الأموال, فمتى أوصى بشيء منها, فكأنما أوصى بشيء من عين ماله, فلا بد من تصحيح الوصية. وأما إذا أوصى بالقراض فكأنه أوصى له بمنافع دارهمه, ومنافع الدراهم لا تعد من المال؛ ولهذا لا يتصور ورود الإجارة على منافعها, كيف؟ والارتفاق في الدراهم في المضاربة لا يتصور مع استيفاء أعيانها, وإنما تصور بإنفاقها, والاعتياض عنها, فصار الموصي على الحقيقة موصيًا بما لا يكون عينًا ولا منفعة عين, والوصيا إنما تصح بالأعيان, أو بمنافع مخصوصة من الأعيان. مسألة (٤١٢): المحجور عليه لسفه إذا أوصى لرجل بمال يجاوز ثلثه ومات صحت وصيته, ولو وهب لم تصح هبته وإن كانت غير مجاوزة لثلثه. والفرق بينهما: أن هبته لو صحت صحت في حال حياته, وحال حياته حالة إحاطة الحجر به, فجميع عقوده تحت الحجر ما دام الزمان زمان الحجر. وأما إذا أوصى ومات فهذا عقد إنما ينفذ عليه بعد انقضاء زمان الحجر

стр. 1483

بالموت, وأيضًا فإن الحجر: نظر له, ومن النظر إبطال هبته وجميع تبرعاته التي يفعلها في حياته, وأما وصيته بعد موته فالنظر له في تنفيذها في ذلك الزمان وهو زمان انتقال الملك عنه إلى غيره؛ ولهذه النكتة نفذنا وصية المراهق - على أحد القولين - مع الأثر المنقول فيها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. مسألة (٤١٣): المحجور عليه حجر السفه إذا أوصى له بوصية وحب على القيم

стр. 1484

قبولها, والمحجور عليه للفلس إذا أوصي له بوصية, فهو مخير في قبولها وردها. والفرق بين المحجورين: أن الحجر على المفلس هو حق الغرماء, وليس فيه مراعاة حقه, ولو راعينا حقه لما حجرنا عليه؛ لأنه رشيد مستجمع لجميع أوصاف الرشد؛ فلهذا كان مخيرًا بين قبول الوصية وردها, بخلاف المحجور عليه للسفه فإنما حجرنا عليه مراعاة لحقه؛ لما لم يكن من أهل النظر لنفسه؛ لما فيه من سوء تدبيره وسفاهته, والقيم المنصوب إنما نصب نظرًا له, ومن النظر له جلب المنافع إليه إذا تصدت للجلب, والوصية مال تصدى للتمليك بالقبول؛ ولهذا نقول: إذا كان في الشفعة وأخذها نظر لليتيم وجب على القيم أخذ تلك الشفعة, فإن ردها, فبلغ اليتيم كان له أخذها.

стр. 1485

مسألة (٤١٤): الرجل إذا أوصى لعبده القن بثلث نفسه, وبثلث سائر أمواله صحت وصيته له بثلث نفسه, ولم تصح وصيته له بثلث سائر أمواله. والفرق بينهما: أنا إذا صححنا وصيته له بثلث نفسه لم تتضمن وصيته مناقضة أصل, لأن ثلثه إذا عتق رق ثلثاه للورثه, وغير بعيد أن تتبعض الرقبة الواحدة, فيصير بعضها حرًا ويرق للورثه بعضها. فأما ثلث سائر أمواله: فلو صححنا وصيته لهذا الشخص/ (٢٠٥/ب) , وقد عتق ثلثه ورق ثلثاه - لزمنا توزيع تلك على ما فيه من الحرية والرق, وإذا

стр. 1486

توزعت دفع بعضها وهو الثلثان إلى ورثة الموصي, والوصية للوارث باطلة, ولهذه النكتة لم نورث من عتق بعضه ورق بعضه, والله أعلم. مسألة (٤١٥): الموصي إذا واقع الجارية الموصى بها ولم يعزل بطلت الوصية, وإن واقعها وعزل عنها الماء لم تبطل الوصية. والفرق بين المسألتين: أنه إذا أودعها ماءه فالظاهر من هذا الفعل قصد ما لو تكامل بطلت الوصية وهو الاستيلاد, وسواء علقت بمائه, أو لم تعلق. ألا ترى أن الرجل إذا أوصى لرجل بعيد, ثم ساوم به في البيع بطلت الوصية, سواء تم ذلك البيع, أو لم يتم, وكذلك - أيضًا - إذا وهب ذلك

стр. 1487

العبد لإنسان, سواء سلم الموهوب, أو لم يسلمه فالوصية باطلة, وكذلك أيضًا المتسري مع استفراغ الماء وأما إذا واقعها وعزل عنها الماء فقد اقتصر على فعل لا يتضمن نهايته ما يوجب بطلان الوصية؛ لأن نهاية الوطء مع العزل نوع من الاستمتاع والاستخدام, ولو استخد العبد الموصى به لم يتضمن الاستخدام إبطال الوصية, والله أعلم. مسألة (٤١٦): إذا أوصى بعتق جارية, ثم واقعها, ولم يعزل عنها الماء لم تبطل الوصية. ولو أوصى برقبتها لرجل, ثم واقعها, ولم يعزل عنها بطلت الوصية. والفرق بينهما: أنه إذا أوصى بعتقها, أو دبرها, ثم واقعها واستودعها ماءه فنهاية استيداع الماء غير متنافي للوصية بعتقها؛ لأن الاستيلاد هو سبب للحرية بعد الموت, بل في هذا الاستيلاد لزوم الحرية

стр. 1488

التي لا تزول ولا تبطل بالديون, ولا تدخل مع الوصايا في المخاصمة والمضاربة, وإنما تبطل الوصايا بما يكون منافيًا لها. وإذا أوصى برقبتها لشخص, ثم استودعها ماءه, فقد فعل فعلًا لو تم ذلك الفعل كان منافيًا للوصية السابقة, إذ الاستيلاد في الرقبة الواحدة مقدم على الوصية بها. مسألة (٤١٧): إذا أوصى رجل لرجل بنصف ابنه ومات الوصي, ثم مات الموصى له قبل قبول الوصية, فقام الوارث مقامه في القبول, فقبل ذلك النصف - وللموصى له أموال -: عتق بالقبول مقدار الوصية, ووجبت السراية في ملك الموصى له؛ لأن الملك في الأصل له, وإنما ينتقل عنه إلى الورثة ما جاز فيه الانتقال, ولو قبل في حال حياته كانت السراية في ملكه, فكذلك قبول وارثه بعد مماته, ولو

стр. 1489

كانت الرقبة الموصى بها, أو ببعضها ممن يعتق على] وارثه, ولا يعتق على الموروث, فمات الموصى له قبل القبول, فقبل [الوارث وصية أبيه - والوصية ببعض الرقبة - عتق مقدار الوصية, وقومنا على الوارث بقية الرقبة في خالص ماله. ويمثله لو أن مكاتبًا عجز عن نجوم الكتابة, وفي ملكه بعض رقبة من يعتق على سيده, فعجزه السيد دخل في ملكه ذلك البعض, ولم يقوم عليه الباقي. والفرق بين المسألتين: أن الوارث إذا قبل وصية موروثة كان هذا القبول بعينه عقدًا للتمليك, ومتى ما قصد عقد التمليك في بعض من يعتق عليه, فقد تحقق منه اجتلاب الملك في العتق قصدًا وحقيقة, فلا بد من تقويم الباقي عليه, فأما إذا قصد تعجيز مكاتبه, فليس التعجيز من عقود التمليك, ولكنه فسخ عقد, ثم يرتب عليه في الدرجة الثانية دخول بعض من يعتق عليه في ملكه,

стр. 1490

فصار كما لو ورث بعض من يعتق عليه, فلا يقوم عليه الباقي؛ لأنه بالإرث لا يقصد اجتلاب الملك, كما يقصد اجتلاب الملك بقبول الوصية. وعلى هذه النكتة نقول: إذا رد الوارث بالعيب سلعة اشتراها مورثه ببعض من يعتق عليه, فدخل في ملك الوارث - لرد السلعة بالعيب - بعض من يعتق عليه لم يقوم عليه الباقي؛ لأنه قصد فسخ البيع بسبب العيب, فترتب على الفسخ دخول بعض تلك الرقبة في ملكه, ومن أصحابنا من يقول بالتقويم في هذه المسائل. مسألة (٤١٨): إذا سبق موت الموصي موت الموصى له, ثم مات الموصى له عن غير قبول, فالوصية بحالها لا تبطل بموتها, ويقوم وارث الموصى له في القبول مقام الموصي له إن شاء الله, ولا يجبر على قبولها.

стр. 1491

وإن مات الموصى له, ثم مات الموصي, فالوصية باطلة, ولا فائدة في قبول الوارث. والفرق بين الحالتين: أن استقرار الوصايا إنما يتحقق يوم موت الموصي, ألا ترى أن له الرجوع عن الوصية ما دام حيًا, فإذا مات, فليس لوارثه الاعتراض على تلك الوصية, فلما كان استقرارها بالموت حكمنا بأن الموصي إذا مات والموصى له حي استقرت الوصية وثبت القبول حقًا للموصى له, فإذا مات الموصى له قبل القبول ناب وارثه فيه. فأما إذا سبق موت الموصى له, ثم مات الموصي, فلا يثبت يوم موت الموصي حق قبول الوصية للميت, وما أوصى لوارثه حتى يثبت له أول حق القبول, فبطلت الوصية؛ لتقدم موت الموصى له. مسألة (٤١٩): البائع إذا قال: بعت منك هذا العبد بألف درهم, فمات المشتري قبل الجواب لم يقم وارثه مقامه في القبول, وإذا مات الموصي, ثم مات الموصى له قبل القبول قام وارثه مقامه.

стр. 1492

والفرق بين المسألتين: أن البائع إذا قال: بعت منك هذا العبد بألف, فهذا الإيجاب في حد الجواز, لا في حد اللزوم, وإذا مات المشتري قبل القبول مات عن حق جائز, والعقود جائزة تبطل بالموت, كالجعالات والوكالات, فأما إذا مات الموصي, فقد صار إيجاب الوصية بموته في حد اللزوم, وخرج حد الجواز, والحقوق اللازمة لا تبطل بالموت. ألا ترى أن البائع لو قال: رجعت عن الإيجاب قبل جواب المشتري لم ينفع جواب المشتري بعد رجوعه, ولو قال الوارث الموصي بعد موته: أبطلت الوصية لم تبطل بإبطاله. فوزان البيع قبل جواب المشتري وزان الوصية قبل موت الموصي فإن الوصية قبل موت الموصي في حد الجواز. ألا ترى أنه متى شاء رجع عنها قبل موته؛ ولهذه النكتة بطلت الوصية بموت الموصى له قبل موت الموصي, كما يبطل الإيجاب في البيع بموت أحدهما من الطرفين. مسألة (٤٢٠): الرجل إذا أوصى بعتق شخص له في مملوك, واقتصر على ذلك ومات, فأعتقنا ذلك الشخص لم يسر عتقه إلى باقي المملوك وإن كثرت التركة.

стр. 1493

ولو كانت المسألة بحالها غير أنه زاد في الوصية, فقال: ويستتم عتق باقية وجبت السراية, في التركة من الثلث. والفرق بين المسألتين: أنه إذا لم يوص بالتسرية, واقتصر على الإيصاء بالعتق انتقل ملكه بالموت إلى ورثته إلا فيما استبقى لوصيته, ووصيته عتق الشخص المملوك دون التسرية, فلو سرينا عتقه لكانت التسرية على ملك الوارث وذلك محال. فأما إذا أوصى بالاستتمام, فقد استبقى لوصيته طائفة من ماله فوق عتق الشخص المملوك, ولو أوصى بشراء مملوك وإعتاقه وجب تنفيذ وصيته في ثلثه, فكيف لا يجب تسرية عتقه في ثلثه؟ مسألة (٤٢١): الجارية إذا كانت مشتركة بين شريكين وفي بطنها ولد مملوك إما من زنا أو زوج, فأعتق أحدهما نصيبه من الولد وهو موسر عتق الولد كله, ثم تنتظر الولادة, فإن سقط الولد ميتًا فليس

стр. 1494

على المعتق غرامة نصيب الشريك من الولد, وإن سقط حيًا أو سقط ميتًا بجناية جان على الأم أدت إلى الإجهاض وجب على الشريك المعتق أن يغرم للشريك الثاني نصيبه من قيمة الولد. والفرق بين الحالتين: أن الولد إذا سقط ميتًا فقد سقط موصوفًا بصفة منافية للضمان؛ لأن أول زمان يثبت فيه حكم الولد زمان الانفصال عن الأم, فإذا انفصل ميتًا انفصل على صفة يستحيل الضمان معها, وإذا سقط حيًا فقد سقط على صفة لا يستحيل الضمان معها, وكذلك إذا سقط مقتولًا؛ لأنه سقط مضمونًا؛ ولذلك فصلنا في ولد المغرور بين أن يسقط ميتًا فلا ضمان على الزوج, وبين أن يسقط مقتولًا فيضمن الزوج لسيد الأمة. مسألة (٤٢٢): إذا كان في الوصايا عتق الجواري الحوامل, فكل حمل, أو بعض من حمل صار حرًا في الوصية لم يكن محسوبًا على حساب الثلث, وكل حمل بقي رقيقًا للورثة كان محسوبًا عليهم في الثلثين.

стр. 1495

والفرق بين الحالتين: أن ما يعتق من الحمل يعتق على حكم التبعية للأم, فصارت الأم محسوبة دون ما صار تبعًا لها, فأما ما بقي رقيقًا للورثة, فذلك ملك من الأملاك, فلا فرق بين رقبة الجواري الباقيات للورثة وبين رقبة الأولاد, ومحال أن نجعل الولد تبعًا للأم في الملك حتى لا نحسبه على الورثة وقد بقيت رقبته ما لا يتمول للوارث, ولو كان الجنين يعتق بالسراية إذا عتقت الأم دون مراعاة معنى التبعية: لعتقت الأم] إذا عتق الجنين في بطنها بالسراية, ولا خلاف أن الجنين إذا أعتق لم يسر العتق إلى الأم [, وهذا فرق ما بين الحالتين وهو التبعية, فالأم تستتبع الولد, ويستحيل أن يستتبع الولد الأم, ثم إن الأم تستتبع الجنين في العتق ما دام جنينًا, وتستتبعه في الإسلام بعد الانفصال, كما تستتبعه جنينًا. والفرق بين الحكمين: أن التبعية في الإسلام تحصل بالكفالة. ألا ترى أنا نحكم للطفل الكافر بالإسلام لإسلام السابي, وسابيه أجنبي منه, والاستتباع في العتق يقتضي نوعًا من الاتصال.

стр. 1496

مسألة (٤٢٣): الموصي إذا أعتق الجنين في البطن اعتبرناه من الثلث, وقد ذكرنا أنه لو أعتق الجارية وفي بطنها ولد جعلنا الولد تبعًا, ولم نثبت له حكمًا في الحساب على الثلث. والفرق بين الحالتين: ما ذكرنا من النكتة وهي: مراعاة التبعية, فإذا أعتق الولد مقصودًا في البطن دون الأم فقد جعله في العتق أصلًا, فلا يمكننا أن نجعله تبعًا, ويجوز إفراد الولد بالقصد وإن كنا نجعله تبعًا للأم. ألا ترى أن الوصية بالجنين صحيحة, ويكون الجنين أصلًا حينئذ, ولو أوصى لرجل بجارية وهي حبلى وسكت عن الحمل دخل الحمل في الوصية تبعًا, فأما إذا أعتق الأم وهي حبلى فقد جعل الأم أصلًا في العتق, وصار الولد تبعًا لها لما كانت له أصلًا له.

стр. 1497

مسألة (٤٢٤): الجنين يأخذ - على أحد القولين - قسطًا من الثمن في البيع, فيصير كأنه مبيع مضموم إلى مبيع. فأما في باب الوصايا, فلا يأخذ بقسط من الحساب في الثلث, بل إذا عتقت الأم اختزلنا الجنين واستفردناه في الحساب فلم نحسبه. والفرق بين الأصلين: أن الولد في المبيع ما دام جنينًا, فلا سبيل إلى التقسيط عليه؛ لأن التقسيط يكون بالتقويم, والتقويم في البطن متعذر, فلا يتصور أن يقوم وهو جنين, ولكن نعتبر قيمته يوم الانفصال, وإذا انفصل حيًا, فصارت قيمته معلومة ساعة الانفصال أمكن التقسيط عليه. ألا ترى أنه لو سقط في البيع ميتًا لم يأخذ القسط من الثمن. وإذا ثبت أن التقويم والتقسيط إنما يتيسر يوم الانفصال, فإذا عتق الجنين في

стр. 1498

البطن بعتق الأم, فقد انفصل يوم الولادة تالفًا بالحرية التي هو فيها تبع, والولد إذا انفصل تالفًا بالحرية التي هو فيها تبع, فليس له في التقسيط والتقويم والتغريم حكم, وقد قال الشافعي ﵀ في ولد المغصوب إذا سقط ميتًا, "لا يجب على الغاصب ضمانه". والذي يوضح هذا: أن نعتبر على الورثة قيمة الجنين في الثلثين يوم الانفصال, فإن قال قائل: أليس إذا عتق الجنين بالوصية في البطن, فانفصل حيًا كان محسوبًا على الثلث في حساب الوصايا. قلنا: إذا أعتقه, فقد أفرده في الحكم, وجعله أصلًا, ونزله منزلة المنفصل يوم الإعتاق, وذلك يتصور في الوصايا, ولا يتصور ذلك في البيع, فأما إذا كان تبعًا للام في العتق, فلا وجه لإفراده بالتقسيط. مسألة (٤٢٥): المريض إذا أعتق عبيدًا في مرض موته, ومات, والثلث يحتمل بعضهم, ولا يحتمل جميعهم, اعتبرنا قيمة من عتق منهم يوم الإعتاق في المرض, لا يوم موت المريض, فأما من رق منهم, فإنا نعتبر قيمته

стр. 1499

بيوم موت المريض، لا بيوم الإعتاق. والفرق بينهما: أن كل عبد فاز بسهم العتق، فإن عتقه يكون مستندًا إلى التنجيز، ولا يكون عتقًا مستأنفًا يوم الموت، وإذا أعتق يوم التنجيز كان ما زاد في قيمته بعد ذلك زيادة في قمية حر، وكذلك النقصان، فلا وجه لاعتباره يوم موت الموروث، فأما [من بقي رقيقًا، فهو ميراث للورثة، وإنما نعتبر مقدار الميراث يوم موت الموروث. فأما] إذا أوصى بإعتاق عبد، أو دبر عبدًا/ فجميع القيم يومئذٍ معتبرة بيوم الموت؛ لأن العتق يقع عقيب الموت، كما يقع استحقاق الورثة عقيب الموت. مسألة (٤٢٦): إذا أوصى لرجل بمملوك، ومات الموصي، واكتسب ذلك المملوك بعد الموت كسبًا، وذلك قبل قبول الوصية، فإذا قلنا: حدث الملك للموصى له بالقبول عقيب القبول، فذلك الكسب للوارث، لا للموصى له. ولو أوصى بأن يعتق عبد من عبيده بعد موته فاكتسب بين الموت والإعتاق

стр. 1500

كسبًا، فذلك الكسب عند بعض أصحابنا للغلام، فإذا أعتقناه صرفناه إليه، وعند بعضهم للميت يقضي منه ديونه وينفذ منه وصاياه، وسوى بعضهم بين هذا الكسب وبين الكسب في المسألة الأولى، وجعلهما للوارث، والأصح طريق الفرق. والفرق بين المسألتين: أنه إذا أوصى بالعتق فقد استبقى تلك الرقبة لمحض القربة وهي العتق، فوجب أن يستبقيها لتلك الجهة، وأما إذا أوصى بها لرجل فالوصية عقد من عقود التمليك كالهبة، وربما لا تتمخص قربة، فلم نحكم للموصى له بملك المنافع ما لم يملك الرقبة، وإنما ملك الرقبة بالقبول عقيب القبول على هذا القول الذي ذكرناه. فأما إذا حكمنا له بالملك عقيب الموت - على جهة الوقف أو على غير جهة الوقف فالمنافع ما بين الموت والقبول يكون للموصى له مع الرقبة.

стр. 1501

مسألة (٤٢٧): إذا أوصى رجل لرجل بقمح بعينه، ثم خلطه بقمح آخر، فقد قال الشافعي ﵀: "صار راجعًا عن الوصية". وقال أيضًا: "لو أوصى له بمكيلة حنطة مما في بيته، ثم خلطها بمثها لم يكن رجوعًا، وكانت له المكيلة بحالها". والفرق بين المسألتين: أن الحنطة في المسألة الأولى معينة ممتازة عن غيرها، فإذا خلطها بحنطة أخرى، فقد قصد عينها بهذا التصرف، فصار، كما لو طحنها، أو كانت الوصية دقيقًا، فعجنه. أما إذا أوصى بمكيلة حنطة من الحنطة التي في البيت، فالوصية غير معينة وغير ممتازة، فإذا خلط الحنطة التي في البيت بحنطة أخرى لم يختص تصرفه وخلطه بالعين الموصي بها، فلم يمكن أن نجعل ذلك الخلط قصدًا لعين الوصية بالتصرف والتغيير، فلذلك لم نجعله راجعًا عن الوصية. مسألة (٤٢٨): قال الشافعي ﵀: "الرجل إذا كان في أيدي مشركين يقتلون الأساري فأعطي عطية في هذه الحالة كانت عطيته من الثلث. ولو

стр. 1502

أن رجلًا وجب عليه القصاص فقدموه للاقتصاص فأعطي عطية كانت من رأس المال لا من الثلث/ (٢٠٨/ ب) ". والفرق بين المسألتين: ما أشار الشافعي ﵀ إليه: أنهم في القصاص ممكن أن يتركوا فيحيوا. فإن قيل: مثل هذا الإمكان موجود في الجانب الثاني؛ لأن المشركين ربما يتركون فيحيون. قلنا: المشركون إذا كانوا معروفين بقتل الأسارى، كما صور الشافعي فإنهم يتدينون بذلك القتل، ويعتقدونه قربة عظيمة وطاعة، فالخوف مع هذه الصفة أغلب وأظهر، فأما أولياء القصاص فإنهم لا يتدينون بالاستيفاء، وإنما يقصدون بذلك استدراك الغيظ، وهم يعلمون أن الشريعة ندبتهم إلى العفو وليهم عليه عند الله ميعاد الثواب، والقصاص مباح لهم إن أرادوا القصاص،

стр. 1503

والظن بالمسلم أن ينتدب لما ندبه الله إليه، كما يلتزم ما فرضه الله عليه؛ فلذلك جعل الشافعي ﵀ حالته حالة الأمن ما لم يجرحوه والصحيح في المسألتين طريق الفرق. مسألة (٤٢٩): إذا نصب الرجل وصيين، فأراد أحدهما أن ينفرد عن الثاني ببيع عين؛ لقضاء دين لم يكن له ذلك، إذا لم يجعل كل واحد منهما وصيًا على الانفراد، ولكن يجب أن يجتمعا ويتشاورا، ثم يعقدا ذلك البيع. ولو كان في التركة وديعة، أو دراهم، أو على الميت دراهم، فأراد أحدهما الاستبداد برد الوديعة، أو قضاء الدراهم من الدراهم كان له الاستبداد والانفراد.

стр. 1504

والفرق بين المسألتين: أن صاحب الدين لو ظفر بدراهم من التركة ودينه دراهم - وقد تعذر الاستيفاء - كان له التفرد بالقبض من غير وصي، ولا وارث، فلما كان له التفرد بالقبض كان لكل واحد من الوصيين التفرد بالإقباض وكذلك رد الوديعة، فأما بيوع الأعيان، فإنها عقود لا يستغنى فيها عن الاجتهاد والمماكسة. ويعلم أن الميت إنما نصبهما لغرض له، وهذا أظهر أغراضه، فإذا أراد أحدهما الانفراد، فقد أراد مخالفة الموصي في أصل الوصية، ولا ينفذ تصرفه على وجه المخالفة. مسألة (٤٣٠): قال الشافعي ﵀: "إذا بلغ الغلام الحلم، ولم يرشد زوجه الولي الذي نصبه الأب، أو نصبه القاضي، ولا يجمع له بين أمرأتين ولا جاريتين للوطء وإن اتسع ماله". وقد قال الشافعي ﵀ في مواضع -: "لو قبل الأب على ابنه الصغير نكاح أربع نسوة كان جائزًا". والفرق بين المسألتين: أن الأب إذا تصرف على الطفل تصرف بالولاية الكاملة

стр. 1505

القوية المستفادة من غير توليه،/ (٢٠٩/ أ) فأشبهت هذه الولاية ولاية تصرفه لنفسه من وجوه كثيرة، فجاز له أن يقبل عليه أربعًا، كما يقبل لنفسه، فأما الوصي، والقيم المنصوب، فإن ولايتهما قاصرة عن ولاية الأب، مقصورة على محض النظر، ألا ترى أن لا يستغني عن تولية، وليس من النظر أن يجمع له بين امرأتين، ولا جاريتين وفي الواحدة كمال المقصود من الاستمتاع، والله أعلم بالصواب.

стр. 1506

كتاب الوديعة مسألة (٤٣١): إذا أودع رجلًا عشرة دراهم، فأخذ منها درهمًا، فاستنفقه، ثم رد بدله إليها، فالاحتياط أن يعلم على ذلك الدرهم علامة، فإن لم يفعل فاختلط ذلك الدرهم بالتسعة وتعذر التمييز، ثم تلفت العشرة كلها بسرقة أو ما أشبهها فعليه ضمان جميع العشرة. ولو أنه أخذ من العشرة درهمًا للاستنفاق على جهة الخيانة، ثم ندم ورد ذلك الدرهم المضمون بالعدوان إلى التسعة فاختلط بها، ثم تلفت العشرة كلها، فليس عليه إلا ضمان درهم واحد على الصحيح من المذهب. والفرق بين المسألتين: أنه إذا استنفق ورد البدل واختلط صار موصوفًا بأنه خلط ملكه بالوديعة، والمودع إذا خلط ملكه بالوديعة من غير إذن في الخلط صار حائنًا ضامنًا؛ ولذلك نقول: متى خلط عامل القراض مال رب المال بمال من عنده صار معزولًا، وكان الخلط منه جناية، وقد تلفت العشرة بعدما

стр. 1507

تقدم منه سبب ضمان العشرة، فأما إذا رد الدرهم بعينه، فقد خلط بعض الوديعة ببعض، ولم يخلط بها مال نفسه. فإن قيل: إنه خلط المضمون بغير المضمون، وإن لم يخلط ملك نفسه بملك غيره، فوجب أن يضمن جميعها. قلنا: خلط المضمون بغير المضمون لا يوجب ضمان غير المضمون حتى يكون له عدوان، ألا ترى أن رجلًا لو كان في يده مغصوب فأودعه المغصوب منه وديعة، فخلط غصبه بوديعته، ليردهما لم يصر ضامنًا للوديعة، [ألا ترى أنه إذا خلط الوديعة بملك نفسه صار ضامنًا] وإن خلطها بغير مضمون، فعرفنا أنه لا اعتبار بخلط المضمون بغير المضمون، وإنما الاعتبار بخلط ملك نفسه بملك غيره، أو ملك غيره بملك غيره. واعلم أن صورة هاتين المسألتين في رجل دفع إليه رجل دراهم غير مشدودة ولا مختومة، فأما إذا أودعها إياه مختومة ففض ختامها، أو مشدودة فحل

стр. 1508

وكاءها فقد صار بأول الفعل ضامنًا لجميع الوديعة بسبب الجناية التي تحققت منه. مسألة (٤٣٢): أودع رجل رجلًا وديعة، فقال: احفظها في/ (٢٠٩/ ب) خزانتك هذه ولا يدخل هذه الخزانة أحد، فخالفه وأدخلها جماعة، ثم سرقت الوديعة، فعلى المودع الضمان، ولو احترقت الوديعة، فلا ضمان. والفرق بين المسألتين: أنه إذا سرقت الوديعة، فقد جاء تلفها من جهة المخالفة، حيث أدخل جماعة تلك الخزانة، فاطلعوا عليها، فقصدوها، فسرقوها، فأما إذا احترقت، فليس لإدخاله الجماعة ذلك البيت سبب وأثره في الاحتراق، وإذا جاء التلف من غير جهة المخالفة جعلنا المخالفة الموجودة، كالمفقودة، وعلى هذا الأصل تجري مسائل الودائع كلها. مسألة (٤٣٣): الأصل الكلي أمانة المودع ونفي الضمان عنه حتى يتبين سبب

стр. 1509

خيانة، إلا في مودع مات، فطلبت الوديعة في التركة، فلم توجد، فقد قال الشافعي ﵀: "ضمانها واجب، والمودع غريم يحاص الغرماء"، واستبعد الشافعي ﵀ في هذه المسألة قول أبي حنيفة ﵀ حيث اعتبرها من الثلث. والفرق بين هذه المسألة وبين سائر المسائل: أنه متى مات ساكتًا عن ذكر الوديعة والتوصية بها تصور بصورة خائن، ولكن إنما تحققت الخيانة في آخر جزء من

стр. 1510

أجزاء حياته، وعله كونه خائنًا في الحكم أن ورثته لا يعلمون الوديعة والإيداع، والموت يقتضي تبديل الملك وتبديل اليد، فصارت اليد للورثة على الوديعة وهي يد تشبه يد الملك ما لم يخبرهم بأنها وديعة، والمودع إذا أبدل اليد وسلم الوديعة إلى غيره تسليمًا يشبه الهبة والتمليك صار ضامنًا، وهذه صورة هذا الميت. ولو أوصى بها لتصور بغير هذه الصورة؛ لأن الوارث مع إيصاء المورث، بها لا يستفيد منه يدًا تشبه يد الملك؛ فلذلك قلنا: صار ضامنًا
следующие страницы →