Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
كتاب الوديعة
مسألة (٤٣١): إذا أودع رجلًا عشرة دراهم، فأخذ منها درهمًا، فاستنفقه، ثم رد بدله إليها، فالاحتياط أن يعلم على ذلك الدرهم علامة، فإن لم يفعل فاختلط ذلك الدرهم بالتسعة وتعذر التمييز، ثم تلفت العشرة كلها بسرقة أو ما أشبهها فعليه ضمان جميع العشرة.
ولو أنه أخذ من العشرة درهمًا للاستنفاق على جهة الخيانة، ثم ندم ورد ذلك الدرهم المضمون بالعدوان إلى التسعة فاختلط بها، ثم تلفت العشرة كلها، فليس عليه إلا ضمان درهم واحد على الصحيح من المذهب.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا استنفق ورد البدل واختلط صار موصوفًا بأنه خلط ملكه بالوديعة، والمودع إذا خلط ملكه بالوديعة من غير إذن في الخلط صار حائنًا ضامنًا؛ ولذلك نقول: متى خلط عامل القراض مال رب المال بمال من عنده صار معزولًا، وكان الخلط منه جناية، وقد تلفت العشرة بعدما
стр. 1507
تقدم منه سبب ضمان العشرة، فأما إذا رد الدرهم بعينه، فقد خلط بعض الوديعة ببعض، ولم يخلط بها مال نفسه.
فإن قيل: إنه خلط المضمون بغير المضمون، وإن لم يخلط ملك نفسه بملك غيره، فوجب أن يضمن جميعها.
قلنا: خلط المضمون بغير المضمون لا يوجب ضمان غير المضمون حتى يكون له عدوان، ألا ترى أن رجلًا لو كان في يده مغصوب فأودعه المغصوب منه وديعة، فخلط غصبه بوديعته، ليردهما لم يصر ضامنًا للوديعة، [ألا ترى أنه إذا خلط الوديعة بملك نفسه صار ضامنًا] وإن خلطها بغير مضمون، فعرفنا أنه لا اعتبار بخلط المضمون بغير المضمون، وإنما الاعتبار بخلط ملك نفسه بملك غيره، أو ملك غيره بملك غيره.
واعلم أن صورة هاتين المسألتين في رجل دفع إليه رجل دراهم غير مشدودة ولا مختومة، فأما إذا أودعها إياه مختومة ففض ختامها، أو مشدودة فحل
стр. 1508
وكاءها فقد صار بأول الفعل ضامنًا لجميع الوديعة بسبب الجناية التي تحققت منه.
مسألة (٤٣٢): أودع رجل رجلًا وديعة، فقال: احفظها في/ (٢٠٩/ ب) خزانتك هذه ولا يدخل هذه الخزانة أحد، فخالفه وأدخلها جماعة، ثم سرقت الوديعة، فعلى المودع الضمان، ولو احترقت الوديعة، فلا ضمان.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا سرقت الوديعة، فقد جاء تلفها من جهة المخالفة، حيث أدخل جماعة تلك الخزانة، فاطلعوا عليها، فقصدوها، فسرقوها، فأما إذا احترقت، فليس لإدخاله الجماعة ذلك البيت سبب وأثره في الاحتراق، وإذا جاء التلف من غير جهة المخالفة جعلنا المخالفة الموجودة، كالمفقودة، وعلى هذا الأصل تجري مسائل الودائع كلها.
مسألة (٤٣٣): الأصل الكلي أمانة المودع ونفي الضمان عنه حتى يتبين سبب
стр. 1509
خيانة، إلا في مودع مات، فطلبت الوديعة في التركة، فلم توجد، فقد قال الشافعي ﵀: "ضمانها واجب، والمودع غريم يحاص الغرماء"، واستبعد الشافعي ﵀ في هذه المسألة قول أبي حنيفة ﵀ حيث اعتبرها من الثلث.
والفرق بين هذه المسألة وبين سائر المسائل: أنه متى مات ساكتًا عن ذكر الوديعة والتوصية بها تصور بصورة خائن، ولكن إنما تحققت الخيانة في آخر جزء من
стр. 1510
أجزاء حياته، وعله كونه خائنًا في الحكم أن ورثته لا يعلمون الوديعة والإيداع، والموت يقتضي تبديل الملك وتبديل اليد، فصارت اليد للورثة على الوديعة وهي يد تشبه يد الملك ما لم يخبرهم بأنها وديعة، والمودع إذا أبدل اليد وسلم الوديعة إلى غيره تسليمًا يشبه الهبة والتمليك صار ضامنًا، وهذه صورة هذا الميت.
ولو أوصى بها لتصور بغير هذه الصورة؛ لأن الوارث مع إيصاء المورث، بها لا يستفيد منه يدًا تشبه يد الملك؛ فلذلك قلنا: صار ضامنًا
стр. 1511
لهذه الوديعة دون سائر الودائع التي لم تتحقق فيها هذه الصفة للمودع، ولا وجه لردها إلى الثلث، كما فعل أبو حنيفة ﵀ لأن هذا الأمين إن بقي أمينًا غير ملحق بخائن ضامن فالواجب نفي هذا الضمان عنه في الثلث وفي رأس المال، وإن تصور بصورة خائن صارت الوديعة دينًا، والديون تؤخذ من رأس المال.
مسألة (٤٣٤): إذا دفع رجل وديعة إلى رجل، وأمره بأن يربطها في كمه، فربطها خارجًا صار ضامنًا، وإن ربطها داخلًا لم يصر ضامنًا، كذلك قال الشافعي ﵀.
والفرق بينهما: أنه إذا ربطها داخلًا، فقد صانها وبالغ في حفظها، وإذا ربطها خارجًا، فقد أظهرها،/ (٢١٠/ أ) وعرضها للناظرين، ثم من أصحابنا من قال: معنى الداخل: أن يجعلها بين يديه [وبين جنبيه، ومعنى الخارج: أن يجعلها بين يديه] وبين الفضاء. ومنهم من قال: معنى الداخل: أن يجعل وكاءها الذي يسدها به داخلًا ومعنى الخارج: أن يجعل الوكاء خارجًا؛ لأن خروج الوكاء، كظهور الدراهم، وبطون الوكاء كبطون الدراهم.
стр. 1512
كتاب قسم الفيء
مسألة (٤٣٥): قال الشافعي ﵀: "السلب للقاتل، فلو ضربه ضربة فقد يديه أو رجليه ثم قتله الآخر فسلبه للأول".
وقال - في كتاب الجراح:- "لو أخاف رجل رجلًا، أو حرق أمعاءه، ثم ضرب آخر عنقه، فالآخر هو القاتل".
والفرق بينهما: أن استحقاق السلب غير محصور في الإزهاق، بل هو مستحق بالاثخان والازمان، كما يستحق بالقتل، فإذا أزمنه الأول بقطع يديه، أو رجليه فكأنه قتله، وإن لم يقتله.
فأما وجوب القود والدية التي هي دية النفس، فذلك مقصود في الإزهاق، وما حصل الإزهاق ممن أخاف وحرق الأمعاء، وإنما حصل الإزهاق من الثاني؛ فلذلك كان الأول جارحًا والثاني قاتلًا.
стр. 1513
ولو كان السلب مقصورًا على القتل لما استحق سلب الأسير من تفرد بالاستيسار، والصحيح أن الأسير إذا استرقه السلطان اختص مستأسره برقبته؛ لاختصاصه باستيساره.
مسألة (٤٣٦): إذا حضر الفارس الوقعة ومارس شيئًا من الحرب، ثم مات فرسه استحق في الغنائم سهم فارس، ولو مات الفارس بعدما مارس بعض القتال وقبل إحراز الغنائم [لم يثبت له حق في الغنيمة ولا لفرسه.
والفرق بين الحالتين: أن الفرس إذا مات قبل إحراز الغنائم] فالفارس باقٍ وهو من أهل التمليك حين دخل وقت تملك الغنيمة، وقد أغنى في بعض
стр. 1514
القتال غناء الفارس، وليس يتوقف استحقاق سهم الفارس على إدمان ممارسة القتال، وأما إذا مات الفارس قبل إحراز الغنائم فقد دخل وقت تملك الغنيمة وهو ميت غير موصوف بأنه من أهل التملك، [وما حضر ورثته الوقعة حتى يثبت لهم حق التمليك] من غير جهة الإرث؛ فلهذا فصلنا بين المسألتين.
مسألة (٤٣٧): قال الشافعي - رحمة الله عليه -: "لو جاءهم مدد قبل أن تنقضي الحرب، فحضروا منها شيئًا، قل أو كثر شركوهم في الغنيمة، وإن انقضت الحرب ولم يكن للغنيمة مانع لم شرَّكوهم.
ولو أن قائدًا فرق جنده في جهتين، فغنمت إحدى الفرقتين ولم تغنم الأخرى/ (٢١٠/ب) شركوهم".
والفرق بين المسألتين: أن المدد ليس هم من جملة الجيش الأول، فلا يشاركوهم فيما انفردوا بمقاساة المشقة في الاستيلاء عليه وإحرازه والدفاع عنه قبل التحاق المدد بهم.
стр. 1515
وأما القائد إذا فرق جنده طوائف، فكلهم جيش واحد يصدرون عن رأي واحد وراية واحدة مع تقارب الأماكن، والتمكن من الاتحاد عند الاستنجاد، والإعانة عند الاستعانة، فجعلناهم مع تفرقهم في الأماكن المتقاربة كالمجتمعين في المكان الواحد.
مسألة (٤٣٨): سهم القربى إذا قسم بين أهله، فللذكر مثل حظ الأنثيين، ولو أوصى رجل لقربى رجل سوينا بين الذكر والأنثى، وكذلك الأقارير المطلقة.
والفرق بين المسألتين: مع اتفاق اللفظين - أن الله تعالى جعل قرابة رسول الله ﷺ في ذوي القربى؛ تعليلًا لعطائهم واستحقاقهم، لا تعريفًا، فصارت القرابة في استحقاق [ذلك السهم علة، كما صارت القرابة في
стр. 1516
استحقاق] المواريث علة، والمواريث تقسم على المفاضلة، فكذلك سهم القربى، وأما الموصي إذا قال: أوصيت لقرابة فلان: فقد ذكر قرابتهم على وجه التعريف والتمييز، لا على وجه التعليل، فاستفيد التمييز بالتعريف، وصار المال مضافًا إليهم بمطلق اللفظ من غير تعليل، وذلك يقتضي التسوية.
فإن قال قائل: أليس قد قال الشافعي ﵀ في كتاب قسمة الصدقات-: "يمضي عطاء الله تعالى على ما يمضي عليه عطاء الآدميين"؟ فكيف فصلتم هاهنا بين العطائين في القسمة واللفظ واحد؟.
قلنا: إنما قال الشافعي ﵀ ذلك في مقصود مخصوص، وذلك أنه قال: "لا يجوز أن يصرف سهم صنف من الأصناف الثمانية إلى صنف آخر، كما لو أوصى رجل بثلثه؛ لفقراء بني فلان وغارمي بني فلان - رجل آخر -، [وبني سبيل بني فلان - رجل آخر]- إن كل صنف من هؤلاء يعطون من ثلثه، وليس لوصي، ولا وال أن يعطي الثلث صنفًا دون صنف، وإن كان أفقر وأحوج من صنف؛ لأن كلا ذو حق بما
стр. 1517
سمي له، فإذا كان هكذا عندنا، وعند قائل هذا القول - يعني أبا حنيفة - فما أعطى الآدميون لا يجوز أن يمضي إلا على ما أعطوا، [فعطاء الله تعالى أحق أن لا يجوز أن يمضي إلا على ما أعطى]، هذا لفظه.
فمقصوده أن الوصي إذا ذكر أصنافًا معدودة وجب مراعاة عددهم. فأما ما نحن فيه من هاتين/ (٢١١/ أ) المسألتين، فليس هو نظير ذلك الكلام؛ لأن إحدى المسألتين مسألة تعليل، والأخرى مسألة تعريف، والأصناف هناك في العطائين سواء في التعليل والتعريف.
مسألة (٤٣٩): مال الجزية إذا وجب بانقضاء حولها، فمات رجل من المرتزقة، ثم صارت الجزية إلى الإمام، فلا حق للميت.
ولو صارت الجزية إلى الإمام، ثم مات بعض المرتزقة، فحقه ثابت لورثته ميراثًا لهم منه.
стр. 1518
والفرق بين المسألتين: أن الموت إذا سبق وصول المال إلى الوالي، فالموت سابق للملك؛ لأن ذلك المال إنما يصير مملوكًا بعينه عند وصوله إلى يد الوالي، وإذا مات بعد الوصول، فقد صار المال الواصل إلى الوالي ملكًا للمرتزقة؛ لأن يده يدهم، وإنما بقيت القسمة، والقسمة لا تملكهم شيئًا لم يملكوه قبلها، وإنما يتعين الحق بالقسمة؛ فلهذا فصلنا بين الحالتين. والله أعلم.
مسألة (٤٤٠): الوالي إذا أراد قسمة الفيء بين المرتزقة، فقد اختار الشافعي ﵀ التسوية بينهم، وهو مذهب أمير المؤمنين أبي بكر الصديق وعلى ابن أبي طالب ﵄، بدليل ما روي أن عمر ﵁ قال لأبي بكر الصديق: أتجعل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وهجروا ديارهم كمن دخل في الإسلام كرهًا؟ فقال أبو بكر الصديق ﵁:- إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله وإنما الدنيا بلاغ.
стр. 1519
وإذا أراد الوالي قسم الصداقات بين الأصناف فالتسوية غير مأخوذة عليه فيهم.
والفرق بين المالين: أن الصدقة مستحقة لعلل مختلفة، منها: الفقر، والمسكنة: ومنها: الغرم وغير ذلك، ومراتب هذه الحاجات مختلفة في المحتاجين، وكذلك مراتب عطاياهم يجوز أن تكون مختلفة على حسب اختلاف معانيهم، فأما مال الفيء فإن أهله ما استحقوه للحاجة؛ لأن غنيهم وفقيرهم فيه سواء، وإنما استحقوه بأن كتبوا أسماءهم في ديوان الفيء، وأرصدوا أنفسهم للجهاد، واستووا في هذه العلة وإن تباينوا في سائر الفضائل، وليست الفضائل التي تباينوا فيها علة، لاستحقاق هذا المال، ومنزلتهم بعد ما كتبوا أسماءهم منزلة الغانمين في حضور الوقعة، يستوون في مقدار الغنيمة لا يفضل بعضهم على بعض إذا كانوا جميعًا فرسانًا، أو كانوا رجالة، وإن كان بعضهم يفضل بعضهم على بعض إذا كانوا جميعًا فرسانًا، أو كانوا رجالة، وإن كان بعضهم
стр. 1520
أعظم غناء وشهامة من بعض، فالمبارز، [الذي تكون الفتوح على يده والساكن الحاضر الواقف] سواء في مقدار الاستحقاق إلا أن ينفرد بقتل مشرك فينفرد باستحقاق سلبه. والله أعلم.
(٢١١/ب) مسألة (٤٤١): سهم رسول الله ﷺ بعده مرصد لوجوه المصالح المعلومة، فإن تكاملت تلك المصالح وفضلت فضلة من السهم تركناها موضوعة في بيت المال إلى أن يحتاج إليها في المصالح، وأما أربعة أخماس الفيء إذا حصلت في بيت المال وأعطينا المرتزقة عطاياهم وفضلت فضلة رددنا تلك الفضلة عليهم، وإن كثرت، ولا نضعها في بيت المال.
стр. 1521
والفرق بين المالين: أن أربعة أخماس المال - أي الفيء - هو ملك المرتزقة، وما كان ذلك ملك النبي ﷺ أيام حياته، فيجب صرف ملكهم إليهم قليلًا كان أو كثيرًا، ولا وجه لوضعه في بيت المال والملاك متعينون وليس استحقاقهم للفقر حتى يراعى مقدار سد الخلة، وأما سهم رسول الله ﷺ فليس له مالك معين، بل هو مرصد للمصالح، فإذا تكاملت المصالح وجب إعداد الفضلة لمستقبل المصالح.
وللشافعي- ﵀ قول آخر في أربعة أخماس الفيء: أنه يعطي منها المرتزقة، ويصرف بعضها إلى المصالح، كما يصرف سهم رسول الله ﷺ إلى المصالح.
فعلى هذا القول: إذا أعطينا المرتزقة عطاءهم وفضلت فضلة كان الكلام في ذلك الفاضل، كالكلام في سهم النبي ﷺ يوضع في بيت المال ليصرف إلى الأهم فالأهم من مصالح المسلمين.
стр. 1522
كتاب قسم الصدقات
مسألة (٤٤٢): قسم الله تعالى الصدقات المفروضات للأصناف الثمانية فقال تعالى: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ والْمَسَاكِينِ والْعَامِلِينَ عَلَيْهَا والْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وفِي الرِّقَابِ والْغَارِمِينَ وفِي سَبِيلِ اللَّهِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾. قال الشافعي ﵀: "ثم وكدها وشددها، فقال تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ فلو أنا وجدنا بعض الأنصاف الثمانية، وفقدنا بعضهم لم نصرف نصيب المفقودين إلى أرباب الأموال، بل نقسمه على الأصناف الموجودة".
ولو أوصى رجل [لهذه الأصناف الثمانية بمال، فوجدنا بعضهم وفقدنا البعض صرفنا نصيب المفقودين إلى الورثة، وكذلك - أيضًا - لو أوصى رجل] لرجل بوصية، فلم تقبل ارتدت الوصية ميراثًا.
والفرق بين الحالين: أن الحول إذا حال أوجب الله - تعالى - مقدارًا معلومًا من الزكاة في مقدار معلوم من المال، ومصرفه ما ذكره الله تعالى من أهل السهمان، وذلك على جهة القربة المفروضة.
فلو قلنا: يرجع بعض زكاة المال إليه بطل معنى القربة والعبادة في المقدار
стр. 1523
الراجع إليه، فلهذا قلنا: لو لم نجد من الأصناف إلا صنفًا واحدًا / (٢١٢/ أ) صرفنا جميع الزكاة إلى ذلك الصنف.
ألا ترى أن الأصناف بجملتهم لو كانوا مفقودين وجب حفظ الزكاة إلى وقت وجود الأصناف، لندفعها إليهم، ولا تنقلب الزكاة ملكًا لأرباب الأموال.
وأما إذا أوصى للأصناف بوصية، فإنما ذلك هبة منه، ومقدار الهبة لكل صنف معلوم، فإذا لم يوجد بعضهم، أورد بعضهم الوصية لم تتم الهبة في حق من لم يوجد وحق ن لم يقبل، والوصية إذا تعذر مصرفها كان للورثة مصرف التركة، ولهذا قلنا: لو أنهم بجملتهم ردوا وصاياهم عاد جميع تلك الوصايا ميراثًا للورثة.
مسألة (٤٤٣): الخليفة أو أمير الإقليم العظيم الذي يأمر بأخذ الصدقة لا يكون ساعيًا، فليس له في سهم العاملين نصيب، وأما من تولى الصدقات فسهم العاملين له وإن لم يباشر بنفسه قبضها.
والفرق بين الشخصين: أن قيام الخليفة بالأمر غير مختص بشأن الصدقات، وإنما قام وانتصب للأمور على العموم يجريها مجراها، والصدقات
стр. 1524
واحد منها، فأما الساعي فإنه قام بأمر الصدقات على الاختصاص، فإن استناب في الاستيفاء، فذلك فعله وكفايته، والعمل منسوب إليه على التخصيص والاختصاص، وهو منصوب له؛ ولهذا روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه شرب لبنًا فأعجبه فأخبر أنه من نعم الصدقة فأدخل إصبعه في فيه فاستقاء ولو كان للخليفة حق على الاختصاص في سهم العاملين لأشبه أن لا يفعل ذلك.
مسألة (٤٤٤): أعطى رسول الله ﷺ صفوان بن أمية مائة من الإبل، وذلك من غنائم هوازن التي قسمها
стр. 1525
بالجعرانة بعد منصرفه من الطائف، يتألفه بذلك على الإسلام، وكان أمهله رسول الله ﷺ أربعة أشهر لما استمهله شهرين،
стр. 1526
قال الشافعي ﵀ في قول له-: "لا يعطى أحد اليوم على هذا المعنى".
والفرق بين الزمانين: أن ذلك المال الذي أعطاه النبي ﷺ أرباب الناس من غنائم أوطاس كان خاصة ملكه، وهو سهمه من الغنائم، والمالك إذا تصرف في ملكه كان تصرفه على مراده بالشرع، فأما الإمام إذا أراد اليوم أن يتصرف في سهم النبي ﷺ فليس هو بمالك لذلك السهم، وإنما يتصرف على جهة المصلحة، وليس من المصلحة إعطاء من لم يعطه/ (٢١٢/ ب) الخلفاء الراشدون ﵃ بعد النبي ﷺ . وقد قال الشافعي ﵀: لم يبلغنا أن أحدًا من الخلفاء الراشدين أعطى أحدًا بعد النبي ﷺ على هذا المعنى.
مسألة (٤٤٥): سهم المؤلفة من الصدقات لا يوضع في مشرك، وإنما
стр. 1527
يوضع فيمن أسلم ولم يستقر الإسلام في قلبه إن دعت الحاجة إلى إعطائه ورأى الإمام ذلك بالاجتهاد، وكذلك يعطى منه من كان شريفًا في قومه ليتألفهم، فلو جاء رجل وادعى أنه شريف، [في قومه وطلب الصدقة من سهم المؤلفة، فليس للوالي أن يعطيه حتى يقيم البينة على أنه شريف مطاع].
ولو جاء رجل وقال: إني من المؤلفة الذين لم يستقر الإسلام في قلوبهم أعطاه بلا بينة.
والفرق بينهما في المطالبة بالبينة في أحدهما دون الآخر: أن أحدهما قد اعترف على نفسه بأن الإسلام لم يستقر في قلبه، ولولا خبث سريرته لما استجاز هذا الاعتراف، والبينة إنما يفتقر إليها عند الإشكال والاحتمال،
стр. 1528
أما من ادعى من المسلمين أنه شريف مطاع فربما يصدق وربما يكذب فلا يجوز للوالي أن يعطيه شيئًا ما لم يقم البينة على أنه مطاع؛ لأن المقصود من دفع هذا المال إليه أن يتألف قومه ليكونوا مددًا لجيش الإسلام إذا استمدوهم؛ ولهذا المعنى أعطى أمير المؤمنين أبو بكر الصديق ﵁ عدي بن حاتم ثلاثين بعيرًا من الثلاثمائة التي قدم بها على أبي بكر الصديق من صدقات قومه زمان الردة، وأمره أن يلتحق بخالد بن الوليد مع من أطاعه من قومه، فالتحق به ومعه زهاء ألف رجل من قومه، وأبلى في قتال الردة بلاء حسنًا
стр. 1529
رضي الله عنه.
مسألة (٤٤٦): من طلب من سهم الغارمين نصيبًا لم يعط حتى يقيم البينة على ما لزمه من الغرم، وكذلك المكاتب لا يعطي حتى يقيم البينة على الكتابة، وأما من طلب نصيبًا من سهم ابن السبيل، أو من سهم سبيل الله فإنه يعطى ولا يطالب بالبينة.
وإنما كان كذلك؛ لأن ابن السبيل يطلب ما يطلب للشخوص المستقبل وذلك مما يستحيل إقامة البينة عليه، وكذلك - أيضًا - الغازي إذا أراد الشخوص، فإقامة البينة على ما يريده محال، وأما المكاتب والغارم فليسا كذلك؛ لأنهما يدعيان معنى سابقًا وهو: الغرم أو الكتابة، ولا
стр. 1530
يتعذر إقامة البينة على كل واحد منهما، وأصل الناس أنهم غير غارمين، ولا مكاتبين؛ ولهذا روي أن رجلين دخلا على النبي ﷺ يسألان من الصدقة، فنظر إليهما رسول الله ﷺ فصعد النظر وصوب ثم قال: "إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لذي مرة مكتسب". فدل ذلك على أن/ (٢١٣/ أ) من ادعى أنه فقير أو مسكين جاز أن نعطيه من غير إقامة البينة على الفقر والمسكنة، إذا دلت ظواهره على باطن حاله، ولو توقف
стр. 1531
في دفع الفرض إليه على إقامة البينة كان ذلك أحوط، لما روي أن النبي ﷺ لما جاءه قبيصة بن المخارق يطلب شيئًا من الصدقات لحمالة تحملها، قال له رسول الله ﷺ : "نؤديها عنك إذا قدمت نعم الصدقة، يا قبيصة المسألة حرمت إلا في ثلاثة: رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته فاقة، أو حاجة حتى يشهد، أو يتكلم ثلاثة من ذوي الحجي من أهله أن به فاقة أو حاجة فحلت له المسألة حتى يصيب سدادًا من عيش، أو قوامًا من عيش، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة واجتاحت ماله فحلت له الصدقة حتى يصيب سدادًا من عيش، أو قوامًا من عيش، ثم يمسك. وما سوى ذلك من المسألة
стр. 1532
فهو سحت" والله أعلم.
стр. 1533
كتاب النكاح
مسألة (٤٤٧): قال الشافعي ﵁: "لو تزوج عبد بامرأة فضمن السيد لها مهرها وهو ألف عن الزوج لزمه، فإن باعها زوجها قبل الدخول بتلك الألف بعينها فالبيع باطل؛ لأن البيع والفسخ وقعًا معًا".
وإنما قيد الشافعي - رحمة الله عليه -[كلامه بعين الألف؛ لأنها لو اشترته بألف آخر كان البيع منعقدًا وصار النكاح منفسخًا، والعلة التي ذكرها الشافعي ﵁]- هي الفاصلة بين المسألتين: وذلك أنها إذا اشترت زوجها بالألف التي استقرت في ذمة السيد على جهة الضمان - وهي مهرها - فلابد من أن يمتلك السيد ببيع العبد ذلك المال الذي في ذمته، ومن
стр. 1534
ملك مالًا في ذمة نفسه فمقتضى الملك براءة الذمة، وإذا أُبريت ذمته، وجب عليه مقابلة هذه البراءة - لو صحت - تقرير مالكها على الرقبة التي ابتاعها وهي رقبة زوجها، ولو حكمنا بأنها ملكت رقبة زوجها وجب أن نفسخ النكاح بملك أحد الزوجين، وذلك قبل المسيس في تصوير الشافعي ﵁، فإذا انفسخ النكاح فابتياعها زوجها وجب أن يسقط حكم جميع صداقها، هذا هو المذهب الصحيح، وإذا سقط جميع صداقها لم يبق لها في ذمة سيد العبد مال، [وإذا لم يبق في ذمته مال]- وذلك المال جعل ثمنًا بقي البيع عاريًا عن الثمن، والبيع إذا كان عاريًا عن الثمن فهو باطل، وإذا بطل البيع لم يبطل النكاح، وإنما يبطل البيع؛ لأنه وقع مع الفسخ معًا، هذا معنى تعليل الشافعي ﵁.
فأما إذا اشترته بألف أخرى، فالمال الذي/ (٢١٣/ ب) جعل ثمنًا غير الصداق، فينعقد الشراء، وإذا انعقد الشراء انفسخ النكاح، وإذا انفسخ النكاح بفعل من جهتها قبل المسيس سقط المهر وبرئ السيد عن الضمان، كما برئ الزوج.
стр. 1535
مسألة (٤٤٨): المرأة إذا أرضعت [قبل المسيس رضاعًا فاسخًا للنكاح سقط مهرها، وإذا أرضعت] بعد المسيس، فالمهر لا يسقط، وكذلك أيضًا الارتداد.
وأما إذا اشترت زوجها بعد المسيس ففي سقوط مهرها وجهان: أحدهما: أنه لا يسقط، كما لا يسقط بالإرضاع، والوجه الثاني: أنه ساقط.
والفرق بين المسألتين: أنها إذا أرضعت بعد المسيس، فهي التي اعترضت على النكاح بفعل موجود من جهتها، ولكن استقر مهرها بما سبق من المسيس، فاستحال سقوطه بعد الاستقرار، والزوج بعد الانفساخ يكون محلًا للمطالبة إذا لم يحدث حالة سوى الفسخ، وفسخ العقد لا ينافي طلب عوض العقد إذا كان العوض ثابتًا مستقرًا، فأما إذا ابتاعت زوجها فقد حدثت حالة منافية للطلب؛ لأن الزوج صار مملوكًا لها، والمطالبة بين السيد والمملوك محال، ألا
стр. 1536
ترى أن ابتداء الدين لا يتصور بينهما؛ فلذلك لا تتصور استدامته.
فعلى هذا الأصل الذي أوضحناه لو اشترت زوجها بعد المسيس بعين الصداق الذي ضمنه السيد وجب أن ينفسخ البيع، وإن كان الشراء بعد المسيس؛ لأنها إذا ملكت زوجها استحال أن يبقى لها على وزجها دين وقد صار عبدًا لها، وإذا أسقط عن الزوج صداقها سقط عن السيد؛ لأن السيد كفيل، وسقوطه عن الأصل والكفيل يوجب تعرية البيع عن الثمن، وإذا عرى البيع عن الثمن فلابد من إبطاله، وصار الشراء بعد المسيس كالشراء قبل المسيس، وهي المسألة المنصوصة التي قدمناها وأبطلنا فيها البيع.
مسألة (٤٤٩): السلطان لا يزوج اليتيمة الصغيرة، ويزوج البالغة المجنونة.
стр. 1537
والفرق بينهما: أن البالغة المجنونة ربما تشتاق إلى النكاح وتتعين المصلحة في التزويج، والسلطان يتصرف نظرًا ومصلحة، فإذا رأى مصلحتها في تزويجها كان له تزويجها، وأما الصغيرة اليتيمة، فمقعول أنها لا تشتاق إلى النكاح، فلا حاجة في تفويت بضعها عليها قبل ظهور النظر في التفويت.
فإن قيل: إذا زوج الصغيرة حول النفقة - وذلك من المصلحة - فهلا جوزتم له تزويجها، لتحويل نفقته.
قلنا: تفويت بضعها في المقابلة أعظم من تحويل نفقتها،/ [فلابد من مصلحة سوى تحويل النفقة] تنضم إلى تزويجه، وتصرفه حتى يصح منه ذلك التصرف.
مسألة (٤٥٠): الأخوة والأعمام لا يزوجون المجنونة، وإن كانت بالغة مشتاقة إلى النكاح، والسلطان يزوجها في هذه الحالة، كما يزوجها الأب والجد.
والفرق بين السلطان وبين الأولياء: أن الأولياء إذا أرادوا تزويج البالغة
стр. 1538
العاقلة، فلابد من إذنها وتوكيلها، فإذا كانت مجنونة لم يتصور من جهتها الإذن، وليس للأخوة والأعمام الانفراد بتزويج البالغة من غير إذن، فليس لهم تزويج المجنونة، والإذن معدوم.
فأما السلطان إذا آلت الولاية إليه، فله ولاية التزويج بما يقلد من الأمر، وهو يقوم مقامها في ولاية مصلحتها، فنزل منزلة أبيها، ومنزلة جدها باجتماع المعنيين فيه، فإن كان لها أخ، فليس للسلطان أن ينفرد بتزويجها، ولا للأخ الانفراد به، ولكن إذا رأى السلطان المصلحة في تزويجها أذن لأخيها، أو أذن الأخ للسلطان، فحينئذٍ يصح النكاح منهما؛ لأن المعنيين اللذين ذكرناهما متفرقان فيهما.
стр. 1539
مسألة (٤٥١): إذا وكل رجل وكيلًا بالتزويج وسمى الخاطب فلم يقبل الخاطب بنفسه، ولكن وكل وكيلًا بالقبول، فقبل صح النكاح، ومثل ذلك لو وجد في البيع لا يصح.
والفرق بين العقدين: أن الشخص الذي يباشر البيع تتعلق به عهدة العقد، والشخص الذي يباشر قبول النكاح لغيره لا تتعلق به عهدة العقد، فإذا أذن ووكل وقال: بع من فلان فقد أمره بأن يختار ذلك الرجل المسمى لتقلد العهدة، فإذا خاطب وكيله بالعقد، فالوكيل شخص ما رضيه صاحب السلعة لعهدة سلعته، والناس يتباينون في الوفاء بالعهدة والخروج عن أحكام العقد.
فإن قال قائل: ما من عهدة توجهت على الوكيل إلا وتلك العهدة تتوجه على الموكل.
стр. 1540
قلنا: إن الأحوال تختلف في العهدة وفي دعواها فلا يأمن صاحب السلعة أن يجد الثمن معيبًا، فيريد رده أو استبداله، فيمتنع الموكل ويجحد أصل التوكيل، والوكيل ربما يكون معدمًا ولا يكون مليًا، فيتعذر عليه الوصول إلى حقه، فأما وكيل النكاح فليس يتولى سوى العبارة المجردة التي لا تتضمن ضمان عهدة وحكم مطالبة.
والذي يدل على ما ذكرناه: أن الولي في النكاح إذا شافه الوكيل أضاف العقد إلى موكله فيقول: زوجتها من فلان، فيقول الوكيل: قبلت نكاحها على فلان، فأما في الشراء فلا يقول صاحب السلعة بعتها من فلان حتى يقبل الوكيل عليه، ولكن يقول للوكيل: بعتها منك، فيقول الوكيل: اشتريت، حتى يحكم بصحة البيع.
مسألة (٤٥٢): الولي إذا كان يجن ويفيق، فالولاية لا تزول عنه زوالًا مطلقًا، وإذا أطبق الجنون صار كالميت، وانتقلت الولاية إلى
стр. 1541
الأبعد، بخلاف الغشية.
وذلك: أن الجنون إذا اتصل وأطبق، فقد الرأي والتدبير بدوامه، وتعذر النظر والتدبير من جهته، فقام غيره مقامه، فأما إذا كان يجن ويفيق، فهو في يوم إفاقته من أهل التدبير، فلا يجوز إخراجه يومئذٍ عن الولاية.
وكذلك قال الشافعي ﵀: إذا كانت المرأة المالكة لأمرها تجن وتفيق، فلا يجوز تزويجها إلا بإذنها، ثم قال: فإن أذنت في يوم إفاقتها فلم يعقد نكاحها حتى عاودها الجنون لم يجز إنشاء ذلك العقد، فكذلك نقول في هذا الولي إذا أفاق، فوكل وكيلًا، فلم يتفق العقد حتى عاوده الجنون انعزل ذلك الوكيل، وقد قال أبو العباس بن سريج ﵀: فمن يعتريه الإغماء، لمرض أو غيره، فيغشى عليه، ثم يفيق، ثم يغشى عليه، ثم يفيق قال: ينظر فيه فإن كان زمان إغمائه الذي يعتريه لا يتطاول ولا يمتد، فلا ينعزل وكيله، وإن كان يمتد زمانه ويتطاول انعزل وكيله حينئذٍ، وذكر في ذلك حدًا فاصلًا فقال: الاعتبار فيه بالعرف والعادة في اختلال أسبابه بسبب
стр. 1542
إغمائه خللًا ظاهرًا.
فإن قيل: إن الغشية التي تعتريه وتفارقه، ثم تعاوده لا تكون سببًا لاختلال أموره واضطراب أسبابه، فليس ذلك من أسباب العزل، وإن كان الأمر على الضد، فالجواب على الضد، وكذلك على قياس قوله إذا كان الوكيل يعتريه مثل هذه الغشية، فالتفصيل في الوكيل مثل التفصيل في الموكل.
مسألة (٤٥٣): السلطان إذا فوض إلى رجل تزويج أيم، فاخترم السلطان انعزل ذلك الرجل، وإن كان فوض إليه تزويج الأيامى، فاخترم السلطان لم ينعزل ذلك الرجل.
والفرق بينهم: أن أحد التفويضين تفويض توكيل، وتعيين وتخصيص، والثاني تفويض تولية وتعميم، واحترام السلطان لا يوجب عزل الخليفة الذي تقلد القضاء من جهته.
مسألة (٤٥٤): الوليان إذا زوجا ولية لهما رجلين، ثم لم يبن أن العقدين وقعا معًا،
стр. 1543
أو سبق أحدهما الثاني، فهما باطلان، والمذهب لا يختلف فيه. فأما إذا علمنا تقدم أحدهما، ولكن لم يتعين فهما موقوفان على أصح القولين.
والفرق بين المسألتين: أنا إذا لم نعلم كيفية وقوعهما [كان من الجائز - في الاحتمال - وقوعهما [كان من الجائز - في الاحتمال - وقوعهما معًا، ولو تيقنا وقوعهما] معًا كانا باطلين، إذ لا يكون أحدهما أولى بالتصحيح من الثاني، والأصل تحريك الأيضاع، فلا بد من تعين سبب/ (٢١٥/ أ) الاستباحة. فأما إذا تيقنا تقدم أحدهما، وتأخر الثاني، فلا شك في صحة أحد العقدين، وإنما الشك في التعيين، والمرأة إذا علمت يقينًا أن لها زوجًا غير أن ذلك الزوج صار مفقودًا، فالنكاح مستدام بينهما إلى الطلاق، أو الوفاة.
مسألة (٤٥٥): إذا شهد شاهدان على الزوج بالطلاق الثلاث ونفذ القضاء، ثم رجعا وذلك قبل المسيس فعليهما غرم كمال المهر في المنصوص عليه، وإذا أرضعت أجنبية امرأة رجل فانفسخ النكاح قبل المسيس غرمت
стр. 1544
نصف مهر المثل.
الفرق بينهما: أن النكاح إذا ارتفع بالرضاع شابه الارتفاع بالطلاق، لأن الطلاق يوقع الحرمة باطنة وظاهرة فكذلك الرضاع، ثم الطلاق قبل المسيس يوجب النصف استدامة بالعقد، والرضاع يوجب غرم النصف، فأما الشاهدان إذا شهدا وقضى القاضي بشهادتهما، ثم رجعا فحرمة البضع في ظاهر الحكم، فأما في الباطن، فهي زوجته إذا كانا كاذبين، فهذه حيلولة بين الملك والمالك في الظاهر، فصار كالحيلولة في الأموال، ولو أن رجلًا غصب عبدًا فأبق من يد الغاصب غرمناه للمالك جميع القيمة، للحيلولة الواقعة، فكذلك في هذه الغرامة.
مسألة (٤٥٦): الحرة إذا أعتقت جارية، فولي الجارية أب الحرة دون ابنها،
стр. 1545
فإذا ماتت الحرة، فوليها ابنها دون أبيها.
والفرق بين الحالين: أن الحرة ما دامت حية فأبوها - في التزويج - وليها، فجعلنا ولي العتيقة، ولي المعتقة، وعلى هذا ولايات معتقات النساء، فأما إذا ماتت السيدة، فقد انتهت ولاية الأب عليها، وخلفت الولاء الثابت لها على تلك [الجارية، والابن أولى بالولاء من الأب، فإن تلك الجارية] لو ماتت كان ميراثها بالولاء لهذا الابن، وكذلك الولاية عليها بالتزويج لهذا الابن.
مسألة (٤٥٧): إذا قال الخاطب للولي: زوجني وليتك، فقال: زوجتكها تم النكاح فيما نص عليه الشافعي ﵀[ولفظه: "وقول الخاطب زوجنيها فقال: قد زوجتكها، فلا يحتاج الخاطب أن يقول: قبلت".
والحكاية عن الشافعي ﵁]- في القديم: أن المشتري إذا قال: بع مني سلعتك هذه بكذا فقال: بعت، ففيها قولان، أحدهما: أن البيع قد تم،
следующие страницы →