Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
الأبعد، بخلاف الغشية.
وذلك: أن الجنون إذا اتصل وأطبق، فقد الرأي والتدبير بدوامه، وتعذر النظر والتدبير من جهته، فقام غيره مقامه، فأما إذا كان يجن ويفيق، فهو في يوم إفاقته من أهل التدبير، فلا يجوز إخراجه يومئذٍ عن الولاية.
وكذلك قال الشافعي ﵀: إذا كانت المرأة المالكة لأمرها تجن وتفيق، فلا يجوز تزويجها إلا بإذنها، ثم قال: فإن أذنت في يوم إفاقتها فلم يعقد نكاحها حتى عاودها الجنون لم يجز إنشاء ذلك العقد، فكذلك نقول في هذا الولي إذا أفاق، فوكل وكيلًا، فلم يتفق العقد حتى عاوده الجنون انعزل ذلك الوكيل، وقد قال أبو العباس بن سريج ﵀: فمن يعتريه الإغماء، لمرض أو غيره، فيغشى عليه، ثم يفيق، ثم يغشى عليه، ثم يفيق قال: ينظر فيه فإن كان زمان إغمائه الذي يعتريه لا يتطاول ولا يمتد، فلا ينعزل وكيله، وإن كان يمتد زمانه ويتطاول انعزل وكيله حينئذٍ، وذكر في ذلك حدًا فاصلًا فقال: الاعتبار فيه بالعرف والعادة في اختلال أسبابه بسبب
стр. 1542
إغمائه خللًا ظاهرًا.
فإن قيل: إن الغشية التي تعتريه وتفارقه، ثم تعاوده لا تكون سببًا لاختلال أموره واضطراب أسبابه، فليس ذلك من أسباب العزل، وإن كان الأمر على الضد، فالجواب على الضد، وكذلك على قياس قوله إذا كان الوكيل يعتريه مثل هذه الغشية، فالتفصيل في الوكيل مثل التفصيل في الموكل.
مسألة (٤٥٣): السلطان إذا فوض إلى رجل تزويج أيم، فاخترم السلطان انعزل ذلك الرجل، وإن كان فوض إليه تزويج الأيامى، فاخترم السلطان لم ينعزل ذلك الرجل.
والفرق بينهم: أن أحد التفويضين تفويض توكيل، وتعيين وتخصيص، والثاني تفويض تولية وتعميم، واحترام السلطان لا يوجب عزل الخليفة الذي تقلد القضاء من جهته.
مسألة (٤٥٤): الوليان إذا زوجا ولية لهما رجلين، ثم لم يبن أن العقدين وقعا معًا،
стр. 1543
أو سبق أحدهما الثاني، فهما باطلان، والمذهب لا يختلف فيه. فأما إذا علمنا تقدم أحدهما، ولكن لم يتعين فهما موقوفان على أصح القولين.
والفرق بين المسألتين: أنا إذا لم نعلم كيفية وقوعهما [كان من الجائز - في الاحتمال - وقوعهما [كان من الجائز - في الاحتمال - وقوعهما معًا، ولو تيقنا وقوعهما] معًا كانا باطلين، إذ لا يكون أحدهما أولى بالتصحيح من الثاني، والأصل تحريك الأيضاع، فلا بد من تعين سبب/ (٢١٥/ أ) الاستباحة. فأما إذا تيقنا تقدم أحدهما، وتأخر الثاني، فلا شك في صحة أحد العقدين، وإنما الشك في التعيين، والمرأة إذا علمت يقينًا أن لها زوجًا غير أن ذلك الزوج صار مفقودًا، فالنكاح مستدام بينهما إلى الطلاق، أو الوفاة.
مسألة (٤٥٥): إذا شهد شاهدان على الزوج بالطلاق الثلاث ونفذ القضاء، ثم رجعا وذلك قبل المسيس فعليهما غرم كمال المهر في المنصوص عليه، وإذا أرضعت أجنبية امرأة رجل فانفسخ النكاح قبل المسيس غرمت
стр. 1544
نصف مهر المثل.
الفرق بينهما: أن النكاح إذا ارتفع بالرضاع شابه الارتفاع بالطلاق، لأن الطلاق يوقع الحرمة باطنة وظاهرة فكذلك الرضاع، ثم الطلاق قبل المسيس يوجب النصف استدامة بالعقد، والرضاع يوجب غرم النصف، فأما الشاهدان إذا شهدا وقضى القاضي بشهادتهما، ثم رجعا فحرمة البضع في ظاهر الحكم، فأما في الباطن، فهي زوجته إذا كانا كاذبين، فهذه حيلولة بين الملك والمالك في الظاهر، فصار كالحيلولة في الأموال، ولو أن رجلًا غصب عبدًا فأبق من يد الغاصب غرمناه للمالك جميع القيمة، للحيلولة الواقعة، فكذلك في هذه الغرامة.
مسألة (٤٥٦): الحرة إذا أعتقت جارية، فولي الجارية أب الحرة دون ابنها،
стр. 1545
فإذا ماتت الحرة، فوليها ابنها دون أبيها.
والفرق بين الحالين: أن الحرة ما دامت حية فأبوها - في التزويج - وليها، فجعلنا ولي العتيقة، ولي المعتقة، وعلى هذا ولايات معتقات النساء، فأما إذا ماتت السيدة، فقد انتهت ولاية الأب عليها، وخلفت الولاء الثابت لها على تلك [الجارية، والابن أولى بالولاء من الأب، فإن تلك الجارية] لو ماتت كان ميراثها بالولاء لهذا الابن، وكذلك الولاية عليها بالتزويج لهذا الابن.
مسألة (٤٥٧): إذا قال الخاطب للولي: زوجني وليتك، فقال: زوجتكها تم النكاح فيما نص عليه الشافعي ﵀[ولفظه: "وقول الخاطب زوجنيها فقال: قد زوجتكها، فلا يحتاج الخاطب أن يقول: قبلت".
والحكاية عن الشافعي ﵁]- في القديم: أن المشتري إذا قال: بع مني سلعتك هذه بكذا فقال: بعت، ففيها قولان، أحدهما: أن البيع قد تم،
стр. 1546
والثاني، أنه لا يتم حتى يقول: اشتريت. فمن أصحابنا من ينقل إلى النكاح جوابًا عن البيع، ومنهم من يشتغل بالفرق.
والفرق بين المسألتين: أن النكاح في الغالب يتقدمه من الكلام والمسألة والخطبة ما لا يتصور مثله في البيع، فجاز أن يصير ما تقدم من الكلام السابق قرينة لهذا الاستيجاب؛ فلذلك أقمنا قوله: زوجني - وهو استجابة - مقام قوله: تزوجت/ (٢١٥/ ب)، ولما لم يتصور مثل ذلك في البيع لم يقم الاستيجاب مقام عبارة القبول، فإن تصورت حالة نادرة في البيع، أو ندرت حالة في النكاح ثبتنا كل واحد من العقدين على ما هو المعتاد في مثله، وألحقنا النادر بالغالب فيهما جميعًا.
مسألة (٤٥٨): الابن إذا اشترى منكوحة أبيه كان النكاح مستدامًا، ولو أراد
стр. 1547
الأب أن يبتدئ نكاح مملوكة الابن، فلا ينعقد له العقد.
وذلك أن الواجب على الابن إعفاف الأب بطول نكاح حرة أو بثمن الجارية، أو بعين الجارية، فإذا تزوج جاريته، فكأنما تزوج جارية نفسه؛ ولهذا لو أحبل جارية الابن صارت أم ولد له على المشهور من المذهب، فكانت مملوكة الابن من هذا الوجه مملوكة الأب.
فأما إذا كان النكاح سابقًا، ثم اعترض ملك الابن، فحالة الاستدامة أقوى من حالة الابتداء، وليس كاعتراض ملك الزوج على الزوج؛ لأن مملوكة الابن شبه مملوكة الأب، وليست مملوكة الأب شبه مملوكة الابن، ولهذا لو
стр. 1548
أن رجلًا تزوج مملوكة مكاتبة كان النكاح باطلًا، ولو اشترى مكاتبه زوجته كان نكاح السيد باقيًا، للفصل بين حالة الابتداء وحالة الاستدامة.
مسألة (٤٥٩): الحرة إذا ماتت قبل المسيس كمل مهرها، وإذا ماتت الأمة قبل المسيس سقط مهرها على أحد القولين، وكذلك أيضًا يفترقان في قتل كل واحدة منهما نفسها، كما افترقا في الموت.
والفرق بين الحرة والأمة: أن عقد النكاح إذا انعقد على الحرة تسلط الزوج عليها بنفس العقد، ولم يكن لها على نفسها سلطان المنع إلا استيفاء الحق، وذلك حق التسليم، فأما الأمة، فليست كذلك؛ لأن سلطان السيد في الاستخدام مستدام عليها بعد التزويج. ألا ترى أن له أن يحول بينها وبين زوجها ما دام مفتقرًا إلى خدمتها، فلا تكون بالعقد مسلمة، كما تكون الحرة مسلمة، فإذا ماتت
стр. 1549
الأمة قبل المسيس صارت بمنزلة السلعة المبيعة إذا فاتت قبل القبض.
مسألة (٤٦٠): ليس لولي السفيه المأمور بتزويجه أن يطلق له الإذن في النكاح من غير تعيين المنكوحة؛ لأنه ربما يتزوج امرأة يستغرق مهر مثلها جميع ماله، [فإن أطلق الإذن، فتزوج امرأة وزادها على مهر مثلها]، فإن حكمنا بصحة النكاح - وهو ظاهر النص - فالفضل عن مهر مثلها مردود/ (٢١٦/ أ)، فإذا زال الحجر وزال السفه لم يكن للمرأة مطالبته بذلك الفضل، ولو تصور مثل ذلك في العبد كان للمرأة بعد عتق الزوج أن تتبعه بذلك الفضل.
والفرق بينهما: أن الحجر على العبد لحق السيد، لا لحقه، فإذا عتق انتهى حق السيد، فتوجهت المطالبة بإكمال ما سمي في عقد النكاح، فأما السفيه، فالحجر عليه لحق نفسه، لا لحق غيره، فزوال السفه وانتهاء زمان الحجر
стр. 1550
لا يتضمن نزول مراعاة حقه، ألا ترى أنا نراقبه، فمتى ما عاد سفيهًا استأنفنا الحجر عليه مراعاة لمصلحته.
مسألة (٤٦١): قال الشافعي ﵀: وإن تزوج عبد بغير إذن سيده، فالنكاح فاسد، وعليه مهر مثلها إذا عتق، فلم يجعل الشافعي ﵀ مهرها في كسبه، ولا في رقبته، ثم قال: "فإن أذن السيد له، فنكح نكاحًا فاسدًا، ففيها قولان: أحدهما: أنه كإذنه في التجارة، فيعطي من مال التجارة إن كان له، وإلا فمتى عتق، والآخر: أنه كالضمان عنه، فيلزمه أن يبيعه فيه إلا أن يفديه"، فجعل الشافعي ﵀ هذا المهر في تجارته التي في يده للسيد على أحد القولين، وجعله في رقبته على القول الآخر، فصار كل واحد من القولين مخالفًا لجوابه في المسألة الأولى.
стр. 1551
والفرق بين المسألتين: أن السيد إذا لم يأذن لعبده في النكاح، فذهب فنكح، وأصابها على حكم النكاح الفاسد، فهذه المعاقدة الفاسدة غير مستندة إلى إذن سابق حتى يصرف غرمها إلى حق السيد وماله، فصرفنا غرمها إلى مجرد ذمة المملوك، فقلنا: ليس لها في الحال مطالبة، لا في كسبه، ولا في تجارة السيد، ولا في رقبته؛ لأن ذلك كله حق السيد، وقد حصلت المعاملة على جهة المراضاة من المرأة، بخلاف الجنايات المحضة التي تتعلق بالرقبة فأمرناها بإتباع ذمته متى عتق.
ومثاله: ما نقول في العبد إذا اشترى طعامًا بغير إذن سيده، فاستهلكه كان الشراء فاسدًا، وكان للبائع أن يتبعه بقيمته زمان حريته، ولم يكن له عليه سبيل ما دام رقيقًا، ولا على ما في يده من بضاعة سيده، فأما إذا سبق الإذن من جهة السيد، ولكنه نكح نكاحًا فاسدًا، فقد رضي السيد/ بالتزام المهر في حقه، فلم يجز إحالتها بمهرها على ذمته أيام حريته، بل وجب إحالتها على حق السيد عاجلًا بما حصل من رضي السيد.
ثم اختلف قوله في تعيين حق السيد الذي هو محل لأخذ هذا الحق منه، فقال في أحد القولين: يؤخذ المهر من مال السيد [الذي هو في يده، وإنما قال ذلك؛ لأن السيد] لو أذن له، فنكح نكاحًا صحيحًا كان المهر مأخوذًا من المال الذي في يده لسيده، فإذا نكح نكاحًا فاسدًا سلكنا تعويض الفاسد مسلك
стр. 1552
عوض الصحيح؛ لوجود الإذن سابقًا على كل واحد منهما، وعلقه في القول الثاني برقبته وهو قوله: والآخر أنه كالضمان عنه، فيلزمه أن يبيعه فيه إلا أن يفديه، وإنما علقه برقبته؛ لأنه لما نكح نكاحًا فاسدًا، وأصاب البضع، فاستهلكه على حكم العقد الفاسد كان هذا الاستهلاك منه جناية كسائر جناياته على النفوس، وعلى الأموال، وهي تتعلق برقبته، فكذلك يتعلق هذا المهر برقبته.
فإن قيل: فهلا جعلتم إصابته إياها في المسألة الأولى، كجناياته حتى تعلقوا موجبها برقبته لا بذمته، وقد وجدت المراضاة في المسألتين في المرأة؟
قلنا: المسألتان وإن اجتمعتا في المراضاة، فقد افترقتا في وجود رضي السيد وعدمه، ومعلوم أن السيد لو أذن لرجل في رهن عبده بدين على ذلك الرجل بيعت رقبة العبد في الدين؛ لرضي السيد بضمان ذلك الدين في رقبة مملوكه، وقد مرت هذه المسألة في الرهن المستعار، فكذلك ضمن السيد هاهنا في رقبته مهر زوجته، ولم يتقدم مثل هذا الضمان عند عدم الإذن.
فإن قيل: إنكم لا تبيعون رقبة المأذون في المهور وفي سائر الديون، فكيف بعتم رقبة هذا المملوك في دين المهر؟
стр. 1553
قلنا: إذا أخذ المهر شبه الجنايات وشبه الدين في الرهن المستعار جوزنا بيع رقبته فيه، وإذا لم يأخذ هذا الشبه لم نجوز بيع الرقبة فيه.
واعلم أن الجري على ما نص عليه الشافعي - رحمة الله عليه - في المسألتين المتعاقبتين أحسن من التخريج.
مسألة (٤٦٢): قال الشافعي ﵀: إذا اجتمع النكاح، وملك اليمين في أختين، أو أمة وعمتها، أو خالتها، فالنكاح ثابت لا يفسخ ملك اليمين، كان قبل، أو بعد، وحرم ملك اليمين، فجعل الشافعي ﵀ ملك النكاح دافعًا لملك اليمين في البضع، ولم يجعل النكاح مدفوعًا بالملك، وإذا اشترى رجل/ (٢١٧/ أ) زوجته صار النكاح مقطوعًا بملك اليمين.
واعلم أن النكاح في استحقاق البضع أقوى من ملك اليمين، لأن النكاح
стр. 1554
يثبت حقوقًا له وعليه، وملك اليمين لا يثبت شيئًا من تلك الحقوق، غير أن الرجل إذا اشترى زوجته، فلا سبيل إلى دفع الشراء بالنكاح؛ لأن الشراء وإن كانوا مختلفين في الدار المكراة، وإذا صح الشراء، فمن مقتضاه استحلال البضع بملك اليمين، والبضع لا يتصور أن يكون في الحالة الواحدة حلالًا لشخص من جهتين، فلم نجد بدًا من إبطال النكاح لتقرير مقتضى البيع، فارتفع النكاح، وليس ذلك لضعفه، ولكن لما ذكرناه من استحالة الاجتماع مع استحالة إبطال البيع.
فأما إذا اجتمع النكاح، وملك اليمين في أختين، فهما يقعان، أحدهما:
стр. 1555
مستباح بالنكاح، والآخر: مملوك بملك اليمين، فظهرت قوة النكاح واندفع حل البضع بملك اليمين ما دام النكاح قائمًا، ولم تفترق الحال بين أن يتقدم النكاح وبين أن يتقدم ملك اليمين.
مسألة (٤٦٣): الرجل المعسر الخائف من العنت إذا رضيت حرة مناكحته على مهر قليل، أو على مهر مؤجل فجمع في العقد الواحد بين حرة وأمة فنكاحهما باطل قولًا واحدًا.
ولو كان موسرًا بطل نكاح الأمة، وفي نكاح الحرة قولان: أحدهما: أنه باطل، والثاني: أنه صحيح.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا كان موسرًا كان نكاح الأمة محظورًا عليه، فإذا جمع بينهما كان جامعًا بين حلال وحرام، وكل من جمع في العقد الواحد بين حرام وحلال كان العقد في الحرام باطلًا، وكان في الحلال قولان، كالجامع بين
стр. 1556
العبد والحر في العقد الواحد، فأما المعسر الخائف من العنت فنكاح الإماء له حلال، ولا يحرم هذا الحلال عليه وإن رضيت الحرة مناكحته، كما لا يحرم التيمم على المسافر وإن وجد من يهب له ثمن الماء لا عين الماء، وإنما يحرم عليه الجمع بين هذه الحرة والأمة في حق من يجوز له نكاح كل واحدة منهما على الانفراد، وكل من جمع بين امرأتين يجوز له نكاح كل واحدة منهما على الانفراد لا على الأخرى، فإذا جمع بينهما بطل النكاح فيهما جميعًا، كالجامع بين أختين، أو بين المرأة وعمتها، أو بين المرأة وخالتها.
مسألة (٤٦٤): قال المزني ﵀: إذا تزوج / (٢١٧/ ب) المعسر الخائف من العنت مملوكة فاعترض اليسار بعد العقد بطل العقد، وجعله كاعتراض الارتداد. ومذهب الشافعي ﵀ أن الطول العارض خلاف
стр. 1557
الطول المقترن بالنكاح، وأن الردة العارضة والردة المقارنة بالنكاح سواء في المنافاة.
والفرق بينهما: أن الرجل إذا عقد عقدًا وله مقصد معلوم بذلك العقد فمقتضى العقد أن يتوفر عليه مقصوده، والثروة والميسرة من مقاصد النكاح في ميعاد الله ، قال الله تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ والصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وإمَائِكُمْ إن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فلو رفعنا هذا النكاح باليسار المعترض لكنا قد رفعناه لمقصوده وذلك محال، ولو جاز رفع هذا العقد - كما قال المزني - لما صح لحر في الدنيا نكاح مملوكة؛ لأنا نشترط الخوف من العنت في جواز نكاح الأمة [كما نشترط الفقر، ولا يتصور أن يعقد نكاح الأمة] إلا مستفيدًا بنفس العقد أمنا من العنت فأما الارتداد، فليس من مقاصد النكاح؛ لأن الرجل لا يتزوج امرأة ليرتد، ويتزوجها ليصير بها آمنًا من العنت والزنا، غنيًا بما وعده الله.
اعتراض قاله المزني- ﵀: اعلم أن الشافعي ﵀ قال في باب العيوب التي يثبت بها خيار فسخ النكاح: "وما جعلت له من الخيار في
стр. 1558
عقد النكاح، ثم حدث بها فله الخيار، لأن [ذلك المعنى قائم فيها لحقه في ذلك وحق الولد". فجعل الشافعي ﵀ العيب العارض في إثبات الخيار]، كالعيب المقترن بالعقد، فقال المزني ﵀: "كذلك ما يفسخ به عقد نكاح الأمة من الطول إذا حدث بعد النكاح فسخه؛ لأنه المعنى الذي يفسخ النكاح".
يقال له: الفرق بين الطول العارض والجذام العارض: ما ذكرنا أن الرجل لا يتزوج امرأة ومقصوده من العقد أن تصير مجذومة، كما يتزوج ومقصوده من العقد أن يصير موسرًا، وأيضًا فإن المعترض على دوام النكاح بخلاف المقترن بالنكاح عند إنشائه وابتدائه.
ألا ترى أن الردة والعدة بالشبهة لو اعترضتا على النكاح بقي النكاح معها،
стр. 1559
ولو اقترنت بابتداء النكاح منعت صحة النكاح.
стр. 1560
مسائل نكاح المشركات
مسألة (٤٦٥): قال الشافعي- ﵀: "إذا أسلم رجل وأسلمت معه امرأة كانت في الشرك قد طاوعته بغير نكاح وخرجت عن زوج كان لها فرقناً بينهما ولم يجز تقريرهما على حالتهما".
وقال أيضاً: "لو أسلم رجل وأسلمت معه امرأة كان قد نكحها بغير صداق، أو صداقها صداقاً ومنعها إياه، فلا صداق لها ". فجعل الشافعي- ﵀ (٢١٨/ أ) منع/ صداقها في الشرك بمنزلة [إبرائها فأسقطه، ولم يجعل منع المرأة نفسها ومطاوعتها غير زوجها بمنزلة] النكاح.
وإنما كان كذلك؛ لأن الشافعي- ﵀ ينظر في ذلك إلى الأسباب التي يعتقدونها في الشرك أسباب التملك، والنكاح، وأسباب الإسقاط في الحقوق، ومعقول أنهم يعدون الغلبة والقهر في الأموال سبب التملك، ولا يزال بعضهم يقهر بعضاً، ويعدون الامتناع عن أداء الديون سبباً في الإبراء
стр. 1561
والإسقاط، كما يعدون الغلبة في الأعيان سبب التملك، ولو أن عبداً منهم استعصى وتمرد واستولى على سيده يستسخره ويستخدمه قهراً وخرجاً مسلمين وهذه حالتهما حكمنا بأن السيد عبد لعبده، وأن العبد سيد لسيده، ولا يعدون مطاوعة الزانية للزاني نكاحاً فيما بينهم، ولا غصب النساء نكاحاً فيهن؛ فلهذا فلنا: إنه إذا غصب امرأة أيماً أو ذات زوج- فعلاها يفترشا بفجور، ثم خرجا مسلمين لم نحكم بأنها منكوحة له، بل فرقنا بينهما، وإن أراد ابتداء نكاحها كان له ذلك على شرائطه.
فإن قيل: أفتحكمون بانفساح النكاح إذا راغمت زوجها ونشزت عليه، كما تحكمون بزوال ملك اليمين إذا استعصى العبد على سيده وقهره؟.
стр. 1562
قلنا: إذا نشزت، فامتنعت نظرنا: فإن خرجت إلى دار الإسلام مسلمة وذلك قبل المسيس بطل النكاح، وكذلك لو لم تخرج إلى دار الإسلام ولكن أسلمت في دار الحرب، وإن كان ذلك بعد المسيس يوقف النكاح إذا أسلمت على العدة، فإن لحقها الزوج بالإسلام في العدة فهما على النكاح وإن أصر على الشرك حتى انقضت العدة بأن لنا أن النكاح قد انفسخ بإسلامها يوم أسلمت.
فأما العبد إذا استسخره سيده وقهره وهماً جميعاً في دار الحرب فقد زال ملك اليمين قبل الخروج إلى دار الإسلام.
والفرق بين الملكين: ما ذكرنا من أنهم يعدون القهر [في الرقاب وفي الأموال سبباً للملك؛ ولزوال الملك، ولا يعدون القهر] في المناكح سبباً لزوال النكاح وانعقاده.
مسألة (٤٦٦): اعتبر الشافعي- ﵀ حالة اجتماع الإسلام في نكاح المشركات، فقال على هذا الأصل: "إذا أسلم وأسلمت أمة كانت تحته وهو عند اجتماع إسلامهما موسراً وآمن من العنت، فليس له إمساك تلك الأمة [بعقد الشرك، كما ليس ل ابتداء نكاحها "، وقال:/ (٢١٨/ ب) "لو أسلم وكانت تحته حرة وأمة، فأسلمت الحرة قبل
стр. 1563
الأمة] وماتت، ثم أسلمت الأمة في العدة وهو عند اجتماع إسلامهما خائف من الزنا عادم للطول فليس له إمساك تلك الأمة".
وإنما كان كذلك لأصل ممهد في هذا الباب وهو: "أن كل امرأة أسلمت بعد إسلام زوجها، أو معه، أو قبله، ثم أسلم بعدها فماتت كانت محبوسة. عليه في حق عقده، وكانت بمنزلة الحية الباقية "، لأنها قد اجتمعت معه في النكاح والإسلام.
ألا ترى أن رجلاً لو كان تحته خمس نسوة فأسلم، وأسلمت واحدة منهن فاختار إمساكها، ثم ماتت، ثم أسلم الأربع الباقيات لم يكن له إمساكهن جميعاً، وإنما كان له إمساك ثلاث منهن، وليس له أن يقول: هن أربع، وليس لي سواهن زوجة اليوم فأمسكهن جميعاً بل يقال له: ليس لك أن تمسك بعقد الشرك أكثر من أربع، وقد أمسكت واحدة فصارت محبوسة عليك، فهي كالباقيات وإن كانت ميتة، فكذلك في مسألتنا هذه إذا أسلم وأسلمت الحرة زوجة له صارت
стр. 1564
دافعة للأمة، فإذا أسلمت الأمة فقد أسلمت مدفوعة بدفع سابق، كالخامسة من الخمس، فلا يرتفع ذلك الدفع المتقدم، هذا معنى قولنا: إن الميتة منهن كالحية الباقية تحته.
فإن قال قائل: أليس قد قال الشافعي- رحمة الله عليه- "لو أسلم رجل وأحرم وأسلمت امرأته في حال إحرامه كان له إمساكها "فلو كان الاجتماع في الإسلام معتبراً لما جاز إمساكها، كما لا يجوز له ابتداء نكاحها مع الإحرام.
قلنا: هذه المسألة غير موجودة في كتب الشافعي- ﵀ المشهورة المعروفة، فإن صحت وثبتت روايتها، عنه فكأنه شبه الإمساك في هذه المسألة بالرجعة، وللمحرم أن يراجع زوجته في حالة الإحرام وإن كان ممنوعاً عن ابتداء النكاح.
стр. 1565
فإن قيل: أليس قد قال الشافعي- ﵀: "لو أسلمت المرأة قبل زوجها، فوطئت بالشبه فأسلم الزوج قبل انقضاء العدة جاز له إمساكها ". ومعقول أن ابتداء نكاح المعتدة عن الشبهة ممنوع.
قلنا: هذه المسألة منصوصة، ولكن من أصل الشافعي أن المعتدة إذا أصيبت بالشبهة في العدة ولم تحبل كانت العدة عن الشبهة في الذمة، ولا تنقطع عدتها عن النكاح، فكذلك إذا أسلم الزوج بعد الإصابة بالشبهة كان له إمساكها؛ لأنها في بقية عدته، ثم عليها بعد اجتماعهما في الإسلام أن تشرع في عدة الشبهة، وحرام على الزوج وجوه الاستمتاع، كالمنكوحة/ إذا (٢١٩/أ) أصيبت تحت الزوج بالشبهة.
مسألة (٤٦٧): قال الشافعي- ﵀: "ولو أسلم رجل وتحته مشركة وتخلفت وكانت لها أخت مسلمة، فنكحها في الإسلام قبل انقضاء عدة المشركة المتخلفة كان النكاح باطلاً".
стр. 1566
وقال أيضاً: "لو أسلمت امرأة الرجل وتخلف الرجل، فنكح أختها في الشرك قبل انقضاء عدة الأخت كان النكاح موقوفاً، فإن أسلم قبل انقضاء العدة كان النكاح باطلاً، وإن أسلم بعد انقضاء العدة كان النكاح صحيحاً ".
والفرق بين المسألتين المنصوصتين: أنه إذا أسلم، فنكح أختاً للمرأة المتخلفة، فقد نكحها وأحكام الإسلام متوجهة عليه، وهو ملتزم لها بالتزام الإسلام، ومن حكم الإسلام أن نكاح الأخت في عدة الأخت باطل إذا كانت المعتدة رجعية، أو كالرجعية.
وأما إذا نكح أخت امرأته المسلمة المعتدة والناكح مشرك يوم العقد فإنه في هذه الحالة غير ملتزم لحكم الإسلام؛ فلذلك كان النكاح موقوفاً على ما يكون من عاقبة العدة، فإن أسلم وعدة الأخت باقية، فالنكاح الجديد باطل، وإن كانت منقضية، فالنكاح صحيح.
مسألة (٤٦٨): الحر المشرك إذا كان تحته إماء مشركات، فأسلم معهن، فعتقن- وكان عادماً للطول خائفاً من العنت- كان له أن يمسك واحدة منهن، ولم يكن له الزيادة في الإمساك على الواحدة.
стр. 1567
ولو عتقن، ثم أسلمن كان له أن يمسك أربعاً منهن.
والفرق بين الحالين: أنه إذا عتقن، ثم أسلمن، فقد اجتمعا في الإسلام وهن حرائر، والاعتبار بحالة الاجتماع في الإسلام.
ألا ترى أنا نعتبر هذه الحالة في مراعاة وجود الطول وعدمه، ووجود الخوف من العنت.
فأما إذا أسلم وأسلمن معه، فعتقن فقد وجدت حالة الاجتماع في الإسلام وهن غماء، وإنما حدث العتق بعد الاجتماع في الإسلام.
مسألة (٤٦٩): حكي المزني- ﵀ عن الشافعي- ﵁ أن الحرة إذا أسلمت تحت العبد ثبت لها خيار الفسخ، كما يثبت الخيار للأمة إذا عتقت تحت عبد، وهذه المسألة إن كانت صحيحة في الرواية عن
стр. 1568
الشافعي كانت نادرة لا نظير لها، ولا نكاد نجد حرة يثبت لها الخيار تحت المملوك من غير حدوث الحرية فيها، وإنما أثبت الشافعي لها الخيار؛ لأنها إذا كانت في الشرك تحت المملوك كانت غير متضررة بالرق الذي فيه، فإنهم في الشرك لا يفضلون بين الزوج الحر والزوج العبد في النفقة وحقوق/ (٢١٩/ب) النكاح، فإذا أسلمت توجه عليها بالإسلام وجوه من الضرر، كما يتوجه على الأمة إذا أعتقت تحت الزوج المملوك، منها: أن نفقتها نفقة المعسرين، ومنها: أن سيد المملوك يسافر به أينما شاء، ومنها: أن نفقة أولادها من الزوج المملوك تجب عليها، فهذا فرق بين الحالتين: حالة الشرك وحالة الإسلام.
مسألة (٤٧٠): قال الشافعي- ﵀: "إذا كان تحت العبد المشرك أربع إماء، فأسلمن، وعتقن، واخترن فراقه كان ذلك لهن ".
وقال أيضاً: "لو أسلم قبلهن واخترن فراقه لما أعتقن في الشرك كان لهن الخيار بعد الإسلام ثانياً مستأنفاً".
والفرق: مثل ما سبق في نكاح الأخت في عدة الأخت، وهو: أنهن
стр. 1569
إذا أسلمن، فعتقن، فاخترن الفراق، فقد حصل منهن ذلك الاختبار وهن مخاطبات بأحكام الإسلام ملتزمات لها، فصح منهن ذلك الاختيار.
فأما إذا أعتقن في الشرك والزوج مسلم، فاخترن الفراق، فقد حصل منهن اختيار الفراق في زمان لم يلتزمن فيه أحكام الإسلام؛ فلذلك كان لهن استئناف الخيار بعد الاجتماع في الإسلام.
مسألة (٤٧١): قال الشافعي ﵀: "إذا كان تحت العبد أربع إماء فأسلمن وعتقن واختارت اثنتان منهن الفراق، واثنتان منهن المقام، ثم أسلم المملوك خيرناه فيهن -وله منهن اثنتان - فإن اختار المختارتين فراقه فعدتهما عدة حرة من وقت اختيارهما فسخ النكاح قولاً واحداً، وإن اختار المختارتين المقام ففي عدة المختارتين الفراق قولان: أحدهما: أنها عدة أمة، والثاني: أنها عدة حرة". وهو قوله الجديد.
والفرق بينهما: أنه إذا اختار المختارتين فراقه بان أنهما كانتا زوجتين له، وأن نكاحهما لم ينفسخ بإسلامهما، وإنما انفسخ باختيارها فراقه، فطلقتا عقيب الفراق المختار في العدة وهما حرتان، فكانت عدة حرة قولاً واحداً، فأما إذا اختار المختارتين المقام فقد بان أن نكاح المختارتين الفراق إنما انفسخ بإسلامهما وهما يومئذ مملوكتان، واختيارهما الفراق لغو، والحرية عارضة في أثناء العدة؛
стр. 1570
فلذلك صارت العدة على قولين؛ لأن الشافعي ﵀ يقول في الرجعية إذا عتقت قي خلال عدتها: إنها تبني على عدة حرة [في الجديد قولاً واحداً، وله فيها قولان في القديم، ويقول في البائنة إذا عتقت في خلال عدتها: تبني على عدة أمة] في القديم، وله فيها قولان في الجديد.
فمن أصحابنا من جعل القولين في مسألتنا هذه/ (٢٢٠/ أ) نظير القولين في البائنة في الجديد، ومنهم من جعلهما نظير القولين في الرجعية في القديم؛ لأنها أخذت شبهاً في الأصلين، فشابهت الرجعية: بأن الزوج متى شاء أسلم فاستبقى نكاحها، وشابهت البائنة: بأن الاجتماع في الإسلام إذا لم يتفق حكمنا بأن النكاح منفسخ من وقت إسلام متقدم الإسلام منهما، بخلاف عدة الرجعية.
مسألة (٤٧٢): قال الشافعي ﵀: "لو اجتمع إسلام العبد وإسلام حرتين في
стр. 1571
العدة، ثم عتق العبد، ثم أسلمت حرتان في العدة فصرن أربعاً لم يكن له أن يمسك إلا ثنتين.
ولم أسلم وأسلمت حرة واحدة منهن، فعتق، ثم أسلم الباقيات كان له أن يمسك الأربع كلهن.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا اجتمع معه حرتان في الإسلام قبل عتقه، ثم عتق، فقد استفاد الحرية بعد التمكين من اثنتين وهما تمام عدد العبيد، فلم يستفد بهذه الحرية زيادة عدد منهن في الإمساك.
فأما إذا عتق بعد إسلام واحدة، ثم أسلم الباقيات فقد استمد الحرية قبل التمكن واختيار عدد العبيد على الكمال، فكان له أن يمسك أربعة بعقد الشرك. ولو أن عبداً طلق امرأته طلقتين، ثم عتق فأراد نكاحها لم يجز له نكاحها لاستكماله عدد طلاق العبيد في زمان الرق، ولو طلقها واحدة، ثم عتق كان له عليها طلقتان؛ لأنه لم يستكمل طلاق العبد حتى استفاد العتق، وهي النكتة التي ذكرناها في هذه المسألة.
مسألة (٤٧٣): إذا أسلم الرجل وكان تحته أكثر من أربع، فأسلمت واحدة
стр. 1572
منهن فقال: فسخت نكاحها -ومراده الطلاق- وقع الطلاق، وإن أراد الفسخ كان لفظه لغواً، وكذلك لو قال لأربع هذا القول. ولو أسلم أكثر من أربع فقال: فسخت نكاحهن -ومراده الفسخ - صح لفظه فيما زاد، [على الأربع، وكلفناه اختيار أربع زوجات وتمييزهن من غيرهن.
وإنما] فرقنا بين أن يريد الطلاق وبين أن يريد الفسخ؛ لأن الرجل إذا أسلم، وأسلمت واحدة فله اختيار إمساكها قبل إسلام المتخلفات، وفي تطليقه إياها اختيار إمساكها؛ لأن من ضرورة الطلاق اختيار الإمساك، فأما إذا أراد الفسخ فلفظه لغو؛ لأنه يلزمه أن يمسك يعقد الشرك أربعاً، ولو صححنا فسخ الأولى والثانية إلى الرابعة - ولم نجعل فسخه إمساكاً- لم نأمن أن
стр. 1573
يصبر المتخلفات في الشرك فلا يسلمن حتى تنقضي العدة، فلا يكون ممسكاً بعقد الشرك من لزمه إمساكهن، فلذلك لم يصح فسخه في هذه الحالة.
وإنما فرقنا في تصحيح / (٢٢٠/ ب) الفسخ بين أن يسلم أربع أو دونهن فلا يصح الفسخ، وبين أن يسلم أكثر من أربع فيصح الفسخ في الزيادة على الأربع؛ لأنهن إذا كن في الإسلام خمساً أو سبعاً فاختار فسخ من زاد على الأربع ففي مقابلة المفسوخات أربع لإمساك، وإنما يصح الفسخ إذا كان معه في الإسلام يوم الفسخ سوى المفسوخات أربع زوجات محبوسات بعقد الشرك، وإنما كلفناه التمييز؛ لأنه إذا قال - وهن في الإسلام خمس-: قد فسخت نكاحهن - ومراده الفسخ - انفسخ نكاح واحدة لا بفسخه، ولكن بإسلام معلم الإسلام منهما، وتلك الواحدة غير متعينة فإليه التعيين، كما لو قال لامرأتين: إحداكما طالق كان التعيين إليه.
مسألة (٤٧٤): إذا أسلم الزوج وتخلفت المشركات فقال على جهة التعليق: كلما أسلمت منهن واحدة فنكاحها مفسوخ -ومراده الفسخ - كان هذا الكلام
стр. 1574
لغواً، ولا فرق في حكم الغاية بين الأولى والخامسة، ولو قال: كلما أسلمت واحدة فهي طالق، أو نكاحها مفسوخ - ومراده الطلاق - كان هذا الكلام صحيحاً، ومتى ما أسلمت واحدة فهي طالق.
والفرق ظاهر وهو: أن الطلاق والعتاق مما يقبل التعليق بالخطر والغرر، [فأما الفسوخ فإنها كالعقود لا نقبل للخطر والغرر.
فإن قال قائل: الإمساك لا يقبل الخطر والغرر]، ألا ترى أنه لو قال: كلما أسلمت واحدة فقد أمسكتها كان ذلك لغواً، ومن ضرورات الطلاق الإمساك.
فالجواب: أن الإمساك على انفراد لا يقبل الخطر والغرر إذا قصد بالخطر والغرر، فأما إذا صار تبعاً للطلاق، فالطلاق قابل للخطر والغرر، ثم يندرج
стр. 1575
تحته الإمساك، كما أن البراءة لا تقبل الخطر والغرر، ثم إذا قال للمكاتب: إذا دخلت الدار فأنت حر حصلت البراءة بدخول الدار تبعاً للعتق القابل للخطر والغرر.
مسألة (٤٧٥): قال الشافعي ﵀: "لو أن رجلاً تزوج امرأة على أنها حرة بمعنى التوهم فإذا هي أمة فلا خيار ل". وقال في موضع: "لو نكح امرأة على أنها مسلمة بمعنى التوهم فإذا هي كتابية فله الخيار".
والفرق بين المسألتين: أن الرجل إذا تروج امرأة في بلاد الإسلام على أنها مسلمة فبان أنها كتابية فقد جاء للتفريط من جهة الولي والمرأة، لأن الزوج دخل في العقد على ظاهر الحال، والظاهر في بلاد الإسلام نكاح المسلمات وإنكاحهن، ولو
стр. 1576
أخبر الولي عن كفره لعلم الزوج أن المخطوبة كافرة/ (٢١١/ أ)؛ لأن الكافر لا يكون ولياً للمسلمة، وإنما يكون ولياً للكافرة، فقد تحقق التدليس من جهة الولاية، ولو كان على الولي شعار الشرك وهو: الغيار لاستدل الزوج بذلك على كفر المرأة المخطوبة، ومتى ظهر التدليس ظهوراً بيناً ثبت الخيار، كما يثبت في مسألة التصرية.
فأما إذا تزوجها على توهم أنها حرة فبان أنها أمة فلا خيار له، إذ ليس من جهة الولي تدليس ظاهر وتغرير بين، وليس على كل من زوج إخبار الزوج بطريق الولاية، فليس سكوت السيد وكتمانه تفريطا منه وتدليساً حتى يثبت له الخيار، وقد كان الزوج غير عاجز عن التأمل.
مسألة (٤٧٦): المشركون إذا تقابضوا عقود الربا، وأثمان الخمر والخنازير، ثم أسلموا وترافعوا إلينا لم نتعقب ما مضى وعفا الله عما سلف، إلا في مسألة واحدة وهي: أن مشرق لو باع من مشرك خمراً، أو خنزيراً وقبض المبيع وعطل بالثمن، فقضى عليه حاكمهم بقضاء الثمن، فقضاه بإلزام القاضي إياه، ثم تحاكما، أو أسلما، فقد قال بعض أصحابنا: له أن
стр. 1577
يسترجع المقبوض.
والفرق بين هذه المسألة وبين نظائرها: أن التقابض في نظائرها كان على جهة التراضي من الجانبين، لا على جهة الإجبار والإلزام، فحكمنا بأن ما فات بالقبض فلا رجوع فيه، كما لا يعترض على أنكحتهم الثابتة بالشروط الفاسدة، فأما في المسألة الثانية فإنه سلم الثمن بإجبار وإلزام من جهة القاضي، لا على جهة الطواعية، فكان له أن يسترجع ذلك الثمن بعد إسلامهما، أو ترافعهما.
مسألة (٤٧٧): إذا كاتب المشرك عبده على الحمر والخنزير، واتفق القبض في بعض الفاسد قبل الإسلام، ثم أسلما فسلم إلى سيده في الإسلام بقية العوض الفاسد عتق عليه وعليه جميع قيمته لسيده.
ولو نكح في الشرك على خمر، أو خنزير وسلم إليها بعض المهر الفاسد، ثم أسلما نظر: فإن كان المسلم نصف الفاسد، فعليه نصف مهر مثلها، وإن كان ثلثاً فعليه الثلثان.
والفرق بين النكاح والكتابة: أن منافع البضع في النكاح مقابلة بالمهر،
стр. 1578
ويتصور في المهر التبعيض بالتنصيف في بعض الأحوال؛ فلهذا بعضا وقسطنا مهر المثل على المسمى الفاسد، فإذا كانت قبضت النصف بقي لها النصف/ (٢٢١/ ب).
فأما العتق في الكتابة، فجميعه يحصل دفعة واحدة عقيب الأداء، ولا يتصور في عوضه التنصيف، والتقسيط كما يتصور في منافع البضع، فلما حصل جميع العتق في الإسلام بأداء البقية وجب جمع العوض عليه للسيد.
مسألة (٤٧٨): إذا تزوج رجل امرأة على شرط أن لا يصيبها، فإن كان الشرط [للمرأة على الرجل، فالنكاح باطل، وإن كان الشرط] للرجل على المرأة، فالنكاح صحيح.
والفرق بينهما: ما قال الربيع بن سليمان المرادي: أنها إذا شرطت هذا الشرط على الزوج، فقد شرطت مع مقصود النكاح؛ لأن استباحة البضع مقصود النكاح، فأما إذا كان الشرط للرجل على المرأة، فذلك الشرط غير متضمن منع المقصود، ولكنه ملائم لموضوع العقد؛ لأن الزوج في الإصابة مخير أبداً إن شاء
стр. 1579
[أصابها وإن شاء أعرض عنها، واشتراط ما هو مقتضى العقد غير معترض] على العقد.
مسألة (٤٧٩): المغرور بالأمة إذا غرم لسيدها قيمة الولد رجع بها على الغار قولاً واحداً، وإذا غرم مهر مثلها لم يرجع به على الغار في أحد القولين.
والفرق بينهما: أن التلف الذي حصل في الولد، [بالحرية إنما حصل على جهة الحكم للشبهة في الغرور، ولم] يحصل من جهة الزوج إتلاف على جهة الفعل، ولولا التغرير لما حصل التلف بالحرية، فكان للزوج أن يرجع على من كان التغرير من جهته، فأما تلف البضع، فإنه حصل على جهة الفعل؛ لأن الاستهلاك تحقق من جهة الزوج، فاستقر الغرم فيما تحقق منه استهلاكه.
стр. 1580
مسألة (٤٨٠): قال الشافعي ﵀: "إذا كانت الأمة هي الغارة رجع الزوج عليها إذا أعتقت، ولا يرجع عليها في زمان رقها".
وقال أيضاً: "المكاتبة إذا كانت هي الغارة رجع عليها بقيمة الولد في أيام كتابتها".
[والفرق بينهما: أن الكاتبة مالكة نالها ملك مثلها.
ألا ترى أنها لو جئت جناية كانت تلك الجناية غرماً عليها في أيام كتابتها] وكذلك ما التزمت من أثمان الأموال في العقود الصحيحة والفاسدة، ولو أن الأمة اشترت شيئاً بعقد فاسد، واستهلكته لم يكن للبائع عليها سبيل ما دامت رقيقة، ولكن يتبعها بالقيمة بعد الحرية.
مسألة (٤٨١): الغرور إذا صدر من جهة [المكاتبة لم يتصور الرجوع بالمهر، وإذا كان الغرور من جهة] الأمة تصور الرجوع بالمهر [علي أحد القولين.
следующие страницы →