Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
أخبر الولي عن كفره لعلم الزوج أن المخطوبة كافرة/ (٢١١/ أ)؛ لأن الكافر لا يكون ولياً للمسلمة، وإنما يكون ولياً للكافرة، فقد تحقق التدليس من جهة الولاية، ولو كان على الولي شعار الشرك وهو: الغيار لاستدل الزوج بذلك على كفر المرأة المخطوبة، ومتى ظهر التدليس ظهوراً بيناً ثبت الخيار، كما يثبت في مسألة التصرية.
فأما إذا تزوجها على توهم أنها حرة فبان أنها أمة فلا خيار له، إذ ليس من جهة الولي تدليس ظاهر وتغرير بين، وليس على كل من زوج إخبار الزوج بطريق الولاية، فليس سكوت السيد وكتمانه تفريطا منه وتدليساً حتى يثبت له الخيار، وقد كان الزوج غير عاجز عن التأمل.
مسألة (٤٧٦): المشركون إذا تقابضوا عقود الربا، وأثمان الخمر والخنازير، ثم أسلموا وترافعوا إلينا لم نتعقب ما مضى وعفا الله عما سلف، إلا في مسألة واحدة وهي: أن مشرق لو باع من مشرك خمراً، أو خنزيراً وقبض المبيع وعطل بالثمن، فقضى عليه حاكمهم بقضاء الثمن، فقضاه بإلزام القاضي إياه، ثم تحاكما، أو أسلما، فقد قال بعض أصحابنا: له أن
стр. 1577
يسترجع المقبوض.
والفرق بين هذه المسألة وبين نظائرها: أن التقابض في نظائرها كان على جهة التراضي من الجانبين، لا على جهة الإجبار والإلزام، فحكمنا بأن ما فات بالقبض فلا رجوع فيه، كما لا يعترض على أنكحتهم الثابتة بالشروط الفاسدة، فأما في المسألة الثانية فإنه سلم الثمن بإجبار وإلزام من جهة القاضي، لا على جهة الطواعية، فكان له أن يسترجع ذلك الثمن بعد إسلامهما، أو ترافعهما.
مسألة (٤٧٧): إذا كاتب المشرك عبده على الحمر والخنزير، واتفق القبض في بعض الفاسد قبل الإسلام، ثم أسلما فسلم إلى سيده في الإسلام بقية العوض الفاسد عتق عليه وعليه جميع قيمته لسيده.
ولو نكح في الشرك على خمر، أو خنزير وسلم إليها بعض المهر الفاسد، ثم أسلما نظر: فإن كان المسلم نصف الفاسد، فعليه نصف مهر مثلها، وإن كان ثلثاً فعليه الثلثان.
والفرق بين النكاح والكتابة: أن منافع البضع في النكاح مقابلة بالمهر،
стр. 1578
ويتصور في المهر التبعيض بالتنصيف في بعض الأحوال؛ فلهذا بعضا وقسطنا مهر المثل على المسمى الفاسد، فإذا كانت قبضت النصف بقي لها النصف/ (٢٢١/ ب).
فأما العتق في الكتابة، فجميعه يحصل دفعة واحدة عقيب الأداء، ولا يتصور في عوضه التنصيف، والتقسيط كما يتصور في منافع البضع، فلما حصل جميع العتق في الإسلام بأداء البقية وجب جمع العوض عليه للسيد.
مسألة (٤٧٨): إذا تزوج رجل امرأة على شرط أن لا يصيبها، فإن كان الشرط [للمرأة على الرجل، فالنكاح باطل، وإن كان الشرط] للرجل على المرأة، فالنكاح صحيح.
والفرق بينهما: ما قال الربيع بن سليمان المرادي: أنها إذا شرطت هذا الشرط على الزوج، فقد شرطت مع مقصود النكاح؛ لأن استباحة البضع مقصود النكاح، فأما إذا كان الشرط للرجل على المرأة، فذلك الشرط غير متضمن منع المقصود، ولكنه ملائم لموضوع العقد؛ لأن الزوج في الإصابة مخير أبداً إن شاء
стр. 1579
[أصابها وإن شاء أعرض عنها، واشتراط ما هو مقتضى العقد غير معترض] على العقد.
مسألة (٤٧٩): المغرور بالأمة إذا غرم لسيدها قيمة الولد رجع بها على الغار قولاً واحداً، وإذا غرم مهر مثلها لم يرجع به على الغار في أحد القولين.
والفرق بينهما: أن التلف الذي حصل في الولد، [بالحرية إنما حصل على جهة الحكم للشبهة في الغرور، ولم] يحصل من جهة الزوج إتلاف على جهة الفعل، ولولا التغرير لما حصل التلف بالحرية، فكان للزوج أن يرجع على من كان التغرير من جهته، فأما تلف البضع، فإنه حصل على جهة الفعل؛ لأن الاستهلاك تحقق من جهة الزوج، فاستقر الغرم فيما تحقق منه استهلاكه.
стр. 1580
مسألة (٤٨٠): قال الشافعي ﵀: "إذا كانت الأمة هي الغارة رجع الزوج عليها إذا أعتقت، ولا يرجع عليها في زمان رقها".
وقال أيضاً: "المكاتبة إذا كانت هي الغارة رجع عليها بقيمة الولد في أيام كتابتها".
[والفرق بينهما: أن الكاتبة مالكة نالها ملك مثلها.
ألا ترى أنها لو جئت جناية كانت تلك الجناية غرماً عليها في أيام كتابتها] وكذلك ما التزمت من أثمان الأموال في العقود الصحيحة والفاسدة، ولو أن الأمة اشترت شيئاً بعقد فاسد، واستهلكته لم يكن للبائع عليها سبيل ما دامت رقيقة، ولكن يتبعها بالقيمة بعد الحرية.
مسألة (٤٨١): الغرور إذا صدر من جهة [المكاتبة لم يتصور الرجوع بالمهر، وإذا كان الغرور من جهة] الأمة تصور الرجوع بالمهر [علي أحد القولين.
стр. 1581
والفرق بينهما]: أن المكاتبة إذا كانت هي الغارة فلا مهر لها على قول من يتصور الرجوع بالمهر، لأنها هي المستحقة/ للمهر، فلو غرمناها لما أعطيناها، إذ لا فائدة في التسليم والاسترجاع.
فأما الأمة فليست هي المستحقة للمهر، وإنما السيد هو المستحق والأمة الغارة هي المرجوع عليها.
وما ذكر الشافعي ﵀ من الرجوع على المكاتبة الغارة بالغرم فإنما ذكره في قيمة الولد، وإنما يستقيم ذلك في قيمة الولد على القول الذي يقول: إن ولد المكاتب عبد قن للسيد، وهذا القول في "الأم"، ليس بمنصوص المختصر، وعلى القول الذي يقول: ولد المكاتية تبع للأم يعتق
стр. 1582
بعتقها ولكن الحق فيه للسيد، لا للأم: فيتصور الغرم على هذا للقول أيضاً، فأما إذا قلنا: الولد تبع للأم والحق فيه للأم، والأم هي الغارة فلا يتصور غرم قيمة الولد لها، كما لم يتصور غرم المهر لها مع تصور الرجوع.
مسألة (٤٨٢): المكاتبة تحت الغرور بحريتها إذا علقت منه بولد فسقط ميتاً، فليس على الزوج غرم قيمة الولد، وكذلك الأمة القن تحت الزوج المغرور بحريتها، فأما إذا جني جان على بطنها فسقط الولد ميتاً، فعلى الزوج أن يغرم قيمه الولد.
والفرق بين المسألتين: أن الولد إذا سقط ميتاً لم يسقط مضمونة ولم تثبت له حالة يتصور فيها أن يضمن باليد؛ لأنه انفصل ميتاً؛ فلذلك لم يكن مضموناً،
стр. 1583
أما إذا جنى جان على بطنها فعلى الزوج قيمة الولد، ثم يرجع على عاقلة الجاني؛ لأن عاقلة الجاني ضامنة للغرة، فصار في التقدير كأنه سقط حياً، ثم صار مقتولاً، والواجب على الزوج حينئذ أن يغرم الأقل من قيمة الغرة، أو عشر قيمة الأم، لا يجاوز مقدار الغرة والزيادة ساقطة، لأنا إنما ألزمناه الغرم بسبب وجوب الغرة، ولا سبيل إلى تقويم الولد الميت؛ فلذلك عدلنا إلى عشر عوض الأم، كما عدلنا في جنين الأمة إلى عشر عوض الأم، غير أن الأم إذا كانت مملوكة والجنين مملوكا اعتبرنا عشر قيمة الأم، وإن كان الجنين حراً اعتبرنا عشر الدية - أي دية أم حرة - تقديراً لكون الجنين الحر معتبراً بحكم الحرية، والمملوك معتبراً بحكم الرق.
مسألة (٤٨٣): قال الشافعي ﵀ في الأم: "لو أن أمة أعتقت ولم تعلم
стр. 1584
وكان زوجها مملوكاً، فطلقها زوجها وأكمل الطلاق، ثم بلغها خبر العتق، فإن اختارت الفسخ بان أن الطلاق [غير واقع، وأن النكاح مرتفع بالفسخ لا بالطلاق، وإن اختارت المقام بان أن الطلاق] واقع، وقد قال/ (٢٢٢/ ب) الشافعي ﵀ في امرأة العنين: "إذا طلقها زوجها بعد انقضاء السنة كان الطلاق واقعاً لا محالة". ولم يجعل لبقاء سلطان الفسخ أثر في منع وقوع الطلاق.
وهذه المسألة التي حكيناها عن كتاب الأم شاذة عن أصول المذهب،
стр. 1585
وغاية ما ذكروه فيها من المعنى: أن الأمة إذا عتقت ثبت لها حق الفسخ بالعتق الحادث، فلا يجوز إبطال هذا الحق، وإن اعترض على النكاح ما يرفع النكاح، ومثل هذا المعنى ما نقول - في أحد القولين - في الشريك إذا ثبتت له الشفعة، ولم يعلم حتى قاسم، أو باع نصيبه من تلك الدار، ثم علم: كان له طلب الشفعة السابقة.
مسألة (٤٨٤): إذا أعتق الرجل في مرض موته جارية فأرادت أن تتزوج بأمر وليها الحر من جهة النسب، فقد قال بعض أصحابنا: ليس لها أن تتزوج، ولو أن رجلاً أعتق جاريته في مرض موته، وأراد أن يتزوجها جاز له ذلك
стр. 1586
والقاضي يزوجها إياه.
والفرق بين أن يتزوجها معتقها وبين أن يتزوجها أجنبي: أن الأجنبي إذا تزوجها يتزويج ولي النسب لم نأمن أن يظهر على الميت دين يستغرقها، فتعود رقيقة، ولا ولاية لولي النسب على رقيقة، فتبين أن النكاح الذي عقده ولي النسب باطل، فأما إذا كان السيد المعتق هو المتزوج، فلا تخلو من حالين: إما أن يظهر عليه دين أو لا يظهر، فإن لم يظهر عليه دين فقد أصاب منكوحته والنكاح صحيح، وإن ظهر عليه دين فقد أصاب مملوكته.
فإن قال قائل: الإصابة في هذه المسألة مع هذا التردد والتميل يحب أن يكون حراماً، كما قال الشافعي ﵀ فيمن اشترى زوجته بشرط الخيار ثلاثة أيام:- "فليس له أن يصيبها في زمان الخيار؛ لأنه لا يدري أيطأها منكوحته أو يطأ مملوكته". فما الفرق بين هاتين المسألتين؟.
قلنا: الفرق بينهما: أن الملك في زمان الخيار ملك ضعيف اقترن به هذا التردد والتميل، فلما اجتمع ضعف الملك وتردد الاحتمالين لم يجز له الوطن ما دامت هذه الحالة باقية، فأما في المسألة الأخرى فإن ملك اليمين كان على الكمال قبل العتق، وإذا أعتقها فنكحها فإن صح النكاح كان ملك البضع بالنكاح ملكاً على
стр. 1587
الكمال لأن الملك في النكاح لا يكون متردداً، كما يكون ملك الشراء متردداً/ (٢٢٣/ أ) أيام الخيار، فتردد وطؤه إياها بين ملكين كاملين، وتردد الوطء في النكاح الثاني بين ملك كامل وبين ملك ضعيف؛ فلذلك افترقت المسألتان.
وقد قال بعض مشايخنا: إذا أعتقها، فزوجها وليها الحر من جهة النسب كان النكاح صحيحاً [في ظاهر الحكم، كما كان صحيحاً] في المسألة الأخرى، فإن ظهر دين استأنفنا له حكماً آخر فحكمنا حينئذ بفساد النكاح في المسألتين جميعاً.
مسألة (٤٨٥): الشريكان إذا أعتقا جارية فليس لأحدهما أن ينفرد بتزويجها حتى يتراضيا ويتفقا، وكذلك لو أعتق أحدهما نصيبه وهو معسر فأراد المعتق والشريك الثاني معاً تزويجها جاز لهما ذلك، وإن أراد أحدهما أن ينفرد بالترويج لم يحز له الانفراد، وليسا كأولياء النسب والدرجة واحدة فأيهما أراد تزويجها برضاها كان له تزويجها.
والفرق ظاهر وهو: أن الولاء غير ثابت لكل واحد منهما على جميعها، وإنما يثبت له الولاء على بعضها، وشرط صحة تزويجها ثبوت الولاية على جميعها، بخلاف أولياء النسب، فإنه ما من ولي من أولياء النسب إلا وولايته ثابتة على
стр. 1588
جميعها، ومثل ذلك لا يتصور في شركاء الولاء إذا كانت صورة الولاء ما صورنا من عتق المباشرة.
فأما إذا مات رجل وخلف معتقة وأولاداً ذكورا فزوجها - برضاها- واحد من البنين دون الآخرين فالنكاح صحيح لازم، كما يصح في النسب؛ لأن كل واحد منهم ولي كامل في الولاء.
ألا ترى أن كل واحد منهم يستغرق بالميراث ولاءها، كما يستغرق بالميراث ولاءها إذا ماتت ولم يبق إلا واحد من أبناء السيف واشتراكهم عند اجتماعهم كاشتراك الإخوة والأعمام عند اجتماعهم.
مسألة (٤٨٦): ولاية الأب في قبول النكاح على ابنه الصغير باقية ببقاء الصغر، فإذا بلغ رشيداً زالت هذه الولاية، وليس السيد كذلك في عبده على قول جواز الإجبار، فإنه يجبر العبد البالغ فيقبل النكاح عليه، كما
стр. 1589
يجبر العبد الصغير فيقبل عليه النكاح.
والفرق بين المسألتين: أن إجبار العبد على النكاح بسلطان ملك اليمين، وسلطان للملك لا يختل ببلد الملوك، فإن ملكه عليه في الحالين على صفة واحدة، فكانت ولاية الإجبار على صفة واحدة. فأما الأب فإنما يجبر الابن الصغير على النكاح للصغر، فإذا بلغ رشيداً/ (٢٢٣/ ب) زال الصغر الذي هو علة الإجبار على النكاح وإذا زالت العلة زال المعلول، فإن كان بعد بلوغه غير رشيد فالولاية لا تزول، كما لا تزول ولاية المال في هذه الحالة، قال الله : ﴿فَإنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، فاشترط الرشد بعد ذكرهم البلوغ، والله أعلم.
стр. 1590
كتاب الصداق
مسألة (٤٨٧): إذا تزوج رجل امرأة على عبد غير موصوف ولا معين، فلها مهر مثلها بالعقد قولاً واحداً.
ولو تزوجها على عبد معين، فبان أنه مغصوب، فعلى قولين:
أحدهما: أنها تستحق مهر المثل. والثاني: أنها تستحق قيمة ذلك العبد المعين.
والفرق بين المسألتين: أن العبد إذا كان معيناً أمكن تقويمه والإحاطة بمقدار قيمته، فإذا كان مستحقاً رجعنا -في أحد القولين- إلى قيمته، وجعلنا معنى الإشارة إليه بالعقد إشارة إلى قدر قيمته؛ لما خرج مستحقاً.
فأما إذا قال تزوجتها على عبد - وأطلق العبد إطلاقاً- فمعقول أن العبد يختلفون في القيم، والإطلاق لا يختص بمملوك دون مملوك، ولا يكون المملوك الكثير القيمة أولى بالاعتبار من المملوك القليل القيمة. فصار المسمى
стр. 1591
مجهولاً من جميع الوجوه، وإذا كان بهذه الصفة فلا بد من الرجوع إلى عوض البضع وهو: مهر المثل، فرجعنا إليه.
فإذا تقرر هذا الأصل بنينا عليه مسائل الكتاب، فقلنا: لو تزوجها على أن يخيط ثوبها المعين، أو يرد عبدها الآبق من مكان معلوم فاحترق الثوب، أو مات العبد، فعلى قولين: أحدهما: أنا نرجع [إلى مهر المثل، والثاني: أنا نرجع] إلي أجرة مثله لخياطة ذلك الثوب ورد العبد من ذلك المكان، وإذا تزوجها على أن يرد عبدها الآبق ولم يكن المكان الذي أبق إليه العبد معلوم المسافة رجعنا إلى مهر المثل قولاً واحداً، للجهالة بالمسمى من جميع الوجوه.
ولو تزوجها على عبد فإذا هو حر، فعلى قولين: أحدهما: أنها تستحق مهر المثل، والثاني: أنها تستحق قيمة ذلك الحر لو كان عبداً، ولو تزوجها على خمر، أو خنزير استحقت مهر مثلها قولاً واحداً.
والفرق بينهما: أن الحر على صلته وصورته يمكن تقويمه بأن يقال: لو كان
стр. 1592
هذا الشخص بهذه الصورة التي هي صورته رقيقاً فبكم قيمته؟ فيقال: قيمته ألف، فنوجب الألف، ولا سبيل إلى تقويم الخمر/ (٢٢٤/ أ) على صفتها في الحال؛ [لأن الخمر لا تتقوم في الشرع.
فإن قيل يمكن أن يقال: كم قيمتها حين كانت عصيراً، أو كم قيمتها حين تصير خلاً؟
قلنا: ولا يكون هذا التقويم تقويم الخمر على صفتها في الحال] من حيث الخلقة، وأوصاف النفس لأن الخمر غير العصير والعصير غير الخمر.
فإن قيل: كذلك الحر لا يمكن تقويمه حراً، وإنما يقوم عبداً، والعبد غير الحر والحر غير العبد.
قلنا: لا يقوم الحر حراً، ولا نقول كم قيمته حين من عبداً؟ - وربما لم يكن عبداً - ولكن نقول: لو كان على صورته وحسنه ويبحه مملوكا لرجل فكم قيمه ذلك المملوك؟ فيقال: كذا وكذا، فنعتبر تلك القيمة، ولا يمكن أن يقال: لو كان عصيراً على صفة هذه الخمر فكم قيمته، فإن العصير حلو والخمر غير حلو، وهذه من صفات الخلقة التي نعتبر للقيمة بها، وليست الحرية والرق من صفات الخلقة، وإنما هما من صفات الحكم.
ألا ترى أن العبد إذا صار حراً لم تتغير صفة من صفات الخلقة، والعصير إذا
стр. 1593
صار خمراً تغيرت صفة خلقته، فعلى هذا الأصل حكم المهور في النكاح وحكم بدل الخلع في الخلع لا يختلفان في التفريع.
مسألة (٤٨٨): إذا أصدقها جارية فحبلت من زوج أو زنا، ثم طلقها قبل المسيس فليس للمرأة إجبار الزوج على الرضا بنصف الجارية، ولكنه بالخيار: إن شاء رضي بنصفها، وإن شاء تركها وطالبها بن بنصف قيمتها. ولو أصدقها شاة فصارت ماخضاً، طلقها قبل المسيس كان لها إجبار الزوج على الرضا بنصف الماخض.
والفرق بينهما: أن الجارية إذا أصابها الطلق أشرفت بذلك على الخطر العظيم والخوف الشديد، فصار الحمل من هذا الوجه نقصاً فيها، وإن كان زيادة من وجهة أخرى وهي: زيادة الولد، وإذا اجتمع في عين الصداق نقصان من وجه وزيادة من وجه لم يجز إجبار الزوج على نصف العين لكان النقص، ما لا يجوز إجبار المرأة على رد للنصف لمكان الزيادة، وإنما يتصور الرجوع إلى النصف في هذه الصورة على التراضي، فأما البهيمة إذا صارت ماخضاً، فذلك/ (٢٢٤/ ب) زيادة فيها من
стр. 1594
جميع الوجوه، لأن الخطر عند النتاج مأمون غالباً، ويكون النتاج زيادة. محضة، وإذا تمخضت الزيادة في عين الصداق لكان الخيار كله للزوجة دون الزوج، هذا الأصل في الصداق].
ولهذا الأصل قلنا: إذا أصدقها أرضاً فحرثتها نطلقها قبل المسيس فالخيار لها، وإذا زرعتها فالزرع نقصان والخيار له.
مسألة (٤٨٩): إذا أصاب الغاصب الجارية المغصوبة، فعليه الحد، وإذا أصاب الزوج الجارية الممهورة وادعى أني ظننت أن كمال ملك المرأة بالدخول، فليس عليه الحد، نص عليه الشافعي ﵀.
والفرق: أن الصداق لما كان يتنصف بالطلاق لم يبعد أن يشكل على الجهال أن يتوهموا هذا التوهم فأما الغاصب، فلا يكاد يخفي عليه أنه لا يملك ملك غيره بمحض الغصب، فإذا ادعى جهالة بهذا الحكم لم تسمع منه دعواه، فإن كان ساكن بادية لا يخالط أهل العلم ولا يلتقي بهم، ويتوهم أن القهر والغصب من
стр. 1595
أسباب الملك، كما كانوا يتوهمون في الجاهلية، فربما يتصور درء الحد في مثل هذه الحالة، وهذا في نهاية الاستبعاد.
مسألة (٤٩٠): قال الشافعي ﵀ "لو أصدقها عبداً، فدبرته، طلقها قبل الدخول بها وقبل أن ترجع عن التدبير لم يكن له الرجوع عليها بنصف العبد، وكان حقه في نصف القيمة، ولو رجعت عن التدبير، ثم طلقها كان له الرجوع في نصف العبد".
فهذا النص دليل واضح يدل على أنها إذا دبرت العبد الممهور - فسواء جعلنا التدبير وصية، أو جعلناه عتقاً بصفة- فليس للزوج إذا طلقها قبل المسيس أن يرجع في نصف العبد المدبر.
ألا ترى أن الشافعي ﵀ أجاب في هذا النص على أن لها الرجوع، وهذا جواب على أن التدبير يجري مجرى الوصايا ولا يجري مجرى العتق
стр. 1596
بصفة، وإذا لم يجعل للزوج الرجوع في نصف العبد على قول جواز الرجوع عن التدبير فما ظنك بالقول الثاني: وهو إذا قلنا: ليس لها الرجوع قي التدبير، فكيف لها الرجوع في نصف المدبر وإبطال القربة؟ ومعلوم أنها لو أوصت بعين ذلك للعبد الممهور لرجل، ثم طلقها زوجها قبل المسيس كان للزوج إبطال وصيتها في النصف والرجوع إلى العينة.
والصحيح في التدبير [ما قلنا من نص الشافعي ﵀، وإن سلك بعض مشايخنا/ غير هذه الطريقة.
والفرق بين الوصية والتدبير]: أنها إذا دبرت فعقد التدبير بنفسه قربة تامة، ألا ترى أن تمام هذه القربة ليس يتوقف إلا على موتها ولا حاجة إلى قبول العبد ورضاه.
وأما الوصية فإنها لا تتم قربة بالإيصاء، وليس الإيصاء عقد قربة لا محالة،
стр. 1597
كما ليست الهبة عقل قربة لا محالة، والزوج ممنوع من إدخال الضرر عليها بإبطال قربتها.
فإن قيل: أليس إذا علقت عتق ذلك العبد بدخول الدار فقد عقدت عقل قربة، وإذا طلقها زوجها قبل المسيس كان له أن يرجع في نصف ذلك العبد ويبطل عليها ذلك العتق، فما الفرق بين هذا وبين التدبير؟
قلنا: تعليق عتقها بدخول الدار ليس هو عقد قربة، وإنما هو يمين لمنع نفسه، أو لمنع غيره، وليس إذا مع نفسه، أو منع غيره من دخول الدار، أو حث عبده على دخول الدار بذكر العتق كان عاقداً بذلك عقد قربة، ولكنه عقد من عقود الإيمان، وكذلك ما جانس الأيمان مثل قوله: إذا جاء رأس الشهر فأنت حر، فطلقها قبل رأس الشهر رجع إلى نصف العبد، إذ ليس ذلك من جنس محضر القربة، فأما عقد التدبير فلا معنى فيه إلا القربة المحضة،
стр. 1598
فإذا أراد إبطال حقها من القربة كان ممنوعاً من الإبطال، وإن كان عين الصداق باقية بحالها.
ولو أنها رضيت وأبطلت على نفسها قربتها، فرجعت عن التدبير قبل الطلاق- على قول جواز الرجوع بالقول- ثم طلقها كان له أن يرجع إلى نصف العبد، إذ ليس في رجوعه إلى النصف إبطال القربة عليها، وقد قال الشافعي ﵀: لو أصدقها جارية فطلقها وهي ترضع ولداً ولدته لها لم يكن له أن يرجع إلى نصف الجارية، مخافة الإضرار بالشركة في إرضاع الولد، فهذا صداق باقٍ بعينه لم يزد ولم ينقص، والزوج ممنوع من الرجوع في نصفه خوف الإضرار، فكذلك خوف الإضرار موجود في مسألة التدبير.
مسألة (٤٩١): المواعيد المتقدمة على العقد غير معتبرة في حكم العقد؛
стр. 1599
ولذلك قلنا في نكاح المحلل: إن كان الشرط متقدمًا غير مقترن كان العقد صحيحًا, وشذت مسألة عن هذا الأصل, فقال الشافعي ﵀ في الولي والزوج -: "إذا ذكرا في السر مهرًا وفي العلانية مهرًا: أن المهر مهر السر"، وقال - في موضع آخر -: "المهر مهر العلانية".
/ (٢٢٥/ ب) فدعت الضرورة بعض أصحابنا إلى أن جعل المسألة على حالين, فقال: إن كان في السر وعد وفي العلانية عقد, فالمهر مهر] العلانية, وإن كان في السر عقد, وفي العلانية عقد فالمهر مهر [السر, وهذه الطريقة خلاف ظاهر النص الذي حكاه المزني, وهو قوله: "إذا شاهد الزوج الولي والمرأة أن المهر كذا
стр. 1600
وكذا ويعلن أكثر فقد اختلف قوله في ذلك, فقال في موضع: السر, وقال في غيره: العلانية, وليس ظاهر هذا اللفظ يعطي أنهما عقدا عقدين, بل ظاهره يعطي أنه وعد متقدم وعقد متأخر, والمعنى الذي به فارقت هذه المسألة نظائرها: أن المواضعات والمقدمات تكثر في عقد النكاح وفي المهر المذكور فيه, وللناس عادة غالبة في المياهات بالمغالاة في المهور, وهذا العادة مفقودة في أثمان المبتاعات وسائر الشروط التي تشترط في النكاح, فإذا تواعدا على ألف على أن يتعاقدا على ألفين فكأنما اصطلحا على عبارة موضوعة, فقالا: إذا اعتبرنا بالألفين في العلانية, فإنما نريد به الألف, واللغات تثبت فوائدها بالمواضعات, فلذلك ألزمنا الزوج ألفًا وإن اشتمل العقد على تسمية ألفين.
مسألة (٤٩٢): عقد النكاح إذا اشتمل على مسمى مجهول وجب لها مهر المثل, والمفوضة إذا فرض لها الزوج بعد العقد مقدرًا وهما جاهلان
стр. 1601
بمهر مثلها لم يصح ذلك المفروض, ولم يجب لها مهر المثل بهذه التسمية الفاسدة.
] والفرق بين المسألتين: أن أول العقد إذا اشتمل على المجهول انعقد أوله بعض؛ لأن العوض مذكور, وإذا انعقد النكاح بعوض وذلك العوض غير المسمى فهو مهر المثل [لا محالة, فأما المفوضة فلم يجب لها بالعقد مهر على القول الصحيح المقصود بالتفريع, فإذا فرض لها مهرًا - وهما جاهلان بقدر مهر مثلها - لم يكن الفرض عقدًا يوجب مهر المثل, وإنما الفرض إيجاب في عقد سابق, لا بابتداء عقد, وشرط صحة ذلك الإيجاب: العلم بالمقدار, كما أن شرط صحة التقويم على المقوم بمقدار القيمة, وإذا لم يعرف مقدار القيمة بطل تقويمه ووجب استئناف] تقويم آخر, كذلك بطل الفرض بالجهل ووجب استئناف [فرض آخر على بصيرة بمقدار مهر المثل.
стр. 1602
مسألة (٤٩٣): مهر المثل إذا كان في قبيلة من القبائل عشرة آلاف معلومة لنسائهم, فهو المقدار الذي نوجبه عند فساد التسمية وفي الوطء بالشبهة ومنازل إيجاب مهر المثل, فلو أن امرأة من نسائهم سامحت زوجها ورضيت بسبعة آلاف/ (٢٢٦/ ب) في العقد ثم وطئت المرأة أو غيرها من نساء تلك القبيلة بالشبهة أوجبنا لها عشرة آلاف, ولو] وجدت المسامحة من امرأتين, أو ثلاث, أو أكثر, فإن [صارت المسامحة عادة ثم وطئت واحدة منهن بشبهة أوجبنا لها سبعة آلاف,
стр. 1603
وألزمناها حكم هذه المسامحة.
والفرق بين الحالتين: أن المسامحة من العاقد الواحد أو من النفر لا تصير أصلًا في اعتبار المقدار, ألا ترى أن الواحد من أهل السوق لو سامح مبتاعًا في ثمن سلعة لغرض, فتلك المسامحة لا تصير أصلًا في] اعتبار قيمة أمثالها عند الاستهلاك, ولكن إذا صارت المسامحة معتادة جارية علم أن السوق في [تلك السلعة متراجعة, وإن ما كان مسامحة صار سعرًا, حتى إذا استهلكت تلك السلعة بعد المسامحة الشائعة المستفيضة صارت مقومة بما تراجع من الثمن, فكذلك مهور الأمثال في مسامحة نساء تلك القبيلة.
مسألة (٤٩٤): فساد المهر لا يقدح في العقد إلا في مسألة واحدة وهي: إذا كان الفساد بسبب اشتراط خيار الثلاث في المهر, فقد قال - في القديم -: "النكاح في ذلك باطل".
стр. 1604
والفرق بين هذا الفساد وبين الفساد بتسمية الخمر والمجهول والمغصوب: أن الرجل إذا سمى خمرًا أو مهرًا مجهولًا كان ذلك فسادًا مقصورًا على الصداق لا يتعدى إلى البضع بحال, ولو تجرد العقد عن المهر انعقد ولزم, فكذلك إذا اشتمل على فاسد, فأما إذا اشترط في الصداق خيار الثلاثة, فهذا شرط يتعدى إلى البضع؛ لأن الخيار المشروط في أحد العوضين يتعدى إلى العوض الثاني الذي قابله, ألا ترى أن البائع إذا قال: على أني بالخيار في السلعة فمعناه: على أني بالخيار في العوضين, وفي دفع العقد عنهما, ولو شرط في البضع له خيار الثلاثة بطل النكاح, فإذا شرط ذلك في المهر - ومن ضرورته أن لا يبقى مقصورًا عليه محصورًا فيه - صار العقد فاسدًا.
وله في الجديد قول آخر: أن النكاح صحيح.
стр. 1605
مسألة (٤٩٥): المشهور من المذهب في المطلقة المفروض لها قبل المسيس أنها لا تستحق المتعة, بخلاف المدخول بها, فإن أصح القولين أنها تستحق المتعة.
والفرق بينهما: أن الدخول إذا اتصل, فلا بد من استحقاق كمال المهر على مقابلة استهلاك البضع, وكيف يجوز استهلاك منافع البضع ببعض المهر؟ بل لابد من مقابلها بالجميع, إما بجميع المسمى حيث صحت التسمية, وإما بجميع مهر المثل عند عدم صحة التسمية, وإذا صار الصداق بجملته في مقابلة الإصابة بسابق العقد فلا بد من مقابلة العقد بمال, وهو المتعة, وهو معنى قول الشافعي ﵀: بدلًا من العقد حيث وصف المتعة, فإذا لم تنفق الإصابة في ذلك العقد حتى طلقها وله مسمى صحيح, فقد استحقت مع سلامة البضع المسمى, فاستغنى العقد به عن المقابلة بمال آخر.
стр. 1606
فإن قال قائل: المهر الذي استحقته الممسوسة ما استحقته بالمسيس, وإنما استحقته بالعقد.
ألا ترى أن المنكوحة لو كانت يوم العقد مملوكة زيد ويوم الإصابة مملوكة عمرو كان ذلك المهر لزيد, ولو قابل ذلك المهر المسيس لكان لعمرو, كالمتعة تجب لعمرو بالطلاق في ملكه, لأنها تجب يوم الطلاق, ولا تجب لزيد وإن كان العقد في ملك زيد.
قلنا: هذا المهر الذي استحقته الممسوسة استحقته في مقابلة استهلاك البضع (٢٢٦/ ب) , ولكن هذه المقابلة حصلت بالعقد, فإن العقد سبب المقابلة أبدًا في العوضين, فلما أوجبه العقد يوم الوطء استحقه من باشر العقد وهي مملوكة له, والعقد لا يوجب المتعة بحال, وإنما يوجبها الطلاق, ونضعه على مقابلة العقد, فكانت المتعة للمالك الثاني وإن كانت على مقابلة العقد؛ لأن الطلاق كان في ملك المالك الثاني, فلذلك كان المهر للمالك
стр. 1607
الأول وإن كان على مقابلة الاستهلاك الموجود في ملك المالك الثاني, والمقابلة من فوائد العقل.
مسألة (٤٩٦): إذا أعتق الرجل جاريته في مرض موته, ثم تزوجها, ثم مات عنها, فلا ميراث لها.
ولو أعتقها وجهل عتقها صداقها, فنكحها, ثم مات عنها, فلها الميراث.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا أعتقها, وجعل عتقها صداقها, فقد اعتاض عن الرقبة, فخرجت عن باب الوصايا, فلا يؤدي إلى جمع الوصية والميراث في الشخص الواحد.
فأما إذا أعتقها ولم يجعل عتقها صداقها, فهذا العتق في المرض وصية منه, فلو ورثناها لجمعنا بين الإرث والوصية, ولذلك قلنا: إذا أعتق الرجل في مرض موته حميمه الوارث لم يرثه بالدور, وكان في إثبات ميراثه إسقاط ميراثه.
مسألة (٤٩٧): لو أصدقها خمرًا, فطلقها قبل المسيس استحقت نصف مهر المثل, ولو أصدقها خمرًا وكان ذميين وسلم الخمر إليها, ثم طلقها قبل المسيس - والخمر خل - لم يستحق عليها شيئًا, وغلط
стр. 1608
بعض أصحابنا, فجعل نصف الخل حقه.
والفرق بين الحالتين: أنه إذا أصدقها خمرًا ضمن البضع بالعقد لا محالة؛ لأن البضع بنفس العقد يصير كالمستهلك, وإن لم يتحقق فيه الاستهلاك, فإذا طلقها قبل المسيس ألزمناه نصف مهر المثل واعتبرنا ضمان البضع, ولو جعلنا للخمر حكمًا لنصفناها بينهما, فأما جانبها, فليس كذلك, وذلك أنها تضمن للزوج بالطلاق نصف ما ضمنته بالقبض والخمر مقبوض غير مضمون, ولا قيمة له حتى يرجع إلى نصف قيمته, وما حدث من الحموضة زيادة حصلت وحدثت, وكل زيادة حدثت في عين المهر, فليس للزوج حق في تلك الزيادة, ولا فرق في هذه بين الزيادة المتصلة, وبين الزيادة المنفصلة, ألا ترى أن العبد المملوك الممهور لو كان مهزولًا, فسمن أو ولدت الجارية ولدًا لم يكن للزوج حق في تلك الزيادة التي حصلت وتجددت في عين المهر.
стр. 1609
مسألة (٤٩٨): المحرم إذا طلق امرأته قبل المسيس والصداق ظبية وعين الصداق قائمة ارتد نصفها إليه, سواء قلنا: يملك المحرم الصيد بالشراء أو لا يملك ولا ينعقد شراؤه.
ولو أفلس مبتاع الظبية والبائع محرم لم يكن له أن يرجع إلى عين الظبية.
والفرق: أن البائع إذا اختار عين ماله عند المفلس لم يرتد إلى ملكه إلا بقوله: فسخت البيع, فصار اختيار الفسخ, كاختيار الشراء, وهو محرم لا يتملك بالشراء فلا يتملك بفسخ الشراء, فأما إذا طلق فإن نصف المهر يرتد إليه بنفس الطلاق, ولا يتوقف على اختيار يحدث منه.
فإن قال قائل: فما معنى قول الشافعي ﵀ في كتاب الصداق -: "وهذا
стр. 1610
كله ما لم يقض له القاضي به" أفليس يدل هذا الكلام على أن الصداق لا يرجع بالطلاق إليه حتى يوجد سبب سوى الطلاق؟
قلنا: ما أراد الشافعي بهذا اللفظ إلا ظهور الحكم بين الخصمين بالقضاء, فأما في الباطن فإن الملك راجع إلى الزوج بنفس الطلاق, وذلك حكم الله - تعالى - في قوله تعالى: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) والله أعلم.
стр. 1611
كتاب القسم والنشوز
مسألة (٤٩٩): الموهوب له المال إذا امتنع لم يجبر على قبول الهبة, والموهوبة لها الليلة مجبورة على قبول هبة القسم, وليس لها أن تمتنع عن قبولها.
والفرق: أن الواهبة إذا وهبت ليلتها فالزوج عماد هذه الهبة في جانب القبول؛ لأن الحق عليهن له.
ألا/ (٢٢٧/ب) ترى أنه في الابتداء لو أراد أن لا يقسم لواحدة منهن كان له ذلك, فإذا بدا فقسم فوهبت واحدة ليلتها لم يعتبر رضا الموهوبة لها والحق حق الزوج, ولو رضيت الواهبة والموهوبة لها ولم يرض الزوج لم يكن للهبة معنى, فأما سائر
стр. 1612
الهبات فلا تشبه هذه الهبة, وإنما هي تملك مال ابتداء, فيستحيل إجبار الموهوب له على قبول الهبة, والزوج في القسم إذا ساكن الموهوبة لها فإنما يستوفي منها حقًا وجب له عليها, ومن المحال استيفاء حق نكاح عمره من زينب لكنهن إذا تشاححن نالت كل واحدة منهن حقها, وإذا لم يكن مشاححة, أو كانت هبة سقط حق ولم ينتقل حق, فهذه حقيقة هبة القسم؛ ولذلك لا يتصور] منها الاعتياض, فإن الموهوبة لها تستوفي من زوجها حق نفسها, فلا يتصور [أن يتوجه عليها عوض بما تستوفي من الحق الواجب لها.
مسألة (٥٠٠): إذا كان تحت الحر, أو تحت المملوك حرة وأمة, فحق الحرة من القسم ليلتان, وحق الأمة ليلة واحدة, وإن كانت النوبة للحرة والزوج عندها, فعتقت المملوكة دار إليها بليلتين إذا قسم للحرة ليلتين, وإن كانت النوبة للأمة, فعتقت, نظرنا في وقت عتقها: فإن عتقت وقد بقيت بقية من نوبتها ولو ساعة واحدة أكمل لها
стр. 1613
ليلتين, وإن انقضت نوبتها بتمامها, ثم عتقت لم يكن لها في هذه النوبة حق الزيادة.
والفرق بين المسألتين: أنها إذا عتقت وقد بقيت بقية من النوبة, فقد استفادت فضيلة الحرية قبل استكمال حقها من القسم بتمامه, فاستحقت تمام حق الحرية, فأما إذا استوفت نوبتها, ثم عتقت فإن العتق قد حصل بعد استيفاء حقها في الرق.
ومثال هذا قال الشافعي ﵀ في العبد إذا عتق بعدما طلق زوجته طلقتين: فهي حرام عليه حتى تنكح زوجًا غيره, ولو عتق بعد طلقة, فقد ملك عليها تمام الثلاث.
وكذلك قال الشافعي ﵀: "إذا أسلم العبد وأسلمت حرة, فعتق فأسلمت حرائر كان له منهن أربع, ولو أسلم وأسلمت حرتان, ثم عتق لم يكن له أن يمسك بعقد الشرك إلا اثنتين من أي الأربع شاء.
стр. 1614
مسألة (٥٠١): المرأة إذا سافرت في حاجة لها, فلا قسم لها, ولا نفقة, وإن سافرت بإذن الزوج.
فأما إذا سافرت في حاجة له بإذنه, فنفقتها وقسمها وحقوقها غير ساقطة.
والفرق بين المسألتين: أن الإذن وإن حصل في المسألة الأولى (٢٢٧/ ب) , فإنها مشتغلة في سفرها بحاجتها وشغلها, والزوج في هذه الأيام ممنوع بالمسافرة - عن الاستمتاع إن أراد الاستمتاع.
فأما إذا كان سفرها في حاجته, فنفسها مسلمة إليه مصروفة المنافع إلى جهة مخصوصة بتصرف صادر من جهة الزوج, ومعلوم أن المستأجر أجير الشغل ولو شغله مدة الإجارة بغير ذلك الشغل كانت له الأجرة مستقرة عليه؛ لأن الأجير قد سلم إليه نفسه, فشغله بما شاء.
فإن قال قائل: فما تأثير إذن الزوج؟
قلنا: تأثير إذنه: أن سفرها لا يكون سفر عصيان ونشوز محض إذا استند إلى الإذن من جهة الزوج, وليس من فوائد إذنه بقاء حقها في القسم والنفقة.
مسألة (٥٠٢): إذا عجز الرجل عن نفقة بعض نسائه وقدر على نفقة بعضهن فلا
стр. 1615
قرعة, ولكن للمرأة التي لا يعطيها نفقتها الخيار في فسخ النكاح.
فأما إذا أراد سفرًا أو عجز عن استصحاب جميعهن جرت القرعة بينهن, وحق القسم, بخلاف حق النفقة والكسوة والمسكن.
والفرق بينهما: أن أصل القسم مفوض إلى اختيار الزوج.
ألا ترى أن الرجل لو كان تحته أربع نسوة ولم يقسم لواحدة منهن فلا حرج عليه, ولكن إذا بدأ فقسم لواحدة ثبت للباقيات طلب التسوية, وكذلك لو قسم بينهن فأراد أن يعتزل ليلة أو ليالي, ثم يعود إلى الترتيب كان له الاعتزال, فلذلك قلنا: إذا بدا له سفر وعجز عن استصحاب جميعهن كان الاختيار إليه في العدد بعد الإقراع للتعيين.
فأما النفقة فإنها واجبة عليه كل يوم لكل واحدة منهن, وليس له التأخير ولا الاختيار, وكذلك السكنى والكسوة, فإذا عجز عن تعميمهن بها وقدر على
следующие страницы →