Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
كتاب القسم والنشوز
مسألة (٤٩٩): الموهوب له المال إذا امتنع لم يجبر على قبول الهبة, والموهوبة لها الليلة مجبورة على قبول هبة القسم, وليس لها أن تمتنع عن قبولها.
والفرق: أن الواهبة إذا وهبت ليلتها فالزوج عماد هذه الهبة في جانب القبول؛ لأن الحق عليهن له.
ألا/ (٢٢٧/ب) ترى أنه في الابتداء لو أراد أن لا يقسم لواحدة منهن كان له ذلك, فإذا بدا فقسم فوهبت واحدة ليلتها لم يعتبر رضا الموهوبة لها والحق حق الزوج, ولو رضيت الواهبة والموهوبة لها ولم يرض الزوج لم يكن للهبة معنى, فأما سائر
стр. 1612
الهبات فلا تشبه هذه الهبة, وإنما هي تملك مال ابتداء, فيستحيل إجبار الموهوب له على قبول الهبة, والزوج في القسم إذا ساكن الموهوبة لها فإنما يستوفي منها حقًا وجب له عليها, ومن المحال استيفاء حق نكاح عمره من زينب لكنهن إذا تشاححن نالت كل واحدة منهن حقها, وإذا لم يكن مشاححة, أو كانت هبة سقط حق ولم ينتقل حق, فهذه حقيقة هبة القسم؛ ولذلك لا يتصور] منها الاعتياض, فإن الموهوبة لها تستوفي من زوجها حق نفسها, فلا يتصور [أن يتوجه عليها عوض بما تستوفي من الحق الواجب لها.
مسألة (٥٠٠): إذا كان تحت الحر, أو تحت المملوك حرة وأمة, فحق الحرة من القسم ليلتان, وحق الأمة ليلة واحدة, وإن كانت النوبة للحرة والزوج عندها, فعتقت المملوكة دار إليها بليلتين إذا قسم للحرة ليلتين, وإن كانت النوبة للأمة, فعتقت, نظرنا في وقت عتقها: فإن عتقت وقد بقيت بقية من نوبتها ولو ساعة واحدة أكمل لها
стр. 1613
ليلتين, وإن انقضت نوبتها بتمامها, ثم عتقت لم يكن لها في هذه النوبة حق الزيادة.
والفرق بين المسألتين: أنها إذا عتقت وقد بقيت بقية من النوبة, فقد استفادت فضيلة الحرية قبل استكمال حقها من القسم بتمامه, فاستحقت تمام حق الحرية, فأما إذا استوفت نوبتها, ثم عتقت فإن العتق قد حصل بعد استيفاء حقها في الرق.
ومثال هذا قال الشافعي ﵀ في العبد إذا عتق بعدما طلق زوجته طلقتين: فهي حرام عليه حتى تنكح زوجًا غيره, ولو عتق بعد طلقة, فقد ملك عليها تمام الثلاث.
وكذلك قال الشافعي ﵀: "إذا أسلم العبد وأسلمت حرة, فعتق فأسلمت حرائر كان له منهن أربع, ولو أسلم وأسلمت حرتان, ثم عتق لم يكن له أن يمسك بعقد الشرك إلا اثنتين من أي الأربع شاء.
стр. 1614
مسألة (٥٠١): المرأة إذا سافرت في حاجة لها, فلا قسم لها, ولا نفقة, وإن سافرت بإذن الزوج.
فأما إذا سافرت في حاجة له بإذنه, فنفقتها وقسمها وحقوقها غير ساقطة.
والفرق بين المسألتين: أن الإذن وإن حصل في المسألة الأولى (٢٢٧/ ب) , فإنها مشتغلة في سفرها بحاجتها وشغلها, والزوج في هذه الأيام ممنوع بالمسافرة - عن الاستمتاع إن أراد الاستمتاع.
فأما إذا كان سفرها في حاجته, فنفسها مسلمة إليه مصروفة المنافع إلى جهة مخصوصة بتصرف صادر من جهة الزوج, ومعلوم أن المستأجر أجير الشغل ولو شغله مدة الإجارة بغير ذلك الشغل كانت له الأجرة مستقرة عليه؛ لأن الأجير قد سلم إليه نفسه, فشغله بما شاء.
فإن قال قائل: فما تأثير إذن الزوج؟
قلنا: تأثير إذنه: أن سفرها لا يكون سفر عصيان ونشوز محض إذا استند إلى الإذن من جهة الزوج, وليس من فوائد إذنه بقاء حقها في القسم والنفقة.
مسألة (٥٠٢): إذا عجز الرجل عن نفقة بعض نسائه وقدر على نفقة بعضهن فلا
стр. 1615
قرعة, ولكن للمرأة التي لا يعطيها نفقتها الخيار في فسخ النكاح.
فأما إذا أراد سفرًا أو عجز عن استصحاب جميعهن جرت القرعة بينهن, وحق القسم, بخلاف حق النفقة والكسوة والمسكن.
والفرق بينهما: أن أصل القسم مفوض إلى اختيار الزوج.
ألا ترى أن الرجل لو كان تحته أربع نسوة ولم يقسم لواحدة منهن فلا حرج عليه, ولكن إذا بدأ فقسم لواحدة ثبت للباقيات طلب التسوية, وكذلك لو قسم بينهن فأراد أن يعتزل ليلة أو ليالي, ثم يعود إلى الترتيب كان له الاعتزال, فلذلك قلنا: إذا بدا له سفر وعجز عن استصحاب جميعهن كان الاختيار إليه في العدد بعد الإقراع للتعيين.
فأما النفقة فإنها واجبة عليه كل يوم لكل واحدة منهن, وليس له التأخير ولا الاختيار, وكذلك السكنى والكسوة, فإذا عجز عن تعميمهن بها وقدر على
стр. 1616
نفقة بعضهن كان له أن يختار منهن من شاء بالقدر المقدور عليه, ثم للباقيات خيار الفسخ بالإعسار, كما ثبت هذا الحق لكل واحدة منهن على الانفراد عند الانفراد.
стр. 1617
كتاب الخلع
مسألة (٥٠٣): قال الشافعي ﵀ في أصل الخلع -: " خرج رسول الله ﷺ إلى صلاة الصبح, فوجد حبيبة بنت سهل عن بابه, فقال رسول الله ﷺ : من هذه؟ فقالت: أنا حبيبة بنت سهل لا أنا ولا ثابت - لزوجها - فلما جاء ثابت قال له رسول الله ﷺ : هذه حبيبة تذكر ما شاء الله أن تذكر فقالت حبيبة: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي, فقال رسول الله ﷺ : خذ منها, فأخذ منها, وجلست في أهلها".
стр. 1618
ثم قال الشافعي ﵀: "ولم يقل لا يأخذ منها إلا في قبل عدتها, كما أمر المطلق غيره".
ومراده بهذا: الفرق بين حديثين, أحدهما: هذا, والثاني: حديث عبد الله بن عمر ﵄: "أنه طلق امرأته في الحيض, فجاء عمر ﵁ فسأل رسول الله ﷺ ، فقال: مره فليراجعها, ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر, ثم إن شاء طلقها بعد, وإن شاء أمسكها, فتلك العدة التي أمر الله - تعالى - أن تطلق لها النساء, ففي هذا الحديث أمر بتأخير الطلاق الثاني إلى الطهر, ولم يأمر في الحديث الأول بتأخير الخلع إلى الطهر, وهذا هو المذهب, ولا يعرف فيه خلاف, وهو: أن الخلع
стр. 1619
مباح في الحيض,] والطلاق من غير خلع غير مباح في الحيض [.
والفرق بينهما: أن الرجل إذا أراد ابتداء الطلاق من غير مفاداة فالمرأة غير راضية بطول العدة, وما وطنت نفسها على ذلك, فإذا طلقها في الحيض لم يحتسب في حساب عدتها بقية الحيض, بل تحتسب أول عدتها من أول الطهر القابل, في ذلك تطويل العدة عليها؛ فلذلك سميناه طلاق بدعة, وأما المختلعة, فقد وطنت نفسها على التزام الضرر ورضيت به.
ألا ترى كيف رضيت ببذلك المال لأجل الاختلاع, وزيادة أيام في العدة أهو من بذل المال على الخلع؛ فلذلك حكمنا بأن الخلع في الحيض, وفي الطهر سواء.
وإذا تقرر هذا الفرق قلنا في الطهر المشتمل على الإصابة بالفرق, كما قلنا في الحيض بالفرق, فإذا أصاب الرجل امرأة في طهر, ثم طلقها فيه من غير خلع كان الطلاق طلاق بدعة؛ لاحتمال اشتمال الرحم على الولد لخوف الندامة العظمى, ولو
стр. 1620
خالع في مثل هذا الطهر لم يكن بدعة؛ لم ذكرناه: من أنها قد وطنا أنفسهما على أنواع الضرر بسبب الشقاق الظاهر بينهما.
ولمثل هذه النكتة فصلنا بين طلاق الحايل والحامل, فلم نجعل طلاق الحامل بدعة؛ لأنهما راضيان بما يلحق من ندامة على الولد, والطلاق يحصل على بصيرة, فإذا كانت حائلًا أصابها في الطهر, ثم طلقها لم نأمن أن تكون حبلى, وأن يلحقه الندامة بالطلاق.
مسألة (٥٠٤): إذا خالع الرجل امرأته على دينار وتشارطا أنها متى شاءت استرجاع الدينار رده عليها على أن يكون له/ (٢٢٨/ ب) الرجعة إذا ردت الدينار, فالخلع فاسد, والفرقة واقعة, وله عليها مهر المثل, ولو شرط فقال: خالعتك بدينار على أن لي الرجعة, فاختلعت على ذلك, فله الرجعة, ولا يلزمها الدينار.
стр. 1621
والفرق بين المسألتين: أنه في المسألة الأولى راض في أصل الخلع بقطع الرجعة غير أنه اشترطها في الثاني إن رغبت في استرجاع الدينار, فانقطعت الرجعة في الحال, وبطل الشرط في الثاني, وفسدت التسمية, ووجب مهر المثل.
فأما في المسألة الثانية فإنه في أصل الخلع يشترط استبقاء الرجعة مع اللفظ, وما رضي بقطعها وانقطاعها قط, واشترط عليها المال مع الرجعة, واجتماعهما محال, فلا بد من تغليب أحدهما على الثاني, وأقواهما: أولاهما بالبقاء والاستبقاء, والرجعة هي الأقوى, والدليل على أنها أقوى من المال: أن الرجعة تثبت بمجرد الطلاق, وأن المال لا يثبت إلا بالشرط, وأن الرجعة مستفادة بالنكاح, والمال إنما يستفاد بالطلاق.
مسألة (٥٠٥): إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق على ألف, فقالت: قبلت الطلاق ولم أقبل الألف فالطلاق غير واقع.
ولو كانت المرأة محجورًا عليها فقال لها: أنت طالق على ألف, فقالت:
стр. 1622
قبلت الطلاق والألف لم يلزمها الألف ووقع الطلاق, نص عليه الشافعي ﵀.
والفرق بين المسألتين: أنها إذا قالت: قبلت الطلاق ولم أقبل الألف لم يؤخذ من جانبها الوصف الذي يعلق الطلاق به, وهو: قبول المال, ومعقول أن الخلع عن جانب الزوج ينتمي إلى أصلين: أحدهما: التعليق, والثاني: المعاوضة, وهو من جانب المرأة معاوضة محضة, فإذا كان من ضرورة الخلع تعليق الطلاق] بالوصف من جانب الزوج - وقد علق طلاقها بقبول المال - فإذا لم تقبل لم يوجد الوصف وإذا لم يوجد الوصف لم يقع الطلاق [.
فأما إذا كانت محجورًا عليها, فقبلت المال والطلاق فقد وجد الوصف من جهتها وهو: قبول المال, فأما صحة القبول ولزوم المال فهو وصف آخر, والطلاق غير معلق به فلا يتوقف وقوعه عليه.
стр. 1623
مسألة (٥٠٦): قال الشافعي ﵀: "إذا بقي للرجل على امرأته تطليقتان, فقالت: طلقني ثلاثًا بألف, فطلقها واحدة, استحق ثلث الألف, فإن طلقها طلقتين استحق/ (٢٢٩/ أ) عليها جميع الألف".
والفرق بين الحالتين: أنه إذا طلقها واحدة من الاثنتين فقد أعطاها من العدد المقصود ثلثه, ولم يحرمها الحرمة الكبرى, فاستحق عليها من المال المضمون ثلثه؛ لأنه مقدار مقابل المقدار, فأما إذا طلقها اثنتين, فقد أوقع عليها جميع ما ملك, وذلك غاية مقصودها, والزوج لا يملك غير هذه الغاية؛ فلذلك استحق عليها جميع الألف بإيقاع الطلقتين وثلث الألف بإيقاع الواحدة,] ولو لم يبق له عليها من الطلاق إلا واحدة [, فقالت: طلقني ثلاثًا بألف, فأرسل الواحدة الباقية استحق عليها جميع الألف.
стр. 1624
وعلى هذا فرع بعض مشايخنا فقال: لو سألت عشر تطليقات بألف, فطلقها طلقة استحق عليها عشر الألف, ولو طلقها طلقتين استحق الخمس, ولو طلقها ثلاثًا استحق الألف بكمالها.
مسألة (٥٠٧): إذا بدأ الزوج فقال: أنت طالق ثلاثًا بألف, فقالت: قبلت واحدة بثلث الألف, فلا طلاق, وإن قالت: قبلت واحدة] بجميع الألف وقع الثلاث, ووجب جميع الألف.
الفرق بينهما: أنها إذا قال: قبلت واحدة [بثلث الألف, فقد امتنعت عن قبول جميع المال, ووقوع الطلاق معلق بقبول جميعه, فلا بد من وجود الوصف, لإمكان إيقاع الطلاق, فإن الخلع من جانبه - على ما وصفنا - تعليق ومعاوضة, فأما إذا قالت: قبلت واحدة بجميع الألف, فقد صار الوصف موجودًا؛ لأن الوصف قبولها جميع المال, فأما إيقاع الطلاق, فليس إليها,
стр. 1625
وكذلك ليس إليها الاختيار في العدد, فمتى ما قبلت واحدة بجميع الألف وقعت الثلاث معًا, ولم يتقدم بعضها على بعض, ولو تقدمت واحدة بالوقوع لاستحال وقوع الثانية, فالثالثة؛ لأن المختلعة لا يلحقها الطلاق, ويستحيل الترتيب في الوقوع واللفظ لفظ الجمع.
مسألة (٥٠٨): إذا قال لها: إن أعطيتني ألف درهم فأنت طالق - ودراهم البلد فتحية وهي: التي أكثرها فضة ويخالطها من الغش مقدار درهم وزيادة - فجاءت بدراهم كلها نقرة خالصة ردية إذا كانت النقرة, أو جيدة فأعطتها إياه, وقع الطلاق, ولزمه رد تلك الدراهم عليها, ولزمها ألف درهم فتحية, وهي نقد البلد, فصرفنا وقوع الطلاق إلى ما أعطت, وصرفنا الاستحقاق إلى غير ما أعطيت. ك
وإنما فعلنا ذلك؛ لأنها أصلان مفترقان متباينان, أحدهما: التعليق, والثاني: المعاوضة, فمن حق التعليق أن لا يقع / (٢٢٩/ب) الطلاق إلا بحقيقة الوصف, وحقيقة الوصف ها هنا في حقيقة الاسم, وحقيقة الاسم: الدراهم التي تكون نقرة خالصة لا يشوبها شيء, فأما المغشوشة فلا تنطلق عليها حقيقة اسم
стр. 1626
الدراهم؛ فلذلك لا يقع الطلاق بإعطائها إياها وإن كانت هي نقد البلد,] ووقع الطلاق بإعطاء غيرها, وإن لم تكن نقد البلد [.
] وأما الأصل الثاني: وهو المعاوضة, فإنها تنصرف إلى نقد البلد [المعتاد في المعاوضات, وهي الدراهم الفتحية؛ فلذلك استحق عليها ألفًا فتحية, ولزمه أن يرد عليها ما أخذ منها.
فإن قيل: أليس إذا قال لها: إن أعطيتني عبدًا فأنت طالق, فأعطته عبدًا وقع الطلاق, ولزمه رد العبد, ولما لزمه رد العبد رجعنا إلى مهر المثل لا إلى المسمى, ولا إلى قيمة المسمى, فهلا قلتم في هذه المسألة بإيجاب مهر المثل لما لزمه رد ما وقع الطلاق بإعطائه؟
قلنا: الفرق بينهما: أنه إذا قال: إن أعطيتني عبدًا فأنت طالق: فالمسمى مجهول, وبهذا اللفظ لا يتصور استحقاق العبد في المعاوضات, فألزمناه - بسبب الجهالة - الرجوع إلى مهر المثل, فأما المسألة الأخرى التي نحن فيها, فالمسمى فيها معلوم وهو: ألف درهم, وإطلاق النقد ليس بجهالة إذا كان في البلد نقد واحد,
стр. 1627
حتى إذا كان في البلد نقود مختلفة كانت المسألتان سواء في الرجوع إلى مهر المثل.
مسألة (٥٠٩): إذا اختلف الزوجان في بدل الخلع, فقال الزوج: خالعتك على ألف درهم قد ضمنتيها لي, وقالت المرأة: بل على سبعمائة ضمنتها] لك: تحالفا, والفرقة واقعة.
ولو قال الزوج: خالعتك على ألف ضمنتيها [لي, فقالت: ضمنها لك فلان نظر, فإن قالت هذا القول على معنى أن المخالعة جرت بينك وبين فلان فلا تحالف بينهما, والقول قول المرأة مع يمينها أني ما اختلعت منك, وإن تصادقا على أن لفظ الخلع جرى بينهما ولكن ادعت المرأة أني قلت لك: اختلعت على ألف درهم ضمنها فلان, وكان فلان وكلني وأمرني بهذه العبارة, فقال الزوج: بل اختلعت بعبارة مطلقة والتزمت المال تحالفا في ظاهر نص الشافعي ﵀ حيث قال: "فإن قالت: علي ألف درهم ضمنها لك غيري, أو قالت: علي ألف فلس, فأنكر: وكان له عليها مهر المثل".
стр. 1628
والفرق بين هاتين الصورتين: أنها إذا جحدت أصل العبارة فقالت/ (٢٣٠/ أ): ما خالعتني وإنما خالعت فلانًا, فهي غير معترفة بأن عقد الخلع جرى بينهما, ولكن إذا ادعى الزوج على المرأة أنها عاقدته عقدًا والمرأة جاحدة فالقول قولها؛ لأن كل من ادعى عليه عقد من العقود وهو جاحد فالقول قوله إنه لم يعقد ذلك العقد, فأما الصورة الثانية: فهما معترفان بأن العقد قد جرى بينهما, ولكنها مختلفان في لفظ من ألفاظ العقد, ووصف من أوصافه, فالزوج يقول: كان اللفظ مطلقًا فتوجه المال عليك بإطلاق اللفظ, والمرأة تقول: ما أطلقت اللفظ, ولكن أضفت إلى غيري على جهة النيابة, لا على جهة المباشرة, فصارا كالمختلفين في بعض أوصاف البيع, إما في إثبات الخيار ونفيه, وإما في مقدار الثمن, وإما في مقدار الأجل, فحكمها بالتحالف في جميع هذه الصور.
مسألة (٥١٠): السفيه المحجور عليه إذا خالع زوجته على ألف ومهر مثلها ألفان صحت المخالعة على ألف.
ولو كانت المرأة سفيهة محجورًا عليها فاختلعت بألفين ومهر مثلها ألف
стр. 1629
أوجبنا مهر المثل, ولم نزد عليه.
وإنما فصلنا بينهما؛ لأن السفيه لو أراد الطلاق مع الحجر - على غير عوض - كان له ذلك وكان طلاقه واقعًا؛ لأنه بمعزل عن الحجر وعن ولاية الحجر, فإذا أخذ عوضًا - وإن كان قليلًا - كان أولى بالجواز, وهذا معنى قول الشافعي ﵀: "وإذا أجزت طلاق السفيه بلا شيء كان ما أخذ عليه جعلًا أولى".
فأما السفيهة فإنها باذلة مالًا بالاختلاع, وبذل المال بالعقود وغير العقود مما دخل تحت سلطان الحجر, فإذا زادت على مهر المثل كانت كما لو اشترت سلعة بأكثر من قيمة مثلها, فلا يصح شراؤها بجميع الثمن وإنما يصح شراؤها بثمن المثل مع الإذن.
стр. 1630
[فإن قيل: إنها إذا اختلعت بمقدار مهر المثل في حالة الحجر مع الإذن [فقد بذلك مالًا وما قبضت مالًا, فالقياس يقتضي أن لا يجوز أصل خلعها وإن لم يزد على مهر مثلها.
قلنا: إنها بالخلع تملك بعضها ويزول ملك الزوج عنها فجرى ذلك مجرى تملك المال في مقابلة المال.
ألا ترى أن الرجل إذا نكح في مرض موته بمهر المثل جعلناه, كمبتاع سلعة بقيمة المثل, ونزلنا البضع الذي تملكه بمنزله مال تموله, ولم نجعله في بذل المهر بمنزلة المتبرع الموصي, أو الواهب هبة الثواب, فكذلك الزوجة ملكت البضع بالخلع فجعلناها, كالمالكة المال, والله أعلم.
стр. 1631
كتاب الطلاق
مسألة (٥١١): قال الشافعي ﵀: "إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثًا للسنة في كل قرء واحدة وكانت طاهرًا حبلى وقعت في الحال طلقة واحدة, ولم تقع الثنتان - إن كانت تحيض على الحبل أو لا تحيض - حتى تلد, ثم تطهر, وإن لم يحدث لها رجعة حتى تلد بانت بانقضاء العدة, ولم يقع عليها غير الأولى"، هذا كلامه في الحبلى, ولو قال هذه المقالة لغير الحبلى وقع عليها ثلاث تطليقات في ثلاثة أقراء, فلم يعتبر الشافعي ﵀ أقراء الحامل في حكم إيقاع الطلقات, واعتبرها في حكم الصلاة والصوم ومباشرة الزوج - على أحد القولين -
стр. 1632
فحرم مباشرة الحائض وأسقط الصلاة عنها في أيام الدم.
والفرق بين حكم إيقاع الطلاق وبين حكم العبادة والمباشرة: أن العبادات مؤقتة بزمان مخصوص, وكذلك تركها وسقوطها من المعاني المؤقتة بزمان مخصوص, فإذا حاضت فقد دخل عليها وقت إسقاط الصلاة وترك الصيام وتحريم المقاربة إلى أن تطهر, فإذا طهرت دخل عليها - بالطهر - وقت وجوب الصلاة وصحة الصيام وهي ما دامت في الحيض كان حالها منافيًا لحالة الطهارة, والطهارة شرط في صحة الصلاة.
فأما توزيع الطلقات على الأقراء - عند إطلاق اللفظ - فإنما يستقيم ذلك في الأقراء المطلقة, والأقراء المطلقة هي: أقراء الحايل لا أقراء الحامل, والدليل على هذا أن الله قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ
стр. 1633
قُرُوَءٍ﴾ فلم تنصرف هذه القروء المطلقة إلى قروء الحامل] وهي قروء العدة, وكذلك قروء العدة للطلاق؛ ولإيقاعه لا تنصرف إلى قروء الحامل [إلا أن ينوي, فإذا نوى بذلك غير ما يقتضيه اللفظ المطلق غيرنا الحكم حينئذ بسبب النية الموجودة.
مسألة (٥١٢): إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثًا بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة, فقد قال الشافعي ﵀: "وقع عليها اثنتان في أي الحالتين كانت يعني: حالة السنة, أو حالة البدعة والأخرى إذا صارت في الحال الأخرى"، فجعل البعض في هذه المسألة لفظًا في إيقاع الثنتين, وقد قال الشافعي ﵀: "لو قال لأربع نسوة: أوقعت/ (٢٣١/ أ) بينكن تطليقة كانت كل واحدة منهن طالقًا واحدة, وكذلك
стр. 1634
طلقتين وثلاثًا وأربعًا. يعني: لو قال أوقعت بينكن ثلاثًا, أو قال: أوقعت بينكن أربعًا - وليست له نية في الكيفية - لم تطلق كل واحدة منهن إلا طلقة واحدة فكأنه في الظاهر أخذ في المسألة الأولى بأكثر ما يحتمله اللفظ؛ لأن البعض يصلح للواحدة ولما دون الواحدة, ولم يأخذ في المسألة الثانية بالأكثر, لأن قوله: أوقعت بينكن ثلاثًا يحتمل إيقاع ثلاث على كل واحدة منهن بأن يوقع من كل طلقة بعضًا على كل واحدة؛ ولهذا الإشكال اختار المزني في المسألة الأولى إيقاع واحدة في الحال الأولى أخذا بالأقل ومصيرًا إليه.
والفرق بين المسألتين: أن الشافعي ﵀ في المسألة الأولى استعمل لفظًا يقتضي ظاهرة تسوية وتنصيفًا وهو: لفظ البعض, فإن الرجل إذا قال بعض هذا المال لفلان وبعضه لفلان كان الظاهر من هذه العبارة أن فلانًا وفلانًا سواء في المال, وما منزلته إلا منزلة لفظ الشرطة, ولو أن رجلًا اشترى
стр. 1635
عبدًا بألف وقال له رجل عالم بمقدار الثمن: أشركني في بيع هذا العبد, فقال: أشركتك حكمنا بالتنصيف, وجعلنا نصفه مبيعًا منه بخمسمائة, وما صرح بلفظ التنصيف, ولكن تلفظ بلفظة ظاهرها التنصيف, فجرينا على ظاهرها/ (٢٣١/ ب) ,] وكذلك إذا قال: أنت طالق ثلاثًا بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة, فالظاهر [من هذا اللفظ إيقاع النصف في حالة والنصف في الحالة الأخرى, ونصف الثلاثة طلقة ونصف, والنصف يصير طلقة كاملة, فأوقعنا في الحال طلقتين وأخرنا الثالثة إلى الحالة الأخرى.
فأما في المسألة الثانية, فليس في عبارتها لفظ ظاهر يدل على إيقاع جزء من كل طلقة على كل واحدة, فإنه قال: أوقعت بينكن ثلاث تطليقات, أو أربع تطليقات, والظاهر من قوله: أوقعت بينكن: أنه سوى بين النساء في مقدار ما يوقع على كل واحدة منهن, فقسمنا عليهن ثلاث تطليقات فخص كل واحدة منهن ثلاثة أرباع طلقة من الثلاث, وطلقة كاملة من الأربع, إلا أن يقول: نويت قسمة كل طلقة على جميعهن فنأخذ حينئذ بنيته ونوقع بلفظ الثلاث ثلاث تطليقات على كل واحدة منهن.
فإن قال قائل: أرأيت لو قال قائل: هذا المال بين فلان وفلان - والمال دنانير معدودة, أو ثياب, أو ما أشبههما - أليس مقتضى هذا اللفظ الشيوع في
стр. 1636
الاستحقاق بظاهره حتى يكون لكل واحد منهما في كل دينار نصفه ما لم يتقاسما؟
قلنا: هذا اللفظ بظاهره لا يقتضي نهاية الشيوع, بل يجوز أن يقال: هذه الدار بين زيد وعمرو, على معنى أن أحد النصفين بعينه لزيد والنصف الثاني لعمرو, كما يجوز أن يطلق على الشيوع؟
مسألة (٥١٣): إذا قال لها: أنت طالق؛ لدخول الدار وقع الطلاق في الحال دخلتها أو لم تدخلها.
ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار توقف الوقوع على الدخول.
والفرق بينهما: أنه إذا قال: أنت طالق؛ لدخول الدار فقد علل الطلاق المنجز, وإذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار فقد علق الطلاق, والتعليق خلاف التعليل, وليس من شرط التعليل أن يكون صادقًا فيه, فإنه لو قال: طلقتك ثلاثًا؛ لأنك قد كلمت فلانًا طلقت ثلاثًا, وإن ثبت أنها لم تكلم فلانًا, وإذا علق بالوصف اقتضى التعليق وجود الوصف, وقد قال الشافعي ﵀: "لو قال: أنت طالق لفلان, أو لرضا فلان طلقت مكانه"، ولم يشتغل باعتبار
стр. 1637
وجود رضى فلان؛ ولذلك قلنا: إذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار بفتح الألف طلقت في الحال دخلت أو لم تدخل, وإذا كسر الألف لم يقع الطلاق إلا بالدخول.
وحكي أن أبا يوسف قال للخليل/ (٢٣٢/ ب) بن أحمد, ضيعت أيامك في الأدب, فسكت الخليل حتى جرى في المجلس بعد فروع الطلاق فألقى الخليل عليه, فقال: ما تقول: في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار بالفتح, أو قال: إن دخلت الدار بالكسر, فقال: لا فرق بينهما, فقال: أيها القاضي: ضيعت أيامك.
مسألة (٥١٤): إذا قال الرجل إن قتل زيد عمرًا في المسجد فأنت طالق, فرمى زيد من المسجد سهمًا فأصاب عمرًا - وعمرو خارج المسجد - فقتله لم يقع الطلاق.
стр. 1638
ولو قال: إن قذف زيد عمرًا في المسجد فأنت طالق, فقذفه والقاذف في المسجد والمقذوف خارج المسجد - حكم بوقوع الطلاق.
والفرق بينهما: مراعاة وقوع الإطلاق في عرف العبارتين, وذلك: أنك إذا أطلقت, فقلت: قتل فلان فلانًا في المسجد, فظاهر ما يفهم من هذا اللفظ أن المقتول كان في المسجد, فقتل فيه, ولم يعظم حرمة المسجد/ (٢٢٣/ ب) في قتله, وليس المرد من إطلاق هذه العبارة أنه قتل في الشارع بفعل وجد في المسجد من القاتل, فاعتبرنا في القتل كون المقتول في المسجد, فما يعقل من ظاهر هذا اللفظ أن القاذف ترك تعظيم المسجد بذكر لفظ القذف فيه؛ فلذلك اعتبرنا في القذف خلاف ما اعتبرنا في القتل.
مسألة (٥١٥): قال الشافعي ﵁: "لو قال لها إن لم تكوني حاملًا فأنت طالق وقف عنها حتى يمر عليها دلالة على البراءة من الحمل"، يعني: الحيض, فجعل الحيض في هذه المسألة دليلًا على عدم الحمل, وقطع القول به, وقد صرح في غير هذا الموضع بأن الحامل تحيض, وهو أشهر قوليه, ولم يجهل الحيض دلالة على براءة الرحم, وإذا عرفت
стр. 1639
قاعدة المذهب في حيض الحامل عرفت طريقة المذهب في المسألتين, اعلم أن الشافعي - رحمة الله عليه - لا يدعي أن الحامل تحيض غالبًا, وإنما يدعي ذلك في الوجود نادرًا, فأما إذا صرنا إلى عادات النساء, فالغالب من عاداتهن: أن الحامل لا تحيض, بل إذا اشتمل الرحم على الولد استمسك فم الرحم وانسد, فلا يكاد يخرج الحيض إلا نادرًا, غير أن الموجود النادر في أحكام الأرحام محكوم به وله.
ألا ترى أنا جعلنا أكثر الحيض: خمسة عشر يومًا, وأقل النفاس: لحظة, ووجود هذا من النوادر, وحكمه ثابت؛ فلذلك إذا وجدنا في آحاد النساء امرأة تحيض على الحبل, وتطهر, حيضًا مستقيمًا وطهرًا مستقيمًا علقنا على دمها حكم الحيض.
فأما قول الرجل لامرأته: إن كنت حاملًا فأنت طالق, أو إن لم تكوني حاملًا, فالمنع من الوطء وإباحة الوطء في مثل هذه المنزلة لا يعلق بالنوادر, وإنما يعلق بالظاهر, والظاهر من الحيض أنه دليل على براءة الرحم؛ ولذلك قلنا: إذا اشترى جارية, أو سبى جارية, فحاضت وطهرت حل له وطؤها, وقد
стр. 1640
يحتمل أن تكون حبلى, ولكن الحيض والحمل من النوادر, وفقد الحمل مع الحيض من الظاهر فأبحنا له الوطء على الظاهر.
ثم اعلم: أن قول الشافعي ﵀: وقف عنها حتى تمر عليها دلالة البراءة وقف استحباب وندب, لا وقف حظر وتحريم؛ لأن الأصل أنها منكوحته, وأن الوطء حلال له, وقد شك في وقوع طلاقه, فلا يصير شكه في وقوع الطلاق سببًا لتحريم الوطء.
مسألة (٥١٦): إذا وكل وكيلًا بالطلاق كان للوكيل أن يطلق متى شاء/ (٢٢٣/ أ) , وإذا خير امرأته وملكها طلاقها ففارقت ذلك المجلس, ثم أوقعت الطلاق فالصحيح من المذهب أنه لا يقع.
стр. 1641
والفرق بينهما: أنه إذا وكل وكيلًا, فقبل الوكالة فهذا عقد تعاقداه بينهما, وتم مقتضاه, فللوكيل أن يقوم بحق الوكالة متى شاء إذا لم يكن من الموكل تخصيص وقت وتعيين زمان, فأما إذا خيرها - والتخيير أحد طرفي العقد - فإنه تمليك, كالتمليك في البيوع, وسائر العقود, وعقد التمليك إذا وجد أحد طرفيه كان شرط طرفه الثاني أن يوجد في المجلس على القرب.
والدليل على أنه تمليك: دليلان اثنان:
أحدهما: أن الخاطب من الزوج في عرف المجاوزة يقتضي جوابًا, كما أن الإيجاب في البيع يقتضي استيجابًا, ثم عادة جواب الخطاب المقارنة, وأما التوكيل فلا يقتضي تنفيذًا عاجلًا لا محالة.
والدليل الثاني: أن القائلين باشتراط القبول في الوكالة والقائلين بأنه غير مشروط متفقون على أن الرجل إذا قال لامرأته: ملكتك نفسك أو طلقي
стр. 1642
نفسك فلا تحتاج إلى أن تقول: قبلت منك, ثم تشتغل بالطلاق, بل لها أن تجعل التطليق عين الجواب, فدل على أنه من باب الإيجاب والاستيجاب, لا من باب الوكالة.
مسألة (٥١٧): إذا قال الرجل لامرأته ملكتك نفسك, أو قال: طلقي نفسك فلم تجبه حتى قال: رجعت عما قلت, أو قال: عزلتك, فالمذهب الصحيح أنها لا تنعزل, فإذا أوقعت الطلاق على القرب وقع الطلاق.
ولو قال رجل لآخر: بعت منك عبدي هذا بألف فلم يقل اشتريت حتى قال: رجعت عما قلت بطل ما سبق من الإيجاب.
فإن قال قائل: ألست جعلت التخيير وجواب المخيرة كالإيجاب والاستيجاب في العقود, فكيف فصلت بينهما في هذه المنزلة؟
стр. 1643
قلنا: جعلنا التخيير والجواب كالإيجاب والاستيجاب, ولكن كان منتميًا إلى أصل آخر وهو: أصل التعليق, فإنا على هذا المذهب - الصحيح - نجعل لفظ التخيير في التقدير كقول الزوج لها: إن طلقت نفسك في المجلس على القرب فأنت طالق, وما كان أصله التعليق فالرجوع والندامة والعزل فيه محال.
فأما قول القائل: بعت منك كذا وكذا فإنه مجرد إيجاب إذ لا مدخل للتعليق في مثل هذا العقد.
فإن قال قائل: كيف جعلت التخيير منتميًا إلى التعليق وليس في صيغة العبارة تعليق؟
قلنا: الظاهر من هذه العبارة أن الزوج لما لم يرد أن يجعل طلاقها بمباشرته فوض الأمر إلى اختيارها لعلها تختار المقام, ولعلها تختار الفرق, فإن اختارت الفراق أوقعت الطلاق, وإن كانت غير مختارة للفراق لم توقع الطلاق, فصار اللفظ من هذا الوجه في تقدير التعليق, وإن كانت الصيغة صيغة التخيير في تحديد الملك ويجوز أن يأخذ لفظ التخيير حكم التعليق بالتقدير.
ألا ترى ما قال بعض مشايخنا - دون بعضهم - فيمن قال: إحداكما طالق ثلاثًا من غير تعيين بالقلب: إنه إذا بين واحدة منهما حكمنا بوقوع الطلاق عند البيان, لا عند اللفظ, واللفظ لفظ تخيير في الصورة والصيغة, ولكن جعلناه
стр. 1644
في التقدير كأنه قال: التي سأبينها محلًا للطلاق فهي طالق.
مسألة (٥١٨): إذا قال الرجل لغير المدخول بها: إذا دخلت الدار فأنت طالق, ثم قال لها قبل دخول الدار: إذا دخلت الدار فأنت طالق طلقة مع الطلقة الأولى, فدخلت الدار طلقت طلقتين.
ولو قال لها تنجيزًا: أنت طالق طلقة معها طلقة طلقت طلقة واحدة عند كثير من أصحابنا.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا قال لها تنجيزًا: أنت طالق طلقة معها طلقة, فمقدم لفظه بظاهرة اقتضى وقوع الطلاق, وهي غير مدخول بها, فسبقت البينونة إليها بأول اللفظة, فلم تبق محلًا للطلقة الثانية المذكورة بآخر اللفظة, فصار كما لو قال لها: أنت طالق أنت طالق, فلا يقع إلا الأولى.
فأما إذا علق الطلاق بدخول الدار, ثم علق الطلقة الثانية بالوصف الأول صار ذلك الوصف الواحدة علة لوقوع الطلقتين جميعًا إذ لا فرق بين التعليق الأول
стр. 1645
والتعليق الثاني, فإذا دخلت الدار لم تكن إحدى الطلقتين أولى بالوقوع من الطلقة الأخرى؛ فلذلك وقعتا معًا.
فأما إذا قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق وطالق, فدخلت الدار, فمن أصحابنا من أوقع ها هنا طلقة واحدة كقوله لها تنجيزًا: أنت طالق وطالق, ومن أصحابنا من علل بالعلة التي ذكرناها في الفرق فقال: إن الدخول علة في وقوع الطلقتين جميعًا, وليست إحداهما مترتبة على الأخرى على وجه التعاقب, فصار كما لو قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق اثنتين, ولو قال ذلك طلقت طلقتين بالدخول, ولا خلاف فيه.
ولا فرق عند جميع أصحابنا بين أن يقول: أنت طالق وطالق إن دخلت الدار,] وبين أن يقول: إن دخلت الدار [فأنت طالق وطالق, فمنهم من أوقع طلقتين في المسألتين, ومنهم من أوقع طلقة واحدة فيهما جميعًا, فأما إذا قال لها: أنت طالق واحدة قبلها واحدة, أو بعدها واحدة, أو قبل واحدة أو بعد واحدة فلا يقع
стр. 1646
إلا واحدة, لأن هاتين العبارتين مستعملتان للترتيب, وإذا قال للمدخول بها هذه المقال أوقعنا عليها طلقتين, سواء قال: أنت طالق واحدة قبل واحدة, أو بعد واحدة, أو قال: قبلها واحدة, أو بعدها واحدة لأنها محل للطلاق على وجه الجمع, وعلى وجه الترتيب.
مسألة (٥١٩): إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا, ثم طلقها طلقة فبانت] منه, ثم دخلت الدار, ثم نكحها [فدخلت الدار لم يقع عليها طلاق بدخول الدار, فأما إذا لم تدخل الدار بين العقدين
стр. 1647
ودخلت الدار في العقد الثاني وقع عليها بقية الطلاق على قول عود اليمين.
والفرق بين المسألتين: أنها إذا دخلت الدار بين العقدين, فقد وجد الوصف, فانحلت اليمين, ولم يصادف محلًا صالحًا للوقوع, لأنها بائنة, فلما دخلت ثانية في العقد الثاني كانت اليمين غير باقية فلم يمكن إيقاع الطلاق لا بالدخول الأول, ولا بالدخول الثاني؛ فلذلك لم يقع طلاقها, فأما إذا لم تدخل الدار بين العقدين, ثم دخلت الدار في العقد الثاني, فاليمين باقية
стр. 1648
غير منحلة, فإذا وجد وصفها - وهي محلًا للطلاق عند وجود الوصف - حكمنا بوقوع الطلاق.
مسألة (٥٢٠): إذا قال - لغير المدخول بها -: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق, إن حلفت بطلاقك فأنت طالق, إن حلفت بطلاقك فأنت طالق - ثلاث مرات - حكمنا بأنها قد بانت, فإن نكحها يومًا فقال لها - في النكاح الثاني -: إن دخلت الدار فأنت طالق وقعت عليها طلقة واحدة على قول عود اليمين, ومثله: لو قال: إن كلمتك فأنت طالق, إن كلمتك فأنت طالق, إن كلمتك فأنت طالق بانت في الحال, فإذا نكحها نكاحًا جديدًا فكلمها لم يقع عليه طلاق وإن قلنا: بعود اليمين.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا قال لها: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق فهذه يمين معقودة, فإذا قال لها مرة أخرى: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق كانت هذه يمينًا ثانية حنثت بها في اليمين الأولى, فانحلت الأولى بطلقة وانعقدت الثانية؛ لأنها كانت زوجته حين عقد الثانية, فلما قال لها مرة ثالثة: إن حلفت بطلاقك
стр. 1649
فأنت طالق لم ينعقد بهذا اللفظين يمين؛ لأنها بائنة لا يتصور منه الحلف بطلاقها, فلم تنحل الثانية بالثالثة فبقيت الثانية/ (٢٣٤/ ب) يمينًا معقودة, فلما نكحها فقال لها: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق كان هذا الكلام يمينًا حنث بها في الثانية السابقة الباقية فوقعت طلقة.
فأما إذا قال لها: إن كلمتك فأنت طالق فهذه - أيضًا - يمين معقودة؛ لأنها صادفت النكاح فانحلت بها اليمين الأولى, فلما قال لها - بعد البينونة -: إن كلمتك فأنت طالق انحلت بها اليمين الثانية؛ لأنه قد كلمها, والأجنبية تكلمه وإن كان لا يحلف بطلاقها, ولم تصداف اليمين الثانية محل العمل فلغت, كما قلنا في دخول الدار في المسألة قبلها, فإذا نكحها وكلمها لم يقع بهذا الكلام شيء إذا لم تبق يمين معقودة حتى تنحل بالطلاق في هذا النكاح.
مسألة (٥٢١): إذا قال لعبده: متى طلقت امرأتي تطليقًا, فأنت حر, ثم قال لامرأته: إذا دخلت الدار فأنت طالق, فدخلت الدار وقع الطلاق والعتاق, ولا يقع العتاق قبل دخولها الدار] وإن وجد لفظ التعليق.
والفرق بين الحالتين: أنه حين علق طلاقها بدخول الدار [لم يتحقق له اسم التطليق لعدم الوقوع, ومن حقيقة التطليق وقوع يوجد مع الفعل الموجود
стр. 1650
منها, فإذا دخلت الدار, فقد اجتمع الأمران وتحقق الوصفان, أحدهما: اللفظ السابق, وهو قوله لها: إذا دخلت الدار فأنت طالق, والثاني: دخولها ووقوع الطلاق بدخولها؛ فلذلك حكمنا بوقوع العتاق, وهذا العتاق لا يقع مع الطلاق ووقوعه, ولكن يسبق وقوع الطلاق, ثم يتعقبه وقوع العتاق, وإنما كان كذلك؛ لأنه علق العتق بوجود التطليق, ووجود التطليق إنما يحصل تمامه وكماله بالدخول ووقوع الطلاق, ثم إذا تم هذا الوصف - وهو وصف حصول الطلاق - ترتب العتق عليه على جهة التعاقب, لا على جهة المقارنة.
مسألة (٥٢٢): إذا بدأ الرجل, فقال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق, ثم قال لعبده: متى طلقتها فأنت حر, ثم دخلت المرأة الدار وقع الطلاق دون العتاق.
ولو بدأ فقال لعبده: متى طلقتها فأنت حر ثم قال لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق, فلا عتق الآن, فإذا دخلت الدار وقع الطلاق والعتاق جميعًا.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا بدأ بمخاطبتها, ثم خاطب العبد, ثم دخلت
следующие страницы →