← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14176

الجمع والفرق = الفروق

والد إمام الحرمين الجويني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

فأما إذا قال: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي فهذه يمين، واليمين لا تحتمل التشريك؛ ولذلك قلنا: متى قال لإحدى امرأتيه: والله لا أجامعك، ثم قال للأخرى: أنت شريكتها لم يصر مؤليًا من الثانية وإن نوى الإيلاء؛ لأنها عقد يمين، فلا تحتمل الشركة. والقياس على هذا الأصل أن يقال: إذا قال لامرأته [إذا جاء رأس الشهر فأنت على كظهر أمي، ثم قال] للأخرى: أنت مثلها - ونوى بذلك ظهارًا - أنه يصير مظاهرًا من الثانية إذا جاء رأس الشهر، كما يصير مظاهرًا من الأولى. [ولو قال: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، ثم قال لأخرى: أنت شريكتها كان مظاهرًا من الأولى دون الثانية]. والفرق بين قوله: إن دخلت الدار، وبين قوله: إذا جاء رأس الشهر: أن أحدهما يمين والأخرى تأقيت؛ ولذلك قال أبو العباس بن سريج: إذا قال لامرأته: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق [حنث ووقع طلاقه. ولو قال بعد عقد يمينه: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق] لم يحنث ولم يقع

стр. 1717

طلاقه؛ لأن ذلك ليس بحلف، ولا هو حقيقة اليمين، وحقيقة اليمين ما يقصد به منعًا، أو حثًا، أو تحقيقًا/. فالمنع أن يقول: إن دخلت الدار فأنت طالق، فهو بهذا الكلام يقصد منعها عن الدخول، والحث أن يقول: إن لم تدخلي هذه الدار فأنت طالق، يقصد بهذا الكلام حثها، وتحريضها على الدخول، والتحقيق أن يقول: إن كنت فعلت كذا فأنت طالق، وقصده بذلك تحقيق كلامه وتصديق مقالته. مسألة (٥٦٢): إذا طلق امرأته طلاقًا رجعيًا، ثم طلقها في العدة طلاقًا ثانيًا حكمنا بوقوعه من غير وقف، وإن ظاهر منها فظهاره موقوف، فإن راجعها لزمته الكفارة، وإن لم يراجعها فلا كفارة عليه. والفرق بين المسألتين: أنه إذا ظاهر منها فقد قصد بالظهار تحريمًا لا زوال ملك فإن الظهار لا يتضمن زوال الملك، وهي بالطلاق السابق محرمة تحريم المبتوتة، هذه عبارة الشافعي ﵀، فإذا لم يراجعها فقد تركها على حرمة الطلاق حتى تمت البينونة وانسرحت بانقضاء العدة فلا وجه لإيجاب الكفارة.

стр. 1718

فأما إذا راجعها فقد قصد استحلالها بالرجعة على حكم العقد الأول فصار عائدًا فيما حرم الله تعالى بقوله: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ....﴾، وقد وجد منه العود فيما حرم على نفسه حيث قصد رجعتها، وبذلك باينت الرجعية، لأن الزوجة حلال في الحال، فإذا ظاهر، ثم أمسك فقد قصد التحريم بالظهار، وتحقق العود في الحال فلزمته الكفارة. فأما الطلاق عقيب الطلاق فإنه يتضمن إزالة الملك، وملكه على الطلقة الثانية والثالثة كان باقيًا، وسلطان الإزالة قائم، كما أن سلطان الاستدراك بالرجعة قائم، فإذا نجز الإزالة نجزت، ولا وجه للوقف وانتظار المراجعة. مسألة (٥٦٣): إذا ظاهر الرجل من امرأته، ثم استغل عقيب الظهار باللعان؛ لقذف سابق، فلا كفارة عليه؛ لأن العود لم يتحقق. ولو ظاهر من امرأته المملوكة، ثم اشتغل عقيب الظهار بشرائها لم تسقط كفارة الظهار في أحد الوجهين. فإن قال قائل: اللعن فسخ وكذلك الشراء، فما الفرق بين المسألتين.؟ قلنا: إن اللعان فسخ وقطع للفراش، وتحقيق للتحريم؛ لأن اللعان أشد

стр. 1719

حرمة من/ (٢٤٧/ ب) الطلاق، فإنه تتأبد حرمته، وحرمة الطلاق غير مؤبدة، فإذا سقطت الكفارة بأخف الحرمين سقطت بأغلظهما. فأما إذا اشتراها، فإنه بالشراء ينقلها من فراش استحلال إلى فراش استحلال، فلم يتحقق منه قصد التحريم بتبديل جهة الاستحلال، كما تحقق منه هذا القصد بتأبيد التحريم. مسألة (٥٦٤): إذا قال الرجل لامرأته: أنت على كظهر امرأة ولدي، فقد قال كثير من أصاحبنا: إنه غير مظاهر بحال. ولو قال: أنت علي كظهر امرأة والدي، وسبق نكاح والده ميلاد الولد المظاهر، كان الولد مظاهرًا على القول الصحيح الذي يقول: إن الظهار غير مختص بذكر الأم. والفرق بين المسألتين: أن الرجل إذا قال: أنت علي كظهر امرأة والدي، فقد شبهها بامرأة ما زالت محرمة عليه من وقت ولادته إلى وقت ظهاره، ولا

стр. 1720

تزال محرمة [عليه أبدًا، فأشبه التشبيه بالأم، فإن الأم لم تزل محرمة، ولا تزال محرمة]. فأما إذا قال: أنت علي كظهر امرأة والدي، فقد شبهها بامرأة لم تكن محرمة عليه في زمان، وذلك قبل عقد الابن، ثم صارت محرمة عليه بعقد الابن لما عقد، ففارقت حرمة الأم، فإن هذه الحرمة المؤقتة لا تتصور في الأمهات بحال. مسألة (٥٦٥): إذا قال لامرأته: أنت علي حرام على قصد التحريم، لا على قصد الطلاق والظهار، فعليه كفارة يمين. وإذا قال لها: أنت علي كظهر أمي شهرًا - وقلنا: إن الظهار المؤقت لا يكون ظهارًا وهو الصحيح - ثم جامعها قبل انقضاء الشهر، فقد قال الشافعي ﵀: "عليه كفارة الظهار". وذلك من مشكلات المذهب؛ لأنه تحريم وليس بظهار، كالتحريم بلفظ التحريم.

стр. 1721

والفرق بينهما: أن كل واحد من هذين اللفظين أصل في باب الأصول لا يتداخل. ألا ترى: أن لفظ الطلاق لا يصلح للظهار بحال، ولفظ الظهار لا يصلح للطلاق بحال، ولفظ التحريم أصل في الكفارة، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ﴾، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فأوجب كفارة يمين، وقال تعالى - في الظهار: ﴿وإنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القَوْلِ وزُورًا﴾، ثم علق بهذا القول المنكر كفارة مخصوصة

стр. 1722

أغلظ من كفارة اليمين، وهذا الرجل الذي ذكر الظاهر المؤقت تلفظ/ بذلك الزور والمنكر، وإن ذكر لفظ التأقيت، ولم يذكر لفظ التأبيد، ولم يطلق اللفظ. فإن قال قائل: فهلا جعلتموه مظاهرًا، كما لو قال: أنت طالق شهرًا جعلتموه مطلقًا؟. قلنا: الفرق بين المسألتين: إنه بالطلاق يقصد إزالة الملك وما زال من ملك النكاح عن عدد الطلاق فلا عود فيه. فأما إذا ظاهر ووقت، فما أزال الملك فإن الظهار لا يتضمن زوال، الملك، إنما يتضمن قصد تحريم الوطء، فعلق بلفظه هذا المقتضى، ثم انقسم القصد: فإن قصد التحريم على جهة التأبيد استحق نهاية التغليظ في التكفير، وإذا لم

стр. 1723

يبلغ نهاية القصد بتأبيد التحريم لم تتحقق له صفة المظاهرين، ولكنه لم يخرج عن جملة المظاهرين المتلفظين بالمنكر والزور؛ فلذلك حكمنا بهذا الحكم. مسألة (٥٦٦): إذا قال لأربع نسوة أنتن علي كظهر أمي كفته كفارة واحدة في أحد القولين. ولو قال: أنتن طوالق وقع على كل واحدة منهن طلقة، وصار كما لو أفرد كل واحدة منهن بلفظ الطلاق، ولم يجعله في الظهار، كمن أفرد كل واحدة منهن بلفظ الظهار. والفرق بينهما ما سبق في المسألة السابقة: أن لفظ الزور وما تلفظ به من المنكر

стр. 1724

معتبر في إيجاب الكفارة، ولم تتكرر منه اللفظة، وإنما تلفظ بها مرة واحدة فاكتفينا منه بكفارة واحدة. فأما الطلاق، فمبناه على غير هذا الأصل، وقوله: أنتن طوالق وصف كل واحدة منهن بصفة معلومة وهي زوال الملك عنها؛ فلذلك افترقت المسألتان. مسألة (٥٦٧): إذا أعتق عبدًا بكماله نصفًا عن كفارة ظهار ونصفًا عن كفارة قتل، فقد قال بعض أصحابنا: عتق عتقًا محسوبًا عن الكفارتين كما نوى، حتى لو أعتق عبدًا آخر على مثل هذه الصفة أجزأته الكفارتان. ولو أعتق من عبد مشترك نصفه عن كفارة، وهو معسر، ثم ملك نصفًا آخر من عبد، فأعتقه عن تلك الكفارة، وهو معسر، عتق النصفان ولم ينصرفا إلى الكفارة، والكفارة باقية كما كانت. والفرق بين المسألتين: أنه إذا أعتق عبدًا واحدًا نصفين، فقد أكمل الحرية في جميع الرقبة وملك العبد بذلك نفسه،/ (٢٤٥/ ب) وهذا مقصود العتق في الكفارة، ولا يضر أن يكون بعضه عن كفارة وبعضه عن أخرى إذا كملت الحرية فيه.

стр. 1725

فأما إذا فرق العتق في مملوكين، فمعلوم أن واحدًا من المملوكين لم يملك بذلك العتق رقبته على الكمال. ألا ترى: أنه لم يثبت حكم الميراث، ولا حكم الشهادة، كما ثبتت في المسألة الأولى. وهذه الطريقة موافقة للنص حيث قال الشافعي ﵀: "نصفًا عن واحدة، ونصفًا عن واحدة". هذا لفظه في المختصر، فصور المسألة حيث تتكامل الحرية في الرقبتين، حتى حكم بإجزاء الكفارتين، فدل ظاهر كلامه على أنه إذا عتق ولم يستكمل الحرية فيهما لم نحكم بإجزاء الكفارة بحال. مسألة (٥٦٨): إذا ظاهر الرجل من امرأته وهي مملوكة، ثم اشتراها، فانفسخ النكاح فحرام عليه إصابتها بملك اليمين حتى يكفر كفارة الظهار. ولو طلقها طلقة رجعية، أو خالعها وقعت الحرمة، فإذا اشتراها زالت تلك الحرمة وحل له إصابتها بملك اليمين.

стр. 1726

والفرق بين الحرمتين: أن حرمة الطلاق حيث حصلت إنما حصلت بزوال الملك في الخلع، أو بزوال شعبة الملك في الطلاق الرجعي، والحرمة إذا تعلقت بزوال الملك ارتفعت بتجدد الملك، والملك على البضع مستفاد بالشراء، كما يستفاد بالنكاح، فحل له وطؤها بملك اليمين، كما حل له وطؤها بالنكاح الجديد. فأما الحرمة الحاصلة بالظهار، فهي غير متعلقة بزوال الملك؛ لأن الظهار لا يزيل الملك، وإنما تعلق باللفظ المخصوص والمقصد المعلوم، فلا سبيل إلى الاستحلال ما لم يكفر عن ذنبه الذي ارتكب في التلفظ بذلك اللفظ؛ فلذلك بقيت الحرمة إلى أن يكفر. وهذا في الطلاق لم يستوف عدده، فأما إذا طلق امرأته المملوكة ثلاثًا، ثم اشتراها، فحرام عليه وطؤها بملك اليمين حتى تنكح زوجًا غيره. والفرق بين أن يستوفي العدد وبين أن لا يستوفيه: أن العدد إذا كان غير مستوفٍ فلو أراد استحلال بعضها بنكاح جديد حل له البضع من غير زوج جديد، فحل له البضع بالشراء وإن كان جنسًا ثانيًا في الاستفراش. فأما إذا طلقها ثلاثًا، فمعلوم أنه لو أراد استحلالها بنكاح جديد لم يجد سبيلًا إليه إلا بعد زوج واصابته، فكذلك إذا أراد أن يستحلها/ (٢٤٩/ أ) بملك اليمين لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، ومعقول أن جميع حرمات المصاهرات المعلقات بالمناكح

стр. 1727

متصورة. في ملك اليمين، فكذلك الحرمات المغلظة بالطلاق الثلاث مستبقاة في ملك اليمين إلى وقت الهدم.

стр. 1728

كتاب اللعان مسألة (٥٦٩): قال الله : ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ الآية، فجعل الرمي شرطًا في اللعان وفي ثبوته، واشترط مصادفة الرمي النكاح لقوله تعالى: ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ فلو أن رجلاٌ قال لزوجته: أنت زانية في عشيرتك وجب عليه لعانها إذا طالبته وعجز عن إقامة البينة، ولو قال: أنت أزنى عشيرتك لم يكن ذلك قذفًا صريحًا، فإن قال: أردت بذلك قذفًا كان قاذفًا. والفرق بين المسألتين: أنه إذا قال لها: أنت زانية فقد أثبت لها هذه الصفة على جهة التحقيق، فصار شرط اللعان موجودًا، وأما إذا قال: أنت أزنى عشيرتك، أو أنت أزنى الناس، فليس ذلك بقذف صريح، لأنه لم يثبت زنا

стр. 1729

الناس من قبل، وإذا لم يثبت زنا الناس بالقذف لم يتحقق منه القذف بالتفصيل. ولو قال: عشيرتك زناة، وأنت أزناهم وجب عليه اللعان في قذفه زوجته؛ لأنه لما بدأ فقال: عشيرتك زناة، فقد ثبت قذفه إياهم، وكان التفصيل بعد ذلك حقيقة قذف لها. مسألة (٥٧٠): إذا قذف رجل امرأة وهو لا يعرفها حين قذفها؛ لأنها متقنعة بخمار، أو كان ذلك في ظلمة، ثم بان أنها زوجته، فليس ذلك بقذف، ولا لعان، وإذا ادعت علمه، فجحد فالقول قوله مع يمينه أنه لم يعرفها. وإنما فصلنا بين هذه المسألة وبين سائر مسائل القذف؛ لأنه إذا عرف من يقذفه، فظاهر القذف أنه اختار، فإذا عجز عن تصديق ذلك وجب عليه الحد، أو اللعان. فأما إذا كان لا يعرف المقذوفة، فلا يتصور أن يخبر عن أحوالها وارتكابها الزنا، وربما يتعرض الرجل لغيره بالأذى، فلا يتصور بصورة قاذف.

стр. 1730

ألا ترى أن رجلًا لو أصابه حجر، أو رمي به ولم يعلم من الرامي فقال: من رماني فهو زان، وهو لا يعرفه، لم يكن ذلك منه قذفًا. فأما إذا تداعيا، وتنازعا في العلم والجهل، فحالة التداعي غير هذه المسألة، والقول قول المدعى عليه مع يمينه. مسألة (٥٧١): إذا ادعت المرأة على زوجها/ أنك قذفتني، فجحد القذف، فشهد عدلان على قذفه إياها فأقبل على اللعان كان له اللعان مع جحوده القذف. ولو جحد ونفي زناها فقال: ما زينت استغنى عن اللعان إلا أن يثبت عليه القذف بالبينة. والفرق بين أن يجحد القذف فيلاعن، وبين أن يجحد الزنا فلا يلاعن: أنه إذا جحد الزنا فقد أقر بعدم الشرط المشروط الذي يقصد باللعان إثابته، فإن الرجل يقول في لعانه: أشهد بالله أنها زنت، فكيف يستقيم أن يجحد، فيقول ما زنيت؟. ثم يقول: أشهد بالله أنها زنت.

стр. 1731

فأما إذا جحد القذف فجحوده إياه لا يتضمن إقرارًا منه بأنها ما زنت فإذا أقبل على اللعان فقال: أشهد بالله أنها زنت لم يكن تقدم منه كلمة مضادة لهذه الكلمة. وهذا معنى قول الشافعي ﵀ "وليس جحوده القذف إكذابًا لنفسه" يعني: في كونها زانية. فإن قال قائل: أليس اللعان يعتمد القذف، فكيف يلاعن هذا الرجل وهو حاجة للقذف؟ قلنا: إذا ثبت القذف بشهادة العدول ثبت الشرط الذي يعتمده اللعان، ولو أن رجلًا ادعى عليه القذف فسكت فشهد شاهدان أنه قذف ثبت القذف عليه، وثبت حكمه؛ فلذلك أمرناه في هذه المسألة باللعان. مسألة (٥٧٢): إذا قذف الرجل زوجته المملوكة، فلاعنها لينفي التعزيز، ثم اشتراها فحرام عليه وطؤها أبدًا.

стр. 1732

ولو أنه قذفها وانتفي من ولدها، ثم اشتراها، ثم لاعنها فنفي الولد لم يحرم عليه وطؤها على الصحيح من المذهب. والفرق بين المسألتين: أنه إذا لاعنها قبل الشراء صادف اللعان صلب النكاح، فانقطع النكاح به، وإذا ارتفع النكاح باللعان ثبتت حرمة التأبيد بينهما؛ ولذلك قال ﷺ للعجلاني: "لا سبيل لك عليها". فأما إذا سبق الشراء، ثم لاعنها فقد انفسخ النكاح بالملك، فلم يصادف اللعان نكاحًا حتى يقطعه ويرفعه، ولولا الولد لما لاعنها، فلا تتعلق حرمة التأبيد بمثل هذا اللعان، وهو الصحيح من المذهب.

стр. 1733

وكذلك نقول في المتناكحين نكاحًا فاسدًا إذا تلاعنا بسبب الولد، وكذلك إذا قذف الرجل زوجته، ثم طلقها وانقضت عدتها، ثم طلبت حقها كان له اللعان؛ لأن القذف كان في صلب النكاح، ولكن ما لم يكن اللعان في صلب النكاح لم يتعلق به حرمة التأبيد، وعلى هذا قياس هذا الباب. مسألة (٥٧٣): إذا اشترى زوجته المملوكة، فولدت ولدًا بعد ستة/ (٢٥٠/ أ) أشهر، فأراد نفيه باللعان لم يكن له نفيه، وإن ولدته لأقل من ستة أشهر، فله نفيه. والفرق بينهما: أنها إذا ولدته بعد ستة أشهر احتمل أن يكون من فراش ملك اليمين، والولد من هذا الفراش ينتفي بدعوى الاستبراء، فلا تدعوه حاجة إلى الملاعنة، فإذا كانت المدة دون ستة أشهر، فلا يحتمل أن يكون هذا الولد من ملك اليمين، وإنما هو ملحق بالنكاح وولد النكاح ينتفي باللعان.

стр. 1734

مسألة (٥٧٤): إذا طلق الرجل امرأته فجاءت بولد لأقل من أربع سنين كان ملحقًا به إلا أن ينفيه بلعان، ولا فرق بين أن تكون في هذه المدة من ذوات الأقراء، وبين أن لا ترى دمًا. ولو اشترى رجل زوجته فأصابها وادعى أنه استبرأها، فجاءت بولد لستة أشهر فصاعدًا نفيناه عن ملك اليمين بدعوى الاستبراء. فإن قيل: أيلحق به بالنكاح إذا لم يلتعن، كما تلحقونه إذا لم يكن ملك يمين؟. قلنا: ليس عليه لعان في هذه المسألة، وهي بخلاف تلك المسألة الأولى. والفرق بينهما: أن المطلقة إذا جاءت بولد لما دون أربع سنين، فقد زال فراشه عنها، ولم يتجدد بعد ذلك الفراش فراش جديد يحتمل أن يلحق الولد به فألزمناه نسبه إلا أن ينفيه باللعان. فأما إذا اشترى زوجته، فقد نقلها عن فراض إلى فراش؛ لأنه له أن يفترشها

стр. 1735

بملك اليمين، والولد في فراش اليمين ينتفي بدعوى الاستبراء. فإذا ادعى أنه استبرأها، فانتفي عنه لم يكن عليه أن ينفيه باللعان، وصار، كالفراش المفقود؛ ولذلك فصلنا في المطلقة بين أن تنكح، وبين أن لا تنكح، فقلنا: إذا لم تنكح فالولد ملحق به إلى أربع سنين، وإن نكحت، فمضت ستة أشهر، فجاءت بولد، فالولد ملحق بالثاني، لأن له فراشًا كالفراش الأول. مسألة (٥٧٥): إذا قذف الرجل امرأته، ولاعنها، فبانت منه، ثم قذفها بعد البينونة مطلقًا فعليه الحد، وإن قذفها بالزنا السابق، فلا حد عليه، ولو قذفها غيره بذلك الزنا السابق فعليه الحد. والفرق في حقه بين الزنا الأول وبين الزنا الآخر: أنه قد حد مرة في القذف بذلك الزنا السابق وغسل عنها عار قذفه إياها، فلا يلتحق بها من جهته في ذلك الزنا مثل العار الأول، فلذلك أسقطنا الحد واقتصرنا على التعزيز إذا طلبت التعزير.

стр. 1736

فأما إذا استأنف [قذفها بغير ذلك الزنا، فقد استأنف] تعييرها، كما استأنف في الابتداء تعييرها فجُدد عليه الحد. والفرق بين قذفه إياها/ (٢٥٠/ ب) بالزنا الأول، وبين قذف غيره: أن غيره إذا ذكر ذلك الزنا فقد ابتدأ بتعييرها وإلحاق العار بها، وهي في حقه وفي حق غيره عفيفة، ولعان الزوج لم يبطل عفتها، إنما درء الحد الواجب. وأما إذا قذفها زوجها بذلك الزنا السابق فقد قذفها بما غيرها به مرة ولاعنها فيه، فلا يتصور فيه أن يتجدد عليه الحد، وإذا لم يتجدد عليه الحد بذلك لم يتجدد عليه اللعان. مسألة (٥٧٦): إذا قذف الرجل زوجته المملوكة، فلا حد عليه؛ لأنها غير محصنة وعليه التعزيز، وله أن يدرأ هذا التعزيز عن نفسه باللعان.

стр. 1737

ولو أن رجلًا كانت امرأته محدودة في زنا، فقذفها زوجها بذلك الزنا، فعليه التعزيز، ولا ينفعه اللعان. والفرق بين المسألتين: أن التعزيز في المسألة الأولى للتكذيب لا للتأديب، فإن زوجته تنفي عن نفسها الزنا، وهو رماها به، فلا فرق بين الحرة والأمة في ذلك، إلا أن العقوبة عليه في الحرة الحد الكامل، والعقوبة في المملوكة التعزير.

стр. 1738

فأما المسألة الثانية، فالتعزيز فيها تعزيز تأديب لا تعزيز تكذيب، وكيف يكون تعزيز تكذيب وقد ثبت زناها عند الناس بالبينة، أو بالاعتراف؛ ولذلك أقيم عليها حد الزنا، فصار هذا أصلًا في الباب، فمتى ما توجه عليه عقوبة تكذيب فله تصديق نفسه باللعان ومتى ما توجه عليه عقوبة تأديب - وهو في منزلة الاستغناء عن التصديق والتكذيب - فتلك العقوبة غير مدفوعة باللعان. مسألة (٥٧٧): الزوج إذا كان ابن عشر سنين، فولدت امرأته ولدًا فقال: ما هذا الولد مني، فإني لست ببالغ لم نصدقه، وألحقنا الولد به، فإن أراد نفيه باللعان لم نمكنه. فإن قال: إذا لم تمكنوني من اللعان؛ لعله الصغر، فلا تلحقوا بي نسبًا، وإن ألحقتم بي النسب، فمكنوني من اللعان، وإلا فما الفرق بين الحكمين؟. قلنا: الفرق بينهما: أن النسب حيث يلحق إنما يلحق بالإمكان إذا تصور، وقد تحقق الإمكان؛ لأن ابن العشر ربما يكون بالغًا بالماء. وأما اللعان، فلا يتصور إلا من بالغ وقد أقررت بأنك غير بالغ، فكيف نمكنك من اللعان مع هذا الإقرار السابق! فاصبر حتى تبلغ فتلاعن، فإن مات هذا الزوج قبل أن يبلغ فيلاعن ورثته لنفي ذلك الولد؛ لأن الإلحاق غير

стр. 1739

موقوف على النكول عن اللعان، وإنما الالتحاق بالإمكان السابق، فكان النفي موقوفًا على وجود/ اللعان، فإذا مات ولم يلاعن استقر حكم النسب على جهة الإسناد، لا على جهة الاستئناف. مسألة (٥٧٨): إذا قذف زوجته المجنونة، ولها ولد نسبه إلى الزنا كان له اللعان، وإن لم يكن لها ولد، فالصحيح من المذهب أنه لا يلاعن، وإن كان القذف قد صادف النكاح. والفرق بين المسألتين: أن الولد إذا لم يكن موجودًا، فمقصوده من اللعان مجرد الفرقة، والطلاق بيده، فلا ضرورة تدعو إلى اللعان حتى يلاعن. فأما إذا ولدت، فهناك نسب متعرض للثبوت، فلا ينتفي ذلك النسب عنه إلا بلعان؛ فلذلك يمكن من اللعان؛ ولذلك أجرينا [اللعان في النكاح الفاسد عند وجود الولد، وما] أجريناه عند عدمه.

стр. 1740

مسألة (٥٧٩): إذا جاءت امرأة الرجل بولد فقال زوجها: إنه مستعار فلا لعان بينه وبينها. ولو قال: أصابك رجل بالشبهة وما زنيت ولكن هذا الولد من تلك الشبهة فعليه أن يلاعنها. والفرق بين المسألتين: إنه إذا قال أصابك رجل بالشبهة فقد قذفها بوطء حرام، ولم يقذفه بصريح الزنا؛ لأن الإصابة بالشبهة حرام محض بإجماع العلماء، فصار كما لو قذفها بصريح الزنا. فأما إذا قال: إن الولد مستعار فإنه ما قذفها بوطء حرام لا بزنا، ولا بما هو دون الزنا، واللعان لا يتصور من الزوجين إلا بأن يتقدم من الزوج قذف بحرام.

стр. 1741

ثم إذا ادعى أن الولد مستعار والمرأة تدعي أنها ولدته، [فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن تقدر على إقامة البينة أنها ولدته] على فراشه، وإما أن تعجز عن ذلك، فإن أقامت أربع نسوة يشهدن على ولادة الفراش لزمان يحتمل يلحق الولد به ألحق الولد به، وليس له نفيه باللعان، وإن عجزت عن إقامة البينة، فقد قال الشافعي ﵀: "إن أرادت أن تستحلفه كان لها ذلك". ومعلوم أن الطفل لو كان له مال على رجل وله أب وأم فليس للأم أن تستحلف ذلك الغريم، وأن تطلب ذلك المال، وإنما الطلب للأب بولاية الأبوة، وإن لم يكن أب وكان للطفل أم رشيدة فالقياس عند أكثر مشايخنا أن الأم لا تقوم بالطلب، ولا تنزل منزلة الأب، ولكن القاضي يليه إن لم يكن من جهة الأب وصي. والفرق بين هذه المسألة في النسب وبين المال: أن الزوج يحيل علياه بدعواه نفقة الولد ومؤنته، ويسقطها عن نفسه، وهي تحيل عليه وتدعي، فصارت الخصومة متعلقة بها من هذا الوجه/ (٢٥١/ ب) فكان لها الدعوى والاستحلاف، ثم

стр. 1742

ترتب النسب على الخصومة، وليست الخصومة والدعوى من خصائص النسب. [فقد يشهد أربع نسوة على الفراش والولادة ويثبت النسب]، والنسب لا يثبت بشهادة النساء، ولكن إذا ثبت بشهادتهن ما تختص شهادتهن به جاز أن يترتب غيره عليه. وكذلك إذا ثبت بمخاصمتها واستحلافها ولادتها على الفراش دفعت عن نفسها نفقة الولد، وترتب النسب عليه. والذي يدل على هذا من كلام الشافعي ﵀: أنه قال - في هذه المسألة-: "إن نكل الزوج عن اليمين أحلفناها ولحقه" هذه لفظه، ومعقول أن القيم لا يستحلف، وكذلك الوصي والوكيل، فلما استحلفها الشافعي ﵀ دل على أنه جعل هذه الخصومة خصومة بينهما في حقهما لا في حق الولد، وإن ترتب حق الولد عليها. فأما إذا ادعت أم الطفل مالًا من أموال الطفل على إنسان فدعواها غير

стр. 1743

مسموعة في القياس، بخلاف الأب؛ لأن الدعوى إنما تسمع في حق الطفل ممن له ولاية عليه، والولاية حيث ثبتت للآباء دون الأمهات. ألا ترى أن ولاية النكاح مختصة بهم، وكذلك ولاية المال، والرجال مختصون بولاية القضاء دون النساء، ولا خلاف بين الفقهاء أن الصبي إذا كان له أب وأخ فالولاية إلى الأب، وكذلك إن كان له جد وأم - وإن كان الجد في الدرجة عاليًا - فالولاية إلى الجد دون الأم؛ فلذلك فصلنا بين المسألتين. مسألة (٥٨٠): إذا قذف الرجل زوجته وترافعا إلى الحاكم فعرض عليه اللعان، فنكل أقيم عليه حد القذف، لاعنت أو نكلت، والمرأة إذا نكلت عن اللعان لم يتوجه عليه حد الزنا ما لم يلاعنها الزوج. وإنما افترقا لمعنى لا يخفي وهو: أن الحد يتوجه على الزوج بقذفه السابق وهو معترف بالقذف، ولعانه للدفع، وليس وجوب الحد عليها

стр. 1744

بلعانها؛ [لأن لعانها لدفع حد الزنا، كما أن] لعانه لدفع حد [القذف، ويتضمن إيجاب حد] الزنا من حيث تضمن: إثبات الزنا عليها، وفي إثبات زناها نفي صفة القاذفين. فأما المرأة إذا نكلت عن اللعان ولم يسبق من جهتها إقرار بالزنا ولم يشهد عليها الشهود، فلا بينة يثبت بهلا زناها سوى لعانه فإن العتن ثبت الزنا عليها، [فوجب الحد، وإن نكل لم تلتعن ولم يثبت الزنا عليها]، فلم يجب الحد. ولهذه النكتة لا يتصور في اللعان الابتداء بالمرأة؛ لأن لعانها لا يصلح إلا لدفع الحد، وإنما تحتاج إلى الدفع إذا توجه عليها بلعانه/ (٢٥٢/ أ) ما تدفعه بلعانها، بل تكون البداية أبدًا بالزوج. لأن الزوج يريد أن يثبت بلعانه - الذي نزل منزلة البينة - ما ادعى عليها من تلويث الفراض وإلحاق ولد الزنا.

стр. 1745

مسألة (٥٨١): اللعان عند الشافعي ﵀ أيمان في التغليب، وإن كانت ألفاظه مشوبة بمعنى الشهادة، فجانب اليمين مغلب. ولو أن رجلًا نكل عن اليمين في خصومة، فتوجه الحكم عليه بسبب نكوله ويمين خصمه فأراد أن يحلف ونشط لما نكل عنه، فلا حق له في اليمين، حتى لو قال القاضي لخصمه: احلف - ولم يحلف بعد - فقال الناكل: اقبل علي أيها القاضي لأحلف لم يكن للقاضي أن يستحلفه بعد قوله للخصم: احلف. وإذا نكل الزوج عن اللعان فقضى عليه بالحد، فنشط للعان كان له اللعان، حتى قال الشافعي؛ ﵀: "لو أقيم عليه بعض الحد فقال: دعني أيها القاضي حتى التعن تركه حتى يلتعن، ولا يجوز استيفاء ما بقي من الحد وإن كان الباقي سوطًا واحدًا، وإن تلف أو فسد بعض أعضائه فيما فات من الضرب

стр. 1746

فلا شيء له فيه". والفرق بين اللعان وبين سائر المسائل التي فيها حكم [النكول: أن اللعان مشروع لحكم الحد مع ما يتصل به بحكم] النسب وغيره، والحدود مدفعوعة بالشبهات، وليست في سقوطها وإسقاطها كسائر الأحكام، فإذا رغب في اللعان لإسقاط الحد ألحقنا اللعان بالشهادة لشبهة الحدود، والشهادة مقبولة متى أراد إقامتها سواء تقدم منه إظهار العجز عن الإقامة أو لم يتقدم ذلك منه، بعد أن لا يكذب نفسه بنفسه، ولا يكذب شهوده بقوله. فأما النكول في غير الحدود فمتى ما توجه الحكم به لم يسقط ولم يتغير؛ لأن سائر الحقوق لاتسقط بالشبهات، بخلاف الحدود.

стр. 1747

والذي يدل على هذا الفرق: أن الشهود إذا شهدوا قبل استيفاء المال فلا تأثير لرجوعهم، وللخصم استيفاء ذلك المال، بخلاف ما لو رجعوا بعد قبول الشهادة وقبل قوله: حكمت. [فأما الحدود فليست كذلك، ولكن إذا قال القاضي: حكمت] بشهادتهم، ثم رجع الشهود قبل استيفاء الحد سقط الحد، كما يسقط برجوعهم قبل الحكم، وهذه حقيقة قول العلماء: إن الحدود تسقط بالشبهات. فإن قال قائل: فوائد لعانه غير مقصورة على دفع الحد عندكم، بل يتعلق بلعانه نفي النسب ورفع الفراش/ وإيجاب حد الزنا فلئن كان الحد يسقط بالشبهة، فليس للشبهة تأثير في هذه الأحكام، فيجب أن لا تقبلوا فيها لعانًا بعد نكوله، وقد قلتم إذا لاعن بعد النكول وإقامة بعض الحد تعلق بلعانه جميع هذه الفوائد، كما يتعلق بلعان لم يتقدمه نكول. قلنا: هذه الأحكام وإن كانت تتعلق باللعان فأصل اللعان في الشرع حيث ورد إنما ورد بسبب القذف لدفع موجبه، قال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، ولم يذكر ولدًا ولا رفع فراش، فصار دفع الحد أصلًا في اللعان، والحد يدرأ

стр. 1748

بالشبهة، فقلنا: لعانه بعد نكوله لدفع الحد عنه، ثم لا نبالي بأن يترتب عليه أحكام مباينة للحدود في الشبهات. ألا ترى: أن شهادة النساء المنفردات مختصة بالولادة ونظائرها غير مقبولة في الأنساب، كيف ولو شهدت امرأتان مع رجل على نسب لم يثبت ذلك النسب بشهادتهم، ثم إذا شهد أربع نسوة على ولادة في فراش ثبتت ولادة الفراش بشهادتهن وترتب النسب عليها، كذلك في هذا الموضع. مسألة (٥٨٢): الأخرس كالناطق في اللعان والأيمان، واللعان أيمان، وكذلك هو كالناطق في الأيمان والبيع وسائر العقود، وقال بعض أصحابنا: شهادته غير مقبولة وإن كانت إشارته مفهومة.

стр. 1749

والفرق بين شهادته عند القاضي، وبين شهادته بالأيمان: أن الشهادة عند القاضي مبنية على أوصاف مخصوصة في الكمال؛ ولذلك اشترطنا في الشاهد شرائط معلومة وهي: الكمال، وهذه الصفة وهي: الخرس، أو البكم تسلب صفة الكمال بالتأثير في خصائص الشهادة، إذا العبارة من خصائصها، وأيضًا فإن الشهادة إذا تضمنت ريبة، وتمثلًا، واحتمالًا لم تصلح لتنفيذ القضاء بها، وهذه الإشارة بمحل التمثل والاحتمال؛ فلذلك فصلنا في حقه بين الشهادة، وبين سائر أحكامه. مسألة (٥٨٣): إذا لاعن الرجل زوجته وهي من أهل اللعان، فإذا لم تقابل لعانه باللعان وجب عليها الحد. ولو كان النكاح نكاح شبهة وأتت بولد/ (٢٥٣/ أ)، فلاعنها، فنكلت ولم تقابل لعانه، فمن أصحابنا من قال: لا حد عليها.

стр. 1750

والفرق بين النكاحين: أن النكاح إذا كان بشبهة، فجريان اللعان بينهما بسبب الولد. ألا ترى أن الولد لو كان مفقودًا لم يجر بينهما لعان، وإذا كان اللعان مختصًا بالنسب، فليس عليها المقابلة؛ لأن لعانها لا يغير حكم النسب، وإنما تستفيد باللعان درأ الحد عن نفسها. ألا ترى: أن الأب لو نفي ولاعن، والمرأة تدعي أن الولد ولده وتذكر الولد في اللعان للإثبات، فلا اعتبار بقولها، ولا يثبت النسب بإثباتها؛ فلذلك لم نأمرها بمقابلة اللعان. فأما إذا كان النكاح صحيحًا، فاللعان في ذلك النكاح غير مختص بنفي النسب، ألا ترى أنه لو قذفها ولم يكن هناك ولد كان له أن يلاعنها، ويتعلق بلعانه رفع الفراش ودرأ الحد؛ فلذلك لزمها مقابلة اللعان باللعان. وعلى هذا الأصل قال بعض أصحابنا: إذا أغفل القاضي ذكر الولد في اللعان ففرغا أعاد اللعان عليه الولد أن أراد نفي النسب، وليس عليها إعادة اللعان؛ لأن فائدة لعانه موجودة وهي نفي النسب، ولعانها في هذا الموضع لا

стр. 1751

يفيد شيئًا، وقد فرغت من اللعان، فاكتفي القاضي بلعانه وحده في نفي النسب. مسألة (٥٨٤): إذا قذف الرجل امرأته بزنا برجل سماه، ثم امتنع عن اللعان، فقد قال بعض أصحابنا: يقتصر على حد واحد قولًا واحدًا، بخلاف ما لو قذف جماعة بكلمة واحدة ففيه قولانك أحدهما: أنه يحد حدًا واحدًا، والثاني: أن لكل واحد منهم حدًا. والفرق بين المسألتين: أنه إذا قذف جماعة بكلمة واحدة فقد قذف كل واحد منهم بزنا سوى زنا الآخر، فإذا قذفهم بأفعال معدودة توجه عليه حدود متعددة على عدد المقذوفين. فأما إذا قذف امرأته برجل، فقد قذفهما بزنا واحد، وإن كان قد ألحق بكل واحد منهما عارًا؛ فلذلك اقتصرنا على حد واحد عند نكوله، وكذلك اقتصرنا على لعان يجمعهما فيه إذا رغب في اللعان.

стр. 1752

وقد قال الشافعي ﵀: "إذا أقر رجل أنه زنا بفلانة، ثم رجع عن إقراره، فليس عليه حد الزنا، ولا حد القذف"، فقد أُدرج أحد الحكمين تحت الثاني، وإلا فمعقول أن القاذف/ لا ينفعه الرجوع عن القذف في حق المقذوف، وفي حقه. مسألة (٥٨٥): النكاح إذا كان قائمًا بين الزوجين، فقذفها وهي حبلى جاز أن يلاعنها، وينفي حملها قولًا واحدًا، وإن بانت وبها حمل فهل يلاعنها بعد البينونة؛ لنفي الحمل؟ فعلى قولين. والفرق بين الحالتين: أنها إذا كانت في صلب النكاح فللزوج لعانها سواء كان هناك ولد، أو لم يكن هناك ولد، فليس يعتمد اللعان نفي النسب في هذه الحالة، وإنما يعتمد الفراش، فيصير النسب تبعًا له. فأما إذا بانت فاللعان بعد البينونة مختص بالنسب، والنسب حمل، والقول في

стр. 1753

الإحاطة بالحمل مختلف؛ فلذلك اختلف القول في اللعان على الحمل بعد البينونة، وكان لعان العجلاني على الحمل، ولكنه لعان صادف صلب النكاح؛ فلذلك افترقت الحالتان.

стр. 1754

مسألة (٥٨٦): قال الشافعي ﵀: لو أن رجلًا طلق امرأته طلاقًا بائنًا ومضت أربع سنين، فأتت بولد بعد ذلك وادعت أن الولد من الزوج لمراجعة كانت، أو وطء بشبهة، فالود منفي عنه بلا لعان، والقول قول الزوج مع يمينه أنه لم يراجعها ولم يطأها، ولم يجعل الشافعي ﵀ للمرأة أن تحلف. وقال الشافعي: "لو ولدت امرأة ولدًا فقال: ليس مني، فلا حد ولا لعان حتى يقفه. فإن قال: لم أقذفها ولم تلده، أو ولدته من زوج قبلي - وقد عرف نكاحها قبله - فلا يلحقه إلا بأربع نسوة يشهدن أنها ولدته وهي زوجة له لوقت يمكن أن تلد منه لأقل الحمل، وإن سألت يمينه أحلفناه وبرئ، وإن نكل أحلفناها ولحقه". فأحلف الشافعي ﵀ الأم في هذه المسألة، ولم يحلفها في المسألة الأولى. والفرق بين المسألتين: أن الفراش في المسألة الأولى مرتفع منقطع بالبينونة

стр. 1755

السابقة، فلو استحلفناها فكأنما نستحلفها لإثبات فراش؛ لأن النسب يترتب على الفراش، ولا سبيل إلى [إثبات الفراش بيمينها. فأما في المسألة الثانية فإن الفراش قائم، وإنما اختلفا في ولادتها على] الفراش، فإذا استحلفناها لم يكن ذلك الاستحلاف لإثبات الفراش، وإنما ترجع فائدته وحقيقته إلى إثبات الولادة على الفراش؛ فلذلك فصلنا بين المسألتين. فكانت هذه الطريقة أصح وأقوم من طريق التسوية وتخريج القولين. مسألة (٥٨٧): قال الشافعي/ (٢٥٤/ أ) ﵀: إذا قال الرجل لابنه: لست بابني لم يكن هذا قذفًا حتى يسأل؛ لأنه يمكن أن يعزيه إلى حلال. وقال أيضًا: لو قال الرجل لابن ملاعنة: لست بابن فلان أُحلف أنه ما أراد قذف أمه، فجعل ظاهره قذفًا.
следующие страницы →