← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14176

الجمع والفرق = الفروق

والد إمام الحرمين الجويني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

قلنا: الفصل بينهما: إن إلحاق الولد إنما يكون الإمكان، والاحتمال، وإذا ولدت ولدين بينهما سنة لم يحتمل أن يكون الولد الثاني من النكاح بحال؛ لأن أكثر المدة المتخللة بين الولدين ما دون ستة أشهر, فإذا تخللت بينهما تمام ستة أشهر فصاعدا تيقنا أن الولد الثاني من علوق حادث بعد النكاح, لا من علوق في النكاح. فأما العدة فالمرجع في انقضائها إلى قولها. وهي تزعم أن عدتها غير منقضية به, ولعلها تكون صادقة بأن يصيبها بشبهة بعد الولادة الأولى فتحبل منه بالولد الثاني, فتنقضي عدتها عنه به, فكان هذا الاحتمال علة في تعليق حكم العدة بالولد الثاني, ولم يجز أن يصير علة في النسب وفي إلحاقه ونفيه. مسألة (٦٠٧): إذا أصاب الرجل امرأة حراما والرجل عالما والمرأة جاهلة وقد التبس عليها واشتبه لم تتعلق حرمة [المصاهرة بتلك الإصابة وأن كانت المرأة عالمة وكان الرجل جاهل وقد اشتبه عليه الأمر تعلقت

стр. 1787

حرمة] المصاهرة بتلك الإصابة. والفرق يبين الحالتين: أن الشبهة إذا كانت في جانب المرأة لم يكن ماؤه محترما, وكيف يكون محترما وهو عالم بأنه زان؟ والجهالة في جانبها لا تتعدى حكمها إلى جانبه. ألا ترى أن العدة غير واجبة عليها وإن حصل ماؤه في رحمها, فذلك الحرمة الأخرى. وهي حرمة المصاهرة- يجب أن لا تتعلق بها, كما لم تتعلق به حرمة الاعتداد. فأما إذا كانت الشبهة في جانب الرجل، فماؤه محترم. ألا ترى أن العدة تلزمها إذا كان الرجل جاهلا. وعلى هذا حكم النسب، والحاقه في المسألتين, فيثبت النسب إذا كانت الشبهة في جانبه, ولا يثبت إذا كان من جانبها, والنسب والعدة نوعان من

стр. 1788

الحرمة, فإذا لم يثبتا لم تثبت الحلامة الثالثة وهي حرمة المصاهرة, وإذا ثبتت هاتان الحرمتان حكمنا بثبوت الأخرى. مسألة (٦٠٨): نكاح الشبهة (٢٥٩/ب) كالنكاح الصحيح في إلحاق النسب, ثم لا يتصور أن تكون المرأة منكوحة لرجل معتدة عن رجل آخر في النكاح الصحيح, ويتصور ذلك في النكاح الفاسد, وهو ما يبين عقد النكاح إلى حالى الإصابة؛ لأنها في هذه المدة تكون معتدة عن الزوج الأول ما لم يصبها الثاني, فلما أصابها الثاني انقطعت عدة الأول, حبلت من الثاني أو لم تحبل. وإنما افترقت الحالتان, لأنها متى ما صارت مصابة فقد اشتغل رحمها بماء

стр. 1789

الشبهة لما صارت مفترشة للثاني, فحقيقة الافتراش يمنع أن تكون معتدة مع هذه الحالة عن الأول بخلاف ما بين العقد الفاسد والإصابة, فذلك زمان لم يفترشها فيه, ولم يشتغل رحمها بمائه, كان الزمان محسوبا لها من العدة الأولى. فإن قال قائل: أليس ذكر الشافعي- رحمة الله عليه- لفظ النكاح في اعتبار مدة الولادة من الزوج الثاني فقال:" فإن ولدت لأقل من أربع سنين من يوم طلقها الأول وأكثر من ستة أشهر من يوم نكحها الثاني أرى الولد القائف"؟. قلنا: إنما استعمل لفظ النكاح عبارة عن الإصابة أو صورة المسألة في صورة مخصوصة، وهي أن لا يتخلل بين النكاح والإصابة زمان متطاول. فإن قيل: أليست المنكوحة إذا أصيبت بالبشبهة كانت معتدة عن الثاني منكوحة الأول؟. فلا قلتم في المنكوحة نكاحا فاسدا: إنها تعتد وتكون منكوحة في حالة واحدة؟ قلنا: الفرق بينهما: أنها إذا كانت منكوحة نكاحا صحيحا فاعترضت الإصابة بالشبهة على النكاح فهذه الإصابة أوجبت عدة لا محالة، والنكاح الصحيح معقود للتأييد, فلو قلنا بتراخي هذه العدة الواجبة إلى انقطاع

стр. 1790

النكاح, والنكاح نكاح الأبد, لكنا قد أسقطناها, ولا سبيل إلى إسقاط العدة الواجبة. فأما النكاح الفاسد فلا لزوم له, ولا تأبيد, وكيف يكون له تأبيد؟ بل هو على شرف التفريق, والرفع والقطع, فقلنا: لا نجعلها معتدة عن الأول بعد ما أصابها الثاني, ولكن إذا فرقنا بينهما أمرناها بالبناء على عدة الأول حتى تستكملها فهذا هو الفرق بينهما. مسألة (٦٠٩): المنكوحة نكاحا صحيحا إذا أصابها زوجها, ثم اجتنبها وتطاول الزمان عليها، فطلقها وجب عليها ان تعتد من وقت الطلاق, ولو كان النكاح فاسدا فأصابها وتطاول الزمان ثم فرقنا بينهما, فالقياس الصحيح يقتضي أن تعتبر عدتها من آخر إصابة كانت في النكاح الفاسد. والفرق بين المسألتين: أن النكاح الصحيح يجوز أن يكون بنفسه على لوجوب العدة [من غير حصول إصابة (٢٦٠/ أ) ألا ترى أن عدة الوفاة من غير مسيس] فقلنا: إذا طلقها وجب استئناف العدة من وقت انقطاع النكاح, وإن كان العهد

стр. 1791

بعيدا بالوطء، لأنها كانت إلى هذا الوقت فراشا له على الحقيقة, فأما إذا كان النكاح فاسدا, فليس للفساد بنفسه أثر في إيجاب العدة بحال. ألا ترى أن عدة الوفاة لا تتصور فيه, ولا تجب به, وإنما تجب العدة بالإصابة، [فإذا طال العهد بالإصابة, ثم فرقنا بينهما كان ما بعد بالإصابة] من الزمان محسوبا في العدة حتى لو انقضى عليها بعد الإصابة في النكاح الفاسد, وقبل التفريق ستة قروء انقضت العدتان عدة الأول وعدة الثاني, إلا على مذهب من يقول: إن نفس النكاح الفاسد يقطع العدة الصحيحة, كما يقطعها الوطء الفاسد, وهذا المذهب ضعيف. مسألة (٦١٠): إذا اعترفت المطلقة بانقضاء عدتها لزمان يحتمل, ثم جاء بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر من وقت اعترافها ألحقنا ذلك الولد بالزوج المطلق إذا لم تكن نكحت زوجا غيره. وكذلك أيضا لو نكحت وولدت من وقت النكاح لأقل من ستة أشهر

стр. 1792

ألحقنا هذا الولد بالزوج الأول. وإن ولدته لأكثر من ستة أشهر من وقت النكاح الثاني ألحقناه بالثاني دون الأول. والفرق بين الحالتين: أنها إذا نكحت زوجا ثانيا فقد خلف فراش الأول فراش ثان يحتمل أن يكون النسب منه, وهو فراش موجود في الحالة الراهنة, فكان أولى من الفراش السابق المنقطع، فألحقنا النسب به. وأما إذا لم تنكح زوجا غيره حتى جاءت بالولد فقد ولدته لزمان محتمل؛ لأن مادون أربع سنين كله زمان الاحتمال, ولم يتعقب الفراش الأول فراش ثان يحتمل الإلحاق به, والأنساب تثبت بالاحتمال, والأولى بها ما كان أوفي بغلبة الاحتمال. فأن قيل: قد قبلتم قولها في انقضاء العدة بثلاثة قروء, وقد رددتم قولها في النسب!! قلنا: في النسب حق الولد وحق الوالد, والأنساب إلى الآباء, فإذا اعترفت اعترافا يتضمن حكمين مختلفين, أحدهما: حق غيرها، والثاني: حقها, لم نقبل

стр. 1793

قولها في ابطال حق غيرها, وإن قبلنا قولها في حق هي مؤتمنة فيه. مسألة (٦١١): الرجعية إذا راجعها زوجها, ثم طلقها من غير مسيس حادث استأنف العدة على أحد القولين. فأما المختلعة إذا نكحها زوجها في العدة ثم طلقها من غير مسيس, فإنها تبني على العدة الأولى ولا تستأنف قولا واحدا. والفرق بينهما: أنها إذا كانت مختلعة, فنكحها, فالنكاح الثاني غير الأول، لا تصير مردودة إلى الأول بهذا النكاح, ولم يشتمل هذا النكاح الثاني على مسيس يقتضي العدة, والمسيس كان سابقا في النكاح السابق, فلزمها إكمال تلك العدة السابقة. فأما إذا راجعها، ثم طلقها من غير مسيس, فقد ردها بالرجعة إلى النكاح الأول, وكان مشتملا على المسيس, وهذا الطلاق طلاق عن ذلك النكاح, فلزمها عقيب الطلاق استئناف العدة, وصار, كما لو راجعها وأصابها, ثم طلقها.

стр. 1794

مسألة (٦١٢): قال الشافعي- ﵀ في الأم-: " إذا اشترى رجل جارية معتدة من زوج, ثم انقضت عدتها فليس عليه أن يستبرئها". وقال في الإملاء: إذا اشترى رجل أمة, [معتدة فانقضت عدتها, فعليه أن يستبرئها] , وإذا زوج رجل أمته رجلا, فدخل بها, ثم طلقها, فاعتدت فليس على السيد أن يستبرئها"واعتمد في كل واحد من الكتابين طريقا في الفرق أوجب الفرق بين المسألتين على التضاد. فأما المعنى الذي اعتمده في الأم فهو: أن الاستبراء إنما يجب عن حدوث الملك على الفرج فمتى ما حدث الملك على الفرج وجب الاستبراء, إلا أن يكون الفرج وقت حدوث الملك مشغولا ر بحق الغير حينئذ لا يجب الاستبراء, فعلى هذا يخرج ما قاله في الأم:" فإذا اشترى جارية معتدة فانقضت عدتها فلا استبراء"؛ لأنه اشتراها وكان الفرج حين حدث عليه الملك مشغولا بحق الغير فسقط

стр. 1795

الاستبراء, وإذا زوجها وطلقها زوجها فاعتدت منه وجب على السيد أن يستبرئها؛ لأن ملكه يحدث على الفرج حين تخرج من العدة, إذا كان الفرج محرما عليه إلى هذا الوقت, فحدث ملكه على الفرج وهو غير مشتغل بحق الغير فوجب عليه أن يستبرئها. والدليل على أنه إذا كان الفرج في وقت وجوب الاستبراء مشتغلا بحق الغير لم يجب الاستبراء: أن السيد إذا أعتق أم ولده أو مات عنها وهي تحت زوج لم يجب الاستبراء؛ لكون الفرج مشتغلا بحق الغير. والدليل على أن الملك إذا حدث والفرج غير مشتغل بحق الغير يوجب الاستبراء: أن الرجل إذا كانت أمته, فعجزت وجب على السيد أن يستبرئها, (٢٦١/ ب) ولم يختلف مذهب الشافعي فيه, وكذلك إذا زوج رجل أمته فطلقها زوجها قبل الدخول بها وجب عليه أن يستبرئها, لأن الملك حدث على الفرج وهو غير مشتغل بحق الغير, وهذا أيضاً مما لم يختلف المذهب فيه.

стр. 1796

فأما المعنى الذي اعتمده في الإملاء: أن الملك إذا حدث على الفرج وجب الاستبراء كاملاً في ملك يمينه, وإن حدث الملك وهي مشتغلة بالاستبراء حتى وقع بعض الاستبراء في ملكه, وبعضه في غير ملكه لم يعتد بذلك الاستبراء ووجب استئنافه, وإذا حصل في الملك استبراء كامل وقع الاكتفاء به ولم يجب غيره, فعلى هذا: إذا اشترى الأمة وهي معتدة وانقضت العدة وجب عليه أن يستبرئها, لأن بعض تلك العدة كان في ملكه وبعضها كان في غير ملكه, فإذا انقضت العدة وجب عليه الاستبراء, وإذا زوجها وطلقها زوجها بعد الدخول, فاعتدت عنه لم يجب الاستبراء؛ لأن هذا الاستبراء بالعدة, وكان كله في ملك السيد فاكتفيا به ولم نوجب استبراء ثانيًا.

стр. 1797

كتاب الرضاع مسألة (٦١٣): اليسير من لبن الآدمية إذا تقطر في يسير من الماء أو من الطعام ثم وصل ذلك الطعام كله إلى جوف الرضيع تعلقت به الحرمة, إذا استجمع سائر الشرائط. وإن وصل بعض ذلك الماء, أو بعض ذلك الطعام إلى جوفه لم تتعلق به الحرمة على الصحيح من المذهب. والفرق بين المسألتين: أنه إذا استوعب ذلك الطعام تيقنا أن اللبن قد وصل إلى جوفه؛ لأن عين اللبن كانت مختلطة بذلك الطعام الذي استوعبه. فأما إذا وصل بعضه إلى جوفه دون جميعه, فلسنا نتيقن أن عين اللبن كانت في ذلك المقدار المطعون دون المقدار الباقي, وكما لا نوقع بعد التحريم تحليلا إلا بيقين, فكذلك لا نوقع بعد يقين التحليل تحريما إلا بيقين.

стр. 1798

فإن قال قائل: أليست القطرة من النجاسة إذا وقعت في الماء القليل انتشر حكمها إلى الجميع وإن لم تنتشر عينها إلى الجميع؟ وقد قلتم في اللبن خلاف ذلك, فما الفرق؟. قلنا: الفرق بينهما أن نجاسة الماء تارة تكون عينية وتارة تكون حكمية ولا نتصور حرمة, الرضاع إلا بوصول عين اللبن, فحكمنا بنجاسة جميع الماء وإن تيقنا أن عين النجاسة لم تنتشر إلى جميع أجزائه ولا نتيقن وصول عين اللبن بوصول بعض المختلط, والعين هي المعتبرة (٢٦١/ ب). مسألة (٦١٤): المحرم إذا تعاطي طعاما فيه ى طيب والطيب مغلوب بالطعام مستهلك بحيث لا يظهر له لون ولا رائحة ولا طعم لم تلزمه الفدية.

стр. 1799

وإذا وصل إلى جوف الصبي لبن مغلوب بالطعام تعلقت الحرمة به، وإن لم يظهر له لون ولا طعم ولا رائحة. والفرق بين المسألتين: أن المحرم إنما تلزمه الفدية بأن يستمتع برائحة الطيب, ولا تلزمه الفدية إذا استعمل عينه ولا رائحة له .. [ألا ترى أن المسك اذا ذهبت رائحته بتطاول الزمان] وذهب طيبه فشده المحرم على طرف ردائه لم لتزمه الفدية, ولو كانت رائحته تفوح حين شده على طرف ردائه لزمه الفدية, فلذلك قلنا: إذا أكل طعاما والطيب فيه مستهلك لا تفوح له رائحة فالفدية فيه غير واجبة. فأما حرمة الرضاع فالاعتبار فيها بأن يصل إلى جوف الرضيع عين اللبن يقينا, والعين قد وصلت، وإن كانت مستهلكة, وليس يتوقف إنبات اللحم وانتشار العظم وفتق الأمعاء إلا بوصول العين سواء كانت مغلوبة أو غالبة.

стр. 1800

مسألة (٦١٥): اللبن اليسير إذا تقطر في الماء, فقال الرجل: والله لا أشرب ماء فشربه حنث. ولو قال: والله لا أشرب لبنا, فشربه لم يحنث, وإذا شربه الرضيع كان حكمه حكم اللبن, وتعلقت الحرمة به. وإنما فصلنا بين حكم الحرمة وبين حكم الأيمان: لأن الاعتبار في الحرمة بوصول عين اللبن, وقد وصل اللبن إلى جوفه, وكذلك علقنا الحرمة بالأقط والجبن, ولا يتصور فيها فعل الشرب, ولكنها يتصور فيها وصول عين اللبن مع الحالة الحادثة والتغير الموجود. فأما البر والحنث في الإيمان فإنهما معلقان بحقائق الأسماء والألفاظ واسم الماء يطلق على هذا المشروب, واسم اللبن لا يطلق عليه. وكذلك اعتبرنا أوصاف الأفعال في الإيمان دون شرب الألبان, حتى إذا قال: والله لا آكل خبرا فماثه في ماء ثم تحساه لم يحنث, وكذلك لو قال:

стр. 1801

والله لا أشرب ماء فأكل طعاما وفيه ماء لم يحنث في يمينه, فاعتبرنا كل أصل بما هو مبني عليه. مسألة (٦١٦): إذا كان لرجل امرأة كبيرة لها لبن, فأرضعت زوجته الصغيرة خمسا حرمت عليه إن كان اللبن منه, وكذلك لو كان اللبن من غيره إلا أنه كان قد دخل بالكبيرة إنها في إحدى الحالتين تصير بنتا له, وفي الحالة الثانية: وهي إذا كان اللبن من غيره. تصير ربيبة من امرأة دخل بها. ولو أنها أرضعت مملوكه له صغيرة فحرمتها عليه بواحدة من هاتين الجهتين صار الوطء بملك اليمين محرما كما صار النكاح محرما, غير أنها بالإرضاع في النكاح غارمة, وفي ملك اليمين غير غارمة.

стр. 1802

والفرق بين المسألتين: أن المقصود من النكاح حل البضع, وقد فوتت عليه هذا المقصود بالإرضاع, فلابد من الغرم. فأما ملك اليمين, فليس المقصود منه حل البضع, وإنما المقصود منه معنى المال, وما فوت عليه بالإرضاع معنى المال. ولهذه النكتة قلنا: يشتري الرجل من لا يستبيح وطئها ولا ينكح إلا من يستبيحها, وكذلك قلنا: لو اشترى مملوكة, فاستبان أنها محرمة عليه بلبن, أو نسب أو صهر فليس له ردها بالعيب, ولو كان فوات المقصود يتعلق بالحرمة في ملك اليمين لكان له ردها, كما يرد في النكاح الرتقا والقرنا بالفوات المقصود. وكذلك قلنا: لو اشترى من رجل جارية رضيعه, ثم إن المشتري استرضعها أم البائع فأرضعتها وحرمته على البائع, ثم وجد المشتري بها

стр. 1803

عيبًا كان له ردها بالعيب, ولم يكن للبائع أن يمتنع ويعتذر بالحرمة العارضة. مسألة (٦١٧): إذا كان لرجل زوجة كبيرة وله خمس بنات مراضع, وتحته مع الكبيرة صغيرة رضيعة, فأرضعتها كل واحدة من بنات الكبيرة رضعة حتى استكملت الخمس ثبتت الحرمة على الصحيح من المذهب, وصارت الكبيرة جدة للصغيرة, وبطل نكاحهما جميعا بالتدافع. ومثله: لو كان للزوج زوجة صغيرة وأم ولد مرضع بلبنه, وامرأة ابن ترضع بلبن الابن, وجدة من جهة الأب, وجدة من جهة الأم, وامرأة أب, فأرضعت كل واحدة منهن زوجته الصغيرة رضعة واحدة لم تثبت حرمة

стр. 1804

الرضاع, وما سوى ذلك من المذهب فمستضعف جدا والفرق بين المسألتين: أن بنات الكبيرة إذا أرضعن الصغيرة رضعة رضعة فجمعنا ألبانهن وجدنا لجمعها طريقة سديدة ممتدة في التحريم بأن نقول: صارت هذه الألبان منسوبة بالجمع في حق الكبيرة, لانتساب بناتهن إليها, فصارت الكبيرة جدة لهذه الصغيرة, وإذا اجتمعت الجدة وبنت بنتها, أو بنت ابنها تحت الرجل الواحد صارتا متدافعتين وبطل نكاحهما. فأما المسألة الثانية فلسنا نجد فيها لجمع الألبان المتفرقة طريقة واحدة من طرق الحرمة, لأن إحداهن امرأة ابنه, والأخرى امرأة أبيه, والأخرى أم ولده، والباقيتان جدتان: إحداهما من قبل أبيه والأخرى من قبل أمه, ولا يمكننا تحريم امرأة؛ لمعان مختلفة, لا يتم واحد منها في النسبة

стр. 1805

والإضافة بأن نقول: خمسها [بنته, وخمسها أخته, وخمسها] بنت ابنه, وخمسها عمته, وخمسها خالته, فهذا فرق ما بين المسألتين. مسألة (٦١٨): المنصوص عليه للشافعي- ﵀ في كتاب الرضاع-: أن المرضعة بتفويت النكاح تغرم نصف مهر المثل, والمنصوص عليه في كتاب الشهادات ما يدل بظاهره على أن شهود الزور بتفويت النكاح يغرمون جميع مهر المثل. والمسألتان منصوصتان قبل المسيس. فأما بعد المسيس فالغرامة في المسألتين جميع مهر المثل, ولا إشكال فيه. والفرق بين الرضاع وبين شهادة الزور: أن الشهود إذا شهدوا عند الحاكم ففرق القاضي بشهادتهم بين الزوج والزوجة كانت تلك الشهادة سبب حيلولة

стр. 1806

في الظاهر دون الباطن, لأن القضاء بشهادة الزور ينفذ ظاهرا ولا ينفذ باطنا وقضاء القاضي عندنا لا يحيل الأمور هما هي عليه عند الله تعالى, وهذا معنى قول رسول الله- ﷺ : " فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" فصارت هذه الحيلولة كالحيلولة الواقعة بين السيد وبين العبد المغصوب الآبق من يد الغاصب, فيغرم الغاصب جميع قيمته، فكذلك الشهود يغرمون جميع القيمة. فأما المرضعة إذا فسدت بالرضاع نكاحا, فالحرمة الواقعة وقعت ظاهرة وباطنة, فانتشرت الحرمة الواقعة بالطلاق, والبضع عند الطلاق قبل المسيس

стр. 1807

يكون مضمونا بنصف [المسمى, فكذلك يصير مضمونا عند الاستهلاك على المرضعة بنصف] مهر المثل دون جميعه. مسألة (٦١٩): قال الشافعي. ﵀: "المرأة إذا أرضعت صغيرتين تحت زوج إحداهما بعد الأخرى حتى أكملت الرضاع بطل نكاح الأولى, وفي نكاح الثانية قولان. أحدهما: أنه قد بطل, فكأنه نكح أختين معا. والثاني: أنه لم يبطل, وكأنه نكح أختا على أخت.

стр. 1808

وقال: إذا كان تحت الرجل كبيرة مرضعة وصغيرة مرضعة, فأرضعت الكبيرة الصغيرة بطل نكاحهما, وجعله كالجمع بين الأم وابنتها ولم يجعله كنكاح البنت على الأم. وذكر بعض مشايخنا الفرق بين المسألتين بأن قال: إنما ينفسخ نكاح الأم والبنت جميعا, لأنه لم يفتقر في ذلك إلى إرضاع شخصين, بل (٢٦٣/ أ) حصل هذا المعنى بينهما بإرضاع واحدة وهو إرضاع الكبيرة الصغيرة, فلذلك انفسخ النكاحان معا, وصار كما لو تزوج صغيرتين رضيعتين فأرضعت إحداهما أم الأخرى انفسخ نكاح الصغيرتين جميعا, لأنه لا يفتقر في إيجاد الأخوة بينهما إلى إرضاع شخصين، بل لما أرضعت صغيرة واحدة حصلت الأخوة فانفسخ النكاحان.

стр. 1809

فأما في المسألة الأخرى فليس كذلك؛ لأن الأخوة لا تحصل بينهما إلا بإرضاع شخصين، وحصل إرضاع إحداهما قبل الأخرى، وإذا وجد سبب الاجتماع على الترتيب فكانت إحداهما فيه بعد الأخرى لم يبطل نكاح الأولى وبطل نكاح الثانية، كما لو نكح أختًا على أخت كان نكاح الثانية باطلًا. وذكر بعض مشايخنا فرقًا ثانيًا وقال: إنك لا تحكم في مسألة الأم والبنت بأن نكاحهما ينفسخ بسبب واحد، بل انفسخ نكاحهما بسببين: أما نكاح البنت فإنما انفسخ بسبب اجتماعهما مع الأم، وأما نكاح الأم فإنما انفسخ؛ لأنها صارت من أمهات نسائه. ألا ترى أنه لو طلق الصغيرة قبل أن ترضعها الكبيرة ثم جاءت الكبيرة فأرضعت المطلقة الصغيرة بطل نكاحها وحرمت عليه أبدًا؛ لأنها صارت من أمهات نسائه. وأما نكاح الأختين فسبب فساده واحد وهو: اجتماعهما في الأخوة، وسبب الأخوة قد وجد بينهما على الترتيب، لا على الجمع. ومن قال بهذا الفرق لم يقطع القول في المسألة التي استشهد بها من قال بالتفريق الأول، بل يقول إذا جاءت أم إحدى الرضيعتين فأرضعت

стр. 1810

الأخرى فهي مسألة القولين، كالأجنبية إذا أرضعت إحداهما بعد الأخرى كان نكاح الثانية باطلًا، ونكاح الأولى صحيحًا في أحد القولين، وكذلك نكاح المرضعة باطل، وفي نكاح الأخرى قولان. مسألة (٦٢٠): إذا كان تحت رجل صغيرتان رضيعتان، وكبيرتان مرضعتان، فأرضعت كل واحدة من [الكبيرتين كل واحدة من] الصغيرتين نظرنا في كيفية إرضاعهما، فإن أرضعت الكبيرة الثانية الصغيرتين على مثل ترتيب إرضاع الكبيرة الأولى انفسخ نكاح الكبيرتين، ونكاح الصغيرة التي أرضعتاها أولًا، [وأما نكاح الصغيرة التي أرضعتاها] آخرًا، فهو بحاله إذا لم يكن دخل بالكبيرتين، ولو أن الكبيرة الثانية أرضعت الصغيرتين على العكس من فعل الكبيرة الأولى، انفسخ نكاح الأربع. والفرق بين الصورتين: أن الكبيرة الأولى لما أرضعت الصغيرة الأولى اجتمع الأم وبنتها في النكاح، فانفسخ نكاحهما جميعًا، فلما أرضعت هذه الكبيرة/ (٢٦٣/ ب) الصغيرة الثانية أرضعتها وهي بائنة، فلم ينفسخ نكاح تلك الصغيرة؛

стр. 1811

لعدم الاجتماع، فلما جاءت الكبيرة الثانية فأرضعت الصغيرة الأولى صارت من أمهات نسائه، وانفسخ نكاحها، فلما أرضعت الصغيرة الثانية أرضعتها وهي بائنة، فلم ينفسخ نكاح الصغيرة الثانية. فأما إذا كان فعل الكبيرتين على العكس، فكل واحدة من الكبيرتين لما أرضعت الصغيرة التي أرضعتها اجتمعت الأم وابنتها في النكاح، فانفسخ نكاح الأربع. مسألة (٦٢١): إذا اعترف الرجل برضاع بينه وبين امرأته ثبتت الحرمة، وسواء كان ذلك في النكاح أو قبل النكاح. وإذا اعترفت المرأة برضاع بينها وبين الرجل فإن كان النكاح يومئذٍ قائمًا بينهما لم يقبل قولها عليه ما لم يعترف، كما اعترف، وإن لم يكن بينهما نكاح حين اعترفت كان قولها مقبولًا، فإذا أراد بعد ذلك أن يتنكاحا، فلا سبيل لهما إليه.

стр. 1812

والفرق بين حالتيهما: أنها إذا اعترفت والزوجية قائمة، فقد قصدت رفع النكاح بينها وبين زوجها، فالقول قول الزوج ولذلك سوينا في جانب الرجل بين أن يعترف والنكاح قائم، وبين أن يعترف والنكاح مفقود، لأن المرجع إليه في ألفاظ الفراق. فأما إذا اعترفت المرأة بالرضاع، ولا نكاح يومئذٍ، فهي بهذا الاعتراف غير معترضة على حق ثابت لزوجها، لكنها اعترفت لله على جهة الندب، فإذا أرادت بعد الاعتراف مناكحته، فقد رجعت عما قالت فلا تأثير لرجوعها، والاعتبار بإقرارها السابق، بخلاف ما لو جحدت الرجعة، ثم اعترفت بها فتكون كمن جحدت حقًا، ثم أقرت به. مسألة (٦٢٢): البنت البالغة إذا زوجت فاعترفت برضاع بينها وبين زوجها [ولم يصدقها لم يقبل قولها، بخلاف البكر إذا زوجها أبوها، ثم ادعت رضاعًا بينها وبين زوجها] فقولها مقبول، وهذا من نوادر كتاب الرضاع في قبول قول المرأة على الزوج.

стр. 1813

والفرق بين المسألتين: أنها إذا كانت ثيبًا فالنكاح لا ينعقد عليها إلا باستئمارها واستئذانها، فإذا أذنت فقد صرحت بأنها حلال للزوج، وأن لا حرمة بينها وبين الزوج، ولو أقرب بشيء، ثم رجعت عن إقرارها لم ينفع رجوعها. فأما البكر فمعقول أن أباها يجبرها على النكاح، فإذا زوجها من غير استئذان، ثم ذكرت رضاعًا لم تكن مكذبة نفسها بنفسها؛ لأن/ (٢٦٤/ أ) الإذن غير سابق منها. ولمثل هذه النكتة نقول: إذا باع الرجل عبده، ثم أقر بأنه كان أعتقه لم يقبل قوله ولم ينقض بيعه، ولو باع القاضي عبد رجل غائب في دينه فرجع وأقام البينة على أنه كان أعتقه بتاريخ متقدم على بيع القاضي فبيعه باطل، والعتق نافذ؛ لأن القاضي باع وليس عنده خبر العتق، وعلى هذا نظائر هذا الباب.

стр. 1814

كتاب النفقات مسألة (٦٢٣): المكاتب إذا كان له ولد من امرأته الأمة، فليس له أن يتفق عليه من مال الكتابة، وكذلك ولده من امرأته الحرة، وإذا كان له ولد من مملوكته لزمه أن ينفق عليه من مال الكتابة. والفرق بينهما: أن ولده إذا كان من مملوكته، فهو تبع له يعتق بعتقه ويرق برقه، فكان حكمه حكمه، فأما ولده من امرأته الحرة، فحر ونفقته تكون على الأم دون الأب المملوك، وأما ولده من امرأته المملوكة للغير، فعبد سيده المملوك لا يعتق بعتق المكاتب، فتجب نفقته على سيد الأم. مسألة (٦٢٤): المرأة المخدومة تستحق نفقة خادمتها، ولخادمتها على الزوج أن يعطيها الخف. فأما العروس، فليس لها على الزوج خف.

стр. 1815

والفرق بينهما: أن الخادمة لا تستغني في حاجات العروس عن التردد ودخول الأسواق. فأما العروس، فلا حاجة لها إلى الخروج. وللعروس مؤنة المشط والدهن، وليس ذلك للخادمة. والفرق: أن العروس: لا تجد بدًا من التنظيف، والتزين له، وله حق الاستمتاع بها دون الخادمة، [فلا يلتزم للخادمة ما يكون من مؤنة التنظيف وعمارة البدن]. مسألة (٦٢٥): قال الشافعي ﵀ في كتاب النفقات: "من لم تكمل فيه الحرية، فهو كالمملوك"، فجعل نفقة زوجته، كنفقة المماليك. وقال في كتاب الأيمان: "إذا وجبت عليه كفارة وفي يده مال، فكفارته بالإطعام، لا بالصيام". والفرق بين المسألتين: أن كفارة الأيمان مما له أصل وبدل، والأصل والبدل

стр. 1816

إذا التقيا ووجدنا سبيلًا إلى تغلب الأصل وتقديمه، فلابد من التغليب، ولو أنه وجد في السفر ثمن الماء لم يجز له الانتقال إلى التراب. فأما النفقة، فليست من جملة ما له أصل وبدل، والعبد ما دامت فيه شعبة من الرق، فإنه غير مستكمل لفضيلة الحرية، فلا وجه لإلحاقه في النفقة بالأحرار على وجه الإطلاق. مسألة (٦٢٦): قال الشافعي ﵀: "إذا كان الزوج فقيرًا فعليه/ (٢٦٤/ ب) للمرأة في كل يوم مد من لحب ولخادمتها مد، وإن كان مؤسرًا فللمرأة مدان ولخادمتها مد وثلث، وإن كان متوسطًا فللمرأة مد ونصف، وللخادمة مد". فأعطى الشافعي الخادمة مدًا وثلثًا عند كونه موسرًا، وفصل في التقدير بينها وبين العروس عند الإعسار، فأعطى العروس مدًا ونصفًا حين نقصها عند المتوسط، وأعطها مدًا عند الفقير، وغاية ما أعطى الخادمة مد وثلث، وإذا نقصها ردها إلى المد.

стр. 1817

فأما العروس فمعنى الفرق فيها بين، وذلك: أنه إذا أعطاها عند الموسر مدين وعند الفقير مدًا واحدًا فمستقيم، وحسن أن يعيطها عند المتوسط مدًا ونصفًا فيكون قد نصف المد الزائد، فهذا معنى الفرق والتفاضل في أحوالها. فأما الخادمة فإنها إذا أخذت مدًا واحدًا فإنها تكون على أقل ما يسد الرمق، فلا إشكال في معنى استحقاقها، فأما استحقاقها مدًا وثلثًا عند الموسر فهذا موضع الإشكال في الفرق عند مشايخنا، فمنهم من قال: يحتمل أن يكون الشافعي. ﵀. أخذ ذلك من حالة المتوسط، وذلك أن الزوج إذا كان متوسطًا، فللمرأة مد ونصف وللخادمة مد، فيكون نصيب العروس ثلاثة أمثال نصف نصيب الخادمة، فكذلك إذا كان الزوج موسرًا وجب أن تكون العروس ثلاثة أمثال نصف نصيب الخادمة. ومن مشايخنا من قال: يحتمل أن يكون الشافعي استنبط ذلك من أصل في المواريث وهو: أن الأبوين يستحقان السدسين مع الابن فيستويان في الاستحقاق، فإذا جاءت حالة التفاضل وهي حالة انفرادها بالمال كان

стр. 1818

للأب الثلثان وللأم الثلث، فتكون الزيادة التي استحقها [الأب ثلاثة أمثال الزيادة التي استحقها] الأم، فكذلك ما استحقت العروس عند الموسر من الزيادة على نصيبها عند الفقير ثلاثة أمثال الزيادة التي استحقها الخادمة عند الموسر.

стр. 1819

كتاب الجراح مسألة (٦٢٧): إذا حبس رجل رجلًا في بيت، وأغلقه عليه، ووضع معه في البيت طعامًا وشرابًا، فامتنع المحبوس، فلم يطعم، ولم يشرب حتى مات، فليس على الحابس قود، ولا دية قولًا واحدًا. ولو أن رجلًا ألقى رجلًا في البحر قريبًا من البر وهو يحسن العوم، فلم يعم حتى مات، فالدية واجبة، والمنصوص أن لا قود عليه. والفرق بين المسألتين: أن المحبوس إذا امتنع، فلم يطعم، ولم يشرب، فهو الذي جنى على نفسه بالامتناع، وليس لفعل الحابس بحبسه تأثير في ذمه، فوجود فعله كعدمه. فأما إذا ألقاه في غمرة من/ (٢٦٥/ أ) البحر -[وإن كانت قريبة من الساحل ففعل الإلقاء

стр. 1820

سبب للقتل]، وتركه العوم، كتركه مداواة الجراحة، والمجروح بترك مداواة الجراحة لا يصير قاتل نفسه ولا شريك دمه؛ فلذلك فصلنا بين المسألتين. مسألة (٦٢٨): إذا حبس رجل رجلًا في بيت وألقى عليه في البيت سبعًا ضاريًا، فافترسه، وقتله، فالحابس هو القاتل. ولو ألقي عليه في البيت حية، فنهشته من غير إنهاش، فالقتل غير منسوب إلى من حبسه. والفرق بين المسألتين: أن السبع الضاري يقصد بطبعه في عادة مثله تعرض له ذلك المحبوس، أو لم يتعرض، هذا غالب المعهود من طباع السباع، فقد اتخذه الحابس سلاحًا في عمد القتل، فانتسب القتل إليه.

стр. 1821

فأما طبع الحيات فخلاف طبع السباع؛ لأن الحية إنما تقصد في الغالب من يتعرض لها بالأذى دون من لا يتعرض لها، فصار القتل غير منسوب إلى من حبسه مع الحية. والاعتبار في هذه المسألة بما ذكرناه من غالب الطبع، فإن تصور من الثعبان الجائع ما يتصور من السبع الضاري كان حكمهما حكمًا واحدًا. مسألة (٦٢٩): إذا جرح رجل رجلًا عمدًا، ثم قتله خطأ فقد قال الشافعي ﵀: "للولي القصاص في الجرح، ودية النفس على العاقلة"، ولم يحكم بإدراج الجراحة تحت النفس. ولو جرح رجل رجلًا عمدًا، ثم عاد فذبحه فقد قال الشافعي. ﵀.: "صار ذلك الجرح نفسًا"، فحكم بإدراج الجراحة تحت النفس في هذه الصورة الثانية. والفرق بين المسألتين: أن الجراحة في المسألة الأولى إذا كانت عمدًا وكان القتل خطأ فهما جنايتان مختلفتان في الجنس غير متفقين؛ والدليل على حقيقة

стр. 1822

اختلافهما: أن النفس تكون على العاقلة إذا كان قتلها خطأ والجراحة تكون في ماله إذا كانت عمدًا، والتباين والاختلاف مما يمنع الإدراج والاندراج. فأما إذا كان الفعل عمدًا في الجراحة وفي الإجهاز جميعًا فهما متجانسان في الحكم. ألا ترى أن دية الجراحة والنفس جميعًا في مال الجاني، التجانس سبب الاندراج. وهذا كله إذا كان الإجهاز قبل الاندمال، فأما إذا حصل الاندمال، ثم تصور الإجهاز فالجراحات لا تدخل تحت النفس بحال؛ لأن حكمها قد استقر بالاندمال، وكذلك إذا تصور الإجهاز من غير الجارح والجرح من غير المجهز لم يندرج فعل الجارح تحت فعل القاتل، لكن الجارح يضمن حكم جراحته، وينفرد القاتل بضمان قتله. فأما إذا جرحا، فسرت الجراحتان إلى النفس، فمات، فهما حينئذٍ شريكان في النفس بلا خلاف.

стр. 1823

فأما إذا كانا عامدين، فالقود عليهما، وإن كانا خاطئين، أو كان أحدهما عامدًا والثاني خاطئًا، فلا قود عليهما ووجبت الدية. مسألة (٦٣٠): / (٢٦٥/ ب) إذا قتل حر وعبد رجلًا مملوكًا وجب القود على المملوك وإن لم يجب على الحر. ولو جرح رجل رجلًا عمدًا، ثم جرح المجروح نفسه عمدًا، فمات من الجراحتين، فلا قود على الجارح في أصح القولين. والفرق بين المسألتين: أن المجروح إذا جرح نفسه كان فعله فعلًا غير مضمون بحال لا قود عليه، ولا دية وسراية فعله شاركت فعل الجاني، وهذه المشاركة شبهة ظاهرة، والقصاص يسقط بالشبهة، فسقط القصاص. وأما الحر والعبد إذا جرحا عبدًا، ففعل كل واحد منهما فعل ضمان، وإذا جرحت النفس عن عمد محض مضمون وجب القصاص على من هو من أهل

стр. 1824

القصاص وإن لم يجب على الثاني؛ ولذلك قتلنا شريك الأب، وفصلنا بينه وبين شريك الخاطئ. مسألة (٦٣١): قال الشافعي ﵀: "لو أرسل سهمًا على نصراني فلم يصبه حتى أسلم، أو على عبد فلم يقع عليه حتى أعتق لم يكن عليه قصاص؛ لأن تخلية السهم كانت ولا قصاص، وفيه دية حر مسلم والكفارة، وكذلك المرتد يسلم قبل وقوع الرمية لتحويل الحال". فجعل الشافعي ﵀[حالة إرسال السهم معتبرة في هذا الفعل، فأسقط القصاص لما كانت المكافأة مفقودة في حال الإرسال، وإن كانت المكأفأة موجودة في حال وقوع السهم. وقد قال الشافعي ﵀: "لو رمى حربيًا فلم يقع عليه السهم حتى أسلم، أو رمى مرتدًا فلم يقع عليه السهم حتى أسلم، فلا قود عليه، وعليه دية حر مسلم".

стр. 1825

فلم يجعل إرسال السهم كابتداء الجناية، إذا لو جعله كابتداء الجناية لما وجبت الدية، وصار كما لو جرحه وهو حربي، فمات، فلا تكون الدية واجبة وإن أسلم بعد الجراحة. وإنما فصل الشافعي ﵁ بين] القصاص والدية في اعتبار إرسال السهم؛ لأن القصاص حكم يسقط بالشبهة، كما تسقط الحدود بها لما كان من جنس العقوبات، وحالة الإرسال حالة ابتداء الجناية وإن لم تكن عين الجناية، فعدم المكافأة في هذه الحالة صار سببًا وشبهة في إسقاط ما يسقط بالشبهة. وأما حكم الدية فخلاف حكم القود؛ لأن الدية تجب بالشبهة، ألا ترى أنها تجب في القتل بالأٍسباب، كما تجب في مباشرة القتل، فإذا كان عند وقوع السهم به محقون الدم جعلنا دمه مضمونًا؛ [لأنه حالة حقيقة الجناية وإن كان مباح الدم عند إرسال السهم] ولاعتبار المآل أثر ظاهر في الديات. ألا ترى أن العبد إذا جرح، فعتق، ثم مات فالواجب دية الحر وإن كان مملوكًا يوم الجراحة، وكذلك النصراني إذا جرح، فاسلم، ثم مات، فالواجب دية مسلم وإن كان كافرًا يوم الجراحة.
следующие страницы →