Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
فأما طبع الحيات فخلاف طبع السباع؛ لأن الحية إنما تقصد في الغالب من يتعرض لها بالأذى دون من لا يتعرض لها، فصار القتل غير منسوب إلى من حبسه مع الحية.
والاعتبار في هذه المسألة بما ذكرناه من غالب الطبع، فإن تصور من الثعبان الجائع ما يتصور من السبع الضاري كان حكمهما حكمًا واحدًا.
مسألة (٦٢٩): إذا جرح رجل رجلًا عمدًا، ثم قتله خطأ فقد قال الشافعي ﵀: "للولي القصاص في الجرح، ودية النفس على العاقلة"، ولم يحكم بإدراج الجراحة تحت النفس.
ولو جرح رجل رجلًا عمدًا، ثم عاد فذبحه فقد قال الشافعي. ﵀.: "صار ذلك الجرح نفسًا"، فحكم بإدراج الجراحة تحت النفس في هذه الصورة الثانية.
والفرق بين المسألتين: أن الجراحة في المسألة الأولى إذا كانت عمدًا وكان القتل خطأ فهما جنايتان مختلفتان في الجنس غير متفقين؛ والدليل على حقيقة
стр. 1822
اختلافهما: أن النفس تكون على العاقلة إذا كان قتلها خطأ والجراحة تكون في ماله إذا كانت عمدًا، والتباين والاختلاف مما يمنع الإدراج والاندراج.
فأما إذا كان الفعل عمدًا في الجراحة وفي الإجهاز جميعًا فهما متجانسان في الحكم.
ألا ترى أن دية الجراحة والنفس جميعًا في مال الجاني، التجانس سبب الاندراج.
وهذا كله إذا كان الإجهاز قبل الاندمال، فأما إذا حصل الاندمال، ثم تصور الإجهاز فالجراحات لا تدخل تحت النفس بحال؛ لأن حكمها قد استقر بالاندمال، وكذلك إذا تصور الإجهاز من غير الجارح والجرح من غير المجهز لم يندرج فعل الجارح تحت فعل القاتل، لكن الجارح يضمن حكم جراحته، وينفرد القاتل بضمان قتله.
فأما إذا جرحا، فسرت الجراحتان إلى النفس، فمات، فهما حينئذٍ شريكان في النفس بلا خلاف.
стр. 1823
فأما إذا كانا عامدين، فالقود عليهما، وإن كانا خاطئين، أو كان أحدهما عامدًا والثاني خاطئًا، فلا قود عليهما ووجبت الدية.
مسألة (٦٣٠): / (٢٦٥/ ب) إذا قتل حر وعبد رجلًا مملوكًا وجب القود على المملوك وإن لم يجب على الحر.
ولو جرح رجل رجلًا عمدًا، ثم جرح المجروح نفسه عمدًا، فمات من الجراحتين، فلا قود على الجارح في أصح القولين.
والفرق بين المسألتين: أن المجروح إذا جرح نفسه كان فعله فعلًا غير مضمون بحال لا قود عليه، ولا دية وسراية فعله شاركت فعل الجاني، وهذه المشاركة شبهة ظاهرة، والقصاص يسقط بالشبهة، فسقط القصاص.
وأما الحر والعبد إذا جرحا عبدًا، ففعل كل واحد منهما فعل ضمان، وإذا جرحت النفس عن عمد محض مضمون وجب القصاص على من هو من أهل
стр. 1824
القصاص وإن لم يجب على الثاني؛ ولذلك قتلنا شريك الأب، وفصلنا بينه وبين شريك الخاطئ.
مسألة (٦٣١): قال الشافعي ﵀: "لو أرسل سهمًا على نصراني فلم يصبه حتى أسلم، أو على عبد فلم يقع عليه حتى أعتق لم يكن عليه قصاص؛ لأن تخلية السهم كانت ولا قصاص، وفيه دية حر مسلم والكفارة، وكذلك المرتد يسلم قبل وقوع الرمية لتحويل الحال".
فجعل الشافعي ﵀[حالة إرسال السهم معتبرة في هذا الفعل، فأسقط القصاص لما كانت المكافأة مفقودة في حال الإرسال، وإن كانت المكأفأة موجودة في حال وقوع السهم.
وقد قال الشافعي ﵀: "لو رمى حربيًا فلم يقع عليه السهم حتى أسلم، أو رمى مرتدًا فلم يقع عليه السهم حتى أسلم، فلا قود عليه، وعليه دية حر مسلم".
стр. 1825
فلم يجعل إرسال السهم كابتداء الجناية، إذا لو جعله كابتداء الجناية لما وجبت الدية، وصار كما لو جرحه وهو حربي، فمات، فلا تكون الدية واجبة وإن أسلم بعد الجراحة.
وإنما فصل الشافعي ﵁ بين] القصاص والدية في اعتبار إرسال السهم؛ لأن القصاص حكم يسقط بالشبهة، كما تسقط الحدود بها لما كان من جنس العقوبات، وحالة الإرسال حالة ابتداء الجناية وإن لم تكن عين الجناية، فعدم المكافأة في هذه الحالة صار سببًا وشبهة في إسقاط ما يسقط بالشبهة.
وأما حكم الدية فخلاف حكم القود؛ لأن الدية تجب بالشبهة، ألا ترى أنها تجب في القتل بالأٍسباب، كما تجب في مباشرة القتل، فإذا كان عند وقوع السهم به محقون الدم جعلنا دمه مضمونًا؛ [لأنه حالة حقيقة الجناية وإن كان مباح الدم عند إرسال السهم] ولاعتبار المآل أثر ظاهر في الديات.
ألا ترى أن العبد إذا جرح، فعتق، ثم مات فالواجب دية الحر وإن كان مملوكًا يوم الجراحة، وكذلك النصراني إذا جرح، فاسلم، ثم مات، فالواجب دية مسلم وإن كان كافرًا يوم الجراحة.
стр. 1826
مسألة (٦٣٢): إذا أوضح نصراني رأس رجل، ثم أسلم الجاني/ (٢٦٦/ أ) وكانت جنايته خطأ ومات المجني عليه بالسراية فعلى عاقلته من النصارى أرش الموضحة وذلك: خمس من الإبل، وما سوى ذلك إلى تمام الدية ففي مال الجاني وليس على عاقلته المسلمين من ذلك شيء، وليس على عاقلته النصارى أكثر من أرش الموضحة.
ومثله لو قطع نصراني إصبع رجل خطأ فسرت الجراحة وتآكلت حتى سقط الكف، وأسلم الجاني بعد ذلك، فسرت تلك الجراحة إلى النفس، فمات منها، فعلى عاقلته من المشركين نصف الدية والباقي في مال هذا الجاني.
والفرق بين المسألتين: أن الجراحة في المسألة الأولى لم يستقر لها في الشرك [سراية، فوجب اعتبار عين الجراحة التي كانت في الشرك]، فاعتبرناها وصيرناها على عاقلته من المشركين.
فأما في المسألة الثانية فقد استقرت الجراحة في الشرك سراية لها منهى، وذلك أنها أسقطت الكف، ونهاية الضمان في الأطراف بالإبانة، كما أن نهاية الضمان في الأرواح بالإزهاق، فلما كان إسلامه بعد سقوط الكف استقر موجب الكف، وذلك نصف الدية على عاقلته من المشركين دون ما زاد على ذلك.
стр. 1827
واعلم أن عاقلته من المسلمين لا يضمنون في هاتين المسألتين شيئًا.
ومثله: لو أن نصرانيًا أوضحن رجلًا موضحة خطأ، [ثم أسلم النصراني، فأوضح ذلك الرجل بعينه موضحة أخرى خطأ] فمات من السرايتين فعلى عاقلته النصرانية أرش موضحة، وعلى عاقلته المسلمة نصف الدية، وفي ماله خمسة وأربعون بعيرًا حتى تتم الدية.
والفرق بين المسألة وبين المسألتين السابقتين: أن الجاني في المسألتين السابقتين لم يجن على ذلك الرجل في الإسلام جناية حتى تغرمها عاقلته المسلمون، فأما سراية جناية كانت في الشرك فمستحيل إيجابها على عاقلته من المسلمين؛ فلذلك أوجبنا على الجاني في المسألتين ما لم نضر به على عاقلته.
فأما في المسألة الثانية فقد وجدت منه جنايتان، جناية في الشرك وجناية في الإسلام، وخرجت نفسه بالجنايتين، فصار قسط كل جناية نصف الدية، فالجناية التي كانت في الإسلام صارت سرايتها وجميع حكمها مضروبة على العاقلة المسلمة، وأما الجناية الأخرى التي كانت في الشرك فلم يكن لها في الشرك سراية مستقرة، كاستقرار سراية الكف في مسألة الكف، وإنما استقرت في الإسلام بالإزهاق، فتقول عاقلته المسلمة: إنا لا نغرم سراية كانت في الإسلام
стр. 1828
من جناية/ (٢٦٦/ ب) كانت في الشرك، وتقول عاقلته المشركة: إنا لا نغرم سراية استقرت في الإسلام، وإنما نغرم جناية كانت في الشرك، وسراية تمت واستقرت في الشرك، فلم يمكن أن يضرب عليهم سوى الموضحة، فبقي ما بين الموضحة ونصف الدية في مال الجاني، وذلك خمسة وأربعون بعيرًا.
مسألة (٦٣٣): السلطان إذا أكره رجلًا على قتل رجل ظلمًا، فعلى السلطان القود، والصحيح من المذهب أن القود غير واجب على مأمور السلطان.
فأما المتغلب على البلد باللصوصية إذا أكره رجلًا على قتل رجل فالصحيح من المذهب أن القود واجب على المأمور المكره كوجوبه على المتغلب.
والفرق بين المسألتين: أن المتغلب ظاهر العدوان لا شبهة له ولا سلطان في الدماء، فلا يكاد يخفي على المأمور أن المتغلب ظالم متعسف بما كلفه،
стр. 1829
فكان من حقه أن يستسلم حتى يُقتل، أو يكافح المتغلب مجاهرًا بما يتأتى له من دفاعه، فأما الإقبال على قتل ذلك المظلوم فذلك مما لا عذر له فيه ولا شبهة له في تحريمه.
وأما السلطان فيده مبسوطة بالحق في الدماء وفي سفكها، وينقسم قتله: عدلًا وجورًا، وحقًا، وباطلًا، فمأموره لا يكاد يستيقن في قتله صفة الظلم، وغاية التصوير تصريح السلطان بأني ظالم في هذا القتل، وهذا التصريح لا ينافي الشبهة؛ لأنه ربما يقصد بذلك اختبار طاعة المأمور فيما يأمره به.
مسألة (٦٣٤): إذا قطع رجل يد عبد، فعتق، فجاء رجل وقطع بعد الحرية يده الأخرى، وجاء ثالث وقطع رجله، فمات فالدية عليهم أثلاثًا، وفيما للسيد فيه قولان:
أحدهما: يستحق الأقل من نصف القيمة، أو ثلث الدية.
والثاني: أنه يستحق الأقل من ثلث القيمة، أو ثلث الدية.
стр. 1830
ولو كانت المسألة بحالها غير أن الجاني الأول جني عليه بعد الحرية جناية ثانية كان فيما للسيد قولان:
أحدهما: أنه الأقل من نصف القيمة أو سدس الدية.
والثاني: أن له الأقل من سدس القيمة أو سدس الدية.
والفرق بين الصورتين: أن الجاني الأول إذا لم يجن سوى الجناية الأولى، فجميع ما يغرم إنما يغرم بسبب جنايته الواحدة، وكانت تلك الجناية في حالة الرق قلنا: إنه بسببها يغرم ثلث الدية، وحق السيد أقل المالين من نصف القيمة؛ لأنها عين جناية الرق، أو ثلث الدية؛ لأنها نهاية ما غرم ذلك الجاني. وعلى القول الثاني: لا تعتبر صورة الجناية؛ لأن الجنايات صارت نفسًا، فجعلنا/ للسيد الأقل من ثلث الدية، أو ثلث القيمة.
فأما في المسألة الثانية: فهذا الجاني الذي جني على الرقيق جني عليه في الحرية جناية ثانية، ولزمه ثلث الدية لمشاركة الجنايتين الأخريين، والثلث الذي لزمه إنما لزمه بسبب الجنايتين، فانقسم عليهما نصفين، فصار السدس [على مقابلة الجناية الثانية، ولا حق للسيد في ذلك السدس]، إنما حقه في السدس الذي قابل جناية زمان الرق، ثم كان في قدر حق السيد قولان:
стр. 1831
أحدهما: أنه الأقل من أرش جناية الملك، أو ما غرم الجاني بجنايته على الملك.
والقول الثاني: أن للسيد الأقل مما غرم الجاني بجنايته على الملك، وهو سدس الدية، أو مثل نسبته من القيمة وهو سدس القيمة، فحقه الأقل من السدسين.
مسألة (٦٣٥): إذا قطع ذكر خنثى مشكل وأنثييه وشفريه فقال الخنثى: لا أعفو عن القصاص، ولا أرضى بتأخير الحق، كان له أن يستعجل منه حكومة الشفرين.
ولو كانت المسألة بحالها إلا أن الجاني كان أيضًا خنثى مشكل لم يكن للمجني عليه استعجال شيء من المال مع امتناعه عن العفو.
стр. 1832
والفرق بين المسألتين: أن الجاني إذا كان رجلًا لم يتوهم عليه قصاصًا في الشفرين، وليس للرجل شفران، وإنما يتوهم وجوب القصاص في الذكر والأنثيين، ولا جزم، ولا نعطيه مالًا في محل توهم القصاص مما لم يتصور من جهته العفو.
فأما إذا كانا جميعًا خنثين مشكلين، فما من عضو من الأعضاء المقطوعة إلا والقصاص موهوم الوجوب فيه بأن يخرجا ذكرين، أو أنثيين، فإن الشافعي ﵀ قد نص على إيجاب القصاص في الأعضاء الزائدة كإيجابه في الأعضاء الأصلية، وإذا كان القصاص موهومًا في جراحة من الجراحات ولم يعف المجني عليه عن القود، فلا سبيل إلى طلب المال.
مسألة (٦٣٦): وكيل ولي القصاص إذا تنحى بالقاتل؛ ليقتله، فعفا الولي، فقتله الوكيل ولم يعلم، ففي وجوب الدية قولان:
أحدهما: أنها واجبة على الوكيل.
والثاني: أنها غير واجبة.
فإذا أوجبنا على الوكيل، فالمنصوص - وهو الصحيح - أن الوكيل لا يرجع على الولي العافي وإن كان غارًا.
стр. 1833
ولو أن رجلًا غصب طعامًا، فأطعمه أجنبيًا، فغرم الأجنبي كان له أن يرجع على الغار الذي أطعمه في أظهر القولين.
والفرق بين المسألتين: أن غاصب الطعام مسيء بما فعل من الإطعام ومن التغرير، فإذا توجهت الغرامة على الطاعم كان له أن يرجع على/ (٢٦٧/ أ) من إضافة بسبب التغرير الذي فعله.
فأما ولي [القصاص، فمحسن بالعفو غير مسيء، فيستحيل تقرير عليه مع] الإحسان المتصور منه، فحكمنا بتقريره على الوكيل.
مسألة (٦٣٧): إذا أرسل سهمًا إلى قاتل أبيه، ثم عفا عن القود، والسهم في الطريق، ثم أصابه السهم، فقتله، فالمذهب أن الرامي بريء عن الضمان.
ولو وكل وكيلًا، فتنحى به، فعفا الولي، فقتله الوكيل، ففي وجوب الدية قولان.
والفرق بين إرسال السهم وبين إرسال الوكيل: أن الوكيل إذا انطلق؛ ليقتل، فغير بعيد أن يتأنى به، واستيفاء العقوبات على التأخير والمدافعة ما أمكن، فإذا لم
стр. 1834
يتأن به وابتدر إلى قتله، ثم استبان العفو جاز أن نقول: أراق دمًا محقونًا، فكان ضامنًا له.
وأما السهم المرسل، فلا يتصور فيه الصرف والعطف والتأني، فصار عفوه بعد الإرسال، وقبل الوقوع، كعفوه بعد الجراحة، وقبل الزهوق، ومعقول أنه لو جرح قاتل أبيه، ثم عفا عن دمه، فسرت الجراحة إلى النفس كان الدم هدرًا، فكذلك إرسال السهم إذا سبق العفو.
مسألة (٦٣٨): إذا وكل وكيلًا ببيع عبده، فانطلق الوكيل، ليبيع العبد، فأعتقه سيده، ثم باعه الوكيل فبيعه باطل.
وإذا انطلق وكيل القصاص، ليقتل القاتل فعفا الولي، ثم قتله الوكيل كان قتله في أحد القولين استيفاء للقصاص.
والفرق بين المسألتين: أن ملك الموكل ما دام باقيًا في رقبة العبد فتوكيله ببيعه يستحيل أن يمنع نفوذ عتقه، كيف ولو أن السيد باعه، ثم أعتقه قبل تسليمه إلى المشتري، وقبل انقضاء زمان الخيار كان عتقه نافذًا فاسخًا للبيع؟ فبالحري أن يكون في هذه المسألة نافذًا فاسخًا للوكالة السابقة.
стр. 1835
وأما إذا أرسل الوكيل لاستيفاء القصاص، ثم عفا الموكل في زمان لا يحتمل أن يبلغه الخبر فهذا العفو كالمفقود في الحكم، وليس يبعد أن يصدر لفظ العفو والمعفو عنه في حالة الحياة، ويكون منه العفو باطلًا.
ألا ترى أنه لو جرحه، ثم عفا عنه، أو أرسل إليه سهمه، ثم عفا كان عفوه باطلًا؛ لأنه عفو بعد افتتاح الاستيفاء، فكذلك هذا العفو بعد إرسال الوكيل المستوفي، كالعفو بعد إرسال السهم للاستيفاء.
مسألة (٦٣٩): إذا قطع رجل إصبع رجل فاستعجل حقه من القصاص كان له الاستعجال.
ولو عفا فاستعجل أخذ الدية أو كانت الجناية في الأصل خطأ فاستعجل الدية أو كانت الجناية في الأصل خطأ فاستعجل الدية لم يكن له الاستعجال، وإنما يستحق الطلب عند الاندمال، أو عند زهوق الروح إن زهقت بالسراية.
والفرق بين الحقين: أن القصاص إذا وجب في/ (٢٦٨/ أ) الإصبع وجب مستقرًا لا
стр. 1836
يتوهم سقوطه ونقصانه، وإنما يتوهم زيادة وجوب القصاص، وهو قصاص النفس، فإن من مذهب الشافعي - رحمة الله عليه - أن الرجل إذا قطع من الرجل مفصلًا قصاصًا فمات منه كان للولي قطع المفصل وقتل النفس، فلما لم يتوهم سقوط ما وجب من القصاص لم يجز تأخير حقه إذا استعجله.
فأما دية الإصبع المقطوعة فإنها تُعرض النقصان، كما هي تُعرض الزيادة.
فأما الزيادة الموهومة فبسرايتها إلى النفس من غير شريك يشاركه في الجراحة.
وأما النقصان الموهوم فبمشاركة الشركاء، وذلك أن عشرين رجلًا لو شاركوه فجنوا عليه فسرت جراحاتهم، فمات كان الواجب على كل واحد منهم أقل من خمس من الإبل، ودية الإصبع عشر، وإن جني عليه تسعة وتسعون رجلًا سوى الجاني الأول تراجع ما على الجاني الأول إلى بعير واحد، فكيف يجوز أن يستعجل حقًا لم يستقر قدره؟.
стр. 1837
مسألة (٦٤٠): إذا قطع رجل يدًا عليها إصبع واحدة عمدًا فعفي عن القصاص ففي مقدار حقه من المال قولان: أحدهما: له أن يأخذ دية الإصبع وحكومة جميع كفه، والقول الثاني: أن حقه دية الإصبع، وأربعة أخماس حكومة الكف.
ومثله لو كانت تلك الإصبع شلاءً وليس على يد القاطع مثلها، فحق المجني عليه من المال حكومة الإصبع الشلاء وحكومة جميع الكف قولًا واحدًا.
والفرق بين المسألتين: أن الإصبع إذا كانت سليمة كان الواجب فيها الدية إذا آل الأمر إلى المال لا الحكومة، والأصابع في الدية مستتبعة الكف.
ألا ترى أن الرجل إذا قطع كف رجل من المفصل كان عليه خمسون من الإبل، فكما استتبعت جميع الأصابع جميع الكف في الدية، فكذلك كل إصبع يستتبع من الكف قسطها، وقد أخذ دية إصبع فتبعها خمس من الكف فيبقى له أربعة أخماس حكومة كف.
فأما إذا كانت الإصبع شلاء فإنها؛ لنقصانها وعدم صحتها وسقوط ديتها إلى الحكومة لا تستتبع من الكف شيئًا، وكيف تستتبع وهي عند الانفراد بالجناية
стр. 1838
مثل الكف عند الانفراد، ومعنى قولنا مثل الكف: أن الإصبع إصبع حكومة، كما أن الكف أبدًا عضو حكومة، والحكومات تقل وتكثر على حسب القلة والكثرة في الجناية والإبانة، وذلك خلاف الديات فلذلك قلنا: له حكومة الإصبع الشلاء وحكومة جميع الكف.
مسألة (٦٤١): قال الشافعي ﵀: لو جعل سمًا في طعام، ثم أطعمه رجلًا -/ (٢٦٨/ ب) يعني: على جهة الضيافة، لا على جهة الإكراه - فأكل الضيف الطعام، فمات ففيه قولان:
أحدهما: عليه القود كالإكراه.
والثاني: لا قود عليه وعليه الدية.
ولو أنه جعل سمًا فيه ولم يقدمه إلى ذلك الرجل فدخل ذلك الرجل فأكله، فمات، فلا شيء عليه، سواء علم من عادة ذلك الرجل دوام الدخول والمباسطة في الأكل، أو لم يعلم ذلك منه.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا أضافه، فقدم الطعام إليه نسب إليه الإطعام؛ لأن كل مضيف مطعم وإن كان التناول الازدراد من جهة الضيف، وإذا
стр. 1839
انتسب إليه فعل الإطعام انتسب إليه القتل، ثم إذا انتسب القتل إليه أوجبنا الدية بكل حال، وأسقطنا عنه القود على أحد القولين بشبهة التناول الموجود من جهة المتناول.
فأما إذا دخل الداخل بنفسه، فتناول الطعام، فمات فلا سبيل إلى أن ننسب الإطعام إلى صاحب الطعام، وكيف ننسبه إليه ولم يتقدم من جهته استحضار واستدعاء، وإنما ابتدأ الطاعم، فدخل، فطعم فكأنه قتل نفسه؛ فلذلك لم يجب على صاحب الطعام الضمان.
فلو أنه عمد إلى طعام غيره، فدس فيه سمًا، فجاء صاحب الطعام، فأكله، فمات، فقد نص الشافعي ﵀ على قولين:
أحدهما: ليس عليه شيء سوى غرامة الطعام الذي أفسده.
والثاني: أنه كما لو أطعمه إياه.
فمعنى القول الثاني: أنه على قولين، مثل صورة الإضافة، فقد فصل الشافعي بين أن يجعله في طعام نفسه فيدخل الطاعم دار صاحب الطعام فيأكله فلم يوجب شيئًا، وبين أن يجعله في طعام الطاعم،
стр. 1840
وأوجب [الدية على قول، أو القصاص، أو] الغرامة على القول الثاني.
والفرق بين المسألتين: أنك إذا جعلت سمًا في طعام لك ووضعته في دارك فليس من غالب الحال أن يدخل الأجنبي دارك فينزل على طعامك، فإن اتفق أن يدخل، ويأكل، فالقتل منسوب إلى الداخل الآكل، لا إلى صاحب الطعام؛ [فلهذا لم يجب على صاحب الطعام شيء]. فأما إذا عمدت إلى طعام غير فأفسدته بالسم فالغالب من صاحب الطعام أن ينزل على طعامه مرتفقًا بأكله، فكأنك قدمت إليه ذلك الطعام المسموم؛ فلذلك قاسه الشافعي ﵀ على ما لو أطعمه.
مسألة (٦٤٢): إذا أغرى رجل على رجل في الصحراء سبعًا عاديًا، فافترسه، فلا شيء على المغري.
стр. 1841
ولو كان ذلك الرجل مثبتًا في بيت وجب القود على من أغرى به السبع العادي.
والفرق/ (٢٦٩/ أ) بين الحالتين: أن الرجل إذا كان في الصحراء تصور له فعل وامتناع بالعدو والفرار يمنة ويسرة من جهات شتى، فلا ينسب فعل القتل إلى المغري ما دامت الحالة بهذه الصفة، وإن كان المغري عاصيًا مسيئًًا بما فعل من إغرائه وإلقائه عليه.
فأما إذا كان محبوسًا في بيت، فلا يتصور من جهته أن يبتغي نفقًا في الأرض أو يحتال حيلة سوى الاستسلام، فصار القتل منسوبًا بعينه إلى من أغراه؛ فلذلك أوجبنا عليه القود.
مسألة (٦٤٣): إذا خرج رجل رجلًا عمدًا جراحة لها سراية فمات منها ولو بعد حين وجب القود على الجارح.
ولو أنهشه حية أو عقربًا فمات، ففيه قولان منصوصان:
أحدهما: أن الحية إن كات قاتلة غالبًا وكذلك العقرب فعليه القود، مثلك الثعبان بمصر، والعقرب بنصيبين، وإن لم يكن الغالب منه الموت - مثل: الحية
стр. 1842
بأرض السواد - فلا قود عليه.
والقول الثاني:
أن عليه القود بك لحال، فإذا أوجبنا القود بكل حال استغنينا عن الفرق، وإذا قلنا بقول التفصيل فلابد من الفرق بين ذلك، وبين الجراحة وسرايتها إلى النفس.
والفرق بين سراية الجناية وسراية السم: أن النفس مختلفة في قبول تأثير السموم اختلافًا بينًا، فمنهم من تلدغه العقرب فلا يحس بألم ولا يتضرر به، ومنهم من يتضرر ويتألم به ألمًا شديدًا، ومنهم من يكون ألمه دون ذلك.
стр. 1843
وأما سرايات الجراحات، فلا تكاد تختلف باختلاف طباع النفوس، وسرايتها بسبب الإزهاق، فجعلنا الجراحة سبب القتل، فأوجبنا به القود قولًا واحدًا، وفصلنا القول في الحيات العقارب فأوجبنا القود إذا كان الغالب منها القتل، ولم نوجب القود إذا لم يكن الغالب منها القتل.
فإن قيل: فربما تكون الجراحة على مل لا يتوهم منها القتل غالبًا كالحجامة.
قلنا: إذا كانت الجراحة بهذه الصفة فمن أصحابنا من لم يوجب القود بمثلها، كما لم يجب القود في بعض الحيات، والعقارب على أحد القولين، ومنهم من عمم القول في الجراحات، كما عممها في الحيات والعقارب على أحد القولين.
مسألة (٦٤٤): إذا قتل رجل في دار الإسلام رجلًا عليه هيئة المشركين، ثم بان أنه
стр. 1844
كان مسلمًا ففي وجوب القود قولان، وفي وجوب الدية قول واحد.
ومثله لو تصور هذا القتل في دار/ (٢٦٩/ ب) الشرك، فالقود ساقط، وفي وجوب الدية قولان.
وإنما فصلنا بين الدارين؛ لأن دار الإسلام دار الحقن والاحترام لا دار السفك والهتك، فإذا رأى مشركًا في دار الإسلام وعليه غيار المشركين، فالظاهر أنه محقون الدم مستعصم بالذمة، فإذا أقدم عليه فقتله كان هذا القتل عدوانًا منه فلا يعصمه عن القصاص مع عمد العدوان وإن توهم الشرك، وكذلك قلنا - في أحد القولين -: إذا بان مسلمًا، وقطعنا القول بإيجاب الدية.
فأما دار الشرك، فدار القتل والإباحة بخلاف دار الإسلام، فلا يتمخض إقدامه على قتله عدوانًا، فسقط القود بالشبهة الظاهرة، وكان في وجوب الدية قولان:
стр. 1845
أحدهما: أنها ساقطة، كما لو رمى سهمًا إلى المشركين فحاد إلى مسلم فقتله، والرامي لا يعلم بمكانه، فتجب الكفارة دون الدية.
والقول الثاني: أن الدية واجبة.
والفرق بين هذه المسألة ومسألة الرامي: أن الرامي قصد رمي المشركين غير عالم بمكان المسلم، والرمي ي دار الحرب مباح على الإطلاق، لا على جهة التوقي بالاحتراز والاحتياط، فسقطت الدية، بخلاف الخطأ في دار الإسلام.
فأما في المسألة الثانية فقد قصد قتل ذلك الرجل دون غيره فبان أنه مسلم، فلما تعين القصد أوجبنا الدية، والقياس الصحيح تصحيح قول الإسقاط، وتشبيه إحدى المسألتين بالأخرى.
стр. 1846
كتاب الديات
مسألة (٦٤٥): إذا أوضح رجل رأس رجل موضحتين بينهما حاجز كامل وهو: الجلد واللحم فعليه في كل واحدة منهما خمس من الإبل، [فإن جاء أجنبي ورفع ذلك الحاجز فعليه خمس من الإبل]، وعلى الأول عشر من الإبل، ولو ارتفع ذلك الحاجز بسراية الجراحة الأولى تراجع الواجب إلى خمس من الإبل.
[والفرق بين الرفع والارتفاع: أن الحاجز إذا كان ارتفاعه بسراية الجراحة السابقة صار منسوبًا إلى ذلك الجاني، ولو كان ذلك الجاني عاد بعد الموضحتين فرفع ذلك الحاجز تراجع الأرش إلى خمس من الإبل]، فلا فرق بين مباشرته برفعه وبين ارتفاعه بسراية مباشرته، ولو أنه أوضح جميع رأسه موضحة واحدة لم يكن عليه إلا خمس من الإبل، فكذلك هذا الموضع.
стр. 1847
فأما إذا رفعه أجنبي فجناية الأجنبي منسوبة إلى الأجنبي لا إلى الجاني الأول، والأول قد أوضحه موضحتين فلزمه أرشهما، ولم يسقط عنه/ (٢٧٠/ أ) شيء من الغرم بإيضاح وجد من غيره.
مسألة (٦٤٦): إذا كان بين الموضحتين حاجز من اللحم ولم يكن فوق اللحم جلد، فقد قال الشافعي ﵀: إنها موضحة واحدة، وقال بعض مشايخنا: لو كان بينهما جلد ولم يكن بينهما لحم، فكذلك حكمهما حكم موضحة واحدة، وإذا كان الجلد واللحم حاجزين بينهما أعطيناهما حكم موضحتين.
والفرق بين المسألتين: أن الجلد واللحم إذا كانا حاجزين معًا بين الموضحتين، فليس الجلد واللحم محل جنايته؛ لأنه جني على ما وراءهما من الجنايتين وما جني على محلهما.
فأما إذا لم يكن الجلد موجودًا بينهما وإنما بقي اللحم فذلك اللحم الباقي محل جنايته والجناية واحدة.
стр. 1848
ولو أن رجلًا شج رجلًا باضعة واسعة في وسطها موضحة ضيقة فذلك كله موضحة واحدة، ولا سبيل إلى أفراد الباضعة عن الموضحة والموضحة عن الباضعة، فكذلك الباضعة الواحدة إذا اشتملت على موضحتين كانت موضحة واحدة.
ولو أن الموضحة الواحدة جمعت مأمومتين ففيها وجهان:
أحدهما: أنهما مأمومة واحدة فلا يجب فيها أكثر من ثلث الدية.
والثاني: أنهما مأمومتان، فإنهما جائفتان، والظاهر الأول.
مسألة (٦٤٧): قال الشافعي ﵀: "لو صاح برجل، فسقط من صيحته عن حائط لم أر عليه شيئًا، ولو كان صبيًا، أو معتوهًا، فسقط من صيحته ضمن".
والفرق بينهما: أن الصبي في غالب أمره لا يكاد يثبت ويضبط نفسه إذا فزعته بغتة بالصيحة الهائلة، والظاهر أن سقطته منسوبة إلى صيحته، والغالب من الرجل التثبت وضبط النفس، ومن النوادر أن يسمع البالغ المستجمع للعقل والرزانة صيحة، فتستفزه، كما تستفز الصبي والمجنون؛ فلذلك لم ينسب القتل إليه.
стр. 1849
ولو أن رجلًا طلب رجلًا على سطح، فهرب منه، فتردى من طرف السطح وهو بصير، فلا شيء على الطالب، وإن كان المطلوب أعمى، فعلى الطالب الدية.
والفرق: أن البصير يرى طرف السطح ومنتهاه، فيكون ترديه باختيار منه، إذ كان يمكنه غيره وإن كان مطلوبًا.
فأما الأعمى، فلا يرى منتهى السطح حتى يكون التردي منسوبًا إلى تدبيره واختياره، والطالب قد اضطره إلى الفرار حتى انتهى إلى المكان الذي انتهى إليه، وكذلك لو انخسف السطح بالمطلوب، فقد نص على/ أن الضمان واجب على الطالب.
مسألة (٦٤٨): العبد القن إذا جني جناية واختار سيده أن يفديه وهي تستغرق رقبته، ففداه، ثم جني جناية أخرى، فعليه فداؤه إن ختار الفداء، وما قبض الأول من المال، فخالص له.
ولو أن أم ولد جنت جناية تبلغ قيمتها، ففداها سيدها، فجنت جناية أخرى، فليس على سيدها شيء من أرش الجناية الثانية والثالثة.
стр. 1850
والفرق: أن أم الولد بالاستيلاد ممنوعة عن البيع، والاستيلاد كالاستهلاك، وإذا غرم قيمة المستهلك مرة واحدة لم يغرمه ثانية وثالثة، ثم يقال للخصم الثاني: أنت شريك مع الخصم الأول في القيمة المأخوذة بقسطها.
وأما العبد القن فإذا فداه السيد بقي ملك السيد على رقبته، كما كان وعاد إلى الحالة الأولى، فإذا جني جناية أخرى وهو متمكن من بيعه فيها، كما كان متمكنًا ابتداء فعليه الفداء إذا منع رقبته أن تباع في الجناية الثانية.
مسألة (٦٤٩): قال الشافعي ﵀: "لو كان أحدهما واقفًا، فصدمه الآخر فماتا فدم الصادم هدر ودم الواقف على عاقلة الصادم".
وإنما فصل بينهما: لأن الواقف في حال وقفته غير متحامل على الصادم [بحركة وقوة ومدافعة، وإنما وجدت الصدمة من الصادم، فصارت صدمة الصادم] سببًا لإزهاق المهجتين جميعًا؛ فلذلك حكم الشافعي ﵀ بإهدار دم الصادم وإيجاب جميع دية الواقف على عاقلة الصادم، بخلاف المصطدمين إذا ماتا؛ لأن المصطدمين كل واحد منهما بحركته وقوته صدمته مؤثرة في الثاني وفي نفسه، فيصير نصف كل واحد منهما هدرًا، والنصف الآخر مضمونًا على عاقلة الثاني.
стр. 1851
مسألة (٦٥٠): قال الشافعي ﵀ في القديم: "لو كان أحدهما قاعدًا على الطريق، أو نائمًا، فصدمه الآخر، فماتا، فدية النائم، والقاعد هدر، ودية الصادم على عاقلة النائم"، وهذا خلاف ما ذكر في الجديد في المسألة السابقة.
والفرق في القديم بين الصادم وبين النائم: أن الطريق مدرجة السابلة والمحتازين، وفيها مرافق الاجتياز والاستطراق، وليست للنوم والقعود، فإن النوم والقعود فيها مما يضيفها ويمنع الناس مقاصدها، فصارت الجناية على المهجتين جميعًا منسوبة إلى النائم والقاعد دون الماشي الصادم، وجعلنا النائم سبب العثرة التي حصل التلف منها.
فإن قال قائل: فهلا قلتم مثل ذلك في الواقف مع الصادم في المسألة السابقة، وما الفرق بين أن يقف في الطريق وبين أن يقعد/ (٢٧١/ أ) أو ينام عليها، وقد جعلتم قعوده ونومه جناية منه، ولم تجعلوا وقوفه جناية؟
قلنا: الفرق بينهما: أن الرجل إذا كان واقفًا في الطريق، فالماشي في الغالب يراه؛ لأنه ماثل له بين عينيه، الغالب من الماشي في الطريق أن لا ينظر إلى ما تحت قدميه، كما ينظر إلى الواقف بين يديه، فيصير القاعد بالقعود جانيًا ولا يصير الواقف بوقوفه جانيًا؛ فلذلك فصل الشافعي بين المسألتين.
стр. 1852
مسألة (٦٥١): قال الشافعي ﵀: لو شجه مأمومة، أو قطع يده، فذهب عقله، ففيه دية واحدة، ولا يجب في عين الجراحة شيء.
ولو شجه فشلت يده فعليه أرش الشجة ودية اليد.
الفرق بين المسألتين: ما أشار إليه الشافعي: أن منزلة العقل في البدن منزلة السمع والبصر، والمراد بذلك: أن البصر له محل مخصوص، فإذا تلف ذلك المحل لم يجب إلا دية البصير، فما من عضو إلا وفي إتلافه مخافة ذهاب العقل؛ لما لم يكن له محل مخصوص من البدن، فصار جميع البدن مع العقل، كالحدقة مع البصر؛ فلذلك أرجنا دية العضو المقطوع تحت دية العقل.
فأما إذا شجه مأمومة فشلت يده فليس الرأس محلًا لبطش اليد وقوتها، كما تكون الحدقة محلًا للبصر، فإذا سرت الجناية إلى اليد، فزال بطشها بالشلل أفردنا كل واحد منهما بموجبه، فأوجبنا في المأمومة ديتها وفي اليد ديتها.
فأما إذا كسر رجل صلب رجل، فلم يطلق المشي، فقد قال الشافعي ﵀: "فيه الدية، وإن أطاق المشي، ولكن ذهبت شهوته ففيه الدية، ولا شيء في الكسر، فإن شل ذكره بكسر الصلب وجب في الصلب دية وفي الذكر دية، إذ لا يقصد شلل الذكر بكسر الصلب، ويقصد ذهاب الشهوة بكسر الصلب" وهذا قريب مما ذكرناه.
مسألة (٦٥٢): ألحق الشافعي ﵀ ابن المعتق وأباه بابن الجاني وأبيه، فلم
стр. 1853
يضرب عليهما من عقل جناية معتقة شيئًا، ولم يلحق المعتق بالجاني حتى لا يضرب العقل عليه، بل ضرب على المعتق قسطًا من العقل - حتى لا يضرب العقل عليه، بل ضرب على المعتق قسطًا من العقل - أي عقل جناية معتقه - وكأنه بني هذا الباب على الأثر وهو: ما روي أن بعض موالي صفية بنت عبد المطلب جني، فقضى عمر بن الخطاب ﵁ بميراث مواليها للزبير، وقضى بالعقل على علي بن أبي
стр. 1854
طالب ﵁"، فثبت بالأثر/ (٢٧١/ ب) أن ابن المعتق بمعزل عن عقل الموالي، وإذا ثبت ذلك في الابن فكذلك الأب، ولا فاصل يفصل بينهما في قول جملة العلماء.
فأما الجاني فإنما لا يتحمل؛ لأن التحمل مواساة، ويستحيل وصف الرجل بأنه يواسي نفسه، وعمود نفسه مثل نفسه، وليس بمستحيل أن يقال على المعتق وهو المولى الأعلى أن يواسي المولى الأسفل إذا جني، كما يواسي النسيب قريبه.
стр. 1855
مسألة (٦٥٣): إذا جني رجل على نفسه، فقتلها فذلك الفعل هدر في حق الدية، وأما الكفارة فقد أوجبها بعض أصحابنا في ماله، ولم يفصلوا في إسقاط الدية بين قول من يقول: الدية تجب للوارث ابتداء، وبين قول من يقول: إنها تجب للمقتول [ابتداء، ثم تنتقل بالميراث إلى الورثة.
والفرق بين الكفارة وبين الدية]: أن الكفارة تجب لحق الله تعالى بارتكاب هذه الكبيرة المخصومة، وقد تحقق الارتكاب منه بما فعل من القتل، وكل حق يخصه، فهو فيه مقدم على ورثته.
ألا ترى أن مؤنة غسله وكفنه مقدمة على ميراثهم، وكذلك قضاء ديونه إذا
стр. 1856
مات وعليه ديون.
فأما الدية إذا وجبت، فلابد من أن تجب للورثة ميراثًا لهم سواء قلنا: أول وجوبها لهم، أو للمقتول.
ألا ترى أنها على القولين مقسومة بينهم على فرائض الله سبحانه.
ألا ترى أنا نقضي منها على القولين ديونه.
ألا ترى أنا ننفذ منها وصاياه.
وإذا لم يكن بد من أن تكون موروثة لهم عنه، فلابد من إضافة الملك إليه بكل حال وترتيب ملك الوارث على ملكه، ولو قلنا: وجبت الدية له لما وجبت إلا عليه؛ لأنه هو القاتل، ومن المحال أن يجب للرجل على نفسه دين، أو دية؛ فلذلك كانت الدية ساقطة وكان في وجوب الكفارة وجهان.
مسألة (٦٥٤): لولي الجنين أن لا يقبل الغرة الواجبة دون سبع سنين، أو ثمان سنين. ولو أعتق رجل عن الكفارة رقبة صغيرة رضيعة مثلًا أجزأت عنه.
стр. 1857
والفرق بين المسألتين: أن المقصود من الغرة في قتل الجنين تمليك الولي رقبة تستقل بنفسها، فإذا كانت الصغيرة فملكه إياها لم يستغن عن ضرر يتحمله مما ملكه، لأن ذلك الطفل لا يستغني عن أم، أو حاضنة تتفقده وتتعهده بمؤنة كبيرة، فكان له أن يمتنع، فلا يقبل حتى ينتهي إلى المدة التي هي مدة الاستغناء عن الحضانة فيصير ابن سبع سنين أو ثمان؛ ولذلك جاز التفريق بين الأم والولد في هذه النهاية، ولم يجز التفريق قبل هذه المدة.
فأما التحرير في الكفارة فالمقصود إزالة الملك عن الرقبة السليمة من العيوب، وليس/ (٢٧٢/ أ) القصد التمليك، فإن المُعتق لا يملك رقبته، ولذلك ثبت الولاء عليه لمن أعتقه، ولو ملك العبد رقبته، ثم عتق لا يقطع الولاء عن السيد.
стр. 1858
مسألة (٦٥٥): إذا وجبت الغرة، فللولي أن لا يقبل خصيًا، ويجزئ الخصي في الكفارات.
والفرق بينهما: أن المقصود من الكفارات أن يكون المُعتق باطشًا قويًا على الكسب، وكل عيب لا يضر بالكسب ضررًا بينًا، فذلك العيب لا يمنع الإجزاء في الكفارة، وإن كان يضر بالكسب ضررًا بينا كان مانعًا للإجزاء، والخصاء ليس مما يمنع الكسب والاحتراف.
فأما من استحق الغرة، فليس يستحقها للكسب وإنما يستحقها دية، فله أن يمتنع عن كل عيبٍ بين؛ ولذلك أجزأت العوراء في الكفارة، ولا تجزئ في دية الجنين إذا امتنع الولي عن القبول.
مسألة (٦٥٦) الخصاء في الغرة يمنع الإجزاء والإيفاء إذا امتنع الولي، كما ذكرنا. والخصاء في شاة الأضحية لا يمنع الإجزاء.
والفرق بينهما: أن المقصود من الغرة تمام الدية التي هي دية الجنين، وما يعد من العيوب في أعيان الديات، فللولي أن يمتنع عنه وعن أخذه وقبوله.
فأما الضحية، فالمقصود منها اللحم وإراقة الدم، وليس للخصاء تأثير
стр. 1859
في هذا المقصود وأن تأثير الخصاء في اللحم بأن يزيده طيبًا وقيمة، لا بأن يزيده عيبًا ونقصًا.
مسألة (٦٥٧): إذا ضرب بطن امرأة، فألقت بدنين لا رأس لههما وجب غرتان. ولو ألقت رأسين لا بدن معهما وجب غرة واحدة، وذلك أن البدن الواحد ربما يكون له رأسان، وسمع الشافعي ﵀ بامرأة لها رأسان، وأحب أن يراها، فخطبها وتزوجها، فنظر إليها ثم طلقها، وأعطاها صداقها، وقيل: ولد لرجل صبي له رأسان إذا بكى بأحدهما يبكي الآخر، وإذا سكت أحدهما سكت الآخر.
وأما بدنان تحت رأس واحد، فذلك مما لا يعهد ولم يسمع به؛ فلذلك فصلنا بين المسألتين.
стр. 1860
كتاب القسامة
مسألة (٦٥٨): الأيمان في جميع الخصومات موضوعة في جانب المدعى عليه؛ لقول رسول الله ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه إلا في القسامة".
следующие страницы →