← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14176

الجمع والفرق = الفروق

والد إمام الحرمين الجويني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

مات وعليه ديون. فأما الدية إذا وجبت، فلابد من أن تجب للورثة ميراثًا لهم سواء قلنا: أول وجوبها لهم، أو للمقتول. ألا ترى أنها على القولين مقسومة بينهم على فرائض الله سبحانه. ألا ترى أنا نقضي منها على القولين ديونه. ألا ترى أنا ننفذ منها وصاياه. وإذا لم يكن بد من أن تكون موروثة لهم عنه، فلابد من إضافة الملك إليه بكل حال وترتيب ملك الوارث على ملكه، ولو قلنا: وجبت الدية له لما وجبت إلا عليه؛ لأنه هو القاتل، ومن المحال أن يجب للرجل على نفسه دين، أو دية؛ فلذلك كانت الدية ساقطة وكان في وجوب الكفارة وجهان. مسألة (٦٥٤): لولي الجنين أن لا يقبل الغرة الواجبة دون سبع سنين، أو ثمان سنين. ولو أعتق رجل عن الكفارة رقبة صغيرة رضيعة مثلًا أجزأت عنه.

стр. 1857

والفرق بين المسألتين: أن المقصود من الغرة في قتل الجنين تمليك الولي رقبة تستقل بنفسها، فإذا كانت الصغيرة فملكه إياها لم يستغن عن ضرر يتحمله مما ملكه، لأن ذلك الطفل لا يستغني عن أم، أو حاضنة تتفقده وتتعهده بمؤنة كبيرة، فكان له أن يمتنع، فلا يقبل حتى ينتهي إلى المدة التي هي مدة الاستغناء عن الحضانة فيصير ابن سبع سنين أو ثمان؛ ولذلك جاز التفريق بين الأم والولد في هذه النهاية، ولم يجز التفريق قبل هذه المدة. فأما التحرير في الكفارة فالمقصود إزالة الملك عن الرقبة السليمة من العيوب، وليس/ (٢٧٢/ أ) القصد التمليك، فإن المُعتق لا يملك رقبته، ولذلك ثبت الولاء عليه لمن أعتقه، ولو ملك العبد رقبته، ثم عتق لا يقطع الولاء عن السيد.

стр. 1858

مسألة (٦٥٥): إذا وجبت الغرة، فللولي أن لا يقبل خصيًا، ويجزئ الخصي في الكفارات. والفرق بينهما: أن المقصود من الكفارات أن يكون المُعتق باطشًا قويًا على الكسب، وكل عيب لا يضر بالكسب ضررًا بينًا، فذلك العيب لا يمنع الإجزاء في الكفارة، وإن كان يضر بالكسب ضررًا بينا كان مانعًا للإجزاء، والخصاء ليس مما يمنع الكسب والاحتراف. فأما من استحق الغرة، فليس يستحقها للكسب وإنما يستحقها دية، فله أن يمتنع عن كل عيبٍ بين؛ ولذلك أجزأت العوراء في الكفارة، ولا تجزئ في دية الجنين إذا امتنع الولي عن القبول. مسألة (٦٥٦) الخصاء في الغرة يمنع الإجزاء والإيفاء إذا امتنع الولي، كما ذكرنا. والخصاء في شاة الأضحية لا يمنع الإجزاء. والفرق بينهما: أن المقصود من الغرة تمام الدية التي هي دية الجنين، وما يعد من العيوب في أعيان الديات، فللولي أن يمتنع عنه وعن أخذه وقبوله. فأما الضحية، فالمقصود منها اللحم وإراقة الدم، وليس للخصاء تأثير

стр. 1859

في هذا المقصود وأن تأثير الخصاء في اللحم بأن يزيده طيبًا وقيمة، لا بأن يزيده عيبًا ونقصًا. مسألة (٦٥٧): إذا ضرب بطن امرأة، فألقت بدنين لا رأس لههما وجب غرتان. ولو ألقت رأسين لا بدن معهما وجب غرة واحدة، وذلك أن البدن الواحد ربما يكون له رأسان، وسمع الشافعي ﵀ بامرأة لها رأسان، وأحب أن يراها، فخطبها وتزوجها، فنظر إليها ثم طلقها، وأعطاها صداقها، وقيل: ولد لرجل صبي له رأسان إذا بكى بأحدهما يبكي الآخر، وإذا سكت أحدهما سكت الآخر. وأما بدنان تحت رأس واحد، فذلك مما لا يعهد ولم يسمع به؛ فلذلك فصلنا بين المسألتين.

стр. 1860

كتاب القسامة مسألة (٦٥٨): الأيمان في جميع الخصومات موضوعة في جانب المدعى عليه؛ لقول رسول الله ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه إلا في القسامة".

стр. 1861

وصورتها: أن يدعي رجل على رجل، أو على جماعة دمًا واللوث موجود فيكون اليمين في جانب المدعي. واللوث: أن يكون بين القاتل وبين المقتول عداوة سابقة، ثم يوجد ذلك المقتول في دار عدوه، أو في سكة مختصة سلكاها. والفرق بين هذه المسألة وبين غيرها من المسائل: أن أسباب اللوث إذا ظهرت تحققت قوي جانب المدعي، واليمين في سائر الخصومات إنما تكون في جانب المدعي/ (٢٧٢/ ب) عليه لقوة جانبه، وقوة جانب المدعى عليه؛ كون الشيء في يده، وظاهر يده أمارة صدقة، فكذلك ظاهر اللوث الموجود أمارة صدق المدعي فيما يدعيه من الدم، فالمعنى الذي أوجب - في سائر الخصومات - وضع اليمين في جانب المدعى عليه أوجب في القسامة وضعها في جانب المدعي. ولهذه النكتة وقعت البداءة في اللعان بالرجل دون المرأة؛ لأن العاقل لا يكاد يعير نفسه ويلوث فراشه بأن يقذف زوجته كاذبًا، ولولا الضرورة التي

стр. 1862

غلب بها على القلب صدقه لما قذفها ولما قصد ملاعنتها؛ فلذلك جعلنا البداءة به، فكذلك في القسامة. مسألة (٦٥٩): إذا ادعى رجل قودًا بالقسامة، وحلف خمسين يمينًا ثبتت الدية، ولا يثبت القود في أصح القولين. والفرق بين الدية والقود: أن القود من العقوبات التي تسقط بالشبهة، وأما الدية، فإنها تجب مع الشبهة. واعلم: أن الأيمان في القسامة لا تنفك عن نوع شبهة؛ لأنها مبنية على الشواهد، والأمارات، وغالب الظن، والظن يخطئ ويصيب، والشبهة إذا تمكنت من الحادثة وجب درء الحد. فأما المال، فلا سبيل إلى منع وجوبه بمثل هذه الشبهة، بل الدية تجب مع الشبهة في الخطأ، وغيره. مسألة (٦٦٠): الصحيح من القولين أن الدم لا يشاط بالقسامة، ولو أن

стр. 1863

الولي ادعى دمًا في غير منزلة اللوث، فاستحلف المدعى عليه، فنكل، فرد اليمين على المدعي، فحلف وجب القود قولًا واحدًا. والفرق بين المسألتين: أن أيمان القسامة مرتبة مبنية على ما ذكرنا من ظن مقرون بنوع علم، ومثل هذا اليمين لا يصلح لاستيفاء القود. فأما إذا وقعت البداءة بالمدعى عليه، فنكل فنكوله، دليل صدق المدعي، ويقوى بذلك قلبه وقلب غيره؛ فلذلك قلنا: إن القصاص في المسألة الثانية واجب قولًا واحدًا، لما قويت البينة، وضعفت الشبهة، وبعدت التهمة؛ ولهذه النكتة جرى النكول ورد اليمين في جميع خصومات الشريعة، وما جرت القسامة إلا في حادثة مخصوصة. مسألة (٦٦١): المدعى عليه في غير القسامة إذا نكل عن اليمين رددنا اليمين على المدعي، فإن نكل عن يمين الرد بطلت خصومته وسقطت دعواه، والمدعي في القسامة إذا قيل له: لا تستحق إشاطة الدم إن

стр. 1864

أقسمت فنكل، فاستحلف المدعى عليه فنكل، فقال المدعي: أنا أحلف الآن فالصحيح من المذهب أن له أن يحلف وإن كان قد / (٢٧٣/ أ) سبق نكوله. الفرق بين المسألتين: أن الخصومة إذا لم تكن خصومة قسامة فمقتضى يمين الابتداء ومقتضى يمين الانتهاء واحد وهو المال المطلوب، فإذا نكل شخص عن اليمين في هذه الخصومة لم يعد فيها حقه، حتى لو أقام بعد ذلك شاهدًا واحدًا وأراد أن يحلف مع شاهده لم يمكن من اليمين بعدما تقدم نكوله السابق. فأما في القسامة فيمين الابتداء مباينة في مقتضاها ليمين الانتهاء. ألا ترى أن الدم لا يشاط بيمين الابتداء، ويشاط الدم بالنكول ورد اليمين، فله أن يقول: إنما نكلت حين نكلت لعلمي بأني لو حلفت لم أصل إلى مقصودي من القصاص، فأما في مسألة الانتهاء فقد عرفت أني إذا حلفت كنت مستحقًا للقصاص؛ فلذلك رغبت في اليمين انتهاءً وزهدت فيها ابتداءً.

стр. 1865

وإذا تقدم الشاهد الواحد الذي أقيم على المال، ونكل المدعي عن اليمين مع الشاهد، فاستحلف المدعي عليه فاليمين لا ترد على المدعي أيضًا للنكتة التي ذكرناها، وفي مسألة الشاهد واليمين قول آخر، غير أن الصحيح ما جرينا عليه في الفرق. مسألة (٦٦٢): إذا ادعى رجل مالًا على أهل محله مع الإجمال فقال: لي مائة دينار على أهل هذه المحلة، ولم يعين أشخاصهم على التمييز كانت الدعوى غير مسموعة. وقد سمع رسول الله ﷺ مثل هذه الدعوى على أهل خيبر حين جرى ما جرى. والفرق بين المسألتين: أن شأن الدماء مبني على ضرب بليغ من الاحتياط ابتغاء للحقن، فلو قلنا: لا تسمع الدعوى في الدم حتى يكون المدعي عليه بعينه معيبًا واحدًا أو جماعة: تعذر التعيين، وكيف لا يتعذر ذلك في قتل الغيلة؟.

стр. 1866

فأوجب الاحتياط للدماء الاستماع إلى الدعوى مع ما فيها من نوع إبهام وإجمال. فأما شأن الأموال فخلاف شأن الدماء؛ لأن المدعين لو أراد التعيين فالغالب أنه لا يعجز عن التعيين بالبينة العادلة، فإن تعذر فذلك من النوادر، ولا اعتبار بالنوادر. فعلى هذا لو ادعى رجل دمًا على أحد رجلين والمنزلة منزلة القسامة كان على القاضي أن يسمع دعواه مع ما فيها من إجمال المدعي عليه، ولو توجهت هذه الدعوى على شخصين في المال بأن يقول المدعي: لي مائة درهم على أحد هذين الرجلين، فالقاضي لا يسمع دعواه حتى يعين المدعي عليه، وكذلك لو جاء رجلان إلى القاضي وقالا: أيها القاضي لأحدنا على هذا الرجل مال، فالدعوى/ (٢٧٣/ب) باطلة غير مسموعة لما فيها من الإبهام وعدم التعيين. مسألة (٦٦٣): قال الشافعي ﵀ في هذا الكتاب: "ولو جرح رجل فمات مرتدًا بطلت القسامة؛ لأن ماله فيء".

стр. 1867

وقال قبل ذلك في كتاب الجراح: "لو جرحه مسلمًا فمات [مرتدًا كان لوليه المسلم أن يقتص بالجرح" فلم يبطل حق وليه بموته مرتدًا كما أبطل في القسامة. والفرق بين المسألتين: أنه إذا جرح وهو مسلم فمات] مرتدًا فسراية الجراحة أزهقت روحه في زمان الارتداد وسراية زمان الارتداد هدر؛ فلذلك بطلت القسامة، وإنما تكون القسامة في النفوس، وقد خرجت نفسه وهو مرتد. فأما مسألة كتاب الجراح فقد جنى على مفصل من مفاصله فأبانه، وذلك في زمان إسلامه فاستقر القصاص بتمام الإبانة، فردته العارضة من بعد أثرت في إهدار مهجته، وبقي لوليه ما ثبت له من حق التشفي في الطرف، وذلك كان قبل الارتداد. والمذهب الصحيح هو: أن مراد الشافعي بقوله: "ولوليه المسلم": وارثه، لا

стр. 1868

سلطانه. مسألة (٦٦٤): المحجور عليه بسبب السفه والتبذير إذا توجهت عليه دعوى مال لم يستحلف، فإن استحلفه الخصم، فنكل، فلا حكم؛ لنكوله، ولا يغرم شيئًا، إذ لا حكم لاستحلافه، هذا إذا كانت دعوى المال من طريق البيع والشراء. فأما إذا توجهت عليه دعوى جناية مالية، فهل تصح الدعوى عليه، وهل تسمع يمنيه، أم لا؟ فعلى قولين، أصحهما: ما نص ها هنا في كتاب القسامة أنه كغير المحجور عليه، ويلزمه منها في ماله ما يلزم غير المحجور عليه. والفرق بين الجنسين: أنه في عقد البيع والشراء محجور عليه، فما يتفرع على البيع والشراء ويترتب عليهما ويؤول إليهما، فأثر الحجر منتشر إليه؛ لأنه محض مال؛ فلذلك لم تصح عليه هذه الدعوى. فأما الجنايات وما يؤول إليها، فإنها لا تدخل تحت الحجر، سواء كانت مالية أو لم تكن مالية، فإن فعل الجناية يحصل ويتصور من المحجور عليه، كما

стр. 1869

يحصل, ويتصور من غير المحجور عليه؛ فلذلك سوى الشافعي بينهما وألحق أحدهما بالآخر. مسألة (٦٦٥): قال الشافعي- رحمة الله- في هذا الكتاب: فإن ادعى الجاني أنه برأ من الجراح زاد في يمينه: وما برأ من جراحة فلان حتى مات منها, فجعل القول ولي المجني عليه حيث لا يعدم لوث. وقال في موضع آخر: " إذا ادعى الجاني أنه برأ من تلك الجراحة واحتملت المدة, وقال الولي: مات منها فالقول قول الجاني". والفرق بين المسألتين: أن دعوى الدم إذا كان لا يعدم/ (٢٧٤/أ) فيها اللوث فجانب المدعي أولى بالتقوية من جانب المدعى [عليه, وذلك بسبب اللوث الموجود, ألا ترى كيف بدأنا به وبإيمانه ولم نبدأ بالمدعي عليه] , وغايرنا بينه وبين سائر الخصومات في ابتداء إثبات الجناية, فكذلك إذا كانا متصادقين على ابتداء وجوب

стр. 1870

الجناية مختلفين في بقاء السراية وانقطاعها, فالقول قول ولي الدم؛ تقوية لجانب المدعي واستتصحابًا واستدامة لما تقدم وتحقق من الجناية. فأما في غير موضع القسامة, فجانب المدعي عليه أولى بالتقوية من جانب المدعي لأن الأصل براءة دمة المدعي عليه, فإذا ادعى الاندمال والخصم يجحده والمدة تحتمله, فالقول قوله مع يمينه, لا قول خصمه, كما جعلنا الأيمان في الابتداء موضوعة في جانبه, لا في جانب المدعي. مسألة (٦٦٦): إذا شهد الشهود في حق من الحقوق قبل الدعوى كانت الشهادة مردودة, وقد قال الشافعي- ﵀ في هذا الموضع-: "لو شهدا على رجلين أنهما قتلاه, وشهد آخران على الشاهدين الأولين أنهما قتلاه, وكانت شهادتهما في مقام واحد: فإن صدقهم ولي الدم معًا بطلت الشهادة, وإن صدق اللذين شهدا أولاً قبلت شهادتهما, وجعلت الآخرين دافعين يشهادتهما, [وإن صدق الذين شهدا] [آخرًا

стр. 1871

أبطلت شهادتهما لأنهما] [يدفعان بشهادتهما ما شهد به عليهما"، ولم يقل؛ لأن شهادتهما شهادة قبل الدعوى, فظاهر هذا الكلام أنه جعل شهادتهما قبل الدعوى في هذه المسألة] شهادة لها حكم, بخلاف سائر الدعاوى. وجرى كثير من أصحابنا على هذا الظاهر, وفصلوا بين دعوى العقوبات وبين دعوى الأموال المحضة فقالوا: إن الشهادة في العقوبات مسموعة قبل الدعوى: وليست بمسموعة في سائر الخصومات ما لم تتقدمها الدعوى, واستشهدوا على هذا بما قال الشافعي- ﵀: "لو أن رجلين شهدا على رجل بأنه سرق ألف درهم لفلان حبسته وسألت المشهود له: فإن ادعى المال قطعته, وإن قال: المال له لم أقطعه". فكيف رأيت الشافعي قبل الشهادة السابقة على الدعوى في هذا الموضع, فكذا في الجنايات؛ لأنها عقوبة كما أن الحدود عقوبات, مع أن حدود الله تعالى مبنية على المساهلة والمسامحة بخلاف حقوق الآدميين. ومن أصحابنا من يقول: إن هذه الشهادة المتقدمة على الدعوى مردودة, ولكن إذا سألناه عن البينتين فربما يصدقهم جميعًا, أو يصدق /الثانية دون الأولى, (٢٧٤/ب) فتسقط دعواه؛ لما تضمنت من تكذيب نفسه بنفسه, أو ربما كان له وكيلان

стр. 1872

فادعى أحدهما على هذين, والثاني على هذين الآخرين, ثم شهدوا في مقام واحد, كما صور الشافعي, فتكون كل واحدة من الشهادتين متعقبة للدعوى غير متقدمة عليها. مسألة (٦٦٧): إذا شهد أحد الشاهدين أن فلانًا قتل فلانًا غدوة, وشهد الشاهد الثاني أنه قتله عشية, فالقتلة لا يثبت بمثل هذه البينة. ولو أن أحد الشاهدين شهد على إقراره بأنه قتله غدوة, وشهد الثاني على إقراره بأنه قتله عشية ثبت القتل بشهادتهما. والفرق بين المسألتين: أن شهادتهما في هذه المسألة الأولى شهادة على عين الفعل, وقد شهد أحدهما على فعله في زمان, والثاني شهد على فعله في زمان ثان, فما اتفقت شهادتهما. وما اجتمعتا على الشيء الواحد المشهود عليه؛ فلذلك لم يثبت القتل حتى ينضم إلى واحد منهما شاهد يصدقه على مثل شهادته. فأما المسألة الثانية, فليست كذلك, وذلك أن شهادتهما تعتمد الإقرار وتستند إليه, وقد اجتمعت واتفقت شهادتهما على إقراره بالقتل, فلا يضر بعد ثبوت الإقرار الاختلاف في الزمان الذي أخبر عنه بالإقرار.

стр. 1873

وعلى هذا نقول: لو شهد أحد الشاهدين أنه قتله برمح طعنه به, وشهد الثاني أنه قتله بسيف لم يثبت القتل بمثل ذلك, ولو شهد أحدهما على إقراره بأنه قتله بسيف وشهد الآخر على إقراره أنه قتله برمح ثبت القتل بشهادتهما. مسألة (٦٦٨): إذا شهد أحد الشاهدين أنه قتله غدوة, وشهد [الثاني أنه قتله عشية لم يثبت قتل, ولا قسامة, والقول قول المدعي عليه مع يمينه. ولو شهد أحد الشاهدين أنه أقر بقتله غدوة, وشهد] الشاهد الآخر أنه قتله عشية لم يثبت القتل وثبتت القسامة, والقول قول الولي مع خمسين يمينًا وله الدية. والفرق بين المسألتين: أن الشاهدين في المسألة الأولى شهدا جميعًا على صورة الفعل وهما متكاذبان, والقسامة مبنية على غلبة الظن وكثرة الشواهد وظهور الأمارات, وهذا هو اللوث, فمتى ضعفت أسباب اللوث بالتكاذب والتكذيب صار اللوث معدومًا, فلا قسامة مع عدمه.

стр. 1874

فأما في المسألة الثانية فالتكاذب معدوم بين الشاهدين معدوم بين الشاهدين؛ لأن أحدهما شهد على الإقرار دون الفعل, والثاني شهد على الفعل دون الإقرار فلم يثبت القتل لاختلافهما فيما شهدا عليه/ (٢٧٥/أ) , ولكن تثبت القسامة ما لم يكونا في الشيء الواحد متكاذبين, فإن الشاهد الواحد العدل لوث في القسامة. وعلى هذا الأصل قلنا: إذا قال أحد الوارثين: قتل أبانا خالد بن عبد الله ورجل آخر, وقال الوارث الثاني: قتل أبانا جعفر بن عبد الله ورجل آخر ثبتت القسامة, ومثله لو قال أحدهما: قتل أبانا خالد بن عبد الله ورجل آخر معه, وقال الآخر: قتل أبانا جعفر بن عبد الله ورجل آخر لا أعرفه ولكن أعلم أنه لم يكن خالد بن عبد الله, لم تثبت القسامة في أظهر القولين. والفرق بين المسألتين: أنهما في المسألة الأولى غير متكاذبين, إذ يحتمل أن يكون الرجل المجهول عنه هذا هو الرجل المعروف عند الآخر. فأما في المسألة الثانية فقد صرح أحدهما بتكذيب صاحبه في خالد بن عبد الله, وإذا تحقق التكاذب ضعف اللوث بالتكاذب. مسألة (٦٦٩): قال الشافعي- ﵀: "لو شهد وارثه أنه جرحه عمدًا أو خطأ

стр. 1875

لم أقبل؛ لأن الجرح قد يكون نفسًا فيستوجب بشهادته الدية" هكذا قال. ومثله لو أن رجلاً مرض وله على رجل دين, فشهد بعض ورثته على إثبات ذلك الدين كانت شهادة الورثة مقبولة, وإن كان ذلك الدين راجعًا إليهم بالميراث. والفرق بين المسألتين: أن الورثة إذا شهدوا على الجراحة فقد شهدوا على سبب تلفه, فيستحيل أن تقبل شهادتهم وهم يستحقون الدية التي أثبتوها بالشهادة على القتل, فيصيرون على الحقيقة شاهدين لأنفسهم, لاسيما إذا قلنا: إن الدية في أول وجوبها تجب للوارث. فأما في المسألة الثانية فإنهم شهدوا على إثبات الدين, وما شهدوا على إثبات السبب الذي به ينتقل بموته إليهم ذلك الحق؛ لأنه مات بمرضه, وكان الدين بشهادتهم ثابتًا له دونهم, ثم انتقل بموته إليهم بعد

стр. 1876

استقراره له بالشهادة الصادرة من جهتهم. مسألة (٦٧٠): قال الشافعي- ﵀: "لو شهد من هو عاقلته بالجرح- يعني بجرح شهود القتل- لم أقبل وإن كان فقيرًا؛ لأنه قد يكون له مال في وقت العقل ويكون دافعًا عن نفسه". قال المزني: وأجازه في موضع آخر إذا كان من عاقلته في قرب النسب من يتحمل عنه العقل حتى لا يخلص إليه الغرم إلا بعد موت الذي هو أقرب. قال المحققون/ (٢٧٥/ب) من مشايخنا: إن المسألتين على ظاهرهما في الجواب, فتكون الشهادة مردودة في المسألة الأولى, مقبولة في المسألة الثانية.

стр. 1877

والفرق بينهما: أن الفقير لا يزال يمني نفسه الأماني ويحدثها بالغني وبأسبابه, فلا يبعد أن يشهد على جرح شهود القتل مخافة أن يأتي أوان التحمل- وهو آخر الحلول- وهو غني فيخصه قسط من الغرامة. فأما في المسألة الثانية فليس كذلك؛ لأن الموت- وإن كان أقرب من شراك نعله- فالناس يستبعدونه في عاداتهم التي جبلوا عليها فمن البعيد أن يشهد الرجل البعيد في درجة النسب على دفع القتل مخافة أن يموت القريب قبل التحمل, فيخلص إليه تحمل العقل؛ فلذلك فصلنا بين المسألتين.

стр. 1878

كتاب قتال أهل البغي مسألة (٦٧١): ما أتلف الباغي من مال أهل العدل قبل ثائرة الحرب, فعليه ضمانه. فأما ما أتلفه في حال القتل, ففي وجوب ضمانه قولان. والفرق بين الحالتين: أنه إذا أتلف في حال القتال, فإنما أتلفه على حكم التأويل الذي تأوله؛ لاستحلال القتال, فما كان القتال سببًا لإتلافه, فالتأويل شبهة موثرة في إسقاط غرامته. فأما ما أتلفه على غير ثائرة القتال, فلا تأويل فيه, ولا شبهة؛ لأن الباغي لا يستحل مال العادل إنما يستحل قتاله؛ ولهذه النكتة قلنا: ما أتلف العادل من مال الباغي في غير قتال, فعليه ضمانه, وما أتلفه في حال القتال, فليس عليه ضمانه.

стр. 1879

مسألة (٦٧٢): إذا ارتدت طائفة من المسلمين, فقاتلناهم فأتلفوا أموالنا في حال القتال فالمذهب الصحيح أنهم ضامنون, بخلاف أهل البغي في أحد القولين. والفرق بين الطائفتين: أن أهل البغي يقاتلوننا على تأويل يتأولونه, ولولا ذلك التأويل لما أثبتنا لهم أحكام أهل البغي, كما لا نثبت أحكام البغي لهم لولا نصب الإمام والشوكة. فأما المرتدون [فلا تأويل لهم وقد ارتدوا عن أصل الدين, فصاروا ضامنين, ولم يكونوا] كالحوبيين الذين لم يلتزموا أحكام الإسلام. [والمرتدون قد التزموا أحكام الإسلام] , ألا ترى أنا لا نرضى منهم إلا بالإسلام, أو بالسيف, ونرضى من الحربي بالجزية.

стр. 1880

[مسألة (٦٧٣): إذا استعان أهل البغي بأهل الذمة على الفئة] العادلة فأعانوهم جاهلين وقالوا: ظننا أن طائفة من المسلمين إذا حملتنا على طائفة حل لنا قتالهم, كما يحل قتال المحاربين فجميع ما أتلفه أهل الذمة من مال أهل العدل, فعليهم ضمانه, وإن أتلفوه في حالة القتال, وقد أسقطنا الضمان عن الباغين المسلمين فيما أتلفوا في حالة القتال على أحد القولين. والفرق/ (٢٧٦/أ) بين أن المسلمين الذين بغوا: هم الذين أمر الله تعالى بالإصلاح بينهم وبين العادلين في : ﴿وإن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآية, فذكر الإصلاح آخرًا كما ذكر الإصلاح أولاً ولم يذكر تبعة في دم, ولا مال, ولا يكاد يتكامل مقصود الصلح مع طلب الضمان. وأما أهل الذمة فما أمرنا بالإصلاح بينهم وبين المسلمين العادلين, وأمانهم لم ينقض مع جهالتهم حتى يلتحقوا في سقوط الضمان بأهل الحرب, فصاروا مؤاخذين بمقتضى ذمتهم؛ فلذلك ألزمناهم الغرامة.

стр. 1881

كتاب المرتد مسألة (٦٧٤): المولود على الفطرة إذا بلغ, فعبر عقيب البلوغ بعبارة الكفر قبل إن يعبر بعبارة الإسلام كان مرتدًا يستتاب فإن تاب وإلا قتل. والمولود على غيلا الفطرة إذا أسلم أحد أبوبه, فحكمنا بإسلامه قبل بلوغه, فلما بلغ عير بعبارة الكفر عقيب البلوغ قبل أن يعبر بعبارة الإسلام جعلناه كافرًا أصليًا على احد القولين, ولم نجعله مرتدًا. والفرق بينهما: أن المولود الأول لم يثبت له حكم الكفر في الأصل حتى يستديم ذلك الأصل بعد البلوغ, ولكنه ثبت له حكم الإسلام في أول حاله, فإذا بلغ وأعرب عن نفسه بعبارة الكفر كانت هذه العبارة أول كفر ثبت له بعد الإسلام, فحكمنا له بالإرتداد. وأما المسألة الثانية, فليست كذلك, وذلك أنه ولد على الكفر, فثبت له أصله, ولم يثبت أصلاً في الإسلام, وإنما صار تبعًا, وعبارته بعد البلوغ أصل بنفسه لا تبعًا, فغلبنا حكم الأصل على التبعية, ورددناه في حكم الكفر إلى ما كان من قبل.

стр. 1882

فإن قيل: فالكافر الأصلي إذا أسلم, ثم ارتد فأصله الكفر, فهلا رددته بالارتداد إلى ذلك الأصل حتى نقرره بالجزية على الكفر؟ قلنا: إن الكافر الأصلي لما أسلم صار أصلاً في الإسلام لا تبعًا, فلما ارتد غلبنا أصل الإسلام, فطالبناه بمعاودته, أو قتلناه إن لم يعاود, وهذا المولود على الكفر ما كان قد أصلاً في الإسلام بنفسه. فإن قيل: ما بالك قسمت المولود قسمين: مولود يولد على الفطرة, ومولود لا يولد على الفطرة, وقد قال رسول الله- ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه/ (٢٧٦/ب) , أو ينصرانه, أو يمجسانه". قلنا: مرادنا بتقسيمنا: حكنا لأحدهما بالإسلام, وللثاني بالكفر, ومراد رسول الله- ﷺ بيان اصل الخلقة, ولا خلاف بين العلماء مع هذا الخبر أن أولاد اليهود والنصارى والمجوس غير مرتدين, ولكنهم كفار أصليون. مسألة (٦٧٥): إذا ارتدت المرأة وهي حبلى, ثم وضعت ولدًا معصوم عن السبي والاسترقاق.

стр. 1883

وإذا ارتدت, ثم علقت بولد فولدته ففي استرقاقه قولان: أحدهما: أنه ممنوع كالمسألة الأولى, والثاني: استرقاقه: استرقاقه مباح. والفرق بين المولودين: أن العلوق بالولد الأول كان في حالة الإسلام, فلما ارتدت الأم لم ينتشر حكم ارتدتدها إلى الطفل, وبقي الطفل مسلمًا وكما كان. فأما إذا ارتدت, ثم حبلت فهذا الولد: ولد وكان أول العلوق به على الشرك لا على الإسلام, فألحقناه بالكفار الأصليين. فإن قيل: هلا جعلته كأمه حتى لا يجوز [استرقاقه, كما لا يجوز] استرقاقها؟. قلنا: إن الأم قد ثبت لها بنفسها حكم الإسلام قبل ذلك, فإذا ارتدت كانت الغلبة للأصل السابق. فأما هذا الولد, فلم يثبت له حكم أصل الإسلام بنفسه ولا بغيره؛ لأن العلوق به على شرك سابق مقترن بأول الفطرة.

стр. 1884

فإن قيل: أليس إذا أسلمت المشركة وهي حبلى استتبعت ولدها [في الإسلام فهلا: قلتم إذا ارتدت الحبلى استتبعت ولدها] في الارتداد؟. قلنا: لأن الإسلام يعلو ولا يعلى, وهو أعلى الملل, فانتشر حكمه إلى الولد سواء كان الولد في البطن, أو لم يكن في البطن وكان منفصلاً إذا لم يكن بالغًا. فأما إن ارتدت وفي بطنها ولد علقت به في حال الإسلام, فلو جعلنا الولد مرتدًا بارتدادها جعلنا الكفر في الاستتباع والانتشار بمنزلة الإسلام, وذلك محال. مسألة (٦٧٦): قال الشافعي- ﵀: إن ارتد سكران, فمات كان ماله فيئًا, ولا يقتل إذا لم يتب حتى يمتنع مفيقًا. فظاهر هذا الكلام أنه جعل ردته في حالة الإسكار, ولم يجعل توبته فيه توبة, ألا تراه أمرنا باستتابه مفيقًا. وادعى المزني على أصل الشافعي- ﵀-

стр. 1885

هذا مذهبًا, فمن أصحابنا من يسلم له, ومنهم من لا يسلم له ويحكم بصحة توبته وإسلامه إن عاد إلى كلمة الإسلام في حالة السكر, ولكن لابد مع هذا النص من فرق؛ لأنه نص عليهما معًا. والفرق: أن الارتداد إقدام على أعظم المعاصي, / (٢٧٧/أ) ولا منافاة بين العصيان والعصيان, فلا منافاة بين السكر والارتداد ﷺ : "الندم توبة", وهذا لا يكاد يتحقق من السكران, وإنما يتحقق ممن يتصور له القصد الكامل, فلذلك

стр. 1886

جعل الشافعي- ﵀ زمان الإفاقة زمان الإستتابة، إما وجوبًا, أو استحبابًا.

стр. 1887

كتاب الحدود مسألة (٦٧٧): البالغ إذا أصاب زوجته الصغيرة حتى التقى الختانان فهذه الإصابة في حقه إصابة إحصان, وليست هذه الإصابة في حقها إصابة إحصان على أحد الوجهين, فلو بلغت فزنت

стр. 1888

فحدها حد الأبكار, وكذلك البالغ العاقل يصيب زوجته [المجنونة, ثم نفيق من جنونها, وكذلك الحر يصيب زوجته] المملوكة, ثم تعتق, فهو بهذه الإصابة محصن وهي غير محصنة بها. والفرق بين الزوجين: أن الزوج إذا أصابها كان موصوفًا بأنه لا يجهل موقع نعمة الله عليه ولا يخفي على العاقل ذلك, والإحصان استجماع فضل الله ونعمه. فأما الصغيرة والمعتوهة, فهما غير موصوفين بأنهما عارفتان بمواقع فضل الله ونعمه عليهما. فأما المملوكة فإنها ناقصة بنقصان الرق في زمان الإصابة ونقص الرق

стр. 1889

مما ينافي الإحصان, فلم يتعلق بتلك الإصابة من حكم الإحصان ما يتعلق بإصابتها في حال حريتها. مسألة (٦٧٨): قال الشافعي- ﵀: "لا يقام حد الجلد على الحبلى ولا على المريض المدنف, ولا في يوم حر, أو برد مفرط, ولا في أسباب التلف, فقد حكم الشافعي بأن لا غرامة عليه. وقال في موضع آخر: "إذا بلغ رجل أغلف فختن نفسه فبها ونعمت, وإن امتنع ختنه الإمام, ولا يختنه في حر أو برد مفرط فإن فعل فمات المختون فديته على عاقلة الإمام". والفرق بين المسألتين: أن إقامة الحدود واستيفاءها إلى الإمام وإلى ولاته,

стр. 1890

لا يستوفيها أحد سواه, ولو استوفي غير السلطان حدًا لم نسمعه حدًا, فإذا أقام الحد فمات المحدود فالحق قتله ولا غرم. وهذا معنى قول أمير المؤمنين علي- رضي الله-: "لا أوتي برجل فأقيم عليه حدًا فيموت فأجد في نفسه فأجد في نفسي منه شيئًا الحق قتله إلا شارب الخمر فإنه شيء رأيناه بعد رسول الله ﷺ "/ (٢٧٧/ب). وأما الختان فغير مفوض إلى السلطان وولي ولايته. ولكنه واجب على كل من بلغ في نفسه, فإذا باشره الإمام فالشرط سلامة العاقبة, فإذا لم تسلم وجي الضمان, ومتى ما ختنه وفي الهواء شدة برد أو شدة حر كان مفرطًا بما فعل, ولو أنه عزر رجلاً وانتسب إلى التفريط في التعزير فإن أدى إلى التلف وجب عليه الضمان, فكذلك في هذا الموضع.

стр. 1891

مسألة (٦٧٩): إذا أقر على نفسه بحد من حدود الله , ثم رجع عن إقراره سقط الحد. ولو أقر بحد قذف, أو حق من حقوق الآدميين, ثم رجع لم ينفعه رجوعه, ولم يسقط عنه بالرجوع ما ثبت بالإقرار. والفرق: أن حدود الله تعالى أسرع سقوطًا وجوبًا من حقوق الآدميين؛ ولذلك كان رسول الله. ﷺ . يعرض في الحدود فيقول: "ما إخالك سرقت". ولذلك يؤخر قطع السارق زمان الحر الشديد والبرد الشديد, ولا يؤخر القصاص في الأطراف, كما يؤخر قطع السارق, ومبنى حقوق الآدميين على

стр. 1892

نوع من المضايقة والمشاحة, ومبنى حقوق الله سبحانه على الضد من ذلك, والذي يوضح ذلك: أن التوبة بعد الوجوب لا تسقط شيئًا من عقوبات الآدميين, وربما سقط حق الله تعالى بالتوبة, وذلك أحد القولين. مسألة (٦٨٠): إذا التقى حقان من حقوق الأموال, أحدهما لله, والآخر للآدمي فأصح القولين- إنشاء الله-: تقديم حتى الله تعالى على حقوق الآدميين. فإذا اجتمع في المفصل الواحد عقوبتان, أحدهما: قصاص في اليد لآدني, والآخر: قطع في السرقة قطعنا يده في القصاص, واندرج حق القطع في السرقة تحته ولا تقطع يده في السرقة.

стр. 1893

والفرق بين المسألتين: أن العقوبات التي هي حدود لله. وحقوقه فإنها مبنية على ما ذكرنا من تغليب الإسقاط ومنع الوجوب, فإذا اجتمعت العقوبات كانت عقوبات الآدميين أولى بالتقديم. فأما ما كان من الحقوق المالية المضافة إلى الله تعالى فلا يجوز تغليب الإسقاط, وقد قال- ﵇: "فاقضوا لله فالله أحق بالقضاء", وكل مال مضاف إلى الله تعالى ففيه مع حق الله حق الآدميين؛ فلذلك جعلناه أولى بالتقديم على أحد القولين. ولو أن رجلاً أقر على نفسه بين يدي السلطان بزكاة واجبة في الأموال الظاهرة, / (٢٧٨/أ) ثم رجع عن ذلك الإقرار لم ينفعه رجوعه, ولم تسقط تلك الزكاة, كما تسقط حدود الله تعالى بالرجوع عن الإقرار.

стр. 1894

مسألة (٦٨١): المستحب للسلطان التعريض بما يمنع وجوب الحد, كما قال رسول الله- ﷺ : "ما إخالك سرقت", فإذا أقر بالسرقة فلا يحل التعريض بالرجوع عن الإقرار, وإن كان الرجوع سبب السقوط. والفرق بين الحالتين: أن الحالة الأولى حالة عدم الوجوب, والاجتهاد فيها يمنع وجوب استصحابًا للأصل السابق وذلك حسن, وفيه قدوة برسول الله ﷺ , فأما إذا سبق الإقرار, فقد تقدم الوجوب, وإذا تحقق وجوب حد الله تعالى وجب على السلطان الاشتغال بأسباب الاستيفاء, لا بأسباب الإسقاط؛ ولذلك قال- ﷺ : "تعافوا الحدود فيما بينكم فيما رفعتموه إلى

стр. 1895

فقد وجب", وما عرض رسول الله. ﷺ . قط بعد الوجوب؛ ولهذا غلظ القول في المخزومية لما شفع فيها أسامة بن زيد, فقال: "أتشفع في حد من حدود الله تعالى, والله لو سرقت فاطمة
следующие страницы →