Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
مسألة (٦٧٩): إذا أقر على نفسه بحد من حدود الله , ثم رجع عن إقراره سقط الحد.
ولو أقر بحد قذف, أو حق من حقوق الآدميين, ثم رجع لم ينفعه رجوعه, ولم يسقط عنه بالرجوع ما ثبت بالإقرار.
والفرق: أن حدود الله تعالى أسرع سقوطًا وجوبًا من حقوق الآدميين؛ ولذلك كان رسول الله. ﷺ . يعرض في الحدود فيقول: "ما إخالك سرقت".
ولذلك يؤخر قطع السارق زمان الحر الشديد والبرد الشديد, ولا يؤخر القصاص في الأطراف, كما يؤخر قطع السارق, ومبنى حقوق الآدميين على
стр. 1892
نوع من المضايقة والمشاحة, ومبنى حقوق الله سبحانه على الضد من ذلك, والذي يوضح ذلك: أن التوبة بعد الوجوب لا تسقط شيئًا من عقوبات الآدميين, وربما سقط حق الله تعالى بالتوبة, وذلك أحد القولين.
مسألة (٦٨٠): إذا التقى حقان من حقوق الأموال, أحدهما لله, والآخر للآدمي فأصح القولين- إنشاء الله-: تقديم حتى الله تعالى على حقوق الآدميين.
فإذا اجتمع في المفصل الواحد عقوبتان, أحدهما: قصاص في اليد لآدني, والآخر: قطع في السرقة قطعنا يده في القصاص, واندرج حق القطع في السرقة تحته ولا تقطع يده في السرقة.
стр. 1893
والفرق بين المسألتين: أن العقوبات التي هي حدود لله. وحقوقه فإنها مبنية على ما ذكرنا من تغليب الإسقاط ومنع الوجوب, فإذا اجتمعت العقوبات كانت عقوبات الآدميين أولى بالتقديم.
فأما ما كان من الحقوق المالية المضافة إلى الله تعالى فلا يجوز تغليب الإسقاط, وقد قال- ﵇: "فاقضوا لله فالله أحق بالقضاء", وكل مال مضاف إلى الله تعالى ففيه مع حق الله حق الآدميين؛ فلذلك جعلناه أولى بالتقديم على أحد القولين.
ولو أن رجلاً أقر على نفسه بين يدي السلطان بزكاة واجبة في الأموال الظاهرة, / (٢٧٨/أ) ثم رجع عن ذلك الإقرار لم ينفعه رجوعه, ولم تسقط تلك الزكاة, كما تسقط حدود الله تعالى بالرجوع عن الإقرار.
стр. 1894
مسألة (٦٨١): المستحب للسلطان التعريض بما يمنع وجوب الحد, كما قال رسول الله- ﷺ : "ما إخالك سرقت", فإذا أقر بالسرقة فلا يحل التعريض بالرجوع عن الإقرار, وإن كان الرجوع سبب السقوط.
والفرق بين الحالتين: أن الحالة الأولى حالة عدم الوجوب, والاجتهاد فيها يمنع وجوب استصحابًا للأصل السابق وذلك حسن, وفيه قدوة برسول الله ﷺ , فأما إذا سبق الإقرار, فقد تقدم الوجوب, وإذا تحقق وجوب حد الله تعالى وجب على السلطان الاشتغال بأسباب الاستيفاء, لا بأسباب الإسقاط؛ ولذلك قال- ﷺ : "تعافوا الحدود فيما بينكم فيما رفعتموه إلى
стр. 1895
فقد وجب", وما عرض رسول الله. ﷺ . قط بعد الوجوب؛ ولهذا غلظ القول في المخزومية لما شفع فيها أسامة بن زيد, فقال: "أتشفع في حد من حدود الله تعالى, والله لو سرقت فاطمة
стр. 1896
لقطعتها".
مسألة (٦٨٢): التعريض بأسباب السقوط ممنوع بعد الوجوب, كما ذكرناه فإن ظهر من ذلك المحدود ما يدل على أنه بنفسه ربما يتسبب إلى السقوط فمساعدته وموافقته على ذلك غير ممنوع, بل هو مندوب إليه.
стр. 1897
والفرق بين الحالتين: أن ذلك الشخص إذا ظهر منه ما يحتمل أن يكون من أسباب السقوط لم تكن موافقتك إياه ابتداء إسقاط منك أو اشتغال بأسباب السقوط, وإنما الابتداء منه, وهو لو رجع من غير تعريض سقط الحد, فإذا فعل ما يجوز أن يكون مقدمة الرجوع أو مقدمة التوبة حسن التوقف والتأخير.
فأما إذا ظهر منه سبب من أسباب قصد الإسقاط فلا يجوز للإمام أن يبتدئ من جهة نفسه ويشتغل بحيلة الإسقاط, وإنما يبين هذا الفعل سنة رسول الله- ﷺ في ما عز وذلك أن رسول الله- ﷺ ما ندبه إلى التوبة بعد تمام إقراره, ولا عرض بها, ثم لما رموه بالحجارة هرب فاتبعوه يرمونه فأدركه رجل بلحي جمل فأثبته, فلما رجعوا إلى رسول الله- ﷺ فأخبروه بصنيعتهم وصنيعه قال: "هلا رددتموه إلى لعله
стр. 1898
يتوب" فندبهم إلى الرد/ (٢٧٨/ب) إليه طعمًا في التوبة لما ظهر منه الهرب والامتناع, وذلك من أسباب قصد السقوط, وقبل هذه الحالة لم يكن هذا الندب من رسول الله- ﷺ كما كان في هذه الحالة.
مسألة (٦٨٣): شهود الإحصان يغرمون على أحد القولين، كما يغرم شهود
стр. 1899
الزنا، وشهود النكاح لا يغرمون مع شهود الطلاق بل تختص الغرامة بشهود الطلاق إذا رجعوا عن الشهادة، هذا هو المذهب.
والفرق بين المسألتين: إن الإحصان وإن كان شرطا فإنه شرط شبيه بالعلة؛ لأن الله تعالى غلظ العقوبة على من أجزل عليه النعمة، فصار تمام النعمة مع وجود الزنا، كالعلة الواحدة، وإن كان المحصن محلا والزنا تعليلا.
فأما النكاح فلا يكون علة في الطلاق ولا شبيها بالعلة، وإنما هو سبب محض، فلما لم يأخذ مشابهة التعليل لم يجز إلحاقه بالعلة.
والصحيح: أن شهود التعليق وشهود وجود الوصف إذا اجتمعوا انفرد بالغرامة شهود تعليق الطلاق دون شهود وجود الوصف لما ذكرنا: أن الاعتبار بعين العلة، أو بما يشبه العلة ظاهرا.
مسألة (٦٨٤): إذا شهد شاهدان على رجل بأنه زنا بفلانة وهي مطاوعة،
стр. 1900
وشهد شاهدان بأنه زنا وهي مستكرهة وجب حد الزنا على الرجل.
ولو شهد شاهدان أنه زنا بفلانة، وشهد آخران أنه زنا بأخرى فلا حد.
والفرق بين الاختلافين: أن الشهود في المسألة الأولى متصادقون على المحل الواحد، والفعل الواحد من جهته موصوفا بصريح الزنا، وإنما اختلفوا في صفتها، فقال بعضهم: كانت مطاوعة، وقال بعضهم: كانت مستكرهة، فكان تأثير هذا الاختلاف في سقوط الحد عنها دونه.
فأما في المسألة الثانية فإنهم ما اتفقوا على الفعل الواحد؛ لأنهم لم يتفقوا على المحل الواحد، والفعل الواحد لا يتصور في المحلين، وقد يتراءى لهما منهما ما يشبه المطاوعة، ولغيرهما ما يشبه الاستكراه؛ فلذلك فصلنا بين المسألتين.
مسألة (٦٨٥): حد الزنا على العبد والأمة خمسون جلدة، وذلك نصف حد الأحرار، ولم يختلف قول الشافعي ﵀ في ذلك.
стр. 1901
فأما التغريب ففي أصله على المماليك قولان، فإذا غربناهم ففي قدره قولان:
أحدهما: أنه سنة كاملة.
والثاني: نصف سنة.
وإنما فصلنا في أصل التغريب بين الجلد وبينه؛ لأن منافع المماليك ملك السادات / (٢٧٩/ ب) وإنما فصلنا في القدر بين التغريب والجلد؛ لأن ذلك
стр. 1902
للتعزير، والجلد للإيجاع ردعا وزجرا، وما كان للتعزير فمرجعه إلى طباع النفوس، وهذا مما يستوي فيه الأحرار والعبيد؛ ولذلك سوينا بين الحرة والأمة في مدة الإيلاء، فكذلك سوينا بين الحر والعبد في مدة التغريب إذ أوجبنا عليهم التغريب.
стр. 1903
كتاب السرقة
مسألة (٦٨٦): إذا ملك عشرين دينارا من تبر الذهب وجبت الزكاة فيها، كما تجب في عشرين مثقالا من الدنانير المضروبة، ولا خلاف في ذلك.
ولو سرق السارق ربع دينار من تبر الذهب غير مضروب لم تقطع يده إذا كانت قيمته دون ربع دينار مضروب، عند كثير من أصحابنا.
والفرق بينهما: أن الزكاة في نصوص الشريعة معلقة بالاسمين جميعا.
ألا ترى أن الله تعالى ذكر الزكاة ذكر اسم الذهب والفضة ولم يذكر اسم الدنانير والدراهم، فقال: (والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ). وقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم-: "من كان
стр. 1904
له ذهب وورق فلم يؤد زكاته صفحت له يوم القيامة صفائح من نار". وهذا الخبر تفسير الآية وورد لفظ الدنانير في الزكاة أيضا، فسوينا بين المضروب وغير المضروب.
فأما السرقة فإنما ورد لفظ الدنانير، وهو ما روت عائشة ﵂: أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم- قال: "القطع في ربع دينار"، وفي رواية أخرى: "لا قطع إلا في ربع دينار"، والدنانير اسم يطلق على المضروب من الذهب ولا
стр. 1905
يطلق على التبر.
واعلم أن الفرق من جهة المعنى يتعذر في مثل هذا الموضع، ولكن يحتمل أن يقال: إن النصاب المذكور في السرقة من الذهب مذكور لنفسه، ولغيره، ومعنى قولنا: مذكور لنفسه ولغيره: أن السارق إذا سرق ثوبا، أو فضة، أو غيرها من الأموال وجب تقويم المسروق بالذهب فإن الذهب هو الأصل عندنا، وتقويم العروض يقع بالذهب المضروب لا بالتبر؛ فلذلك جعلنا المضروب أصلا.
فأما الزكاة فهذا المعنى مفقود؛ لأن المضروب معتبر بنفسه، وكذلك غير المضروب، ولسنا نعتبر بهما غيرهما حتى يعلق الحكم بالمضروب دون التبر.
وهذا الكلام في زكاة العين / (٢٧٩/ ب) فأما زكاة التجارة فربما تقوم فيها الدنانير المضروبة بالدراهم، وكذلك ربما يقوم تبر الذهب بالدراهم، والدراهم تصير أحيانا مقومة بالدنانير، فإذا جاءت حالة التقويم بالذهب، أو بالفضة فلا يقوم إلا بالمضروبة منهما.
مسألة (٦٨٧): إذا قاد السارق بعيرا وصاحبه فوقه راقد نائم وانتهى به إلى
стр. 1906
الفضاء فلا قطع عليه، وإن تلطف به بعدما انتهى به إلى الفضاء فرفع صاحبه ووضعه على الأرض وجب عليه القطع.
والفرق بين المسألتين: أن صاحب البعير ما دام راقدا فوقه فالبعير محرز به، والبعير بعد في الحرز، والقطع لا يجب على السارق ما دام المال في الحرز.
ألا ترى أنه لو دخل الدار وأخذ المال من صفة ونقله إلى صفة أخرى، أو إلى الصحن، أو إلى الدهليز، ولم يخرج به من الدار فالقطع غير واجب عليه، والمذهب الصحيح أيضا أنه إذا فتح باب بيت من بيوت الدار
стр. 1907
وأخرج منه المال إلى الصحن لم يلزمه القطع، ويكون، كما لو أخرجه من صندوق مقفل في البيت إلى البيت.
فأما إذا رفعه عن ظهر البعير، وفصل بينهما فقد ميز بين المال وبين الحرز، فصار كمن أخرج المال عن جميع الدار.
فإن قيل: أرأيت لو أرسل رجل بعيره يرعى ورقد على قرب منه فسرق سارق ذلك البعير عن المرعى، أليس يلزمه القطع ويكون البعير محرزا به؟.
قلنا: ذلك يختلف على حسب اختلاف الأحوال، فإن أرسل بعيره للرعي وجلس يراقبه مراقبة الحافظ، فاعترته نعسة خفيفة، فانتهز السارق فرصة النعسة، فهذه سرقة قطع.
فأما إذا أرسل البعير يرعى ومهد لنفسه فراشا وطيا فاضطجع نائما، فمثل هذا الفعل تضييع وإعراض عن الحفظ.
стр. 1908
فإن قيل: فهلا قلتم إذا اتحد مثل هذا المضطجع على ظهر البعير، فالبعير ضائع.
قلنا: الرقود فوق الشيء نوع إحراز له، وروي أن صفوان لما قدم المدينة مهاجرا رقد في المسجد على ردائه، فجاء سارق وسرق رداءه، فقطع رسول الله - صلي الله عليه وسلم- سارق رداء صفوان فإن قيل: أرأيت لو دخل دار رجل، فوجد صاحب الدار نائما، فحمله وأخرجه من الدار، ثم أغلق الباب دونه، ففصل بين المال وبين الحرز، ولم ينقل شيئا من مكان / (٢٨٠/ أ) إلى مكان، كما لم ينقل هذا
стр. 1909
الرجل البعير بعد وضع صاحبه عنه أليس لا يجب عليه القطع؟.
قلنا: إذا قاد الناقة فقد حصل منه فعل في النقل، ولم يحصل منه فعل في الفصل، فإذا وضعه عن ظهرها حصل معه فعل الفصل.
وأما من أخرج صاحب الدار منها فلم يحصل منه في نقل المال فعل، والمال ما دام في الدار، فهو في يد صاحب الدار؛ فلذلك أوجبنا القطع في موضع، وأسقطناه في موضع آخر.
مسألة (٦٨٨): الرجل إذا فتح باب داره وجلس فيها، فتغفله سارق، فدخل وسرق وجب القطع.
ولو فتح التاجر باب خانه، أو باب حانوته المختص به فتغفله رجل وسرق، فلا قطع عليه، نصا عن الشافعي، إلا أن الشافعي ﵀ ما صور هذه المسألة الثانية في الحانوت، وإنما صورها في الدار أيضا، ثم قال مشايخنا في التفسير: أراد بذلك التاجر إذا فتح باب داره.
والفرق بين المسألتين: أن التاجر إذا فتح باب داره وجلس للتجارة فيه وجد فعل يدل على الإذن في الدخول، فتصير الدار بالإذن، كالدار التي يسكنها
стр. 1910
رجلان، وإذا سرق أحد الساكنين مال الثاني، فلا قطع عليه.
فأما غير التاجر إذا فتح باب داره، فلا يتضمن فتحه إذنا في الدخول.
ألا ترى أن من أراد أن يدخل دار التجارة، فليس عليه الاستئذان، وإن دخل عليه بغير إذن لم يكن دخوله دمورا.
وأما دار غير التاجر، فإن كان بابها مفتوحا، فلا يجوز دخولها إلا بإذن، ومن دخلها بغير إذن فقد دمر، كما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم.
فإن قيل: أليس صاحب الحانوت إذا جلس للبيع والشراء فسرق سارق شيئا ساعة جلوسه وحضوره وجب القطع على ذلك السارق، وإن كان فتحه الباب يتضمن الإذن؟.
стр. 1911
قلنا: إن كان الحانوت بيتا واحدا يحيط البصر بجوانبه فالجواب كذلك: يقطع السارق. فأما إذا كان يشتمل على بيوت وحوانيت بحيث أنه لا يحيط البصر به من ذلك القاعد بجميع جوانبه وقد فتح للتجارة فلا قطع على السارق إذا سرق من الموضع الذي لا يحيط بالبصر به، ولعل الشافعي ﵀ أراد في مسألة التاجر مثل هذا التصوير، بدليل ما روى الربيع أنه قال في تلك المسألة: إن كان البصر يحيط بها قطع، فصار وجود إحاطة البصر وعدم الإحاطة طريقا في الفرق بين الجنسين، وصار الإذن في الدخول وعدم الإذن سببا أخر في الفرق / (٢٨٠/ ب).
مسألة (٦٨٩): إذا دخل الحرز وأخذ المال، فدفعه إلى مجنون، أو صبي صغير لا تمييز له، ولم يأمره بالإخراج، أو أمره لا على جهة الإكراه، فخرج به، فلا قطع، على ذلك السارق، ولو هدده وخوفه فخاف، فأخرجه
стр. 1912
للضرب والوعيد وجب القطع على السارق.
والفرق بين الحالتين: أن المجنون إذا خرج من غير تهديد لحقه فالإخراج منسوب إليه، لا إلى ذلك السارق.
ألا ترى أن عاقلا لو أمر مجنونا، فأتلف مالا، ولم يكن إكراه، فالضمان على المجنون، لا على أمره.
فأما إذا كان منه ضرب وإكراه ووعيد، فالإخراج منصوب إلى هذا السارق.
ألا ترى أن المكره والمكره إذا اجتمعا في إتلاف المال، فالمكره المباشر للإتلاف بمعزل عن الضمان، وإنما الضمان على من ألجأه واضطره إلى الإتلاف. فلما صار فعل الإخراج منسوبا من هذا الوجه إلى السارق أوجبنا الضمان عليه وقطعنا يده.
وعلى هذا الأصل قلنا: إذا حمل المال على ظهر دابته وسيرها وجب القطع، وإن سارت بنفسها من غير سوق بعد وقفه، فلا قطع، ولو حمله على ماء يجري به
стр. 1913
وجب القطع؛ لأنه لا فعل للماء.
وسوى بعض أصحابنا بين المجنون وبين الماء فأوجب القطع على آمر المجنون بالإخراج وإن لم يكن إكراه، والصحيح ما قدمناه.
مسألة (٦٩٠): إذا اشترك جماعة في إزهاق روح وجب القود على جميعهم وإذا اشتركوا في سرقة نصاب، فلا قطع على واحد منهم.
والفرق: أن القتل لا يحتمل تبعيضا في النسبة، فصار كل واحد منهم قاتل المهجة، فجعلنا حكمه المنفرد بالقتل.
فأما المال المسروق، فإنه يحتمل تبعيضا في النسبة، فيقال: إن كل واحد منهم سارق بعضه؛ فلذلك اشترطنا أن يكون نصيب كل سارق نصابا حتى نوجب القطع على جميعهم.
فإن قيل: فعل السرقة، كفعل القتل لا يحتمل واحد منهما تبعيضا.
قلنا: ليسا سواء، وذلك أن حقيقة فعل السرقة إخراج النصاب عن الحرز، والنصاب في نفسه محتمل للتبعيض في الإخراج، بأن يخرج عمامة، أو بساطا، أو يخرج درهما، ثم درهما، ثم درهما، ثم درهما إلى أن تبلغ
стр. 1914
الدراهم نصابا، فيكون كل درهم بعضا من نصاب أخرجه، والروح لا تتبعض أبعاضا. وأثلاثا وأرباعا.
مسألة (٦٩١): من حضر الوقعة ولم يباشر قتالا قليلا ولا كثيرا استحق نصيبه من الغنيمة.
ومن حضر مع اللصوص وأعانهم ولم يباشر إخراج /المال من الحرز فلا قطع] عليه، وإنما القطع على من هتك الحرز وأخرج المال [.
والفرق: أن القطع من جنس العقوبات، فلا يتوجه إلا على من باشر ارتكاب الجريمة التي توجب القطع، وهذا الواقف عند فم النقب ما باشر وإنما كثر وهيب.
وأما قسم الغنائم فعطية من الله تعالى لأقوام مخصوصين، فجاز أن يقسمها على من قاتل وعلى من لم يقاتل بعد حضور الملحمة.
стр. 1915
ألا ترى أن أرباب الخمس يستحقون خسمهم من المغنم وإن لم يحضروا المعركة ولا أحد منهم، ولكنهم متفرقون في شرق البلاد وغربها، ومثل هذا لا يتعلق بباب العقوبات، ولا يتحقق فيها.
стр. 1916
كتاب الأشربة
مسألة (٦٩٢): في حد الشرب: المضروب في الخمر إذا مات من أربعين سوطا فقد قال بعض أصحابنا يجب جميع ضمانه، والمضروب في القذف] إذا مات في أحد وثمانين سوطا فأحد القولين: أن الواجب عليه نصف الضمان، والثاني [: سهم من واحد وثمانين سهما.
والفرق أن السياط في الخمر اجتهاد، وإنما ضرب رسول الله - صلي الله عليه وسلم- بالنعال وأطراف الثياب، فإذا ضرب بالسياط فأدى إلى القتل فما من
стр. 1917
سوط إلا وفيه نوع من الاجتهاد؛ ولذلك قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه-: "لا أوتي برجل فأقيم عليه الحد، فيموت فأجد في نفسي منه شيئا، الحق قتله إلا شارب الخمر فإنه شيء رأيناه بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم" ولو أردنا في كل سوط أن نقسط عليه ما كان مستحقا منه - وهو قدر إيلامه بنعل، أو طرف ثوب- وما هو غير مستحق منه لتعذر التمييز، فصار من هذا الوجه، كالميت في التعزير؛ لأن القدر الذي استحقه المعزر غير ممتاز عن الزيادة التي لم يستحقها.
فأما المحدود في القذف إذا ضربه أحدا وثمانين سوطا، فثمانون حق مستحق دون الواحد الزائد، فلم نجد بدا من التقسيط،] ثم اختلف القول في كيفية التقسيط [على ما حكيناه.
стр. 1918
مسألة (٦٩٣): إذا تناول شرابا قليلا سواء كان من خمر، أو نبيذ، فسكر، ثم قال: ظننت أنه غير مسكر، فإن كان ظنه بالجنس، فالحد ساقط، وإن كان ظنه بالقدر، فالحد واجب.
والفرق: أنه إذا قال: ظننته من جنس ما لا يسكر كثيرة، فهذه شبهة قد أحلته، والحدود والكفارات تسقط بالشبهات.
فأما الظن بالقدر، فليس بعذر، لأنه عالم بأن جنسه مسكر، فإذا شرب القليل مما يعلم الإسكار من كثيرة، فقد ارتكب الحد، ثم اعترف به والشافعي ﵁ نص على هذه / (٢٨١/ ب) المسألة فقال: إن شرب، ثم قال: ظننت أنه
стр. 1919
غير مسكر وجب عليه الحد, ففسره مشايخنا بما ذكرناه من التفسير والتقسيم, والله أعلم.
стр. 1920
كتاب قطاع الطريق
مسألة (٦٩٤): الحر إذا قتل عبدًا في المحاربة قتل به في أحد القولين, وكذلك المسلم بالكافر, والوالد بالولد والواحد بالعدد.
ومثله لو تصور شيء من ذلك في غير المحاربة راعينا معاني المكافأة, ولم نقتل واحدًا بعدد, وإنما نقتله بواحد ونوجب عليه ديات الباقين.
والفرق بين الحالتين: أن حالة المحاربة توجب مراعاة حقين: حق الله تعالى, وحق الآدمي, بخلاف حالة القصاص المحض.
ألا ترى أن ولي الدم في المحاربة لو قال: عفوت عن النفس لم يكن له, ولو قال: عفوت عن الجراح كان له.
стр. 1921
فأما الحالة الثانية: فجميع الحق فيها للآدميين, فلا بد من اعتبار المكافأة, ألا ترى أنه إذا عفي عن الدم صار الدم محقونًا وبقيت خصومة المال.
مسألة (٦٩٥): في ضمان البهائم: الهرة إذا صادت بالنهار حمامة دار رجل, فأتلفتها وجب الضمان على صاحب الحرة.
والبهيمة إذا أفسدت بالنهار زرعًا, فلا ضمان على صاحب البهيمة, وإتلافها بالليل على الضد في الجواب أيضًا, فما أتلفت الهرة فلا ضمان, وما أتلفت البهيمة من الزرع فيجب ضمانه.
стр. 1922
وعلة هذا الفصل: مراعاة عادات الفريقين, فعادة أرباب الحمامات إرسالها بالنهار وإحرازها بالليل, وعادة أرباب الزرع حفظها بالنهار دون الليل, وهذا مأخوذ من قضاء رسول الله ﷺ فيما أفسدته ناقة البراء ابن عازب, والله أعلم.
стр. 1923
كتاب السير
مسألة (٦٩٦): المرتزق إذا أخذ حقه من المال لسنة, ثم مرض لم يسترجع الإمام منه ما أخذ.
ولو أن بعض الغزاة أخذ شيئًا من مال الجهاد, ثم مرض استرجع الإمام منه ما أخذ.
والفرق بينهما: أن المرتزق يأخذ ما يأخذ للاستعداد ونفسه مسبلة للجهاد, فإن أعجزه المرض في حين قام به في غير ذلك الحين.
فأما الغازي, فلا يأخذ ما يأخذ؛ لدوام الاستعداد, وإنما يأخذه للجهاد في الوقت, فإذا عجز عن القيام به لم يكن مستحقًا لما أخذه وكان عليه رده, والذي يدل على هذا: أن جميع ما فيه كفاية/ (٢٨٢/أ) المرتزق لعامهم وكفاية ذراريهم يستحق لهم في بيت المال, وليس
стр. 1924
ذلك بمستحق للغزاة, ولا لذراريهم.
مسألة (٦٩٧): قال الشافعي ﵀: "لا يجاهد إلا بإذن أهل الدين وبإذن والديه؛ لشفقتها ورقتها عليه إذا كانا مسلمين"، نص عليهما.
ولو أن واحدًا من المرتزقة خرج للجهاد فأراد رب الدين رده منعه الإمام من الرجوع على كراهة رب الدين وعلى كراهة الأبوين.
ومن كان من المطوعة رجع قبل الصف لحق الأبوين ولحق أهل الدين.
والفرق بينهما: أنه إذا كان اسمه مكتوبًا في ديوان الجهاد صارت منزلته منزلة الأجير بما أرصد نفسه له, وأخذه من الأجرة عليه, والأجير
стр. 1925
مستغرق المنافع لجهة الاستحقاق, وهذا الوصف مفقود فيمن كان متطوعًا بالجهاد؛ فلذلك ألزمناه الرجوع إذا استرجعه رب الدين أو أحد أبوية.
مسألة (٦٩٨): لا يجاهد الوالد إن كان الجهاد فرض كفاية إلا برضا الوالدين, ويخرج متفقهًا بغير رضاهما - عند كثير من مشايخنا - وإن كان يخرج لما هو فرض كفاية من التعليم.
والفرق بين الفرضين: أن الجهاد مقتلة, فإذا أراد أن يتوجه لها ويتعرض لخطرها, فلا بد له من استئذانهما واسترضائهما؛ لفرط شفقتهما ورأفتهما.
стр. 1926
وأما التفقه بخلاف ذلك؛ لأنه إذا خرج له لم يكن خارجًا لمقتلة يخافها على مهجته.
فأما ما كان متعينًا على الإنسان,] من العلم فلا خلاف أنه يخرج [له ولطلبه بغير رضاهما, وهذا كله فيمن عجز بحضرة أبويه عن طلب العلم وتحصيله دون من تمكن منه بحضرتهما, فلا يجوز للمتمكن مفارقتهما, ولا مفارقة واحد منهما إلا برضاهما.
مسألة (٦٩٩): المنافق إذا لم يظهر منه إرجاف وتخذيل استصحبه السلطان للجهاد كما يستصحب المسلم, فأما من ظهرت من إرجاف وتخذيل, فقد قال الشافعي ﵀: "منعه الإمام الغزو" وأشار إلى المعنى
стр. 1927
الذي وقع فيه الفصل بينهما, فقال: "لأنه ضرر عليهم" يعني: ما يفعل من التخذيل والإرجاف, وأما المستتر بنفاقه الذي لا يظهر منه الإرجاف والتخذيل, فلا ضرر على المسلمين منه ومن خروجه. والمخذولون المرجفون إذا خرجوا بغير إذن الإمام أدبهم تعزيزًا ولم يسهم لهم, فإنهم غير معدودين في جملة الجيش, وما زال رسول الله ﷺ يغزو بطائفة من المنافقين, ونهاه الله عن طائفة
стр. 1928
منهم, وإنما افترقت الطائفتان لما ذكرناه/ (٢٨٢/ ب).
مسألة (٧٠٠): إذا غزا الإمام بالمراهقين من المسلمين رضخ لهم.
فأما المراهقون من المشركين إذا غزا بهم ففي رضخهم قولان.
والفرق بينهما: أنا نرجو بركة دعاء المراهقين من المسلمين إذا غزوا, ولا نرجو ذلك من صبيان المشركين, ولو صرنا إلى منفعة القتال والمعاونة عليه سوينا بين الفريقين.
стр. 1929
فأما رجال المشركين إذا غزا بهم الإمام, فإنهم يستحقون الرضخ, ومنزلتهم منزلة عبيد المسلمين, وفي هذا نوع فرق أيضًا وهو: أن رجالهم إذا كانوا أهل رضخ وذلك أدنى المنزلتين لم يكن لصبيانهم منزلة الرضخ, بخلاف صبيان المسلمين.
مسألة (٧٠١): أهل الكتاب من الحربين إذا أسروا, فقبلوا الجزية لم يحرم قتلهم, كما يحرم بالإسلام بعد الأسار, ولو قبلوها قبل الإسار حرم قتلهم كما يحرم بالإسلام.
والفرق بين المسألتين: أنهم إذا أسروا, فقد تعلق برقابهم حق الأسر, فإذا أرادوا إسقاط ذلك الحق بقبول الجزية لم يكن لهم إسقاطه.
ألا ترى أنهم لو أسلموا بعد الأسر لم يعصمهم الإسلام عن الرق, حتى قال بعض أصحابنا: نفس إسلامهم بعد الإسار يرقهم, جريًا على ظاهر كلام
стр. 1930
الشافعي ﵀ حيث قال: "لو أسلموا بعد الأسر رقوا".
فأما إذا قبلوها قبل] الإسار فقد قبلوها وهم مالكون لأمرهم ورقابهم وأموالهم؛ ولهذا المعنى قلنا: إذا قبلوها قبل الأسار [وجب على الإمام أن يقبلها منهم ولا يتخير فيها, ولا يلزمه أن يقبلها منهم إذا قبلوها بعد الأسار.
مسألة (٧٠٢): الخنثى المشكل إذا بان رجلًا في الغانمين قبل القسمة أكملنا سهمه, وكذلك بعد القسمة قبل التفرقة عند بعض أصحابنا.
فأما بعد التفرقة لا نكمل سهمه من تلك الغنيمة, ولكن يكمل من سهم رسول الله ﷺ .
والفرق بين الحالتين: أنا بعد التفرقة لو أردنا إكمال سهمه احتجنا إلى نقض القسمة بين الخلق الكثير, وفي ذلك ما لا يخفي من التعذر والمشقة, ولو أن تركة قسمت, وفرقت, ثم ظهر على الميت دين نقضنا القسمة بين الورثة.
следующие страницы →