Полный текст (2 128 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
أمكن ولم تتعذر استدامة المنفعة السابقة، فأجبرنا أحدهما على القسمة إذا دعاه الثاني إليها.
والذي يدل على صحة الفرق بينهما: أن السيف لو كان ملكًا خالصًا لواحد منهما فأراد كسره كان ممنوعًا عن كسره، فإن كسره من فعل السفهاء الذين يستحقون/ (٢٩٧/ ب) الحجر عليهم، فإذا كان بين اثنين لم يجز لهما إفساده، كما لم يجز ذلك للواحد، بخلاف البئر الواسعة خالصة لواحد منهما فإن له أن يبني في وسطها حاجزًا ويجعلها بئرين، وكذلك أيضًا المساكن والحوانيتن والأرحية والحمامات وما جانسها يعتبر فيها هذا الأصل.
مسألة (٧٧٠): إذا مات رجل وعليه دين يستغرق تركته، فباع الورثة عينًا من أعيان التركة قبل قسمة المواريث لقضاء الدين كان ذلك البيع صحيحًا، وإن تعلق الدين بما بعد الموت.
стр. 2032
ولو أراد الراهن بيع الرهن قبل قضاء الدين لم يكن له بيعه، ولا بيع شيء منه.
الفرق بينهما: أن الدين إنما تعلق بالرهن على وجه الاختيار، فيستحيل أن يباشر في العين المرهونة عقد البيع، وهو الذي باشر عقد الرهن وأكمله بالتسليم.
فأما تعلق الديون بالتركة، فليس طريقها طريق الاختيار، وإنما ذلك بالشرع، وهذه النكتة تقتضي جواز بيع العبد الجاني وإن كان أرش الجناية متعلقًا برقبته؛ لأن تعلقه بالرقبة ما كان على وجه الاختيار.
مسألة (٧٧١): واجب القاضي أن يمتنع عن القضاء فيما يقتضي علمه السابق الامتناع عنه، وفي تنفيذ القضاء بالعلم قولان: وتفسير ذلك: أن يشهد شاهدان على نكاح بين رجل وامرأة والقاضي يعلم أن بينهما رضاعًا، فلا يجوز له الإقدام على القضاء بالشهادة مع علمه بالرضاع قولًا واحدًا، وهل يحكم بفسخ النكاح بعلمه بالرضاع إذا كان اختلافهما في الفسخ؟
стр. 2033
فيه قولان:
والفرق بينهما: أن النكاح إذا كان قائمًا بين شخصين قبل المرافعة، فالظاهر أن الزوج مالك لبضع الزوجة، فليس للقاضي أن يعترض على نكاح ثبت ظاهره إلا بينة ظاهرة.
وأما إذا ادعى رجل نكاح امرأة وهي تجحد وأراد إقامة البينة والقاضي يعلم رضاعًا بينهما، فلا يجوز له أن يصغي إلى هذه الشهادة، ولا يحل له أن يقضي بالنكاح، بل يلزمه أن يمتنع عن الحكم؛ لأن الظاهر عدم النكاح [بينهما، والقاضي يسمع البينة يريد أن يبتدئ بينهما إلزام حكم النكاح] وهو عالم باستحالة النكاح، فلا يجوز له الإصغاء إلى الشهادة، ولا يحل الحكم بينهما.
مسألة (٧٧٢): إذا ادعى مالًا وشهدت له امرأتان لم يكن له أن يحلف معهما، بخلاف الرجل، وإذا أقام شاهدًا واحدًا قبلنا معه شهادة
стр. 2034
امرأتين.
والفرق بينهما: أن الرجل الواحد إذا شهد جاز/ (٢٩٨/ أ) له أن يستتبع في الشهادة حكم المرأتين، فيقومان معه مقام رجل مثله، فأما إذا لم يشهد سوى امرأتين فأراد أن يضم اليمين إلى شهادتهما، فليس له ذلك؛ لأن شهادتهما عريت عن شهادة رجل، فلا تصير شهادتهما أصلًا ولا رجل معهما.
ولهذا لو شهد أربع نسوة مقام رجلين لم يتعلق بشهادتين حكم [حتى يكون معهن شهادة رجل، وإنما يتعلق الحكم] بشهادتين على الانفراد ي مواضع مخصوصة كالولادة والرضاع وعيوب النساء.
مسألة (٧٧٣): إذا تلاعن الزوجان كان القضاء بينهما نافذًا ظاهرًا وباطنًا [في
стр. 2035
الفرقة، وكذلك أيضًا المتبايعان إذا تحالفها، فحكم بالانفساخ نفذ ظاهرًا وباطنًا].
وإذا شهد شاهدان على نكاح، أو طلاق وهما شاهدا زور، فقضاء القاضي لا ينفذ إلا ظاهرًا، ولا يحيل حكم الحاكم الأمور في الباطن عما هي عليه.
والفرق بين الجملتين: أن الفرقة الواقعة باللعان معلقة بالكلمات الخمس الصادرة من جهة الزوج، ولا ريبة ولا مرية في وجود الكلمات بأعيانها، وعقيب فراغ الزوج منها يحكم بوقوع الفرقة، وليست بمتوقفة على قضاء القاضي، وكذلك يقع الفسخ بالتحالف على القول المخرج، فأما القول
стр. 2036
المنصوص، فهو أن القاضي يفسخ العقد، ولكن علة الفسخ ما وجد من التحالف والمشاحة؛ ولهذا تعذر إمضاء العقد بينهما، ولا شك في وجود هذه العلة. فأما إذا قضي بالنكاح، فليست العلة شهادة الشهود، [إنما العلة هو العقد الذي أخبر الشهود] عنه، والعلة في الفرقة لفظن الطلاق الذي شهدوا عليه فإذا كان ذلك النكاح وذلك الطلاق في الباطن معدومًا استحال تنفيذ القضاء في الباطن، وكذلك في البيوع، وهذا معنى قول رسول الله ﷺ : "إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار".
стр. 2037
مسألة (٧٧٤): إذا كان على الرجل دين وله على الناس ديون فأقام شاهدًا واحدًا وأبى أن يحلف معه، فليس لغرمائه أن يحلفوا مع الشاهد لاستقصاء دينه بدينهم.
ولو مات رجل وله على الناس ديون وللناس عليه ديون فأقام ورثته شاهدًا واحدًا/ (٢٩٨/ ب) وامتنعوا من اليمين معه كان للغرماء أن يحلفوا مع الشاهد في أحد القولين.
والفرق بين المسألتين: أن الرجل إذا مات فربما يمتنع الورثة عن اليمين؛ لأنهم لم يعلموا على الحقيقة وجوب الدين لأبيهم على الغرماء، ولا يبعد أن يعلم الغرماء من ذلك ما لا يعلمه الورثة، فإذا أرادوا أن يحلفوا عند امتناع الورثة ساغ لهم أن يحلفوا ويستحقوا.
فأما إذا كان الرجل حيًا وامتنع بنفسه عن اليمين مع الشاهد - وهو أعلم من غيره بما وجب له وعليه - فمن المحال إقدام الغرماء على اليمين وهم لا يعلمون
стр. 2038
من حقائق معاملاته ما يعلمه؛ فلذلك فصلنا بين حالة الحياة وحالة الممات، فلم نجوز لهم أن يحلفوا [إذا نكل وهو حي، وجوزنا لهم أن يحلفوا] إذا نكل الورثة والموروث ميت.
ومن أصحابنا من سوى بين المسألتين وجعلهما جميعًا على قولين، وهذا صنيع من لا يبالي بالنصوص، أو يكون منها على غفلة، وذلك أن الشافعي ﵀ لما ذكر القولين بعد الممات واشتغل بتوجيههما قاس أحد القولين على حالة الحياة وهو: قول منع الغرماء عن اليمين، ولو كان له قولان في حالة الحياة، كما كان له قولان بعد الممات لما قاس أحد القولين من حالة على الحالة الأخرى.
مسألة (٧٧٥): قال الشافعي ﵀: "لو أن رجلين ادعيا دارًا في يدي رجل ميراثًا فأقر لأحدهما بنصفها وأنكر حق الآخر فأخذ المقر له نصيبه شاركه أخوه وشاطره، ولو أن أخوين ادعيا دينًا على رجل لأبيهما وأقاما
стр. 2039
شاهداً واحداً فحلف أحدهما مع شاهده ونكل الآخر أخذ الحالف نصيبه، ولا حق لأخيه فيما أخذ ".
فمن أصحابنا من قال: إنما افترقت المسألتان؛ لأن الدعوى في أحدهما عين وفي الأخرى دين، وهذه طريقة سديدة؛ لأن العين المستحقة شائعة الأجزاء بكل حال، فإذا قبض أحدهما بعض العين استحال أن ينفرد باستحقاقه وهماً جميعاً وارثان وطريق استحقاقهما طريق الميراث.
فأما الذمة إذا كانت محلاً للدين، فتخصيص صاحب الذمة واحداً من المستحقين بالإيفاء، كالقسمة والإفراز؛ فلذلك اختص بما قبض.
ومن أصحابنا من قال: المذهبان في المسألتين على الاختلاف سواء كان الحق المدعي ديناً، أو عيناً، والنكتة الفاصلة بينهما: أن أحدهما لما نكل بطل حقه بالنكول، فجاز أن يختص صاحبه الثاني بالمأخوذ، وليس في أحدهما غبطال حقه في مسألة الإقرار حتى يختص صاحبه بالمأخوذ،/ (٢٩٩/أ) فهذا هو الفرق بين المسألتين.
стр. 2040
مسألة (٧٧٦): إذا أقام رجل شاهداً واحداً على جارية في يد رجل أنها له وأن ابنها ولده منها. فقد قال الشافعي- ﵀: "إذا حلف مع شاهده حكمنا بأن الجارية له أم ولده، وفي الولد قولان:
أحدهما: أن نسبه ثابت ويحكم له به.
والثاني: أن النسب لا يثبت، ولا يحكم له بالولد ".
والفرق بين الأم حيث صيرناها أم ولد بالشاهد واليمين، وبين الولد حيث لم نثبت نسبه في أحد القولين- وإن كان العتق والنسب سواء في أن لا نثبتهما بالشاهد واليمين-: أن الرجل إذا ادعى أن الجارية أم ولدي فأصل دعواه فيها دعوى الملك، والملك مما يثبت بالشاهد واليمين، ثم يترتب الإستيلاد على الملك بإقراره على أن أم الولد في الحال مملوكة، ألا تراه يطأها بملك اليمين ويؤاجرها ويزوجها فيأخذ مهرها.
فأما الولد، فليس للرجل فيه دعوى الملك في الحال، وإنما يدعي نسبه وحريته، وكل واحد منهما حق لا يثبت بالشاهد واليمين؛ فلذلك فصلنا بين الأم وبين الولد.
стр. 2041
فإن قال قائل: أرأيت لو ادعى رجل عبداً في يدي رجل وقال: كان عبداً لي، فأعتقته، وأنكر صاحب اليد، وأقام المدعي شاهداً واحداً وحلف مع شاهده ثبتت دعواه وإن كان لا يثبت سوى الحرية.
قلنا: إن الرجل في هذا الموضع يثبت أصل الملك في رقبته في زمان مضى، وذلك مما يثبت بالشاهد واليمين، ثم يترتب العتق على ملكه بالإقرار الصادر من جهته، هذا فرق ما بينهما.
ومن أصحابنا من قال: ليس في الولد قولان، بل فيه قول واحد: أنا نقضي له بنسبه وحريته، كما قضينا بأن الأم أم ولده، ونسب المزني إلى الغلط في نقل القول الثاني، ويقول: ما وجدنا القول الثاني منصوصاً في نقل الربيع عن الشافعي: ومن قال بالطريقة الأولى ذب عن المزني بأنه ربما سمع القول الثاني فنقله عن السماع.
مسألة (٧٧٧): ألحق الشافعي- ﵀ الحبس في العتق في كتاب الأحباس وقاسه عليه في مواضع شتى، ثم فصل بينهما هاهنا، فأثبت الوقف
стр. 2042
بالشاهد [واليمين، ولم يثبت العتق بالشاهد] واليمين.
والفرق بينهما في هذا الحكم: أن الوقف لا يوجب إخراج الرقبة عن صفة المالية، وإن أوجب وصفاً مخصوصاً في الملك؛ والدليل على بقاء معنى المالية: أن من أتلف رقبة الوقف التزم قيمتها بالسوق كمن يتلف رقبة الملك، ثم ربما/ (٢٩٩/ب) نقول- في أحد القولين.: إن الواقف هو المالك للرقبة، وربما نقول: إن الموقوف عليه هو المالك.
فأما إذا ادعى عبد على سيده أنك أعتقتني، فليس يدعي عليه مالاً ولا ما يؤول إلى المال، وإنما يدعي عليه محض الزوال وقربة العتاق، فلا يجوز أن يثبت ذلك بشاهد ويمين. وقد قال أبو العباس بن سريج- ﵀ تخريجاً: يحتمل أن تكون منزلة الوقف كمنزلة العتق حتى لا يثبت بالشاهد واليمين، والنص ما قدمناه عليه عامة مشايخنا.
стр. 2043
مسألة (٧٧٨): إذا ادعى رجل على امرأة أنه خالعها على ألف درهم وأنكرت المرأة، فالطلاق واقع، ولو أقام الرجل شاهداً واحداً حلف واستحق المال، ولو ادعت على زوجها الخلع، فأنكر وأقامت شاهداً واحداً لم يكن لها أن تحلف؛ لأنها تثبت الطلاق والزوج في المسألة الأولى يثبت المال.
وعلى هذا لو ادعى العبد أن سيده كاتبه لم يقض للعبد بالشاهد واليمين، ولو دعى الرجل على مكاتبه أنه عجز فعجزه- والمكاتب منكر- قضينا للسيد بالشاهد واليمين؛ لأن المكاتب في الطرف الأول يقصد اثبات عقد العتق، والسيد في الطرف الثاني يقصد اثبات المال وعود الرقبة إلى الرق بسبب العجز؛
فلذلك افترقت المسألتان.
مسألة (٧٧٩): قال الشافعي- ﵀: "لو أقام شاهداً أن أباه تصدق عليه بهذه الدار صدقة موقوفة محرمة وعلى أخوين له، فإذا انقرضوا، فعلى أولادهم، أو على المساكين، فمن حلف منهم ثبت حقه وصار ما بقي ميراثاً، وإن حلفوا معاً خرجت الدار من ملك صاحبها إلى من جعلت له في حياته ومضى الحكم فيها لهم ".
ثم حكم الشافعي- ﵀ في هذه المسألة: بأن الآباء لو نكلوا لم يكن
стр. 2044
للأعقاب بعدهم أن يحلفوا في أحد القولين.
ومثله: لو قال المتصدق في أصل عبارة الصدقة تصدقت عليهم وعلى أولادهم، وأولاد أولادهم ما تناسلوا، فنكل الآباء كان للأبناء أن يحلفوا.
والفرق بينهما: أنه إذا قال: فإذا انقرضوا، فعلى أولادهم فقد رتب حق الأولاد في الاستحقاق على حق الآباء، فتلقوا ما أخذوا من جهة آبائهم، فإذا نكل الآباء بطل بنكولهم حق الأبناء في اليمين.
فأما إذا قال: عليهم وعلى أولادهم، وأولاد أولادهم فإنه نزل الأولاد في أصل الاستحقاق بمنزلة الآباء، ولم يجعل حقهم مرتباً/ (٣٠٠/أ) على حقهم [وتلقى الأولاد حقهم من الواقف، كما تلقى الآباء حقهم] منه، ونكول بعض الآباء عن اليمين مع الشاهد لا يبطل حق الآباء، فكذلك نكول الآباء لا يبطل حق الأولاد، ولهم أن يحلفوا وإن نكل آباؤهم.
стр. 2045
كتاب الشهادات
مسألة (٧٨٠): حكم الشافعي- ﵀ بوجوب الحد على من شرب قليل نبيذ وهو يستحله، ثم أجاز شهادته، قال المزني: "كيف يحد من شرب قليلاً من نبيذ ويجيز شهادته"؟ فاستبعد الفرق بين المسألتين.
والفرق بين المسألتين ظاهر وهو: أن الشافعي- ﵀ بني كل واحد من الحكمين على أصل له، والأحكام تختلف باختلاف أصولها، فبني حكم وجوب الحد على صحة الأخبار؛ لأن الأخبار في تحريم النبيذ وكل شراب مسكر صحيحة ورواياتها كثيرة، ولا يكاد
стр. 2046
الخصم يروي في المعاوضة رواية إلا وهي مشغولة برواية تقابلها إلا ما شاء الله، فألحق الشافعي- ﵁ النبيذ من هذه الوجوه بالخمر في إيجاب الحد للردع والزجر، فلما جاء إلى الشهادة وقبولها وردها علم أن ذلك حكم مبني على الفسق والعدالة، وفسق الرجل يعتبر بعقيدته.
ألا ترى أن الرجل لو غصب جارية فزنى بها يعتقد أنها غصب، ثم بان أنها كانت جاريته المملوكة له حكمنا بتفسيقه لما أقدم عليه واستجازه، ولو اشترى جارية فظن أنها بالشراء ملكه فأصابها، ثم بان أنها كانت مغصوبة لم يحكم
стр. 2047
بتفسيقه وإن أصاب حراماً؛ لأنه ما أقدم على الإصابة مستحلاً لحرام فعرفنا أن الفسق والعدالة بالعقائد، وأن إقامة الحد بالدلائل لا بالعقائد.
فإن قيل: اختلاف الناس في شرب النبيذ كاختلافهم في النكاح بغير ولي، وأنت لا تحد من نكح بغير ولي، فكيف تحد من شرب النبيذ وهذا مستحل للنكاح بغير ولي، وذا مستحل شرب النبيذ؟.
والفرق بينهما: أن العقد مع العقيدة وجد في أحدهما فجاز أن يصير ذلك العقد شبهة في درء الحد.
فأما مجرد العقيدة مع ظهور الدلائل قيستحيل أن تصير شبهة في درء الحد، ونص الشافعي- ﵀ أن من نكح بغير ولي وأصاب فلا حد عليه، ولم يفصل في ظاهر كلامه بين من يستحله وبين من لا يستحله، فذهب بعض مشايخنا إلى الفرق وأوجب الحد على غير المستحل، وبعضهم جرى على ظاهر كلامه وأسقط الحد عنهما جميعاً بشبهة العقد؛ لما ذكرناه.
مسألة (٧٨١): / (٣٠٠/ب) الصبي إذا شهد، فردت شهادته، فبلغ فأعادها بعينها
стр. 2048
كانت الإعادة مقبولة، وكذلك المملوك يعتق، وكذلك الكافر يسلم.
فأما الفاسق إذا أقام شهادة، فردت، فعدل، فأهادها بعينها فالإعادة مردودة.
والفرق بين الفريقين: أن المراهق متى ما ردت شهادته لم يتعير بردها؛ لعلمه أن علة ردها ما فيه من الصغر، والصغير لا يتعير بصغره، والمملوك لا يتعير برقه، والكافر لا يتعير بكفره، بل يفتخر به ويذب عنه، فإذا أعادوها لم يلحقهم تهمة ظاهرة في نفي عار سابق لحقهم؛ لأنهم لا يتعيرون بالرد السابق، فعلمنا أنهم أعادوها تديناً فقلبناها.
فأما الفاسق، فليس كذلك؛ [لأنه يتعير بالفسق وإن كان ماجناً مكباً على أسباب الفسق، وكذلك] يستسر بفسقه، حتى قال بعض أصحابنا: إن كان يعلن بفسقه مباهياً به كمباهاة الكافر بكفره قبلنا شهادته عند الإعادة، كما قبلنا
стр. 2049
شهادة الصبيان والكفار والعبيد، لما ذكرنا من معنى التهمة.
فأما غير المعلن فمعلوم أنه مع استسراره بالفسق وتشبهه بالعدول يتعير بالرد، فربما يقصد بالإعادة نفي العار السابق وغسله عن نفسه ونفضه عن شهادته، وإذا تمكنت التهمة من الشهادة أوجبت ردها.
فإن قيل: فيجب أن لا تقبل شهادته في شيء بعد الاعتدال، كما لا تقبل في هذه الشهادة المعادة، لأنك إذا قبلت سائر شهاداته فكأنك نفضت عنه العار السابق، وكأنك أقررت بأنك أخطأت في رد تلك الشهادة.
قلنا: على الرد السابق إنما ينتفي عنه بقبول تلك الشهادة بعينها، فإنك إذا قبلتها بعدما رددتها ساغ له أن يقول أخطأ القاضي حين ردني، ألا تراه أنه قبل شهادتي المردودة بعينها، ولا تسوغ له هذه المقالة بأن قبل سائر شهاداته،
стр. 2050
لأنه إنما قبلها، لتغير حالة، عن فسقه إلى عدالته، ولو كانت عدالته سابقة لقبل شهادته السابقة.
مسألة (٧٨٢): من سمع شهادة شاهد يقيمها بين يدي قاض جاز له أن يتحملها كما أصغى إليها، حتى يشهد على شهادة ذلك الشاهد من غير استرعاء.
فأما إذا لم يكن بين يدي القاضي، فليس له أن يشهد على شهادته إلا بالاسترعاء، والاسترعاء: أن يقول: أشهد على شهادتي وأقمها إذا سئلت أقامتها.
والفرق بين الحالتين: أن الرجل في غير مجلس الحكم إذا ذكر شهادته على حق لرجل، فربما يذكرها وذلك الحق في الحال غير واجب، بأن يكون مقضياً، أو يكون ساقطاً بإبراء، وقد يكون الرجل شهاداً على حق ولو استشهد به ليقيمها لم يستجز/ (٣٠١/ أ) إقامتها، لما ثبت عنده من تصرف في ذلك الدين بأخذ عوض عنه مراضاة، أو غير مراضاة.
стр. 2051
فأما إذا شهد عند الحاكم وهو يعلم أن الشهادة إذا أقيمت في مجلس القاضي تعلق الحكم بها، فالظاهر من إقامته علمه ببقاء وجوب ذلك الحق، وقصور علمه عن الأسباب المسقطة من الإبراء والمعارضات وغيرها، فكانت هذه القرينة أبلغ من قرينة الاسترعاء.
قال الشافعي - رحمة الله -: "إذا سمع الرجلان الرجل يقول: أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم ولم يقل لهما: أشهدا على شهادتي، فليس لهما أن يشهدا بها، ولا للحاكم أن يقبلها، لأنه لم يسترعهما إياها، وقد يمكن أن يقول: له على فلان ألف وعده إياه".
مسألة (٧٨٣): إذا سمع القاضي شهادة عدول، فلم يقض بها حتى فسقوا توقف في الإمضاء. وإن عموا، أو جنوا لم يتوقف في الإمضاء.
والفرق بين المسألتين: أن العمى إذا اعترض تيقناً أنه حدث وعرفنا أنه غير مستند إلى الزمان الماضي، فصار كموت الشهود، ولو ماتوا بين الإقامة والإمضاء وجب الإمضاء، والجنون كالعمى.
فأما الفسق، فليس كذلك، لأن الرجل إذا ارتكب ما يوجب التفسيق علم
стр. 2052
العقلاء أن ذلك الارتكاب يترتب على تدبير سابق ورؤية متقدمة، وقصود موجودة، فاستندت التهمة إلى حالة الأداء واعترضت على أصل الشهادة، والشهادة إذا كانت عند الإقامة مشوبة بتهمة الفسق استحال تنفيذ القضاء بها، فلذلك فصلنا بين المسألتين.
مسألة (٧٨٤): إذا رجع شاهد من العشرة الذين شهدوا على المال لم يغرم، وكذلك ما دام شاهدان ثابتين على الشهادة فليس على الثمانية الراجعين غرامة عند الشافعي ﵀، والمزني خالف الشافعي في هذه المسألة فأوجب على الراجع الغرم بالتقسيط.
قال أيده الله: وحكي لي من اعتمده عن الشيخ الإمام أبي بكر ﵀ أنه قال: إذا رجع واحد من شهود القتل وجب القود عليه، وإن ثبت على القتل تمام عدد الشهود.
стр. 2053
والفرق بين القصاص وبين المال: إن الراجع من شهود القتل معترف على نفسه بالقتل، ومن اعترف على نفسه بقتل موجب للقود وجب القود عليه، سواء وجب على غيره أو لم يجب.
فأما في المال، فالحكم بخلافه، لأن الراجع يقول: كذبت في الشهادة، وليس يتحقق/ (٣٠١/ ب) بقوله تفويت المال وإتلافه على ذلك الخصم، فإن الحكم الماضي بالمال ثابت بشهادة الشهود الثابتين.
وفي القتل معنى وهو: أن الجماعة إذا تمالئوا على القتل، فكل واحد منهم كالقاتل المنفرد بالقتل، ينسب القتل إليه كله ويقطع حكمه عن حكم غيره، فلذلك صار هذا الرجل مأخوذاً على الانفراد بمقتضى رجوعه دون أصحابه.
مسألة (٧٨٥): قال الشافعي ﵀: لو شهد أجنبيان أن فلاناً المتوفى اعتق هذا العبد، وهو الثلث في وصيته، وشهد الوارثان لعبد غيره أنه اعتقه وهو الثلث في وصيته فسواء، ويعتق من كل واحد منهما نصفه، ولم يأمر الشافعي بالقرعة.
ولو اعتقهما جميعاً في مرض موته وثلثه لا يحتملها وإنما يحتمل أحدهما، فقد أوجب الشافعي ﵀ القرعة بينهما.
стр. 2054
وصورة المسألة الأولى: أن يكون عتقه لأحدهما متقدماً والثاني متأخراً بيقين ولكن أشكل المتقدم من المتأخر.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا اعتقهما معاً وثلثه يحتمل أحدهما فكل واحد منهما يعترف بأنه أعتق صاحبه معه، وأن العتق إنما ينفذ لواحد منهما من الثلث، فلما استويا في الاستحاق والجهة وضاق الثلث وجب الإقراع بينهما.
فأما إذا كان عتق أحدهما متقدماً فإنا نعلم أن المتقدم منهما هو الحر دون الثاني، لأن التنجيز المرتب في مرض الموت يقع مرتباً، ألا ترى أن الشافعي ﵀ = قال: "لو قال: سالم حر، وغانم حر وزياد حر بدأنا بسالم". فلما كان كذلك صار كل واحد منهما مدعياً لنفسه جميع ثلثه دون صاحبه، وهما سواء، في الدعوى، فصار الثلث كدار في يدي رجلين يتداعيانها بينهما هذا يقول: جميعها لي [والآخر يقول: بل جميعها لي]، فالدار مقسومة بينهما نصفين، فكذلك الثلث مقسوم بين هذين العبدين نصفين.
وقد خرج المزني في المسألة الأولى قولاً ثانياً: أنا نقرع بينهما، كما نقرع في المسألة الثانية.
ولو احتملت المسألة الأمرين جميعاً: الترتيب، والجمع وجب الإقراع
стр. 2055
بينهما، لأنا لم نستيقن أن أحدهما عن الثاني منفرداً باستحقاق الثلث، فيصير كما لو اعتقهما معاً فيقتضي الإقراع.
مسألة (٧٨٦): قال الشافعي ﵀: "إذا ادعى أنه نكح امرأة لم تقبل دعواه حتى يقول: نكحتها بولي وشاهدي عدل ورضاها، فإن حلفت برئت، وإن نكلت قضي له بأنها زوجته"، فاشترط في دعوى النكاح ما ترى من التفسير والتقييد.
ولم يختلف جوابه في سائر الدعاوى/ (٣٠٢/ أ) أنها مقبولة، وإن لم يذكر السبب الذي كان سبب الملك، وإن لم يذكر جهة من الجهات.
الفرق بينهما: أن النكاح مشتمل على أركان منهما اللفظ المتعين، ومنها:
стр. 2056
الولي، ومنها الشهود، وكثر خلاف العلماء في هذه الأركان، وما هو من شرائط صحته، ومثل ذلك لا يتصور في جهات إملاك
стр. 2057
الأموال، فلذلك أمر الشافعي في الاستفسار والاستفصال في أحدهما ولم يأمر بذلك في الثاني.
مسألة (٧٨٧): قال بعض مشايخنا: إنما يستفسر في دعوى النكاح إذا قال: نكحتها، وأما إذا اقتصر على قوله: هذه زوجتي، فلا يستفسر.
والفرق بينهما: أنه إذا قال: هذه زوجتي لم يتعرض لدعوى أصل العقد، وإنما تعرض لدعوى الملك في الأول، فجوابه مثله ودعواه مسموعة.
فأما إذا قال: نكحتها، فقد ادعى مباشرة العقدة، وللعقد أركانه وأحكامه، ولابد من أن يذكر كيفية العقد الذي عقده.
ومن أصحابنا من قال: لا بد من التفسير سواء ذكر النكاح، أو ادعى الزوجية، لأن الزوجية إنما تستفاد بالنكاح، ولو تلفظ بالنكاح في الدعوى لزمه
стр. 2058
التقييد والتفسير، فكذلك إذا ادعى الزوجية ومن ضرورتها النكاح، فكأنه أدعى النكاح.
مسألة (٧٨٨): إذا تداعى رجلان عبداً في يدي ثالث، وأقام كل واحد منهما بينة فقد استضعف الشافعي قول من أوجب قسمه العبد بينهما نصفين.
ولو أوصى لرجل بعبد ولرجل آخر بذلك العبد من غير رجوع وثلثه يحتمله قسمناه بينهما نصفين.
والفرق بين المسألتين: أن الوصايا مبنية على التراحم والاجتماع، وليس من ضرورتها انفراد بعضهم بالاستحقاق عن بعض، فنزلا في الثلث منزلة واحدة.
فأما البينتان إذا تقابلتا وهما متكاذبتان فمعقول أنا إذا قضينا بإحدى البينتين دون الثانية كان محالاً، إذ ليس لإحداهما على الأخرى مزية، [وإذا قسمناه بينهما كنا على خلاف البينتين جميعا، لأن كل واحد منهما واحد منهما تثبت جميع الملك، ولا تثبت شركة ومضاربة]، فإذا قسمنا بينهما خالفنا البينتين جميعاً بالتنصيف، فلذلك
стр. 2059
قلنا: إما أن يقرع بين البينتين، وإما أن يوقف حتى يصطلحا في دعواهما على شيء فنصبر إلى صلحهما.
стр. 2060
كتاب الدعاوى
مسألة (٧٨٩): قال الشافعي ﵀: "لا أقبل البينة أن هذه الجارية بنت أمته حتى يقولوا: ولدتها في ملكه، ثم عطف على هذه المسألة فقال:
"لو شهدوا أن هذا الغزل من قطن فلان، أو أن هذا الزرع من بذر فلان قبلت البينة وإن كانت لا تثبت الملك في الحال".
والفرق بينهما: أن الجارية بعينها لا تصبر عين الولد إذا ولدت، بل الولد فرع لها، والأصل باق، (٣٠٢/ب) / ليس من ضرورة ملك الجارية أن يكون ولدها مملوكاً لمالكها، بل يحتمل أن يمتلك زيد الجارية وولدها مملوكاً لعمرو بالوصية وغيرها.
فأما إذا ادعى أن هذا الغزل من قطنه، فمعلوم أن عين القطن يصير غزلاً، ولا يكون الغزل فرعاً للقطن، كما يكون الولد فرعاً للأصل، فإذا ملك القطن، فلا محالة أنه ملك الغزل، فاكتفوا بأن يقولوا: نشهد أن هذا الغزل من قطن فلان.
مسألة (٧٩٠): إذا اجتمع الداخل والخارج في الدعوى لم نقبل بينة الداخل قبل
стр. 2061
قيام بينة الخارج، فإذا أقام الخارج البينة قبلنا بينة الداخل.
والفرق بين الحالتين: أن لليد قوة وسلطاناً وبينة صاحب اليد تغنيه عند التفرد والتجرد عن إقامة البينة، فمن المحال سماع البينة في الابتداء واليد باقية على صفتها وقوتها.
فأما الحالة الثانية، فليست كذلك، لأن الخارجي إذا أقام البينة ظهرت قوته وضعفت يد صاحب اليد، وصار جانبه أضعف من جانب الخارج، والبينات في الشرع إنما تسمع ممن ضعفت جنبته وزالت قوته، ولهذه النكتة قلنا: إن الإيمان في القسامة مطلوبة من جانب المدعى ابتداء، لأن اللوث أوجب قوة جانبه، واليمين أبداً في جنبة من قويت جنبته، والدعوى والبينة أبداً في جنبة من ضعفت جنبته، ولذلك قلنا: إذا أقام شاهداً واحداً حلف مع شاهده على اليمين، فهذه يمين مطلوبة من جهة المدعي، لأن جهته بهذا الشاهد العدل صارت أقوى من جنبة المدعى عليه.
стр. 2062
مسألة (٧٩١): من كان مدعياً تقبل البينة منه إذا أقامها، واليمين لا تقبل منه إلا في بعض المسائل المخصومة منها: أن يدعي المودع رد الوديعة، فالبينة مسموعة واليمين مقبولة.
وكذلك إذا ادعت المعتدة أنها أسقطت وانقضت عدتها فإن اقامت بينة، فالبينة مسموعة، وإن حلفت قضي لها بيمينها.
والفرق بين هاتين المسألتين وبين سائر المسائل: أن المودع الذي ادعى رد الوديعة استجمع صفتين: صفة المدعي من حيث ادعى الرد، وصفة المدعى عليه من حيث توجهت عليه دعوى المودع، فلما اجتمعت فيه الصفتان اجتمعت في جانبه البينتان، وكذلك المرأة فإن الزوج يدعي عليها سلطان الرجعة ببقاء العدة، [وهي تدعي فعل الإسقاط، وذلك يتضمن انقضاء العدة]، فإن حلفت، فهي مدعى عليها، وإن أقامت البينة، فهي مدعية.
فأما في سائر المسائل، فلا يتصور اجتماع مثل هاتين الصفتين مع الخصم، ولا يتحقق أن يستجمع للخصم الواحد/ (٣٠٣/ أ) الوصفان معاً.
стр. 2063
مسألة (٧٩٢): إذا أقام الرجل ببينة أن هذا الدار إرث لي من أبي مات وهو يملكها، فأقامت امرأة الميت بينة أن الميت أصدقها إياها، أو باعها منها، [أو وهبها لها وسلمها وهو صحيح قدمنا بينتها على بينته.
وإنما] قدمنا: لما تضمنت بينتها من إثبات الزيادة في العلم وهو: انتقال الملك بجهة العقد، فأما من شهد على الإرث فإنما يستجيز الشهادة لما تقرر عنده من اليد السابقة المستدامة إلى الموت، والشهادة على الإرث بمثل هذه اليد متابعة.
مسألة (٧٩٣): الحر والعبد سواء إذا تداعيا نسباً وكل واحد منهما يلحقه بنفسه مثل: أن يدعي بنوة المجهول.
فأما إذا تداعيا عمومة المجهول [أو أخوته، فدعوة الحر أولى من دعوة العبد.
стр. 2064
والفرق بينهما: أنهما إذا تداعيا في المجهول] البنوة فكل واحد منهما يلحق النسب بنفسه ليس يلحقه بغيره، وما من واحد منهما إلا ويحتمل أن يكون له ولد، فلذلك سوينا بينهما.
فأما إذا كانت الدعوة دعوة الأخوة، فأصل النسب في دعوة الأخوة إلحاقه بالأب، وفي العمومة إلحاقه بالجد، ولئن كان المملوك محل قبول قوله على نفسه في الإلحاق، فلا يجوز قبول قوله في إلحاق النسب المجهول بأبيه، أو بجده، فلذلك فصلنا بين المسألتين.
مسألة (٧٩٤): القافة غير مستعملة في [نفي الأنساب، وهي مستعملة] في الإلحاق.
والفرق بين الحالتين: أن النسب إذا كان ثابتاً، فسبب ثبوته فراش سابق معلوما: إما فراش نكاح وإما فراش ملك يمين، وقد قال - رسول الله ﷺ :- "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، فلا يجوز قطع حكم الفراش وإزالته بمجرد قول القائف من غير أن يكون هناك دعوى مدعي تتضمن الإلحاق. فأما إذا
стр. 2065
تداعى رجلان نسباً والاحتمال موجود في الدعوتين، فهذه منزلة القائف، لأن القافة لا ترفع بالإلحاق ما استقر من الحكم، وفي الإلحاق مع الالتباس مراعاة حق الولد في النسب، ومراعاة حق الوالد المشكل من الوالدين، ومنزلتهما منزلة البينات، وفيها شبه من الحكم، والبينة إنما تستعمل وتسمع عند الحاجة إليها بالدعوى والخصومة، وكذلك القاضي إنما يتصور منه تنفيذ القضاء عند الخصومة، فلذلك لا يتصور الإصغاء إلى قول القائف مع ثبوت الفراش وعدم الخصم والخصومة.
стр. 2066
كتاب العتق
مسألة (٧٩٥): العبد إذا كان مشتركاً بين شريكين وقيمته مائة دينار، فقال رجل لأحدهما: أعتق نصيبك عني بقيمة نصيبك، والقائل السائل يملك خمسين، فقال: نصيبي حر/ عنك عتق العبد كله على القول المشهور وهو: تعجيل السراية، وغرمه كل واحد من الشريكين خمسة وعشرين ديناراً [حتى ينفذ ما في يده، ثم لكل واحد منهما في ذمته خمسة وعشرون ديناراً].
ولو كانت المسألة بحالها غير أن السائل أشار عند السؤال إلى ما في يده من الدنانير فقال: اعتق نصيبك عني على هذه الدنانير، وقف العتق على ذلك النصيب، ولم يسر إلى نصيب الشريك.
والفرق بين الصورتين: أنه إذا سأل على الذمة فأجابه المسئول لم تتعلق المعاملة بينهما بعين الدنانير، وإنما تتعلق بالذمة، فإذا تعلقت بالذمة بقيت العين مفرغة عن تعلق حق العتق، كما كانت وبقي موسراً بها، ومن اعتق نصف عبد وفي ملكه تمام قيمة النصف عتق النصف الثاني، وهذا الرجل بهذه الصورة.
стр. 2067
ألا ترى أنه لو أراد قبل حجر القاضي عليه أن يدفع الخمسين كلها إلى صاحب النصف الثاني كان له ذلك، كما لو أراد أن يدفعها إلى المسئول كان له ذلك.
فأما إذا عينها، فقد تعلقت المعاملة بها، لأن النقود عندنا تتعين في العقود، كما تتعين العروض، فإذا استحقت بالتعيين بقي، عقيب المعاملة فقيراً لا مال له، والعتق لا يسري على معسر.
مسألة (٧٩٦): أحد الشريكين إذا اعتق نصيبه وهو موسر، فسرى عتقه، ثم اختلفنا فقال من أنشأ العتق: إنه غير صناع فقيمته خمسون، وقال شريكه: إنه يحسن صنعة كذا وكذا وقيمته مائة، فقد قال الشافعي ﵀: "القول قول الغارم".
ولو اختلفا في عيب به فقال الغارم: كان به هذا العيب فقيمته أقل: وقال الخصم: ما كان به هذا العيب فقيمته أكثر، فالقول قول المالك المغرم.
стр. 2068
والفرق بينهما: أنهما إذا اختلفا في العيب وفي وجوده فالأصل عدمه، فلذلك جعلنا القول قول من يدعي عدم العيب.
فأما إذا اختلفا في صنعه فإنهما مختلفان في حدوث زيادة، والأصل عدم تلك الزيادة حتى تقوم البينة على وجودها.
ولهذه النكتة فصل بعض أصحابنا بين أن يختلفا في حدوث العيب وبين أن يختلفا في اقترانه بأصل الخلقة، فإذا قال الغارم: كان أكمة فالقول قوله، وإن قال: قد اعترض عليه العمى قبل توجه الغرامة علي فالقول قول المالك، لأنه إذا ادعى الكمة، فليس يعترف بوجود ذلك العضو في أصل الخلقة، وإذا ادعى اعتراض العمى، فقد اعترف بسلامة سابقة في ذلك العضو، وادعى اعتراض العلة التي أذهبته فعليه إقامة البينة بعدما اعترف بسلامة ذلك العضو.
مسألة (٧٩٧): إذا اعتق الموسر شركاً له في عبد عتق العبد، وإذا اعتق بوصيته بعد موته ذلك الشرك لم يسر عتقه وإن كان في ثلثه سعة، ولا فرق
стр. 2069
بين أن يكون قد أوصى بعتق مماليك وبين أن لا يكون في وصيته عتق.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا كان حياً، فهو موسر بملكه حين انشأ عتق نصيبه فيسري عتقه إلى النصيب الثاني، فيصير في التقدير كأنه ملك جمعية فاعتقه.
[فأما إذا أوصى بعتق نصيب له في مملوكه ومات فقد زال ملكه بموته إلى ورثته، فلا ينصرف إلى حق عتقه إلا ما استبقاه بصريح وصيته]، فإذا أوصى بإعتاق النصف واستتمام العتق في النصف الثاني بالسراية سرينا واعتقنا جميعه وكان ذلك بأمره.
فأما إذا لم يوص باستتمام العتق واقتصر على الإيصاء باعتاق النصيب، فليس لنا تسرية العتق في ملك الورثة بعد موته بغير توصية سبقت منه.
مسألة (٧٩٨): إذا اعتق في مرض موته ونجز فاكتسب المعتق كسباً، وثلثه لا يحتمل جميع رقبته بعضناها بالدور، ثم ما خص العتيق منه من الكسب، فهو غير محسوب [عليه في الثلث، وما خص الرقيق منه من الكسب،
стр. 2070
فهو محسوب] على الورثة في الثلثين.
والفرق: أن المقدار الذي خص العتق منه من الكسب، فهو كسب حر كسبه في أيام حريته، لأن العتق عتق تنجيز، وكل كسب حصل في أيام الحرية، فذلك الكسب لا يدخل في جملة الميراث.
فأما ما خص الرقيق منه، فذلك كسب مملوك، لأن ذلك النصيب بقى مملوكاً للورثة، وكسب المملوك لا محالة مملوك، فحسبناه على الورثة في الثلثين.
مسألة (٧٩٩): إذا قال: اعتقوا بعد موتي فلاناً فإذا مضى شهر فاعتقوا فلاناً لم يتقدم أحدهما على الثاني في اعتبار الثلث.
ولو قال في مرض موته: سالم حر وغانم حر كان عتق سالم مقدماً على غانم.
والفرق بينهما: أنه إذا أوصى بعتقهما بعد موته فكل واحد منهما يستحق حقه حين يستحقه الآخر وإن أوجبهما على الترتيب، وساعة استحقاقهما حقه حين يستحقه الآخر وإن أوجبهما على الترتيب، وساعة استحقاقهما ساعة الموت، وهي الساعة التي يتحقق فيها ثبوت الوصايا ولزومها واستحقاقها.
فأما إذا قال: سالم حر وغانم حر، فقد أوجب الحق بالتنجيز لأحدهما قبل إيجابه للثاني، لأن العتق وقع عقيب اللفظ بشرط خروجه من الثلث.
следующие страницы →