Полный текст (2 128 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وأما (في) القول الثاني فيراعي فضيلة أول الوقت، لأن التيمم إذا صار تامًا شرائطه فهو طهارة كاملة. والصلاة به كاملة.
مسألة (١١٨): المسافر إذا دخل عليه وقت المكتوبة ومعه ما يكفي طهارته ليس له أن يهب ذلك الماء لمن يتطهر به، ولو أراد أن يهبه المتطهر قبل أن يدخل وقت المكتوبة عليه جازت الهبة مع مقارنة الوقت، كما يجوز عل بعد من الوقت.
والفرق ين الحالتين: أن الوقت إذا دخل افترض عليه طهارة نفسه لأداء فرضه ومعه الماء فصار مستغرقا لضرورته فإذا أراد الإيثار لم يجز له الإيثار إلا أن يكون المستوهب أشد حاجة من الواهب/ (٨ - أ) بأن يكون خائفا على مهجته.
فأما قبل دخول الوقت فالفرض غير متوجه عل هذا الواهب، والماء ملكه فإن شاء استبقاه لحاجته، وإن شاء صرفه إلى جهة الهبة أو غيرها من الجهات، ولا خلاف بين العلماء أن الرجل إذا أجنب أو أحدث لم يجب عليه الغسل ولا الوضوء حتى يدخل عليه وقت الصلاة بالزمان أو بالفعل، ومعنى الفعل: أن يقصد قضاء فائتة أو فعل نافلة.
стр. 212
مسألة (١١٩): إذا دخل وقت الصلاة (فصب) ماء الطهارة الواحدة، (ولم يكن له ماء) غيره وصلى بالتيمم كان عليه قضاء الصلاة في أحد القولين، ولو صبه قبل دخول الوقت وصلى بالتيمم لم يكن عليه قضاء ما صلى بالتيمم.
والفرق مثل ما مضى في مسألة الهبة.
مسألة (١٢٠): إذا دخل الوقت فوهب ماء الطهارة فصلى بالتيمم والماء قائم في يد الموهوب له باقٍ كان على الواهب قضاء ما صلى بالتيمم قولًا واحدًا، وإن استهلكه الموهوب (له) ثم تيمم الواهب وصلى لم يلزمه القضاء في أحد القولين.
والفرق بين الحالتين: أن عين الماء إذا كانت باقية في يد الموهوب له فكأنها
стр. 213
باقية في يد الواهب، لأن (هذه) الهبة ممنوعة بالشرع فإذا كانت ممنوعة بالشرع كان وجودها كعدمها، وإذا صار الماء مستهلكًا ثم تيمم فالعين عند التيمم معدومة فسقط القضاء عنه إذن كان فوات العين ليس من جهته.
مسألة (١٢١): إذا وهب المسافر ماء الوضوء الثاني واستبقى ماء وضوء واحد كان له ذلك، ثم لا يلزمه قضاء ما صلى بالتيمم عند انقضاء هذا الوضوء بخلاف الوضوء الواحد إذا وهبه في الوقت وكذلك الصب.
والفرق بينهما: أن ماء (الوضوء) الثاني لم (يتفرض) عليه في الحال استعماله فإتلافه كصب الماء قبل الوقت، فأما الوضوء الواحد فقد افترض عليه استعماله لما دخل عليه وقت المكتوبة.
ثم اعلم أنا (إن) كلفناه في هذه المسائل قضاء الصلوات بسبب هبة الماء وصبه فالصحيح أن (لا نكلفه) أكثر من قضاء مكتوبة واحدة وهي مكتوبة الوقت، لأن الفرض تأكد عليه في وقتها ولم يتعلق بذلك الماء حق المكتوبة
стр. 214
المنتظرة، ومن أصحابنا من أوجب عليه قضاء صلوات كان يمكنه أداؤها بالوضوء الواحد إذا توضأ.
مسألة (١٢٢): المضطر في حال المخمصة إن أراد الإيثار بما معه من الماء أو (من) الطعام لاستحياء مهجة أخرى كان له الإيثار وإن خاف فوات، مهجته، ومن دخل عليه وقت المكتوبة ومعه ماء (طهارة) واحدة/ (٢٨ - ب) وغيره مثله في الحاجة إلى الطهارة لم يجز له الإيثار.
والفرق بينهما: أن الحق في الطهارة والصلاة حق الله تعالى، ولا يسوغ في هذا الموضع العتق، والتقديم، والإيثار، والحق في حالة المخمصة حقه في نفسه، وقد (علم) أن المهجتين على شرف الإتلاف إلا واحدًا يستدرك بذلك الطعام فحسن إيثاره (.....) على نفسه.
ويقوي هذا الفرق مسألة المدافعة وهي: الرجل إذا قصد قتل غيره ظلمًا
стр. 215
والمقصود يقدر على الدفع غير أنه يعلم أن الاشتغال بالدفع ربما يكون (سبب)، قتل القاصد، كان للمقصود الاستسلام، وهو معنى قوله ﷺ لمحمد بن مسلمة: ((كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل)).
стр. 216
وقد اختلف (نص) الشافعي - رحمة الله عليه - في وجوب الدفع حيث يعلم الدافع أن الدفع يأتي على المدفوع، (فإن الدفع بسبب تلف) المظلوم، ولهذه المسألة موضع مخصوص سيأتي.
مسألة (١٢٣): إذا أجنب، المسافر (وتيمم)، وصلى بذلك التيمم فريضة، (وأحدث) ثم وجد من الماء ما يكفي وضوؤه، توضأ به، فإذا أراد أن يصل فريضة معلومة تيمم مرة أخرى. وإذا أراد أن يصلي نافلة فليس عليه تيمم آخر.
والفرق بينهما: أنه إذا أحدث وتوضأ فذلك الحدث لم يبطل ذلك التيمم في حق الجنابة غير أنه قد صلى بذلك التيمم مكتوبة، فإذا (أراد) فعل مكتوبة أخرى كان عليه (تجديد التيمم وإذا أراد فعل نافلة فلا يلزمه) تجديد تيمم، لأن الجمع بين (المكتوبة) والنوافل جائز بالتيمم الواحد، والمسألة مسطورة لابن سريج.
وإنما ألزمناه استعمال هذا الماء في أعضاء وضوئه (على) مذهب من قال:
стр. 217
للحدث تأثير في الجنابة، حتى أوجب مراعاة الترتيب في الأعضاء في خلال الغسل.
فأما من قال: ليس للحدث تأثير في الجنابة فليس عليه استعمال هذا الماء إذا قلنا: إنه (من) وجد من الماء ما لا يكفيه (لم) يلزمه) استعماله، فإذا قلنا: يلزمه) استعمال القليل من الماء كان عليه استعماله في أي عضو من أعضائه (شاء).
مسألة (١٢٤): المسافر إذا أعوزه الماء فابتدر إلى (بئر) وكان مع غيره دلو
стр. 218
ورشاء وهم جماعة (لو تناوبوا) الاستقاء بعارية الدلو والرشاء خرج الوقت، وجب مراعاة الوقت وأداء الصلاة بالتيمم.
وقد قال الشافعي ﵀ لو أن جماعة من العراة دخل عليهم وقت الصلاة ومع واحد منهم ثوب (لو) يتناوبوه للصلاة فيه خرج الوقت على بعضهم وجب عليهم ستر العورة بذلك الثوب وإن خافوا/ (٢٩ - أ) خروج الوقت.
والفرق بينهما: أن المسافر إذا عجز عن الوصول إلى الماء لعدم الدلو والرشاء أقام البدل مقام الأصل وهو التيمم فصار عجزه عن الدلو والرشاء (كعجزه) عن
стр. 219
الماء، والمسافر العاجز عن الماء، مأمور بالتيمم، وأما العريان فلا بدل له في الأصل الذي عجز عنه وهو ستر العورة. فألزمناه أن يصبر إلى أن تنتهي إليه نوبة الثوب فيصلي والعورة مستورة.
وقد قال الشافعي ﵀ (لو أن جماعة كانوا في سفينة ودخل عليهم وقت الصلاة، ولم يجدوا موضعًا للقيام إلا موضعًا واحدًا يتناوبونه، فمن خاف منهم فوت الوقت لو انتظر ذلك صلى قاعدًا، فيحتاج إلى فرق (آخر) بين هذه المسألة ومسألة العريان.
والفرق بينهما: مثل ما سبق: أن القاعد أقام القعود مقام القيام، والعريان ما أقام شيئًا مقام السترة، ومعقول أن المريض إذا عجز عن القيام كان قعوده.
وفرق آخر: وهو أن صلاة النفل لا تجوز ولا تصح والعورة مكشوفة مع القدرة على (الستر)، وتصح النافلة قاعدًا مع القدرة على القيام، فعرفت أن حكم الستر أغلظ، فلذلك أمر الشافعي ﵁ بانتظار الثوب مع مخافة خروج الوقت.
стр. 220
مسألة (١٢٥): الأرض إذا أصابتها نجاسة فصب عليها ذنوبًا من ماء وترك الماء على حالته فنحكم بطهارة الأرض.
والثوب إذا أصابه نجاسة فغسل وتركت الغسالة ولم يعصر لم نحكم بطهارته في أحد الوجهين.
والفرق بينهما: (أن الأرض إذا صب عليها الماء لم يبق ذلك الماء على وجه الأرض بل تنشفه الأرض فيبقى وجه الأرض خاليًا عن تلك الغسالة، فيكون ذلك نظير العصر) في الثوب حتى لو لم تكن تلك البقعة منتشفة بل كانت
стр. 221
حجارة صلبة لم يحكم بطهارتها ما لم تنفصل غسالتها، فأما إذا غسل الثوب وترك عصره فبقيت فيه الغسالة (فالماء المزيل لم يفارق محل النجاسة المزالة)، فلذلك لم يحكم بطهارة الثوب، حتى لو علق الثوب تعليقًا ولم يعصره فانحدرت الغسالة وفارقت الثوب كان (كانتشاف) الأرض.
مسألة (١٢٦): إذا غسل الثوب عن النجاسة (وعصره) فالغسالة المنفصلة في القول المنصوص طاهرة ما لم تتغير، وفي القول المخرج نجسة.
فأما ما بقي في الثوب من تلك الغسلة فهو طاهر وإن كان الباقي بعض المنفصل.
والفرق بين (الماء) / المنفصل والمتصل: ضرورة الغسل من طريق الحكم ولا وجه للفرق (من طريق الصورة والمشاهدة)؛ لأن الماء واحد بقي بعضه في المحل وزايله بعضه فكيف يتبعض في حكم النجاسة والطهارة ومعنى الضرورة.
أما لو كلفناه في غسل الثوب النجس استخراج جميع الغسالة حتى لا يبقى منها شيء تعذر هذا المراد، فرجعنا إلى العرف والعادة في كيفية الغسل ومقدار
стр. 222
العصر، وحكمنا للبللين بحكمين مختلفين، ولهذه النكتة فصلنا على أحد المذهبين بين غسل الأرض عن الخمر، وبين غسلها عن البول، فحكمنا بالطهارة مع بقاء رائحة الخمر، (ولم نحكم بالطهارة مع بقاء رائحة البول) قولًا واحدًا، لتعذر إزالة رائحة الخمر، وتيسر إزالة رائحة البول.
مسألة (١٢٧): إذا انفصلت (الغسالة) وهي غير متغيرة وقد صار المحل بها طاهرًا فهي طاهرة في منصوص الشافعي ﵁.
ولو انفصلت الغسالة (وهي غير طاهرة والمحل غير طاهر) فالغسالة المنفصلة نجسة [وإن كانت (غير) متغيرة].
والفرق (بينهما: أعني) بين الغسالتين - وإن كانتا (غير) متغيرتين - أن النجاسة إذا زالت أمكن أن ينسب حصول النجاسة إلى المزيل فيقال: زالت عن المحل إلى المزيل غير أن المزيل لما لم يتغير بقي على الطهارة.
стр. 223
فأما إذا (بقيت) النجاسة على المحل فالمزيل منفصل عن محل نجاسة والمنفصل عن النجاسة نجس، كما أن المنفصل النجس لا ينفصل إلا عن محل نجس، فهذان جاء عير (متغير) وقد حكم بنجاسته، (وذلك غير مستبعد كالماء القليل إذا وردت عليه نجاسة) والماء لم يتغير بها.
مسألة (١٢٨): النجاسة إذا وردت على الماء القليل صار نجسًا، راكدًا كان أو جاريًا نص عليه الشافعي ﵀.
وإذا ورد الماء القليل على النجاسة للغسل والإزالة لم نحكم بنجاسة الماء عند الملاقاة ولا عند الانفصال إذا انفصل غير متغير وقد طهر المحل (إلا) في تخريج أبي القاسم الأنماطي.
والفرق بين ورود الماء على النجاسة وبين ورود النجاسة على الماء في هاتين المسألتين: ما قدمنا ذكره في صورة الغسل والإزالة، فإنا لو أعطينا الماء
стр. 224
المصبوب على النجاسة حكم النجاسة بالملاقاة تعذر إزالة النجاسة والماء القليل كالماء الكثير إذا (وردت) عليه نجاسة ومعلوم أن الماء الكثير إذا ورد عليه نجاسة لا ينجس إلا بالتغير، فكذلك الماء القليل إذا ورد على النجاسة لا ينجس إلا بالتغير، وإنما سوينا بينهما بضرورة الطهارات، وذلك أنا لو قلنا في الماء الكثير إذا وردت عليه نجاسة صار نجسًا من غير (تغير) الماء كان (بقاء) ماء الغدران/ (٣٠ - أ) والبحار والمصانع الكبار والصغار على النجاسة، فدعت الضرورة إلى تعليق نجاستها (بالتغير) كما دعتنا الضرورة في (الماء) القليل (الوارد) على المحل النجس إلى تعليق نجاسته (بالتغير)
стр. 225
مسألة (١٢٩): الماء إذا كان (دون) القلتين فوقع (فيه) نجاسة (متجسدة) فصب عليها الماء فبلغ قلتين حكمنا بطهارة الماء، ولكن وجه (استعماله) غمس الثوب (فيه) والانغماس فيه.
وإن كانت النجاسة غير (متجسدة) فالمستعمل بالخيار إن شاء اغترف، واستعمل، وإن شاء غمس فيه وانغمس.
والفرق بين المسألتين: أن النجاسة إذا كانت (متجسدة) فمتى ما اغترف نزل الماء (متقاصرًا) عن القلتين وعين النجاسة فيه، ولهذا المعنى قال الشافعي ﵀ في مثل هذا الماء: "إذا كان بئر واستقيت دلوًا، وبقيت النجاسة في البئر، فظاهر الدلو نجس، وما في باطن الدلو طاهر، (وماء البئر الباقي نجس) بما بقي فيه من النجاسة القائمة، ولو أن النجاسة بقيت في
стр. 226
الدلو فباطن الدلو نجس مع ما فيه، وبقية الماء في البئر طاهرة، وإذا كانت النجاسة حكمية (فالانغماس) والاغتراف سواء؛ (لأن الماء طاهر) بالغ حد الكثرة، وليس فيه عين النجاسة وقد قال الشافعي ﵀: (لو وقعت في الماء القليل نجاسة ليست بقائمة نجسته، فإن صب على ماء أو صب الماء عليه (حتى صار الجميع خمس قرب معًا) فهو طاهر، وإن فرقا بعد ذلك لم ينجسا إلا بنجاسة تحدث فيهما).
فنص على (النجاسة) غير القائمة لما أراد أن يذكر تفريع القولين فأفاد بمفهوم كلامه (أن) النجاسة لو كانت قائمة فغرفت من الجملة غرفة واحدة حكمت بطهارة الغرفة الحالية عن عين النجاسة، وحكم بنجاسة الغرفة المشتملة على عين النجاسة.
مسألة (١٣٠): إذا كان في الغدير أو في البئر قدر قلتين، وفيه نجاسة قائمة،
стр. 227
فاغترف المغترف وغمس الدلو حتى غمره الماء، ثم انتزعه، كان ما في الدلو طاهرًا، وما في البئر نجساً إذا بقيت النجاسة في البئر.
ولو أن المغترف لم يغمس الدلو ولكن وقع الدلو على وجه الماء كان ما في الدلو نجسًا (إذا انصب ما فيه انصباب انحدار).
والفرق بين الغمس وبين ترك الغمس: أن المغترف (منها) غمس الدلو حتى صار مغمورًا (بالماء) (ثم بنزحه ونزعه انفصل ما في البئر عن ما في الدلو وجميع ما به دفعة واحدة).
وأما إذا ترك الغمس وانحدر/ في الدلو بعض (ما في البئر)، فما بقي فهو ناقص عن القلتين، وعين النجاسة في ذلك الباقي فصار نجسًا، ثم لما انحدر في الدلو من البئر شيء آخر بعد التحدر الأول صار المنحدر الأول نجسًا بالمنحدر الثاني فصار (جميعه) نجسًا، وإنما اشترطنا الغمس لأن الدلو إذا صار مغموسًا فأجزاء جميع الماء متصلة، وإذا لم ينغمس صار ما في الدلو منقطعًا عن الباقي الذي
стр. 228
في البئر ولو أن الدلو وقع على وجه الماء (معترضًا) فدخله شيء من الماء، ولم ينقل أسفل الدلو ولم يستغل، وما صار (أسفلها) منخفضًا من أعلاها حتى وقع الدلو عن وجه الماء كان ما في الدلو طاهرًا.
(وحكم) هذه المسألة حكم غمس الدلو، لاشتراك المسألتين في العلة وهو: أن ما في الدلو ماء في البئر لم يزل متصل الأجزاء إلى وقت الاغتراف.
مسألة (١٣١): الجنب إذا وجد في مستنقع دون القلتين من الماء فنوى الغسل ونزل (فيه) حتى غمره الماء لم يطهر عن الجنابة.
ولو أنه أنزل (ثم نوى الغسل عن طهر الجنابة).
والفرق بين الحالتين: أنه إذا قدم النية وعلقها بأول النزول صار الماء مستعملًا بملاقاة القدمين، فلا يصلح لإزالة الجنابة عن سائر البدن.
وأما إذا أخر النية فالماء بنزوله ما صار مستعملًا ولهذا لو خرج ولم ينو أن
стр. 229
الماء طاهر طهور، فإذا نوى وهو مغمور بالماء غسل الماء جميع بدنه فصار طاهرًا عن الجنابة.
مسألة (١٣٢): الجماعة من الناس إذا اغتسلوا في القلتين من الماء عن الجنابة صح غسلهم معًا أو على التوالي.
ولو كان الماء دون القلتين فاغتسل فيه رجل ثم اغتسل فيه غيره لم يصح غسل الثاني.
والفرق بين المسألتين: أن القلتين قد بلغ حد الكثرة. ألا ترى أن النجاسة لو وقعت فيه لم تمنع استعماله. فبدن الحدث إذا لاقاه لم يمنع استعماله.
أما دون القلتين فهو في حد القلة، ولهذا لو وقعت فيه نجاسة صار حرامًا، فإذا صار مستعملًا في بدن (امتنع) استعماله في البدن الثاني.
وقد نص الشافعي ﵀ (على) هذه المسألة، ولا شك أن مراده بجواز الاستعمال بعد الاستعمال ما دامت أوصاف الماء باقية، وأما إذا تغير لونه أو طعمه، أو رائحته فلا يرفع حدثًا بعد ذلك، لأنا نعلم أن ذلك التغير بالأوساخ التي كانت (على) الأبدان خالطته فغيرته، فصار كما لو غيره شيء طاهر من الطاهرات، كالدقيق، والعصفر والزعفران، وما أشبه ذلك.
стр. 230
مسألة (١٣٣): (الماء) إذا كان دون القلتين واغتسل فيه رجلان معًا والنية مؤخرة صح غسلهما.
ولو تعاقبا/ (٣١ - أ) والمسألة بحالها صح غسل الأول دون الثاني.
والفرق بينهما: أنهما إذا اغتسلا معًا كان البدنان كأعضاء البدن الواحد (فصار الماء مستعملًا فيهما) فصارا طاهرين.
وإذا تعاقبا صار الماء مستعملًا في بدن الأول ولم يجز للثاني أن يستعمله وهو مستعمل.
مسألة (١٣٤): الماء إذا كان (دون) قلتين فنزل رجلان حتى صارا مغمورين ثم نوى أحدهما غسل الجنابة قبل أن ينوي الآخر، ثم نوى الآخر، طهر الأول السابق (بالنية) دون الثاني. ولو كان قلتين صارا طاهرين.
الفرق بينهما: (أنه) إذا سبق (أحدهما) بالنية لم يختص بالاستعمال ما التصق ببدنه من (أجزاء) الماء دون سائر الأجزاء وحكم البدن في هذا الموضع في الملاقاة حكم النجاسة، والنجاسة إذا لاقت فالالتصاق موجود مع بعض
стр. 231
الماء غير أن حكم التحريم شائع في الماء كله، ولو أنهما تعاقبا في النزول طهر الأول دون الثاني، وكذلك إذا نزلا معًا ولكنهما تعاقبا في النية، ولو أنهما تعاقبا في القلتين (صارا) طاهرين، فكذلك إذا تعاقبا في النيتين.
مسألة (١٣٥): قال الشافعي - رحمة الله عليه -: "الماء إذا كان واقفًا وفيه نجاسة واقفة، فمن أراد الاغتراف فليتباعد عن النجاسة مقدار قلتين ثم يغترف ما وراء القلتين".
وقال أيضًا: "في الماء الجاري والنجاسة فيه (جارية) له أن يغترف مما تحتها وفوقها على القرب منها".
والفرق بين الماءين: أن الماء الراكد متصل الأجزاء في الترادف والتدافع والاعتضاد، فالنجاسة الواقفة فيه منتشرة الحكم في الجوانب، ثم لابد من مراعاة حد ونهاية ولا سبيل إلى هذا الحد بالقياس فرجعنا إلى حديث النبي - عليه
стр. 232
السلام - حيث قال: "إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل نجسًا".
وأما إذا كان يجري جريًا قويًا فعين النجاسة الجارية غير متصلة بما كان أسفل منها، ولا هي متصلة بما كان فوقها.
فإن قال قائل: كيف راعى الشافعي - رحمة الله عليه - قدر القلتين بين النجاسة وبين موضع الاغتراف ولم يعتبر في العمق حساب القلتين، وربما تكون النجاسة في بحر عميق. فلو تباعد (عن) العين مقدار ظفر وحسب ما (بينه) وبين النجاسة إلى قرار البحر بلغ قلالًا كثيرة، وإن كان العمق (أقل) من ذلك المقدار فكيف وجه (الاعتبار)؟.
قلنا: وجب أن يعتبر استواء الأضلاع من الجوانب الأربع إن أمكن وإن تعذر ذلك اعتبرت ما أمكن اعتباره من بعض الجوانب، فإن كانت النجاسة في بحر فتباعد عنها بقدر ذراع ..... / (٣١ - ب) لم يحسب من العمق إلا قدر ذراع، وكذلك عن اليمين والشمال، فإذا لم يبلغ هذا القدر فالتباعد بذراع وزيادة ثم اعتبرت
стр. 233
مثل ذلك (القدر) في العمق (و) في الجوانب، وإن كانت النجاسة في غدير لا قعر له (فتباعدت) ذراعين لم تجد في العمق إلا شبرًا فزد في التباعد في اليمين والشمال حتى تعلم أنك قد تركت بينك وبين الجيفة قلتين (من الماء) فصاعدًا، فليكن الاغتراف مما وراء القلتين، وكذلك إن كانت النجاسة واقفة في ساقية متضايقة الحافات تباعدت في طولها (حتى) تركت بينك وبينها هذا القدر.
وكان الإمام أبو بكر القفال ﵀ يقول): سألت عن تفسير هذا الحد مشايخي الذين أخذت العلم منهم فما أجابني واحد منهم بجواب مقنع، وهذا الذي ذكرته تفسير اجتهدته فمن كان عنده شيء أبين من هذا فذكره استفدناه.
وقال أيضًا ﵀: "واعلم أن هذا القول الذي حكيناه عن الشافعي - رحمة الله عليه - في التباعد بمقدار قلتين هو قوله الجديد الذي رواه الربيع عنه، وأما قوله القديم فهو ما قدمناه في بعض المسائل المتقدمة حيث ما ذكرنا مسألة الدلو والبئر وهو: أن الاغتراف جائز حيث شئت إذا كان الماء قلتين. والقول الجديد أسهل على الناس من القول القديم".
стр. 234
مسألة (١٣٦): قال الشافعي ﵀: "ولعاب الدواب وعرقها طاهر قياسًا على بني آدم" وفي بعض الروايات لفظ أتم من هذا قال: "ولعاب الدواب وعرقها سواء قياسًا على بني آدم وأراد بالدواب: الجنسين جميعًا ما كان طاهر العين وما كان نجس العين، فكل حيوان كانت عينه طاهرة كان لعابه طاهرًا وعرقه كلعابه، وكل حيوان كانت عينه نجسة كان لعابه نجسًا، وعرقه (نجس) كلعابه، (وقياس) الجنسين قياس على بني آدم، لأن عرقهم ملحق بلعابهم في الطهارة.
ومقتضى هذا القياس أن يكون ألبان هذه الحيوانات التي حكمنا بطهارة أعيانها طاهرة مثل لبن الآدميات، ولكن قال مشايخنا: ألبان السباع نجسة، وكذلك كل حيوان طاهر الذات لا يؤكل لحمه إلا ألبان الآدميات فإنها طاهرة، (وإن استوى) الجنسان (في تحريم أكل اللحم). والفرق بين الجنسين: أن تحريم لحم الآدميين والآدميات تحريم تكريم واحترام وتخصيص، لا تحريم (استخباث) واستقذار، وليس في إباحة ألبان الآدميات (تضييع)
стр. 235
الحرمة، ووضعها، وتركها، بل في إباحتها وإباحة شربها سر الحرمة/ (٣٢ - أ).
وأما سائر الحيوانات التي لا تؤكل فتحريم لحمها ليس لتكريمها، ولكن لاستقذارها واستخباثها فصار ألبانها تبعًا للحومها.
وأما ما كان من طائر له بيض فحكم البيض حكم اللحم يحرم إذا كان اللحم حرامًا ويحل إذا كان اللحم حلالًا كما قلنا في ألبانها.
فإن قيل: عرق ما لا يؤكل لحمه ولعابه (هو) عصارة لحمه كما أن لبنه عصارة لحمه، وقد حكمتهم بطهارة لعاب الحمير والسباع، وعرقها، وحكمتم بنجاسة ألبانها فما الفرق؟
قلنا: اللعاب والعرق يخالفان اللبن في صفة أصولهما، وكيفية وجودهما، لأن العرق (يترشح) عن البدن ترشحًا، وليس له مستقر معلوم (وكذلك
стр. 236
اللعاب ليس له مستقر معلوم)، وإنما يترشح (ويجتمع) في الفم، وقد حكمنا بطهارة العين التي (يترشح) عنها هذا القليل، فاستحال أن (نحكم) بنجاسة (البلل) المترشح مع الحكم بطهارة الجملة التي (يترشح) عنها.
وأما اللبن في الباطن فليس يحصل على جهة الترشح لكن له في الباطن مجتمع (معلوم)، ومستقر يستقر فيه، وما كان من هذا الجنس في الباطن فهو محكوم بنجاسته، كالمرارة بما فيها، والمثانة، والمعدة، إلا ما استثناه نص الشريعة.
فخالفنا في طريق القياس وهو لبن ما يؤكل لحمه قال الله تعالى: ﴿مِن
стр. 237
بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ﴾، وذكر ذلك في (الأنعام) خاصة فقال: ﴿وإنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَة﴾.
فرق آخر بين لعاب الحمير وألبانها (و) هو أن الضرورة (تدعو) إلى الحكم بطهارة لعابها وعرقها، إذ لا يجد الناس بدًا من ركوبها (ومقاربتها)، وفي الحكم بنجاسة عرقها ولعابها إدخال الضرورة والمشقة الظاهرة على الناس، وقد ثبت عن النبي ﷺ (أنه ركب حمارًا معروريًا) فصار هذا دليلًا ظاهرًا (في الحكم بطهارة عرقها)، وهذه الضرورة لا تتصور ولا تتحقق في ألبانها.
مسألة (١٣٧): إذا كان في الإناء خمر، أو بول، أو غيرهما من النجاسات فكانت
стр. 238
تلك النجاسة يسيرة، فصب في ذلك الإناء ماء للغسل كثيرًا بحيث غمر النجاسة وغلبها وأزال أوصافها، حكمنا بطهارة الماء والإناء وإن لم يبلغ قلتين.
ولو كان (هذا) القدر من الماء في الإناء فورد عليه قطرة نجاسة حكمنا بنجاسة الماء والإناء، تغير أو لم يتغير. هكذا ذكره أبو العباس بن سريج.
والفرق بين الحالتين: افتراق (الواردين)؛ لأن الماء ورد على النجاسة في أحد المسألتين وذلك طريق / (٣٢ - ب) الإزالات، والنجاسة وردت على الماء في المسألة الأخرى، ولهذا حكمنا في الثوب النجس بحكم الطهارة إذا صب عليه الماء القليل (للغسل).
ولكن إنما يستقيم هذا الجواب الذي ذكره ابن سريج على مذهب من يقول: لو ترك العصارة في الثوب حكم بطهارته.
وهذا الجواب إنما يستقيم على (ما) قال الشافعي ﵀ في غسالة النجاسة إنها طاهرة (إذا طهر) المحل ولم يتغير، وأما إذا صب الرجل الماء في
стр. 239
الإناء الطاهر، ثم غمس فيه ثوبًا نجسًا بقصد غسله وتطهيره عن النجاسة، فقد قال بعض أصحابنا بنجاسة الماء، لأنه ترك عادة الغسل وأورد النجاسة على الماء، وعادة الغسل (إيراد) الماء على النجاسة، ولو أنه لم يغمس الثوب في الإناء ولكنه أمسكه على رأس الإناء، ثم أخذ الماء بيده فصبه على الثوب (وهو يسيل) في الإناء (كان متسايل الماء والثوب طاهرين). هكذا قاله أبو العباس بن سريج ﵀.
وكذلك لو كانت يده نجسة فلو (أخذ ماء) فأفاض من الإناء بيده الطاهرة على يده النجسة وكان الماء يسيل في الإناء (كان متسايل الماء واليد طاهرين). هذا كله إذا كان يسيل عن الثوب النجس واليد النجسة غير متغير (بلون) ولا طعم ولا رائحة وكان الثوب كذلك، ولو سال الماء من الثوب واليد وهو متغير كان الثوب بحاله نجسًا، وكذلك الماء والإناء نجسان.
стр. 240
قال أبو العباس ﵀: ولو كانت المسألة بحالها فغسل هذا الثوب الذي سال منه الماء متغيرًا غسله ثانية يعني بماء آخر سوى الذي في الإناء ثم عصره فسال ماؤه غير متغير فقد طهر الثوب، والماء طاهر إلا أنه مستعمل فإن عصر على الماء الأول واجتمعا في الإناء فظهرت الرائحة أو اللون أو الطعم عليهما فهما نجسان، وإن لم يظهر نظرت: فإن كان الماءان اجتمعا دون القلتين وكان الماء الأول بحيث يغيب أجزاؤه في الماء الثاني فهما طاهران وحكمهما (حكم المستعمل الثاني، أو كانت) أجزاء الثاني فيه فهما نجسان، ولا يطهران أبدًا إلا بما تغيب أجزاؤهما فيه (أو بما يبلغ مقدارهما) قلتين.
وإنما فصل أبو العباس ﵀ بين الحالتين؛ (لأن النجاسة الأولى إذا غاب أجزاؤها) في أجزاء الطاهر الوارد عليه صار الحكم للطاهر الغالب، وإذا غاب أجزاء الطاهر في أجزاء النجس صار الحكم للنجس.
قال صاحب الكتاب ﵀: غير أن ما ذكره مشكل من وجه وهو: أن الماء الثاني الذي طهر الثوب مستعمل وإن كان غير متغير - والماء المستعمل في النجاسة/ (٣٣ - أ) والحدث والمائعات له حكم الطهارة وليس له حكم التطهير، فإذا ورد على الماء الأول استحال الحكم بطهارتهما - وإن دخل أجزاء الأول في أجزاء الثاني - إلا أن يقول قائل: إن حكم الماء (النجس إذا بلغ قلتين) أخذ حكم
стр. 241
التطهير واندفعت (عنه النجاسة) ما لم يتغير بها ولا يثبت هذا الحكم للمائعات فجاز أن يصير دخول الأجزاء في الأجزاء بالغلبة (وتثبت الطهارة وإن لم يكن يثبت التطهير).
ومن سلك هذه الطريقة لزمه المصير إلى مذهب مالك ﵀ حيث قال: "إذا وردت النجاسة على القليل من الماء لم أحكم بنجاسته ما لم يتغير (بها) ".
مسألة (١٣٨): إذا كان مع الرجل مقدار من الماء يكفي وضوءين إلا بعض أعضائه فكمله ببعض المائعات، فكفي وضوءين، ولم يتغير وصفه بذلك المائع صحت صلاته بالوضوءين جميعًا.
ولو كان معه (ما لا يكفي) وضوءًا واحدًا (حتى كمل) الوضوء ببعض المائعات لم تصح صلاته بذلك الوضوء.
стр. 242
والفرق بينهما: أنه إذا كان لا يكفي وضوءًا واحدًا فصب فيه مائعًا (وقد توضأ به) فقد تيقن أنه غسل بعض أعضائه بالمائع، وشرط الوضوء الماء المطلق.
وأما إذا كان الماء يكفي وضوءًا واحدًا وبعض الوضوء الثاني فكملهما وضوءين فلا يمكنك أن تحكم في عضو من أعضائه أنه صار مغسولًا بالمائع لا في الوضوء الأول ولا في الوضوء الثاني، وإن تيقنت في الجملة بالاختلاط بالمائع، فصار كالقطرات اليسيرة من المائع إذا تقطرت في الماء أو كالقطرات اليسيرة من الماء المستعمل في اليدين إذا تطايرت إلى الماء.
стр. 243
مسائل التحري
مسألة (١٣٩): روي الربيع (عن الشافعي ﵀ أنه قال في الأعمى: "إذا أشكل عليه الماءان ومعه بصير يصدقه وسعه أن يتبعه وكذلك (في) القبلة.
وإن لم يكن معه بصير فإنه يتأخى على الأغلب وعلى أكثر ما يقدر عليه فيتوضأ، وليس له أن يتأخى القبلة، فإن فعل أعاد". هذا لفظه.
وذكر بعض مشايخنا قولًا آخر: إنه لا يتأخى في الأواني كما لا تيأخى في القبلة ومن قال بظاهر النص فالفرق عنده بين القبلة وبين الأواني أن الدلائل التي يتوصل بها إلى معرفة الإناء النجس (مشتركة الاستدراك) بين البصير والأعمى (لأن من) الدلائل شم الرائحة و (غيرها)، (ومنها) أن يتأمل
стр. 244
حال الإناء المخمر هل سقط خماره بولوغ الكلب فيه أو بقي مخمرًا، وقد يمس الأعمى طرف الإناء فيجد عليه بللًا ولا/ يجد ذلك على أطراف الإناء الثاني وقد علمهما مملؤين، فإذا (جسهما) بعد اجتياز الكلب بهما فوجد أحدهما ممتلئًا والآخر غير ممتلئ غلب على ظنه بمثل (هذه) الأمارات ترجيح أحد الإناءين على الثاني، وتكفي الغلبة على الظن بنوع أمارة، واليقين غير مشروط.
وأما دلائل القبلة فإنها تستدرك بحاسة البصر وذلك مثل الكواكب ومطالعها ومغاربها، والشمس، والقمر، والجبال، والأعمى عاجز عن استدراكها لفقد حاسة البصر، فلم يكن له إلى الاجتهاد سبيل.
فإن قال قائل: أليست الرياح في مهابها من دلائل القبلة؟ وهي (تدرك) بالاستنشاق والشم كما يفعل أصحاب السفن.
قلنا: هذا الدليل مما يتعذر استدراكه، لأن الرياح التي تدل على القبلة هي الأربع المعلومة وقل ما تهب واحدة منها صافية عن مخالطة النكباء، وما
стр. 245
من ريحين إلا وبينهما نكباء، وأصحاب السفن لا يكادون يهتدون تمام (الاهتداء) إذا لم يجدوا سوى الرياح أمارة أخرى من الكواكب والجبال أو ما شاكلهما.
مسألة (١٤٠): يجتهد الأعمى (في) أوقات الصلوات، وليس له الاجتهاد في القبلة كما حكيناه عن الشافعي ﵁.
والفرق بينهما: مثل ما مضى أنه لا يدرك دلائل القبلة (مع فقد البصر، وأما دلائل الوقت فمنها ما يستوي فيه البصير والأعمى)، ألا ترى أن الرجل إذا أكب على عمل يعمله يعتاده ويعرف مقدار عمله كل يوم ما بين طلوع الفجر إلى الزوال فلا يكاد يخفي عليه مفارقة الزوال وإن لم يطالع الشمس والظل وذلك مثل أوراق يكتبها (أو قرآن يكتبه)؛ فلهذا شرعنا للأعمى أن يجتهد في وقت الصلاة دون القبلة.
مسألة (١٤١): المسافر إذا كان معه إناءان حكم بنجاسة أحدهما وأشكل العين فتحرى واجتهد وبان له بالاجتهاد طهارة أحدهما ونجاسة الآخر،
стр. 246
فقد قال الشافعي ﵀: "أرق النجس على الأغلب عنده وتوضأ بالطاهر". (هذا) لفظ المزني ﵀.
ولفظ الربيع ﵀ قريب منه، قال الشافعي ﵁: "يتأخى ويريق أحدهما على الأغلب (عنده) ويتوضأ بالطاهر عنده".
فإن أراقه وتوضأ بالثاني وصلى ثم أدى اجتهاده إلى أن الطاهر ما أراقه من غير يقين فليس عليه إعادة ما صلى بعد ذلك بالتيمم.
ولو أن رجلًا صب الماء في الوقت وتيمم وصلى (أعاد) الصلاة في أحد القولين.
والفرق بينهما: أن المجتهد مأمور بالإراقة على قضية الاجتهاد الأول مخافة الاختلاط والالتباس، فإذا امتثل الأمر فأراق لم يجز أن تصير هذه الإراقة/ (٣٤ - أ) سببًا للإعادة؛ لأنها ليست عدوانًا منه (ولا تقصيرًا) وإنما (نوع) احتراز واحتياط، فإن إمساك الماء النجس مما لا وجه له إلا في حالة ضرورة الشرب.
стр. 247
وأما من تعمد إراقة الماء بعد دخول وقت الصلاة لمحض ذلك الفعل (منه)، تقصيرًا وعدوانًا في حق العبادة، فجاز التغليظ عليه بالإعادة.
مسألة (١٤٢): قال الشافعي ﵁: (إذا) اجتهد الرجل في (الإناءين) وأحدهما نجس فتوضأ بأحدهما وصلى ثم لما دخل (في) وقت الصلاة الثانية كان عنده أن الطاهر هو الثاني وأن النجس (هو) ما استعمله لم يكن له أن يتوضأ (بواحد) منهما، ويتيمم، ويعيد كل صلاة صلاه بتيمم". ثم قال في التعليل: "لأن معه ماءً مستيقنًا وليس كالقبلة فإنه يتأخاها في موضع (ثم يراها في) غيره".
وذكر الشافعي ﵁ الفرق بينهما فقال: "لأنه ليس من ناحية إلا وهي قبلة لقوم"، ومعنى هذا الكلام معنى (قول أمير المؤمنين)
стр. 248
عمر (بن الخطاب) - رضي الله عه - حيث قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
قيل: أراد (بهذا) أن من كان بالمدينة فجعل المشرق على يساره والمغرب على يمينه فجميع ما بين المشرق والمغرب قبلة (له)؛ لأن الكعبة (في) تلك الجهة فالأمر واسع في الاستقبال ولم يتوسع الأمر في استعمال الماء النجس هذا التوسع.
وقيل: (إن) مراد الشافعي ﵁ بهذا الكلام (أن كل) جهة من الجهات الأربع مستقبل قوم في الصلاة، فصارت الجهات كلها قبلة وهذا التوسع مفقود في الماء.
ومن (التوسع) في القبلة أن (المتنفل) في السفر يستقبل طريقه راكبًا وماشيًا وطريقه قبلة له، (والمفترض) في حالة الملحمة كالمتنقل المسافر في هذا
стр. 249
الحكم، ولفظ الشافعي - رحمة الله عليه - (أقرب إلى المعنى الثاني والثالث منه (إلى) قول عمر، لأن الشافعي ﵁ قال في لفظه: "ما من ناحية إلا وهي قبلة القوم" ولم يخصص بلدة مخصوصة ولا قومًا دون قوم.
مسألة (١٤٣): أعلم أن المسألة التي حكيناها عن الشافعي ﵀ في الفرق بينهما وبين القبلة مصورة في الرجل استعمل بالاجتهاد بعض الإناء واستبقى بعضه، والدليل على أنها مصورة في هذا الموضع تعليله حيث قال: "ويعيد كل صلاة صلاها بتيمم، لأن معه ماءً متيقنًا" "وإن لم يبق من الأول شيء لم يكن معه ماء مستيقن"، لأن الصورة ليست في بيان اليقين وإنما هي في بيان الاجتهاد.
ألا تراه أنه قال في أول/ (٣٤ - ب) المسألة: "ثم أراد أن يتوضأ ثانيًا فكان الأغلب عنده أن الثاني الذي تركه هو الطاهر" ولم يقل: وكان اليقين عنده ذلك.
وإذا ثبت صورة المسألة فلو أنه كان مضطرًا إلى حفظ الماء للشرب كان الحكم في الإعادة خلاف ذلك، ولا إعادة عليه، لأن الرجل لو كان معه ماء طاهر
стр. 250
بيقين، وهو محتاج إليه لسقيه، لم يلزمه إعادة ما صلى بالتيمم، فعرفت أن الشافعي ﵀ ما صورها في المضطر وإنما صورها في غيره.
ولو أن غير المضطر - والمسألة بحالها - قطر قطرة من أحد الإناءين (في الثاني) وتيمم وصلى فعليه الإعادة، ولو قطر من كل واحد منهما قطرة في الآخر (فتسقط) عنه الإعادة.
والفرق بينهما: أنه إذا قطر من أحدهما في الثاني احتمل أن يكون قد قطر في الطاهر في النجس، وإذا قطر من كل واحد منهما قطرة في الثاني. (تيقناً أن كل واحد منهما صار نجساً) فسقط عن القضاء في المستقبل.
ولو أن رجلاً دخل عليه وقت الصلاة ومعه ماء فصب عليه نجاسة كان كما لو صب الماء، ولزمه القضاء في أحد القولين.
والفرق بين الرجلين: أن أحدهما مختار قصد العدوان بتنجيس مائه، والثاني: غير مختار مطلقاً، لأنه اجتهد للصلاة الأولى، واستفرغ (مجهوده)، ثم التبس الأمر عليه عند الصلاة الثانية، فإذا رام مخلصاً عن وجوب القضاء بنوع حيلة كان له السبيل إليه.
следующие страницы →