Полный текст (2 128 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
أحصر هذا المستطيع حصراً خاصاً، فمات قبل العام الثاني، فقد قال الشافعي ﵀: يحج عنه من تركته.
والفرق بينهما: أن القافلة إذا لم تحصر، فالطريق مسلوكة والحج ممكن والاعتبار بكافة الناس لا بالشخص الواحد، والحصر الخاص، وإذا وجد الحصر العام كان الحج في ذلك العام غير ممكن، والطريق غير مسلوكة. وفي الحصر الخاص قول آخر: أنه ملحق بالحصر العام.
مسألة (٩٥): ساكن الجزيرة في وسط البحر غير مخاطب بفرض الحج على أحد القولين.
стр. 877
وإن ركب البحر لغرض, فتوسط اللجة حتى صار ما بينه وبين [البر مثل ما بينه وبين] الجزيرة: لزمه الحج عند بعض أصحابنا.
الفرق بين الحالتين:
أنه ما دام في جزيرته: فجميع ما بينه وبين البر مكان الخوف, وذلك الخوف ليس من الخوف الخفي؛ لأن فزع البحر على المهجة والمال أظهر من أن يوصف.
وأما إذا ركب البحر فتوسطه: فمعقول أنه إن قصد الوطن: كان على خوف وإن قصد البر الذي يلي مكة: كان على ذلك الخوف فاستوت
стр. 878
الجهتان. فرجوعه إلى الوطن بعد إمكان الخروج إلى مكة كرجوعه من البر إلى البحر, والجزيرة مع الاستطاعة.
مسألة (٩٦): إذا اعتمر الرجل عن نفسه في شوال أو في ذي القعدة أو العشر الأول من ذي الحجة, ثم حج عن نفسه في ذلك العام بإحرام من جوف مكة ولم يكن من حاضري المسجد الحرام, فهذا هو المتمتع بعينة, وإن اعتمر عن نفسه وحج بالإجارة عن غيره, أو حج عن
стр. 879
نفسه واعتمر عن غيره, أو اعتمر عن زيد وحج عن عمرو, لم يكن متمتعًا في أحد القولين.
والفرق [بين وقوع النسكين عن شخص واحد وبين] وقوعهما عن شخصين في حكم التمتع: أن المتمتع: هو من يجمع بين عمرته وحجته جمعًا صحيحًا كاملاً مع استباحة الاستمتاع بين النسكين, خلاف القارن, ولهذا شرطنا أن يجمع في العام الواحد بين حجة وعمرة, وشرطنا [أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج؛ ليكون ذلك نوعًا من الجمع,
стр. 880
وشرطنا في المصرف] ما أمكن من الجمع, فإذا فعل النسكين عن شخص واحد فقد اجتمعا في [المصرف, كما اجتمعا في العام, وإذا (١١٧/أ) تفرق بها المصرف, فانصرفت] العمرة إلى شخص والحجة / إلى شخص لم تتكامل له صفة المتمتعين, كما لو أوقع الحج في عام والعمرة في عام.
مسألة (٩٧): إذا أحرم بالعمرة في رمضان, ومر على الميقات في رمضان وطاف وسعى في شوال لم يصر متمتعًا بهذه العمرة إلى الحج.
ولو أحرم في رمضان بعمرة, ومر على الميقات في شوال كان متمتعًا,
стр. 881
هذا تخريج أبي العباس بن سريج واختياره رحمة الله عليه.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا مر على الميقات في شوال صار في تقدير من أحرم في شوال؛ لأن الميقات محل افتتاح النسك, وإن جاز تقديم الإحرام عليه.
ألا ترى أن من أراد النسك وجاوز الميقات غير محرم لزمه دم الإساءة, فجعلناه في تقدير من أحرم حين مر على الميقات. [فأما إذا اجتمع في رمضان إحرامه ومروره على الميقات] , فلا سبيل إلى تشبيهه بمن أحرم في شوال. [وشرط عمرة المتمتع على المنصوص الصحيح أن تقع جميع عمرته في شوال] , أو ما بعده قبل الشروع في الحج.
стр. 882
مسألة (٩٨): المتمتع إذا تحلل عن عمرة التمتع فأراق دم التمتع قبل الشروع في الحج وقع الموقع.
ولو كان معسرًا فصام ثلاثة أيام بين العمرة والحج لم يحتسب صيامه.
والفرق بينهما: أن النحر يشبه التكفير بالمال, والصوم من عبادات الأبدان وهي لا تتقدم على مواقيتها, كالصلاة, وعبادة الأموال يجوز أن تتقدم على مواقيتها, كالزكاة, ولهذا جوزنا تقديم الكفارة بالمال على الحنث بعد اليمين, ولم نجوز في التكفير بالصوم. ووقت وجوب دم التمتع هو زمان الشروع في [الحج, والعمرة أحد سببي الوجوب, وقد تم ذلك
стр. 883
السبب, كما أن اليمين] أحد السببين في وجوب الكفارة, وكذلك أيضًا: النصاب في الزكاة؛ ولهذا لم نجوز تقديم إراقة دم التمتع قبل الفراغ من العمرة, كما لم نجوز تقديم الزكاة على النصاب, وتقديم الكفارة على اليمين.
مسألة (٩٩): الحائض ممنوعة من الطواف, كما تكون ممنوعة عن الصلاة, فإذا أرادت الوداع وهي حائض وقفت على باب
стр. 884
المسجد وودعت. فإن انقطع دمها بعدما جاوزت عمران مكة لم يلزمها العود لطواف الوداع.
ولو أن رجلاً نفر بلا وداع لزمه العود من مسافة لا تقصر فيها الصلاة. والفقر بينهما: أن المرأة كانت ممنوعة بالشرع حين قصدت الوادع, فلو ألزمناها الصبر لانتظار الطهر لشق عليها الأمر, وربما لا يحتبس عنها دمها. وقد تركت طواف الوداع حين تركته بإذن من جهة الشرع. قال النبي ﷺ حين أخبر/ (١١٧/ب) بحيض صفية: عقري
стр. 885
حلقي أحابستنا هي؟. قيل يا رسول الله: إنها قد أفاضت قبل أن حاضت, فقال النبي ﷺ : فلا إذًا فتنفر بلا وداع.
وأما الرجل إذا فارق مكة من غير طواف مع التمكن من الطواف, فلا عذر له في ترك هذه السنة فلهذا ألزمناه بأن يعود من المسافة القريبة وهي ما دون مرحلتين, ولا نكلفه العود من مرحلتين, ولكن نأمره بدم.
стр. 886
والفرق بينهما: أنه إذا عاد من المرحلتين اقتضى هذا السفر التام عند انصرافه وداعًا ثانيًا, فلا يتمكن من قضاء الوداع الأول؛ لأن شرط طواف الوداع أن يتعقبه الخروج, فإذا تعقبه طواف آخر خرج الأول عن صفة الوداع.
وأما إذا عاد من مسافة قريبة, فهذا العود لا يقتضي عند الانصراف وداعًا جديدًا سوى الوداع الأول الذي كان عليه, فتركه, فيمكنه أن يقضي ما ترك.
مسألة (١٠٠): إذا انتصف الرجل بين ميقاتين. أحدهما على يمينه. والثاني على شماله, وهما سواء في القرب من الطريق التي يسلكها إلا أن أحد الميقاتين أقرب إلى مكة, والثاني أبعد من مكة لزمه الإحرام حين حاذى أبعدهما من مكة.
стр. 887
وبمثله لو كان أبعدهما من مكة أبعد من طريقه التي يسلكها, وأقربهما إلى مكة أقرب إلى الطريق لم يلزمه الإحرام عند محاذاة الأبعد, والمستحب له الإحرام.
والفرق بينهما: أن الميقاتين إذا كانا سواء في القرب من الطريق, فمتى حاذي الأول ميقاتًا ليس على طريقه ميقات أقرب منه إليه, فلم يكن له ميقات أولى منه, فوجب الإحرام عند محاذاته, فصارت منزلته منزلة من مر على ذي الحليفة وقصده النسك لزمه الإحرام منها, وإن كانت الجحفة
стр. 888
على طريقه وهي ميقات أهل الشام؛ لأنه انتهى إلى أقرب الميقاتين وهو على عزيمة النسك, فلا يجوز له تأخير الإحرام.
وأما إذا كان أبعد الميقاتين عن مكة أبعد عن الطريق, فالميقات الذي يحاذيه أولاً بميقات له, وإنما ميقاته الأقرب إلى الطريق.
ألا ترى أن من جاء من جادة الشام, فإنه يحاذي ميقات أهل المدينة وهو ذو الحليفة قبل أن يرد على ميقات الشام وهون الجحفة, فلا يلزمه الإحرام عند محاذاة ذي الحليفة, وإنما استحببنا له الإحرام؛ لأنه متعسف وكلا الميقاتين منحرف عن طريقه, فإذا حاذى الأول, فقد حاذى ميقاتًا من المواقيت/ (١١٨ - أ) , فالأحسن أن لا يجاوز محاذاته إلا بإحرام.
стр. 889
مسألة (١٠١): إذا أشكل على المحرم, فلم يعرف أأ حرم بالحج, أو بالعمرة, أو بهما؟ فقد قال الشافعي ﵁ في الجديد: "هو قارن". ومعنى قوله: "هو قارن" أي إذا صير نفسه قارنًا, وقد تمكن من ذلك, فيقول - بعدما شك -: لبيك بحجة وعمرة, ويمضي على القرآن.
وليس كمن شك في الأواني, أو في جهات القبلة, فيجتهد فيها ويتحرى.
والفرق بينهما: أن المجتهد في الأواني والجهات لا يكاد يعدم أمارة إذا اشتغل بطلب الدلالة. وأما هذا الشخص, فليس له أمارة منصوبة يراجعها, فيتأملها, فلما تعذر عليه الاستدلال والتحري: كلفناه اليقين, كالمرتاب في عدد الركعات لا يتحرى ولا يجتهد, ولكن يبني على اليقين. ثم كيفية البناء على اليقين [في الصلاة الأخذ بالأقل, والبناء عليها. وكيفية
стр. 890
البناء على اليقين] في النسك أن يصير نفسه قارنًا, [إذ لا يأمن أن يكون إحرامه في الأصل قرآنًا]. ثم إذا مضى هذا الرجل على القرآن أجزأه الحج عن حجة الإسلام, ولا تجزئه العمرة عن عمرة الإسلام [في أحد القولين.
والفرق بينهما: أن الحج يدخل على العمرة ما لم يفتتح طواف العمرة, والعمرة لا تدخل على الحج في أحد القولين] , إذا لا نأمن أن يكون إحرامه
стр. 891
في الأصل حجًا, فلا تدخل عليه العمرة والأصل بقاء عمرة الإسلام في ذمته, فلا تسقط بالشك, وإنما وقع الحج موقعه؛ لأنه لا يخلو من أحوال ثلاثة. إما أن يكون في الأصل حاجًا فيصح حجة الإسلام وكذا إن كان قارنًا. وإما أن يكون معتمرًا, فلما أهل بالحج أدخل الحج على العمرة فأجزأه.
مسألة (١٠٢): إذا حكمنا بأن العمرة تدخل على الحج. دخلت عليه قبل الوقوف, ولم تدخل عليه بعد الوقوف. هذا هو الأصح.
الفرق بين الحالتين: أن الوقوف إذا تقدم, فقد تقدم معظم الحج. قال النبي ﷺ : "الحج عرفة".
стр. 892
ولهذا قلنا: إن الحج يفوت بفوات الوقوف, وكذلك عمرة القارن تفوت بفوات الوقوف, وإن كانت العمرة لا تفوت, ولا يتصور فواتها في غير هذا الموضع, وإذا أدخل العمرة على الحج قبل الوقوف لم يسبق من أفعال الحج شيء سوى الإحرام, فكان الزمان صالحًا لإدخال العمرة على الحج. والمذهب لا يختلف أن الحج لا يدخل على العمرة بعد استلام الركن الأسود, لافتتاح طواف العمرة, ويدخل عليها قبل الاستلام.
والفرق بين الحالتين: أن الاستلام هو أول أسباب التحلل [عن الإحرام فإذا اشتغل بأسباب التحلل] استحال أن يشتغل بابتداء الإحرام, فيكون ذلك متنافيًا متناقضًا.
ولو أدخل حجة على عمرة فاسدة لم يدخل عليها عند بعض أصحابنا,
стр. 893
بخلاف العمرة الصحيحة يدخل عليها الحج.
والفرق بينهما: أن الصحيحة كاملة الإحرام والفاسدة غير كاملة الإحرام/. (١١٨/ب) وكيف يكون إحرامها كاملاً وقد أفسده! ومعلوم أن الإحرام إذا انحل منه شيء لم يجز إدخال نسك عليه, كالحاج إذا رمى جمرة العقبة, أو كالمعتمر إذا افتتح الطواف. وكذلك - أيضًا - إذا أفسد الإحرام نزل الفساد منزلة الوهاء والانحلال ببعض أسباب التحلل في إدخال النسك على النسك, وإن لم ينزل منزلته في جميع الأحكام.
مسألة (١٠٣): قال الشافعي ﵁: "من أحرم, ثم نسي ما أحرم به, فهو قارن" ومراده بهذا التصوير: أن يعترض هذا النسيان عقيب
стр. 894
الإحرام, قبل أن يقف بعرفة, وقبل أن يطوف. ومعنى قوله فهو قارن: ما بيناه أن يصير نفسه قارنًا, فيقول لبيك بعمرة وحجة معًا.
ولو أن رجلاً طاف حول الكعبة عقيب الإحرام, وسعى بين الصفا والمروة, ثم اعترضه مثل هذا الشك, فلم يعلم بماذا أحرم, فقد قال بعض مشايخنا في هذه الصورة: نأمره بالحلاق, والإهلال بالحج, قم نأمره بدم, ولو أراق دمين كان أولى.
والمسألة المنصوصة, وهذا الفرع المسطور يفترقان في مواضع:
منها: أن الشافعي ﵀ أمره بالقرآن, ولم نأمره في هذه المسألة بالقرآن.
стр. 895
ومنها: أن الشافعي ﵀ ما أمره بالحلاق قبل الإهلال بالحج والعمرة, وأمرناه في هذه المسألة بالحلاق.
ومنها: أن الحج في مسألة الشافعي ﵁ يجزئه عن حجة الإسلام, [وفي العمرة قولان.
وأما في الفرع, فالعمرة لا تجزيه عن عمرة الإسلام] قولاً واحدًا. [ومنها أنا لا نأمره في المسألة المنصوصة إلا بدم واحد] , ونأمره في المسألة الثانية بدمين. أحدهما: على جهة الوجوب. والثاني: على جهة الندب.
[فأما المسألة الأولى, وهي أن الشافعي ﵀ عليه -: أمره بالقرآن ولم نأمره بالقرآن في المسألة الثانية].
والفرق بينهما: أن هذا الرجل الذي شك بعد الطواف والسعي يحتمل أم يكون في الأصل حاجًا, والحاج إذا دخل مكة, فطاف وسعى لم يجز له بعد ذلك أن
стр. 896
يدخل العمرة على الحج عند كثير من أصحابنا؛ لأن هذا السعي محسوب له ركنًا من أركان الحج. ألا تراه قد اسغنى به عن إعادة السعي بعد الوقوف عقيب طواف الإفاضة, وإذا فعل ركنًا من أركان الحج استحال أن يدخل العمرة على الحج, ليصير قارنًا؛ لأن القارن على أصل الشافعي ﵀ هو الذي يكون طوافه وسعيه جميعًا عن النسكين, وقد سبق السعي على هذا الاحتمال محسوبًا عن الحج وحده, فتعذر إدخال العمرة على الحج.
فأما في المسألة المنصوصة للشافعي ﵀ فإنه لم يعمل شيئا من الأعمال سوى الإحرام, فإذا شك فقال: لبيك بعمرة وحجة معًا, حكمنا بقرانه؛ لأنه [إن كان في الأصل قارنًا, فقد كرر إحرام قرانه,] وإن
стр. 897
كان في الأصل معتمرًا, فقد أدخل الحج على العمرة قبل طواف العمرة والحج قبل طواف العمرة يدخل على العمرة قولاً واحدًا. وإن كان في الأصل محرمًا بحج دخلت العمرة على الحج؛ لأنه لم يعمل من أعمال الحج شيئًا, وجواب الشافعي ﵀ في هذه المسألة صادر على هذا القول وهو: أن العمرة تدخل على الحج.
فإن قال قائل: أليس يحتمل في المسألة التي ليست بمنصوصة أن يكون هذا الرجل في الأصل محرمًا بقران؟
قلنا: لا ينكر هذا الاحتمال, ولكن يحتمل غيره, والبناء على اليقين شرطه: حصول اليقين من غير تقابل الاحتمالات, فمن المحتمل [أن يكون في (الأصل قارنًا, ومن المحتمل أن يكون) معتمرًا, وقد يحتمل] أن يكون محرمًا بحج مفرد, فإذا تعذر أن يصير قارنًا على وجه من وجوه
стр. 898
الاحتمالات لم نأمره بالقران، ولم يحصل له القران، وقد تعذر في بعض الاحتمالات ذلك, وهو توهمه في الأصل محرمًا بحج مفرد, ولم يتعذر ذلك في المسألة المنصوصة.
واعلم أن وزان القران في المناسك وزان البناء على أقل الركعات في الصلاة عند اعتراض الشك, وشرط الصلاة الأخذ باليقين, فكذلك شرط النسك الأخذ باليقين.
وأما المسألة الثانية أن الشافعي ﵀ لم يأمره بالحلاق وأمرناه في هذا الفرع بالحلاق.
والفرق بين المسألتين في هذا الحكم: أن الشك في مسألة الشافعي ﵀ اعترض قبل أن يفعل من الأفعال ما يتصور عقيبه حلاق في النسك, وأما في الفرع, فقد عمل من الأعمال ما يتصور عقبيه حلاق في أحد النسكين وهو العمرة؛ لأن المعتمر يحلق إذا فرغ من الطواف والسعي,] وقد فرغ هذا الرجل من الطواف والسعي].
فإن قال قائل: كيف يستجيز الحلاق وقد يحتمل أن يكون حاجًا في الأصل أو
стр. 899
قارنًا؟ ولو علم يقينًا أنه في/ (١١٩/أ) الأصل حاجًا أو قارنًا, لم يجز له الحلاق في هذا الوقت، وإنما يجوز له الحلاق في احتمال واحد من الاحتمالات الثلاثة وهو: أن يكون معتمرًا والحلاق جناية على النسك إذا صادف غير أوانه, وقد أبحتم له ذلك.
قلنا: إن إباحة الحلاق في هذا الموضع مع احتمال تحريمه ضرورة متعينة لابد منها, ولولا الضرورة لما أذن له في الحلاق. ومعقول أن المحرم لو اضطره الصداع والمرض إلى الحلاق: جاز له استباحته بدم يضمنه, كذلك هاهنا يجوز له استباحته؛ لضرورة هي أشد من ضرورة المرض.
стр. 900
فإن قيل: وما تلك الضرورة؟
قلنا: قد شك هذا الرجل في أصل إحرامه, ولا نجد بدًا من سلوك سبيل التحلل, ليخرج مما لزمه بالإحرام خروجًا متيقنًا, ولا يمكننا قطع القول بأنه معتمر ليلحق ويختم عمرته إذا يحتمل أن يكون حاجًا أو قارنًا. ولا يمكننا قطع القول بأنه حاج ليبقى على إحرامه إلى أن يقف بعرفة, ولعله لم يحرم بالحج, وإنما ينتفع بالوقوف بعرفة إذا سبق منه الإحرام بالحج.
ولو قلنا: عليك الآن أن تحرم بالحج احتمل أن يكون معتمرًا لم يحلق, فلا يدخل الحج على العمرة بعد الطواف والسعي, ولا يستيقن قرانه في الأصل, فصار مضطرًا إلى فعل أعمال النسكين, ليتحلل بيقين, ولا يمكنه ذلك إلا بإحرام الحج, فيشرع فيه بيقين, فأبحنا له الحلاق, فإذا حلق
стр. 901
وأحرم بالحج قلنا: إن كنت معتمرًا في الأصل فأنت الآن متمتع, والحلاق صادف زمانه وحصل له النسكان, وإن كانت في الأصل مفردًا, فطوافك وسعيك قبل وقوفك فإن شئت حسبت سعيك من الركن وحلاقك صادف غير أوانه, ولكن حملتك الضرورة عليه, وإن كنت قارنًا في الأصل, فكذلك حكم حكم طوافك وسعيك وحلاقك.
واعلم أن من أصحابنا من جوز إدخال العمرة على الحج ما لم يقف بعرفة/. (١١٨/أ) فعلى هذا القول لم يفت زمان إدخال العمرة على الحج وإن طاف وسعى, ولكن فات زمان إدخال الحج على العمرة, ولا يعرف أكان هذا الرجل في الأصل حاجًا, أو معتمرًا, أو قارنًا, فكذلك تحققت الضرورة.
وقد قال بعض مشايخنا: إذا استفتاتا هذا الشاك الفارغ من الطواف والعمرة, واستأذننا في الحلاق لم نأذن له وسكتنا عنه, ولكنه إن حلق من غير استئذان أمرناه بالإهلال بالحج والفراغ منه, كما ذكرنا. وذكروا لهذه المسألة أشباهًا وأمثالاً جواب الفقهاء فيها التوقف عن الجواب.
стр. 902
منها: أنهم قالوا: لو التقت دابتان متقابلتان في مضيق من الطريق على عقبة, ولا سبيل إلى الاجتياز إلا بإتلاف إحدى الدابتين لم نأذن لواحد من المالكين في المعالجة بالإتلاف, ولكن إذا عجل أحدهما ورمى بدابة الآخر حتى يجد مجازًا حكمنا عليه بالضمان, ولا بأس بهذه الطريقة الثانية في مثل هذا المثال.
وأما في مسألة الإحرام فالطريقة الأولى أصح؛ لما ذكرناه: أن المحرم يستبيح الحلاق إذا دعته الضرورة إليه.
وأما المسألة الثالثة وهي أن العمرة في أصح القولين أجزأته عن عمرة الإسلام, وما أجزأته في الفرع.
والفرق بين المسألتين في هذا الحكم: أن الشاك في مسألة الشافعي ﵁ أهل بالقران قبل أن يعمل من أعمال الحج ما يمنع دخول العمرة عليه,
стр. 903
فحكمنا بإجزاء غمرته؛ لأنه إن كان في الأصل محرمًا بحج مفرد, فقد دخلت العمرة على الحج, فأجزأته العمرة, وإن كان في الأصل محرمًا بقران, أو بعمرة [مفردة فأولى وأحرى.
وأما في الفرع, فيحتمل أن يكون في الأصل] محرمًا بحج, والحاج إذا طاف وسعى, ثم أدخل العمرة على الحج لم تدخل عليه؛ فلهذا الاحتمال ما أجزأته العمرة وإن كان يحتمل غيره, والذمة المشغولة بالعمرة الواجبة لا تبرأ بالشك.
ومن أصحابنا من قال: إن الحاج غير ممنوع عن إدخال العمرة على الحج ما لم يقف بعرفة, فحكم بأن عمرة هذا الرجل في الفرع تجزئه عن عمرة الإسلام - أيضًا - كالجواب في المسألة المنصوصة؛ لأنه إن كان في الأصل معتمرًا, أو قارنًا أجزأته العمرة, وإن كان حاجًا, فهذا السعي قبل الوقوف
стр. 904
لا يمنع دخول العمرة على الحج على القول بدخول العمرة على الحج, وعليه التفريع.
وأما المسألة الرابعة: وهي أنا ى نأمره في المسألة المنصوصة إلا بدم واحد, ونأمره في الفرع بدمين. أحدهما: واجب. والثاني: مستحب.
والفرق - في ذلك - بين النسكين -: أن هذا الشاك صير نفسه في مسألة الشافعي - رحمة الله عليه - قارنًا ولا يلزم القارن أكثر من دم واحد, فألزمناه إياه واقتصرنا عليه.
فأما في المسألة الثانية, فيحتمل أن يكون في الأصل قارنًا, ولو توهمناه قارنًا كان حلاقه جناية/ (١١٨/ب) على النسك موجبة دمًا, وقد التزم دمًا بأصل القرا, فاجتمع عليه دمان.
فإن قيل: فهلا أوجبتم الدمين جميعًا.
قلنا: لاحتمالين آخرين سوى هذا الاحتمال.
стр. 905
أحدهما: أن يكون معتمرًا وقد خرج عن العمرة, فحلق في وقت الحلق.
والثاني: أن يكون حاجًا في الأصل, ويكون إهلاله بالحج بعد الحلاق تكريرًا للإحرام بالحج.
ولا يتوجه عليه في تقدير هذين الاحتمالين أكثر من دم واحد؛ فلذلك لم نوجب دمين, وأوجبنا دمًا واحدًا وهو اليقين, وأمرناه في الورع, والاحتياط بالدم الثاني.
مسألة (١٠٤): المتمتع بالعمرة إلى الحج إذا فرغ من النسكين, ثم تذكر أنه كان في أحد الطوافين محدثًا, وشك فلم يعلم أن الحدث كان في طواف العمرة, أو في طواف الحج [أمرناه بإعادة طواف الحج] على الطهارة, ثم نظرنا فإن كان تمتع بالنساء بين النسكين لم يجزه الحج عن حجة الإسلام, [وإن لم يتمتع بينهما أجزأه عن حجة الإسلام].
стр. 906
والفرق بين الحالتين: أنه إذا تمتع بالنساء احتمل أن يكون حدثه في طواف العمرة وأنه لم يكن خارجًا منها حين ظن أنه خارج منها ففسدت العمرة بالجماع, فلما أهل بالحج كان مدخلاً حجًا على عمرة فاسدة. وأصحابنا في ذلك فريقان. منهم من يقول: لا تدخل الحجة على العمرة الفاسدة, وإنما تدخل على العمرة الصحيحة, فلا حج له عند هؤلاء. وفريق يقولون: تدخل الحجة على العمرة الفاسدة, وتصير الحجة فاسدة, فلا يحصل له الحج صحيحًا عند الفريق الثاني.
стр. 907
وأما إذا كان لم يتمتع بين النسكين فالحج يجزئه عن حجة الإسلام؛ لأنه إن كان محدثاً في طواف عمرته، فقد أدخل الحج علي العمرة الصحيحة. قبل أن يعمل من أعمالها شيئاً فصار قارناً./ (١١٩/ب) وإن كان حدثه في طواف حجه فقد أعاد طواف الحج علي الطهارة، سبقت العمرة صحيحة وكان متمتعاً.
فإن قال قائل: من أدخل حجاً علي عمرة فاسدة لزمه قضاء الحج، للإفساد عند من يحكم بالدخول. فهلا ألزمتموه في هذه المسألة -[أيضاً - قضاء الحج إذا كان فارغ من حجة الإسلام.
قلنا: إنما لم نلزمه في هذه المسألة قضاء الحج؛ لتقابل احتمالين: أحدهما: أن يكون حدثه في طواف عمرته، فتفسد العمرة
стр. 908
بجماعه، وتفسد لحجة بدخولها علي العمرة الفاسدة، فيلزمه قضاء الحج. والاحتمال الثاني: أن يكون حدثه في طواف حجه، فتكون العمرة صحيحة ويكون الحج أيضاً صحيحاً، والأيل براءة ذمته عن قضاء الحج، فلا يترك ألبقين بالشك. وأما إذا تيقن أنه في عمرة فاسدة، فأدخل الحج عليها، فقد تيقن فساد حجة والتزام قضائه، فتركنا اليقين باليقين.
ولهذه النكتة قلنا في مسألتنا هذه: لا يلزمه قضاء عمرة وإن احتمل أن يكون حدثه في طواف العمرة وأن تفسد العمرة بالجماع؛ لأن هذا الاحتمال مقابل الاحتمال الثاني وهو: أن يكون الحدث في طواف الحج، فتكون العمرة صحيحة، والأصل براءة ذمته عن النظام قضاء العمرة، وبمثل [هذه النكتة قلنا: إن كان هذا الرجل ضرورة في العمرة وقد جامع بين النسكين، فعليه عمرة الإسلام، لاحتمال أن يكون حدثه في طواف]
стр. 909
[العمرة وأن تكون العمرة فاسدة، وإن كانت تحتمل الصحة بأن يكون حجته في طواف] الحج، فالذمة المشغولة بيقين لا تبرأ بالشك، ولهذا قلنا: لا تلزمه البدنة يقيناً، وإنما تلزمه استحباباً، إذ يحتمل ما قلناه من الاحتمالين المتقابلين.
وأما دم الشاة فلازم، والورع أنه إن لم يجامع فعليه دم شاتين، وإن جامع فالورع أن عليه بدنة ودم شاتين.
стр. 910
مسألة (١٠٥): المحرم إذا أعمي عليه، فسقاه بعض الرفقة دواء فيه طيب [أو أطعمه طعاماً فيه طيب]، وجبت الفدية في مال ذلك الأجنبي الذي سقاه، أو أطعمه. ولو سقاه من كان منصوباً في أمره، فقد قال الشافعي ﵀ في رواية الربيع: الفدية علي المداوي.
فمن أصحابنا من قرأها بكسر الواو علي معني الفاعل، ومنهم من قرأها بفتح الواو علي معني المفعول. فإذا أوجبنا فدية الطيب في مال المنصوب صار كالأجنبي، واستعينا عن الفرق. وإن أوجبناها في مال المحرم فالفرق بين الأجنبي وبين المنصوب: أن الأجنبي بمعزل عن مراعاة مصالحه، بخلاف القيم فإنه إنما نصب للقيام بمرافقة فإذا رأى باجتهاده
стр. 911
إرفاقه بالطيب صار كما لوكأن المحرم مفيقا، وعلم مصلحته في تعاطي دواء مطيب تعاطاه بضمان الفدية، ولمثل هذه النكتة فصل الشافعي ﵁ بين / (١٢٠/أ) الولي إذا أركب الطفلين دابتين فاصطدمتا، وبين الأجنبي، فأوجب الضمان علي الأجنبي، دون الولي.
مسألة (١٠٦): الطائف إذا اقترب في بعض أشواط طوافه من الحجر الأسود، فاستلمه، وقبله، فزحزح الناس قدميه عن مكانهما، فمضي علي طوافه، فطوافه لا يجزئه في أصح القولين. ولو لم يزحزح قدماه حتى عاد إلي استواء القامة، ثم مضي بعد اعتداله صح طوافه قولاً واحداً.
стр. 912
الفرق بين المسألتين: أنه إذا دنا للاستلام فقبل، فرأسه ساعة التقبيل في جوف الكعبة ورجلاه خارجتان في تمايله للتقبيل، وهذه العلة ظاهرة؛ وهي: أن المشركين حين أعادوا في الجاهلية بناء الكعبة مؤبنوها على كمال قواعد إبراهيم ﵇ بل تركوا بعض أساس الجدار من الخارج، وهو أزير البيت وشاذروانه، والحجر الأسود مركب في الركن، فإذا أدخل رأسه كان رأسه في جوف الجدار وجوف الجدار من جوف الكعبة، فإذا زحزحت قدماه خطوة، أو بعض
стр. 913
خطوة، ثم رجع رأسه إلى اعتدال قامته، فبعض بدنه في بعض طوافه في البيت، لا بالبيت، وشرط صحة الطواف: أن يكون حول جميع الكعبة بجميع البدن.
فأما إذا استلم متمكناً، وقدماه على مكان واحد إلى أن فرغ من تقبيل الحجر، واعتدلت القامة، فقد خرج رأسه من الكعبة، ثم مضى وبني، فحصل طوافه من أوله إلى آخره بجميع بدنه حول جميع الكعبة.
[وعلى هذا الأصل قلنا: لو كان يطوف، ويمشي على محل مشي الطائف قريباً من الجدار، فأدخل يده، فمسح الجدار، وهو يمشي، لم يصح طوافه في أصح القولين؛ لأنه لم يطف بجميع بدنه] حول الكعبة.
مسألة (١٠٧): إذا أراد أن يبتدئ الطواف، فقصد الحجر الأسود، فالاحتياط أن يقصده، فيمشي إليه من جانب الصفا. فإن لم يفعل، فقصده،
стр. 914
فمشى إليه من جانب باب الكعبة حتى حاذاه بشق صدره الأيسر فقبله وتحامل على يمينه، فمضى لم يصح طوافه في أصح القولين.
ولو قصد الحجر من جانب الصفا، أو مابين ركن الحجر والركن اليماني صح طوافه.
والفرق بين المسألتين: أنه إذا قصد الحجر من جانب الباب حتى حاذاه بشق صدره الأيسر، ثم مشى عن يمينه فإنه بمكان الحجر من البيت بجميع البدن، وإنما طاف ببعض بدنه. وشرط [صحة الطوف أن يطوف حول البيت] بجميع بدنه. وإذا جاء من جانب الصفا، أو من جانب الركن اليماني فقد مر بجميع بدنه على محاذاة الحجر، فتم طوافه. ولو
стр. 915
تصورت/ (١٢٠/ب) الصلاة بمثل هذه الصورة وهو: أن يحاذي الكعبة ببعض بدنه لا بجميعه مثل: أن يقف عند الحجر، فيقابله بشق صدره الأيمن ويبقى شقه الأيسر غير محاذ ٍلشيء من جملة البيت لم تصح صلاته في أصح القولين. ولا يختلف القول فيمن وقف في الكعبة وقابل العتبة - وهي مرتفعة بمقدار الشبر - أن صلاته صحيحة، وهو في حكم من قابل القبلة بجميع بدنه.
следующие страницы →