Полный текст (2 128 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
الطواف والنحر فلا حرج عليه، ولو قدم عليه الحلاق لم يجز ذلك في أحد القولين.
والفرق بينهما: أن الطواف والنحر من جملة المناسك المحضة كما أن الرمي من جملة المناسك، ولا يجب مراعاة الترتيب في مناسك ذلك اليوم.
[وأما الحلاق فمحظور نسك يستباح في ذلك اليوم] ولا يستباح إلا بعد التحلل الأول وهو الرمي، فإذا قدم الحلاق عل الرمي صادف صلب الإحرام المطلق وتمخض جناية توجب فدية، وصارت منزلته قبل الرمي منزلة
стр. 947
التقليم، أو لبس المخيط قبل الرمي. ولو ارتكب من ذلك شيئًا التزم دمًا.
فأما إذا حكمنا في الحلاق بالقول الثاني وهو: أنه من جملة المناسك صارت منزلته منزلة الرمي والطواف، ولا ترتيب في شيء منها على جهة اللزوم، فإن شاء قدم الحلق على الرمي وإن شاء أخره، ولا يتعلق بالنحر، تحلل وإنما يتعلق التحلل بالرمي والحلاق والطواف فأما السعي فربما يكون في ذلك اليوم وربما لا يكون؛ لأن الحاج إذا اتسع له الوقت، فدخل مكة، فطاف وسعى قبل الوقوف لم يلزمه إعادة السعي عقيب الطواف يوم النحر [وإن لم يسبق منه سعي لزمه السعي عقيب الطواف يوم النحر] فإذا جعلنا الحلاق من
стр. 948
جملة المناسك وجعلنا أسباب التحلل ثلاثة فالخروج الأول يقع باثنين منها، وذلك نصفها، وإذا لم نجعل الحلاق نسكا: جعلنا أساب التحلل اثنين الرمي والطواف ويكون الخروج الأول بأحدهما وهو النصف. والتحلل الثاني يقع أبدًا بالنصف الثاني.
مسألة (١٢٦): قال بعض مشايخنا: من دخل مكة بغير إحرام فليس عليه قضاء الإحرام إلا أن يصير حطابًا، فإذا صار من الحطابين بمكة فعليه قضاء ذلك الإحرام.
[والفرق: أنه إذا لم يصر حطابًا، فمتى ما خرج لقضاء الإحرام] المتروك
стр. 949
التزم بالدخول المستأنف إحراما مستأنفًا، فلا يتصور منه قضاء ذلك الإحرام الأول، بخلاف ما إذا صار من الحطابين، فخرج لم يلتزم إحرامًا لدخول مكة، فتمكن من قضاء ذلك الإحرام المتروك، واعترض بعض مشايخنا على هذه الطريقة، فقال: إما ليست بمستقيمة؛ لأن هذا الرجل لا/ (١٢٥ /ب) يخلو في الأصل من أحد احتمالين:
إما أن يكون قضاء هذا الإحرام فرضًا حمليه، وإما أن لا يكون قضاؤه فرضًا عليه.
فإن كان فرضًا في الأصل فهو في ذمته يكل حال إلى أن يتصور قضاؤه، وإن لم يكن فرضًا في الأصل استحال أن يصير فرضًا عليه في الحالة الثانية بأن يصير حطابًا، وطريقة هذا المعترض أصح وأسد إن شاء الله.
مسألة (١٢٧): إذا قال الرجل في وصيته ادفعوا من ثلثي خمسين دينارًا إلى فلان؛
стр. 950
ليحج فلان حجة لنفسه، ومات الموصي، فطلب صاحب الوصية وصيته ولم يرد الحج وجب دفع الوصية إليه.
ومثله لو قال في وصيته: ادفعوا إليه مائة دينار، ليحج عني، وكان أجرة مثله خمسين دينارًا، فقال ادفعوا إلى خمسين دينارًا وهو قدر المحاباة، فإنها وصية منه لي وادفعوا خمسين دينارًا إلى أجير؛ ليحج عنه لم يستحق من المائة شيئًا.
والفرق بينهما: أن الوصية في المسألة الأولى وقعت له وهى غير معلقة بعقد؛ لأنه أوصى بتمليكه، ثم ذكر جهة يتخير ذلك الرجل فيها فإن شاء صرف الوصية إليها وإن شاء لم يصرف، بخلاف، المسألة الثانية [فإنه إنما وصى الموصي بمحاباته بخمسين دينارًا على شرط عقد يقبله، ويلزمه حكمه، ويقوم بموجبه]،
стр. 951
فإذا امتنع عن قبول ذلك العقد والتزام حكمه سقطت الوصية بإسقاطه، وكذلك القول في البيع مثل أن يقول الرجل في مرض موته بعت منك هذا العبد بمائتي درهم وهو يساوي ثلاثمائة، ويموت الموصي البائع، فيقول المشتري: إن المحاباة وصية لى، فسلموا إلي من ماله ذلك المقدار ولا أريد البيع لم يستحق تلك المحاباة إلا بثبوته على البيع.
مسألة (١٢٨): المحرم إذا رمى بسهم من الحل فاخترق سهمه الحرم، ثم جاوز إلى الحل فأصاب صيدًا، فقتله فعليه جزاؤه وكذلك - أيضًا - الحلال فإن المحرم، والحلال في حرمة الحرم سواء.
ولو أن الحلال أرسل كلبه من الحل فتحامل على الصيد، فتحصن الصيد في الحرم، فدخل الكلب الحرم، وخرج إلى الحل، وقتل ذلك
стр. 952
الصيد، فليس عل الحلال جزاؤه.
والفرق بين الكلب والسهم: أن الكلب مختار فربما يرسله مرسله إلى جهة، فيميل إلى جهة أخرى إذا مال الصيد إليها؛ فلهذا [لم يلزم الحلال جزاؤه]، بخلاف السهم، فلا اختيار له وكان في وسع الرامي أن يتجاوز بسهمه عن سمت الحرم إلى الحل فإذا لم يفعل، فكأنه قصد الحرم بالرمي.
وفي مسألة الرمي قول آخر: لا ضمان عليه.
стр. 953
والقولان في الرمي بيان على من/ (١٢٦ /أ) جرح شخصًا في حالة الضمان، ثم اعترضت حالة أخرى تنافي الضمان، ثم ارتفعت تلك الحالة المعترضة وحدثت حالة ثالثة - وذلك مثل الذمي يجرحه جارح، ثم ينقض العهد ويصير حربيًا والجراحة تسري، ثم يعود إلى الذمية، ففيها قولان:
أحدهما: أن الحالة العارضة تؤثر في مقدار الضمان. [فعلى هذا أثرت الحالة العارضة في إيجاب الضمان].
والثاني: أنها لا تؤثر في مقدار الضمان، فعل هذا لا تؤثر الحالة العارضة في إيجاب الضمان.
مسألة (١٢٩): المحرم إذا قتل ظبيهً فعليه شاة.
ولو جني عليها جناية ينقص عشرها، فقد قال الشافعي ﵀:
стр. 954
((عليه ثمن عشر شاة)). ولم يوجب عليه عشر شاة قال المزني: ((عشر شاة] أولى بأصله)).
والفرق بينهما: - على أصل الشافعي ﵀: أنا إذا قابلنا ظبية بشاة تيسرت المقابلة.
[وإذا قابلنا العشر بالعشر تعذرت القابلة] لأنه ربما يحتاج أن يشتري عشر شاة على الشيوع، وفي الشيوع، والشركة ضرورة، وجزاء الصيد يقتضي الترفيه، والتخفيف؛ ولهذا أوجبنا في خمس من الإبل شاة ولم نوجب جزءًا من بعير، ثم لما كثرت الإبل، وصارت ضرورة الشركة
стр. 955
مأمونة عدلنا إلى المجانسة، فأوجبنا فيها من جنسها، وأيضًا فإنا لو قابلنا العشر بالعشر للزمنا مقابلة العضو بالعضو حتى إذا جني على الرجل لزمنا أن نوجب عليه مقابلتها الرجل، ثم لا يتصور أن يشتري من شاة رجلًا، وهي حية، وهذا شرط الجزاء في الصيد.
مسألة (١٣٠): الصيد الذي لا مثل له من جهة الخلقة مثل الطيور التي هي أصغر من الحمام إذا قتله الحرم وجبت عليه قيمته، واعتبار القيمة في مكان الإتلاف لا بمكة والصيد الذي له مثل من جهة الخلقة إذا أردنا العدول إلى الإطعام قوما مثله بمكة لا في موضع الإتلاف.
والفرق بينهما: أن الصيد إذا لم يكن له مثل لم نوجب، إلا قيمته مصروفة إلى
стр. 956
الطعام؛ ليطعم، أو يقابل كل مد بصوم يوم، وقيمة المتلف تعتبر في محل الإتلاف.
فأما الصيد الذي له مثل إذا قتله، فالواجب عليه مثله بمكة لمساكينها. فإذا أراد العدول إلى تقويم المثل للإطعام، أو للصيام وجب مراعاة قيمة المثل في مكان استحقاق المثل، ومكان استحقاقه مكة؛ فلهذا اعتبرنا القيمة بها.
مسألة (١٣١): المحرم إذا خصي صيدًا وجب عليه قيمة ما نقص. ولو فدى ظبيًا، أو ظبية بخصي من الغنم أجزأه
стр. 957
الفداء. وإنما كان كذلك؛ لأن لحم الخصيان من الحيوانات أسمن من لحم الفحول والرغبة فيه أكثر، فلا يعد ذلك - فيه - نقصاً؛ ولهذا قلنا: يجوز في الضحايا والهدايا الخصي من الغنم. بخلاف/ (١٢٦/ب) ما إذا جني على صيد بخصيه، فذلك جرح ونقص وجناية منه على تلك الصيد والجنايات على الصيد مضمونة بكل حال.
وهذه النكتة تقتضي جواز مقابلة الفحل من الصيود بالخصي من الغنم؛ لأن الشافعي ﵁ لا يشترط مقابلة الذكورة بالذكورة والأنوثة بالأنوثة شرطاً لازماً، ولكنه قال: "يفدي الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى ويفدي بالإناث أحب إلي "، ثم قال مشايخنا - في تفسير هذه المسألة -: أراد الأنثى
стр. 958
التي لم تلد، فإن لحمها أطيب، وأما التي ولدت، فلحم الذكر أطيب منها.
فإن قال قائل: الخصاء في الحيوانات غير موضوع موضع الجنايات، ولكنه نوع استصلاح، وقد قلتم: لا جزاء ولا غرامة على من قطع بعض الأغصان من شجرة حرمية استصلاحاً وتشذبياً.
فهلا قلتم: بسقوط جزاء الصيد على من خصي فحلاً من الصيود.
قلنا: الخصاء في الحيوانات المملوكة للناس نوع مصلحة في بعض
стр. 959
الأحوال، وتلك المصلحة راجعة إلى تدبير الملك، فأما إذا خصي الصيد، فليس هذا الفحل مصلحة للصيد حتى يصير معذوراً بقصد تلك المصلحة فتمخض جناية. ووزان تشذيب أغصان الحرم تقليم حوافر الصيد إذا طالت حوافره، وتعينت المصلحة في تقليمها فإذا فعله المحرم على جهة المصلحة لم يلزم بذلك جزاء؛ لأن ذلك لا يعد نقصاً وجناية؛ ولهذا لم نجعل تقليم الأظافر مانعاً من الرد بالعيب في البيع، وألحقنا به ختان الغلام وخفض الأمة.
مسألة (١٣٢): السمين من الصيد مضمون بالسمين من النعم.
стр. 960
والحامل من الصيد غير مضمون بالحامل من النعم.
والفرق بينهما: أن الحمل في الصيد زيادة صفة، والجنين في بطنها صيد آخر، والمقصود من الجزاء الذبح؛ لإيصال اللحم إلى المساكين، ولحم الحامل في الصفة دون لحم الحائل وفضيلة الحامل من النعم تتبين في النتاج والدر والنسل، وليس ذلك من مقاصد جزاء الصيد. والوجه مقابلتها بغير الحامل، فإذا لم يسقط الجنين لم يفرد الجنين بالضمان ما دام مستكناً.
стр. 961
وذكر الشافعي ﵁ في بعض كتبه - تقوم الحامل من الصيد إذا جني عليه المحرم، وتصرف القيمة إلى الإطعام. وفيه إشكال؛ لأن ما كان له مثل، فالواجب تقويم المثل، لا تقويم الصيد، ولكنه لما لم يقابل الحامل من الصيد بالحامل من النعم للنقص في الحامل، ولم يجد بذا من تضمين الجنين رأي تقويم الحامل، وفي تقويم الحامل تقويم الجنين.
وللمسألة أطراف وأصول/ (١٢٧/أ) ليست من شرط كتابنا هذا. ... .
مسألة (١٣٣): الحلال إذا دخل الحرم بصيد صاده في الحل كان له ذبحه في الحرم.
ولو خرج إلى الحل بصيد صاده في الحرم لم يكن له ذبحه، ويلزمه إرساله.
стр. 962
والفرق بين المسألتين: - فرق جمع وهو -: أن الواجب يعتبر حال القبض على الصيد في الأصل، فإذا صاد صيداً في الحرم كان قبضه عليه قبض عدوان، ولزمه إرساله؛ ليخرج عن ذلك العدوان، فخروجه إلى الحل لا يوجب تغيير حكم الصيد، كما أن المحرم لو صاد في الإحرام، ثم تحلل والصيد في يده لزمه بعد التحلل إرساله، [كما لزمه قبل التحلل إرساله]، وإذا صاد الحلال في الحل، فاستيلاء يده على الصيد استيلاء مأذون فيه بأصل الشرع استفاد به كمال الملك، ودخول الحرم لا يوجب زوال ملكه، ولا يحصل لعين ذلك الصيد حرمة تمنع الذبح بعد تقدم حقه في.
وضرب الشافعي ﵁ لهذا مثلاً فقال: الحربي إذا سبي في بلاد [الحرب، ثم نقل إلى بلاد] الإسلام قبل استرقاقه جاز استرقاقه في بلاد الإسلام، بخلاف أهل الذمة الذين ثبتت لهم حرمة الذمة بالدار،
стр. 963
فلا يجوز لنا استرقاقهم.
والفرق بين الفريقين: ما أشرنا إليه أن الذمي اعتصم في الدار بحرمة الذمة، فلا يجوز لنا اغتياله، والاعتراض على ذمته، وأما الحربي، فقد حازته يد السبي في دار لا حرمة لها، وهي دار الحرب فإذا أدخلناه دار الإسلام على الحرية لم يستعصم بحرمة الدار عن ذل الاسترقاق، وكذلك الصيد. وعلى هذا الأصل دل حديث رسول الله ﷺ وهو ما روي أن أبا عمير كان معه نغير يلعب به، وذلك بالمدينة، فكان رسول الله ﷺ -
стр. 964
يقول له: "يا أبا عمير ما فعل النغير ". ولا يجوز ابتداء الاصطياد بالمدينة، [فعرفنا أن ذلك الطائر كان قد صيد في الحل، ثم نقل إلى الحرم]، فاستجاز رسول الله ﷺ تقريره في الوثاق ولم يأمر بإرساله، ولو حرم ذبح هذا الصيد في الحرم لوجب إرساله، ولحرم إمساكه، والخبر دليل على جواز الإمساك والحبس.
مسألة (١٣٤): الطائر إذا وقع على غصن شجرة حرمية أصلها في الحرم، وأغصانها في الحل جاز للحلال أن يصطاده إذا كان موقف الصائد في الحل ولا يجوز لأحد كسر ذلك الغصن.
ولو كان أصل الشجرة في الحل، وأغصانها في الحرم، فوقع الطائر على تلك
стр. 965
الأغصان لم يجز رمي ذلك الطائر سواء كان ذلك الرامي في الحل، أو في الحرم، ويجوز كسر أغصان تلك الشجرة.
والفرق بينهما: أن الطائر إذا وقع/ (١٢٧/ب) على غصن في الحرم، فهو في هواء الحرم، والطائر معتبر بنفسه فإذا أحاط الحرم به ثبتت له حرمته، وليست حرمته بموقعه حتى يعتبر أصل ذلك الغصن. وهواء الحرم إلى السماء حرم في حكم الصيد، وكذلك أيضاً أرض الحرم حرم إلى الثرى، فأما الشجر
стр. 966
فمنبتها مستتبع أغصانها؛ لأن المنبت أصلها.
فإن قال قائل: أرأيت لو أن شجرة كانت على طرف الحرم ومنبتها في الحل فانتشرت عروقها [في أرض الحرم، فنبتت شجرة أخرى من بعض عروقها] في الحرم، فهل تكون هذه الشجرة المتفرعة من أشجار الحرم؟
قلنا: هذه الشجرة النابتة في الحرم إذا قويت واستعلت، فانتشرت لها في الحرم عروق صارت حرمية، وإن كان سبب نباتها من تلك العروق، فصارت كما لو أخذ بعض عروق تلك الشجرة من الحل، فغرست في الحرم، فتكون من الحرم؛ لأن أصل منبتها فيه.
فإن قيل: أرأيت لو كانت شجرة في دار رجل، فانتشرت عروقها في دار جاره، فنبتت فيها شجرة أخرى فلمن تكون تلك الشجرة؟
قلنا: تلك الشجرة لمن كانت الأولى له، وبكونها موصفة بأن أصلها في
стр. 967
دار الجار [لا يخرجها عن أن تكون ملكاً لمن تفرعت عن ملكه]، فإن فروع الملك لمن كانت له أصول الملك، فالنخلة ملك مالك النواة، والفرخ ملك مالك البيضة، والزرع ملك مالك البذر، فأما أجنة الحيوانات، فهي ملك مالك الأنثى دون مالك الفحل.
مسألة (١٣٥): صيد الحرم إذا وقف على طرف الحرم، فكان بعض بدنه فيه، وبعضه في الحل فكأنه واقف في الحرم.
وأما صيد الحل [إذا قارن طرف الحرم، فكان بعض بدنه فيه
стр. 968
وبعض بدنه في الحل]، فكأنه واقف في الحل حتى يدخل الحرم بجميع بدنه، فإن صاد حلال هذا الصيد بشرط أن لا يدخل سهمه الحرم، ولا حبائله، ولا جوارحه فلا حرج.
ومثال هذا ما نقول فيمن حلف لا يدخل الحرم، أو حلف لا يخرج من الحرم: فلا يصير الحرمي بخروج بعض البدن خارجاً، ولا من كان في الحل يصير بدخول بعض البدن داخلاً.
стр. 969
والورع في الاجتناب؛ لأن الجناية على بعضه الذي في الحل جناية على جميع البدن. والحرم عصمة للصيد.
مسألة (١٣٦): إخراج الحجارة من الحرم مكروه، وسواء في ذلك مكة وجميع ما حواليها من الحرم.
ولو اشترى برمة مكية فأخرجها، فغير مكروه.
والفرق بينهما: ما قاله الشافعي - رحمة الله عليه -: أن برام مكة منقولة إلى الحرم، وليس أصل حجارتها فيه، ولو أن رجلاً استصحب من الحل/ (١٢٨/ أ) حجارة، فأدخلها الحرم، ثم استصحبها لما خرج، فلا حرج
стр. 970
عليه.
مسألة (١٣٧): نقل ماء زمزم إلى البلاد مباح، بخلاف أحجار الحرم، وأشجاره.
والفرق بينهما: أن الماء يستخلف بذلك، فرق الشافعي ﵁ ثم احتج بأن رسول الله - صلى الله علي وسلم - استهدى عام الحديبية من سهيل بن عمرو
стр. 971
ماء زمزم. وكانت عائشة ﵂ تنقل ماء زمزم في القوارير.
مسألة (١٣٨): المحرم إذا دل على الصيد أساء بالدلالة، ولا ضمان عليه، والمودع إذا دل على الوديعة، فتلفت بدلالته، فعليه ضمانها.
والفرق بينهما: أن المحرم مأمور بالكف عن أذى الصيد وغير
стр. 972
مأمور بحفظه، ألا تراه لو مر بصيد مشرف على التلف ولو شاء لتلافاه، فليس عليه تلافيه، ولا ضمان عليه فيه.
وأما المودع فهو ضامن للحفظ، وناقض الحفظ بالدلالة فالتزم الضمان لذلك.
ومنزلة المحرم في الصيد منزلة غير المودع إذا دل على الوديعة، فتلفت فلا ضمان عليه.
مسألة (١٣٩): إذا نتف المحرم ريش صيد وانفلت، ثم صادفه ميتاً فالمستحب أن يفديه، كذلك قال الشافعي ﵀: والفداء غير واجب عليه.
ولو جرحه ثم انفلت ثم صادفه بعد ذلك ميتاً وتلك الجراحة دامية سواء كانت كبيرة أو صغيرة فعليه جزاء الصيد.
стр. 973
والفرق بينهما: أن النتف وإن كان سبب الإيلام فليس بظاهر في إسناد الموت إليه بخلاف الجرح فإنه سبب ظاهر لإسناد الموت إليه.
ألا ترى أن رجلاً لو جرح رجلاً، فمات المجروح بعد سنين والجراحة دامية نسب القتل إلى تلك الجراحة، فإن بلغ النتف من الطائر مبلغ التمريض بحيث قال أهل النظر: إنه أمرضه فاتصل ذلك الفعل بموته ألحقنا النتف بالجرح، كما لو ضرب رجل رجلاً بالسوط، أو الخشب من غير جرح، ولكن تألم، فمرض، فاتصل ذلك السبب بالموت أضيف إليه.
ألا ترى أن من ضرب بطن حبلى، فأجهضت،
стр. 974
فتلف الجنين مضاف إلى الضارب.
مسألة (١٤٠): المحرم إذا جرح صيداً ثم أخذه، ليتعهده، ويسقيه، فاتفق تلفه في يده، فعليه ضمان جزائه.
ولو جرحه حلال، فأخذه محرم؛ ليتعهده، فتلف في يده، فلا ضمان عليه في أحد القولين.
والفرق بين المسألتين: أن المحرم إذا كان هو الجارح، فأخذه للتعهد لا يبرئه عن ضمان الجرح، وإنما يبرئه عنه الإندمال.
وأما إذا كان الجارح غيره، فأخذه؛ للتعهد لا يتمخض عدواناً وإنما قصد به صلاحاً، فلا يضمن. وعلى هذا القول لا يضمن من غصب
стр. 975
المغصوب على قصد رده إلى مالكه حين يغصبه من يد غاصبه. ويضمن على القول الثاني.
مسألة (١٤١): قال الشافعي ﵀ عليه: إذا قبل الحجر عالماً بأن/ طيباً (١٢٨/ ب) عليه رطباً فعلق بشفتيه وهو محرم فعليه الفدية.
وقال أيضاً: لو غسل المحرم عن ثوبه طيباً فمسه بيده حالة غسله فلا فدية عليه.
والفرق بينهما: أن قصده قصد الإزالة عند الغسل، لا قصد التطيب، وهذه طريقة الإزالة. ومعلوم أن المصلي إذا وقعت على ثوبه نجاسة يابسة، فلابد أن يأخذها ليرمي بها وإذا
стр. 976
فعل لم تبطل صلاته بالأخذ والرمي.
فإن قيل: المستلم قصد تقبيل الحجر وما قصد التطيب، كما لم يقصد الغاسل التطيب.
قلنا: المستلم يعلم أنه إذا قبل يتعلق به الطيب؛ لأنه رطب. وبه غنية عن تقبيله. فإذا فعل التزم الضمان بذلك. والضرورة في غسل الثوب قد تحققت، فأحوجت إلى الإزالة بالغسل. حتى قال الشافعي ﵀: لو وجد ماءً قليلاً، وكان محدثاً صرف الماء القليل إلى إزالة الطيب، وتيمم للصلاة، كما قال - في إزالة النجاسة [وإزالة الحدث إذا اجتمعا والماء
стр. 977
قليل: - أن إزالة النجاسة بالماء] مقدمة على إزالة الحدث؛ لأنه لا بدل؛ لأحدهما، والثاني له بدل.
مسألة (١٤٢): قال الشافعي ﵀: المسيء بمحاورة الميقات يعود ما لم يطف ويسقط عنه الدم بالعود، لبى ثانياً إذا مر على الميقات محرماً.
ولو طاف، ثم عاد لم يسقط عنه دم الإساءة.
الفرق بينهما: أن الطواف من جملة الأعمال التي يتحلل بها المعتمر والحاج، ومراعاة حق الميقات من حق الدخول في الإحرام، فإذا طاف، ثم عاد، فكأنه قصد الدخول في حالة الخروج، وذلك محال في التصوير والتحقيق. فأما إذا عاد قبل الطواف، فهو بعد في حال الدخول، فيحسن منه استكمال الميقات بمراعاة السنة في الدخول.
فإن دخل مكة، ولم يفتتح الطواف حتى عاد. فمن أصحابنا من قال
стр. 978
استقر عليه دم الإساءة، ولا يسقط بالعود؛ لأنه دخل المكان المقصود ومنهم من قال: يسقط بالعود؛ لأنه دخل المكان المقصود. ومنهم من قال: يسقط إذا عاد قيل الطواف. ومثل هذا الخلاف: خلاف أصحابنا، فمن ترك رمي يوم النفر الأول وفارق مني إلي الأبطح، ثم عاد إلي مني ليرمي، فمنهم من قال: استقر الدم عليه بالمفارقة السابقة، فلا يسقط عنه بالمعاودة. ومنهم من قال: يسقط بالعود.
مسألة (١٤٣): قال الشافعي -رحمة الله - لو أهل يوم النفر الأول بعمرة ثم نفر فالإهلال باطل ولا شيء عليه.
ولو نفر، ثم أهل، فالإهلال صحيح، وعليه إتمام العمرة.
стр. 979
والفرق بينهما: أن المحرم وإن كان يوم النفر خالياً عن علائق الإحرام بما سبق من التحللين، فهو معكوف على نسك بإتمامه وهو الرمي، والمبيت، وهما من تمام الحج، فلا تنعقد له العمرة ما لم/ (١٢٩/أ) يكمل فراغه من الحج، فإذا نفر فقد تعجل في يومين والله تعالى أذن له في ذلك، فصار خارجاً عن الحج، وعن توابعه، فيصح منه الشروع في العمرة. ولا يتصور حلال يحرم بالعمرة في وقت تنعقد عمرة إلا في هذه المسألة.
مسألة (١٤٤): تحلل المفرد لا يتعلق بالهدي، وكذلك تحلل القارن
стр. 980
والمتمتع. وأما المحصر فتحلله يتعلق بالهدي.
الفرق بينهما: أن المفرد تمكن من الأركان وإكمال الإحرام، وكذلك القارن والمتمتع، وإنما الهدي تطوعاً، وللمقارن والمتمتع جبراناً لربح أحد السفرين فاستحال أن يتعلق بهذه الدماء حكم التحلل، كما يستحيل أن يتعلق بجزاء الصيد، وفدية الأذى، ودم الإساءة حكم التحلل، بخلاف المحصر فإنه غير متمكن من أركان نسكه ويريد أن يتحلل عن إحرامه ليستبيح محظورات النسك فنزل الدم بالشرع منزلة الرمي، وسائر أسباب التحلل. ثم اعلم أن قول الشافعي ﵀ في الحلاق مختلف. فأحد القولين: أنه ليس من المناسك، فعلى هذا القول ينحصر تحلل المحصر في النحر حني لو نحر دم الإحصار فانجلى الإحصار قبل الحلاق كان له أن ينصرف إلى
стр. 981
وطنه، وعلى هذا القول للحاج إذا رمى أن يقلم ويلبس المخيط قبل أن يحلق، وله أن يترك الحلاق أصلاً. والقول الثاني: أن الحلاق من النسك، فعلى هذا القول لو أراق المحصر دم الإحصار ولم يحلق حتى انجلى الحصر وجب عليه أن يمضي على إحرامه؛ لأنه غير متحلل منه، وليس للحاج على هذا القول أن يقلم، أو يلبس مخصيا قبل الحلاق، وليس له ترك الحلاق.
مسألة (١٤٥): استحب الشافعي ﵁ في دماء يسوقها المحصر ليبعث بها إلى الحرم؛ ليكون نحرها فيه، ولم يقل بهذا الاستحباب في نفس دم الإحصار.
والفرق بينهما: أن المحصر لو تكلفت بعث دم الإحصار إلى الحرم لزمه مصابرة
стр. 982
الإحرام إلى وقت بلوغه، ونحره، وفي ذلك مشقة ظاهرة واعتراض على الرخصة، وموضوع الرخصة التخفيف، والتسهيل، فلا يجوز عكس موضوعها.
فأما سائر الدماء التي يلتزمها بسبب الارتكاب، فتحلله غير متعلق بها، ولا تبطل علة الرخصة بتأخير إراقتها، فصار كالمتمكن من سوق الهدي إلى الحرم على وجه وهو غير متمكن على وجه، فخيرناه في بعثه بها، أو نحرها حيث أحصر، كما ينحر دم الإحصار.
مسألة (١٤٦): إذا ساق المحرم هدياً واجباً نحره، وعطب في الطريق، فله أن يأكل منه ولرفقته الأكل.
وأما هدي التطوع إذا عطب / (١٢٩/ب) منه في الطريق، فليس له أن يأكل
стр. 983
منه، ولا أحد ممن شاهده، وعليه أن ينحره، ويغمس نعله في دمه، فيضرب به صفحته، ويخلي بينه وبين الناس.
الفرق بين [الهدي المفروض إذا عطب، وبين الهدي المتطوع به]: أن الهدي المفروض إذا عطب مضموناً يبدله، فجاز له أن يأكل منه بعد التزام البدل.
فأما هدي التطوع فلا بدل فيه، ولو جوزنا له، والمشاهدين أن يأكلوا منه
стр. 984
لم نأمن على هدايا التطوع قصد الإتلاف.
مسألة (١٤٧): قال الشافعي ﵀ في العدو الذي هو سبب الحصر: [لو أعطى الناس أماناً وهو موثوق به بغير جعل، فقد زال الحصر]، وإن كان بجعل، فالحصر غير زائل قل ذلك الجعل، أو كثر.
والفرق بينهما: أنهم إذا طلبوا جعلاً يبذله لهم، فبذله لهم يسبب استحكام أطماعهم، ثم ربما يستزيدون في سائر الأعوام فيصير البذل في الابتداء سبب انسداد المسالك في الانتهاء، فأما إذا لم يطلبوا جعلاً، وعقدوا أماناً، فقد زال الخوف زوالاً مطلقاً، وفي زوال الخوف زوال الحصر.
مسألة (١٤٨): يجب إعطاء ثمن الماء، لتحصيله مع القدرة على الثمن، وكذلك الرقبة في الكفارة، ولا يجب بذل مال على جهة الخفارة
стр. 985
للتوصل إلى الحج.
والفرق بينهما: ما بيناه في المسألة المذكورة قبلها.
مسألة (١٤٩): قال الشافعي ﵁ لو طاف لا ينوي فرضه وعليه فرض الطواف انصرف إليه.
ولو طاف بعض الطواف فأغمي عليه فحمل وطيف به لم يحسب له ما حصل في زمان الإغماء.
فإن قيل: قصد الفرض مفقود في المسألتين، فما الفرق؟
قلنا: الفرق بينهما: أن المغمى عليه لا تتصور منه
следующие страницы →