← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فهذه الآثار تدل على أن المتشابه مما لا يعلمه إلا الله، وأن الخوض فيه مذموم، وسيأتي قريباً زيادة على ذلك. قال الطيبي: المراد بالمحكم ما اتضح معناه، والمتشابه خلافه، لأن اللفظ الذي يقبل معنى إما أن يحتمل غيره أوْ لا. والثاني النص. والأول إما أن يكون دلالته على ذلك الغير أرجح أم لا، والأول هو الظاهر. والثاني إما أن يكون مساويه أم لا. والأول هو المجمل والثاني المؤول. فالمشترك هو النص، والظاهر هو المحكم، والمشترك من المجمل، والمؤول هو المتشابه. ويؤيد هذا التقسيم أنه تعالى أوقع المحكم موضع المتشابه، فالواجب أن يفسَّر الحكم بما يقابله، ويعضد ذلك أسلوب الآية، وهو الجمع مع التقسيم، لأنه تعالى فرق ما جمع في معنى الكتاب بأن قال: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) ، وأراد أن يضيف إلى كل منهما ما يشاء، فقال أولاً: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ... إلى أن قال: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) . وكان يمكن أن يقال: وأما الذين في قلوبهم استقامة فيتبعون المحكم، لكنه وضع موضع ذلك: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) ، لإتيان لفظ الرسوخ، لأنه لا يحصل إلا بعد التتبع العام والاجتهاد البليغ، فإذا استقام القلب على طرق الرشاد، ورسخ القدم في العلم أفصح صاحبه النطق بالقول الحق. وكفى بدعاء الراسخين في العلم: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) . شاهداً على أن الراسخين في العلم مقابل لقوله: (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) . وفيه إشارة إلى أن الوقف على قوله: (إِلَّا اللَّهُ) تام، وإلى أن علم بعض المتشابه مختص بالله تعالى، وأنه من حاول معرفته هو الذي أشار إليه في الحديث بقوله: " فاحْذَروهم ". وقال بعضهم: العقل مبتلى باعتقاد حقيقة المتشابه، كابتلاء البدن بأداء العبادة، وكمن صنف كتاباً أجملَ فيه أحياناً فيكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه، وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يطلعه على سره.

стр. 107

وقيل: لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف البدن لاستمر العالم في أبهة العلم على التمرد، فبذلك يستأنس إلى التذلل بعز العبودية، والتشاغل به هو موضع خضوع العقول لبارئها استسلاما واعترافاً بقصورها. وفي ختم الآية بقوله تعالى: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) ، تعريض بالزائغين، ومدح للراسخين - يعني من لم يتذكر ويتعظ ويخالف هواه فليس من ذوي العقول، ومن ثم قال الراسخون: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ... ) إلى آخر الآية، فخضعوا لبارئهم لاستنزال العلم اللَّدني بعد أن استغاثوا به من الزيغ النفساني. وقال الخطابي: المتشابه على ضربين: أحدها ما إذا رد إلى الحكم واعتُبر به عرف معناه. والآخر ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته، وهو الذي يتبعه أهل الزيغ فيظنون تأويله، ولا يبلغون كُنْهَه، فيرتابون به فيفْتَتِنون. وقال ابن الحصار: قسّمَ اللهُ آيات القرآن إلى محكم ومتشابه، وأخبر عن المحكمات أنها أم الكتاب، لأنه إليها تردّ المتشابهات، وهي التي تُعتمد في فهم مراد الله من خلقه، أي في كل ما تعبّدهم به من معرفته وتصديق رسله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. وبهذا الاعتبار كانت أمهات. ثم أخبر عن الذين في قلوبهم زيغ أنهم هم الذين يتبعون ما تشابه منه. ومعنى ذلك أن من لم يكن على يقين من المحكمات، وفي قلبه شك واسترابة كانت راحته في تتبع المشكلات المتشابهات، ومراد الشارع منا التقدم إلى فهم المحكمات، وتقديم الأمهات، حتى إذا حصل اليقين، ورسخ العلم لم تبال بما أشكل عليك. ومراد هذا الذي في قلبه زيغ التتبع إلى المشكلات، وفهم المتشابه قبل فهم الأمهات، وهو عكس المعقول والمعتاد والشروع، ومثَلُ هؤلاء من المشركين الذين يقترحون على رسلهم آيات غير الآيات التي جاءو بها، ويظنون أنهم لو جاءتهم آياتٌ أخر آمنوا عندها جهلاً منهم، وما علموا أن الإيمان بإذن الله تعالى. انتهى.

стр. 108

وقال الراغب في مفردات القرآن: الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الإطلاق. ومتشابه على الإطلاق. ومحكم من وجه ومتشابه من وجه. فالمتشابه بالجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومن جهة المعنى فقط، ومن جهتهما. فالأول ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة، إما من جهة الغرابة. نحو: اللازب وينزفون. أو الاشتراك كاليد والعين. وثانيهما يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك ثلاثة أضرب: ضرب لاختصار الكلام، نحو: (وإن خِفْتمْ ألاَّ تقْسِطُوا في اليَتَامَى فانْكِحوا مَا طَابَ لكمْ مِنَ النساء) . وضَرْبٌ لبَسْطه، نحو: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) . لأنه لو قيل: ليس مثله شيء كان أظهر للسامع. وضرب لنظم الكلام، نحو: (أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا) . تقديره: أنزل على عَبْدِه الكتاب قَيِّماً، ولم يجعل له عوجاً. والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى، وأوصاف القيامة، فإن تلك الصفات لا تتصور لنا إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه، أو ليس من جنسه. والمتشابه من جهتها خمسة أضرب: الأول - من جهة الكمية، كالعموم والخصوص، نحو: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) . والثاني - من جهة الكيفية، كالوجوب والندب، نحو: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) .

стр. 109

والثالث - من جهة الزمان، كالناسخ والمنسوخ، نحو: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) . والرابع - من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها، نحو: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا) ، (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) . فإن مَنْ لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه الآية. والخامس - من جهة الشروط التي يصح بها الفعل ويفسد، كشروط الصلاة والنكاح. قال: وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم. ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب: ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه، كوقت الساعة، وخروج الدابة، ونحو ذلك. وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته، كالألفاظ الغريبة، والأحكام الغلقة. وضرب متردد بين الأمرين يختص بصرفته بعض الراسخين في العلم، ويَخفَى على مَنْ دونهم، وهو المشار إليه بقوله ﷺ لابن عباس: اللهم فقِّهْهُ في الدين، وعلمه التأويل. وإذا عرفت هذه الجملة عرفت أن الوقوف على قوله: (وما يَعْلَم تأويلَه إلا اللهُ) ، ووصله بقوله: (والراسخون في العِلْمِ) - جائزان، وأن لكل واحد منهما وجهاً حسبما دل عليه التفصيل المتقدم. انتهى. وقال الإمام فخر الدين: صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل، وهو إما لفظي وإما عقلي. والأول لا يمكن اعتباره في المسائل الأصولية، لأنه لا يكون قاطعا، لأنه موقوف على انتفاء الاحتمالات العشرة

стр. 110

المعروفة، وانتفاؤها مظنون، والموقوف على المظنون مظنون، والظني لا يكتفى به في الأصول. وأما العقلي فإنه يفيد صرف اللفظ عن ظاهره لكون الظاهر محالاً. وأما إثبات المعنى المراد فلا يمكن بالعقل، لأن طريق ذلك ترجيح مجاز على مجاز وتأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدليل اللفظي، والدليل اللفظي في الترجيح ضعيف لا يفيد إلا الظن، والظن لا يعوَّل عليه في المسائل الأصولية القطعية فلهذا اختار الأئمة المحققون من السلف والخلف - بعد إقامة الدليل القاطع على أن حمل اللفظ على ظاهره محال - تركَ الخوض في تفسير التأويل. انتهى. وحسبك بهذا الكلام من الإمام. فصل من المتشابه آيات الصفات. ولابن اللبان فيها تصنيف مفرد، نحو: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) . (كلّ شيء هالك إلا وجْهَه) . (يَدُ اللهِ فَوْقَ أيديهم) ، ونحوها. وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها. أخرج أبو القاسم اللّالكَائي من طريق في السنة، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة في قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، قال: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر. وأخرج أيضاً عن محمد بن الحسن، قال: اتفق الققهاء كلهم من الشرق إلى الغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه. وقال الترمذي في الكلام على حديث الرؤية: المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة - مثل سفيان الثوري، ومالك، وابن المبارك، وابن عيينة، ووَكيع،

стр. 111

وغيرهم - أنهم قالوا: نروي هذه الأحاديث كما جاءت ونؤمن - بها، ولا يقال كيف، ولا نفسر ولا نتَوَهّم. وذهبت طائفة من أهل السنّة أنّا نؤوّلها على ما يليق بجلاله تعالى، وهذا مذهب الخلف. وكان إمام الحرمين يذهب إليه، ثم رجع عنه، فقال في الرسالة النظامية: الذي نرتضيه دينا وندين الله به عقداً اتباع سلف الأمة، فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها. وقال ابن الصلاح: وعلى هذه الطريقة مضى صَدْر الأمة وساداتها، وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها، وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه، ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يَصْدف عنها ويأباها. واختار ابن بَرْهان مذهب التأويل، قال: ومنشأ الخلاف بين الفريقين: هل يجوز أن يكون في القرآن شيء لم يُعلم معناه أم لا، بل يعلمه الراسخون. وتوسّط ابن دَقِيق العيد، فقال: إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكَر، أو بعيدا توقفنا عنه، وآمنا بمعناه على الوجه الذي أرِيد به التنزيه. قال: وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهراً مفهوماً من تخاطب العرب قلنا به من غير توقيف، مما في قوله: (يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) فنحمله على حق الله وما يجب له. وكذا استواؤه على العرش بالعدل والقهر، كقوله: (قائماً بالقِسْطِ) ، فقيامه بالقسط والعدل هو استواؤه، ويرجع معناه إلى أنه أعطى كل شيء خلقه موزوناً بحكمته المبالغة. وقد أكثر بعض الناس في جواب هذه الآية حتى أنهاه إلى عشرين حذفناها للإطالة. ومن ذلك قوله تعالى: (تعلم ما في نَفْسي) . خرج على سبيل المشاكلة، مراداً به الغيب، لأنه مستتر كالنفس.

стр. 112

وقوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) ، أي عقوبته، وقيل إياه. وقال السُّهَيْلي: النفس عبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد. وقد استعمل من لفظها النفاسة، والشيء النفيس، فصلحت للتعبير عنه سبحانه. وقال ابن اللبان: أوَّلَهَا العلماء بتأويلات، منها أن النفس عبّر بها عن الذات، قال: وهذا وإن كان سائغاً في اللغة، ولكن تعدي الفعل إليها بفي المفيد للظرفية محال عليه تعالى. وقد أوّلها بعضهم بالغيب، أي ولا أعلم ما في غيبك وسرك. قال: وهذا حسن، لقوله آخر الآية: إنك أنْتَ علاّم الغيوب. ومن ذلك " الوجه "، وهو مؤَوَّل بالذات. وقال ابن اللبان - في قوله: (يريدون وَجْهَه) . (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) الدهر: ٩. (ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) . المراد إخلاص النية. وقال غيره في قوله: (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) ، أي الجهة التي أمر بالتوجه إليها. ومن ذلك "العَيْن"، وهي مؤولة بالبصر أو الإدراك، بل قال بعضهم: إنها حقيقة في ذلك، خلافاً لتوهم بعض الناس أنها مجاز، وإنما المجاز في تسمية العضو بها. وقال ابن اللبان: نسبة العين إليه تعالى اسم لآياته المبصرة، بها سبحانه ينظر للمؤمنين وبها ينظرون إليه. قال: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً) . نسب البصر للآيات على سبيل المجاز تحقيقاً لأنها المرادة المنسوبة إليه. وقال: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا) قال: فقوله: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) . أي بآياتنا تنظر إليها بنا وننظر بها إليك، قال: ويؤيد أن المراد بالأعين الآيات

стр. 113

كونها علّل بها الصبر لحكم ربه صريحاً في قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) . قال: وقوله في سفينة نوح: (تجري بأعيننا) ، أي بآياتنا، بدليل قوله: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) . وقال: و (لتُصْنَعَ على عَيْني) أي على حكم آيتي التي أوحَيْتُها إلى أمّك: (أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) . انتهى. وقال غيره: المراد في الآيات كلاءته وحفظه. ومن ذلك اليد في قوله تعالى: (لما خَلَقْتُ بيديّ) . (يَدُ الله فوق أيديهم) ، (مما عملت أيدينا) . (وأن الفضل بيد الله) ، وهي مؤولة بالقدرة. وقال السهيلي: اليد في الأصل كالمصدر عبارة عن صفة لموصوف، ولذلك مدح سبحانه بالأيدي مقرونة مع الأبصار في قوله: (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) . ولم يمدحهم بالجوهار، لأن المدح إنما يتعلق بالصفات لا بالجواهر. قال الأشعري: إن اليد صفة ورد بها الشرع. والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة، إلا أنها أخص، والقدرة أعم، كالمحبة مع الإرادة والمشيئة، فإن في اليد تشريفاً لازماً. وقال البغوي في قوله: (بيديّ) : في تحقيق الله التثنية في اليد دليل على أنها ليست بمعنى القدرة والقوة والنعمة، وأنهما هنا صفتان من صفات ذاته. وقال مجاهد: اليد هاهنا صفة وتأكيد، لقوله: (ويَبقَى وَجْهُ رَبِّك) . قال البغوي: وهذا تأويل غير قوي، لأنها لو كانت صفة لكان لإبليس أن يقول: إن كنت خلقته فقد خلقتني، وكذلك في القدرة والنعمة لا يكون لآدم في الخلق مزِيَّة على إبليس.

стр. 114

وقال ابن اللبان: فإن قلت: فما حقيقة اليدين في خلق آدم، قلت: الله أعلم بما أراد، ولكن الذي استفسرته من تدبر كتابه أن اليدين استعارة لنور قدرته القائم بصفة فضله ولنوره القائم بصفة عدله، ونبه على تخصيص آدم وتكريمه بأن جمع له في خلقه بين فضله وعدله، قال: وصاحبة الفضل هي اليمين التي ذكرها في قوله: (والسماواتُ مَطْوِيًاتٌ بيمينه) . ومن ذلك قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) . ومعناه عن شدة وأمر عظيم، كما يقال: قامت الحرب على ساق. وأخرج الحاكم في المستدرك من طريق عكرمة، عن ابن عباس - أنه سئل عن قوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) . قال: إذا خَفِي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر: اصبر عَنَاق إنه شَرّ باقْ ... قد سنَّ لي قَوْمُك ضَرْبَ الأعناقْ وقَامَتِ الحربُ بِنَا على ساقْ قال ابن عباس: هذا يوم كرب وشدة. ومن ذلك صفة الفوقية في قوله: (وهو القاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) . (يخافُون رَبهُمْ مِنْ فَوْقهم) المراد بها العلو من غير جهة. وقد قال فرعون: (وإنا فَوْقَهُم قَاهِرون) . ولا شك أنه لم يرد العلو المكاني. ومن ذلك صفة المجيء في قوله: (وجاء ربُّك) الفجر: ٢٣. أو يأتي رَبُّك، أي أمره، لأن الملك مجيء بأمره أو بتسليطه، كما قال تعالى: (وهم بأمره يَعْمَلُون) ، فصار كما لو صرح به. وكذا قوله: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) : أي اذهب بربك، أي بتوفيقه وقربه. ومن ذلك صفة الحب في قوله: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) . (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) .

стр. 115

وصفة الغضب في قوله: (غَضِبَ اللَّهُ) . وصفة الرضا في قوله: ﵃ . وصفة العجب في قوله: (بل عجِبْتُ ويَسْخَرُون) الصافات: ١١، - بضم التاء (١) . وقوله: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ) . وصفة الرحمن في آيات كثيرة. وقد قال العلماء: كل صفة يستحيل حقيقتها على الله تفسَّر بلازمها. قال الإمام فخر الدين: جميع الأعراض النفسانية - أعني الرحمة، والفرح. والسرور، والغضب والحياء والكره والاستهزاء لها أوائل ولها غايات، مثاله الغضب، فإن أوله غليان القلب، وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه، فلفظ الغضب في حق الله لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب، بل على غرضه الذي هو إرادة الإضرار. وكذلك الحياء له أول، وهو انكسار يحصل في النفس، وله غرض وهو ترك الفعل، فلفظ الحياء في حق الله يحمل على ترك الفعل لا على انكسار النفس. انتهى. وقال الحسين بن الفضل: العجب من الله إنكار الشيء وتعظيمه. وسئل الجنيد عن قوله: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ) فقال: إن الله لا يعجب من شيء. ولكن الله وافق رسوله، فقال: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ) ، أي هو كما تقول. ومن ذلك لفظة "عند " في قوله: (عِنْدَ رَبِّك) الأعراف: ٢٠٦. و (من عنده) المائدة: ٥٢، ومعناها الإشارة إلى التمكين والزّلْفَى والرفعة. ومن ذلك قوله: (وهو معكم أين ما كُنْتُمْ) الحديد: ٤) ، أي بعلمه. وقوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ) . قال البيهقي: الأصح أن معناه أنا المعبود في السماوات وفي الأرض، مثل قوله: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) . الزخرف: ٨٤.

стр. 116

وقال الأشعري: الظرف متعلق بيعلم، أي عالم بما في السماوات والأرض. ومن ذلك قوله تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) . أي نقصد جزاءكم. قال ابن اللبان: ليس من المتشابه قوله تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) لأنه فسره بعده بقوله: (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) . تنبيهاً على أن بطشه عبارة عن تصرفه في بدئه وإعادته، وجميع تصرفاته في مخلوقاته. ومن المتشابه أوائل السور. والمختار فيها أنها أيضاً من الأسرار التي انفرد الله بعلمها. وقد كثرت الأقوال فيها، ومرجعها كلها إلى قول واحد، وهو أنها حروف مقطعة، كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسمائه تعالى. والاكتفاء ببعض الكلمة معهود من العربية، قال الشاعر: قُلْت قِفِي فقالت قافْ أي وقفت. وقال: بالخير خيراتٍ وإن شرّا فا ... ولا أريدُ الشرَّ إلا أنْ تَا قالوا جميعاً كلهم ألا فا أراد ألا تركبوا ألا فاركبوا. وهذا القول اختاره الزجاج. وقال: العرب تنطق بالحرف الواحد تدل على الكلمة التي هو منها. وقيل: إنها الاسم الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها، وكذا نقله ابن عطية. وأخرج ابن جرير بسند صحيح عن ابن مسعود، قال: هو اسم الله الأعظم. قال السهيلي: لعل عدد الحروف التي في أوائل السور مع حذف المكرر للإشارة إلى مدة بقاء هذه الأمة. قال ابن حَجَر: وهذا باطل لا يُعتمد عليه، فقد ثبت عن ابن عباس الزجر

стр. 117

عن عد " أبي جاد " والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد، فإنه لا أصل له في الشريعة. وقد قال القاضي أبو بكر بن العربي في فوائد رحلته: ومن الباطل علم الحروف المقطعة في أوائل السور. وقد تحصّل لي فيها عشرون قولا، وأزيد، ولا أعرف واحدا يحكم عليها بعلم، ولا يصل فيها إلى فهم. والذي أقول إنه لولا أن العرب كانوا يعرفون أن لها مدلولاً متداولاً بينهم لكانوا أول من أنكر ذلك على النبي ﷺ . بل تلا عليهم حم فصلت وص وغيرهما فلم ينكروا ذلك، بل صرحوا بالتسليم له في البلاغة والفصاحة مع تشوفهم إلى عثرة، وحرصهم على زلة، فدل على أنه كان أمراً معروفاً عندهم لا إنكار فيه. وقيل: هي تنبيهات كما في النداء - عده ابن عطية مغايراً للقول بأنها فواتح. والظاهر أنه معناه. قال أبو عبيدة: الم افتتاح كلام. وقال الحوفي: القول بأنها تنبيهات جيد، لأن القرآن كلام عزيز وفوائده غزيرة، فيريد أن يرد على سمع متنبه، فكان من الجائز أن يكون الله قد علم في بعض الأوقات كونَ النبي ﷺ في عالم البشر مشغولاً، فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله الم، والر، وحم، ليسمع النبي ﷺ صوت جبريل، فيقبل عليه ويصغي إليه، وإنما لم يستعمل الكلمات المشهورة في التنبيه كألاَ وأمَا، لأنها من الألفاظ التي يتعارفها الناس في كلامهم، والقرآن كلام لا يشبه الكلام، فناسب أن يؤتي فيه بألفاظ تنبيه لم تعهد ليكون أبلغ في قَرْع سمعه. وقيل: إن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه، فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا منه ويكون تعجبهم منه سبباً لاستماعهم، واستماعهم له سبب لاستماع ما بعده، فترقّ القلوب وتلين الأفئدة. عدّ هذا جماعة ٌ قولاً مستقلاً. والظاهر خلافه، وإنما يصلح هذا مناسبة لبعض الأقوال لا قولا في معناه، إذ ليس فيه بيان معنى. وقيل: إن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من الحروف:

стр. 118

ألف، ب، ت، ث، فجاء بعضها مقطعاً مؤلفاً، ليدل القوم الذي نزل القرآن بلغتهم أنه بالحروف التي يعرفونها، فيكون ذلك تقريعاً لهم، ودلالة على عجزهم أن يأتوا بمثله، بعد أن علموا أنه منزل بالحروف التي يعرفوبها، ويبنون كلامهم عليها. وفي المحتسب لابن جنّي أن ابن عباس قرأ حم عسق، بلا عين ويقول: السين كل فرقة تكون، والقاف كل جماعة تكون. قال ابن جني: وفي هذه القراءة دليل على أن الفواتح فواصل بين السور، ولو كانت أسماء لله لم يجزْ تحريف شيء منها. وقال الكرْماني في غرائبه: في قوله: (الم: أحسِبَ الناس) ، الاستفهام هنا يدل على انقطاع الحروف عما بعدها في هذه السورة وفي غيرها. فإن قلت: هل للمحكم على المتشابه مزية أم لا، فإن قلتم بالثاني فهو خلاف الإجماع، أو بالأول فقد نقضتم أصلكم في أن جميع كلامه سبحانه سواء، وأنه منزل بالحكمة. وأجاب أبو عبد الله البكرَاباذِي بأن المحكم كالمتشابه من وجه، ويخالفه من وجه، فيتفقان في أن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بعد معرفة حكمة الواضع، وأنه لا يختار القبيح. ويختلفان في أن المحكم بوضع اللغة لا يحتمل إلا الوجه الواحد. فمن سمعه أمكنه أن يستدل به في الحال. والمتشابه محتاج إلى فكرة ونظر، ليحمله على الوجه المطابق، ولأن المحكم أصل، والعلم بالأصل أسبق، ولأن المحكم يعلم مفصلا، والمتشابه لا يعلم إلا مجملاً. فإن قلت: وقد أراد الحق البيانَ والهدى لعباده، وأمر بذلك رسوله في قوله: لئبَيِّنَ للناس ما نزَل إليهم. والجواب أن له فوائد: أحدها الحث للعلماء على النظر فيه الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائقه، فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب إن كان مما يمكن علمه.

стр. 119

وثانيها إظهار التفاضل وتفاوت الدرجات، إذ لو كان القرآن كله محكماً لا يحتاج إلى تأويل ونظر لاستوت منازل الخلق، ولم يظهر فضل العالم على غيره. وإن كان مما لا يمكن علمه فله فوائد: منها ابتلاء العباد بالوقوف عنده والتوّقف فيه، والتفويض والتسليم، والتعبّد بالاشتغال به من جهة التلاوة كالمنسوخ، وإن لم يجز العمل بما فيه. وإقامة الحجة عليهم، لأنه لو أنزل بلسانهم ولغتهم وعجزوا عن الوقوف على معناه مع بلاغتهم وإفهامهم دل على أنه نزل من عند الله، وأنه الذي أعجزهم عن الوقوف. وقال الإمام فخر الدين: من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات، وقال: إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى يوم القيامة، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به صاحب كل مذهب على مذهبه، فالْجَبْرِي يتمسك بآيات الجبر، كقوله: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) . والقدري يقول: هذا مذهب الكفار، بدليل أنه تعالى حكى ذلك عنهم في معرض الذم لهم في قوله: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ) . وفي موضع آخر: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) . ومنكر الرؤية يتمسك بقوله: (لا تدْرِكه الأبصار) . ومثبت الجهة يتمسك بقوله: (يخافون رَبهمْ مِنْ فَوْقهم) . (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) . والنافي يتمسك بقوله: (ليس كَمِثْلِهِ شَيءٌ) . ثم يسمي كل واحد الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، والآيات المخالفة له متشابهة، وإنما آل في ترجيح بعضها على البعض إلى ترجيحات خفية، ووجوه ضعيفة، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل الدين إلى يوم القيامة هكذا. قال: والجواب أن العلماء ذكروا لوقوع المتشابه فوائد لوجوه: منها أنه يوجب مزيد الشقة في الوصول إلى المراد منه، وزيادة المشقة توجب مزيدَ الثواب.

стр. 120

ومنها أنه لو كان القرآن كله محكماً لما كان مطابقاً إلا لمذهب واحد، وكان بصريحه مبطلاً لما سوى ذلك المذهب، وذلك مما ينَفِّر أرباب سائر المذاهب عن قبوله، وعن النظر فيه، والانتفاع به، فلما كان مشتملاً على المحكم والمتشابه طمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مذهبه وينصر مقالته، فينظر فيه جميع أرباب المذاهب، ويجتهد في التأمل فيه صاحب كل مذهب، وإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، وبهذا الطريق يتخلص المبطل من باطله، ويتوصل إلى الحق. ومنها أن القرآن إذا كان مشتملاً على المتشابه افتقر إلى العلم بطريق التأويلات، وترجيح بعضها على بعض، وافتقر في تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو والمعاني والبيان وأصول الفقه، ولو لم يكن الأمر كذلك لم يحتج إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة، فكان في إيراد المتشابه هذه الفوائد الكثيرة. ومنها أن القرآن مشتمل على دعوة الخواصّ والعوامّ، وطبائع العوامّ تنفر في أكثر الأمر عن درك الحقائق، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي، فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطَبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما توهموه وتخيلوه، ويكون ذلك مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح. فالقِسْم الأول هو الذي يخاطبون به في أول الأمر من التشابهات. والقسم الثاني هو الذي يكشف لهم في آخر الأمر من المحكمات. ******* الوجه العاشر من وجوه إعجازه (اختلاف ألفاظه في الحروف وكيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما) وقد ألَّف الناس في هذا الفن تواليف كابن الجزري والشاطبي وغيرهما ممن لا نطوِّل بذكرهم. وبالجملة فالقراءات السبع متواترة عند الجمهور. وقيل: بل مشهورة.

стр. 121

وقال الزركشي: والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة. أما تواترها عن النبي ﷺ ففيه نظر، فإن إسنادهم بهذه القراءات السبعة موجود في كتب القراءات، وهي نَقْل الواحد عن الواحد. قلت: في ذلك نظر لما سيأتي، واستثنى أبو شامة الألفاظ المختلف فيها عن القراء، واستثنى ابن الحاجب ما كان من قبيل الأداء، كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة. وقال غيره: الحق أن أصل المد والإمالة متواتر، ولكن التقدير غير متواتر للاختلاف في كيفيته، كذا قال الزركشي. قال: وأما أنواع تخفيف الهمزة فكلها متواترة. وقال ابن الجزري: لا نعلم أن أحداً تقدم ابنَ الحاجب إلى ذلك، وقد نص على تواتر ذلك كله أئمة الأصول، كالقاضي أبي بكر وغيره، وهو الصواب، لأنه إذا ثبت تواتر اللفظ ثبت تواتر هيئة أدائه، لأن اللفظ لا يقوم إلا به، ولا يصح إلا بوجوده. قال الكواشي: من المهم صرفة توجيه القراءات، وفائدته أن يكون دليلاً على حسب المدلول عليه أو مرجحاً، إلا أنه ينبغي التنبيه على شيء، وهو أنه قد ترجح إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحاً يكاد يسقطها، وهذا غير مرضِ لأن كلاًّ منهما متواتر. وقد حكى أبو عمر الزاهد في كتاب " اليواقيت " عن ثعلب أنه قال: إذا اختلف إعرابان في القرآن لم أفضل إعراباً على إعراب، فإذا خرجت إلى كلام الناس فضّلت الأقوى. وقال أبو جعفر النحاس: السلامة عند أهل الدين - إذا صحّت القراءتان - ألا يقال إحداهما أجود، لأنهما جميعاً عن النبي ﷺ ، فيَأثَم مَنْ قال ذلك، وإن كان رؤساء الصحابة ينكرون مثل هذا. وقال أبو شامة: أكثر المصنفون من الترجيح بين قراءة مالك ومَلِكِ حتى إن

стр. 122

بعضهم يبالغ إلى حد يسقط وجْهَ القراءة الأخرى، وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين. انتهى. وقال بعضهم: توجيه القراءات الشاذة أقوى في الصناعة من توجيه المشهورة. تنبيهات: الأول: قال النخعي: كانوا يكرهون أن يقولوا قراءة سالم، وقراءة عبد الله، وقراءة أبيّ، وقراءة زيد، بل يقال فلان كان يقرأ بوجه كذا، وفلان كان يقرأ بوجه كذا. قال النووي: والصحيح أن ذلك لا يكرَهُ. الثاني: قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما ظن ذلك بعض أهل الجهل. وقال أبو العباس بن عمار: لقد فعل مُسبّع هذه السبعة ما لا ينبغي له. وأشكل هذا الأمر على العامة بإيهامه كل من قَلّ نظره أن هذه القراءات المذكورة في الخبر، وليته إذا اقتصر نَقَص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة. ووقع له أيضاً في اقتصاره عن كل إمام على راوِيَيْن - أنه صار مَنْ سمع قراءة راو ثالث غيرهما أبطلها، وقد تكون هي أشهر وأوضح وأظهر، وربما بالغ مَنْ لا يفهم فخطّأ أو كفّر. وقال أبو بكر بن العريي: ليست هذه السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها، كقراءة أبي جعفر، وشيبة، والأعمش وغيرهم، فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم، وكذا قال غير واحد، منهم: مكيّ، وأبو العلاء الهمذاني، وآخرون من أئمة القراء. وقال أبو حيان: ليس في كتاب ابن مجاهد ومَنْ تبعه من القراءات المشهورة إلا النَّزْر اليسير، فهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راوياً، ثم ساق أسماءهم، واقتصر في كتاب ابن مجاهد على اليزيدي، واشتهر عن اليزيدي عشرة

стр. 123

أنفس، فكيف يقتصر على السّوسي والدّوري، وليس لهما مزية على غيرهما، لأن الجميع مشتركون في الضبط والإتقان، والاشتراك في الأخذ. قال: ولا أعرف لهذا سبباً إلا ما قضى من نَقْص العلم. وقال مكي: مَنْ ظن أن قراءة هؤلاء القراء، كعاصم، ونافع، وأبي عمرو - أحد الحروف السبعة التي في الحديث - فقد غلط غلطاً عظيما. قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة وغيرهم، ووافق خط المصحف ألا يكون قرآناً، وهذا غلط عظيم، فإن الذين صَّنفوا في القراءات من الأئمة المتقدمين، كأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي حاتم السجستاني، وأبي جعفر الطبري، وإسماعيل القاضي - قد ذكروا أضعاف هؤلاء، وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو، ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة، وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمروا على ذلك، فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف يعقوب. قال: والسبب في الاقتصار على السبعة - مع أن في أئمة القراء مَنْ هو أجَل منهم قدراً، ومثلهم أكثر من عددهم - أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيراً جداً، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا على ما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة به، والاتفاق على الأخذ عنه، فأفردوا من كل مصر إماماً واحداً، ولم يتركوا مع ذلك نقْلَ ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراء ولا القراءة به، كيعقوب، وأبي جعفر، وشَيْبَة، وغيرهم. قال: وقد صنّف ابن خبير المكي - قبل ابن مجاهد - كتاباً في القراءات. فاقتصر على خمسة اختار من كل مصر إماماً، وإنما اقتصر على ذلك لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار، ويقال: إنه وجّهَ لسبعة: هذه الخمسة، ومصحفاً إلى اليمن، ومصحفاً إلى البحرين،

стр. 124

لكن لما لم يسمع لهذين المصحفين خبر، وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف استبدلوا من مصحف البحرين واليمن قارئين كمل بهما العدد، فصادف ذلك موافقة العدد الذي ورد به الخبر، فوقع ذلك لمن لم يعرف أصل المسألة، ولم تكن له فطنة، فظن أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع. والأصل المعتمد عليه صحة المسند في السماع، واستقامة الوجه في العربية. وموافقة الرسم. وأصح القراءات سنداً نافع وعاصم، وأفصحها أبو عمرو والكسائي. وقال القَرّاب في الشافي: التمسك بقراءات سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنّة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين، فانتشر، وأوْهَمَ أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، وذلك لم يقلْ به أحد. وقال الكواشي: كل ما صح سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق خط المصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة، ومتى فقِدَ شَرط من الثلاثة فهو شاذ. وقد اشتد إنكار الأئمة في هذا الشأن على من ظن انحصار القراءات المشهورة في مثل ما في التيسير والشاطبية، وآخر مَنْ صرّح بذلك الشيخ تقي الدين السبكي، فقال في شرح المنهاج: قال الأصحاب: تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بالقراءات السبع، ولا تجوز بالشاذة، وظاهر هذا يوهم أن غير السبع المشهورة من الشواذ. وقد نقل البغوي الاتفاقَ على القراءة بقراءة يعقوب وأبي جعفر مع السبع المشهورة، وهذا القول هو الصواب. قال: واعلمْ أن الخارج عن السبع المشهورة على قسمين: منه ما يخالف رسم المصحف فلا شك في أنه لا تجوز قراءته لا في الصلاة ولا في غيرها. ومنه ما لا يخالف رسمَ المصحف ولم تشتهر القراءة به، وإنما ورد من طريق غريب لا يعَوَّل عليها، وهذا يظهر المنع من القراءة به أيضاً.

стр. 125

ومنه ما اشتهر عند أئمة هذا الشأن القراءة به قديماً وحديثاً فهذا لا وَجْهَ للمنع منه، ومن ذلك قراءة يعقوب وغيره. وقال البغوي: أول من يعتمد عليه في ذلك، فإنه جامع للعلوم، قال: وهكذا التفصيل في شواذ السبعة، فإن عنهم شيئاً كثيراً شاذاً. انتهى. وقال ولده في منع الموانع: إنما قلنا في جمع الجوامع والسبع متواترة، ثم قلنا في الشاذ: والصحيح أنه ما وراء العشرة، ولم نقل والعشر متواترة، لأن السبع لم يختلف في تواترها، فذكرنا أولاً موضع الإجماع، ثم عطفنا عليه موضع الخلاف، فدل على أن القول بأن القراءات الثلاث غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعْتبر قوله في الدين. قال: وهي لا تخالف رسم المصحف. قال: وسمعت أبي يشدّد النكير على بعض القضاة، وقد بلغه أنه منعه من القراءة بها، واستأذنه بعض أصحابنا مرة في إقراء السبع، فقال: أذِنْت لكَ أن تقرأ لي العشر. انتهى. وقال في جواب سؤال سأله ابن الجزري: القراءات السبع التي اقتصر عليها الشاطبي والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف متواترةٌ معلومة من الدين ضرورة، وكل حرفٍ انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة أنه قد قرئ على رسول الله ﷺ لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل. الثالث: باختلاف القراءات يظهر الاختلاف في الأحكام، ولهذا بنَى الفقهاء نَقْض وضوء الملموس وعدمه على اختلاف القراءة في: (لمستم) ، و (لامَسْتم) النساء: ٤٣) ، وجواز وطء الحائض عند الانقطاع قبل الغسل وعدمه على الاختلاف في (يَطْهُرْن) البقرة: ٢٢٢. وقد حكوا خلافاً غريباً في الآية إذا قرئت بقراءتين، فحكى أبو الليث السَّمَرْقَنْدي في كتاب " البستان " قولين: أحدهما - أن الله تعالى قال بهما جميعاً. الثاني: أن الله تعالى قال بقراءة واحدة، إلا أنه أذن أن تقرأ بقراءتين، ثم اختار

стр. 126

توسطاً، وهو أنه إن كان تفسير يغاير الآخر فقد قال بهما جميعاً وتصير القراءاتان بمنزلة آيتين، مثل: حتى يطهرن. وإن كان تفسيرهما واحداً كالبُيوت والبِيوت فإنما قال بأحدهما، وأجاز القراءة لكل قبيلة بهما على ما تعوَّد لسانهم. قال: فإن قلتم إنه قال بإحداهما فأي القراءتين، قلنا: بلغة قريش. انتهى. وقال بعض المتأخرين: لاختلاف القراءة وتنوعها فوائد: منها التهوين والتسهيل والتخفيف على الأمة. ومنها إظهار فضلها وشرفها على سائر الأمم، إذ لم ينزل كتاب غيرهم إلا على وجه واحد. ومنها إظهار أجْرها من حيث أنهم يفرغون جهدهم في تحقيق ذلك، وضبطه لفظة لفظة حتى مقادير المدَّات وتفاوت الإمالات، ثم في تتبّع معاني ذلك واستنباط الحكم أو الأحكام من دلالة كل لفظ، وإمعانهم الكشف عن التوجيه والتعليل والترجيح. ومنها إظهار سر الله في كتابه وصيانته له عن التبديل والاختلاف، مع كونه على هذه الأوجه الكثيرة. ومنها المبالغة في إعجازه بإيجازه، إذ تنوع القراءات بمنزلة الآيات، ولو جعلت دلالة كل لفظة آيةً على حدة لم يخْفَ ما كان من التطويل، ولهذا كان قوله: " وأرجلكم " منَزَّلاً لغسل الرجل والمسح على الخفّ، واللفظ واحد، لكن باختلاف إعرابه. ومنها أن بعض القراءات تبيّن ما لعله جمل في القراءة الأخرى، فقراءة يطهَّرن - بالتشديد - فبينة لمعنى قراءة التخفيف. وقراءة: (فامْضوا إلى ذِكْرِ اللهِ) الجمعة: ٩، - تبيِّن أن المراد بقراءة " فاسعوا " الذهاب لا المشي السريع. وقال أبو عبيد في " فضائل القرآن ": القصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها،

стр. 127

كقراءة عائشة وحَفْصة: (والصلاةِ الوسْطى صلاة العَصْر) . البقرة: ٢٣٨. وقراءة ابن مسعود: (فاقطعوا أيْمانَهُمَا) . المائدة: ٣٨. وقراءة جابر: (فإنَّ الله مِنْ بعد إكراههن لهنَّ غفور رحيم) النور: ٢٣. قال: فهذه الحروفُ وما شاكلها قد صارت مفسِّرة للقرآن، وقد كان يروى مثلُ هذا من التابعين في التفسير فيستحسن، فكيف إذا روي عن كبار الصحابة، ثم صار في نفس القراءة! فهو الآن أكثر من التفسير، وأقوى، فأدنى ما يستتبط من هذه الحروف معرفةُ صحة التأويل. وقد اعتنيت في كتابي " أسرار التنزيل " ببيان كل قراءة أفادت معنى زائداً على القراءة المشهورة. الرابع: اختلف في العمل بالقراءة الشاذة، فنقل إمام الحرمين في البرهان عن ظاهر مذهب الشافعي أنه لا يجوز، وتبعه أبو نصر القشيرى، وجزم به ابن الحاجب، لأنه نقله على أنه قرآن ولم يثبت. وذكر القاضيان: أبو الطيب والحسين، والرّويَاني، والرافعي - العمل بها تنزيلأ لها منزلةَ خبر الآحاد. وصححه ابن السبكي في جمع الجوامع وشرح المختصر. وقد احتج الأصحاب على قطع يمين السارق بقراءة ابن مسعود، وعليه أبو حنيفة أيضاً، واحتج على وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين بقراءته: " متتابعات "، ولم يحتجّ بها أصحابنا لثبوت نسخها كما تقدم. ******* الوجه الحادي عشر من وجوه إعجازة (تقديم بعض ألفاظه وتأخيرها في مواضع) إما لكون السياق في كل موضع يقتضي ما وقع، كما تقدمت الإشارة إليه. وإما لقصد البداءة والختم به للاعتناء بشأنه. كما في قوله: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ) . وإما لقصد التفنن في الفصاحة وإخراج الكلام على عدة أساليب، كما في قوله: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ) . البقرة: ٥٨.

стр. 128

وقوله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) . الأعراف: ١٦١. وقوله: (إنَّا أنزلنا التوراةَ فيها هُدًى ونُور) . المائدة: ٤٤. وقال في الأنعام: (قل مَنْ أنزل الكتابَ الذي جاءَ بهِ موسى نُوراً وهُدًى للناس) الأنعام: ٩١. وهو قسمان: الأول: ما أشكل معناه بحسب الظاهر، فلما عرف أنه من باب التأخير والتقديم اتّضح، وهو جدير أن يُفرد بالتصنيف. وقد تعرّض السلف لذلك في آيات، فأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) - قال: هذا من تقاديم الكلام، يقول: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وأخرج عنه أيضاً في قوله: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) . - قال: هذا من تقاديم الكلام، يقول: لولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما. وأخرج عن قتادة في قوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) . قال: هذا من المقدم والمؤخر، أي رافعك إليّ ومتوفّيك. وأخرج عن عكرمة في قوله: (لهم عذابٌ شديد بما نَسوا يَوْمَ الحساب) . قال: هذا من التقديم والتأخير، يقول: لهم يوم القيامة عذاب شديد بما نسوا. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) . قال: هذه الآية مقدمة ومؤخرة، إنما هي أذاعوا به إلا قليلاً منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير. وأخرج عن ابن عباس في قوله: (فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً)

стр. 129

قال: إنهم إذا رأوا الله نفسه رأوه، إنما قالوا جهرة أرنا الله. قال: هو مقدم ومؤخر. قال ابن جرير: يعني أن سؤالهم كان جهرة. ومن ذلك: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا) . قال البغوي: هذا أول القصة وإن كان مؤخراً في التلاوة. وقال الواحدي: كان الاختلاف في القاتل قبل ذَبْح البقرة، وإنما أخّر في الكلام لأنه لما قال تعالى: (إن الله يأمركم) ... الآية عَلِم المخاطبون أن البقرة لا تُذبح إلا للدلالة على قاتل خَفِيَتْ عَيْنُه عنهم، فلما استقر علم هذا في نفوسهم أتبع بقوله: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا) فسألتم موسى فقال: إن اللهَ يأمركم أن تَذْبَحُوا بقرةً. ومنه: (أفرأيْتَ من اتَخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ) الجاثية: ٢٣. والأصل هواه إلهَه، لأن من اتخذ إلهَهُ هواه غير مذموم، فقدم المفعول الثاني للعناية به. وقوله: (أخرج المرْعَى فجعله غُثَاءً أحْوَى) ، على تفسير الأحوى بالأخضر، وجعله نعتاً للمرعى، أي أخرجه أحوى فجعله غُثاء. وأخَره رعاية للفاصلة. وقوله: (وَغَرَابِيبُ سُودٌ) . والأصل سود غرابيب، لأن الغربيب الشديد السّوَاد. وقوله: (فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاها) . أي بشرناها فضحكت. وقوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) . قيل: المعنى على التقديم والتأخير، أي لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها. وعلى هذا فالهمّ منفيّ عنه. الثاني: ما ليس كذلك. وقد ألف فيه العلامة شمس الدين بن الصائغ كتابه " المقدمة في سر الألفاظ المقدمة "، قال فيه: الحكمة الشائعة الذائعة في ذلك الاهتمام، كما قال سيبويه في كتابه، كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم، وهُمْ ببيانه أعنى.

стр. 130

قال: هذه الحكمة إجمالية. وأما أسباب التقديم وأسراره فقد ظهر لي منها في الكتاب العزيز عشرة أنواع: الأول: التبرك، كتقديم اسم الله في الأمور ذوات الشأن. ومنه قوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) . وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) . الثاني: التعظيم، كقوله: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ) . (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) . (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) . الثالث: التشريف، كتقديم الذَّكَرِ على الأنثى في نحو: (إنَّ المسلمين والمسلمات) . والحر في قوله: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) . والحي في قوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) . (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ) . والخيل في قوله: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا) . والسمع في قوله: (وعلى سمعهم وعلى أبصارهم) . (إنَّ السَمْعَ والبَصَر والفُؤاد) . وقوله: (إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ) . حكى ابن عطية - عن النقَّاش أنه استدل بها على تفضيل السمع على البصر، ولذا وقع في سمعه تعالى: (سميع بصير) ، بتقديم السمع. ومن ذلك تقديمه ﷺ على نوح ومن معه في قوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ) . وتقديم الرسول في قوله: (مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ) الحج: ٥٢. وتقديم المهاجرين في قوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) . وتقديم الإنس على الجن حيث ذُكرا في القرآن. وتقديم النبيين على الصديقين، والشهداء على الصالحين في آية النساء.

стр. 131

وتقديم إسماعيل على إسحاق، لأنه أشرف بكون النبي ﷺ من ولده وأسنّ. وتقديم موسى على هارون لاصطفائه بالكلام، وقدم هارون عليه في سورة طه رعاية للفاصلة، وتقديم جبريل على ميكائيل في آية البقرة، لأنه أفضل. وتقديم العاقل على غيره في قوله: (يُسَبِّح له مَنْ في السّماواتِ والأرضِ والطيْرُ صَافّاتٍ) . وقوله: (متاعاً لكم ولأنعامكم) . وأما تقديم الأنعام في قوله: (تأكلُ منه أنعامُهم وأنفسُهم) ، فلأنه تقدم ذكر الزرع، فناسب تقديم الأنعام، بخلاف آية عبس فإنه تقدم فيها: فلينظر الإنسان إلى طعامه، فناسب تقديم لكم. وتقديم المؤمنين على الكفار في كل موضع. وأصحاب اليمين على أصحاب الشمال. والسماء على الأرض، والشمس على القمر حيث وقع إلا في قوله: (خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) . فقيل: لمراعاة الفاصلة، وقيل: لأن انتفاع أهل السماوات العائد عليهن الضمير به أكثر. وقال ابن الأنباري: يقال إن القمر وجهه يضيء لأهل السماوات وظهره لأهل الأرض، ولهذا قال تعالى: فيهن، لما كان أكثر نوره يضيء إلى أهل السماء. ومنه تقديم الغيب على الشهادة في قوله: (عالِم الغَيْبِ والشهَادةِ) ، لأن علمه أشرف. وأما قوله: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) . فأخر فيه رعاية للفاصلة. الرابع: المناسبة، وهي إما مناسبة المتقدم لسياق الكلام، كقوله: (ولكُم فيهَا جَمَال حِينَ تُرِيحُونَ وحين تسرحون) ، فإن الجَمَال بالجِمال وإن كان ثابتاً حالتي السراح والإراحة إلا أنها حالة إراحتها، وهو مجيئها من المرعى آخر النهار، يكون الجمال بها أفخر، إذ هي فيه بطان، وحالة سراحها للرعي أول النهار يكون الجمال بها دون الأول، إذ هي فيه خماص.

стр. 132

ونظيره قوله: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا) . قدم نفي السرف، لأن السرف في الإنفاق. وقوله: (يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) ، لأن الصواعق تقع مع أول برقة، ولا يحصل المطر إلا بعد توالي البرقات. وقوله: (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) . قدمها على الابن لما كان السياق في ذكرها في قوله: (والتي أحصنَتْ فَرْجَها) . ولذلك قدم الابن في قوله: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) . وحسّنه تقديم موسى في الآية قبله. ومنه قوله: (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) . قدم الحكم - وإن كان العلم سابقاً عليه، لأن السياق فيه، لقوله في أول الآية: (إذ يَحْكُمَانِ في الحَرْثِ) . وأما مناسبة لفظ هو من التقدم أو التأخر، كقوله: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) . (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) . (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) . (بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) . ا (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) . (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) . (له الحَمْدُ في الأولى والآخرة) . وأما قوله: (فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) - فلمراعاة الفاصلة. وكذا قوله: (جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ) . الخامس: الحث عليه والحضّ على القيام به حذراً من التهاون به، كتقديم الوصية على الدَّين في قوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) . مع أن الدين مقدم عليها شرعاً. السادس: السبق، وهو إما في الزمان باعتبار الإيجاد، كتقديم الليل على النهار، والظلمات على النور، وآدم على نوح، ونوح على إبراهيم،

стр. 133

وإبراهيم كل موسى، وهو على عيسى، وداود على سليمان، والملائكة على البشر في قوله: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) . وعاد على ثمود. والأزواج على الذرية في قوله: (قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ) . والسنة على النوم في قوله: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) . أو باعتبار الإنزال، كقوله: (صُحُفِ إبراهيم وموسى) . (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) . أو باعتبار الوجوب والتكليف، نحو: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) . (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) . (إنّ الصّفَا والمرْوَةَ مِن شعائر الله) . ولهذا قال ﷺ : نبدأ بما بدأ الله به. أو بالذات، نحو: (مَثْنَى وثُلاث ورْباع) . (مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ) . وكذا جميع الأعداد، كلّ مرتبة هي متقدمة على ما فوقها بالذات. وأما قوله: (أنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وفُرَادى) - فللحثّ على الجماعة والاجتماع على الخير. السابع: السببية، كتقديم العزيز على الحكيم، لأنه عزَّ فحكم. والعليم عليه، لأن الإحكام والإتقان ناشيء عن العلم. وأما تقديم الحكيم عليه في سورة الأنعام، فلأنه مقام تشريع الأحكام. ومنه تقديم العبادة على الاستعانة في سورة الفاتحة، لأنها سبب حصول الإعانة. وكذا قوله: (يحب التوَّابين ويُحِبُّ المتَطَهِّرِين) ، لأن التوبة سبب للطهارة. (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) ، لأن الإفْكَ سبب الإثم. (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) ، - لأن البصر داعية إلى الفرج.

стр. 134

الثامن - الكثرة، كقوله: (فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) ، لأن الكفار أكثر. (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) . - قدم الظالم لكثرته ثم المقتصد، ثم السابق. قيل: ولهذا قدم السارق على السارقة، لأن السرقة في الذكور أكثر. والزانية على الزاني. لأن الزفنى فيهن أكثر. ومنه تقديم الرحمة على العذاب حيث وقع في القرآن غالبا، ولهذا ورد: إن رحمتي غلبت غضي. وقوله: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ) . قال ابن الحاجب في أماليه: إنما قدم الأزواج، لأن المقصود الإخبار أن فيهم أعداء، ووقوع ذلك في الأزواج أكثر منه في الأولاد، وكان أقعد في المعنى المراد فقدّم، ولذلك قدمت الأموال في قوله: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) . لأن الأموال لا تكاد تفارقها الفتنة. (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) . وليست الأولاد في استلزام الفتنة مثلها، فكان تقديمها أولى. التاسع - الترقّي من الأدنى إلى الأعلى، كقوله: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ) . بدأ بالأدنى لغرض الترقي، لأن اليد أشرفُ من الرجل، والعين أشرف من اليد، والسمع أشرف من البصر. ومن هذا النوع تأخير الأبلغ، وقد خُرِّج عليه تقديم الرحمن على الرحيم. والرؤوف على الرحيم، والرسول على النبي في قوله: (وكان رسولاً نبيّاً) . وذكر لذلك نكت أشهرها مراعاة الفاصلة. العاشر - التدلّي من الأعلى إلى الأدنى. وخُزج عليه: (لا يُغَادِرُ صغيرةً ولا كبيرةً) . الكهف: ٤٩. (لا تَأخذُه سِنَةٌ ولا نومٌ) . (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ) . هذا ما ذكره ابن الصائغ، وزاد غيره أسبابا أخر، منها كونه أدل على القدرة

стр. 135

وأعجب، كقوله: (فمنهم مَنْ يَمْشي على بَطْنِه) . وقوله: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ) . قال الزمخشوي: قدم الجبال على الطير، لأن تسخيرها له وتسبيحها له أعجب، وأدل على القدرة، وأدخل في الإعجاز، لأنها جماد، والطير حيوان ناطق. ومنها رعاية الفواصل كما تقدمت الأمثلة لذلك. ******* الوجه الثاني عشر من وجوه إعجازه (إفادة حصره واختصاصه) وهو تخصيص أمر بآخر بطريق مخصوص. ويقال أيضاً إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه. وينقسم إلى قصر الموصوف على الصفة، وقصر الصفة على الموصوف، وكلّ منهما إما حقيقي وإما مجازي، مثال قصر الموصوف على الصفة حقيقياً نحو ما زَيْد إلا كاتب، أي لا صفة له غيرها، وهو عزيز لا يكاد يوجد، لتعذر الإحاطة بصفات الشيء حتى يمكن إثبات شيء منها ونفي ما عداها بالكلية، وعلى عدم تعذرها يبعد أن يكون للذات صفة واحدة ليس لها غيرها، ولذا لم يقع في التنزيل. ومثاله مجازيّاً: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ) ، أي مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى التبري من الموت الذي استعظموه، إنه شأن الإله. ومثال قصر الصفة على الموصوف حقيقياً: لا إله إلا الله. ومثاله مجازياً: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً) . كما قال الشافعي فما تقدم نقله من أسباب النزول: إن الكفار لما كانوا يحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهِلّ لغير الله به، وكانوا يحرمون كثيرا من المباحات، وكانت سجيَّتهم تخالف وضع

стр. 136

الشرع، ونزلت الآية مستوفية بذكر شبههم في البَحيرة والسائبة والوَصيلة والحامي، وكان الغرض الرد عليهم والمضادة لا الحصر الحقيقي. وقد تقدم بأبسط مِنْ هذا. وينقسم الحصر باعتبار آخر إلى ثلاثة أقسام: قصر إفراد، وقصر قلب. وقصر تعيين: فالأول: يخاطَب به من يعتقد الشركة، نحو، (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) . وخوطب به من يعتْقد اشتراك الله والأصنام في الألوهية. والثاني: يخاطب به من يعتقد إثبات الحكم لغير من أثبته المتكلم له، نحو: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) البقرة: ٢٥٨. خوطب به نُمْرود الذي اعتقد أنه المحي المميت دونَ الله. (ألا إنهم هم السفهاء) . البقرة: ١٣. خوطب به من اعتقد من المنافقين أن المؤمنين سفهاء دونهم. (وأرسلْنَاكَ للناسِ رَسولاً) . خوطب به من يعتقد من اليهود اختصاص بعثته بالعرب. والثالث: يخاطب به من تساوى عنده الأمران، فلم يحكم بإثبات الصفة لواحد بعينه ولا لواحد بإحدى الصفتين بعينها. وطرق الحصر كثيرة، أحدها النفي والاستثناء سواء كان النفي بلا أو ما أو غيرهما. والاستثناء بإلا أو غير، نحو: لا إله إلا الله. وما من إله إلا الله. (ما قلت لهم إلا ما أمَرْتنِي به) . ووجه إفادة الحصر أن الاستثناء المفرّغ لا بد أن يتوجه النفي فيه إلى مقدّر وهو مستثنى منه، لأن الاستثناء إخراج فيحتاج إلى مُخْرج منه. والمراد التقدير المعنوي لا الصناعي. ولا بد أن يكون عاماً، لأن الإخراج لا يكون إلا من عام. ولا بد أن يكون مناسباً للمستثنى منه في جنسه مثل ما قام إلا زيد، أي لا أحد. وما أكلت إلا تمراً، أي مأكولاً، ولا بد أنْ يوافقه في صفته، أي إعرابه، وحينئذ يجب القصر إذا أوجب منه شيء بإلا ضرورة بإبقاء ما عداه على صفة الانتفاء.

стр. 137

وأصل استعمال هذا الطريق أن يكون المخاطب جاهلاً بالحكم. وقد يخرج عن ذلك فينزل المعلوم منزلة الجهول لاعتبار مناسب، نحو: (وما محمدٌ إلا رسول) ، فإنه خطاب للصحابة، وهم لم يكونوا يجهلون رسالةَ النبي ﷺ ، لأنه نَزّل استعظامهم له عن الموت منزلةَ من يجهل رسالته، لأن كل رسول فلا بد من موته، فمن استبعد موته فكأنه استبعد رسالته. الثاني: (إنما) الجمهور على أنها للحصر، فقيل بالمنطوق وقيل بالمفهوم. وأنكر قوم إفادتها، منهم أبو حيان، واستدل مثبتوه بأمور: منها: قوله تعالى: (إنما حَرَّمَ عليكم الميتةَ) ، بالنصب، فإن معناه: ما حرم عليكم إلا الميتة، لأنه المطابق في المعنى لقراءة الرفع فإنها للقصر، فكذا قراءة النصب. والأصل استواء معنى القراءتين. ومنها أن إن للإثبات وما للنفي، فلا بد أن يحصل القصر للجمع بين النفي والإثبات، لكن تعقّب بأن " ما " زائدة كافة لا نافية. ومنها أن (إن) للتأكيد و (ما) كذلك، فاجتمع تأكيدان، فأفاد الحصر، قاله السكاكي. وتعقب بأنه لو كان اجتماع تأكيدين يفيد الحصر لأفاده نحو إن زيد القائم. وأجيب بأن مراده لا يجتمع حرفا تأكيد متواليان إلا للحصر. ومنها قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ) . (قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ) . (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) . فإنه إنما تحصل مطابقة الجواب إذا كانت (إنما) للحصر ليكون معناها لا آتيكم به، إنما يأتيكم به الله إنْ شاء. ولا أعلمها إنما يعلمها الله. وكذا قوله: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) . (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) ... إلى قوله: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ) . (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ)

стр. 138

(وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ) . لا يستقيم المعنى في هذه الآيات ونحوها إلا بالحصر. وأحسن ما يستعمل (إنما) في مواقع التعريض، نحو: (إنما يَتَذكر أولو الألباب) . الثالث،: (أنما) بالفتح: عدها من طرق الحصر الزمخشري والبيضاوي. فقالا في قوله: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) . - أنما لقَصر الحكم على شيء، أو لقصر الشيء على حكم، نحو: إنما زيد قائم. وإنما يقوم زَيْد، وقد اجتمع الأمران في هذه الآية، لأن إنما يوحى إليّ مع فاعله بمنزلة إنما يقوم زيد وإنما إلهكم بمنزلة إنما زيد قائم. وفائدة اجتماعهما الدلالة على أن الوحي إلى الرسول ﷺ مقصور على استئثار اللَه بالوحدانية. وصرح التَّنوحي في الأقصى القريب بكونها للحصر، فقال: كل ما أوجب إنما - بالكسر للحصر أوجب أنما - بالفتح للحصر، لأنها فرع عنها، وما ثبت للأصل ثبت للفرع ما لم يثبت مانع منه، والأصل عدمه. ورد أبو حيان على الزمخشري ما زعمه بأنه يلزمه انحصار الوحي في الوحدانية، وأجيب بأنه حصر مجازي باعتبار المقام. الرابع: العطف بلا أو بل، ذكره أهل البيان، ولم يحكوا فيه خلافا، ونازع فيه الشيخ بهاء الدين في عروس الأفراح، فقال: أي قصر في العطف بلا، إنما فيه نفي وإثبات، فقولك: زيد شاعر لا كاتب لا تعرُّض فيه لنفي صفة ثالثة، والقصر انما يكون بنفي جميع الصفات غير المثبتة حقيقة أو مجازا، وليس هو خاصا بنفي الصفة التي يعتقدها المخاطب. وأما العطف ببل فأبعد منه، لأنه لا يستمر فيها النفي والإثبات.

стр. 139

الخامس: تقديم المعمول نحو: (إيّاكَ نَعْبد) . (لَإلَى اللهِ تحْشَرون) . وخالف فيه قوم، وسيأتي بسط الكلام فيه قريباً. السادس: ضمير الفصل، نحو: (فالله هوَ الوَليّ) ، لا رب غيره. (وأولئك هم الْمُفْلِحُون) . (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) . (إن شانِئَك هو الأبْتَر) . وممن ذكر أنه للحصر البيانيون في بحث المسند إليه، واستدل له السّهَيْلي بأنه أتي به في كل موضع ادّعي فيه نسبة ذلك المعنى إلى غير الله، ولم يُؤْتَ به حيث لم يدّع، وذلك في قوله: (وأنه هو أضْحَكَ وأبكى) . إلى آخر الآيات، فلم يؤت به في: (وأنه خلق الزّوْجَين) ، (وأنّ عليه النشأةَ الأخرى) . (وأنه أهلك عادًا الأولى) ، لأن ذلك لم يدّع لغير الله، وأتي به في الباقي لادِّعائه لغيره. قال في عروس الأفراح: وقد استنبطت دلالته على الحصر في قوله: (فلما توفَيْتَنِي كنْتَ أنتَ الرقيبَ عليهم) ، لأنه لو لم تكن للحصر لما حَسنَ، لأن الله لم يزل رقيباً عليهم، وإنما حصر بتوفيته أنه لم يبق لهم رقيب غير الله. ومن قوله: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) . فإنه ذكر لتبيين عدم الاستواء، وذلك لا يحسن إلا بأن يكون الضمير للاختصاص. السابع: تقديم المسنَد إليه على ما قال الشيخ عبد القاهر: قد يُقدم المسنَد إليه ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلي. والحاصل - على رأيه - أن لها أحوالاً. أحدها: أن يكون المسند إليه معرفة والمسند مثبتاً، فيأتي التخصيص، نحو: أنا قُمْتُ، وأنا سعَيْتُ في حاجتك، فإن قصِد به قصر الإفراد أكد بنحو: وحدي، أو قصر القلب أكد بنحو: لا غيري. ومنه في القرآن: (بل أنْتُمْ بِهَدِيّتِكم تفْرَحُون) . فإن ما قبله من قوله: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ)

стр. 140

ولفظ (بل) مشْعر بالإضراب - يقتضي بأن المراد بل أَنتم لا غيركم، فإن المقصود نفي فرحه هو بالهدية لا إثبات الفرح لهم بهديتهم. قاله في عروس الأفراح. قال: وكذا قوله: (لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) ، أي لا يعلمهم إلا نحن. وقد يأتي للتقوية والتأكيد دون التخصيص، قال الشيخ بهاء الدين: ولا يتميز ذلك إلا بما يقتضيه الحال وسياق الكلام. ثانيها: أن يكون المسند منفياً، نحو: أنت لا تكذب، فإنه أبلغ في نفي الكذب من " لا تكذب " ومن لا تكذب أنت ". وقد يفيد التخصيص، ومنه: (فَهُمْ لَا يَتَسَاءلُونَ) . ثالثها: أن يكون المسند إليه نكرة مثبتاً، نحو: رجل جاءني، فيفيد التخصيص إما بالجنس، أى لا امرأة، أو الوحدة، أي لا رجلان. رابعها: أن يليَ المسند إليه حرف النفي فيفيده، نحو: ما أنا قلت هذا، أي لم أقله مع أن غيري قاله. ومنه: (وما أنْتَ علينا بعَزِيز) . أي العزيز علينا رهْطُك لا أنت، ولذا قال: (أرَهْطِي أعزُّ عليكم من الله) . هذا حاصل رأي الشيخ عبد القاهر، ووافقه السكاكي، وزاد شروطاً وتفاصيل بسطناها في شرح ألفية المعاني. الثامن: تقديم المسند، ذكر ابن الأثير وابن النفيس وغيرهما أن تقديم الخبر على المبتدأ يفيد الاختصاص. ورد صاحب الفلك الدائر بأنه لم يقل به أحد، وهو ممنوع، فقد صرح السكاكي وغيره بأن تقديم ما رُتْبته التأخير يفيده، ومثّلُوه بنحو: تميمي أنا. التاسع: ذكر المسند إليه، ذكر السكاكي أنه قد يُذكر ليفيد التخصيص. وتعقّبه صاحب الإيضاح، وصرح الزمخشري بأنه أفاد الاختصاص في قوله:

стр. 141

(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ) . وفي قوله: (اللهُ نَزّلَ أحْسَنَ الحديث) . وفي قوله: (واللهُ يَقُولُ الحقَّ وهو يهْدِي السبيلَ) . ويحتمل أنه أراد أن تقديمه أفاده، فيكون من أمثلة الطريق السابع. العاشر: تعريف الجزأين، ذكر الإمام فخر الدين في " نهاية الإيجاز " أنه يفيد الحصر حقيقة أو مبالغة، نحو: المنطلق زيد، ومنه في القرآن فما ذكر الزملَكاني في أسرار التنزيل: الحمد لله، قال: إنه يفيد الحصر، كما في إياك نعبد، أي الحمد لله لا لغيره. الحادي عشر: نحو: جاء زيد نفسه، نقل بعض شراح التلخيص عن بعضهم أنه يفيد الحصر. الثاني عشر: نحو: إن زيد القائم، نقله المذكور أيضاً. الثالث عشر: نحو: قائم - في جواب زيد إما قائم أو قاعد، ذكره الطيبي في شرح التبيان. الرابع عشر: قلب بعض حروف الكلمة، فإنه يفيد الحصر على ما نقله في الكشاف في قوله: (والَّذين اجتَنَبُوا الطاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها) . قال: القلب للاختصاص بالنسبة إلى الطاغوت، لأن وزنَه على فعلوت، من الطغيان، كملكوت ورحموت، قُلِب بتقديم اللام على العين، فوزنه فَلَعُوت، ففيه مبالغات: التسمية بالمصدر، والبناء بناء مبالغة، والقلب، وهو للاختصاص، إذ لا يطلق على غير الشيطان. تنبيه: كاد أهلُ البيان يطْبِقون على أن تقديم المعمول يفيد الحصر، سواء كان مفعولاً أو ظرفاً أو مجروراً، ولهذا قيل في: (إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاك نستعين) معناه نخصك بالعبادة والاستعانة. وفي: (لَإلَى اللهِ تُحْشَرون) . معناه إليه لا لغيره.

стр. 142

وفي: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) . أخرت الصلة في الشهادة الأولى، وقدمت في الثانية، لأن الغرض في الأولى إثبات شهادتهم، وفي الثانية إثبات اختصاصهم بشهادة النبي ﷺ عليهم. وخالف في ذلك ابنُ الحاجب، فقال في شرح المفصّل: الاختصاص الذي يتوهّمه كثير من الناس من تقديم المعمول وَهْم، واستدل على ذلك بقوله: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) . (بل الله فاعْبد) . الزمر: ٦٦. ورد هذا الاستدلال بأن (مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) أغنى عن إعادة الحصر، كما قال الله تعالى: (واعْبدوا رَبَّكم) . وقال: (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) بل قوله: (بل اللهَ فاعْبُدْ) - أقوى من أدلة الاختصاص. فإن قبلها: (لئن أشركتَ ليَحْبَطَن عَملك) ، فلو لم يكن للاختصاص وكان معناها أعبد الله لما حصل الإضراب الذي هو معنى بل. واعترض أبو حيان على مدعي الاختصاص بنحو: (أفَغيرَ اللهِ تأمرونّي أعْبُد) . وأجيب بأنه لما كان مَنْ أشرك بالله غيره كأنه لم يعبد الله كان أمْرُهم بالشرك كأنه أمر بتخصيص غير الله بالعبادة. ورد صاحب الفلك الدائر الاختصاص بقوله: (كُلاًّ هَدْينَا ونُوحاً هدَينَا مِنْ قَبْلُ) . وهو من أقوى ما ردّ به. وأجيب بأنه لا يدعى فيه اللزوم، بل الغلبة، وقد يخرج الشيء عن الغالب. قال الشيخ بهاء الدين: وقد اجتمع الاختصاص وعدمه في آية واحدة، وهي (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ) ، فإن التقديم في الأولى قطعا ليس للاختصاص. وفي إياه قطعاً للاختصاص. وقال والده الشيخ تقي الدين في كتاب الاقتصاص بين الحصر والاختصاص: اشتهر كلام الناس في أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص، ومن الناس من ينكر

стр. 143

ذلك ويقول: إنما يفيد الاهتمام. وقد قال سيبويه في كتابه: وهم يقدّمون ما هم به أعْنى. والبيانيون على إفادة الاختصاص. ويَفْهم كثير من الناس من الاختصاص الحصر، وليس كذلك، وإنما الاختصاص شيء آخر، والفضلاء لم يذكروا في ذلك لفظةَ الحصر، وإنما عبّروا بالاختصاص. والفرق بينهما أن الحصر نفي غير المذكور وإثبات المذكور. والاختصاص قصد الخاص من جهة خصوصه، وبيانُ ذلك أن الاختصاص افتعال من الخصوص: والخصوص مركب من شيئين: أحدها عام مشترك بين شئين أو أشياء. والثاني معنى مُنْضَمٌّ إليه يفصله عن غيره، كضرب زيد، فإنه أخص من مطلق الضرب. فإذا قلتَ ضربت زيداً أخبرت بضرب عام وقع منك على شخص خاص، فصار ذلك الضرب المخبر به خاصّاً لما انضم إليه منك ومن زيد، وهذه المعاني الثلاثة، أعني مطلق الضرب، وكونه واقعاً منك، وكونه واقعاً على زيد، قد يكون قصدَ المتكلمُ لها ثلاثتها على السواء. وقد يرجّح قصده لبعضها على بعض، ويُعرف ذلك بما ابتدأ به كلامه، فإن الابتداء بالشيء يدل على الاهتمام به، وأنه هو الأرجح في غرض المتكلم، فإذا قلت زيداً ضربت عُلِمَ أن خصوص الضرب على زيد هو المقصود. ولا شك أن كل مركب من خاص وعام له جهتان، فقد يقصَد من جهة عمومه، وقد يقصَد من جهة خصوصه. والثاني هو الاختصاص، وأنه هو الأهم عند المتكلم، وهو الذي قصد إفادته السامع من غير تعرض ولا قصد لغيره لإثباب ولا نَفْي، ففي الحصر معنى زائد عليه، وهو نفي ما عدا المذكور، وإنما جاء هذا في: (إيّاكَ نَعْبُد) ، للعلم بأن قائليه لا يعبدون غير الله، ولذا لم يطرد في بقية الآيات. فإن قوله: (أفَغَيْرَ دين الله يَبْغُون) آل عمران: ٨٣. لو جُعل في معنى ما يبغون إلا غير دين الله، وهمزة الإنكار داخلة عليه - لزم أن يكون المنكر الحصر، لا مجرد بغيهم غير دين الله، وليس المراد. وكذلك: (آلهةً دونَ اللهِ تُرِيدون) الصافات: ٨٦، المنكر إرادتهم آلهة دون الله من غير حصر.

стр. 144

وقد قال الزمخشري في: (وبالآخِرَة هم يوقنون) البقرة: ٤. في تقديم الآخرة وبناء يوقنون على هُمْ تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته، وأن قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأن اليقين ما عليه مَنْ آمَن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. وهذا الذي قاله الزمخشري في غاية الحسن. وقد اعترض عليه بعضهم، فقال: تقديم الآخرة أفاد أن إيقانهم مقصور على أنه إيقان بالآخرة لا بغيرها. وهذا الاعتراض من قائله مبنيّ على ما فهمه من أن تقديم المعمول يفيد الحصر، وليس كذلك. ثم قال المعترض: وتقديم هم أفاد أن هذا القصر يختص بهم، فيكون إيقان غيرهم بالآخرة إيماناً بغيرها حيث قالوا: (لَنْ تَمَسَّنَا النارُ إلا أياماً معدودة) . البقرة:.٨. وهذا منه أيضاً استمرار على ما في ذهنه من الحصر، أي أن المسلمين لا يوقنون إلا بالآخرة، وأهل الكتاب يوقنون بها وبغيرها. وهذا فهم عجيب ألجأه إليه فهمه الحصر، وهذا ممنوع. وعلى تقدير تسليمه فالحصر على ثلاثة أقسام: أحدها: بما وإلا، كقوله: ما قام إلا زيد - صريح في نفي القيام من غير زيد، ومقتضى إثبات القيام لزيد، قيل بالمنطوق، وقيل بالمفهوم، وهو الصحيح لكنه أقوى المفاهيم، لأن " إلا " موضوعة للاستثناء وهو الإخراج، فدلالتها على الإخراج بالمنطوق لا بالمفهوم، ولكن الإخراج من عدم القيام ليس هو عَيْن القيام، بل قد يستلزمه، فلذلك رجحنا أنه بالمفهوم، والتبس على بعض الناس لذلك، فقال: إنه بالمنطوق. والثاني: الحصر بإنما، وهو قريب من الأول فما نحن فيه، وإن كان جانبُ

стр. 145

الإثبات فيه أظهر، فكأنه يفيد إثبات قيام زيد إذا قلت: إنما قام زيد بالمنطوق ونفيه عن غيره بالمفهوم. الثالث: الحصر الذي قد يفيده التقديم، وليس على تقدير تسليمه مثل الحصر في الأوّلين، بل هو في قوة جملتين: إحداهما ما صُدّر به الحكم نفياً كان أو إثباتاً، وهو المنطوق. والأخرى ما فُهم من التقديم، والحصر يقتضي نفي المنطوق دون ما دل عليه من المفهوم، لأن المفهوم لا مفهوم له. فإذا قلت: أنا لا أكرم إلا إياك - أفاد التعريض بأن غيرك يكرم غيره، ولا يلزم أنك لا تكرمه، وقد قال تعالى: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) . - أفاد أن العفيف قد ينكح غير الزانية، وهو ساكت عن نكاحه الزانية، فقال سبحانه بعده: (والزانية لا يَنْكحُهَا إلاّ زَان أو مُشْرِك) ، بياناً لما سكت عنه في الأولى، فلو قال: " بالآخرة يوقِنون " أفاد بمنطوقه إيقانهم بها، ومفهومه عند مَنْ يزعم أنهم لا يوقنون بغيرها، وليس ذلك مقصوداً بالذات. والمقصود بالذات قوة إيقانهم بالآخرة حتى صار غيرها عندهم كالمدحوض، فهو حَصْر مجازي، وهو دون قولنا: يُوقِنُون بالآخرة دون غيرها، فاضبط هذا، وإياك أن تجعل تقديره لا يوقنون إلا بالآخرة. إذا عرفت هذا فتقديم "هُمْ" أفاد أن غيرهم ليس كذلك، فلو جعلنا التقدير لا يوقنون إلا بالآخرة كان المقصود المهم النفي، فيتسلط المفهوم عليه، فيكون المعنى إفادة أن غيرهم يوقن بغيرها، كما زعم المعترض، ويطرح إفهام أنه لا يوقن بالآخرة. ولا شك أن هذا ليس بمراد، بل المراد إفهام أن غيرهم لا يُوقن بالآخرة، فلذلك حافظنا على أن الغرض الأعظم إثبات الإيقان بالآخرة، ليتسلط المفهومُ عليه، وأن المفهوم لا يتسلط على الحصر، لأن الحصر لم يدل عليه بجملة واحدة، مثل ما وإلا، ومثل إنما، وإنما دل عليه بمفهوم مستفاد من منطوق، وليس أحدهما متقيداً بالآخر حتى نقول: إن المفهوم أفاد نفي الإيقان المحصور، بل أفاد نفي الإيقان مطلقاً عن غيرهم، وهذا كله على تقدير تسليم الحصر، ونحن نمنع ذلك، ونقول: إنه اختصاص، وإن بينهما فرقاً. *******
следующие страницы →