(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ) .
وفي قوله: (اللهُ نَزّلَ أحْسَنَ الحديث) .
وفي قوله: (واللهُ يَقُولُ الحقَّ وهو يهْدِي السبيلَ) .
ويحتمل أنه أراد أن تقديمه أفاده، فيكون من أمثلة الطريق السابع.
العاشر: تعريف الجزأين، ذكر الإمام فخر الدين في " نهاية الإيجاز " أنه يفيد
الحصر حقيقة أو مبالغة، نحو: المنطلق زيد، ومنه في القرآن فما ذكر الزملَكاني في أسرار التنزيل: الحمد لله، قال: إنه يفيد الحصر، كما في إياك نعبد، أي الحمد لله لا لغيره.
الحادي عشر: نحو: جاء زيد نفسه، نقل بعض شراح التلخيص عن بعضهم
أنه يفيد الحصر.
الثاني عشر: نحو: إن زيد القائم، نقله المذكور أيضاً.
الثالث عشر: نحو: قائم - في جواب زيد إما قائم أو قاعد، ذكره الطيبي في
شرح التبيان.
الرابع عشر: قلب بعض حروف الكلمة، فإنه يفيد الحصر على ما نقله في
الكشاف في قوله: (والَّذين اجتَنَبُوا الطاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها) .
قال: القلب للاختصاص بالنسبة إلى الطاغوت، لأن وزنَه على فعلوت، من
الطغيان، كملكوت ورحموت، قُلِب بتقديم اللام على العين، فوزنه فَلَعُوت، ففيه مبالغات: التسمية بالمصدر، والبناء بناء مبالغة، والقلب، وهو للاختصاص، إذ لا يطلق على غير الشيطان.
تنبيه:
كاد أهلُ البيان يطْبِقون على أن تقديم المعمول يفيد الحصر، سواء كان
مفعولاً أو ظرفاً أو مجروراً، ولهذا قيل في: (إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاك نستعين) معناه
نخصك بالعبادة والاستعانة.
وفي: (لَإلَى اللهِ تُحْشَرون) .
معناه إليه لا لغيره.
стр. 142
وفي: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) .
أخرت الصلة في الشهادة الأولى، وقدمت في الثانية، لأن الغرض في
الأولى إثبات شهادتهم، وفي الثانية إثبات اختصاصهم بشهادة النبي ﷺ عليهم.
وخالف في ذلك ابنُ الحاجب، فقال في شرح المفصّل: الاختصاص الذي
يتوهّمه كثير من الناس من تقديم المعمول وَهْم، واستدل على ذلك بقوله:
(فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) .
(بل الله فاعْبد) . الزمر: ٦٦.
ورد هذا الاستدلال بأن (مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) أغنى عن إعادة الحصر، كما قال
الله تعالى: (واعْبدوا رَبَّكم) .
وقال: (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ)
بل قوله: (بل اللهَ فاعْبُدْ) - أقوى من أدلة الاختصاص.
فإن قبلها: (لئن أشركتَ ليَحْبَطَن عَملك) ، فلو لم يكن للاختصاص وكان معناها أعبد الله لما حصل الإضراب الذي هو معنى بل.
واعترض أبو حيان على مدعي الاختصاص بنحو: (أفَغيرَ اللهِ تأمرونّي
أعْبُد) .
وأجيب بأنه لما كان مَنْ أشرك بالله غيره كأنه لم يعبد الله كان أمْرُهم
بالشرك كأنه أمر بتخصيص غير الله بالعبادة.
ورد صاحب الفلك الدائر الاختصاص بقوله: (كُلاًّ هَدْينَا ونُوحاً هدَينَا
مِنْ قَبْلُ) .
وهو من أقوى ما ردّ به.
وأجيب بأنه لا يدعى فيه اللزوم، بل الغلبة، وقد يخرج الشيء عن الغالب.
قال الشيخ بهاء الدين: وقد اجتمع الاختصاص وعدمه في آية واحدة، وهي
(أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ) ، فإن التقديم في الأولى قطعا ليس للاختصاص.
وفي إياه قطعاً للاختصاص.
وقال والده الشيخ تقي الدين في كتاب الاقتصاص بين الحصر والاختصاص:
اشتهر كلام الناس في أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص، ومن الناس من ينكر
стр. 143
ذلك ويقول: إنما يفيد الاهتمام.
وقد قال سيبويه في كتابه: وهم يقدّمون ما هم به أعْنى.
والبيانيون على إفادة الاختصاص.
ويَفْهم كثير من الناس من الاختصاص الحصر، وليس كذلك، وإنما
الاختصاص شيء آخر، والفضلاء لم يذكروا في ذلك لفظةَ الحصر، وإنما عبّروا بالاختصاص.
والفرق بينهما أن الحصر نفي غير المذكور وإثبات المذكور.
والاختصاص قصد الخاص من جهة خصوصه، وبيانُ ذلك أن الاختصاص
افتعال من الخصوص: والخصوص مركب من شيئين: أحدها عام مشترك بين
شئين أو أشياء.
والثاني معنى مُنْضَمٌّ إليه يفصله عن غيره، كضرب زيد، فإنه
أخص من مطلق الضرب.
فإذا قلتَ ضربت زيداً أخبرت بضرب عام وقع منك
على شخص خاص، فصار ذلك الضرب المخبر به خاصّاً لما انضم إليه منك ومن زيد، وهذه المعاني الثلاثة، أعني مطلق الضرب، وكونه واقعاً منك، وكونه واقعاً على زيد، قد يكون قصدَ المتكلمُ لها ثلاثتها على السواء.
وقد يرجّح قصده لبعضها على بعض، ويُعرف ذلك بما ابتدأ به كلامه، فإن الابتداء بالشيء يدل على الاهتمام به، وأنه هو الأرجح في غرض المتكلم، فإذا قلت زيداً ضربت عُلِمَ أن خصوص الضرب على زيد هو المقصود.
ولا شك أن كل مركب من خاص وعام له جهتان، فقد يقصَد من جهة
عمومه، وقد يقصَد من جهة خصوصه.
والثاني هو الاختصاص، وأنه هو الأهم عند المتكلم، وهو الذي قصد إفادته السامع من غير تعرض ولا قصد لغيره لإثباب ولا نَفْي، ففي الحصر معنى زائد عليه، وهو نفي ما عدا المذكور، وإنما جاء هذا في: (إيّاكَ نَعْبُد) ، للعلم بأن قائليه لا يعبدون غير الله، ولذا لم يطرد في بقية الآيات.
فإن قوله: (أفَغَيْرَ دين الله يَبْغُون) آل عمران: ٨٣.
لو جُعل في معنى ما يبغون إلا غير دين الله، وهمزة الإنكار داخلة عليه - لزم أن يكون المنكر الحصر، لا مجرد بغيهم غير دين الله، وليس المراد.
وكذلك: (آلهةً دونَ اللهِ تُرِيدون) الصافات: ٨٦، المنكر إرادتهم آلهة دون الله من غير حصر.
стр. 144
وقد قال الزمخشري في: (وبالآخِرَة هم يوقنون) البقرة: ٤.
في تقديم الآخرة وبناء يوقنون على هُمْ تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته، وأن قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأن اليقين ما عليه مَنْ آمَن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.
وهذا الذي قاله الزمخشري في غاية الحسن.
وقد اعترض عليه بعضهم، فقال: تقديم الآخرة أفاد أن إيقانهم مقصور على
أنه إيقان بالآخرة لا بغيرها.
وهذا الاعتراض من قائله مبنيّ على ما فهمه من أن
تقديم المعمول يفيد الحصر، وليس كذلك.
ثم قال المعترض: وتقديم هم أفاد أن هذا القصر يختص بهم، فيكون إيقان غيرهم بالآخرة إيماناً بغيرها حيث قالوا:
(لَنْ تَمَسَّنَا النارُ إلا أياماً معدودة) . البقرة:.٨.
وهذا منه أيضاً استمرار على ما في ذهنه من الحصر، أي أن المسلمين لا يوقنون إلا بالآخرة، وأهل الكتاب يوقنون بها وبغيرها.
وهذا فهم عجيب ألجأه إليه فهمه الحصر، وهذا ممنوع.
وعلى تقدير تسليمه فالحصر على ثلاثة أقسام:
أحدها: بما وإلا، كقوله: ما قام إلا زيد - صريح في نفي القيام من غير
زيد، ومقتضى إثبات القيام لزيد، قيل بالمنطوق، وقيل بالمفهوم، وهو الصحيح لكنه أقوى المفاهيم، لأن " إلا " موضوعة للاستثناء وهو الإخراج، فدلالتها على الإخراج بالمنطوق لا بالمفهوم، ولكن الإخراج من عدم القيام ليس هو عَيْن القيام، بل قد يستلزمه، فلذلك رجحنا أنه بالمفهوم، والتبس على بعض الناس لذلك، فقال: إنه بالمنطوق.
والثاني: الحصر بإنما، وهو قريب من الأول فما نحن فيه، وإن كان جانبُ
стр. 145
الإثبات فيه أظهر، فكأنه يفيد إثبات قيام زيد إذا قلت: إنما قام زيد بالمنطوق ونفيه عن غيره بالمفهوم.
الثالث: الحصر الذي قد يفيده التقديم، وليس على تقدير تسليمه مثل الحصر في الأوّلين، بل هو في قوة جملتين: إحداهما ما صُدّر به الحكم نفياً كان أو إثباتاً، وهو المنطوق.
والأخرى ما فُهم من التقديم، والحصر يقتضي نفي المنطوق
دون ما دل عليه من المفهوم، لأن المفهوم لا مفهوم له.
فإذا قلت: أنا لا أكرم إلا إياك - أفاد التعريض بأن غيرك يكرم غيره، ولا يلزم أنك لا تكرمه، وقد قال تعالى: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) . - أفاد أن العفيف قد ينكح غير الزانية، وهو ساكت عن نكاحه الزانية، فقال سبحانه بعده: (والزانية لا يَنْكحُهَا إلاّ زَان أو مُشْرِك) ، بياناً لما سكت عنه في الأولى، فلو قال: " بالآخرة يوقِنون " أفاد بمنطوقه إيقانهم بها، ومفهومه عند مَنْ يزعم أنهم لا يوقنون بغيرها، وليس ذلك مقصوداً بالذات.
والمقصود بالذات قوة إيقانهم بالآخرة حتى صار غيرها عندهم كالمدحوض، فهو حَصْر مجازي، وهو دون قولنا: يُوقِنُون بالآخرة دون غيرها، فاضبط هذا، وإياك أن تجعل تقديره لا يوقنون إلا بالآخرة.
إذا عرفت هذا فتقديم "هُمْ" أفاد أن غيرهم ليس كذلك، فلو جعلنا
التقدير لا يوقنون إلا بالآخرة كان المقصود المهم النفي، فيتسلط المفهوم عليه، فيكون المعنى إفادة أن غيرهم يوقن بغيرها، كما زعم المعترض، ويطرح إفهام أنه لا يوقن بالآخرة.
ولا شك أن هذا ليس بمراد، بل المراد إفهام أن غيرهم لا
يُوقن بالآخرة، فلذلك حافظنا على أن الغرض الأعظم إثبات الإيقان بالآخرة، ليتسلط المفهومُ عليه، وأن المفهوم لا يتسلط على الحصر، لأن الحصر لم يدل عليه بجملة واحدة، مثل ما وإلا، ومثل إنما، وإنما دل عليه بمفهوم مستفاد من منطوق، وليس أحدهما متقيداً بالآخر حتى نقول: إن المفهوم أفاد نفي الإيقان المحصور، بل أفاد نفي الإيقان مطلقاً عن غيرهم، وهذا كله على تقدير تسليم الحصر، ونحن نمنع ذلك، ونقول: إنه اختصاص، وإن بينهما فرقاً.
*******
стр. 146
الوجه الثالث عشر من وجوه إعجازه (احتواؤه على جميع لغات العرب وبلغة غيرهم من الفرس والروم والحبشة وغيرهم)
وقد رأيت فيه تأليفاً مفرداً.
وقد أفردث في هذا النوع كتاباً سميته
" المهذب فما وقع في القرآن من العرّب ".
وألخص هنا ما وقع تَتِمة للفائدة، ومن الله أرجو حسن العائدة، بعد أن أذكر اختلاف العلماء في وقوع المعرّب في القرآن.
فالأكثرون، ومنهم الإمام الشافعي، وابن جرير، وأبو عبيدة، والقاضي أبو
بكر، وابن فارس، على عدم وقوعه فيه، لقوله تعالى: (قرآناً عَرَبيّاً) .
وقوله: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) .
وقد شدد الشافعي النكير على القائل بذلك.
وقال أبو عبيدة: إنما أنْزِل القرآن بلسان عربي مبِين، فَمَنْ زعم أن فيه غير
العربية فقد أعظم القول.
ومن زعم أن كذا بالنبطية فقد أكبر القول.
وقال ابن فارس: لو كان فيه من لغة غير العرب شيء لتوهّم متوهم أن
العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله، لأنه أتى بلغات لا يعرفونها.
وقال ابن جرير: ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير ألفاظ من القرآن
إنها بالفارسية أو الحبشية أو النبطية أو نحو ذلك إنما اتفق فيها توارد اللغات، فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد.
وقال غيره: بل كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة
لسائر الألسنة في أسفارهم، فعلقت العرب من لغاتهم ألفاظاً غيرت بعضها
بالنقص من حروفها، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها، حتى جرت مجرى
العربي الفصيح، ووقع بها البيان.
وعلى هذا الحد نزل بها القرآن.
وقال آخرون: كل هذه الألفاظ عربية صرف، ولكن لغة العرب متسعة
стр. 147
جدا، ولا يبعد أن تخفى على أكابر إلجلّة.
وقد خفي على ابن عباس معنى فاطر وفاتح.
قال الشافعي في الرسالة: لا يحيط باللغة إلا نبي.
وقال أبو المعالي عزَيْري بن عبد الملك: إنما وجدت هذه الألفاظ في لغة العرب، لأنها أوسع اللغات وأكثرها ألفاظاً.
ويجوز أن يكونوا سُبِقوا إلى هذه الألفاظ.
وذهب آخرون إلى وقوعه فيه.
وأجابوا عن قوله: (قُرآناً عَرَبيّاً)
بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربياً.
فالقصيدة الفارسية لا تخرج عنها بلفظة فيها عربية.
وعن قوله: (أأعجميّ وعربي) - بأن المعنى من السياق: أكلام أعجمي ومخاطب عربي، واستدلوا باتفاق النحاة على أن منعَ صرف نحو إبراهيم للعلمية والعجمة.
وردّ هذا الاستدلال بأن الأعلام ليست محل خلاف، فالكلام في غيرها.
فَوِّجّه بأنه إذا اتفق على وقوع الأعلام فلا مانع من وقوع الأجناس.
وأقوى ما رأيته للوقوع - وهو اختياري - ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن أبي مَيْسرة التابعي الجليل، قال: في القرآن من كل لسان.
وروي مثله عن سعيد بن جُبير، ووَهْب بن مُنَبه، فهذه إشارة إلى أن حكمة
وقوع هذه الألفاظ في القرآن أنه حوى علم الأولين والآخرين، ونبأ كل شيء، فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن، لتتم إحاطته بكل شيء، فاختير من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالاً للعرب.
وأيضا فإن النبي ﷺ أرسل إلى كل أمة، وقد قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِ) ، فلا بد أن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قَوم، وإن كان أصله بلغة قومه هو.
وقد رأيت الحوفي وابن النقيب ذكره، وذكر لوقوع المعرب في القرآن فائدة
أخرى، فقال: إن قيل إن " إستبرق " ليس بعربي، وغير العربي من الألفاظ
دون العربي في الفصاحة والبلاغة، فنقول: لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن
стр. 148
يتركوا هذه اللفظة ويأتوا بلفظ يقوم مقامها في الفصاحة لعجزوا عن ذلك.
وذلك لأن الله تعالى إذا حثّ عباده علي الطاعة فإن لم يرغّبهم بالوعد الجميل
ويخوّفهم بالعذاب الوبيل - لا يكون حثّه على وجه الحكمة، فالوعد والوعيد نظراً إلى الفصاحة واجب.
ثم إن الوعد بما يرغب فيه العقلاء، وذلك منحصر في أمور الأماكن الطيبة، ثم المآكل الشهية، ثم المشارب الهنيّة، ثم الملابس الرفيعة، ثم
المناكح اللذيذة، ثم ما بعده مما تختلف فيه الطباع.
فإذاً ذكْر الأماكن الطيبة والوعد به لازم عند الفصيح، ولو تركه لقال مَنْ أمر بالعبادة ووُعد عليها بالأكل والشرب: إن الأكل والشرب لا التذاذ به، إذا كنت في حبس أو موضع كريه، فلذا ذكر الله الجنة ومساكن طيبة فيها، وكان ينبغي أن يذكر من الملابس ما هو أرفعها، وأرفع الملابس في الدنيا الحرير وأما الذهب فليس مما يُنْسج منه ثوب.
ثم إن الثوب الذي من غير الحرير لا يعتبر فيه الوزن والثقل.
وربما يكون الصفيق الخفيف أرفع من الثقيل الوزن.
وأما الحرير فكلما كان ثوبه أثقل كان أرفع، فحينئذ وجب على الفصيح أن يذكر الأثقل الأثمن، ولا يتركه في الوعد لئلا يقصر في الحثّ والدعاء.
ثم إن هذا الواجب الذكر إما أن يذكر بلفظ واحد موضوع له صريح أو
لا يذكر بمثل هذا.
ولا شك أن الذكر باللفظ الواحد الصريح أولى، لأنه أوجز
وأظهر في الإفادة، وكذلك " إستبرق ".
فإن أراد الفصيح أن يترك هذا اللفظ، ويأتي بلفظ آخر لم يمكنه، لأن ما يقوم مقامه إما لفظ واحد أو ألفاظ متعددة، ولا يجد العربي لفظا واحداً يدل عليه، لأن الثياب من الحرير عرفها العرب من الفرس، ولم يكن لهم بها عَهْدٌ، ولا وُضع في اللغة العربية للديباج الثخين اسم، وإنما عَرَّبوا ما سمعوا من العجم، واستغنوا به عن الوضع، لقلة وجوده عندهم، ونَزرة لفظهم به.
وأما إن ذكره بلفظين فأكثر فإنه يكون قد أخلّ بالبلاغة، لأن ذكر لفظين
لمعنًى يمكن ذكره بلفظٍ تطويل، فعلم بهذا أن لفظ " إستبرق " يجب على كل
стр. 149
فصيح أن يتكلم به في موضعه، ولا يجد ما يقوم مقامه.
وأي فصاحة أبلغ من ألا يوجد غيره مثله، انتهى.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام - بعد أن حكى القول بالوقوع عن الفقهاء
والمنع عن أهل العربية: والصواب عندي مذهبٌ فيه تصديق القولين جميعاً.
وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب، فَعَرّبَتْها بألسنتها، وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية فهو صادق، ومن قال: عجمية فصادق.
ومال إلى هذا القول الجواليقي، وابن الجوزي، وآخرون.
وهذه الألفاظ الواردة في القرآن بغير لغة الحجاز.
وأما ما وقع فيه بغير لغة العرب فنذكر تفسير الغريب على حروف المعجم.
أخرج أبو عبيد من طريق عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: (وأنْتمْ
سامِدون) النجم: ١٦١، قال الغناء.
وهي لغة يمانية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: هي بالحميرية.
وأخرج أبو عبيد عن الحسن، قال: كُنَّا لا ندري ما الأرائك حتى لَقِيَنَا رجلٌ
من أهل اليمن فأخبرنا أن الأريكة عندهم هي الحجَلة فيها السرير.
وأخرج عن الضحاك في قوله: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)
قال: ستوره بلغة أهل اليمن.
وأخرج عن عكرمة في قوله: (وزوَّجْنَاهم بحورٍ عِين) .
قال: هي لغة يمانية، وذلك أن أهل اليمن يقولون: زوجنا فلاناً بفلانة.
قال الراغب في مفرداته: ولم يجيء في القرآن زوجناهم حوراً كما يقال زوجته امرأة، تنبيهاً على أن ذلك لا يكون على حسب المتعارف فما بيننا بالمناكحة.
وأخرج عن الحسن في قوله: (لو أردنا أنْ نتَّخِذَ لَهْواً) .
قال: اللهو بلسان اليمن المرأة.
стр. 150
وأخرج عن محمد بن علي في قوله: (ونادَى نوح ابْنَه) .
قال: هي بلغة طي ابن امرأته.
قلت: وقد قرئ: ونادى نوح ابنها (١) .
وأخرج عن الضحاك في قوله: (أعصرُ خَمْراً) . ي
قال: عنباً بلغة أهل عمان، يسمون العنب الخمر.
وأخرج عن ابن عباس في قوله: (أتَدْعُونَ بعْلاً) .
قال: ربّاً بلغة أهل اليمن.
وأخرج عن قتادة قال: بعلاً ربّاً - بلغة أزد شنوءة.
وأخرج أبو بكر ابن الأنباري في كتاب الوقف عن ابن عباس قال لي: الوزَر
وَلَدُ الوَلد بلغة هذيل.
وأخرج فيه عن الكل قال: المرجان صغار اللؤلؤ بلغة اليمن.
وأخرج في كتاب الردّ على مَنْ خالف مصحف عثمان، عن مجاهد، قال الصواع الطَرْجِهَالَة بلغة حمير.
وأخرج فيه عن أبي صالح في قوله: (أفلم ييْأسَ الذين آمنوا) .
قال: أفلم يعلم بلغة هوازن.
وقال الفراء: قال الكلبي بلغة النخع.
وفي مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس: يغتِنكم: يُضِلّكم بلغة هوازن.
وفيها: بوراً: هَلْكى بلغة عمان.
وفيها: فنَقَّبُوا: هربوا بلغة اليمن.
وفيها: لا يلِتْكلم: لا ينقصكم بلغة بني عبس.
وفيها: مرَاغماً: منفسحاً، بلغة هذيل.
وأخرج سعيد بن منصور في سُنَنه عن عمرو بن شرحبيل في قوله: "سَيْل
العرَم" قال: المسنَّاة بلحن أهل اليمن.
وأخرج في تفسيره، عن ابن عباس، في قوله: (في الكتاب مَسْطُوراً)
قال: مكتوباً، وهي لغة حميرية، يسمون الكتاب أسطوراً.
وقال أبو عبيد القاسم في الكتاب الذي ألفه في هذا النوع: في القرآن بلغة
وبلغة خزاعة: أفيضوا: انفروا.
والإفضاء: الجماع.
وبلغة عمان: خبالاً: غيّا.
نَفَقاً: سربا.
حيث أصاب: أراد.
وبلغة تميم: أمة: نسيان.
بغيا: حسداً.
وبلغة أنمار: طائره: عمله.
أغطش: أظلم.
وبلغة الأشعريين: لأحتَنِكَنَّ: لاستأصِلَنَّ.
تارة: مرة.
اشمازت: مالت ونفرت.
وبلغة الأوس: لينة: النخلة.
وبلغة الخزرج: ينفضَّوا: يذهبوا.
وبلغة مدين: فاقض: فامض.
انتهى ما ذكره أبو القاسم ملخصاً.
وقال أبو بكر الواسطي في كتابه " الإرشاد في القراءات العشر:
في القرآن من اللغات خمسون لغة: لغة قريش، وهذيل، وكنانة، وخثعم.
والخزرج، وأشعر، ونمير، وقيس عيلان، وجرْهم، واليمن، وأزد شنوءة.
وكندة، وتميم، وحمير، ومدين، ولخم، وسعد العشيرة، وحضر موت، وسدوس، والعمالقة، وأنمار، وغسان، ومدلج، وخزاعة، وغَطَفان، وسبأ، وعمان، وبنو حنيفة، وثعلبة، وطي، وعامر بن صعصعة، وأوس، ومزينة، وثقيف، وجذام، وبليّ، وعذْرة، وهوازن، والنمر، واليمامة.
ومن غير العربية: الفرس، والنبط، والروم، والحبشة، والبربر، والسريانية، والعبرانية، والقبط.
ثم ذكر في أمثلة ذلك كالب ما تقدم عن أبي القاسم، وزاد الزجر: العذاب بلغة طىء.
طائف من الشيطان: نخسة، بلغة ثقيف.
الأحقاف: الرمال بلغة ثعلبة.
وقال ابن الجوزي في "فنون الأفنان": في القرآن بلغة همدان: الريحان:
الرزق.
والعيناء: البيضاء.
والعبقري: الطنافس.
وبلغة نصر بن معاوية: الختّار: الغَدّار.
وبلغة عامر بن صعصعة: الحفدة: الخدم.
стр. 154
وبلغة ثقيف: العول: الميل.
وبلغة عك: الصّور: القرن.
وقال ابن عبد البر في " التمهيد ": قول من قال: نزل القرآن بلغة قريش
معناه عندي الأغلب، لأن غير لغة قريش موجودة في جميع القراءات، من تحقيق الهمزة ونحوها، وقريش لا تهمز.
وقال الشيخ جمال الدين بن مالك: أنزل الله القرآن بلغة الحجازيين إلا قليلاً، فإنه نزل بلغة التميميين، كالإدغام في: (ومَنْ يشاقّ اللهَ) الحشر: ٤.
وفي: (مَن يَرْتَدّ منكم عَن دِينه) المائدة: ٥٤) ، فإن إدغام المجزوم لغة تميم.
ولهذا قلّ.
والفك لغة الحجاز، ولهذا كثر، نحو: (وليُمْلِل) (يُحْبِبكم الله) .
(يمددْكم) (واشدد به أزْري) .
(ومن يحلُلْ عليه غَضَبىِ) .
قال: وقد أجمع القراء على نصب: (إلا اتبَاعَ الظن) ، لأن لغة الحجازيين
التزام النصب في المنقطع، كما أجمعوا على نصب: (ما هذا بَشراً) يوسف:
٣١) ، لأن لغتهم إعمال ما.
وزعم الزمخشري في قوله: (قل لا يعْلَمُ مَنْ في السماوات والأرض الغيب إلا
اللَهُ) النمل: ٦٥، - أنه استثناء منقطع جاء على لغة بني تميم.
فائدة
قال الواسطي: ليس في القرآن حرف غريب من لغة قريش غير ثلاثة
أحرف، لأن كلام قريش سهل، لين واضح، وكلام العرب وحشي غريب.
فليس في القرآن إلا ثلاثة أحرف، غريبة: (فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ)
وهو تحريك الرأس: (مُقِيتًا) : مقتدرا.
(فَشَرِّدْ بِهِمْ) : سمع.
*******
стр. 155
الوجه الرابع عشر من وجوه إعجازه (عموم بعض آياته وخصوص بعضها)
وهو لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر، وصيغته (كل) مبتدأة نحو:
(كلّ مَنْ عليها فَان) الرحمن: ٢٦.
أو تابعة، نحو: (فسجد الملائكة ُ كلّهم أجمعون) الحجر: ٣٠.
والذي والتي وتثنيتهما وجعهما، نحو: (والذي قال لوَالِدَيه أف لكما)
، فإن المراد به كل من صدر منه هذا القول، بدليل قوله بعد
(أولئك الذين حقَّ عليهم القولُ في أمم) الأحقاف: ١٨.
(والذين آمَنُوا وعَمِلوا الصالحاتِ أولئك أصحابُ الجنَّةِ هم فيها خالدون) .
(للّذين أحسَنُوا الخسْنى وزِيادة) .
(للّذين اتَّقوا عند ربِّهم جنّاتٌ) .
(واللائي يَئِسْنَ من الحيض) .
(واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا) .
(واللّذانِ يَأتِيَانِها منكم فآذُوهما) .
وأي. وما. ومن - شرطاً أو استفهاماً أو موصولاً، نحو: (أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) .
(إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) .
(مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) .
والجمع المضاف، نحو: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) .
والمعرَّف بأل، نحو: (قد أفلح المؤمنون) ، (واقتلوا المشركين) .
واسم الجنس المضاف، نحو: (فليَحْذَرِ الذين يخالِفونَ عن أمره) .
أي كلَّ أمرٍ لله.
والصرَّف بأل نحو: (وأحلَّ اللهُ البَيْعَ) ، أي كل بيْع.
(إن الإنسان لفي خُسْرٍ) ، أي كل إنسان، بدليل: (إلاَّ الذين آمنوا) .
والنكرة في سياق النفي والنهي، نحو: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ)
стр. 156
(ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ) .
(فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) .
(فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) .
وفي سياق الشرط، نحو: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) .
وفي سياق الامتنان، نحو: (وأنزلنا من السماء ماء طَهورا) .
فصل
العام على ثلاثة أقسام:
الأول: الباقي على عمومه، قال القاضي جلال الدين البُلقيني: ومثاله عزيز، إذْ مَا مِنْ عامّ إلا ويتخيّل فيه التخصيص، فقوله: (يا أيها الناس اتَّقُوا
ربكم) قد يخص منه غير المكلف.
وحُرِّمَتْ عليكم الميتَة خص منه حالة الاضطرار وميتة السمك والجراد.
وحرم الربا - خص منه العرايا.
وذكر الزركشي في البرهان: أنه كثير في القرآن، وأورد منه: (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا) .
(وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) ..
(اللهُ الذي خلقَكُمْ ثم رَزَقكُم ثم
يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) .
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) .
(اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا) .
قلت: هذه الآيات كلها في غير الأحكام الفرعية، فالظاهر أن مراد البُلقيني
أنه عزيز في الأحكام الفرعية.
ولقد استخرجت من القرآن بعد الفكر آية فيها.
وهي قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) .
فإنه لا خصوص فيها.
الثاني: العام المراد به الخصوص.
стр. 157
الثالث: العام المخصوص، وللناس بينهما فروق:
منها: أن الأول لم يرد شموله لجميع الأفراد، لا من جهة تناول اللفظ، ولا
من جهة الحكم، بل هو ذو أفراد استعمل في فرد منها.
والثاني أريد عمومه وشمولُه لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لها، لا من جهة الحكم.
ومنها أن الأول مجاز قطعاً لنقل اللفظ عن موضوعه الأصلي، بخلاف الثاني.
فإن فيه مذاهب أصحها أنه حقيقة، وعليه أكثر الشافعية وكثير من الحنفية وجميع الحنابلة، ونقَله إمام الحرمين عن جميع الفقهاء.
وقال الشيخ أبو حامد: إنه مذهب الشافعي وأصحابه، وصححه السبكي.
لأن تناول اللفظ للبعض الباقي بعد التخصيص كتناوله بلا تخصيص، وذلك
التناول حقيقي اتفاقاً، فليكن هذا التناول حقيقياً أيضاً.
ومنها أن قرينة الأول عقلية، والثاني لفظية.
ومنها أن قرينة الأول لا تنفك عنه، وقرينة الثاني تنفك عنه.
ومنها أن الأول يصح أن يراد به واحد اتفاقاً، وفي الثاني خلاف.
ومن أمثلة العام المراد به الخصوص قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) .
والقائل واحد نعيم بن مسعود الأشجعي أو أعرابي من خزَاعة، كما أخرج ابن مردويه من حديث أبي رافع، لقيامه مقام كثير في تثبيطه المؤمنين عن ملاقاة أبي سفيان.
قال الفارسي: ومما يقوي أن المراد به واحد: (إنّها ذَلِكم الشيطانُ) .
فوقعت الإشارة بقوله: (ذلكم) إلى واحد بعينه، ولو كان
المعنيُّ به جمعا لقال: إنما أولئكم الشيطان، فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ.
ومنها قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .
أي رسول الله ﷺ لجمعه ما في الناس من الخصال الحميدة.
стр. 158
ومنها قوله: (ثم أفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أفاضَ الناسُ) .
أخرج ابن جرير من طريق الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: (مِنْ حَيْثُ أفاضَ الناسُ) ، قال إبراهيم: ومن الغريب قراءةُ سعيد بن جُبير: من حيث أفاض الناسي قال في المحتسب: يعني آدم، لقوله: (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) .
ومنها قوله: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ) ، أي جبريل، كما في قراءة ابن مسعود.
وأما المخصوص فأمثلته في القرآن كثيرة جداً، وهي أكثر من المنسوخ، إذ ما
من عام فيه إلا وقد خص، ثم المخصص له إما متصل، وإما منفصل، فالمتصل خمسة وقعت في القرآن:
أحدها: الاستثناء، نحو: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) . النور: ٤.
(وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) .
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) ... إلى قوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) .
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) .
(كلّ شيء هالكٌ إلاَّ وَجْهَه) .
الثاني: الوصف، نحو: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) .
الثالث: الشرط، نحو: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) .
(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ) .
الرابع: الغاية، نحو: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) .
стр. 159
(ولا تقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْن) .
(وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) .
(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) .
الخامس: بدل البعض من الكل نحو: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) ..
والمخصص آية أخرى في محل آخر، أو حديث، أو إجماع، أو قياس.
فمن أمثلة ما خص بالقرآن قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) .، خص بقوله: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) .
وبقوله: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) .
وقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) .
خص من الميتة السمك بقوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) .
ومن الدم الجامد بقوله: (أو دَماً مَسفوحاً) .
وقوله: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) .
خص بقوله: (فلا جُنَاحَ عليهما فما افتدَتْ به) .
وقوله: (الزَّانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائةَ جلدة) .
خص بقوله: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) .
وقوله: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) .
خص بقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) .
ومن أمثلة ما خص بالحديث قوله تعالى: (وأحَلَّ اللهُ البَيْعَ) .
خص منه البيوع الفاسدة، وهي كثيرة، بالسنّة.
وحرم الربا. خص العرايا منه بالسنة.
وآيات المواريث خص منها القاتل والمخالف في الدين بالسنة.
وآية تحريم الميتة خص منها الجراد بالسنة.
وآية ثلاثة قروء خص منها الأمَة بالسنة.
وقوله: ماءً طَهوراً، خص منه المتغير بالسنّة.
وقوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ)
خص منهما مَنْ سرق دون ربع دينار بالسنة.
стр. 160
ومن أمثلة ما خص بالإجماع آية المواريث، خص منها الرقيق فلا يرث
بالإجماع، ذكره مكي.
ومن أمثلة ما خص بالقياس آية الزنا: (فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة
جَلْدَة) ، خص منه العبد بالقياس على الأمة المنصوصة في قوله:
(فَعَليْهنّ نصْفُ ما على المحصَنَاتِ من العذاب) ، المخصص لعموم
الآية، ذكره مكيّ أيضاً.
فصل
من خاص القرآن ما كان مخصصاً لعموم السنَّة، وهو عزيز.
ومن أمثلته قوله
تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ) .
خص عموم قوله ﷺ : أُمِرْتُ أنْ أقَاتلَ النَّاسَ حتى يقولوا لا إله إلا الله.
وقوله: (حافِظُوا على الصَّلَوَاتِ والصلاةِ الوُسْطَى) . البقرة: ٢٣٨.
خص عموم نهيْه ﷺ عن الصلاة في الأوقات المكروهة بإخراخ الفرائض.
وقوله: (ومِنْ أصوافها وأوْبارها) .
خص عموم قوله ﷺ : ما أبين مِنْ حَيّ فهو ميتة.
وقوله: (والعامِلِينَ عليها والمؤلَّفَةِ قلوبُهم) .
خص عموم قوله ﷺ : لا تحلّ الصدقةُ لغَنِيّ ولا لذي مِرّة سويّ.
وقوله: (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) .
خص عموم قوله ﷺ : إذا الْتَقَى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار.
(فروع منثورة تتعلق بالعموم والخصوص)
الأول: إذا سِيقَ العام للمدح أو الذم فهل هو باق على عمومه، فيه
مذاهب:
стр. 161
أحدها: نعم، إذ لا صارف عنه، ولا تنافي بين العموم وبين المدح أو الذم.
والثاني: لا، لأنه لم يسَقْ للتعميم، بل للمدح أو الذم.
والثالث: وهو الأصح: التفصيل، فيعم إن لم يعارضه عام آخر لم يُسق
لذلك، ولا يعلم إن عارضه ذلك جمعاً بينهما.
مثاله، ولا مُعَارِض، قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) .
ومع المعارض قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) .
فإنه سِيق للمدح، وظاهِرُهُ يعُمُّ الأخْتَيْن بملك اليمين جمعاً، وعارضه في ذلك: (وأن تَجْمَعوا بين الأختين) ، فإنه شامل لجمعهما بملك اليمين، ولم يُسَق
للمدح، فحمل الأول على غير ذلك بأن لم يرد تناوله له.
ومثاله في الذم: (والذين يَكنِزُونَ الذهبَ والفضّة) .
الآية - فإنه سيق للذم، وظاهره يعم الحلي المباح.
وعارضه في ذلك حديث جابر: ليس في الحلي زكاة، فحمل الأول على غير ذلك.
الثاني: اختلف في الخطاب الخاص به ﷺ ، نحو: (يا أيها النبي) ، (يا أيها الرسول) ، هل يشمل الأمّة، فقيل: نعم، لأن أمر القدوة أمر لأتباعه معه عرفاً.
والأصح في الأصول المنع لاختصاص الصفة به.
الثالث: اختلف في الخطاب ب (يا أيها الناس) ، هل يشمل الرسول ﷺ على مذاهب:
أصحها: وعليه الأكثرون: نعم، لعموم الصفة له، أخرج ابن أبي حاتم عن
الزهري، قال: إذا قال الله: يا أيها الذين آمنوا افعلوا، فالنبي ﷺ منهم.
والثاني: لا، لأنه ورد على لسانه لتبليغ غيره، ولما له من الخصائص.
والثالث: إن اقترن بقُلْ لم يشمله، لظهوره في التبليغ، وذلك قرينةُ عدم
شموله، وإلا فيشمله.
стр. 162
الرابع: الأصح في الأصول أن الخطاب ب " يا أيها الناس " يشمل الكافر والعبد، لعموم اللفظ.
وقيل: لا يعم الكافر بناء على عدم تكليفه في الفروع، ولا العبد
لصَرْف منافعه لسيده شرعاً.
الخامس: اختلف في " مَنْ " هل يتناول الأنثى، فالأصح: نعم، خلافاً
للحنفية، لأن قوله تعالى: (ومَنْ يعمَلْ من الصالحات مِنْ ذكر أو أنثى)
- فالتفسير بهما دالّ على تناول (مَنْ) لهما.
وقوله: (ومن يَقْنتْ مِنْكنّ للَهِ ورسوله) .
واختلف في جمع المذكر السالم هل يتناولها، فالأصح لا.
وإنما يدخلن فيه بقرينة.
أما المكسّر فلا خلاف في دخولهن فيه.
السادس: اختلف في الخطاب ب " يا أهل الكتاب "، هل يشمل المؤمنين.
فالأصحًّ لا، لأن اللفظ قاصر على من ذكر.
وقيل: إن شركوهم في المعنى شملهم وإلا فلا.
واختلف في الخطاب ب " يا أيها الذين آمنوا " - هل يشمل أهل الكتاب.
قيل: لا - بناء على أنهم غير مخاطبين بالفروع.
وقيل: نعم -، واختاره ابن السمعاني.
وقيل قوله: يا أيها الذين آمنوا خطاب تشريف لا تخصيص.
*******
الوجه الخامس عشر من وجوه إعجازه (ورود بعض آياته مجملة وبعضها مبيّنة)
وفي ذلك من حسن البلاغة ما يعجز عنه أولو الفصاحة، لكن هل يجوز بقاؤه
مجملاً أم لا، أقوال.
أصحها لا يبقى المكلف بالعمل به بخلاف غيره.
وللإجمال أسباب:
أحدها: الاشتراك، نحو: (والليل إذا عَسْعَس) .
فإنه موضوع لأقبل وأدبر.
(ثلاثة قُروء) ، فإن القُرْءَ موضوع
стр. 163
للْحَيْض والطهر.
(أو يَعْفُو الذي بيده عُقدة النكاح) .
يحتمل الزوج والوليّ، فإن كلاًّ منهما بيده عقدة النكاح.
وثانيها: الحذف، نحو: (وترغَبونَ أنْ تنكحُوهنَّ) .
يحتمل في، وعَنْ.
وثالثها: اختلاف مرجع الضمير، نحو: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) .
يحتمل عود ضمير الفاعل في يرفعه إلى ما عاد عليه ضميرُ إليه، وهو الله، ويحتمل عَوْده على العمل.
والمعنى إن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب.
ويحتمل عوده إلى الكلم الطيب، أي أن الكلم الطيب - وهو التوحيد - يرفع العمل الصالح، لأنه لا يصح العمل إلا مع الإيمان.
ورابعها: إجمال العطف والاستئناف، نحو: (إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ) .
وخامسها: غرابة اللفظ، نحو: (فلا تعْضُلُوهنّ) .
وسادسها: عدم كثرة الاستعمال، نحو: (يلْقُونَ السَّمعَ) .
أي يسمعون.
(ثاني عِطْفِه) ، أي متكبِّراً.
(فأصبح يقَلِّبُ كفَّيْه) ، أي نادماً.
وسابعها: التقديم والتأخير، نحو: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) .
أي: ولولا كلمة وأجَل مسمى لكان لزاماً.
(يسألونك كأنك حَفِيٌّ عنها) ، أي يسألونك عنها كأنك حَفِيٌّ.
وثامنها: قلب المنقول، نحو (طورِ سِيْنِين) ، أي: سيناء
(على إلْ يَاسين) ، أي إلياس.
وتاسعها: التكرير القاطع لوصل الكلام في الظاهر، نحو: (للّذِينَ
استضْعِفُوا لمن آمَنَ منهم) .
стр. 164
فصل
قد يقع التبيين متصلا، نحو: (من الفَجْر) . البقرة: ١٨٧، بعد قوله:
(الخيْط الأبيض من الخيْطِ الأسود) . البقرة: ١٨٧.
ومنفصلاً في آية أخرى، نحو: (فإنْ طلَّقَها فلا تحلَّ له مِنْ بعْدُ حتى تنْكحَ زَوْجاً غيره) ، بعد قوله: (الطلاقُ مرّتان) ، فإنها بينت أن المراد به الطلاق الذي تملك الرّجْعة بعده، ولولاهما لكان الكل منحصراً في الطلْقَتَيْن.
وقد أخرج أحمد وأبو داود في ناسخه، وسعيد بن منصور وغيرهم، عن ابن
سعيد الأسدي، قال: قال رجل: يا رسول الله، الطلاق مرتان، فأين الثالثة، قال: أو تسريح بإحسان.
وأخرج ابن مردويه عن أنس، قال: قال رجل: يا رسول الله، ذكر الله
الطلاق مرتين، فأين الثالثة، قال: (إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) .
وقوله: (وُجُوهٌ يَوْمئذٍ ناضِرَةٌ، إلى ربّها ناظِرَةٌ) .
دال على جواز الرؤية، ويفسر أن المراد بقوله: لا تدركه الأبصار: لا تحيط به دون لا تراه.
وقد أخرج ابن جرير من طريق العَوْفي، عن ابن عباس، في قوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) ، قال: لا تحيط به.
وأخرج عن عكرمة أنه قيل له عند ذكر الرؤية: أليس قد قال: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) ، فقال: أفلست ترى السماء أفكلها تُرى.
وقوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) .
فسره قوله: (حُرمَتْ عليكم الميْتَةُ) .
وقوله: (مالك يوْمِ الدين) .
فسره قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا) .
стр. 165
وقوله: (فتلَقّى آدمُ مِنْ رَبِّهِ كلماتٍ) .
فسره قوله: (قالا ربنا ظَلَمْنَا أنْفُسَنا) .
وقوله: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا) .
فسره قوله في آية النحل: (بالأنثى) .
وقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) .
قال العلماء: بيانُ هذا العهد قوله: (لئن أقَمْتُم الصلاةَ وآتيْتُم الزكاةَ وآمنتُم بِرُسلي) .
فهذا عهده. وعهدكم: (لأكفرنّ عنكم سيِّئاتكم) .
وقوله: (صراطَ الذين أنعمْتَ عليهم) .
بيّنه قوله: (فأولئك مع الذين أنْعَمَ اللهُ عليهم من النبيين) .
وقد يقع التبيينُ بالسنّة، مثل: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة.
ولله على الناس حِجّ البيت.
وقد بينت السنّةُ أفعال الصلاة والحج ومقادير نُصب الزكاة في أنواعها.
تنبيه:
اختلف في آيات، هل هي من قبيل المجمل أم لا؟.
منها السرقة، قيل: إنها مجملة في اليد، لأنها تطلق على العضو إلى الكوع، وإلى المرفق، وإلى المنكب.
وفي القطع، لأنه يطلق على الإبانة، وعلى الجرح، ولا ظهور لواحد من ذلك.
وإبانة الشارع إلى الكوع تبيّن أن المراد ذلك.
وقيل لا إجمال فيها، لأن القطع ظاهر في الإبانة.
ومنها: (وامسحوا برؤوسكم) .
قيل إنها مجملة، لترددها بين مسح الكل والبعض، ومسح الشارع الناصية مُبينٌ لذلك.
стр. 166
وقيل: لا، وإنما هي لمطلق المسح الصادق بأقل ما ينطلق عليه الاسم ويفيده.
ومنها: (حُرمَتّ عليكم أمهاتكم) .
قيل: إنها مجملة، لأن إسناد التحريم إلى العين لا يصح، لأنه إنما يتعلق بالفعل، فلا بد من تقديره، وهو محتمل لأمور لا حاجة إلى جميعها ولا مرجح لبعضها.
وقيل: لا، لوجود المرجح، وهو العرف، فإنه يقْتضِي بأن المراد تحريم
الاستمتاع بوطء أو نحوه، ويجري ذلك في كل ما يجري فيه التحريم والتحليل
بالأعيان.
ومنها: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) .
قيل: إنها مجملة، لأن الربا الزيادة، وما من بيع إلا وفيه زيادة، فافتقر إلى بيان ما يحل وما يحرم.
وقيل: لا، لأن البيع منقول شرعاً، فحمل على عمومه، ما لم يقم دليل
التخصيص.
وقال الماوردي: للشافعي في هذه الآية أربعة أقوال:
أحدها: أنها عامة، فإن لفظها لفظُ عموم يتناول كل بيع، ويقتضي إباحة
جميعها إلا ما خصه الدليل.
وهذا القول أصحها عند الشافعي وأصحابه، لأنه
﵊ نهى عن بيوع كانوا يعتادونها ولم يبين الجائز، فدل على أن الآية تناولت إباحةَ جميع البيوع إلا ما خص منها، فبيَّن ﷺ المخصوص.
قال: فعلى هذا في العموم قولان:
أحدهما أنه عموم أريد به العموم وإن دخله التخصيص.
والثاني: أنه عموم أريد به الخصوص، قال: والفرق بينهما أن
البيان في الثاني متقدم على اللفظ، وفي الأول متأخر عنه ومقترن به.
قال: وعلى القولين يجوز الاستدلال بالآية في المسائل المختلف فيها ما لم يَقُمْ دليل تخصيص.
والقول الثاني أنها مُجْمَلة لا يعقل منها صحةُ بَيع مِنْ فساده إلا ببيان النبي
ﷺ ، ثم قال: هل هي مجملة بنفسها أم بعارض ما نُهي عنه من البيوع؟
وجهان.
стр. 167
وهل الإجمال في المعنى المراد دون لفظها، لأن لفظ البيع اسم لغوي
معناه معقول، لكن لما قام بإزائه من السنّة ما يعارضه تدافع العمومان ولم يتعين المراد إلا ببيان السنة، فصار مجملاً لذلك دون اللفظ، أو في اللفظ أيضاً، لأنه لما لم يكن المراد منه ما وقع عليه الاسم وكانت له شرائط غير معقولة في اللغة كان مشكلاً أيضاً، وجهان.
قال: وعلى الوجهين لا يجوز الاستدلالُ بها على صحة بَيْع ولا فساده، وإن
دلت على صحة البيع من أصله.
قال: وهذا هو الفرق بين العموم والمجمل حيث
جاز الاستدلال بظاهر العموم ولم يجز الاستدلال بظاهر المجمل.
والقول الثالث أنها عامة جملة معاً، قال: واختُلِف في وجه ذلك على أوجه:
أحدها: أن العموم في اللفظ، والإجمال في المعنى، فيكون اللفظ عاماً
مخصوصاً، والمعنى مجملاً لَحِقَه التفسير.
والثاني: أن العموم في: وأحلَّ اللهُ البَيْعَ، والإجمال في: وحرّم الربا.
والثالث: أنه كان جملاً، فلما بيَّنه النبي ﷺ صارَ عامًّا فيكون داخلا في المجمل قبل البيان، وفي العموم بعد البيان، فعلى هذا يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها.
والقول الرابع: أنها تناولت بيعاً معهوداً، ونزلت بعد أن أحل النبي ﷺ بيوعاً وحرم بيوعاً، فاللام للعهد، فعلى هذا لا يجوز الاستدلال بظاهرها.
ومنها الآيات التي فيها الأسماء الشرعية، نحو: (وأقيموا الصلاةَ وآتوا
الزكاة) .
(فمن شهدَ منكم الشَّهْر فَلْيَصُمْه) .
(وللهِ على الناس حِج البيتِ مَنِ استطاع إليه سبيلا) .
قيل: إنها مجملة لاحتمال الصلاة لكل دعاء، والصيام لكل إمساك، والحج
لكل قَصْد، والمراد بها لا تدل عليه اللغة، فافتقرت إلى البيان.
وقيل: لا، بل تُحمل على كل ما ذكر إلا ما خص بدليل.
стр. 168
تنبيه:
قال ابن الحصّار: من الناس من جعل المجمل والمحتمل بإزاء شيء واحد.
والصواب أن المجمل المبهم الذي لا يُفهم المراد منه.
والمحتمل اللفظ الواقع باللفظ الأول على معنيين مفهومين فصاعداً، سواء كان حقيقة في كلها أو في بعضها.
فالفرق بينهما أن المجمل يدل على أمور معروفة، واللفظ مشترك متردد
بينها.
والمبهم لا يدل على أمر معروف مع القطع بأن الشارع لم يفْضِ لأحد
ببيان المجمل، بخلاف المحتمل.
*******
الوجه السادس عشر من وجوه إعجازه (الاستدلال بمنطوته أو بمفهومه)
وهو ما دل عليه اللفظ في محل النطق، فإن أفاد معنى لا يحتمل غيره فالنص، نحو: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)
، وقد نقل عن قوم من المتكلمين أنهم قالوا بندور النص جداً في
الكتاب والسنة.
وقد بالغ إمام الحرمين وغيره في الرد عليهم، قال: لأن الغرض من النص
الاستقلال بإفادة المعنى على قطع، مع انحسام جهات التأويل والاحتمال، وهذا
وإن عزّ حصوله بوضع الصيغ رداً إلى اللغة فما أكثره مع القرائن الحالية والمقالية. انتهى.
أو مع احتمال غيره احتمالاً مرجوحاً، فالظاهر، نحو: (فَمَنِ اضْطُرّ غير باغ
ولا عَادٍ) .
فإن الباغي يطلق على الجاهل وعلى الظالم، وهو فيه أظهر وأغلب.
ونحو: (ولَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ) ، َ فإنه يقال الانقطاع ظاهره الوضوء والغسل، وهو في الظاهر أظهر.
وإن حمل على المرجوح لدليل فهو تأويل، ويسمى المرجوح المحمول عليه
مؤولاً، وهو كقوله: (وهو مَعَكمْ أيْنَ ما كنتُم) ، فإنه يستحيل
حمل المعيّة على القُرب بالذات، فتعين صَرْفُه عن ذلك، وحمله على القدرة والعلم، أو على الحفظ والرعاية.
стр. 169
وكقوله: (واخْفِض لهما جَنَاحَ الذّل من الرحمة) .
على الظاهر، لاستحالة أن يكون للإنسان أجنحة، فيُحمل على الخضوع وحسن الخلق.
وقد يكون مشتركا بين حقيقتين أو حقيقة ومجاز ويصلح حمله عليهما جميعاً.
فيُحمل عليهما سواء، فلهذا قلنا هل يجوز استعمال اللفظ في معنييه أم لا، ووجهه على هذا أن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين: مرة أريد هذا، ومرة أريد هذا
ومن أمثلته أيضاً: (ولا يُضَارّ كاتِبٌ ولا شَهيد) ، فإنه يحتمل ولا يضار الكاتبُ والشهيد صاحبَ الحق بجوْرٍ في الكتابة والشهادة، ولا يضارر -
بالفتح: أي لا يضرهما صاحبُ الحق بإلزام ما لا يلزم وإجبارهما على الكتابة والشهادة.
ثم إن توقفت صحة دلالة اللفظ على إضمارٍ سميت دلالة اقتضاء، نحو:
(واسأل القرية) ، أي أهلها، وإن لم تتوقف ودل اللفظ على ما
لم يقصد به سميت دلالة إشارة، كدلالة قوله تعالى: (أحِلّ لكم ليلةَ الصيام
الرّفَث إلى نسائكم) - على صحة صَوْم من أصبح جُنُباْ، إذ
إباحة الجماع إلى طلوع الفجر تستلزم كونه جنباً في جزء من النهار.
وقد حكي هذا الاستنباط عن محمد بن كعب القُرَظي.
فصل
والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، وهو قسمان: مفهوم موافقة.
ومفهوم مخالفة.
فالأول: ما يوافق حكمه المنطوق، فإن كان أولى سُمّي فحوى الخطاب.
كدلالة: (فلا تَقُلْ لهما أفّ) - على تحريم الضرب لأنه أشد.
وإن كان مساوياً سمّي لحن الخطاب، أي معناه، كدلالة: (إن الذين يأكلون
أموالَ اليتامَى ظلْماً) - على تحريم الإحراق، لأنه مساوٍ للأكل في
الإتلاف.
стр. 170
واختلف هل دلالة ذلك قياسية أو لفظية، مجازية أو حقيقية، على أقوال
بيناها في كتبنا الأصولية.
والثاني: ما يخالف حكمه المنطوق، وهو أنواع: مفهوم صفة، نعتاً كان أو
حالا أو ظرفاً أو عددا، نحو: (إنْ جَاءَكم فاسقٌ بِنَبَأ فَتَبيَّنُوا) .
مفهومه أن غير الفاسق لا يجب التبين في خبره، فيجب قبول خبر الواحد
العدل.
(وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) .
(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) ، أي فلا يصح الإحرام به في غيرها.
(فاذكروا الله عند المشْعَرِ الحرام) ، أي فالذكر عند غيره
ليس محصلاً للمطلوب.
(فاجْلِدُوهم ثمانين جَلْدَةً) ، أي لا أقل ولا أكثر.
وشرط نحو: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ) .
أي فغير أولات الحمل لا يجب الإنفاق عليهن.
وغاية، نحو: (فلا تَحِلُّ له مِنْ بَعْدُ حتى تنكحَ زَوْجاً غَيْرَه) ، أي فإذا نكحته تحل للأول بشرطه.
وحصر، نحو: (لا إله إلا الله) .
(إنما إلهكم إله واحد) ، أي فغيره ليس بإله.
(فالله هو الولي) أي فغيره ليس بولي.
(لَإلى اللهِ تُحْشَرُون) أي لا إلى غيره.
(إياك نعبد) ، أي لا غيرك.
واختلف في الاحتجاج بهذه المفاهيم على أقوال كثيرة.
والأصح في الجملة أنها
كلها حجة بشروط:
منها: ألا يكون المذكور خرج للغالب، ومن ثَمّ لم يعتبر الأكثرون مفهومَ
قوله: (ورَبَائِبكم اللاتي في حُجوركم) ، فإن الغالب كون الربائب في حجور الأزواج، فلا مفهوم له، لأنه إنما خُص بالذكر لغلبة حضوره في الذهن.
وألا يكون موافقاً للواقع، ومن ثَمّ لا مفهوم لقوله:
стр. 171
(ومن يدْعُ مع اللهِ إلهاً آخَرَ لا برْهَانَ له) .
وقوله: (لا يتَّخِذ المؤمنون َالكافرين أولياءَ مِنْ دون المؤمنين) .
وقوله: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) .
والاطلاع على ذلك من فوائد معرفة أسباب النزول.
فائدة
قال بعضهم: الألفاظ إما أن تدل بمنطوقها، أو بفَحْواها، أو بمفهومها، أو
باقتضائها وضرورتها، أو بمعقولها المستنبط منها، حكاه ابن الحصار، وقال: هذا كلام حسن.
قلت: فالأول دلالة المنطوق.
والثاني دلالة المفهوم.
والثالث دلالة الاقتضاء.
والرابع دلالة الإشارة.
*******
الوجه السابع عشر من وجوه إعجازه (وجوه مخاطباته)
وهي ثلاثة أقسام: قسم لا يصلح إلا للنبي ﷺ ، وقسم لا يصلح إلا لغيره، وقسم يصلح لهما.
قال بعض الأقدمين: أنزل القرآن على ثلاثين نحواً، كل نحو منه غير صاحبه.
فمن عرف وجوهها ثم تكلم في الدين أصاب ووُفِّق، ومن لم يعرفها وتكلم في
الدين كان الخطأ إليه أقرب، وهي: المكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والتقديم والتأخير، والمقطوع والموصول، والسبب والإضمار، والخاص والعام، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحدود والأحكام، والخبر والاستفهام، والأبّهة والحروف الصرفة، والإعذار والإنذار، والحجة والاحتجاج، والمواعظ والأمثال، والقسم.
قال: والمكي مثل: (واهجُرْهم هجْراً جيلاً) .
والمدني مثل: (وقاتلوا في سبيل الله) -
والناسخ والمنسوخ واضح.
стр. 172
والمحكم مثل: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) .
(إن الذين يَأكُلُون أموالَ اليتامى ظُلْما) ، ونحوه مما أحكمه الله وبيَّنَه.
والمتشابه مثل: ("يا أيُّها الذين آمَنُوا لا تَدْخُلوا بيوتاً غَيْرَ بيوتِكم حتى
تَسْتَأنِسُوا) .
ولم يقل: (ومن يفعل ذلك عدْوَاناً وظلماً فسوف نُصْلِيه نارا) ، كما قال في المحكم.
وقد ناداهم في هذه الآية بالإيمان ونهاهم عن المعصية ولم يجعل فيها وعيداً
فشُبّه على أهلها ما يفعل الله بهم.
والتقديم والتأخير مثل: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ) .، التقدير: كتب عليكم الوصية إذا حضر أحدكم الموت.
والمقطوع والموصول مثل: (لا أقسِمُ بيوم القيامة) .
فلا مقطوع من لا أقسم، وإنما هو في المعنى أقسم بيَوم القيامة (ولا اقسم بالنَّفْسِ اللوَّامة) ، ولم يقسم.
والسبب والإضمار، مثل: (واسْألِ القريةَ) ، أي أهل القرية.
والخاص والعام، مثل: (يا أيها النبي)
فهذا في المسموع خاصا - (إذا طلقَتُم النساءَ) ، فصار في المعنى عاما.
والأمر وما بعده إلى الاستفهام، أمثلتها واضحة.
والأبّهة نحو: (إنّا أرْسلنا) . القمر: ١٩، ٣١، ٣٤.
(نحن قسَمْنا) الزخرف: ٣٢.
عبّر بالصيغة الموضوعة للجماعة للواحد تعالى، تفخيما وتعظيما
وأبهة.
والحروف المصرفة، كالفتنة تطلق على الشرك، نحو: (حتى لا تكون فِتْنَة) .
وعلى المعذرة، نحو: (ثم لم تكن فِتْنَتُهم)
стр. 173
أي معذرتهم.
وعلى الاختيار نحو: (قد فَتَنَّا قَوْمَك مِنْ بعْدِك) .
والإعذار نحو: (فبما نَقْضِهم مِيثَاقَهم لَعَنَّاهم) .
اعتذر أنه لم يفعل ذلك بهم إلاَّ بمعصيتهم.
والبواقي أمثلتها واضحة.
قال ابن الجوزي في كتابها "النفيس": الخطاب في القرآن على خمسة عشر
وجهاً.
وقال غيره: على أكثر من ثلاثين وجها.
أحدها: خطاب العام، والمراد به العموم، كقوله: (الله الذي خلقَكُم) .
والثاني: خطاب الخاص والمراد به الخصوص، كقوله: (أكفَرْتُم بعد
إيمانكم) .
(يا أيُّها الرسولُ بَلِّغْ) .
الثالث: خطاب العام والمراد به الخصوص، كقوله: (يا أيها الناسُ اتَّقوا
ربكم) .
لم يدخل فيه الأطفال والمجانين.
الرابع: خطاب الخاص والمراد به العموم، كقوله: (يا أيها النبي إذا
طلّقْتُم) .
افتتح الخطاب بالنبي ﷺ ، والمراد سائر مَنْ يملك
الطلاق.
وقوله: (يا أيها النبي إنَّا احْلَلْنَا لكَ أزواجك) .
قال أبو بكر الصيرفي: كان ابتداء الخطاب له، فلما قال في الموهوبة:
(خالصةً لكَ من دون المؤمنين) - علم أن ما قبلها له ولغيره.
الخامس: خطاب الجنس، كقوله: (يا أيها الناس) .
السادس: خطاب النوع، نحو: (يا بني إسرائيل) .
السابع: خطاب العين، نحو: (يا آدم اسْكنْ أنْت وزَوْجكَ الجنَّةَ) .
(يا نوح اهْبطْ) .
(يا إبراهيم قد صدَّقْتَ الرؤيَا) .
(يا موسى لا تخَفْ) .
(يا عيسى إني متَوَفِّيك) .
ولم يقع في القرآن الخطاب بيا محمد.
بل بـ يا أيها النبي، يا أيها الرسول، تعظيما له وتشريفا
وتخصيصاً له بذلك عمَّن سواه وتعليما للمؤمنين ألا ينادوه باسمه.
стр. 174
الثامن: خطاب المدح، نحو: (يا أيها الذين آمنوا) ، ولهذا وقع خطاباً
لأهل المدينة: والذين آمنوا وهاجروا.
أخرج ابن أبي حاتم عن خَيْثَمة قال: ما تقرأون في القرآن (يا أيها الذين
آمنوا) ، فإنه في التوراة يا أيها المساكين.
وأخرج البيهقي وأبو عُبيد وغيرهما، عن ابن مسعود، قال: إذا سمعتَ الله
يقول: (يا أيها الذين آمنوا) - فأوْعِها سَمْعَك، فإنه خير يأمر به أو شر ينْهَى
والتاسع: خطاب الذم، نحو: (يا أيها الذين كفروا لا تعتَذِرُوا اليوم)
(قل يا أيها الكافرون) .
ولتضمنه الإهانة لم يقع في القرآن في غير هذين الموضعين.
وكثر الخطاب بيا أيها الذين آمنوا على الموَاجهة، وفي جانب الكفار جيء بلفظ الغيبة، إعراضاً عنهم، كقوله: (إنَّ الذين كفَرُوا) .
(قل للذين كفروا) .
العاشر: خطاب الكرامة، كقوله: (يا أيها النبي) .
(يا أيها الرسول) .
قال بعضهم:
وتجد الخطاب بالنبي في محل لا يليقُ به الرسول، وكذلك العكس، كقوله في
الأمر بالتشريع العام: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) .
وفي مقام الخاص: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) .
وقد يعبر بالنبي في مقام التشريع العام، لكن مع قرينة إرادة التعميم.
كقوله: (يا أيها النبي إذا طلّقْتُم النساءَ) .
ولم يقل طلقت.
الحادي عشر: خطاب الإهانة، كقوله: (فإنّك رَجِيم) .
(اخْسَئُوا فيها ولا تُكلمون) .
الثاني عشر: خطاب التهكم، نحو: (ذُقْ إنّكَ أنْتَ العزيزُ الكريم) .
стр. 175
الثالث عشر: خطاب الجمع بلفظ الواحد، كقوله: (يا أيها الإنسانُ ما
غَرّكَ بربك الكريم) .
الرابع عشر: خطاب الواحد بلفظ الجمع، نحو: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ ... إلى قوله: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) .
فهو خطاب له ﷺ وحده، إذ لا نبي معه ولا بعده، وكذا قوله: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا) .
خطاب له ﷺ وحده، بدليل قوله: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) .
وكذا قوله: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) ، بدليل قوله: (قل فأتُوا) .
وجعل منه بعضُهم: (قال رَبّ ارْجِعون) ، أي ارجعني.
وقيل رب خطاب له تعالى، وارجعون للملائكة.
وقال السهيلي: هو قول من حضرته الشياطين وزبانية العذاب، فاختلط، فلا يدري ما يقول من الشطط، وقد اعتاد أمراً يقوله في الحياة مِنْ ردّ الأمر إلى المخلوقين.
الخامس عشر: خطاب الواحد بلفظ الاثنين، نحو: (ألْقِيَا في جهنَّم) .
والخطاب لمالك خازن النار، وقيل لخزنة جهنم والزبانية، فيكون من
خطاب الجمع بلفظ الاثنين، وقيل للملكين الموكلين به في قوله: (وجاءَتْ كلُّ نَفْس معها سائق وشَهيد) .
فيكون على الأصل.
وجعل المهدوي من هذا النوع: (قال قد أجِيبَتْ دعوتكما) .
قال: الخطاب لموسى وحده، لأنه الداعي.
وقيل لهما، لأن هارون أمّن على دعائه والمؤمِّن أحد الداعين.
السادس عشر: خطاب الاثنين بلفظ الواحد، كقوله: (فمَنْ ربُّكما يا
موسى) ، أي ويا هارون.
وفيه وجهان:
أحدهما: أنه أفرده بالنداء لإدْلاله عليه بالتربية.
والآخر: أنه صاحب الرسالة والآيات، وهارون تَبَع له، ذكره ابن عطية،
стр. 176
وذكر في الكشاف آخر، وهو أن هارون لما كان أفصح لساناً من موسى نكب فرعون عن خطابه حذراً من لسانه.
ومثله: (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) .
قال ابن عطية: أفرده بالشقاء لأنه المخاطب أولاً، والمقصود في الكلام.
وقيل: لأن الله تعالى جعل الشقاء في معيشة الدنيا في جانب الرجال.
وقيل إغضاء عن ذكر المرأة، كما قيل من الكرم سَتْرُ الحرم.
السابع عشر: خطاب الاثنين بلفظ الجمع، كقوله: (أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً)
الثامن عشر: خطاب الجمع بلفظ الاثنين، كما تقدم في " ألْقِيَا ".
التاسع عشر: خطاب الجمع بعد الواحد، كقوله: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا) .
قال ابن الأنباري: جمع في الفعل الثالث ليدل على أن الأمة داخلون مع النبي ﷺ .
ومثله: (يا أيها النبي إذا طلّقْتم النساء) .
العشرون: عكسه نحو: (وأقيموا الصلاة) .
(وبَشِّر المؤمنين) .
الحادي والعشرون: خطاب الاثنين بعد الواحد، نحو: (أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ) .
الثاني والعشرون: عكسه، نحو: (فمن رَبُّكما يا موسَى) .
الثالث والعشرون: خطاب العَيْن، والمراد به الغير، نحو: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) .
الخطاب له ﷺ ، والمرَاد أمته ﷺ ، لأنه كان تقيًّا، وحاشاه ﷺ من طاعة الكفار.
ومنه: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) .
والمراد بالخطاب التعريض بالكفار.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: لم يشك ﷺ .
стр. 177
ومثله: (واسالْ مَنْ أرسلنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسلنا) .
(فلا تكوننَّ من الجاهلين) ، وأنحاء ذلك.
الرابع والعشرون: خطاب الغير والمراد به العين، نحو: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ) .
الخامس والعشرون: الخطاب العام الذي لم يُقصد به مخاطب معين، نحو:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) .
(وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) ، (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ) .
ولم يُقصد بذلك خطاب معين، بل كل أحد، وأخرج في صورة الخطاب لقصد العموم، يريد أن حالهم تناهت في الظهور بحيث لا يختص بها راءٍ دون راء، بل كل من أمكن منه الرؤية داخلٌ في ذلك الخطاب.
السادس والعشرون: خطاب الشخص ثم العدول إلى غيره، نحو: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) ، خوطب به النبي ﷺ ، ثم قال للكفار: (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) ، بدليل: (فهَلْ أنتُم مسلمون) .
ومنه: (إنّا أرْسَلنَاكَ شاهداً) إلى قوله: (لِتُؤْمِنُوا بالله) الفتح: ٨، ٩.
إن قرئ بالفوقية.
السابع والعشرون: خطاب التلوين، وهو الالتفات.
الثامن والعشرون: خطاب الجمادات خطابَ مَنْ يعقل، نحو: (فقال لَهَا
ولِلأرْضِ ائتِيَا طَوْعاً أو كَرْهاً) .
التاسع والعشرون: خطاب التهييج، نحو: (وعلى الله فتوكَّلُوا إنْ كنتُم
مُؤمنين) .
الثلاثون: خطاب التحنّن والاستعطاف، نحو: (يا عبادِىَ الذين أسْرَفوا
على أنْفُسِهم) .
الحادي والثلاثون: خطاب التحبّب، نحو: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ) .
стр. 178
(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) .
(يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي) .
الثاني والثلاثون: خطاب التعجيز، نحو: (فأتُوا بسورةٍ) .
الثالث والثلاثون: خطاب التشريف، وهو كل ما في القرآن مخاطبة بقل.
فإنه تشريف منه تعالى لهذه الأمة بأن يخاطبها بغير واسطة لتفوز بشرف
المخاطبة.
الرابع والثلاثون: خطاب المعدوم، ويصح ذلك تبعاً لموجود، نحو: (يَا بَنِي آدَمَ) ، فإنه خطاب لأهل ذلك الزمان ولكل مَنْ بعدهم.
قال ابن القيم: تأمل خطاب القرآن تجد مَلِكًا له الملك كله، وله الحمد كله، أزمّةُ الأمور كلها بيده، ومصدرها منه، ومردها إليه، مستوياً على العرش، لا تخفى عليه خافية من أقطار مملكته، عالما بما في نفوس عباده، مطلعاً على
أسرارهم وعلانيتهم، منفرداً بتدبير المملكة، يسمع ويرى، ويعطي ويمنع.
ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين، ويخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويقدر ويقضي، ويدبر الأمور، نازلة من عنده دقيقها وجليلها، وصاعدة إليه لا تتحرك ذَرّة إلا بإذنه، ولا تسقط من ورقة إلا بعلمه، فتأمل كيف تجده يثني على نفسه، ويمجد نفسه، ويحمد نفسه، وينصح عباده، ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم، ويرغّبهم فيه، ويحذرهم مما فيه هلاكهم، ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته، ويتحبب إليهم بنعمه عليهم، ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها، ويحذرهم من نقمه، ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه، وما أعد لهم من العقوبة إن عصوه، ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه، وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء، ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم، ويذم أعداءه بسيء أعمالهم وقبيح صفاتهم، ويضرب الأمثال، وينوِّعُ الأدلة والبراهين، ويجيب عن شُبَه أعدائه أحسن الأجوبة، ويصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويقول الحق، ويهدي السبيل، ويدعو إلى دار السلام، ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها،
стр. 179
ويحذر من دار البوار، ويذكر عذابها وقُبْحها وألمها، ويذكّر عباده فقرهم إليه، ولشدة حاجتهم إليه من كل وجه، وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين، ويذكرهم غناه عنهم وعن جميع الموجودات، وأنه الغنيّ بنفسه عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه بنفسه، وأنه لا ينال أحد ذرةً من الخير فما فوقها إلا بعدله وحكمته، ونشهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب، وأنه مع ذلك يقيل عثراتهم، ويغفر زَلّاتهم، ويقبل أعذارهم، ويصلح فسادهم. والمدافع عنهم، والمحامي عنهم، والناصر لهم، والكفيل بمصالحهم، والمنجي لهم من كل كرب، والموفي لهم بوعده، وأنه وليُّهم الذي لا ولي سواه، فهو مولاهم الحق. وينصرهم على عدوهم، فنعم المولى ونعم النصير.
وإذا شهدت القلوب من القرآن مَلِكاً عظيما رحيما جليلاً هذا شأنه، فكيف لا تحبه، وتنافس في القرب منه، وتنفق أنفاسها في التودد إليه، ويكون أحب إليها من كل ما سواه، ورضاه أشهى عندها من رضا كل مَنْ سواه، وكيف لا تلهج بذكره، وتصيِّر حُبه والشوق إليه والأنس به هو غذاؤها، وقوتها ودواؤها، بحيث إن فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنتفع بهياكلها.
*******
الوجه الثامن عشر من وجوه إعجازه (ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات)
وما لم يكن وما لم يقع فوجد كما ورد على الوجه الذي أخبر، كقوله:
(لَتَدْخُلُنَّ المسجِدَ الحرامَ إنْ شاء اللهُ آمِنين) .
وقوله: (وهم من بَعْدِ غَلَبِهم سيَغْلِبُون في بِضْعِ سنين) .
وقوله: (ليُظْهرَهُ على الدِّين كله) .
وقوله: (وعَدَ اللَّهُ الذين آمنوا منكم وعمِلُوا الصالحات) .
وقوله: (إذا جاء نَصْرُ اللَهِ والفَتْح) .
الخ، فكان جميع هذا كما قال، فَغلبت الروم فارس في بضع سنين، ودخل الناسُ في الإسلام أفواجاً، فما مات ﵇ وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله
стр. 180
الإسلام، واستخلف المؤمنين في الأرض، ومكن لهم فيها دينهم، وملكهم إياها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب، كما قال ﵇: زُوِيت لي الأرضُ فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلْك أمتي منها ما زُوي لي منها.
وقوله: (قاتِلُوهم يُعَذَبهم الله بأيديكم) .
وقوله: (أرسل رسولهُ بالهُدَى) .
وقوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ) .
فكان كل ذلك.
وما فيه من كشف أسرار المنافقين واليهود ومقالهم وكذبهم في حلفهم وتقريعهم بذلك، كقوله: (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ) .
وقوله: (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ) .
وقوله: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) .
ولما نزلت بشَّرَ النبي ﷺ أصحابه بأن الله كفاهم إياهم، وكان المستهزئون ينفّرون الناس عنه ويؤذونه، فهلكوا.
وقوله: (واللَه يَعْصِمُك من الناس) ، فكان كذلك على كثرة منْ رام ضرّه وقصد قتله، والأخبار بذلك معروفة معلومة.
*******
الوجه التاسع عشر من وجوة إعجازه (إخباره بأحوال القرون السالفة والأمم البائدة، والشرائع الداثرة)
مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك، فيورده النبي ﷺ على وجهه، ويأتي به على نصه، فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه.
وإن مثله لم ينله بتعليم، وقد علموا أنه ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة ولا بمثاقبة، ولم يغب عنهم ولا جهل حاله أحدٌ منهم، وقد كان أهل الكتاب كثيراً ما يسألونه عد عن هذا فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه، كقصص الأنبياء مع قومهم، وبدء الخلق وما في التوراة والإنجيل والزَّبور، وصحف إبراهيم وموسى مما صدّقه فيه العلماء بها ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها، بل أذعنوا لذلك، فمَنْ وفق آمن بما سبق له من خير، ومن شقي فهو معاند حاسد، ومع هذا فلم يُحك عن واحد من اليهود