وقيل المراد الأعداد منها شَفْع ووتر، فهذه عشرة أقوال.
وقيل الشفع الصلوات، والوتر المغرب.
وقيل الشفع رجب وشعبان، والوتْر رمضان.
وقيل الشَّفْع صفات الْخَلْق كالعجز والقدْرة، والعلم والجهل، والعزّ والذل.
وقيل الشّفْع ما يتكرر من الفرائض، كالصلاة، والصوم.
والوتر: ما لا يتكرر.
وقرئ الوتر بفتح الواو وكسرها، وهما لغتان.
(شُرَّعًا) :
بضم الشين: ظاهرة قَرِيبة منهم.
يقال شرع منا فلان، إذا دنا، وقِصَّتهم أن الله تعالى أكرم موسى ﵇ بيوم السبت، وأمره أنْ يأمر بني إسرائيل بتعظيمه، ولا يشغلوا بشيء من أحوال الدنيا، وكانت بلدة يقال لها أيْلَة، وكان أهلها صيّادين يصطادون السمك، فأرسل الله تعالى إليهم داود ﵇، وامره ان يمنع الصيادين عن صَيْد السمك في يوم السبت، وأباح لهم في سائر الأيام، فبلَّغَ داود ﵇ رسالةَ ربه، فلم يقبل اليهود، فابتلاهم اللَّهُ تعالى، فكانت تدخل سمكُ جميع الأبحر في بَحْرهم يوم السبت، ولا تدخل في سائر الأيام سمكةٌ قط، فوقع القحط والغلاء، وسقَط الله عليهم الجوع، فاضطروا فحفَروا حياضا وأنهاراً، وأسالوا الماءَ من الأنهار في الحياض يوم السبت، فإذا رأوا امتلاءَ الحياض أَلْقَوْا شباكهم يوم الجمعة بعد العصر، وأخرجوها يوم الأحد، فيأكلون ويبيعون، فنصحهم العلماء والحكماء الزّهاد بالكف عن صيدهم، فلم يمتنعوا.
فلما لم يسمعوا مواعظهم خرجوا مِنْ ديارهم كي لا يُعاقَبوا معهم، فلما أراد الله عقوبتهم بعد إمهالهم سنتين أرسل إليهم رسولا لينصحهم ويعظهم، فلم يتعظوا، فيوماً من الأيام دخل العلماء في البلدة فلم يروا فيها أحداً من الناس، ففتحوا أبوابَ البيوت، ودخلوا فرأوا الذكور والإناث كلّهم قد مسخوا قردة، قال تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) ، الآية، والإشارة فيه كأن الله تعالى يقول: مَنِ احتال في صيد السمك جزاؤه أنْ أحَوِّل صورته قِرَدة، فكيف بمن احتال في تحليل ما حرَّمْتُ من خَمر ورِبا، أفلا يخاف من تحويل صورته وإن رَفع اللَّهُ مَسْخَ الظاهر ببركة سيدنا ومولانا محمد الطاهر، فإنَّ مَسْخَ البواطن معلوم كما هو مشاهَدٌ في
стр. 1262
الشّرَط والْجَلاَوِزة وشِبْههم، تراهم طولَ يومهم يروعون الناس، ويغضبون في وجوههم، فهؤلاء مُسخوا على صورة الكلاب، ومنهم على صورة الخنازير، وهم أهل القَذَارة والبلادة، وهكذا تَتَبع بنظرك صفةَ كل شخص في خَلْقه تستدلّ بذلك على مسخ قلبه ما هو.
وقد يبقى متحيِّرا لا مَسْخَ في قلبه، إِلا أن قلبه قد مات، وقد أخبر بذلك الصادقُ المصدوق في قوله:
" يأتي على الناس زمان يموت فيه قلْبُ المرء كما يموت بَدَنُه، أو كما قال ﷺ .
لأن القلب إذا لم تبق فيه تلك الحرارةُ الغريزية حتى يَفْقَه مصالِحه فهو ميت، وقد يكون موته حقيقياً. والله أعلم.
والقدرةُ صالحة أن يكون حسيًّا أو معنويا، فإنه إذا لم ينتفع بقلبه في النوع
الذي أرِيد منه، وتوالَتْ عليه الشهواتُ حتى لا يَرَى إلا هي، فذلك مَوْتُه، لأن الفائدة التي في حياة القلب معدومة منه، ولذلك شبه ﷺ الذاكر به بالْحَي، والغافل بالميت، واحتمل أن يكون موته حسيًّا حيث شاء الله كما ييبس عُضْو من أعضاء الشخص مثل يَده أو رِجله أو غيره من الجوارح، وباقي بَدنه صحيح القُدْرة صالح.
وقد ذكر بعضُ شُرًاح البخاري عن بعض مَنْ سمع الحديث: أمَا يخشى الذي
يرفع رَأسه قبل الإمام في الصلاة أن يحوِّل الله رأسه رَأسَ حمار! فاستَهْوَنه، ورفع رأسه امتحاناً بما صحَّ عن الصادق المصدوق، فحوَّل اللهُ رَأسَه رَأسَ حمار، وصار عجباً ينظر إليه.
فإن قلت: قد صح أنه ﷺ أمان من المسخ، فكيف يمسخ هذا، وما معنى الحديث؟
فالجواب: أن معناه تحويل بعض الأجزاء من الإنسان لا مَسْخه كله، وهَبْ
أنه مُسخ كله فهو أمَان في الغالب وفي جميع الأمة، وأما في بعض الأفراد
فممكن والله أعلم.
وإذا تأمَّلْتَ إخبارَ الله لرسوله في أصحاب السبت في مواضع
تَجد ذلك تحريضاً وتأكيداً للنهي عن ارتكاب ما حَرّم الله ورسوله، أوّلها قوله:
стр. 1263
(إنما جُعِل السَّبْتُ على الذين اختلَفُوا فيه) .
(ولقد علمْتُم الذينَ اعتَدَوْا منكم في السَّبت) .
(أو نَلْعَنَهُمْ كما لَعَنَّا أصحابَ السَّبْت) .
(قلْنَا لهم لا تَعْدُوا في السبت) .
(وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ) .
وافترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق: فرقة عصت بالصيد يوم السبت، وفرقة
نهت عن ذلك واعتزلت، وفرقة سكتت واعتزلت ولم تَنْهَ ولم تعْص، وإن هذه الفرقة لما رأت مهاجرةَ الناهية وطغيان العاصية قالوا للفرقة الناهية: لم تَعِظُونَ قوماً يُريد اللَهُ أنْ يُهلكهم أو يعذبهم، فقالت الناهية: ننهاهم معذرة إلى الله، ولعلهم يتقون: فهلكت الفِرقةُ العاصية، ونَجَت الناهية، واختلف في الثالثة، هل هلكت لسكوتها أو نجت لاعتزالها وتَرْكها العصيان.
فانظر يا محمدي، كيف يكون حالُك لولا أنَّ الله مَنَّ عليك بني كريم شفع
لك وفيك، كما قال ﷺ :
" حياتي خير لكم ومماتي خير لكم، أمّا حياتي فأسنُّ لكم وأشرع لكم الشرائع، وأما مماتي فإن ذنوبكم تُعْرَضُ عليَّ، فما كان منها سيئاً استغفرتُ الله لكم ".
فأكثِر من الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله في كل وقت وحين.
(شُقَّة) ، أى طريق ومسافة.
(شُعُوب) .
جمع شَعب بفتح الشين، وهو أعظمِ من القبيلة، وتحته القبيلة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، وهم القرابة الأدْنون، فمُضَر وربيعة وأمثالهما شعوب، وقريش قبيلة، وبنو عبد مناف، وبنو هاشم فخذ - ويقال بإسكان الخاء فَرْقاً بينه وبين الجارحة، وبنو عبد المطلب فصيلة.
وقيل الشعوب في العجم والقبائل في العرب، والأسباط في بني إسرائيل.
(شُوَاظ) :
لهب نار.
وقرئ بكسر الشين، وهما لغتان.
(شُهُب) :
جمع شهاب، وهو كل متوقد مضيء.
стр. 1264
فإن قلت: ما فائدة تكريره في سورة الجن في موضع واحد؟
والجواب: أنه كرره لاختلاف اللفظ، ووصف الحرس بالشديد، وهو مفرد، لأنه يحتمل أن يُريد به الملائكة الحراس أو النجوم الحارسة.
(شيث) : ولد آدم ﵇.
(شيبا) ، وهو في اللغة الأبيض الرأس، وقوله تعالى: (لا شِيَةَ) ، أي لا لون فيها غير الصفرة، وهو من وَشَى، ففاؤه واو محذوفة كعدة.
(شِقَاق) :
عداوة وقصد المخالفة وقد قدمنا أن تنكير العزة والشقاق للدلالة على شدتهما وتفاقم الكفار فيهما.
(شِرْعَة) ، أي شريعة يتبعونها، وقد استدل بها من قال إن شريعة مَنْ قبلنا في الفروع ليست شرعاً لنا.
وقيل الشرعة معناها ابتداء الطريق.
(شِيَعا) :
جمع شيعة، أي متفرقين، كل فرقة تتشيَّع لمذهبها.
وقوله: (في شِيَع الأوَّلين) ، أي أمَم الأولين.
(شِقَ الأنْفس) ، أي مشقَّتها.
(شِرْذِمة) .
أي طائفة من الناس، وفي هذا احتقار لهم، على أنا قدمنا أنهم كانوا ستمائة ألف، ولكن جنود فرعون أكثر منهم بكثير.
(شِرْب) : نصيب.
(شِيعته) :
أعوانه، مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يُشعل به النار ويعين الحطب الكبار على اتّقاد النار.
وقيل الشيعة الأتباع من قولهم: شاعك كذا وكذا إذا اتبعك.
(شِعْرَى) :
نجم في السماء، ويسمى كلب الحيار، وهما شِعرْيَان: الغُمَيْصَاء، والْعَبُور.
وقد قدمنا تخصيصهما بالذكر لعبادةِ بعْض العرب لهما.
стр. 1265
(حرف الهاء)
(هارون) :
شقيق موسى ﵉.
وقيل لأمه فقط، حكاهما الكرماني في عجائبه.
كان أطول منه، فصيحاً جدًّا، مات قبل موسى، وكان وُلد قبله بسنة.
وفي بعض أحاديث الإسراء:
" صعدت فيه إلى السماء الخامسة، فإذا أنا بهارون ونصفُ لحيته بيضاء ونصفها أسود، تكاد لحيته تضرب سُرَّته من طولها.
فقلت: يا جبريل، مَنْ هذا، قال: المحب في قومه هارون بن عمران ".
وذكر ابن مسكويه أن معنى هارون بالعبرانية المحب.
وقال ابن عباس: إنما سمي موسى لأنه ألقي بين شجر وماء، فالماء بالقبطية
مُو، والشجر سا.
وفي الصحيح أنه وصفه بآدم طوال.
فإن قلت: ما فائدة لُقْيَاه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهل كان لقاؤه
لأرواحهم، أو للأجساد مع الأرواح؟
فالجواب أن الله أسرى بأجسادهم ليراهُم ﷺ ، ويؤم بهم، ويتشرفون برؤيته.
ولما رأوا فَضْلَه وتَعْظيمَه في كتبهم طلبوا من الله أنْ يُريهم وجهه الكريم.
ولذا طلب موسى وعيسى أن يكونا من أمته.
(هود) :
له معنيان: بمعنى اليهود، ومنه: (كانوا هُودا) .
وهاد يهود في اللغة إذا تاب.
(والَّذِين هَادُوا) ، أي تهودوا، وصاروا يهوداً، من قوله: (هُدْنَا إليكَ) .
وهود: اسْمُ في قَوْم عاد، كان أشبهَ الناس بآدم.
وقال ابن مسعود: كان
стр. 1266
رجلاً جَلْداً.
أخرجه في المستدرك.
وقال ابن هشام: اسمه عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح.
وقال غيره: الراجح أنه هود بن عبد اللَه بن رباح بن داود بن عاد
ابن عوص بن آدم بن سام بن نوح.
قال الجواليقي: هود: اليهود، أعجمي.
وحكى شيذلة وغيره أن معنى (هدْنا إليْك) تبْنَا إليك - بالعبرانية.
(هَدْي) :
بالهاء مفتوحة وإسكان الدال: ما يُهْدَى إلى الكعبة من البهائم، واحدته هَدْي وهَدْية.
(هاجروا) :
تركوا بلادهم وأموالهم حبًّا للَه ورسوله.
وفي الحديث: "المهاجِرُ مَنْ هجر ما نهى الله عنه".
(هار) :
مقلوب من هائر، أي ساقط، يقال هار البناء
وانْهَار وتَهَوَّر: سقط.
(هَمّت طائفةٌ منهم أنْ يُضِلُّوك) :
هم الذين جاؤوا إلى النبي ﷺ أن يُبَرئوا ابْنَ الأبَيْرق من السرقة، وهذه الآيات وإن كانت إنما نزلت بسبب سرقة لبعض الأنصار فهيَ أيضاً تتضمن أحكاماً غيرها.
(هَيْتَ لَكَ) :
أي هَلمَّ بالنبطية.
وقال الحسن: هي بالسريانية.
وقال عكرمة: بالحورانية.
وقال أبو زيد الأنصاري: هي بالعبرانية، وأصلها هيتلح، أي تعاله.
وقرئ بفتح الهاء وضمها وكسرها.
والمعنى في ذلك كلّه واحد، وحركة التاء للبناء.
وأما من قرأه بالهمز فهو فعل من تهيّأت، كقولك: جئْت.
لَمَّا قالت له هلم أَنا لكَ وأنت لي، فقال لها يوسف: أنت لزوجك وأنا لربي.
وكذلك أنت يا محمديّ يَدَّعِي إبليس أنكَ له ليدخلك معه في النار، فيقول:
تعال، أنت للنار وهو للعزيز الجبار، فعليك بشُكرِ مولاك، والرجوع إليه.
ليكون لك، ألا تَرى زليخا غلقت الأبواب كلَّها عليه لتصيب الخلوة معه.
فكذلك أنت غلق العلائق كلها من قلبك لتكونَ له خاصة، ولا يقدر إبليس
стр. 1267
على الدخول فيه، لأنه لا يدخل إلا بيتاً ليس فيه حب المولى، وأما البيت الذي هو مشغوف بخالقه، فكيف يدخل فيه، والله يقول: (إنَّ عِبَادِي ليس لكَ عَليهم سُلْطان) .
وقال: (لا تدخلوا بيوتاً غَيْرَ بيوتكم حتى تَسْتَأنِسوا) .
ولا تغتر بحبّ وَليّ أو عالم، وتطمع أنْ يَشْفعَ فيك أَحد، فإن سَيِّدَ الأولين والآخرين لم يقدر على هداية أعمامه أو أحد من خَلْقه.
فكيف بغيره؟
وإذا كنت معه سبحانه فلا يقدر إبليس على إغوائك.
(وهَمَّ بها) :
الضمير لزليخا، وقد أكثر الناسُ الكلامَ في هذه الآية وألَّفوا
فيها تواليف، فلا تأخذ منها ما ذكره بعضهم من حل تكته وقعوده بين رِجليْها وغيره، بل هَمَّ بها إنما كانت خطرة له ولم يعزم، بل أقلع في الحال حتى محاها من قلبه لَمّا رأى برْهَانَ ربه.
وقد قدمنا أنَّ البرهان كان أنه رأى في الحائط مكتوب: (ولا تقْرَبوا
الزنى) .
وقيل تكلم صبي في المهد: يا يوسف، إن الله مطَّلِع عليك وإن لم تره.
وقيل: رأى صورةَ يعقوب على الجدار عاضًّا على أنامله من الغضب.
وقيل: إن زليخا ستَرَتْ صنما لها بديباج، فقال لها يوسف: لِمَ فعلت
هذا، فقالت: أنا أستحي منه.
فقال: أنت تستحين من صنم لا عَقْل له، فكيف لا أستحي أنا ممن خلقني! وقيل غير هذا.
والصحيح أن اللَهَ عصمه من المخالفة، واستغفر مما خطر له من الهم، فكتبت له حسنة.
ويقال: إن ثلاثة من الأنبياء رأوا ثلاثةَ أشياء، فازداد لهم بها ثلاثة: أولهم
إبراهيم رأى ملكوتَ السماوات والأرض فازداد له يقيناً.
ويوسف رأى برهان ربه فازداد عصمة.
ونبينا محمد ﷺ أراه الله الإسراءَ فازداد به رؤية المولى.
قال تعالى: (ما كذبَ الفؤَاد ما رأى) .
(هذا للَه بِزَعْمِهم) .
أي بدَعْوَاهم وقولهم من غير دليل ولا شَرع.
وأكْثَر ما يقال الزَّعْم في الكذب.
وقرئ بضم الزاي وفتحها، وهما لغتان.
стр. 1268
قال السهيلي: هم حيٌّ من خَوْلان يقال لهم الأديم كانوا يجعلون من
زروعهم وثمارهم ومن أنعامهم نصيباً لله ونصيباً لأصنامهم.
(هَوَاء) - بالمد: منخرمة لا تعِي شيئاً من شدة الجزَع.
فشبهها بالهواء في تفرغه من الأشياء.
ويحتمل أن يريد مضطربة في صدورهم، وقد قدمنا قول الزمخشري إن البيانيين يجعلونه استعارة، وإنه إشارة إلى ذهاب أفئدتهم وعدم انتفاعهم بها.
وهوى النفس - بالقصر: ما تحبه وتميل إليه.
ومنه: (ونَهَى النَّفْسَ عن الهوَى) .
والفعل منه بكسر الواو في الماضي وفتحها في المضارع.
وهَوَى يَهْوي، بالفتح في الماضي والكسر في المضارع: وقع من علو.
ويقال أيضاً بمعنى الميل.
ومنه: (أفئدَة من الناسِ تَهْوِي إليهم) .
والهواء، بالمد والهمز: ما بين السماء والأرض.
(هؤلاء وهؤلاء من عَطَاءِ رَبِّكَ) :
الإشارة إلى الفريقين المتقدمين.
والعطاء: هو رزق الدنيا.
وقيل: من الطاعات لمن أراد الآخرة، ومن المعاصي لمن أراد الدنيا.
والأول أظهر.
(هَشِيماً) :
متفتّتا، ومنه سمي الرجل هاشماً.
(هَدًّا) ، أي انهداماً وسقوطاً إلى أسفل، وهو قَعْر جهنم.
(هَدَى) ، أي هدَى خَلْقَه إلى التوصل إلى العلم والهداية، فضلاً منه وإحساناً.
(همْسًا) :
هو الصوت الخفي، ويعني به صوت الأقدام إلى المحشر.
(هَضمًا) ، أي بَخْساً ونَقْصاً لحسناته، يقال هضمه
واهتضمه، إذا نقصه حقه.
стр. 1269
(هاتوا بُرْهَانكم) :
تعجيز لهم، وهو من هاتَى يُهاتي، ولم يُنطق به.
وقيل: أصله أتوا، وأبدل من الهمزة هاء.
(هذا ذِكْر مَنْ مَعِيَ وذِكْر مَنْ قَبْلي) :
رد على المشركين.
والمعنى هذا الكتابُ الذي مَعِي والكتب التي من قبلي ليس فيها ما
يقتضي الإشراكَ بالله تعالى، بل كلّها متفقة على التوحيد.
(أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ) :
لما كان الذكر بمدح وبذم ذكروا أن إبراهيم يذكر آلهتكم بالذم، دلت
على ذلك قرينة الحال، وهم بذكر الرحمن في موضع الحال.
أي كَيف ينكرون ذمّك لآلهتهم وهم يكفرون بالرحمن، فهو أحقّ بالملامة.
وقيل: معنى بِذِكْر الرحمن تسمية بهذا الاسم، لأنهم أنكروها، والأول أغرق في ضلالهم.
(هذه أُمَّتكم) .
أي مِلَّتكم ملةٌ واحدة، وهذا خطاب للناس كافة أو المعاصرين لرسول الله ﷺ .
(هامِدَة) : يعني لا ثبات معها.
(همزَاتِ الشيَاطِين) :
يعني حركاتهم ونزغاتهم.
وقيل جنونهم، والأول أعم.
(هبَاءً) :
هي الأجرام التي لا تظهر إلا حين تدخل الشمس على وضع ضَيّق كالكوة.
وقد قدمنا أنه النور المتفرق، ومنه: (هَبَاءً مُنْبَثًّا) ، وهو ما سطع بيْن سنابك الخيل، من الْهَبْوَة، وهي الغبار.
(هَوناً) :
رُوَيداً، يعني أنهم يمشون بحلم ووَقار.
ويحتمل أن يكون وصف أخلاقهم في جميع أحوالهم، وعَبَّر بالمشي على الأرض عن جميع تصرفهم وحياتهم.
стр. 1270
(هَضِيم) ، أي ليّن رطب.
يعني أن طَلْعها يثمر ويرطب.
(هؤلاء الذين أغْوَيْنَا) :
الإشارة إلى أتباعهم من الضعفاء.
فإن قلت: كيف الجمع بِين قولهم: (أغويناهم) وبين قولهم: (تَبَرّأنَا
إليك) ، فإنهم اعترفوا بإغوائهم وتبرءوا مع ذلك منهم؟
فالجواب أن إغواءهم لهم هو قولهم لهم بالشرك.
والمعنى أنَّا حملناهم على الشرْك كما حملنا أنْفسنا عليه، ولكن لم يكونوا يعبدونهم، وإنما كانوا يعبدون غيرهم من الأصنام وغيرها، فتبرأنَا إليكَ عن عبادتهم لها، فتحصّل من كلام هؤلاء الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم أغْوَوا الضعفاء وتبرَّءُوا من أن يكونوا هم آلهتهم، فلا تناقض في الكلام.
وقد قيل في الآية غير هذا مما هو تكلّف بعيد.
(هل لكم مِمَّا ملكت أيْمانُكم) :
هذا مثل مضروب، معناه أنكم أيها الناس لا يشارِككم عبيدكم في أموالكم، ولا يَسْعَوْنَ معكم في أحوالكم، فكذلك الله لا يشارِكه عَبِيده في ملكه، ولا يُمَاثِلُه أحد في ربوبيته.
فذكر حرف الاستفهام، ومعناه التقرير على النفي، ودخل فيه قوله: (فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) ، أي لستم فيه سواء مع
عبيدكم، ولستم تخافونهم كما تَخَافون الأحرار مثلكم، لأن العبيد عندكم أقل من ذلك.
(هَلمَّ إلينا) .
هذا من قول المنافقين الذين قعدوا بالمدينة عن الجهاد، كانوا يقولون لقرابتهم وأخِلاّئهم من المنافقين: هَلمَّ إلى الجلوس معنا بالمدينة وتَرْك القِتال.
(هل يَنْظرونَ إلاَّ تَأوِيله) .
أي عاقبة أمره وما يؤول إليه من ظهور ما نطق من الوَعْد والوعيد.
стр. 1271
(وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ) :
جاءت هذه القصة بلفظ الاستفهام تنبيهاً للمخاطب ودلالة على أنها من الأخبار العجيبة التي ينبغي أنْ يلقى البال لها.
(هذا أَخي له تسْع وتسعون نَعْجَةً) :
هذا من حكاية كلاَم أحَدِ الخصمين.
والأخوة هنا أخوة الدين.
ومنه الحديث: "إذا ضرب أحدكم أخاهَ فليجتنب الوَجْه".
والنّعجَة تقَعُ في اللغة على أنثى بَقر الوحش، وعلى أنثى الضأن، وهي هنا
عبارة عن المرأة (١) ، وكأنه لم يرِد الإفصاح بقصة داود مع امرأة أوريا، وإنما ضرب له المثل لينتبه.
(هذا ذكر)
الإشارة إلى ما تقدم في هذه السورة من ذِكرِ الأنبياء وقيل الإشارة إلى القرآن بجملته.
والأول أظهر، فكأن قوله (هذا ذكر) ختام للكلام المتقدم، ثم شرع
بعده في كلامٍ آخر كما يتم المؤلف باباً ثم يقول هذا باب، ثم يشرع في آخر.
(هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ) ، تقديره: الأمْر هذا.
لما تمِ ذِكْر أهل الجنة ختمه بقوله: (هذا) ، ثم ابتدأ وَصْف أهل النار، ويعني بالطَاغِين الكفار.
(هذا فلْيَذُوقوه حَمِيمٌ) :
(هذا) مبتدأ وخبره (حميم) ، و (فليذوقوه) اعتراض بينهما.
(هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ) :
هذه الآية تدل على رحمانية الله وتَرد على المشركين في عبادتهم الأَصنام.
وسبَبها أنهم خوَّفوا رسولَ الله ﷺ منها فنزلت الآية مبينةً أنهم لا قدرة لهم.
فإن قلت: كيف قال كاشفات وممْسكات بالتأنيث؟
فالجواب: أنها لا تعقل فعامَلَها معاملةَ المؤنث.
وأيضاً ففي تأنيثها تحقير لها وتهكم بمن عَبدها.
стр. 1272
(هَذه أبداً) :
هو قَوْلُ الوليد بن المغيرة، وأنكر بقوله أنْ يكونَ الله تفضَّل عليه.
وهذا إنكار للبعث، لقوله بعده: (وما أظنّ الساعةَ قائمة) .
ومعناه إن بعثت على زعمكم فلي الجنة، وهذا تَخَرّص
وتكبر من الوليد.
(هذه الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) :
هذا من قول فرعون، ويعني بالأنهار الخلجان الكبار الخارجة من تحت النيل، وكانت تجري تحت قصوره.
وقد قدمنا أنها أنهار الإسكندرية ودمياط وتنيس، وطولون.
(هذا إِفْكٌ قَدِيم) :
هذا من قول مَنْ لم يَهْتَدِ بالقرآن، ووصفوه بالقِدَم لأنه قد قيل قديماً.
فإن قلت: كيف عَمِل (فسيقُولون) في (إذ) وهي للماضي، والعامل
مستقبل؟
فالجواب أنَّ العامل في إذ محذوف تقديره إذ لم يهتدوا به من عنادهم
فسيقولون، قال ذلك الزمخشري.
ويظهر لي أنَّ إذْ هنا بمعنى التعليل في القرآن وفي كلام العرب، ومنه: (ولن يَنْفَعكم اليومَ إذْ ظَلمتم) .
(فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) :
خاطب بها المنافقين المذكورين، وخرج من الغيبة إلى الخطاب، ليكون أَبلغ في التوبيخ، ومعناها هل يُتَوقَّع منكم إلا فساد في الأرض، وقَطْعُ
الأرحام.
(إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) ، أي صرتم ولاةً على الناس، وصار الأمْر لكم، وعلى هذا
قيل: إنها نزلت في بني أمية.
وقيل معناه: أعرضتم عن الإسلام.
(ها أنتم هؤلاء) :
منصوب على التخصيص، أَو منادى: ناداهم إلى الإيمان بالله والإنفاق في سبيله.
(هذَا ما لدَيَّ عَتِيد) :
قد قدمنا أنه مِنْ قول القَرِين، ومعناه هذا الإنسان حاضر لدي قد أَعْتَدْتُه ويسَّرْته لجهنم.
стр. 1273
(هل مِنْ مزيد) :
اختلف هل تتككم جهنم بهذا، أو مجاز بلسان الحال.
والأظهر أَنه حقيقة، وذلك على الله يسير، ومَعْنى طلب زيادنها أنها لم
تمتَلئ.
وقيل معناه لا مزيد، أَي ليس عندي موضع للزيادة، فهي على هذا قد
امتلأت.
والأول أظهر وأرجح، لما ورد في الحديث:
" لا تزال جهنّم يُلْقى فيها وتقول: هل من مزيد حتى يضع الجبَّار فيها قَدَمه ".
أي خَلْقاً سماه القَدم، أو قدرته، لأن الجارحة تستحيل في حق الله سبحانه.
وقيل: إن الخطاب من خزَنتها.
والمزيدُ يحتمل أن يكون مصدراً كالمحيض، أو اسم مفعول، فإن كان
مصدراً فوَزْنُه مفعل، وإن كان اسم مفعول فوزنه مفعول.
(هذا ما تُوعدون لكل أوابٍ حفيظ) :
هذا من كلام الله يحتمل أن يقوله لأهل الجنة عند إزْلاَفِها، كما قال في الآية الأخرى: (هذا يومكم الذي كنْتم توعَدون) .
ويحتمل أن يكون خطاباً لهذه الأمة.
والأوَّاب الحفيظ: هو الذي يمتثل أمْرَ الله، ويترك نَوَاهيه.
(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) :
المراد بهذا الاستفهام التفخيم والتهويل، ووصفَهم بالْمكْرَمين لأن الملائكة مكرمون، أو لأنه خدمهم بنفسه أَو أخْدَمهم امرأته.
(هذا نَذِير من النّذُر الأولى) :
قد قدمنا أنَّ الإشارةَ إلى النبي ﷺ في حرف النون.
(هَمًاز) :
هو الذي يعيبُ الناسَ.
وأصل الهمْز الغَمْز.
وقيل لبعض العرب: الفأرة تهمز، فقال: السنور يهمزها.
(هل ترى لهم مِنْ باقِيَة) ، أي من بقية.
وقيل: من فئة باقية.
وقيل: إنه مصدر بمعنى البقاء.
(هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) :
هاؤم اسم فعل.
стр. 1274
قال ابن عطية: تعالوا.
وقال الزمخشري: هو صوت يُفْهم منه معنى خذْ.
و (كتابيه) مفعول يطلبه (هاؤم) ، و (اقرَءُوا) من طريق المعنى، تقديره هاؤم كتابي اقرءوا كتابي، ثم حذف الأول لدلالة الأخير عليه، وعمل فيه العامل الثاني، وهو (اقرَءُوا) عند البصريين.
والعامل الأول وهو (هاؤم) عند الكوفيين.
والدليلُ على صحة قول البصريين أنه لو أعمل الأول لقال اقرءوه.
والهاء في (كتابيه للوقف) ، وكذلك في (حسابيه) ، و (ماليه) .
و (سلطانيه) ، وكان الأصل أنْ تسقط في الوصل لكنها ثبتت فيه مراعاة لخط
المصحف.
وقد أسقطها في الوصل بعضُهم.
ومعنى الآية أن العبد الذي يُعطَى كتابه بيمينه يقول للناس: اقْرَءُوا كتابيه على وجه الاستبشار والسرور بكتابه.
(هلك عني سلطانيه) :
هذا مِنْ قول الشقيّ، يقول: زال عني ملكي وقدْرتي حين يعاين العذابَ.
وقيل: ذهبت عني حجّتي.
ومنه قوله: (ما أنْزَلَ الله بها مِنْ سُلْطان) .
(هَلُوعًا) :
قد فسره، وهو قوله: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) .
وذكر الله ذلك على وَجْه الذم لهذا الخلق، ولذلك استثنى منه الْمصَلِّين، لأن صلاتهم تَخضُّهم على قلة الاكتراث بالدنيا، فلا يجزعون من شَرّها ولا يبخلون بخيرها.
(هَزْل) :
لعب ولهو، يعني أن هذا القرآن جدّ كله لا هَزْل فيه.
(هُدًى) :
بضم الهاء: له سبعة وعشرون وجهاً:
بمعنى الثبات: (اهْدِنا الصر اطَ المستقيم) .
والبيان: (أولئك على هدًى من ربهم) .
والدين: (إنَّ الْهدَى هُدَى الله) .
والإيمان: (ويزيد اللَّهُ الذين اهتدوا هدى) .
والدعاء: (ولكل قومٍ هاد) ، (وجعلناهم أئمةً يَهْدون بأمرنا) .
وبمعنى الرسل والكتاب: (فإمَّا يأتِيَنَّكم مني هُدًى) .
والمعرفة: (وبالنجم هم يَهتَدون) ا.
والنبي ﷺ : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى) .
стр. 1275
وبمعنى القرآن: (ولقد جاءهم من رَبِّهم الهدَى) .
والتوراة: (ولقد آتينا موسى الهدى) .
والاسترجاع: (وأولئك هم الْمهْتَدون) .
والحجة: (ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ) .
ثم قال بعده: (والله لا يَهْدي القوم الظالمين) ، أي لا يهديهم حجة.
والتوحيد: (نتبع الْهدَى معك نتَخَطّف من أرضنا) .
والسنة: (فبِهدَاهم اقْتَدِه) .
(وإنا على آثارهم مهْتَدون) .
والإصلاح (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) .
والإلهام: (أَعطى كل شيء خَلْقَة ثم هَدى) ، أي ألْهم المعايش.
والتوبة: (إنا هُدْنا إليك) .
والإرشاد: (أنْ يَهْديني سواءَ السبيل) .
(هُون) :
هَوَان وذِلة.
(هجر) :
من الهجران.
وبمعنى الْفجر أيضاً، وهو فحش الكلام، وقد يقال في هذا أهجر بالألف.
(همْ نَجْوى) :
الإشارة إلى الذين لا يؤمنون بالآخرة، يعني أنهم جماعة يتناجَوْنَ، فأخبر الله أنه يعلم ما يتناجون به.
(هنالك الوَلاَيةِ للَهِ الحقِّ) :
ظرف يحتمل أن يكون العامل فيه منتصراً، أو يكون في موضع خبر الولاية، وهي بكسر الواو بمعنى الرياسة والملك، وبفتحها من الموالاة والمودة.
(هُدُوا إلى الطيِّبِ من القولِ) :
هو لا إله إلا الله محمد رسول الله، واللفظ أعمَّ من ذلك، (وصراط الحميد) : صر اط الله، فالحميد: اسْم الله.
ويحتمل ان يريد الصراط الحميد، وأضاف الصفة إلى الموصوف، كقوله: مسجد الجامع.
(هو أُذُن) .
أي يسمع كلّ ما يقال له ويصدّقه، وكانوا يؤْذون بهذا القول سيدنا ومولانا محمداً ﷺ .
стр. 1276
(هُمزَة) :
هو على الجملة الذي يَعِيبُ الناس ويأكل أَعراضهم، واشتقاقه من الهمْز واللّمْز، وصيغة فُعَلَة للمبالغة.
واختلف في الفرق بين الكلمتين، فقيل: الْهَمْز في الحضور، واللمز في الغيبة، وقيل بالعكس.
وقيل الهمز بالعين واليد، واللمز باللسان.
وقيل هما سواء.
ونزلت السورةُ في الأخنس بن شَرِيق، لأنه كان كثير الوقيعة في الناس.
ولَفْظُ ها مع ذلك على العموم في كلّ مَنِ اتّصف بهذه الصفات.
(الهاء) :
اسم ضمير غائب يستعمل في الجر والنصب، نحو: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) .
وحرف للغيبة، وهو اللاحق لإيَّا.
وللسكت، نحو: (ماهِيَهْ) ، (كِتَابيهْ) ، (حِسَابيه) ، (ماليه) ، (سُلْطَانِيَه) .
(لم يَتَسَنّهْ) .
وقرئ بها في أواخرها آي الجمع، كما تقدم وَقْفا.
(ها)
ترِد اسْمَ فعل بمعنى خذ، ويجوز مَدُّ ألفه فيتصرف حينئذ للمثنى
والجمع، نحو: (هاؤُم اقرءوا كتابيه) .
وَاسْماً ضميراً للمؤنث، نحو (فأَلْهَمَهَا فجورَها وتَقْواها) .
وحرف تنبيه، فتدخل على الإشارة، نحو هؤلاء، (هذان خَصْمَان) .
ها هنا.
وعلى ضمير الرفع، نحو: (ها أنتم أُوْلاء) .
وعلى نعت أي في النداء، نحو: (يا أيها الناس) .
ويجوز في لغة أسد حذف ألف هذه وضمها إتباعاً، وعليه قراءة:
(أَيُّهُ الثقلان) (١) .
(هات) :
فعل أمْر لا يتصرف، ومِنْ ثم ادَّعَى بعضهم أنه اسم فعل.
(هل) :
حرف استفهام يُطلب به التصديق دون التصور، ولا يدخل على
مَنْفِيّ ولا شرط، ولا أَن، ولا اسم بعده فعل غالباً، ولا عاطف.
стр. 1277
قال ابن سيده: ولا يكون الفعل معها إلا مستقبلا، ورُدَّ بقوله: (فهَلْ
وجدْتُم ما وَعَد رَبُّكم حَقَّا) .
وترد بمعنى " قد "، وبه فُسر: (هَلْ أتى على الإنسان) .
وبمعنى النفي، نحو: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) .
وقد قدمنا في معاني الاستفهام مباحث غير هذَا.
(هَلُمَّ) :
دعاء إلى الشيء، وفيه قولان:
أحدهما أن أصله " ها ولمّ " من قولك: لممتُ الشيء، أي أصلحته.
فحذفت الألف وركب.
وقيل أصله هل أم، كأنه قيل: هل لك في كذا، أمَّه.
أي اقصده فركَّبا.
ولغة الحجاز تركه على حاله في التثنية والجمع، وبها ورد
القرآن، ولغة تميم إلحاقه العلامة.
(هنا) :
اسم ئشار به للمكان القريب، نحو: (إنا ها هنا قَاعِدون) .
وتدخل عليه اللام والكاف فيكون للبعيد، نحو: (هنالِكَ ابْتُلِي المؤمنون) ، وقد يُشارُ به للزمان اتساعاً، وخُرِّج عليه: (هنَالكَ تبْلو كلَّ نفس ما أسلفَتْ) .
(هنالك دَعَا زَكَريا رَبَّه) .
(هَيت) :
اسم فعل بمعنى أسرع وبادِرْ، قاله في المحتسب.
(هيهات) :
اسم فعل بمعنى بَعُد، قال تعالى: (هيهات هيهات لما توعَدون) ، البعْد لما توعدون، قاله الزجاج.
وقيل: وهذا غلط أوقعه فيه اللام، فإن تقديره بَعد الأمر لما توعدون، أي لأجله.
وأحسن منه أن اللام لتبيين الفاعل، وفيها لغات، قرئ منها بالفتح، وبالضم
وبالخفض مع التنوين في الثلاثة وعدمه.
стр. 1278
(حرف الواو)
(وَيل) :
كلمة شَرٍّ، وقد قدمنا معناه، قال الأصمعي: (ويل) كلمة
قبح، ووَيس استصغار، وويح ترحم.
(واسع) :
جواد لما يسأل.
ويقال الواسع المحيط بعلم كل شيء، كما قال (وَسِعْتَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلماً) .
ووسع يسع سعة من الاتساع، ضد الضيق، (وموسِع) : غني، أي واسع الحال، وهو ضد المقتر (وإنا لَموسِعُون) .
قيل أغنياء، وقيل: قادرون، و (إلا وسْعَها) : طاقتها.
(وَدّ) يود: له معنيان: من المودة والمحبة، وبمعنى التمني، نحو: (وَد كثيرٌ
من أهل الكتاب) ا.
(وَدُّوا لو تكفرون) .
والودّ بالضم: المحبة.
وقد قدمنا أنه اسم صنم عبِد من دون الله.
(وَسَطا) :
الوسط من كل شيء: خيَارُه، وكيف لا تكون هذه الأمة خياراً وهم يشهدون يوم القيامة للأنبياء بإبْلاَغ الرسالة إلى أممهم.
فإن قلت: لم أَخر المجرور في هذه الآية: (شهَدَاءَ على الناس) ، وقدمه في قوله: (عليكم شَهيداً) ؟
فالجواب أن تقديم المعمولات يفيد الْحَصْر، فقدمه لاختصاص شهادة النبي ﷺ بأمته، ولم يقدمه في الأمة لأنه لم يقصد الْحَصْر.
стр. 1279
فإن قلت: هل الأمة يشهدون كلهم، برّهم وفاجرهم، أوْ لاَ يشهد إلا لمن
هو أَهلٌ لذلك؟
والجواب أن لفظ الآية عام، لكن الذي يظهر من لفظ الآية أنه لا يشهد إلا
العدول، فلا يشهد منها إلا خيارها، والحكم هناك كالحكل هنا، وقد قال:
(ممَّنْ تَرْضَوْن من الشهداء) .
وأيضاً قد ذكر في حديث قوم نوح أنهم يقولون: كيف يَشهد علينا من لم يحضرنا، فيقولون: يا ربنا، أنزلْتَ علينا كتاباً فوجدنا فيه قصَّتَهم، ثم يقرأون سورةَ نوح، فهذا لا يكون جواباً إلا ممن له علم بالكتب، وكثير من هذه الأمة لا يعلمون من الكتاب شيئاً، ومن طريق النظر من هذه الأمة إذ ذاك في نوع من أنواع العذاب كيف يستشهدون، وكيف تقبل لهم شهادة، فإذا كان العالِم الذي لا يَخفى عليه شيء لا يَحكُم بعلمه فيما بيننا في ذلكَ اليوم، فكيف بالغير، فيا أخا البطالة والتلويث لنفسك، انتبه، الحاكم قد زَكاك وأنْتَ بما ارتكبت من قبيح الأوصاف تجرح نفسك، وبذلك تفرح، فقد خضْتَ بحارَ المهالك، وعلى عَقِبك من الخير نكصت.
أعلمك بهذه الرتبة الرفيعة لعلك تحافظ عليها فتكون ممن يشهد إذ ذاك.
فأعرضتَ عن الشهادة على غيرك، وتعرضتَ لشهادة جوارِحك عليك! بئس ما استبدلت!
وقد جاء أنَّ أول من يُساقُ للحساب الذي العَرْش على كاهله والعرق يتَحدر
على جَبينه، فيقول الله له: ما صنعت بعهدي، فيقول: يا رب، بلَّغْته جبريل، فيؤتى جبريل، فيقول له الحق ﷻ : هل بلغكَ إسرافيل عهدي، فيقول: نعم، فيخلّي حينئذ عن إسرافيل، ويسأل جبريل فيقول له: ما صنعْتَ في عهدي، فيقول: يا رب، بلغْته الرسل، فيؤتى بالرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فيقول لهم: هل بلّغَكم جبريل عَهْدي، فيقولون: نعم، فحينئذ يخلي عن جبريل، فأول مَنْ يسأل مِن الرسل نوح ﵇، فيكون من قصته ما ورد في الحديث - أنه يُجَاء بنوح ﵇، فيقال له: هل بلّغْتَ، فيقول:
стр. 1280
نعم يا رب، فتسأل أمّته: هل بلغكم، فيقولون: ما جاءنا من نذير.
فيقال: مَنْ شهودك، فيقول: محمد وأمته.
قال ﷺ : فيُجَاء بكم فتشهدون، ثم قرأ ﷺ : (وكذلك جعلناكم أمَّةً وَسطا) .
فإن قلت: يعارضنا هنا قوله ﷺ : أوَّل مَنْ يحاسَبُ من يجوز على الصراط؟
والجواب: أنه ليس بينهما تعارض، لأن حساب الأمم على نوعين، وبذلك
يجمع الحديثان، ولا يبقى بينهما تعارض، وهو أن النوع الأول أنْ تسأل الأمم: بلّغهم الرسل أم لا، فهذا الذي يتقدم جميعَ الأمم على هذه الأمة، لأنهم هم الشهود عليهم، فلا بد من حضورهم إلى آخر الأمم.
والنوع الآخر هو سؤال الأمم كلّ شخص منهم منفرداً عن عمله بمقتضى
شريعته، فهذا الذي تكون هذه الأمة أوَّل مَنْ يُحاسب.
وسيِّدنا ومولانا محمد ﷺ شاهد، كما قال تعالى: (وجئنا بكَ على هؤلاء شَهيداً) .
تقديره: كيف يكون الحال إذا جئنا بنبيٍّ يشهد على أمته بأعمالهم.
ولما قرأها ابن مسعود على رسول الله ﷺ ذَرفت عيناه بالدموع، وقال: حَسْبُكَ يا ابن مسعود.
(ولا يَأبَ الشهداء إذا ما دعُوا) ، أي لا يمتنعوا إذا دعُوا إلى أداء الشهادة.
وقد ورد تفسيره بذلك عن النبي ﷺ .
واتفق العلماء على أنَّ أداءَ الشهادة واجبٌ إذا دُعي إليها.
وقيل: إذا دعوا إلى تحصيل الشهادةِ وكَتْبها.
وقيل إلى الأمرين.
(ولا تسأموا) ، أي لا تملّوا من الكتابة إذا ترددت وكثرت، سواء كان الحق صغيراً أو كبيراً، ونصب صغيراً على الحال.
(وأشْهدوا إذا تبايعْتُم) :
هذا أمر يُفهم منه الإشهاد، وأَهل الظاهر أوجبوه خلافًا للجمهور.
وذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله: (فإن أَمِنَ بعضُكم بعْضاً) ، وذهب قوم إلى أنه على الندب.
(ولا يُضَار كاتبٌ ولا شَهيد) :
يحتمل أن يكون كاتب
стр. 1281
فاعلاً على تقدير كسر الراء المدغمة من (يضار) .
والمعنى على هذا نَهْي للكاتب والشهيد أن يضرَّا صاحبَ الحق، أو الذي عليه الحق بالزيادة فيه أو النقصان منه والامتناع من الكتابة أو الشهادة.
ويحتمل أن يكون (كاتب) مفعولاً لم يسم فاعله على تقدير فتح الراء
المدغمة، ويقوِّي ذلك قراءة عمر بن الخطاب: "لا يضارَر"، بالتفكيك وفتح الراء.
والمعنى النهي عن الإضرار بالكاتب والشهيد، بإذايتهما بالقول أو بالفعل.
(وإن تفعَلوا) ، أي وقعتم في الإضرار فإنه فسوق حالٌّ بكم.
(والله يؤيِّد بنَصْره مَنْ يشاء) ، يعني أنَ النصر بمشيئة
الله لا بالقِلة ولا بالكثرة، فإن فئة المسلمين غلبت فئة الكافرين مع أنهم كانوا
أكثر منهم.
(ورِضوان من الله أكبر) ، أي من نعيم الجنة حسبما ورد في الحديث - أنه يقول لهم:
" تريدون شيئاً أَزيدكم، فيقولون: قد أَعطيتنا بغْيتنا، فيقول: أزيدكم رضواني فلا أَسخط عليكم أبدًا، فلولا الرضوان لم يطب لهم
نعيمها لتخوّفهم من فراقها ".
(وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ)
هذا من كلام عيسى ﵇.
وروي أنهم كانوا يجمعون إليه الجماعةَ من العميان والبرصاء، فيدعو لهم فيبرأون، ويضرب بعصاه الميت أو القبر فيقوم الميت ويكلّمه.
وروي أنه أحيا سام بن نوحْ، وكان يقول: فلان أكلتَ كذا، وادخرْتَ في
بيتك كذا.
(ومُصَدًقاً) :
عطف على (رسولاً) : أو على موضع (بآية من ربكم) ، لأنه في موضع الحال، وهو أحسن، لأنه من جملة كلام عيسى على تقدير: جئتكم بآيةٍ وجئتكم مصدقاً، ولأحِلَّ لكم عطف على بآية.
стр. 1282
وكانوا قد حُرِّمَ عليهم الشحم وَلَحْم الإبل وأشياء من الحيتان والطير، فأحلّ
لهم عيسى بعض ذلك.
(وَجيهًا في الدنيا والآخرة) ، إلى آخر الآيات: حال
(ويعلمه) ، معطوفة، إذ التقدير ومعلماً للكتاب.
(ورسولاً) يضمر له فعل، تقديره أرسل رسولاً أو جاء رسولاً.
(وما كان مِنَ المشركين) : نَفْيٌ للإشراك الذي هو عبادة الأوثان.
ودخل في ذلك الإشراك الذي يتضَمّنه دين اليهود والنصارى.
(وأنا معكم من الشاهدين) :
تأكيد للعهد بشهادة اللَه ﷻ .
(وشهدوا) ، عطف على أيمانهم، لأن معناه بعد أن آمنوا.
وقيل الواو للحال.
وقال ابن عطية: عطف على كفروا، والواو لا ترَتب.
(ولو افْتَدى بهِ) :
قيل هذه الواو زائدة.
وقيل للعطف على محذوف، كأنه قال: لن يقبل من أحدهم لو تصدق به، ولو افتدى به.
وقيل نَفَى أولاً القبول جملة على الوجوه كلها، ثم خص الفديةَ بالنفس، كقولك: أَنا لا أفعل أصلاً ولو رغبت إليَّ.
(ومَنْ كفر) :
عطف على (من استطاع) : أي من استطاع الوصول إلى مكة بصحة البدن إما راجلاً وإما راكباً مع الزاد المباح والطريق الآمن، أو الزاد والراحلة - فواجب عليه الحج.
ومَنْ لم يحجَّ فقد كفر، وعبَّر عنه بالكفر تغليظاً، كقوله ﷺ : " ومَنْ ترك الصلاةَ فقد كفر "؟
فإن الله غنيّ عنه، ولا يعود وَبال ذلك إلا عليه.
وفي الحديث: " من مات ولم يحجَّ ولم يحدًث به نفسه مات على شعبة من
النفاق ".
وقيل: إنما عبر بالكفر إشارة إلى مَنْ زعم أنَّ الحج ليس بواجب.
(واعْتَصِموا بحَبْلِ اللهِ جميعاً ولا تَفَرَّقوا) :
стр. 1283
أي تمسكوا بحبل الله.
وهو القرآن، وقيل الجماعة، ولا تفرَّقَوا فتَفْشلوا، لأن الجماعةَ
رحمة، والفرقة عذاب، ومن فارق الجماعة شبرًا خلع رِبْقَة الإسلام من عُنقه، ولأجل الألفة والجماعة أمر الله باجتماع كل درب ومحلة في اليوم خمس مرات، وفي الجمعة لأهل البلد حتى إنها لا تصح إلا في العتيق في العيدين الكبير والصغير
وفي عرفة لأهل الأرض كلّهم، كلّ ذلك للجَمْع.
(ولِيَعْلَم) :
متعلق بمحذوف تقديره: أصابكم ما أصاب ليعلم ذلك علماً ظاهراً لكم تقوم به الحجة عليكم، ويتخذ منكم شهداء في قَتْلكم يوم أُحُد، وليمحِّصَ اللَّهُ المسلمين، لأن إحالة الكفار عليهم تمحيصاً لهم، ونَصر المؤمنين على الكفار هلاكٌ لهم.
(ولقد صَدَقَكم اللَّهُ وَعْده) :
كان رسول الله ﷺ قد وعد المسلمين عن الله بالنصر، فنصرهم اللَّهُ أولا، وانهزم المشركون، وقتل منهم اثنان وعشرون رجلاً، (وعَصيْتم) ، أي خالفتم ما أمِرْتمْ بِه من الثبوت، وجاءت المخاطبة في هذا لجميع المؤمنين وإن كان المخالِف بعضهم، ووعظا للجميع وسَتْراً على مَنْ فعل ذلك.
(ولَقَدْ عَفَا عنكم) ، إعلام بأنّ الذّنْبَ كان يستحق أكثر مما نزل بهم من الهزيمة، لولا عَفْوُ الله عنهم، فمعناه لقد أبقى عليكم.
(وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ) ، أي كان يقول في ساقتهم: إليَّ عبادَ الله، ففيه مَدْحٌ له ﷺ ، وعَتْب لهم، لأن الأخرى هو موقف الأبطال، وكيف لا وبه يتأنّس الجيش، ويؤمن من العدو، وعاتَبهم على عدم الوقوف معه.
(وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) :
هم المنافقون كانوا خائفين من رجوع المشركين إليهم.
(ولِيَبتَلِيَ اللَّهُ ما في صدورِكم) ، يتعلق بفعل، تقديره:
فعل بكم ذلك ليبتلي.
стр. 1284
(ولئن قتِلْتم في سبيل الله) ، الآية: تخبر بأن مغفرةَ الله تعالى ورحمته تعمّ إذا قتلوا أو ماتوا في سبيل الله خَيْر لهم مما يجمعون من الدنيا.
(ولو كنتَ فَظَّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضّوا مِنْ حولك) :
وصف الله رسولَه باللين واللطف لأصحابه، لأنه ﷺ كان لا يوَاجِة أحداً بما يكره، وقد أمره الله بالغلظ على الكفار، وبهذا وصف اللَّهُ الصحابة بأنهم كانوا أَشداءَ على الكفار رحماء بينهم.
(وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا) .
من لطف الله بهذه الأمة أنه لم يعين المخالفَ لرسول الله ﷺ من الموافق، لأنه تعالى أَراد السّتْر على عباده، فأبْشر يا محمديّ بما أنعم الله به عليك حيث ستر على عدوِّك.
والمراد بهذه الآية عبد اللَه بن أبي بن سلول، لأنه لم يُرد الخروج إلى المشركين
يوم أحُد، فلما خرج ﷺ غضب، وقال: أطاعهم وعصاني، فى جمع ورجع معه نحوء ثلاثمائة رجل، فمشى في أثرهم عبد اللَه بن عمرو الأنصاري، فقال: يا قوم ارجعوا وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا يعني عن المسلمين إن لم تقاتلوا، فقال له عبد الله بن أبي: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ) .
(ويَسْتَبْشِرون بالَّذِين لم يَلْحَقُوا بهم) :
المعنى أنهم يفرحون بإخوانهم الذين بقوا في الدنيا من بعدهم، لأنهم يرجون أنْ يستشهدوا مثلهم، فينالوا ما نالوا من الأمن وعدم الحزن
وسبب نزول الآية أن جماعةً من الصحابة استشهدوا فقال لهم الحقّ تعالى:
" تَمنَّوْا ما تريدون "، فقالوا: الرجوع إلى الدنيا للشهادة في سبيلك، فقال: سبق في أَزلي أنه لا يرجع إلى الدنيا أَحَدٌ، فقالوا: أَعْلِمْ إخوانَنا الذين بقوا فيها أنك رضيتَ عنَّا وأرضيتَنا،
стр. 1285
(ولا يَحْزُنْكَ الذِينَ يُسَارِعُون في الكُفْر) :
الخطاب لنبينا ﷺ ، سلاه الله بهذه الآية.
والمسارعون إلى الكفر - المنافقون أو الكفّار في مبادَرتهم إلى أقوالهم وأفعالهم.
(وقَتْلَهم الأَنبياءَ بغير حقٍّ) :
أسند القتل إليهم مع أن آباءهم هم الذين قتلوهم، لكنهم رضوا بذلك، وتبعوا مَنْ فعل ذلك منهم، فهم شركاء، لأَن الراضي بالمعصية كفاعلها.
فإن قلت: ما فائدة تنكير الحق هنا وتعريفه في الآية الأولى من البقرة، ومعلوم أنه لم يقتل نبيٌّ بحق؟
والجواب أنه عرفه لاجترائهم على قتلهم مع معرفتهم بأنه بغير حق، ولذلك
قرئ بالتشديد تعظيما للذنب والشنعة لِلَّذي أتوه، وإنما أباح اللَّهُ تعالى من أباح منهم، وسلّط عليهم عدوه كرامةً لهم، وزيادة في منازلهم، كقتل مَنْ يقتل في سبيل الله من المؤمنين، قال ابن اعباس وغيره: لم يقتل قطّ من الأنبياء إلاَّ مَنْ لم يُؤمَر بقتال، وأما مَنْ أمر بالقتال فإنَّ الله نَصره.
وإنما عُرِّف الحقّ في البقرة
إشارة إلى الحق الذي أَخذ الله أن تقْتل النفس به، وهو قوله: (ولا تقْتُلوا
النّفْسَ التي حَرم الله إلا بالحق) ، فكان الأوْلى بالذكر، لأنه من الله، وما في هذه السورة نكرة، لأنه في معتقدهم وتَدينهم، وكان هذا بالتأخير أولى.
فإنْ قلت: المذكورون في الآيات الثلاث من بني إسرائيل قد اجتمعوا في
الكفر والاعتداء، فما وَجْه اختصاص الآية بجمع التكسير فيما جمع في
الآيتين جمع سلامة، فقيل (النبيين) في الآيتين، وقيل في هذه الآية الأخيرة الأنبياء مكسراً؟
فالجواب أن جمْعَ التكسير يشمل أولي العلم وغيرهم، وجمع السلامة يختصُّ في
أصل الوضع بأولي العلم، وإن وُجد في غيرهم فبحكم الإلحاق والتشبيه، كقوله تعالى: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا) ، وما يلحق بهذا.
стр. 1286
وإذا تقرر هذا فورود جَمْع السلامة في قوله في سورة البقرة، (ويقتلون
النبيين بغير الحق) ، مناسب من جهتين:
إحداهما شرف الجمع لشرفِ المجموع.
والثانية مناسبةُ زيادةِ المدّ لزيادة أداة التعريف في لفظ الحق.
وأما الآية الأولى من سورة آل عمران فمثْل الأولى في مناسبة الشرف ومناسبة
زيادة المد للزيادة في الفعل العامل في اللفظ المجموع في قراءة مَنْ قرأ: "ويقاتلون".
ولما لم يكن في الآية الثالثة سوى شَرَف المجموع، وكانت العرب تتَّسع في جموع التكسير فتوقِعها على أولي العلم وغيرهم أتى بالجمع هنا مكسراً لتحصلَ اللغتان، حتى لا يبقى لمن يتحدَّى القرآن حجة، إذ هم مخاطبون بما في لغاتهم، فلا يقتصر في شيء من خطابهم على أحد الجائزين دون الآخر إلا أن يتكرر، فإذ ذاك يَرد على وَجْهٍ واحد مما يجوز فيه.
فتأمّل ما أجملته، فسوف يتَّضِح لك به إذا استوفيته ما يعِينك على فهم
الإعجاز.
(وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) :
هذه الآيات في الذين آذاهم الكفار بمكة حتىَ خرجوا منها، ولحقوا بالنبي ﷺ ، وقاتلوا معه.
(وإنَّ مِنْ أهلِ الكتاب لَمنْ يؤْمِن بالله) :
نزلت في النجاشي ملك الحبشة، والجمهور على أنها عامَّةٌ في كل من أسلم من اليهود أو النصارى.
(وَجْه النهارِ واكفروا آخِرَه) :
هذه مقالة قومٍ من اليهود قالوها لإخوانهم ليخدعوا المسلمين فيقولوا: ما رجع هؤلاء عن دين الإسلام إلا عن علم.
وقال السهيلي: إنَّ هذه الطائفة هم عبد الله بن الصيْف، وعدي بن زيد.
والحارث بن عوف.
(ولا تقْتلوا أَنفسكم) :
أجمع المفسرون أنَّ المعنى: لا يَقْتل
стр. 1287
بعضكم بعضاَ، ولَفْظها يتناول قَتْل الإنسان لنفسه، وقد حملها عمرو بن العاص على ذلك، ولم ينْكره رسول الله ﷺ لمّا سمعه، وسكوته ﷺ دليل على صحة قوله.
(ومَنْ يَفْعَلْ ذلك) :
إشارة إلى القتل، لأنه أقرب مذكور.
وقيل إليه وإلى أكْل المال بالباطل.
وقيل إلى كل ما تقدّم من المنهيَّات من السورة.
(وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) :
في معنى هذه الآية وجهان:
أحدهما لكل شيء من الأموال جعلنا موالي يرثونه.
فمِمَّا ترك على هذا بيان لكل.
والآخر لكل أحد جعلنا موالى يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، فمما ترك على هذا يتعلق بفعل مضمر، والموالي هنا: العصبة والورثة.
(وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) :
اختلف، هل هي منسوخة أو محْكمة، فالذين قالوا إنها منسوخة قالوا معناها الميراث بالحلف الذي كان في الجاهلية.
وقيل بالمؤاخاة التي آخَى رسول الله ﷺ بين
أصحابه، ثم نسخَتْها (وأولو الأرحام بعضُهم أولَى ببعض) ، فصار الميراث للأقارب.
والذين قالوا إنها محكمة اختلفوا، فقال ابن عباس: هي في المؤازرة والنصرة
بالحلف لا في الميراث.
وقال أبو حنيفة: هي في الميراث، وإن الرجلين إذا والى أَحدهما الآخر على أَنْ يتوارثا صحَّ ذلك وإن لم تكن بينهما قرابة.
(وإذا حضَر القِسْمَةَ أولو القرْبى واليَتَامى والمساكينُ) :
خطاب للوارثين، امروا أن يتصدقوا من الميراث على قرَابتهم، وعلى اليتامى، فقيل: إن ذلك على الوجوب، وقيل على الندب، وهو الصحيح.
وقيل نسِخ بآية المواريث.
فإن قلت: ما فائدة حذف (واكسوهم) من هذه الآية وإثباتها فيما قبل؟
стр. 1288
والجواب: لأَن المراد في الأولى السفيه المتصير إليه المال بإرث، ولا يحسن
القيام عليه، فيحجر عليه ماله إبقاءً عليه، ولا يمكَّن منه إلا بقَدْر ما يأكله
ويلبسه، فالنَّهْى إنما هو للأوصياء، ونسبتة المال إليهم مجاز بما لهم فيه من
التصرف والنظر.
أمّا هذه الآية فليست في شأن أحوال السفهاء وحكمها، وإنما
المراد بها المقتسمون لميراثٍ يخصهم لا حقَّ فيه لغيرهم، فيحضر قريب فقير ويتيم محتاج، فندِبوا إلى التصدق عليهم والإحسان، لا حقَّ لهم في الميراث ولا في المال، فمن أين تلزم كسوتهم والتنصيص عليها، إنما ندبوا إلى الإحسان إليهم فالعَفو عما يخف عليهم وَسعِ ذلك كسوتهم أو لم يَسع، فافترق مقصودُ الآيتين.
وجاء كلٌّ على ما يناسب.
(وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) :
ابن عباس: الرفيق في السفر.
علي بن أبي طالب: الزوجة.
(وأولي الأَمرِ منكم) : هم الولاة، وقيل العلماء.
ونزلت في عبد اللَه بن حُذافة بعثه رسول الله ﷺ في سَرِيَّة.
(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) :
قيل هم المنافقون.
وقيل قوم من ضعفاء المسلمين، كانوا إذا بلغهم خَبَرٌ عن السرايا
والجيوش وغير ذلك تكلّموا به وأَشهروه قبل أن يعلموا صحَّتَه، وكان في
إذاعتهم له مفسدة على المسلمين مع ما في ذلك من العجلة، وقلة التثبت، قأنكر اللَه عليهم ذلك.
(وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) :
معنى الآية أنَّ المقتول خطأ إن كان قومه كفّارًا معاهدين، ففي قَتْله تحرير رقبة والديَّة إلى أهله لأجل معاهدتهم، والمقتول على هذا مؤمن، ولذلك قال مالك: لا كفّارة في قَتل الذمِّي.
وقيل: إن المقتول في هذه الآية كافر، فعلى هذا تجبُ الكفّارة في قتل الذمي.
وقيل: هي عامة في المؤمن والكافر، واللفط مطلق إلا أنه قيّده قوله:
(وهو مؤمن) في الآية قبلها.
وقرأ الحسن هنا وهو مؤمن.
стр. 1289
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ) .
أي يسألونك عما يجب عليهم في أَمر النساء.
(وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)
عطف على اسم الله، أي يفتيكم اللَّهُ، والمتلوّ في
الكتاب بمعنى القرآن.
(وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ) :
عطف على يتامى النساء، أَي والذي يُتلى في المستضعفين من الولدان وهو قوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) ، لأن العرب كانت لا تورِّث البنات، ولا الابن الصغير، فأمر الله أن يأخذوا نصيبَهم من الميراث.
(وأن تقوموا لليتامى بالقِسط) :
عطف على المستضعفين، أي والذي يتلَى عليكم في أَن تقوموا لليتامى بالقسط.
ويجوز أن يكون منصوباً، تقديره ويأمركم أن تقوموا، والخطاب في ذلك للأولياء والأوصياء والقضاة وشبههم، والذي يُتْلى عليكم في ذلك هو قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموالَ اليتامى ظلماً) .
وقوله: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) .
(وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) :
لفظ عام يدخل فيه صلْح الزوجين وغيرهما.
وقيل معناه صلح الزوجين خَيْر من فراقهما، فخَيْر على هذا للتفضيل.
واللام في الصلح للعهد.
(وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) :
معناه أن الشح جُعل حاضراً مع النفوس لا يغيب عنها، لأنها جبلت عليه، والشّحّ هو ألاَّ يسمح الإنسان لغيره بشيء من حظوظ نفسه.
وشح المرأة من هذا هو طلبها لحقِّها من النفقة والاستمتاع.
وشْحّ الزوج: هو مَنع الصداق أو التضييق في النفقة وزهده في
المرأة لكبر سنها أو قبح صورتها.
(وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) :
معناه القول التام في الأقوال والأفعال والمحبة وغير ذلك، فرفع الله ذلك عن
стр. 1290
عباده، فإنهم لا يستطيعونه، وإذا كان الصادق المصدَّق يعدل بين نسائه مع أن الله لم يأمره بذلك، بل كان يتطوع لهنَّ بذلك، ويقول: اللهم هذا فِعْلي فيما أَمْلك فلا تؤاخذني فيما لا أملك، يعني ميلهْ بقلبه، والأمْر القلبي مرفوع عن الحرج، وخصوصاً للمحسنة منهنَّ، فإن القلوبَ جُبلت على حبِّ مَنْ أحسن إليها وكراهةِ من أَساء إليها، هذا أمر جليٌّ.
وقد قدمنا أن الحبَّ يتوارث والبغض يتوارث.
وقيل: إن الآية نزلت في مَيْله ﷺ بقلبه إلى عائشة، فمعناها على هذا اعتذار من الله تعالى عن عباده.
(ولو عَلَى أَنْفسكم) :
يتعلق ب (شهَداء) ، وشهادة الإنسان على نفسه هي إقرارُه بالحق، ثم ذكر (الوالدين والأقربين) ، إذ هم مظنّة التعصب والميل، فإقامة الشهادة على الأجنبيين من باب أحرى وأولى.
(وإن تَلْوْوا أَؤ تعرِضوا) :
قيل: إن الخطاب للحكام.
وقيل للشهود، واللفظ عام في الوجهين.
والليُّ: هو تحريف الكلام، أي إن تَلْووا عن الحكم بالعدل، أو عن الشهادة بالحق، أو تعرضوا عن صاحب الحق، أو عن المشهود له - فإنه خبير بما تعملون.
وقرئ تَلُوا - بضم اللام من الولاية، أي إن وليتم إقامةَ الشهادة أو أعرضتم
(وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) :
روي أنه لما وقع قَتْل المشبّه بعيسى قالوا: إن كان هذا المقتول عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى، فاختلفوا، فقال بعضهم: هو هو.
وقال بعضهم: ليس هو، فأجمعوا أَنّ شخصاً قتل، واختلفوا مَنْ كان.
فإن قيل: كيف وصفهم بالشكّ، ثم وصفهم بالظن، وهو ترجيح أحَدِ
الاحتمالين؟
стр. 1291
فالجواب: أنهم كانوا على الشك، ثم لاحت لهم أمارة فظنّوا.
وقد يقال الظن بمعنى الشك، وبمعنى الوهم الذي هو أضعف من الشك.
(وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) :
في هذه الآية تأويلان:
أحدهما أن الضمير في (مَوْتِهِ) لعيسى، والمعنى أن كلَّ أحد من
أهل الكتاب يُؤمن بعيسى حين ينزل إلى الأرض قَبْل أنْ يموت وتصير الأديان
كلّها حينئذ ديناً واحداً وهو دين الإسلام.
والثاني أن الضمير في موته للكتابي الذي تضمنه قوله: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) ، والتقدير وإن من أهل الكتاب أَحد إلاَّ ليؤمن بعيسى ويعلم أنه نبىء قبل أنْ
يموت هذا الإنسان، وذلك حين معَاينة الموت، وهو إيمان لا ينفعه.
وقد روي هذا المعنى عن ابن عباس وغيره.
وفي مصحف أبيّ بن كعب: "قبل موتهم".
وفي هذه القراءة تقوية للقول الثاني، والضمير في (به) لعيسى على الوجهين.
وقيل لمحمد ﷺ .
(وبِصَدِّهم) :
يحتمل أن يكون بمعنى الإعراض، فيكون (كثيرًا) صفة لمصدر محذوف، أي صدًّا كثيراً، أو بمعنى صدّهم لغيرهم.
فيكون كثيراً مفعولاً بالمصدر، أي صدوا كثيرًا من الناس عن سبيل الله.
(وكَلَمَ الله موسى تَكْليما) :
تصريح بالكلام مؤكد بالمصدر، وذلك دليل على بطلان قول المعتزلة: إنَّ الشجرة هي التي كلمت موسى.
(ولا الملائكةُ المقَرّبون) :
فيه دليل لمن قال: إن الملائكة أَفضل من الأنبياء، لأن المعنى لن يستنكف عيسى ومَنْ فوقه أنْ يكون عبدًا لله.
وفيه رد على مَن قال: إنهم أولاده.
(وما أكل السَّبع) ، أَي أكل بعضه.
والسبع: كل حيوان مفترس كالذئب والأسد والنمر والثعلب والعقاب والنسر.
стр. 1292
(وَسِيلة) :
كل ما يُتَوسَّل به من الأعمال الصالحة والدعاء وغير ذلك، ومنه: (أولئك الذين يدْعونَ يبتَغون إلى ربهم الوسيلةَ أيهم أقرب) .
أي أولئك الآلهة الذين تَدْعون من دون الله يبتغون القرْبَةَ إلى الله، ويرجونه، ويخافونه، فكيف تعبدونهم معه؟
وإعراب (أولئك) مبتدأ و (الذين يدعون) - صفةٌ له، و (يبتغون) خبره، والفاعل في يدعون ضمير للكفار، وفي (يبتغون) للآلهة - المعبودين.
وقيل: إن الضمير في يدعون ويبتغون للأنبياء المذكورين.
وقيل في قوله: (ولقد فَضَّلْنا بعضَ النبيين على بعض) .
(وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) .
انظر كيف سلّى الله نبيه ﷺ في مواضع من كتابه.
وقرئ بفتح الياء - وضم الزاي حيث وقع مضارعاً من حزن الثلاثي، وهو أشهر في اللغة من أحزن.
(وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) :
هم قوم من اليهود دخلوا كفّاراً وخرجوا كفاراً، ودخلت " قد " على خرجوا ودخلوا، تقريباً للماضي من الحال، أي ذلك حالهم في دخولهم
وخروجهم على الدوام.
(وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ) ، أي بلاءٌ واختبار.
وقرئ تكون بالرفع على أن تكون (أن) "مخففة من الثقيلة، وبالنصب على أنها مصدرية.
(وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً) .
إخبار بأن النصارى أقربُ إلى مودة المسلمين، وهذا الأمر باقٍ إلى آخر الدهر، فكلّ يهودي شديد العداوة للإسلام وأهله، وكيف، لا وهم الذين قالوا: (ليس علينا في الأميين سَبِيل) ، وأحبارهم يقولون لهم: قال بنو العرب: مَنْ غشنا فليس منا، فغشوهم لئلا تكونوا منهم.
стр. 1293
وانظر حكاية عبد الله بن عمر لما سافَر معه اليهوديُّ، فوجد منه من النصح ما أشعر به، فسأله ابن عمر عن هذه النصيحة وأنه لم يصدر منه في جانبه إلا
المودة، فقال له: كنْت أمشي على ظلّك، لأني لم أقدر لك على غيره من النكاية، وقد شدَّدَ العلماء في خلطتهم ومحبتهم، وكيف لا يشددون والله يقول: (لا تجد قوماً يؤمنون باللهِ واليوم الآخر يوَادّون مَنْ حادَّ اللهَ ورسولَه) ، فمصاحبة من حادّ الله ورسوله تفْضي إلى النار، نسأل الله السلامة.
(وكلوا) :
جاء هذا الأمر بعد النهي عن الاعتداء في التشديد على الأَنفس رِفْقاً من الله بعباده، وخَصَ الأكلَ بالذكر، لأنه أعظم حاجاتِ الإنسان.
(ومَنْ قتلَه منكم متَعَمِّدًا) :
مفهوم الآية يقتضي أنَّ جزاءَ الصيد على المتعمد لا على الناسي، وبذلك قال أهل الظاهر.
وقال جمهور الفقهاء: إن المتعمِّد والناسي سواء في وجوب الجزاء، ثم اختلفوا في تأويل قوله: (متَعَمِّدًا) على ثلاثة أقوال:
أحدها أن المتعمد إنما ذكر لينَاط به الوعيد الذي في قوله: (ومن عاد فيَنْتقم الله منه) ، إذ لا وعيدَ على الناسي.
والثاني أن الجزاء على الناسي بالقياس على المتعمّد.
والثالث أن الجزاء على المتعمد ثبت بالقرآن، وأن الجزاءَ على الناسي ثبت
بالسنة.
(وَبَال أمْرِه) :
عاقبة أَمره من الشر والوَبَال وسوء العاقبة، يقال: ماء وبيل وكلأ وبيل، أي وبيل لا يستمر أو تَضرُّ عاقبته، والوبيل والوخيم ضد المرىء.
(وطعامه) :
الضمير عائد على البحر، يعني ما قذفَ به، ولا يطفو عليه، لأن ذلك طعام وليس بصيد، قاله أبو بكر الصديق ﵁.
وقال ابن عباس: طعامه: ما صلح منه.
стр. 1294
(وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) .
لما ذكر أن صيدَ البحر حلال ذكر هنا أن صيد البر لا يحل للمحرم تناوله.
(وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) :
فيه معنى الوعيد على السؤال، كأنه قال: لا تسألوا، وإن سألْتم أبْدِي لكم ما يسوءكم.
والمراد ب (حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ) زمان الوَحْي.
(وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) .
أي يكذبون عليه بتحريم ما لم يحرِّم، واخترعوا تحريمها من
عندهم، والذين لا يعقلون هم أتباعهم المقلِّدون لهم.
(ولا تكونَن) :
الخطاب حيثما وقع لرسول الله ﷺ ، أو يكون معطوفًا على معنى (أُمرت) فلا حذف، وتقديره أمرت بالإسلام
ونهيت عن الشرك.
(وجعلنا على قلوبهم أكِنَّةً أنْ يفقهوه وفي آذَانِهم وَقْرًا) :
عبر بالأكِنة والوَقر مبالغة، وهي استعارة، يعني أنَّ الله حال بينهم وبين فَهم
القرآن إذا استمعوه، و (أن يَفقَهوه) في موضع مفعول من أجله، تقديره
كراهةَ أن يفقهوه.
(وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) :
الضمير في (وهم) للكفار، و (عنه) يعود على القرآن.
والمعنى أنهم ينهون الناسَ عن الإيمان به، وينأوْن عنه بمعنى يبعدون.
وقيل الضمير في (عنه) يعود على النبي ﷺ ، ومعنى ينهون عنه يبْعدون الناس عن إذايته، وهم مع ذلك يبعدون عنه.
والمراد بالآية على هذا أبو طالب ومَنْ كان معه يحمِي النبي ﷺ وينصره بنفسه وماله، ويقول له: لا تخَفْ أحَداً.
فإني أذُبُّ عنك بنفسي ومالي، وهو القائل:
واللَه لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أُوَسَّد في التراب دَفينا
стр. 1295
فانهض لأمرك ما عليك غضاضة ... وطِبْ نَفْساً وقَرّ منك عيونا
فإنا لله وإنا إليه راجعون، نصر واستنصر، ولم يجر بإيمانه القدَر، جيء
بواحد من فارس، وآخر من الحبشة، وآخر من الروم، وأبو طالب على الباب،حُرِم الدخول، اللهم لا مانع لما أعطيْتَ، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الْجَد منك الْجَدّ.
(وذلك الفَوْز المبين) :
الإشارة راجعة إلى صرف العذاب أو الرحمة، أي ذلك هو النجاة الظاهرة.
فإن قلت: ما فائدة حذف ضمير " هو " في آية الأنعام؟
والجواب: أنه لم يتقدم فيها ما يستدعي إبرازه لما تقدمها من قوله تعالى:
(إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) .
ثم أعقبه بقوله تعالى: (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ) ، والمراد مَنْ يصرف عنه العذاب في الآخرة فقد رحمه، عطف عليه قوله: (وذلك الفَوز المبين) ، وكأَنَّ الكلامَ في قوّة فقد رحم وفاز، كما في قوله: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) .
والفاء هنا، وفي قوله: (فقد رحمه) جواب الشرط.
والفوز مسبب عن الرحمة، فاكتفي بذكره في آية آل عمران.
وذكرا معاً في آية الأنعام، فعطفُه عليه بَيِّن، ولم يتقدم من أول السورة إلى هنا ما يتوهّمه العاقل فوْزاً، فيتحرز منه بما يعطيه ضمير " هو " من المفهوم، فلم يقع الضمير هنا.
(ومنهم مَنْ يَسْتَمِع إليك) :
الضمير عائد على الكفار، وأفرد وهو فعل جماعة حملاً على لفظ (مَنْ) .
و (الأكنّة) جمع كنان، وهو الغطاء.
فإن قلت: ما معنى وروده هنا بالإفراد بخلاف آية يونس؟
فالجواب: أن هذه الآية نزلت في أبي سفيان، والنضر بن الحارث، وعتبة.
وشيبة، وأمية، وأبَيّ بن خلف، فلم يكثروا كثرةَ مَنْ في سورة يونس، لأنَ المرادَ
стр. 1296
بهم جميع الكفار، فحمل ها هنا مرةً على لفظ (من) فوحد لقلتهم، ومرةً على المعنى فجَمع، لأنهم وإن قلّوا جماعة، وجمع ما في يونس ليوافق اللفظ المعنى.
(وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) .
جواب لو محذوف ليكون أبلغ، لأن المخاطب يترك مع غاية تخيّله.
ووقعت (إذ) موضع إذا التي هي لما يستقبل، وجاز ذلك، لأن الأمر المتيقن وقوعه يعبَّر عنه كما يعبَّر عن الماضي الوقوع.
و (وُقِفوا) معناه: حُبسوا، ولفظ هذا الفعل متعدياً وغير متعد سواء، تقول: وقفت أنا، ووقفت غيري.
قال الزهراوي: وقد فرّق بينهما في المصدر، ففي المتعدي وقفت وقْفاً، وفي غير المتعدي وقفت وقوفاَ.
ويحتمل أن يكون وقوفهم على النار دخولهم فيها، ويحتمل إشرافهم عليها
ومعايَنَتها.
فإن قلت: ما فائدة تكرير الوقوف؟
فالجواب: لأنهم أنكروا النارَ في القيامة، وأنكروا جزاءَ اللهِ ونكالَه في النار.
فختم بقوله: (فَذوقوا العذابَ بما كنْتم تكفرون) .
وهذه استعارةٌ بليغة، والمعنى باشروه مباشرةَ الذائق، إذ هي من أشد المباشرات.
(وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) :
هذه الآية ابتداء كلام على تأويل الجمهور، وإخبار عنهم بهذه المقالة لإنكارهم البَعْثَ الأخروي.
فإن قلت: ما فائدة إسقاط قولهم: (نموت ونحيا) ، في هذه الآية؟
والجواب: لأنها عند كثير من المفسرين متّصلة بقوله: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .
وقالوا: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) ، ولم يقولوا ذلك بخلاف ما في سائر السور، فإنهم قالوا ذلك، فحكى الله عنهم.
стр. 1297
(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) :
هذا ابتداء خبر عن حال الدنيا، والمعنى أنها إذا كانت فانيةَ منقضية لا طائل لها أشبهت اللهو واللعب الذي لا طائل له إذا انقضى.
فإن قلت: قد قدم اللعب في أكثر الآيات وفي بعضها أخّره، فهل لذلك
وَجْه؟
والجواب: إنما قدم اللعب في الأكَثر، لأنه زمان الصبا، واللهو زمان
الشباب، وزمان الصبا مقدَّم على زمان اللهو، يبَينه قوله في الحديد: (اعلموا أنما الحياةُ الدنيا لعب) ، كلعب الصبيان، ولهو كلهو الشباب.
وزينة كزينة النساء، وتفاخر كتفاخر الإخوان، وتكاثر كتكاثر السلطان.
وقريب من هذا في تقديم لفظ اللعب على اللهو قوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) ، وقدم اللهو في الأعراف، لأن ذلك في القيامة، فذكر على ترتيب ما انقضى، وبدأ بما بدأ به الإنسان انتهاء من الحالتين.
وأما العنكبوت فالمراد بذكرهما ذكر زمان الدنيا، وأنه سريع الانقضاء قليل البقاء، (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) ، أي الحياة التي لا أَمد لها ولا نهاية لأَمدها، فبدأ بذكر اللهو، لأنه في زمان الشباب كما فدمنا أنه أكثر مِنْ زمان اللعب.
(ولَلْدار الآخرة خَيْر) :
سميت الآخرة لتأخرها عن الدنيا.
وقرأ الستة من القراء: و (للدَّار) بلامين والآخرة نْعت للدار.
وقرأه ابن عامر وَحْدَه: ولَدَار - بلام واحدة، وكذلك وقع في مصاحف الشام بإضافة الدار إلى الآخرة، وكذلك هو لَدَار الحياة الآخرة.
وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: أفلا تعقلون، على إرادة المخاطبين، وكذلك في الأعراف وفي آخر يوسف، ووافقهم أبو بكر في آخر يوسف، وإنما قال فيها: (ولَدَار الآخرة) بالإضافة، لأن ما قبلها في هذه السورة: (وما الحياة الدنيا) ، فالدنيا
стр. 1298
صفة للحياة، كذلك جعل الآخرة صفة للدار، ولأنه في المصاحف بلامين إلا
في مصحف الشام، وما في يوسف بلام واحدة على الإضافة، فوافقوا المصاحف، وقراءة ابن عامر على الإضافة موافقةٌ لمصحفهم، واعتباراً بما في يوسف.
ويقَوّي ما في هذه السورة ما في الأعراف: (والدار الآخرة خير) .
(وقالوا لولا نزِّلَ عليه آيةٌ) :
الضمير عائد على الكفار.
ولولا تحضيض بمعنى هلاّ.
ومعنى الآية: هلا أنزل على محمد بيانٌ واضح لا يَقَع معه توقف من أحد، كمَلَك يشهد له، أو غير ذلك مِنْ تشططهم المحفوظ في هذا فأمِر ﵇ بالردِّ عليهم بأن الله له القدرة على إنزال تلكَ
الآيات، (ولكن أكثرهم لا يعلمون) ، أنها لو نزلت ولم يؤمنوا
لعوجلوا بالعقوبة.
ويحتمل: (ولكن أكثرهم لا يعلمون) ، أن الله تعالى إنما جعل الإنذار في آيات معروضة للنظر والتأمّل ليَهْتدِيَ قومٌ ويضِلَّ آخرون.
فإن قيل: ما وَجْه إفراد الآية هنا وجمعها في العنكبوت، ولِمَ طلبوا
الآية وقد أتى بمعجزات وآيات؟
فالجواب: أن (لولا) في الآيتين تحضيض، وإنما يجري في كَلاَمِه عندما
يراه المتكلم به أولى أو أهمّ في مقصود ما أو أتمّ في مطلب ما، إلى أشباهِ هذا، مما يستدعي التحضيض، فأفردوا هنا الآية لما قصدوه من أنه ﵇ لو جاءهم بآية واحدةٍ من الضَّربِ الذي طلبوه.
أما آية العنكبوت فقد تقدَّم قبلها: (بل هو آيات بيناتٌ) ، وقال بعدها: (وما يَجْحَد بآياتنا) ، وقال بعدها: (قل إنما الآيات عند الله) ، فلم يكن ليناسب بعد اكتناف هذه الجموع توحيد آيةٍ، ثم إن هذه الآية لم يتقدمها من التهديد وشديد الوَعيد ما تقدَّم آيةَ الأنعام، فناسب ذلك ورود
الفعل غير مضعَّف.
وجاء ذلك كلّه على ما يجب.
стр. 1299
وإنما طلبوا الآية، لأنهم لم يعتدّوا بما أتى به، فكأنه لم يأت بشيء عندهم
لجحدهم وعنَادهم، وأيضاً فإنما طلبوا آيةً تضطرهم إلى الإيمان من غير نظَر ولا تأمل.
(وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهم ببعض) :
أي ابتلينا الكفّار بالمؤمنين، وذلك أنَّ الكفار كانوا يقولون: هؤلاء العبيد والفقراء مَنَّ الله عليهم بالتوفيق للحق والسعادة دوننا، ونحن أشرف منهم وأغنياء، وكان هذا الكلام منهم على جهة الاستبعاد لذلك.
(وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) .
قد قدمنا مِرَاراً أنه ﷺ معصوم من الشيطان، وكيف لا وشيطانه أسلَم، كما قال ﷺ : " إن الله أعانني عليه فأسلم "، فالخطاب على هذا لأمته.
ومعنى الآية إن أنساك الشيطان النهي عن مجالستهم، فلا تَقْعد بعد أن تذكر
النّهيَ معهم.
وإما مركبة من إن الشرطية وما الزائدة.
(وما علَى الَذِين يتَّقون مِنْ حسابِهم مِنْ شَيْءٍ) :
الضمير في (حسابِهم) للكفار المستهزئين.
والمعنى ليس على المؤمنين شيء من حساب الكفار
على استهزائهم وضلالهم.
وقيل: إن ذلك يقتضي إباحةَ جلوسِ المؤمنين مع الكافرين، لأنهم شقَّ عليهم النهى عن ذلك، إذ كانوا لا بد لهم من مخالطتهم في طلب المعاش وفي الطَّوَاف بالبيت وغير ذلك، ثم نسخت بآيةِ النساء وهي:
(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) .
وقيل: إنها لا تقتضي إباحةَ القعود.
(وليكون من الموقِنين) :
يتعلق بمحذوف تقديره: نرِيه
ملكوتَ السماوات والأرض ليكون عالماً من الموقنين.
(وتلك حُجتنَا) :
إشارة إلى ما تقدم من استدلاله واحتجاجه.
стр. 1300
(وَكيل) : كفيل بالأمور.
وقيل: كاف.
(وأعْرض عن المشركين) :
إن كان معناه عما يدعونكَ إليه أو عن مجادلتهم فهو محْكم، وإن كان أعْرِض عن قتالهم وعقابهم فهو منسوخ.
وكذلك: (ما أنا عليكم بحَفِيظ) ، و (بوكيل) .
(وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا) :
ردّ على الكفار، لأنهم قالوا: اعبد آلهتنا ونحن نتكفل لك بكل تَبَاعة تتوقعها في دنياك وأخراك، فنزلت الآية، أي ليس كما قلتم، وإنما كسب كلّ نفس عليها خاصة.
(وسوس) الشيطان للإنسان: ألقى في نفسه.
والوسواس: الشيطان.
(ونَزَعْنَا ما في صدورهم مِنْ غِلً) :
أي من كان في صدره غلّ لأخيه في الدنيا نُزع منه في الجنة، وصاروا إخواناَّ على سرر متقابلين.
وإنما عبر بلفظ الماضي في (نزعنا) وهو مستقبل لتحقق وقُوعه في المستقبل.
حتى عبّر عنه بما يُعبّر به عن الواقع.
وكذلك كل ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية اللفظ.
، وهي تقع في الآخرة، كقوله: (ونادَى أصحابُ الجنة) .
فإن قلت: أي فائدة لزيادة (إخواناً) ، في آية الحجر؟
والجواب: لأنها نزلت في الصحابة رضوان الله عليهم، وما سِوَاها عام في
المؤمنين.
- وذكر أنَّ ابْناً لطلحة كان عند علي بن أبي طالب، فاستأذن الأشْتَر
فحبسه مدةًْ - ثم أذن له، فقال: أَلهذا حَبسْتَني.
وكذلك لو كان ابن عثمان حبستني له، فقال علي نعم، إني وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم: (ونَزَعْنَا ما في صدورهم من غِل إخواناً على سُرُرٍ متَقابلين) .
قال بعضهم: فقال له بعض مَن حضر: كلا، اللهُ أعدل مِنْ أن يجمعك