← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

بهم جميع الكفار، فحمل ها هنا مرةً على لفظ (من) فوحد لقلتهم، ومرةً على المعنى فجَمع، لأنهم وإن قلّوا جماعة، وجمع ما في يونس ليوافق اللفظ المعنى. (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) . جواب لو محذوف ليكون أبلغ، لأن المخاطب يترك مع غاية تخيّله. ووقعت (إذ) موضع إذا التي هي لما يستقبل، وجاز ذلك، لأن الأمر المتيقن وقوعه يعبَّر عنه كما يعبَّر عن الماضي الوقوع. و (وُقِفوا) معناه: حُبسوا، ولفظ هذا الفعل متعدياً وغير متعد سواء، تقول: وقفت أنا، ووقفت غيري. قال الزهراوي: وقد فرّق بينهما في المصدر، ففي المتعدي وقفت وقْفاً، وفي غير المتعدي وقفت وقوفاَ. ويحتمل أن يكون وقوفهم على النار دخولهم فيها، ويحتمل إشرافهم عليها ومعايَنَتها. فإن قلت: ما فائدة تكرير الوقوف؟ فالجواب: لأنهم أنكروا النارَ في القيامة، وأنكروا جزاءَ اللهِ ونكالَه في النار. فختم بقوله: (فَذوقوا العذابَ بما كنْتم تكفرون) . وهذه استعارةٌ بليغة، والمعنى باشروه مباشرةَ الذائق، إذ هي من أشد المباشرات. (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) : هذه الآية ابتداء كلام على تأويل الجمهور، وإخبار عنهم بهذه المقالة لإنكارهم البَعْثَ الأخروي. فإن قلت: ما فائدة إسقاط قولهم: (نموت ونحيا) ، في هذه الآية؟ والجواب: لأنها عند كثير من المفسرين متّصلة بقوله: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) . وقالوا: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) ، ولم يقولوا ذلك بخلاف ما في سائر السور، فإنهم قالوا ذلك، فحكى الله عنهم.

стр. 1297

(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) : هذا ابتداء خبر عن حال الدنيا، والمعنى أنها إذا كانت فانيةَ منقضية لا طائل لها أشبهت اللهو واللعب الذي لا طائل له إذا انقضى. فإن قلت: قد قدم اللعب في أكثر الآيات وفي بعضها أخّره، فهل لذلك وَجْه؟ والجواب: إنما قدم اللعب في الأكَثر، لأنه زمان الصبا، واللهو زمان الشباب، وزمان الصبا مقدَّم على زمان اللهو، يبَينه قوله في الحديد: (اعلموا أنما الحياةُ الدنيا لعب) ، كلعب الصبيان، ولهو كلهو الشباب. وزينة كزينة النساء، وتفاخر كتفاخر الإخوان، وتكاثر كتكاثر السلطان. وقريب من هذا في تقديم لفظ اللعب على اللهو قوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) ، وقدم اللهو في الأعراف، لأن ذلك في القيامة، فذكر على ترتيب ما انقضى، وبدأ بما بدأ به الإنسان انتهاء من الحالتين. وأما العنكبوت فالمراد بذكرهما ذكر زمان الدنيا، وأنه سريع الانقضاء قليل البقاء، (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) ، أي الحياة التي لا أَمد لها ولا نهاية لأَمدها، فبدأ بذكر اللهو، لأنه في زمان الشباب كما فدمنا أنه أكثر مِنْ زمان اللعب. (ولَلْدار الآخرة خَيْر) : سميت الآخرة لتأخرها عن الدنيا. وقرأ الستة من القراء: و (للدَّار) بلامين والآخرة نْعت للدار. وقرأه ابن عامر وَحْدَه: ولَدَار - بلام واحدة، وكذلك وقع في مصاحف الشام بإضافة الدار إلى الآخرة، وكذلك هو لَدَار الحياة الآخرة. وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: أفلا تعقلون، على إرادة المخاطبين، وكذلك في الأعراف وفي آخر يوسف، ووافقهم أبو بكر في آخر يوسف، وإنما قال فيها: (ولَدَار الآخرة) بالإضافة، لأن ما قبلها في هذه السورة: (وما الحياة الدنيا) ، فالدنيا

стр. 1298

صفة للحياة، كذلك جعل الآخرة صفة للدار، ولأنه في المصاحف بلامين إلا في مصحف الشام، وما في يوسف بلام واحدة على الإضافة، فوافقوا المصاحف، وقراءة ابن عامر على الإضافة موافقةٌ لمصحفهم، واعتباراً بما في يوسف. ويقَوّي ما في هذه السورة ما في الأعراف: (والدار الآخرة خير) . (وقالوا لولا نزِّلَ عليه آيةٌ) : الضمير عائد على الكفار. ولولا تحضيض بمعنى هلاّ. ومعنى الآية: هلا أنزل على محمد بيانٌ واضح لا يَقَع معه توقف من أحد، كمَلَك يشهد له، أو غير ذلك مِنْ تشططهم المحفوظ في هذا فأمِر ﵇ بالردِّ عليهم بأن الله له القدرة على إنزال تلكَ الآيات، (ولكن أكثرهم لا يعلمون) ، أنها لو نزلت ولم يؤمنوا لعوجلوا بالعقوبة. ويحتمل: (ولكن أكثرهم لا يعلمون) ، أن الله تعالى إنما جعل الإنذار في آيات معروضة للنظر والتأمّل ليَهْتدِيَ قومٌ ويضِلَّ آخرون. فإن قيل: ما وَجْه إفراد الآية هنا وجمعها في العنكبوت، ولِمَ طلبوا الآية وقد أتى بمعجزات وآيات؟ فالجواب: أن (لولا) في الآيتين تحضيض، وإنما يجري في كَلاَمِه عندما يراه المتكلم به أولى أو أهمّ في مقصود ما أو أتمّ في مطلب ما، إلى أشباهِ هذا، مما يستدعي التحضيض، فأفردوا هنا الآية لما قصدوه من أنه ﵇ لو جاءهم بآية واحدةٍ من الضَّربِ الذي طلبوه. أما آية العنكبوت فقد تقدَّم قبلها: (بل هو آيات بيناتٌ) ، وقال بعدها: (وما يَجْحَد بآياتنا) ، وقال بعدها: (قل إنما الآيات عند الله) ، فلم يكن ليناسب بعد اكتناف هذه الجموع توحيد آيةٍ، ثم إن هذه الآية لم يتقدمها من التهديد وشديد الوَعيد ما تقدَّم آيةَ الأنعام، فناسب ذلك ورود الفعل غير مضعَّف. وجاء ذلك كلّه على ما يجب.

стр. 1299

وإنما طلبوا الآية، لأنهم لم يعتدّوا بما أتى به، فكأنه لم يأت بشيء عندهم لجحدهم وعنَادهم، وأيضاً فإنما طلبوا آيةً تضطرهم إلى الإيمان من غير نظَر ولا تأمل. (وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهم ببعض) : أي ابتلينا الكفّار بالمؤمنين، وذلك أنَّ الكفار كانوا يقولون: هؤلاء العبيد والفقراء مَنَّ الله عليهم بالتوفيق للحق والسعادة دوننا، ونحن أشرف منهم وأغنياء، وكان هذا الكلام منهم على جهة الاستبعاد لذلك. (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) . قد قدمنا مِرَاراً أنه ﷺ معصوم من الشيطان، وكيف لا وشيطانه أسلَم، كما قال ﷺ : " إن الله أعانني عليه فأسلم "، فالخطاب على هذا لأمته. ومعنى الآية إن أنساك الشيطان النهي عن مجالستهم، فلا تَقْعد بعد أن تذكر النّهيَ معهم. وإما مركبة من إن الشرطية وما الزائدة. (وما علَى الَذِين يتَّقون مِنْ حسابِهم مِنْ شَيْءٍ) : الضمير في (حسابِهم) للكفار المستهزئين. والمعنى ليس على المؤمنين شيء من حساب الكفار على استهزائهم وضلالهم. وقيل: إن ذلك يقتضي إباحةَ جلوسِ المؤمنين مع الكافرين، لأنهم شقَّ عليهم النهى عن ذلك، إذ كانوا لا بد لهم من مخالطتهم في طلب المعاش وفي الطَّوَاف بالبيت وغير ذلك، ثم نسخت بآيةِ النساء وهي: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) . وقيل: إنها لا تقتضي إباحةَ القعود. (وليكون من الموقِنين) : يتعلق بمحذوف تقديره: نرِيه ملكوتَ السماوات والأرض ليكون عالماً من الموقنين. (وتلك حُجتنَا) : إشارة إلى ما تقدم من استدلاله واحتجاجه.

стр. 1300

(وَكيل) : كفيل بالأمور. وقيل: كاف. (وأعْرض عن المشركين) : إن كان معناه عما يدعونكَ إليه أو عن مجادلتهم فهو محْكم، وإن كان أعْرِض عن قتالهم وعقابهم فهو منسوخ. وكذلك: (ما أنا عليكم بحَفِيظ) ، و (بوكيل) . (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا) : ردّ على الكفار، لأنهم قالوا: اعبد آلهتنا ونحن نتكفل لك بكل تَبَاعة تتوقعها في دنياك وأخراك، فنزلت الآية، أي ليس كما قلتم، وإنما كسب كلّ نفس عليها خاصة. (وسوس) الشيطان للإنسان: ألقى في نفسه. والوسواس: الشيطان. (ونَزَعْنَا ما في صدورهم مِنْ غِلً) : أي من كان في صدره غلّ لأخيه في الدنيا نُزع منه في الجنة، وصاروا إخواناَّ على سرر متقابلين. وإنما عبر بلفظ الماضي في (نزعنا) وهو مستقبل لتحقق وقُوعه في المستقبل. حتى عبّر عنه بما يُعبّر به عن الواقع. وكذلك كل ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية اللفظ. ، وهي تقع في الآخرة، كقوله: (ونادَى أصحابُ الجنة) . فإن قلت: أي فائدة لزيادة (إخواناً) ، في آية الحجر؟ والجواب: لأنها نزلت في الصحابة رضوان الله عليهم، وما سِوَاها عام في المؤمنين. - وذكر أنَّ ابْناً لطلحة كان عند علي بن أبي طالب، فاستأذن الأشْتَر فحبسه مدةًْ - ثم أذن له، فقال: أَلهذا حَبسْتَني. وكذلك لو كان ابن عثمان حبستني له، فقال علي نعم، إني وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم: (ونَزَعْنَا ما في صدورهم من غِل إخواناً على سُرُرٍ متَقابلين) . قال بعضهم: فقال له بعض مَن حضر: كلا، اللهُ أعدل مِنْ أن يجمعك

стр. 1301

وطلحة في مكان واحد. فقال: لمَنْ هذه الآية لا أمَّ لك! وإنما قال له هذا القائل هذا لأن طلحةَْ قاتلَ عليًّا مع معاوية. والآية تدلّ على أن الغِل لا ينَافي التقوى، والتقوى مساويةٌ للإيمان، وليست أخص منه، بخلاف غيرها من الآيات، إذ لو كانت أخصّ منه لما كان في قلوبهم غل. فإن قلت: لعل الغل في قلوبهم وهم يجاهدونه؟ فالجواب: الآية تأبى ذلك، وهذه صفةٌ ممدوحة، وهذا إن كان النزع في الآخرة، وإن كان في الدنيا فلا كلام. (وأنا أَوَّلُ المؤمنين) : أي أول قومِه، أو أول زمانِه، أو على وجه المبالغة في السبْق إلى الإيمان. (واتَّخَذَ قَوْم موسى مِن بعده) ، أي من بعد غيبته في الطور. وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) . قد قدمنا أن الوحي ينقسم إلى أقسام، وهذا أحدها، وهو الإلهام، أو يكون بمعنى الأمر بأن ربك أوحى لها. ومما يدل على أن هذا إلهام قوله: (ثم كلِي من كل الثمرات) . وأتى بصيغة الأمر مبالغة في قصدها إلى ذلك، كما اشترط في المأمور القَصد إلى الافتعال. وقيل: إنه أمْرٌ حقيقة، أي ثم قال لها: (كلِي من كل الثمرات) . قال ابن الخطيب: وبيتُها الذي صنعته مسدّس، وقام البرهان في علم الهندسة على أنه أحسن الخواتم، لأنه مفصّل الزوايا، ليس بينها خلل، بخلاف المربع والمثمن. وذلك الاتصال وعدمه لا يظهر إلا لمن قرأ ست مقالات من كتاب إقليدس. والشكل المسدس أقرب إلى الاستدارة كدائرة الضابط، قال: وفي بنائها حكمةٌ عظيمة، وهو أنها تنسج ملأ البيت الأعلى على ملأ البيت الأسفل، وهذا دليلٌ على أنه لا يشترط في الإحكام والإتقان علم الصانع. ذكره في المحصل. فإن قلت: هل ترْعَى النَّوْرَ أو ما ينزل عليه وهو الترنجبيل؟

стр. 1302

فالجواب: هو الظاهر، فإنه لا يظهر لرعيها في النور أثر. والظاهر الأول لاختلاف طَعْم عسلها بالحلاوة والمرارة بحسب ما ترعى، ولو رَعَت الترنجبيل فقط لاتَحَدَ طعْم عسلها. وأيضاً فالترنجبيل عند الأطباء بارد، والعسل حار. فإن قلت: يكتسب الحرارة من النحل؟ قلنا: نجد عسل السعتر والخلنج أشدّ حرارة من عسل الإكليل، ولو كان منها لما اختلف. فإن قلت: قد قال تعالى: (فيه شفاءٌ للناس) ، فهل هو عام أو مطلق؟ فالجواب: ليس على العموم، ولأنَّ الأمزجة مختلفة، فإنما هو شفاء لمن مازجه البلغم أو السوداء في بعض الأحيان. فإن قلت: كيف يكون شفاءً لصاحبِ الصفراء والسوداء مع اختلاف أمزجتهما، لأنه إن كان عندكم يقمع الصفراء فلا يقمع نقيضها؟ وأجيب: بأنّ الترياق يقوي الروح، فتتقوى الغريزة النفسية، فتغلب على الطبيعة المزاجية، فتقمعها، فصحَّ بذلك كونه دواءا للشيء ونقيضه. وقال أرسططاليس: إنه شفاء من مائة داء خاصّة. (وعلى اللهِ قَصْد السبيلِ) : يعني أن من الناس مَنْ هداه الله بالدلائل العقلية، فاهتدى، ومنهم من ضَلّ فجار وخالَفها. (ومنه شَجَرٌ) : يريد به كَلأ الأرض، ولفْظ الشجر مشترك بين الجزء والكل. وقال عكرمة: الشجر ما ليس له ساق. (وسَخَّر لكم الليلَ والنَّهار) . في تقديم الليل ما يدلّ على أنه عدم، والعدم سابق على الوجود، أو لأن العرب إنما يؤَرخون بالليالي، وأول الشهر ليلة، وفي هذا دليل على أن الليل أفضَل من النهار، لأن التقديم يُؤْذِن بالفضل، ومعراج الخليل، وإدريس، وتكليم موسى الكليم، وعيسى

стр. 1303

إلى البيت العمور، ومعراج الحبيب إلى قاب قوسين كان ليلاً. وأيضأ خدمة العباد وخلواتهم إنما تكون ليلاً، وأيضا فالليل من الجنة والنهار من الجحيم. وذلك أن الله لما خلق النارَ بإخراج الظلمة من الجنة، لتكون نورا صافياً كلّها ليس فيها نار، وجعل الليل والنهار في الدنيا علامةً على الجنة والنار، وذلك أن الراحة والأمن إنما يكون بالليل، والتعب والشدة بالنهار، وقَدَّم الشمس في الآية وإن كانت مؤنثة، لأن ضوء القمر يستمدّ منها (وتَسْتَخْرِجوا منه حليةً تلْبَسونَها) : قد قدمنا أن الضمير يعود على البحر، والمراد بها اللؤلؤ أو المرجان، ولذلك قال في سورة الرحمن: (يخرج منهما اللؤلؤ والْمَرْجَان) . (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) : يعني أنهم قالوا خيراً، ويجوز أن يكون كلاماً مبتَدأ من القائلين، يعني أنه يحتمل أن يكون من كلام المحكي عنه. ونظير ذلك أن يقول زيد يقول خيراً الحمد للَه. فتقول أنت - حاكياً لكلامه: قال زيد خيراً الحمد لله، فهذه من كلام الحاكي. والقول يحكى به الجمل والمفرد المؤدي معناها. (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا) . الآية: فيها دليل على أن اللهَ بعث لكل أمة رسولاً منهم. فإن قلت: هذا مناقض لما قلتم: إن الله بعث شعيباً إلى أمَّتين. وقد صح أن رسالةَ نوح ونبينا محمد ﷺ كانتا عامتين للعرب والعجم مما يدل على أن غيرهما لم يرسل إلى العجم، فنرى العقل خلا من السمع؟ والجواب: أن ذلك في التفاصيل والأحكام، وأما الإخبار بوجود الله ووحدانيته فكلّ نبىء أرسل بذلك على العموم. فإن قلت: قس بن ساعدة وغيره من فصحاء العرب وعَبَدة الأصنام كانوا لا يعرفون الإله بوَجْه؟

стр. 1304

والجواب: إنما ذلك في عوامهم، وأما رؤساؤهم فيعرفون وجودَ الإله، وإن كانوا معاندين في ذلك. (وما أرسلنا مِنْ قبلك إلا رجالاً نُوحي إليهم) . الآية: تدل على تخصيص الرسالة بالرجال، فيحتج به مَن قال إن مريم ليست بنبيَّة. ويجاب بأن الآية إنما اقتضَتْ تخصيصَ الرجالَ بالرسالة بالنبوءة، وإما بأنَّ قوله " بالبينات " متعلق بأرسلنا. (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) : قد قدمنا أن المراد بالذكر القرآن، يعني إمّا بسَرْدِك عِلْم آياته، وإما بتفسيرك الجمل وشرح ما أشكل منه، فيدخل فيه ما بيَّنَتْه السنَّة من أمر الشريعة، فعلى الأول المراد بالناس أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وإن أراد ما بينَتْه السنَّة فالناسُ عامة. وانظر قوله: (لعلهم يتفكرون) . والتفكر إنما يكون من العلماء. فإن قلت: المبين بعد المبين، وأنزل يقتضي الإجمال، وإنزاله دفعة واحدة. ونزل يقتضي التنجيم حسبما ألمَّ به الزمخشري في أول خطبة كتابه، والقرآن نزل أولاً دفعةً إلى سماء الدنيا، ثم نزل منها منجما، فأنزل قبل نزل، وجاءت الآية على العكس، وهو أن بيان ما نزل يقع بإنزال الذكر، فجعل متعلق أنزل بمتعلق نزل؟ والجواب: ما قدمناه: أن متعلق أنزل راجع إلى النبي ﷺ ومتعلق نزل راجع لأمته، فأنزل على النبي ﷺ جملة، ليبين بها ما نزل على أمته مفَصَّلاً منَجَّماً. (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا) ، أي دائماً. وانظر هل أراد بالدين الطاعة أو الجزاء، وقد قال الزمخشري في قوله تعالى: (مالك يَوْم الدين) إنه يوم الجزاء. وفي الآية دليل لمن حكى الإجماع على منع الردة في الْخَلْق كلهم. فإن قلت: قوله تعالى أولاً: (وله ما في السماوات) ، أتَتْ

стр. 1305

دليلاً على وجود الصانع، فلِمَ عطف عليه: (وله الدين) ، وهو لا يحسن أن يكون دليلاً على وجود الصانع، لأنه إنما يستدلّ على وجوده بخلقه لا بالأحكام والشرائع التي كُلِّفوا بها، لأنها مسببة عن ذلك، فلو كان العطف بالفاء لصح لأنها تدل على السببية؟ والجواب: بأن المراد من بعد خلقه للعالم، فما من زمانٍ يأتي إلا وهو معبود فيه مطَاع، تَعْبده الملائكة وبعض الناس، فهذا يدل على صحة وجوده. واستدلوا في علم الكلام على وجود الصانع بطريقين: إما حدوث العالم، وإما إمكانه، لأن الممكن لا بدّ له من مخصص يوقعه على أحد الجائزين، وطريق الاستدلال بالحدوث يستلزم الإمكان، لأنَّ كلَّ حادث ممكن، وليس كل ممكن حادثا؟ فإن وجود حجر من زيبق أو من ياقوت ممكن، وليس هو بحادث، إذ المراد الحدوثُ بالفعل، وهذا الجواب إنما يتم على قول مَنْ فسر الواصب بالدائم. (واللَه خلقَكم ثم يَتَوَفَّاكمْ) : قد قدمنا أن الخلق أبلغ من الوجود، ولما قدم في الآية التي قبلها التذكير بقدرة الله، وما اشتملت عليه من الآيات والحكم - عقبه ببيان قدْرته في خَلْق الإنسان، وفي خلق أنفسكم. وأسند فعل التوفي هنا لله تعالى، وقال في سورة السجدة: (قل يَتَوَفَّاكم مَلَك الموت) . والْجَمْعُ بينهما ينتج صريحَ مذهب أهل السنة القائلين بالكسب. فإن قلت: لم قال: (ومنكم من يُرَدُّ) ، بحذف الفاعل، وقال يتَوَفَّاكم - فذكر الفاعل؟ والجواب: أنه إذا كان المقصود الإشعار بالفعل على الإطلاق يحذف الفاعل. كقولك رأى الهلال، وإن كان المقصود الإخبار بفاعل الفعل يذْكر، كقولك طَعَن عمر غلام المغيرة، ولما كان التوفي قد خالفوا فيه، وقالوا: ما يهلِكنَا إلا الدهر - ذكر فاعله، بخلاف الرد إلى أرذل العمر، فإنه أمْر ظاهر لا يحتاج إلى ذِكر فاعله.

стр. 1306

وأجاب بعضهم بأنه لما ذكر فاعل البدأة وفاعل النهاية أنه الله تعالى، عُلِمَ أن ما بينهما من فعله، فاكتفي بذلك، ولم يحتَجْ إلى ذكره في الرد إلى أرذل العمر، لأنها حالةٌ متوسطة بين البداية والنهاية. (ويعبدون من دونِ الله ما لا يَملكُ لهم رِزْقاً) : الضمير راجع للكفار، يعني أنهم يعبدون الأصنام وغيرهم. فإن قلت: لَمْ يخصُّوهم بالعبادة لأنهم يقولون: (ما نَعْبُدهم إلا ليُقَربونا إلى الله زلْفى) ، فلِمَ ذكر هنا العبادة لهم، وما فائدة إبراز الضمير في لهم؟ والجواب أن ذلك الجزء الذي صرفوه لهم من العبادة، عبدوهم وهم فيه من دون الله، وإنما أبرز الضمير، لأنه إذا أبرز الضمير لمن عبده فأحْرَى ألا يملكه لغيره، وقدْ قدمنا أن (شيئاً) في الآية بدل من (رزقاً) . (ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كلَّ شيء) : يحتمل أن يريدَ رحمته في الدنيا، فيكون خصوصاً في الرحمة وعموماً في كل شيء، لأن المؤمن والكافر والْمُطيع والعاصي تنالهم الرحمة ونعمته في الدنيا. ويحتمل رحمةَ الآخرة فيكون خصوصاً في كل شيء، لأن الرحمة في الآخرة مختصة بالمؤمنين. ويحتمل أن يريد جنْس الرحمة على الإطلاق، فيكون عموماً في الرحمة وفي كل شيء. وقد صح أنً للهِ مائة رحمة، رحمة في الدنيا للجميع، ويضم هذه الرحمة للتسعة وتسعين ويخصها بالمؤمنين. (وقَطَّعْناهم في الأرض أُمَماً) : أي فرقناهم في البلاد، ففي كل بلد فرقة منهم، وليس لهم إقليم يملكونه، وذلك بقتلهم الأنبياء. (وإذْ أخذَ رَبك مِنْ بني آدَمَ) : في معنى الآية قولان: إن اللَهَ لما خلق آدم أخرج ذرِّيته من صلبه وهم مثل الذر، وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم، فاقرّوا بذلك، والتزموا. روي هذا المعنى عن رسول الله ﷺ من طرق كثيرة، وقال به جماعة ٌ من الصحابة وغيرهم.

стр. 1307

والثاني أن ذلك من باب التمثيل، وأن أخْذ الذرية عبارة عن إيجادهم في الدنيا. وأما إشهادهم فمعناه أن الله نصب لبني آدم الآيةَ على ربوبيته، وشهدتْ بها عقولهم، فكأنه أشْهَدهم على أنفسهم، وقال لهم: ألَسْتُ بربكم، فقالوا بلسان واحد: بلى، أنْتَ ربنا. والأول هو الصحيح، لتَوَاتر الأخبار به، إلا أن ألفاظَ الآية لا تطابقه بظاهرها، فلذلك عدل عنه مَنْ قال بالقول الآخر، وإنما تطابقه بتأويل، وذلك أَن أخْذَ الذرية إنما كان من صلْب آدم، ولفظ الآية يقتضي أن أخْذ الذرية من بني آدم. والجمع بينهما أنه ذكر بني آدم في الآية والمراد آدم، كقوله: (ولقد خَلَقْنَاكم ثم صَوَّرنَاكم) .، الآية، على تأويل لقد خلقنا أباكم آدم من صورته. وقال الزمخشري: إن المراد ببني آدم أسلاف اليهود، والمراد بذريته مَنْ كان في عصر النبي ﷺ منهم. والصحيح المشهور أن المراد جميع بني آدم حسبما ذكر. وفي الحديث: إن أول من أجاب الأنبياء، ثم العلماء سمعوهم فأجابوا، ثم العامة، ثم الكفار، فكلهم أقَرّوا له بالربوبية. (وإنْ تَدْعوهم إلى الْهدَى لا يسْمَعوا) : يحتمل أن يريد الأصنام، فيكون تحقيراً لها وردًّا على مَنْ عبدها، فإنها جماد مَوَات لا تسمع شيئاً، أو يريد الكفار، ووصفَهم بأنهم لا يسمعون، يعني سمعاً ينتفعون به لإفراط نفورهم، أوْ لِأنَ اللهَ طبع على قلوبهم. (وتَرَاهم ينظرون إليكَ) : إن كان هذا من وصْفِ الأصنام فهو مجاز، وقوله: (لا يُبْصِرون) حقيقة، لأن لهم صورة الأَعين وهم لا يبصرون شيئاً. وإدْ كان مِن وَصْف الكفار فينظرون حقيقة، ولا يبصرون مجازاً على وَجْه المبالغة، كما وصفهم بأنهم لا يسمعون. (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ)

стр. 1308

الضمير في الجميع للشيطان وأريد بفْوله: (طائِف من الشيطان) الجنس، فلذلك أعيد عليه ضمير الجماعة. وإخوانهم هم الكفار، ومعنى (يمدونهم) يكونون مَدًّا لهم، أي يعضدونهم. وضمير المفعول في (يَمدّونهم) للكفار، وضمير الفاعل للشياطين. ويحتَمل أن يريد بالإخوان الشياطين، ويكون الضمير في إخوانهم للكفار. والمعنى على الوجهين أنَّ الكفَّار يمدّهم الشيطان. وقرئ " يمدونهم " - بفتح الياء وضمها. والمعنى واحد. و (الغي) يتعلق بـ (يمدونهم) . وقيل يتعلق بـ (إخوانهم) ، كما تقول: أَخوه في الله أو في الشيطان. (وإذَا لَمْ تأْتِهم بآية قالوا لولا اجْتَبَيْتَها) : في معناها قولان: أحدهما اخترعتها من قِبَل نفسك: فالآية على هذا من القرآن. وكان النبي ﷺ يتأخر عنه الوَحْى أحياناً، فتقول الكفَّار: هلا جئت بقرآن من قولك، والاجتباء معناه طلبتها من الله وتخيرتها عليه، فالآية على هذا معجزة أي يقولون اطلب من الله المعجزة. (وإذا قرِئ القرآن فاسْتَمِعوا له) : كانوا إذا سمعوا القرآن اشتغلوا عنه، فأمر اللَّهُ بالإنصات لقراءته على الإطلاق، ولا معنى لمن قال: إن معناها الإنصات لقراءة الإمام أو الخطبة، لأن الآية مَكّية، والخطبة إنما شرِعت بالمدينة. وأيضاً اللفظ عام، ولا دليلَ على تخصيصه. (وَجِلَتْ قلوبُهم) ، أي خافت. وقرأ أبيّ بن كعب فزعت. ومنه: لا توجل، ووجلون. فاعرِضْ نفسك على هذا الميزان، هل تجد لذِكْرِ الله وجلاً في قلبك، فأنْتَ مؤمن حقاَ، وحينئذ فلا تنْسَ نفسك وإخوانك من الدعاء، وإلا فابْكِ على نفسك لحرمانك بخطيئتك، واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات. (وإنّ فريقاً من المؤمنين لكَارِهونَ) ، أي لقتل العدو،

стр. 1309

وذلك أنَّ عير قريش أقبلَتْ من الشام فيها أموال عظيمة، ومعها أربعون راكباً، فخرج رسول الله ﷺ بالمسلمين، فسمع بذلك أهْلُ مكة، فاجتمعوا وخرجوا في عَدَدٍ كثير ليمنعوا عيرهم، فنزل جبريل، وقال: يا محمد، إنَ الله يَعِدُكم إحْدَى الطائفتين، إما العير وإما قريشا، فاستشارهم ﷺ ، فقالوا: العير أحبُّ إلينا من لقاء العدو، فقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقال له سعد بن عبادة: امضِ لما شئت، فإنا متبعوك. وقال سعد بن معاذ: والذي بعثك بالحق لو خضتَ هذا البحر لخضناه معك. (ولِيَربِطَ على قلوبكم ويثَبِّتَ به الأَقْدام) : لما عدم الصحابة الماء قبل وصولهم إلى بدْر أنزل الله عليهم الماءَ فتطهَّروَا به، وثبتت قلوبهم بزوال ما وَسْوس لها الشيطان من عدم الماء لوضوئهم وغسلهم، وأزال عنها الكسل، وكانوا في رملة دَهسَة لا يثبت بها قَدم، فلما نزل المطر تلبَّدَت، ولبَّدَت الطريق، وسهل المشي والوقوف. وروي أنَّ ذلك المطر صعب الطريق على المشركين، فكان فيه لطف من الله، فلذلك عدَّدَه من نعمه عليهم. (وإنْ تعودوا نَعدْ) : أي إنْ تعودوا إلى الاستفتاح والقتال نعد لقتلكم والنصر عليكم. (ولا تَوَلَّوْا عنه وأنْتم تسمعون) ، أي القرآن والواعظ. (وإذ يمكر بكَ الذين كفَروا) . عطف على (إذ أنْتم قَليل) ، أو استئناف، وفيها إشارةٌ إلى اجتماع قريش بدار النّدْوة. قال الثعلْبي: كانوا اثني عشر رجلا دخلوا الدارَ، ودخل معهم إبليس لعنه الله على صورةِ شيخٍ في يده عصاه، فقال له أبو جهل: إنَّا قد اجتمعنا في تدبير أَمرِ خفيّ، فارجع أنْتَ يا شيخ. فقال إبليس: إني شيخ من أرض نجْد رأيت الدهور، وكرَّت الأمور عليَّ، أنا أعلم مصالح التدبير وموافقة التأويل والتفسير، فأدخلوني معكم لعلي أنبئكم بتأويله. وإنما نسَب نَفْسَه لنَجْد، لأنهم قالوا:

стр. 1310

لا تدْخِلوا معكم أحدًا من أهل تهامة لمحبتهم في محمد، فلما دخلوا قال لهم عتبة: إن الموت حق، فاصبروا حتى يقضيَ الله على محمد فتَنْجوا من شره. فقال له إبليس: أفّ لك! أين أنْتَ عن التدبير، أنت لا تصلح إلا لرَعْي المواشي، فلو صبرتم حتى يموتَ محمد يظهر دِينه في مشارق الأرض ومغاربها، فتجمع عنده عساكر عظيمة لمحاربتكم، فيهلككم. فقالوا: صدق الشيخ النجدي. ثم قال شيبة: إني أرى أنْ نحْبِسه في بيتٍ ونغلق أبوابه حتى يموت فيه جوعاً وعطشا. فقال إبليس: وهذا أيضاً ليس بصوابِ، فإنَّ بني هاشم يجتمعون ويأخذونه من أَيديكم، ويخلون سبيله، ويقع بينكمَ وبين أقربائه عداوة عظيمة. فقالوا: صدق الشيخ النَّجْدي. فقال عامر بن وائل: نعضد محمداً على بعير ونَسوقه في البادية ليهلك فيها. فقال إبليس: ليس بصواب، لأن محمداً فصيح اللسان، مَليح الجنان، قويم القامة، صبيح الوَجْه، كلّ مَن رآه أحبه، وربما لقِيَه أحدٌ وهداه إلى البلاد، فيصدقه كلّ من يسمع كلامه، ويجتمع عنده جمع عظيم، فيرجع إليكم، ويحاربكم، فصاحوا جميعاً: صدق الشيخ النجدي. فقال أبو جهل لعنه الله: إني أرى أنْ نخْرِجَ من كل قبيلة شابّاً فيهجمون على محمد في ليلة فيضربه كلّ واحد منهم ضربةً جميعاً بالأسلحة حتى لا يعْلم قاتِله بعينه، فإذا طَلب أقارِبه الديةَ نجمَع الأموال من القبائل ونعْطيهم وننجو من شره. فقال إبليس: أحسنْتَ وأصبْتَ، لرَأْيك أحسن الرأي، وتدبيرك أحسن التدبير، فاتفقوا عى قَتْله ﷺ ، وتفرقوا من دار الندوة، فنزل جبريل بهذه الآية، تم قال: إن الله يقول لكَ: اخرج من مكة. فأتى إلى أبي بَكْر، وكان يأتيه كلّ يوم طرفي النهار، فأتاه في الظَّهيرة، فقال أبو بكر: ما جاء بك في هذا الوقت، فِداك أبي وأمي؟ فقال لي: أَخرِج مَنْ معك. فقال: وهل هم إلا أهلك. فقال: أما شعرت أنَّ الله أمرني بالخروج، وكان يقول لأبي بكر: لا تهاجر حتى أَجِدَ لك رفيقاً، فقال له: الصحبة يا رسول الله، فقال: الصحبة. فقال: خذْ إحدى هاتين الناقتين. فقال له: لا آخذها إلا بالثمن، ليكون مهَاجراً بنفسه وماله.

стр. 1311

ثم قال لأصحابه: أيّكم يبيت على فِراشي أضمن له على الله الجنة، فقال عليٌّ: أنا يا رسول الله، وأجعل نفسي فداك. فبات عليٌّ على فراش رسول الله ﷺ . وجاء الكفار يحرسونه ويرتقبون خروجَه، وإبليس معهم، فسلط اللهُ عليهم الْغَفْلَةَ والنومَ، ونام إبليس لعنه الله، ويقال: إنه لم ينم قط إلا في تلك الليلة، ولا ينام بعدها أبداً، فخرج ﷺ مع أبي بكر ورآهم نائمين، فأخذ التّرَابَ وحَثَى على رؤوسهم. وقرأ سورة يس حين قَصد المرور، فلم يره أحَد ببركة يس. وفي الحديث: إن الله أوحى إلى جبريل، وميكائيل عند رجليه، وجبريل يقول: منْ يقتلك يا ابن أبي طالب باهى اللهُ بك الملائكة، فأنزل الله عليه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) . (وَلِيجةً) : كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وَليجة فيه، والرجل يكون في القوم وليس منهم فهو وَلِيجة. (وقيل اقْعدوا مع القَاعِدين) : يحتمل أن يكون القائل اللَه تعالى، أو يكون ذلك من قول بعضهم لبعض، وعلى الأول فهو عبارة عن قضائه عليهم بالقعود. (والسابقون الأَوَّلون) : قيل هم مَنْ صلى القِبْلَتين، وقيل مَنْ شهد بدراً. وقيل مَنْ حضر بيعةَ الرضوان. وقيل: مَنْ أسلم قبل الهجرة. وقيل: مَن اشتغل بمعادِه عن معاشه. وقيل: الذي غلبَ عقْله على شهوته. (والذين اتَبَعوهم) : سائر الصحابة، ويدخل في ذلك الباقون، ومَنْ بعدهم إلى القيامة بشرط الإحسان. (وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا) : الضمير عائد على الكفار، لأن هذا شأنهم، قنعوا بالدنيا، وسكنَتْ نفوسهم عن ذكر الانتقال منها، فإياكَ والاتصاف بهذا الوصف، وهو حالُ أكثرنا، لأنا نفرح بالزيادة منها، ونحزن لفقدانها، فيوشك أخْذنا منها بغتةً.

стр. 1312

(ويعْبدونَ مِنْ دون الله ما لا يضرُّهم ولا يَنْفَعهم) : الضمير عائد على الكفار من قريش الذينَ تقدمَتْ محاورتهم، فأخبر الله أنّ أصنامهم لا تضر ولا تنفع. وردّ على منْ زعم نَفْعَهم لهم. وقدم الضر هنا لتناسب الوارِدَ مِنْ متصل قوله: (ولا ينفعهم) بقوله: (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) . (ومنهم من يؤْمِن به) : أخبر الله فيها بما يكون منهم في المستقبل. وقيل: إنَّ بعضهم يؤمن وهو يكْتم إيمانه، ومنهم من يكذب. (ومنهم مَن يئظر إليكَ أَفأنتَ تَهدِي العُميَ) : المعنى أتريد أن تهدي العمي، وذلك لا يكون. فإن قلت: ما الفرن بين (من) في الاستماع وبين هذه، لأنه جاء أولاً بلفظ الجمع وهنا بلفظ الإفراد؟ فالجواب: أن المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى النبي ﷺ بخلاف النظر، فكان في المستمعين كثرة، فجمع ليطابق اللفظ المعنى، ووَحّد ينظر حملاً على اللفظ، إذ لم يكثروا كَثْرَتهم. وقد قدمنا أنه إذا جاء الفعل على لفظ " من " فجائز أن يعطف عليه آخر على معناها، وإذا جاء أَولاً على معناها فلا يجوز أن يعطف بآخر على اللفظ، لأن الكلام يلتبس حينئذ، وكأنه قال: ومنهم من يَنْظر إليك ببصره، لكنه لا يعتبر، ولا ينظر ببصيرته، فهو لذلك كالأعمى فسلاه الله بهذه الآية، والهداية إنما هي بيد الله، ولو شاء الله لجمعهم على الْهدَى. (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) . قال مجاهد: المعنى فإذا جاء رسولهم يوم القيامة للشهادة عليهم صُيِّرَ قَوْم للجنة وقوم للنار، فذلك القضاء بينهم بالقسط. وقيل: المعنى فإذا جاء رسولهم في الدنيا وبعث صاروا ممن ختم اللَّهُ بالعذاب لقومٍ والمغفرة لآخرين

стр. 1313

لغاياتهم، فذلك قضاء القِسْطِ بينهم، وقرر بعض المتأولين هذه الآية بقوله تعالى: (ومَا كنّا معَذِّبين حتى نَبْعَثَ رسولاً) ، وذلك يتفِق بأن يجعل معذبين في الآخرة، وإما بأن يجعل القضاء بينهم في الدنيا بحيث يصحّ اشتباه الآيتين، وإنما ورد في سورة يونس بالقسط في الموضعين، لأنه بمعنى العدل والتسوية في الحكم بمظنة وروده حيثُ يُراد موازنة الجزاء بالأعمال من غير زيادة. (وأُمِرْتُ أنْ أكونَ من المؤمنين) : هذه مخاطبة من الله لنبيّه، ويدخل تحته جميع المكلفين من أمته، وهذه الآية قبلها يتسق معناها بمحذوفات يدلّ عليها هذا الظاهر الوجيز. والمعنى إن كنتم في شكٍّ من ديني فأنتم لا تعبدون الله، فاقتضت فصاحة الكلام وإيجازه اختصار هذا كله. وأمره هنا بالإيمان بخلاف آخر النمل، لأنه تقدم قبلها: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) . (وما كان لنَفْس أنْ تؤْمن إلا بإذْن الله) . وبعد هذا: (وما تغْنِي الآيات والنّذُر عن قَوْمٍ لاً يؤمنون) . وبعد هذا كله: (كذلك حقَّا علينا ننج المؤْمنين) . وآما آية النمل فإن قبلها قوله: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) . وهذا يقتضي تسليم كل شيء له والتبري من توهّم شريك أو نظير، فناسب هذا قوله: (وأمِرْتُ أنْ أكونَ من المسلمين) . (وأن أقمْ وَجْهَك) ، أي قَصْدَك ودينك. (واصْبِرْ حتى يَحْكمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكمين) : وعد بالنصر والظهور على الكفار، وإنما زاد في الأعراف (بيننا) ، لأنه من خطاب الله لشعيب، فناسبه البسط في الكلام. (ويَتْلوه شَاهِدٌ منه) : الضمير في (يتلوه) للبرهان، وهو البينة، أو لمن كان على بينة من رَبِّه، والضمير في (منه) للرب تعالى. ويتلو هنا بمعنى يتبع، والشاهد يراد به القرآن. والمعنى يتبع ذلك البرهانَ شاهدٌ من الله،

стр. 1314

وهو القرآن فيزيد وضوحه وتعظيم دلالته. وقيل: إن الشاهد المذكور هنا هو عليٌّ بن أبي طالب، فيالها من فضيلة! كرر ذِكْرَه في مواضع، ولذلك قال له ﷺ : الناس في شجر شتّى وأنتَ في شجرةٍ واحدة. وشبّهه بسورة الإخلاص في قوله: مَنْ قرأ سورة الإخلاص مرة واحدة فله ثوابُ ثلث هذه الأمة، ومَنْ قرأها مرتين فله ثلثا ثواب هذه الأمة، ومن قرأها ثلاث مرات فله ثوابُ هذه الأمة. وقال: مَنْ أحب عليًّا بقلبه فله ثلث ثواب هذه الأمة، ومن أحبه بقلبه ولسانه فله ثلثا ثواب هذه الأمة، ومن أحبّه بلسانه وقلبه وجوارحه فله ثواب جميع هذه الأمة (١) . وقال مجاهد: نزلت في عليٍّ سبع آيات، لأنه كانت له أربعة أشياء لم تكن لغيره: السخاوة، والشجاعة، والزهادة، والعلم. وله من جهة الرحمن امرأته أفضل النساء، وصهره أفْضل الخلق، وشاهده جبريل، وولده الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. (ومِنْ قَبْلِهِ كتابُ موسى) . أي من قبل ذلك الشاهد كتابُ موسى يشهد بأنَّ هذا القرآن هو من عند الله. وقيل أقوال غير هذه، هذا أصحّها. (ويَقول الأشْهَاد) : جمع شاهد كأصحاب. ويحتمل أن يكون من الشهادة، فيراد به الملائكة والأنبياء، أو من الشهود بمعنى الحضور، فيراد به مَنْ حضر الموقف. (ومَنْ آمَنَ) : معطوف على (أهلَك) ، أي احمل أهلَك ومَنْ آمَنَ من غيرهم. (وعلى أمَم مِمنْ مَعَك) : يعني في السفينة. واختار الزمخشري أن يكون المعنى من ذرية مَنْ معك، ويعني به المؤمنين إلى يوم القيامة، فـ (مِنْ) على هذا لابتداء الغاية. والتقدير على أمم ناشئة ممن معك، وعلى الأول تكون مِنْ لبيان الجنس.

стр. 1315

(وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ) ، أي بمتاع الدنيا، وهم الكفار إلى يوم القيامة. (ولما جاء أمْزنا) : الأمر واحد الأمور، ويحتمل أن يكونَ مصدر أمر يأمر، أي أمرنا للريح، أو لخزَنتها، ونحو ذلك. فإن قلت: لِم قال هنا وفي قصة شعيب: (ولا) بالواو، وفي قصة صالح ولوط: (فلما) بالفاء؟ والجواب: على ما قال الزمخشري: إنه وقع ذلك في قصة صالح ولوط بعد الوعيد، فجيء بالفاء التي تقتضي التسبيب، كما تقول: وعدته، فلما جاء الميعاد، بخلاف قصة هود وشعيب فإنه لم يتقدم ذلك فيهما، فعطف بالواو. وقيل في الجواب غير هذا مما يطول ذكره. (ونَجَّيْنَاهم من عَذَابِ غَلِيظ) : يحتمل أن يريد به عذابَ الآخرة ولذلك عطف علىَ النجاة الأولى التي أراد بها النجاةَ من الريح. ويحتمل أن يريد بالثاني أيضاً الريح، وكرره إعلاماً بأنه عذابٌ غليظ وتعديد النعمة في نجاتهم. (واتْبِعُوا في هذه الدنيا لعْنَةً) : حكم عليهم بهذا الحكم لكفرهم وإصرارهم حتى حل العذابُ بهم، وقد تيقّن أن هؤلاء وافوا على الكفر، فيلعن الكافر الموافي على كفْره، ولا يلعن أحداً بعينه حتى البهيمة، لأن معناها البعد من رحمة الله. فإن قلت: لم جمع في قصة هود بين اسم الإشارة ولفظ الدنيا الجاري عليه وصفاً، واكتفى في قصة موسى باسم الإشارة دون التابع؟ والجواب أنَّ قصة هود ﵇ في هذه السورة أكثر استيفاء من قصة موسى ﵇ بكثير، فناسب الطول الطولَ، والإيجاز الإيجازَ، ولا يليق العكس.

стр. 1316

(وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا) : هذا من قول قوم صالح، أخبروه أَنهم في شك من أَقاويله، وأن ذلك الشك يرتابون به زائدًا إلى مرتبته من الشك، ولا فَرْق بين هذه الحال وحالة التصميم على الكفر، وإنما أثبتوا النونين الداخلين للتأكيد، وأفرد الضمير في (تَدْعُونَا) ، وألحقه في سورة إبراهيم، لأنها واردة على الأصل في اتصال الضمير المنصوب بها. ثم يجوز حذْف إحدى المضاعفين تخفيفاً، فتقول: إنا، فتكتفي بالضمير عن النون المحذوفة، وذلك من فصيح كلامهم. والأصل الأول. (وأخذ الذين ظَلَمُوا الصَّيْحَة فأصْبَحوا في دِيَارهم جَاثمين) : إنما ذَكَّرَ الفعل المسند إلى الصيحة، لأنها بمعنى الصياح وتأنيثها غَيْرُ حقيقي. وقيل جاز ذلك وهي مؤنثة لما فصل بين الفعل وبينها كما قالوا: حضر القاضي اليوم امرأة. والأول أصوب. وإنما أسقط تاء التأنيث من هذه القصة وأثبتها في قصة شعيب، لأنه على ضربين: حقيقي، وغير حقيقي، فالحقيقي لا تحذف تاء التأنيث من فعله غالباً إلا أن يَقَع فصل، نحو قام اليوم هند، وكلما كثر الفصل حسن الحذف. ومن كلامهم، كما قدمنا لو الإشارة مع الحقيقي ما لم يكن جَمْعا. وأما التأنيث غير الحقيقي فالحذْفُ فيه مع الفصل حسن، قال تعالى: (فمَنْ جاءَه موعظة من ربه) ، وهو كثير، فإن زاد الفصل أزداد حسناً، والحذف والإثبات هنا جائزان، فجاء الفعل في هذه الآية على الوجه الأول، وفي قصة شعيب على الوجه الثاني، جَمْعاً بين الوجهين، إذ الآيتان في سورة واحدةٍ، وتقديماً للأولى على ما ينبغي، وهذا ما لم يكن الفاعل ضمير مؤنث فله أحكام تخصه. والله أعلم. (ولما جاءَتْ رسلنا لوطاً) : قد قدمنا أنه أعاد الضمير، لظَنِّه أنهم من بني آدم وخوفه عليهم من قومه، وقوله لهم: (لو أن لي بكم قوة) . ولما قالها قالوا له: إنَّ رُكْنَك لشَدِيد.

стр. 1317

فإن قلت: كيف ينطق بهذا وقد قال ﷺ : " يرحم الله لوطاً، لقد كان يأوِي إلى رُكْن شديد، وفي الحديث: لم يبعث الله نبيئاً إلا في مَنَعة وعزة؟ والجواب: أنه خشي ﵇ أنْ يمهل الله أولئك العصابة حتى يعصوه في الأضياف، كما أمهلهم فيما قبل ذلك من معاصيهم، فتمنىِ ركْناً من البشر يعاجِلهم، وهو يعلم أنَّ اللهَ تعالى مِنْ وراء عقابهم، وأيضاً فإنَّ قَوْمَه إنما يمنعونه هو لو أرادوه بضرٍّ، وقد كان المطيع فيهم قليلاً. ولقد أصيب نبيّنا محمد ﷺ في غير ما موطن مِنْ شجِّ رأسه، وكَسْرِ رباعيته، وطَرح سلا الجزور على ظَهْره، ولم ينطق بشيء من ذلك عزامة منه ونجدة. فإن قلت: لِمَ حذف من هذه الآية إن الزائدة في العنكبوت؟ والجواب: أنها كثيراً ما تزَاد، ولما وردت هذه الآية بلفظها مرتين، وردت الثانية بزيادتها ليحصلَ بين التَّوَارُدين ما يرفع تثاقل اللفظ المتكرر. فإن قلت: فإنه قد تباعد ما بين الآيتين، ومِثْل هذا لا يلحظ فيه ما ذَكَرت؟ فأقول: لما كان اللفظُ اللفظَ، وكان زيادة " إن " وعدم زيادتها هنا مقيس فصيح جيء بالجائزين معاً، وتأخرت الزيادة، إذ هي غير الأصل إلى المتأخر من الآيتين. فإن قلت: إن قوله تعالى: (فلَمَّا أنْ جاء البَشير) ، لم يقع فيه تكرار، فلِم زيد (أن) ولم يأت على الأصل؟ قلت: لما كان مجيء البشير إلى يعقوب ﵇ بعد طول الزمن، وتَبَاعد المدة، ناسب ذلك زيادة (أن) لما في مقتضى وَصْفِها من التراخي، فورَد كلّ من هذا على ما يجب.

стр. 1318

(ولقد أرْسلْنَا موسى بآيَاتِنَا وسلْطَان مُبين) : قيل هو مشتق من السليط الذي يستضاء به. وقيل: إنه مسلط على كل منّا ومخاصم، وزاد السلطان في هذه الآية وفي سورة غافر زيادة قوله: (وسلطان مبين) ، وورد في سورة يونس، والمؤمنين، ذكر تأييد موسى بأخيه هارون ﵉، ولم يرد ذلك في غيرهما. وانفردت سورة المؤمنين بالْجَمع بين تأييده ﵇ بأخيه وسلطان مبين، لأنه حيث يذكر سورة المرسل إليهم وقبْح جوابهم يقال أبداً بتأييده بأخيه أو عضده بالآيات مما يقتضي القَهْرَ والإرغام، وهو المعبَّر عنه بالسلطان المبين، فيكون ذلك في مقابلة شَنِيع مجاوبتهم وسوء رَدِّهم. وبالجملة فإنه إذا اجتمع إفصاحهم بالتكذيب واستكبارهم جمع في التمهيد المتقدم بين التأييد بهارون والسلطان المبين، وحيث يصرح بالتكذيب أو ما يعطيه بينا، كقوله: (فاتبَعوا أمْرَ فِرْعون) . (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ) : هذا المجروو في موضع الحال من (ربك) ويحتمل أن يريد بظلم منه تعالى لهم. قال الطبري: وقيل يحتمل أن يريد بشرك منهم، وهم مصلحون في أعمالهم وسيرهم وعَدْل بعضهم في بعض، أي أنهم لا بد من معصية تقترن بكفْرهم. وهذا ضعيف، وإنما ذهب قائله إلى نحو ما قيل إن الله تعالى يمْهل الدّوَل على الكفر، ولا يمْهلهَا على الظلم والجور، ولو عكس لكان ذلك متَّجِهاً، أي ما كان الله ليعذِّبَ أمة بظلم في معاصيهم وهم مصلحون في الإيمان. والاحتمال الأول أصحُّ إن شاء الله. وجيء بالفعل هنا (ليهلك) إشارة إلى التكرر بحسب ما يكون منهم، فلو كان في كل أمة وقَرْن مَنْ يَنْهَى عن الفساد والظلم لما أخذوا بذوي الظلم منهم ولكن الله تعالى يدفَع ببعضهم عن بعض، ولكن تكرر الفساد، وعَمّ كل قَرْن، فتكرر عليهم الجزاء والأَخذ، فأشار بالفعل إلى التكرر، ولم يكن قوله، (مهلك) في سورة القصص ليعطي ذلك وهنا كقوله تعالى:

стр. 1319

(أولم يَرَوْا إلى الطير فوقهم صافَّات ويقبضن) ، ولم يقل وقابضات لما قصد من معنى التكرر. (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) ، الإشارة إلى الاختلاف في المذاهب والأديان والملل. وقيل الإشارة إلى الرحمن، وقيل إليهما. (وكُلاًّ نقُصُّ عليكَ مِنْ أنباءَ الرُّسُل) : انتصب كُلاًّ بـ نقصُّ و (ما) بدل من كلاًّ، والإشارة في: (وجاءَكَ في هذه) إلى السورة. (وإن كنْتَ مِنْ قَبْلِه لمِن الْغَافِلين) ، أي من قبل القصص غافلاً عن معرفته، وفي هذا احتجاج على أنه من عند الله، لكونه جاء به من غير تعليم. (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) : قيل هي عبارة الرؤيا، واللفظ أعمّ من ذلك. (والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأيْتهم لي ساجِدِين) : كرر الفعل لطول الكلام، وأجرى الكواكبَ والشمس والقمر مجرى العقلاء في ضمير الجماعة لمّا وصفها بفعل مَنْ يعقل. هذا يوسف أنجاه عِلمُه من ذلِّ السجن والبلوى، وأنتَ يا محمدي عَلّمك الله عِلْمَ كتابه، أفلا ينْجيك علمك به من ذل الذنب، ويوصلك إلى جوار الرب، وقد اجتباك بقوله تعالى: (هوَ اجْتَتاكم) . هذه رؤيا وافق تعبيره على ما رأى، وعصمه الله، ووصل إلى الملك، وكيف لا يعدّلك الملكَ الأعظم، ويحفظك من مكايد إبليس ونزغاته عند الموت. (وَاردَهُم) : الوارد هو الذي يستقي الماء، وكان سيدَ القافلة مالَك بن ذعر من العرب العاربة، فلما رأى يوسفَ تَفرَّس فيه الصلوحية،

стр. 1320

فطلب من يوسف الدعاء، فدعا له بالنسل، لأنه لم يكن له، فدعا له فرزقه اللَهُ اثني عشر ولداً، أعقب كلّ واحد منهم قبيلة. (وأسَرّوهُ بضَاعة) : الضمير للسيارة، والمفعول ليوسف. أي أخفوه من الرّفْقَة، وقالوا: دفعه لنا قومْ لنبيعه بمصر. (واللهُ غالِبٌ على أمْرِه) : في عودة الضمير وجهان: أحدهما أن يعود على الله. والمعنى أنه يفعل ما يشاء لا رادَّ لحكمه. والثاني أنه يعود على يوسف، أي يدبِّر اللَّهُ أمره بحفظه وكرامته، الا ترى أنه لما كان يوسف بحضرة والده وبِعَيْنِه حمله إخوته على أعناقهم، فلما غاب عن بصره توجهت إليه المحنُ، وقاسى الشدائد، وكانت عاقبته الملك. وأنت يا محمدي، مالك لا تخاف من نظر اللهِ إليك، فيراكَ على مخالفته. ويحرمك من رحمته. (وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) ، لأنها جبذته إلى نفسها حين فَرَّ منها، ولهذا يحكم القاضي بالقرائن المغلِّبة للظن غالباً. وقد قدمنا أن هذا الصبي كان من أقرباء زليخا وصل وزارة يوسف بشهادته له. وأنْتَ تشهد لخالقك بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، أتراه لا يوصلك للملك الكبير، وهو على كل شيء قدير! اللهم إني أشهدك بما شهدت به لنفسك، وثَنَّيْت بملائكة قدسك، وثلثت بأولي العلم من جِنِّكَ وإنسك، إنك أنْتَ الله لا إله إلا أنت وحْدَكَ لا شريك لك. وإن محمداً عبدك ورسولك، وأستودعك هذه الشهادة وأنْتَ تحفظ الودائع. ولا تخيب من استودعك، فرُدَّها علينا وقْتَ احتياجِنا إليها. (ولج) يلج، أي دخل، ومنه ما يلج في الأرض. وأولج يولج، ومنه: (يولج الليلَ في النهار) .

стр. 1321

(وابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ من الحزْن) ، أي من البكاء الذي هو ثمرة الحزن، فقيل: إنه عمي. وقيل: كان يدرك إدراكاً ضعيفاً. وفي الحديث: إن يعقوب حزن حزْنَ سبعين ثَكلَى. وما ساء ظنّه باللهِ قطّ، فلذا أعطي أجْرَ مائة شهيد. (وأعْلَم مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمون) : هذا من قول يعقوب، يعني إني أعلم من لطفه ورحمته ما يوجِب حسْنَ ظني به وقوة رجائي فيه. (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) : روي أنها لما نزلت قال ﵇: أنا المنذِر، وأنْتَ يا عليٌّ الهادي (١) . وقيل: معناها إنما أنت نبيء منذر، ولكل قوم هاد من الأنبياء ينذرهم، فليس قولك بمبْدع ولا مستَنْكر. وقيل المعنى: إنما عليكَ الإنذار، والله هو الهادي لمن شاء إذا شاء. (وجَعَل فيها رَوَاسِيَ وأنهاراً) : قد قدمنا أنَّ الرواسي الجبال، وقدمنا فائدة جَمْع الأنهار جمع قلة، والرواسي جمع كثرة. (ومِنْ كلّ الثمرات جَعَلَ فيها زَوْجَيْن اثْنَين) : قيل إنه معطوف على قوله: (رَوَاسي) ، فيكون متعلقاً بجعل الأول. وقيل: إنه متعلق بجعل الثاني. ورَدَّه بعض النحويين بأنّ فيه الفصل بين حرف العطف والمعطوف. وقد قال ابن عصفور في شرحه الكبير: ولا يجوز فصل حرف العطف والمعطوف إلا بالقسم أو بالظرف والمجرور، بشرط أن يكون حرف العطف على أزيد من حرف واحد. " وجعل " هنا معطوف على (جعل) الأول، ففصل بين الواو وبينه بالمجرور، وهذا جيد إلا أنْ يجاب بأنه من حرف الجمل، فهو استئناف. فإن قلت: هل المراد بالزوجين اثنين الذكر والأنثى، كقوله: (ومِنْ كلِّ شيءٍ خلَقْنَا زَوْجين) ؟ فالجواب: أنَّ المراد بالزوجين النوعين، قال الزمخشري: كالأسْوَد والأبيض.

стр. 1322

والحلو والحامض، والصغير والكبير، فإنها في أصلها كانت زوجين ثم تفرَّعت منها أنواع، فصارت أزواجاً. (وإنْ تعْجَبْ فعَجب قولُهم) : انظر هل هذا أمر تقريري، أو هو استدعاء له ليعجب. فإن قلت: إذا لا تدخل إلا على المحقَّق الوقوع، وإن تدخل على المشكوك فيه، والتعجبُ من هؤلاء محقَّقٌ وقوعه، لأنهم أنكروا البَعْثَ، وخالفوا، مع علمهم أنَّ اللهَ خلقهم وأوجدهم، ومَنْ أوجد المخلوقات من عدم قادرٌ على إعادتها، قال: وعادتُهم يجيبون بأنَّ التعجبَ إنما يكون مما خَفِي بسببٍ، فما يَتَعَّجب إلا مَنْ يخفى عليه السبب، والنبي ﷺ عالم بأنّ ذلك الواقع منهم، أمْر قَدَّره الله، وأراده منهم، فهو في خاصته لا يَتعجَّب منهم، فضلاً على أن يكون تعجّبه منهم محققا، بدليل قوله تعالى: (أتَعْجَبِينَ مِنْ أمْر الله رحمةُ الله وبركاتُه) قال أبو حيان: فعَجب مبتدأ وخبره قولهم إذا. ورُدَّ بوجهين: الأول أن قولهم في رتبة العلم، وعَجب نكرة. والثاني أن محل الفائدة في عجب، لأنه المجهول، وقولهم: أإذا كتا تُراباً - هو المعلوم. وقولهم: (لفي خَلْقٍ جديد) يحتمل أنْ يريد بالجديد ما سبقه عدَم، ويحتمل أنْ يريدَ به ما لم يُسْبَق بوجود. وهذا هو الأظهر، لأجل تعنُّتهم، فهم يجعلون الإعادة كأنها خَلْقٌ آخر لم يسبق بوجود ألبتَّة، فلذا نفَوْها. ومذهبُ أهل السنة أنَّ الإعادة ممكنة عقلاً واقعةٌ سَمْعا، وهل تُعَادُ الأجساد أم لا، مذهب أهلِ السنة أنها تُعَاد، لأنَّ الوجود قسمان: إما متحيز أو قائم بالتحيز، فالأرواح إن كانت متحيزة فهي أجسام، وإن لم تكن متحيزة فلا تستقلّ بنفسها، ولا بُدّ لها من أجسام تحلّ فيها، فلا بدَّ من إعادة الأجسام خلافاً للحكماء وغيرهم. (ويَسْتَعْجِلونَكَ بالسيِّئةِ قَبْلَ الحسنةِ وقد خَلَتْ من قبلهم الْمَثُلاَت) . انظر هل المراد أنهم طلبوا الأمْرَيْن، أو طلبوا السيئة فقط، وهو

стр. 1323

الظاهر، لأن الحسنةَ بعدها، فما تأتيهم إلا وهم قد هلكوا. ويحتمل أن يهلكوا من غير استئصال، والمراد بالْمَثلاَت القرون، لأنه وقع بها من العذاب ما صيَّرها يُضْرب بها الْمَثَل. (وإنَّ ربَّكَ لذو مَغْفِرةٍ للناس على ظلْمهم) : قال ابن عبد السلام: هذه الآية نزلت على ترجيح جانبِ الخوف على جانب الرجاء، لقوله: (ذو مغفرة) ، وهو للتقليل، وإنما أخذه من كون المغفرة مصدراً محدوداً بالتاء الدالة على الواحدة، على العقاب، مصدر مبهم يقع على القليل والكثير، فلو قال: إن ربك لغفار للناس لأَفاد المبالغة. قال ابن عطية: والظاهر في معنى المغفرة هنا إنما هو سَتْره وإمهاله للكفرة. أَلاَ ترى التيسير في لفظ المغفرة، وأنها منكرة مقللة، وليس فيها مبالغة، كما في قوله تعالى: (وإني لغَفَّار لمَنْ تاب) . وذكر الزمخشري في سورة غافر في قوله تعالى: (إنّ اللَهَ لذو فَضْلٍ على الناس) ، أن إدخال (ذو) يدل على عِظَم فَضْله وكثرته، ونحوه لابن عطية في سورة الروم في قوله: (فآتِ ذَا القرْبى حَقَّه) ، ونحوه للقاضي عياض في الإكمال في حديث سعد بن أبي وقَّاص في الوصية حيث قال: قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وإني ذو مال، ولا يرثني إلا ابنةٌ لي. (وكلّ شيء عنده بمقدار) : انظر هل المراد به القدرة وهي الإبراز من العدم إلى الوجود، أو الإرادة وهي التخصيص، أو العلم وهو الكشف والاطلاع. والظاهر أنَّ المراد به الإرادة وأن كل شيء عنده مقدَّر مراد، لأنه أَتى به عُقَيب قوله: (وما تَغِيضُ الأَرْحامُ وما تَزْدَادُ) ، فثمَّ حمل ناقص، وحمل زائد، وحمل معتدل، فقال: كلّ ذلك مقدَّر مرَاد له، لأن تخصيص الناقص بالنقص، والزائد بالزيادة، إنما هو راجع للإرادة، والظاهر أنه من العمومات الغير مخصصة، كقوله تعالى: (واللَه بكلِّ شيء عليم) . (وإذا أَراد الله بقَؤمٍ سوءًا فلا مَرَدَّ له) : هذا احتراس،

стр. 1324

إشارة إلى أنَّ (الْمُعَقِّبات) ، إنما يحفظونه مما أراد الله عدمَ وقوعه. وأهل السنة يعمِّمون لفظَ "القَوْمِ" في الطائع والعاصي، والمعتزلة يخصصونه بالعاصي بناء على قاعدةِ التحسين والتقبيح عندهم. (ولا مردَّ له) ، أي لا دافع عنه ابتداء قبل وقوعه بهم، ولا ناصر لهم برفعه عنهم بعد وقوعه. (ويُنْشِئُ السَّحَابَ الثقَال) : اختلفوا في ماء المطر، هل هو من السماء، أو من البحار يتصعّد منها بخار وتكسبه الأهوية رِقّة وعذوبةً فيتكون في السحاب ثم ينزل مطراً. وقيل بالوقف، وهو اختيارُْ ابْنِ رشد في البيان. وذكر بعضهم أنه إذا سخن ماء البحر وجُعلت على القِدْ نشّافة فإنه يَعْذب. وقيل: بل تنكسر حدَّته ويشربه المضطر إليه. (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) : قيل: إنَّ الرعد اسم ملك، وردَّه بعضهم لقوله تعالى: (فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) . فقد نكره، فإن كان لفظ الرعد هو العلَم على الملك لم يجُزْ حذف الألف واللام منه، كما لا يُحْذَف من القاسم والعباس، وإن كان العلم عليْه الرعد لزم إدخال الألف واللام هنا على الاسم العلم، وهو جائز. ويحتمل أن يكون الألف واللام لِلَمح الصفة، فإن لمحتَها أدخلتها وإلا فلا. وقيل الرعد صوت ملك. وقال الحكماء: اصطكاك الأجرام. فإن قلت: لم أسند الحمد للرعد والخوف للملائكة؟ فالجواب إن كان الرعد اسم ملك فأسند الحمد إليه إما لأنه جرْم أعظم من سائر أجرام الملائكة، فهو في مقام الحمد لا في مقام الْخَوف، وإمّا ليدل اللفظُ دَلالتين: دلالة مطابقة والتزام، فأسند التحميد إليه مع الملائكة لدخوله فيهم، أو يكون حذَفَ من الأول لدلالة الثاني، ومن الثاني لدلالة الأول، أي ويسبِّحُ الرعْدُ من خيفته بحمده والملائكة بحمده من خيفته.

стр. 1325

وإن أريد بالرعد السحاب فالمعنى أنه سبَّح اللهَ وحمده على إبرازه إياه من العدم إلى الوجود بلسان الحال لا بالقول، إذ لا عقل له، فلذلك لم يُسنِد الخوف إليه، بخلاف التسبيح، لقوله: (وإنْ من شيء إلاَّ يسبِّحُ بحَمْده) . والخوف إنما يقَعُ من العاقل. (والذين يَدْعون مِن دونه) : لم يَدْعُوهم مِنْ دون الله: لكن الجزء الذي شركوهم فيه مع الله في العبادة دعوهم فيه من دونه. (يستجيبون) : ليس هو من استفعل بمعنى طلب الفعل، وإنما هو كقول الشاعر: وداعٍ دعا يَا مَنْ يُجيب إلى النَّدا ... فلم يَسْتَجِبْه عند ذلك مُجِيب فعلى هذا لا سؤال، وإن لم يكن بمعنى أجاب يرد فيه بأن استجاب خاصة بمن أجاب بما يوافق غَرَض السائل. وأجاب علامة في المجيب بالموافق والمخالف، فيقال لهم نفي جوابهم بالموافق، مع أنهم لا يجيبون بشيء على الإطلاق، فيجاب بأن مطلوبهم من الآلهة إنما هو حصولُ غَرضهم، فنفاه. وأما غيره فليس مطلوباً لهم، فلم يحتج إلى نفيه، قاله الزمخشري. وقوله: (كباسطِ كَفيه) : يحتمل أن يريد به إلا استجابة كاستجابة باسط، أي كاستجابة الماء من بسط كفيهِ إليه يطلب أنْ يبلغه فاه. والماء جماد لا يشعر بعطشه ولا بدعائه له. وشَبَّه باسطَ كفيه للماء دون فاتح فيه للماء، لأنه داعٍ، وشأن الداعي أن يبسط يديه. (وما هو بِبَالغهِ) : الفعل يقتضي التجدد، والاسم يقتضي الثبوت، فإذا أريد المبالغة عبّر في الثبوت بالاسم، وفي النفي بالفعل، لأنه يلزمُ من نفي ثبوت الصفة وقتا ما نَفْى ثبوتها دائماً، ولا يلزم من نفي ثبونها دائما نفي ثبوتها وقتاً ما، وكذلك يؤتى في الأعم بالنفي، وفي الأخص بالثبوت، لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، وثبوت الأعم يستلزم تفْي ثبوت الأعم، ونحوه

стр. 1326

للزمخشري في قوله: (فلما أضَاءَتْ ما حَوْلَه ذهب الله بنورهم) . وجاءت هذه الآية على العكس في قوله: لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ) . فعبَّر بالثبوت في الفعل، وفي النفي بالاسم، فنفى عنه البلوغ الثابت دائما، ولا يلزم منه في البلوغ المتجدد الثابت وقتاً ما؟ والجواب أنَّ القرينةَ هنا تنفي هذا المفهوم المتوهَّم، وتعتن أنَّ المراد نفْيُ البلوغ على الإطلاق كيفما كانت. (ومِمَّا يوقدون عليه في النار ابتغاءَ حِلْيَةٍ أو مَتاع زَبدٌ مِثْلُه) : الزمخشري: هو كل ما يلين من المعادن، فإذا برد اشتد وتبين، كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص. والحلية: كل ما يتحلَّى به من الذهب والفضة وغيرها. (والذين يَنْقُضون عهدَ الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللهُ به أن يوصَل) : هذا دليل على أن العهد يطلق على الوعد، وعلى الأمْرِ المشقّ الْمُلْتَزَم، ولو كان العهد هنا الميثاق لما كان لقوله: (من بَعْد ميثاقه) فائدة. وقيل هي مباينة لما قبلها، ووقعت المبالغة فيما قبلها بتسعة أوصاف، وفي هذه بثلاثة أوصاف: لأن الأولى في معرض الجزاء على الطاعة. وهذه في معرض العقوبة على المعصية، فناسب المبالغة في الأولى، تأكيداً على المثابرة على الطاعة، وعدم المبالغة في هذه تنفيراً عن المعاصي، وأن العقاب يقع على أدنى شيء من المعصية. ووجْه ثان: وهو أن نقض العهد إشارةٌ إلى العهد المأخوذ على الخلائق يوم: (ألَسْتُ بربكم) ، فهو راجع إلى التوحيد. وقطع ما أمر الله بوصله: راجع إلى الإيمان بالرسول، لأن تكذيبه قطع له مِن مرسله، والإيمان به إقرار بصلته مع مرسله. والفساد في الأرض راجعٌ إلى المعاصي. وفي الآية حجةٌ لمن يقول: إن المندوب غير مأمور به، لأنها في معرض الذم لفاعل ذلك، فلو كان مأموراً به لما

стр. 1327

تناوَلَهُ الذمُّ، وليس المراد مَنْ جَمعَ هذه الأوصاف، بل من اتصف بواحدٍ منها. فإن قلت: هل قوله تعالى: (لهم اللعنةُ ولهم سوءُ الدار) ، لمن اتصف بها، سواء كان مؤمناً أو كافراً؟ والجواب: أنَّ اللعنةَ للكفار وسوء الدار للعُصَاة، فهو لفٌّ ونشر! وإدخال اللام تهكم بهم وإشارة إلى أن اللعنةَ أمرٌ ملائم لهم ومناسبٌ لفعلهم! فليَحْذَر العاقلُ هذا الوعيد الهائل ولا يستحقر العاصي. (وفَرِحوا بالحياةِ الدنيا) : هذا يرجع إلى الكفار الذين جعلوا الدنيا دَارَهم، وهل هي إلا سجنُ المؤمن إن عقل، لِمَا يَسْتَولي عليه فيها من الهموم والبلايا والحيات والقمل. ووَجْهُ المناسبة بينها وبين السجن ظاهرة، فانظر ما أغْفَلَنا عن الآخرة مع مشاهدتنا لهذه الأمور! ولهذا تجد الكفار يوسعَّ عليهم في الدنيا ليزدادُوا كفْرا وفِسقاً، وكذلك الموسَّع عليه منا أكثر ترفُّهاً وعصياناً، ولهذا قال في حديث: " أولئك قوم عجلت لهم طيباتُهم في الدنيا ". (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) : لولا للتحضيض، كقول الفقير للغني: لولا أحسنْتَ إليَّ. فأجابهم الله بأن يقول لهم: إنما أنا عبد، والعبد ليس له مع سيده اختيارٌ، وسيِّدُه أعلمُ بأموره، إما أنْ يضلّه أو يهدي إليه مَنْ أناب. فإن قلت: لم جعل فعْلَ المشيئة مضارعاً والإنابة ماضياً، والمناسب العكس. لأن مشيئة الله قديمة وإنابة العبد حادثة، وفي غافر: (وما يتَذَكَّرُ إلا مَنْ يُنيب) ؟ فالجواب، أن فعل المشيئة أتى مضارعاً باعتبار متعلّقها، وهو من فعل العبد وغير مطلوب لأن أصلها من الله، فلم يحتَجْ إلى طلب متعلّقها. والإنابة من فعل

стр. 1328

السيد، فجاء فعلها ماضيا إشارة إلى تأكد طلبها حتى كأنها واقعة. وأيضاً مشيئة الله دائمة مستمرة، وإنابة العبد منقطعة، فهو إشارة إلى أن مَنْ أناب ليس على وثوق مِنْ بقاء إنابته واستمرارها في المستقبل إلا بهداية الله وتوفيقه. والآية عندي صريحةٌ في مذهب أهل السنة، لقوله: (يَهْدي إليه) ، أي يخلق في قلبه الهدايةَ ويُرشده إليها. وأناب إشارة إلى ماله في ذلك من الكسب. ثم ذكر حالهم أنهم آمَنوا به واطمأنّت قلوبهم بذكره. فإن قلت: كيف تطمئنُّ قلوبهم بذِكْرِه وقد ذكرهم الله في آية أخرى: (الذين إذا ذكِرَ الله وَجِلَتْ قلوبُهم) ، فهذه اقتضت أنَ ذكر الله موجب خَوْفه والوَجَلَ منه، والأولى اقتضت طمأنينة قلوبهم؟ والجواب: أنهم لما سمعوا ذكره تعالى حدث لهم خَوْف منه ووَجَل، ثم تعقبه طمائينة وسكون، كما قال القائل. وإنّي لتَعْزوني لذِكْرَاك فَترة ... كما انتفض العصفورُ بلَّلَه القَطَر وقال ابن عبد السلام: معنى الأولى أنهم إذا أخبروا أنَّ الله تعالى ذكرهم اطمأنَت قلوبهم وسكنَتْ، لأنهم يعلمون أنَّ ذلك رحمة منه بهم واعتناء بذكرهم، وجاء قولهم: (إذا ذكِر الله وجلَتْ قلوبهم) على الأصل من حالهم، لأن حالهم الخوف، فإذا ذكر الله ازداد وَجَلهم وخوفهم من عقابه. وهذا جوابٌ حسن. وهذه أمور ذوقية لسنا من ذلك على ذوق، فلا القلب يطمئن ولا يوجل، اللهم أقِل العَثْرَة واغفر الزلة. (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ) . وجوابها مقدر، أي لا آمنوا به، والقضية الشرطية تقتضي نفيَ الأول لانتفاء الثاني، نحو: لو كان هذا إنساناً لكان حيواناً، لكنه ليس بحيوان فليس بإنسان. وتارة تقتضي ثبوتَه لثبوته، نحو: لو لم يكن هذا حيواناً لما كان إنساناً، لكنه إنسان فهو حيوان. وتارة تقتضي مجردَ الملازمة والارتباط، نحو: لو حضر زيد لحضر ثوبه،

стр. 1329

والآية من هذا القسم، والعطف فيها تدلّ، لأن تسيير الجبال أقرب وأعجب لعظم جرمها وكونها جماداً لا يقبل الاتصاف بصفة الحيوان، والسير من صفة الحيوان، ولم يقع ذلك فيها بوجه، ثم يليه تقطيع الأرض لكثرة وقوعه، لاسيما ما قاله ابن عطية من أنه تفجير أنهارها. ويليه تكليم الموتى، لأنه قد وقع لعيسى ﵇ وغيره. (ولقد استهْزِئَ برسُلٍ من قبلك) . الآية: فيها دليلٌ على أنه لا أثر للاستهزاء على الكفر مع الكفر، لأن الاستهزاء كفر وزيادة. وتعليق الحكم على الوصف المناسب يُشعر بغلبته له، والاستهزاء هو عَيْن الكفر، وهؤلاء لم يكونوا في زمن الفترة، بل كانوا مؤمنين بغيره، وما عُلِم كفْرهم به إلا من لفظ الاستهزاء، وفيها دليل على صحة العمل بالقياس، لأن الآيةَ سيقت مساق التخويف للكفار، والتسلية لنبينا ﷺ ، وما وَجه التخويف إلا من ناحية أَن المشاركة في الوصف توجب التسوية في الحكم الناشء له، والكفار المعاصرون لنبينا مشاركون لمن سبقهم في الاستهزاء. واقتضت الآية أنَّ مَنْ سبقهم عُوقب، فكذلك هؤلاء. ولا معنى للقياس إلا إثبات حكم الأصل للفرع لعلة جامعة. وتنكير لفظ (رسل) للتشريع، ولا يناسب التعظيم، ولا يحصل به التخويف. لأنهم يقولون: إنما عُوقبوا أولئك على استهزائهم بعظماء الرسل فما يلزم منه عقابنا نحن. فإن قلت: كيف أكد هذا القسم باللام وقد مع أن الماضي بعيد عن زمن الحال؟ والجواب: تنزيلاً له منزلةَ القريب، ليحصل كمال التخويف. ولما أخبرهم بالإملاء فعلم العاقل منهم أنَّ الإملاء أشد من الإمهال بكثير، لأنه يتضاعف به العذاب، فأسرع إلى الدخول في الإسلام، وعَلم أن تيسير أسبابِ الوقوع من موجبات عذاب آخر، والأمر كذلك، لأنَ الله تعالى يقول: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) . ويحكون في مثل هذا أنَّ صبيّاً مسلماً

стр. 1330

صفع يهوديّاَ في الحمام، فأعطاه اليهوديّ ديناراً مكيدةً منه للصبي، فدخل ذو هيئة فصفَعه الطفل ظانًّا أنه يأخذ منه أكثر، فقطعت يده. فافْهَمْ يا محمدي ما تَحت الإمهال والإملاء من الأهوال، ولا تحسبن إمهاله إهمالا. (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ) : تارة تبطل الدعوى ببيان بطلان مدلول دليلها، وأبطل عليهم بهذه مدلولهم السمعي. وهو قوله: (أم بظَاهِرٍ مِنَ الْقَول) ، وهو قولهم: (ما نَعْبدهم إلاَّ ليقَرِّبونا إلى اللهِ زُلفَى) ، وقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عِنْدَ الله) . فقيل لهم: هل بلغكم ذلك عن الله على ألسنة الرسل أم لا، وقد خلط الزمخشري في قوله: (شركاء) على عادته في خَلْط لفظ القرآن بكلامه. وأما العقلي فبطلَ ببطلان مدلوله، وهو قوله: (قل سَمّوهم أم تنَبِّئونه بما لا يَعْلم في الأرض) ، فهو غَيْرُ معلوم للَه، وكلُّ ما ليس بمعلوم لله فليس بموجود ولا معدوم إن قلنا إنَّ المعدوم الممكن معلوم، فدل على أنه محال. فإن قلت: كيف قال: (قل سَمُّوهم) وهم سمّوهم، فقالوا: اللات والعزَّى ومناة الثالثة الأخرى، وفي آية يونس: (قل أتنبِّئونَ اللهَ بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض) . وفي هذه السورة: (بما لا يعلم في الأرض) . وفي سورة إبراهيم: (وما يخْفَى على الله من شيءً في الأرض ولا في السماء) ؟ والجواب: ليس المراد مجرد التسمية، بلِ تعيينهم. والمعنى أنه إنما يستحقُّ اسْمَ الإله مَنِ اتّصفَ بالاستغناء والكمال، وتنزه عن العجز والاحتياج، فعيِّنوا لنا شركاء متَّصفين بذلك، فإنهم لا يجدونهم. وإنما خصَّ الأرض بالذكر لأنّها المشاهَدَة القريبة، وإلاّ فقد عبدوا الشِّعْرَى والعَبور، وعَبدوا الشمس إلى غير ذلك. ونَفْى علم الشيء عن الله يستلزم عدمَ ذلك الشيء، وفيه دليل على أنَّ العدم غير معلوم. وفي المسألة ثلاثة مذاهب: مذهب الجمهور. إلى أنه معلوم، وقيل إنه غير معلوم. وقيل المستحيل غير معلوم، والممكن معلوم.

стр. 1331

(وإمَّا نرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهم) . الآية: تسلية للنبي ﷺ ووَعْدٌ له بتعذيبهم. ومعناها إمّا نرِيَنَّكَ بعضَ ما ينزل بهمِ من العذاب فلا تَتَوهم أنَّ عليك في ذلك شيئاً، لأنك إنما عليكَ البلاغ، وقد بلّغْتَ، أوْ نتَوفّاكَ قبل رؤيتك ذلك فعلينا حسابهم، لأنهم إذا عذّبوا بعد وفاته انتفى التوَهُّم. فإن قلت: هل هذا وعْد له ﷺ بتعذيبهم أو وَعيد، فأطلق الوعد على الوعيد؟ والجواب أنهما اجتمعا في هذه الآية، وآية الزخرف أبلغ لأن قوله تعالى: (أوْ نرينكَ الذي وَعَدْناهم) ، اقتضت رؤيته بعض عذابهم. وهو ماينزل بهم في الدنيا قَبْل وفاته، وكان بعضهم يقول: الوعد بالإحسان أو بالنصرة على الأعداء من السلطان أو الرجل ذي الهيبة ليس كالوَعْد ممن دونه، لأنَّ الأول يحصل منه كمال الطمأئينة والركون. فإن قلت: ما الفائدة في تأكيد الآيتين بالنون مع أن أحدها محقّق الوقوعِ لا شك فيه، وإنما المُهمّ تعيين الواقع منهما؟ والجواب: أَنَ التأكيد راجع للجزاء لا للشرط. فإن قلت: إنما هو في الشرط فقط، فاعلم أنَّ الشرط والجزاء مرتبطان، ألا تَرى أن القائل: إنْ قام زيد فأنا أكرمه - يحسن أن يقال له صدقت أو كذبت، والتصديق والتكذيبُ إنما هو للجزاء لا للشرط. (وهوَ سَرِيعُ الحساب) : سرعة حسابه إما باعتبار قرْب أوانه أو قِصر زمانه وقلة مكثه. وقال ابن عطية في سورة آل عمران عن مجاهد: يحتمل أنَّ المرادَ بسرعة الحساب أنَّ الله تعالى لإحاطته بكل شيء علماً لا يحتاج إلى عدول أو فكرة. ويستدلّ بها أنَّ الله سبحانه يحاسب آلاف آلاف في وقتٍ واحد من غير علم أحدهم بالآخر، وهذا مشاهَدٌ في رؤيته ﷺ في أقطار شتى على هيئات مختلفة، ورؤية أموات في أقطار الأرض لمنكر ونكير في وقتٍ واحد هذا يقع له التبشير بقولهم، وآخر يضربانه ضربةً يشتعل منها قَبْرُه ناراً.

стр. 1332

(وقد مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهم) : قد قدمنا صفةَ مكرهم. ولذلك أجابهم بقوله: (فلِلَّهِ المَكرُ جميعاً) ، لأن مكرهم من غير قدرة، وقدْرَتُه تعالى على الفعل، وهو عالم بهم، لا يخفاه شيء من أمرهم. فإن قلت: " من " لابتداء الغاية. فيقتضي أول أزمنة القبلية، وقد يقرب الماضي من زمن الحال، فكيف صح الجمع بينهما؟ والجواب المراد أوَّل أزمنة هذا المكر القريب، وهو الزمنُ القريب مِن وقتك. (ويقول الذين كفَرُوا لسْتَ مُرْسلاً) : هذا تصريح بإنكارهم وقبح مقالهم، وكيف لا وقد رأوا ظهورَ الخوارق المعلوم صِدْق من ظهرت على يديه بالضرورة، وكان الواجب عليهم النظر، لأنه واجب بالشرع خلافاً للمعتزلة، فإنهم قالوا بالعقل، ولو كان واجباً بالشرع للزم عليه إفْحام الرسل، لأنه يقول: ما ننظرُ في معجزتك حتى يجب ذلك عليَّ، ولا يجب عليَّ إلا بقولك، وأنَا لا أصدقك. وأجاب أهل السنة على ذلك بأن المعجزات والخوارق من الأمر الغريب. والنفوس مجبولة على النظر في غرائب الأمور، وأيضاً إن قلنا: إن النظر بتكليف ما لا يُطاق، فنقول: إنه واجب، ولا يلزم ما ذكروه، وإن لم نقل بذلك فنقول: إنه متوقف على تمكّن العلم بنبوءةِ الرسل لا على حصول العلم بنبوءته. ونقول له: إنك متمكّن من العلم، فانْظُر النظر الذي يوصلك إلى ذلك العلم. فإن قلت: مقالَتهم ماضية، فلم قال، (ويقول الّذين كَفرُوا) ؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أتى به مستقبلاً للتعجيب، كقوله: (ألم ترَ أنَّ الله أنزلَ من السماء ماء فتصْبِحُ الأرْضُ مخْضَرَّة) ، ولم يقل فأصبحت. والثاني للتصوير، كأنها لم تزل واقعة مشاهدة. والثالث ليتناول اللفظ مَنْ قالها ومَنْ سيقول مثلها في المستقبل.

стр. 1333

فإن قلت: هَلاَّ قال: لست نبيئاً، فينتفي الأعَم! لأن نَفْيَ الأعم يستلزم نَفْيَ الأخَص؟ والجواب أنَّ نفي الأخص هنا يستلزم نَفْيَ الأعم، لأنه قال لهم: (يا أيها الناس إنِّي رسول الله إليكم جميعاً) ، فكذَّبوه في هذه المقالة، فإذا كذّبوه فيها فهم لا يصدِّقونه في نبوءته! لأن النبي لا يَكذِب. (وما أرْسلْنَا من رسولٍ إلا بلسان قَوْمِه) : فيها دليل على أنَّ واضعَ اللغة هو الله تعاَلى. واختلف هل الكتب المنَزَّلة نزلت بلغاتهم أو بالعربية، وكلّ رسول يعبِّر لهم بلغتهم. وقد قدمنا ذلك. وفي قوله: (فيُضِلُّ اللَه مَنْ يشاء ويَهْدِي مَنْ يشاء) ، دليلٌ على أنَّ حصولَ العلم عقيب النظر عاديّ، وليس بعقلي، إذ لو كان عَقْليّاً للزم من البيان الهداية. ويحتمل أن يقال لا يلزم ذلك، لأن المخاطب قد لا ينظر النَّظَر الموصِّل للعلم. (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ من الظلماتِ إلى النُّور) . الظاهر أن (أنْ) هنا تفسيرية. وقال بعض النحاة: إن النحويين يمنعون وصلَ (أن) بالجملة غير الخبرية. وذكر ابن العطار في شرح الجزولية جوازَ ذلك. فإن قلت: هلا قال: أن أخْرح قومك من الظلمات إلى النور بإذن الله، كما قال أوَّلاً: (لتُخْرجَ الناسَ من الظّلُمات إلى النور بإذْن رَبِّهم) ؟ والجواب أنَّ الأول خطاب للنبي ﷺ ، وشَرِيعَتُه من أسهل الشرائع، فناسب فيها ذِكر الإذْن لئفِيد معنى السهولة واللين المأذون فيها، وهذه الآية الثانية خطابٌ لموسى، وقد كانت شريعته صعبةً، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فتُوبُوا إلى بارئكم فاقْتلُوا أنْفُسكم) . وأيضاً " أخْرج " فعل أمر! فهو بنفسه دليل على الإذن، فلم يحتج إلى ذكره معه، بخلاف قوله: (لتُخْرج الناسَ) ، فإنه جملة خبرية لا تدل على الإذْن، فلذلك قيدت به.

стр. 1334

(وذَكِّرْهُم بأيَّام الله) : التذكير لقوم موسى سببٌ في إخراجهم من الظلماتَ إلى النور، واللفظُ يعمّ النعمَ والنقَم، فإذا علموا عقوبتَه تعالى للأمم المتقدمة حرَّكوا أنفسهم للإخراج من الكفر. فإن قلت: كان حقه أنْ يقدم السببَ على المسبب، فَلِمَ أخَّرَه عنه، وما الفائدة في تعبيره عنه بالأيام؟ والجواب: أن التذكير هو الموعظة، والدعاء إلى الإسلام متقدِّم عليها. والموعظة إنما تكون بعد ذلك، لأنه يريهم المعجزةَ ابتداء، فإذا آمنوا وعظهم ليدوموا على إيمانهم. وعبَّرَ عنه بالأيام، لأن العقوبةَ كانت في أيام، وذلك تعظيم لها، كقولهم: يوم كذا. (ويَسْتَحْيون نساءكم) : لما أخبر فرعون أنه يولد من بني إسرائيل مولود يكون سببَ هلاكه صار يَذْبَحُ المذكور، ويَسْتَحْيي النساء كما قدمنا. فإن قلت: هَلاَّ قال: يستحيون بناتكم، ليوافق أبناءكم؟ والجواب: أن البنات في حالِ صغرهنَّ لا مؤونة منهنَّ ولا مشقة، وإنما يلحق آباءهم المؤونة والمشقة إذا كبرن وصِرْنَ نساء، وفيها إشارةٌ إلى الوصف الذي لأجله أحيوا البنات وهو بقاؤهن حتى يكبرن فيحتقروهن ويذلّوهن لبقائهن بغير رجال. فإن قلت: هذا العطف بـ يذَبحون ويستحيون على يسومونكم مشكل، لأن العطفَ يقتضي المغايرة، فإن كان السوم هو الذبح لزم عطْفُ الشيء على نفسه، وإن كان غيره لزم تفسير الشيء بغيره؟ والجواب: أنه غيره. لكنه أعَمّ منه، فالسَّوْمُ هو أوائل العذاب ومقدماته، والذبح أخصُّ منه. فإن قلت: ما الفرق بين هذه الآية وآية البقرة في عطفه هنا بالواو؟

стр. 1335

والجواب: أن المنَّةَ في آية البقرة وقعت من الله تعالى، لأنه قال فيها: (وإذ نَجَّيْناكم من آل فِرْعون) ، فأسند الفِعْلَ إلى نفسه، والملك كلّ الأشياء عنده حقير، فلهذا أتى بالجملة الثانية غير معطوفة لتكونَ مفسِّرة للأولى وكأنهما شيء واحد، لأنه لا يَسْتَعْظِم الأشياء إلا مَنْ لا قدرةَ له، فالمائة دينار لا قَدْرَ لها عند الغني، وهي عند الفقير مال معتبر، وأما في هذه السورة فالمِنَّةُ فيها من موسى ﵇، لأن أولها: (وإذ قال موسى لقومه) ، فناسب فيها المبالغةُ في العطف بالواو التي تقتضي المغايرةَ والتباين، لتكثر أسباب المنِّ. وأجاب صاحب درة التنزيل بأنّ آيةَ إبراهيم وقعت في خبر عطف على خبر آخر قبله: وهو قوله: (ولقد أرسلنا) . - (وإذ قال موسى) ، فتضمَّن الأول الإخبار عن إرسال موسى بالآيات، والثاني تنبيهه لقومه على نِعم الله، فيقوى معنى العطف (يذَبحون) ، لأنه هو وما عطف عليه داخلٌ في جملة معطوفة على غيرها، فالمقام مقام الفصل، بخلاف آيةِ البقرة، فإنه أخبر فيها بخبر واحد، وهو إخباره عن نفسه بإنجاء بني إسرائيل، فلذلك لم يعطف، وأخبر في إبراهيم بخبرين معطوفين، فلذلك عطف، يريد والجملة المتقدمة في سورة البقرة إنما هي طلبية، وهي قوله: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) ، والمشاكلة تقتضي الإخبارَ، وتُجرَى مَجْرًى واحداً في الفصل والوصل، بخلاف الخبر والطلب، فإنه لا يعامل أحدهما معاملةَ الآخر، ألاَ ترى أنَّ المشهور عند النحويين أنه لا يجوز عطفُ الجملة الخبرية على الطلبية ولا العكس. (وإذ تأذَّنَ ربُّكم) : قيل أذَّنَ ربّك، ونظيره توعّد وأوعد، وتفضل وأفضل، ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل، كأنه قيل: وإذ تأذن ربّكم إيذانا بليغاً ينفي عنه الشكوك، ولأجل أن تفعّل يقتضي التكلّف والمشقة حمله الزمخشري - والله أعلم - على أنَّ التضعيف للتأكيد والمبالغة في الإذن.
следующие страницы →