(وإمَّا نرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهم) .
الآية: تسلية للنبي ﷺ ووَعْدٌ له بتعذيبهم.
ومعناها إمّا نرِيَنَّكَ بعضَ ما ينزل بهمِ من العذاب فلا تَتَوهم أنَّ عليك في ذلك شيئاً، لأنك إنما عليكَ البلاغ، وقد بلّغْتَ، أوْ نتَوفّاكَ
قبل رؤيتك ذلك فعلينا حسابهم، لأنهم إذا عذّبوا بعد وفاته انتفى التوَهُّم.
فإن قلت: هل هذا وعْد له ﷺ بتعذيبهم أو وَعيد، فأطلق الوعد على الوعيد؟
والجواب أنهما اجتمعا في هذه الآية، وآية الزخرف أبلغ لأن قوله تعالى: (أوْ نرينكَ الذي وَعَدْناهم) ، اقتضت رؤيته بعض عذابهم.
وهو ماينزل بهم في الدنيا قَبْل وفاته، وكان بعضهم يقول:
الوعد بالإحسان أو بالنصرة على الأعداء من السلطان أو الرجل ذي الهيبة ليس كالوَعْد ممن دونه، لأنَّ الأول يحصل منه كمال الطمأئينة والركون.
فإن قلت: ما الفائدة في تأكيد الآيتين بالنون مع أن أحدها محقّق الوقوعِ
لا شك فيه، وإنما المُهمّ تعيين الواقع منهما؟
والجواب: أَنَ التأكيد راجع للجزاء لا للشرط.
فإن قلت: إنما هو في الشرط فقط، فاعلم أنَّ الشرط والجزاء مرتبطان، ألا
تَرى أن القائل: إنْ قام زيد فأنا أكرمه - يحسن أن يقال له صدقت أو كذبت، والتصديق والتكذيبُ إنما هو للجزاء لا للشرط.
(وهوَ سَرِيعُ الحساب) :
سرعة حسابه إما باعتبار قرْب أوانه أو قِصر زمانه وقلة مكثه.
وقال ابن عطية في سورة آل عمران عن مجاهد:
يحتمل أنَّ المرادَ بسرعة الحساب أنَّ الله تعالى لإحاطته بكل شيء علماً لا يحتاج إلى عدول أو فكرة.
ويستدلّ بها أنَّ الله سبحانه يحاسب آلاف آلاف في وقتٍ واحد من غير علم أحدهم بالآخر، وهذا مشاهَدٌ في رؤيته ﷺ في أقطار شتى على هيئات مختلفة، ورؤية أموات في أقطار الأرض لمنكر ونكير في وقتٍ واحد هذا يقع له التبشير بقولهم، وآخر يضربانه ضربةً يشتعل منها قَبْرُه ناراً.
стр. 1332
(وقد مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهم) :
قد قدمنا صفةَ مكرهم.
ولذلك أجابهم بقوله: (فلِلَّهِ المَكرُ جميعاً) ، لأن مكرهم من
غير قدرة، وقدْرَتُه تعالى على الفعل، وهو عالم بهم، لا يخفاه شيء من أمرهم.
فإن قلت: " من " لابتداء الغاية.
فيقتضي أول أزمنة القبلية، وقد يقرب الماضي من زمن الحال، فكيف صح الجمع بينهما؟
والجواب المراد أوَّل أزمنة هذا المكر القريب، وهو الزمنُ القريب مِن وقتك.
(ويقول الذين كفَرُوا لسْتَ مُرْسلاً) :
هذا تصريح بإنكارهم وقبح مقالهم، وكيف لا وقد رأوا ظهورَ الخوارق المعلوم صِدْق من ظهرت على يديه بالضرورة، وكان الواجب عليهم النظر، لأنه واجب بالشرع خلافاً للمعتزلة، فإنهم قالوا بالعقل، ولو كان واجباً بالشرع للزم عليه إفْحام الرسل، لأنه يقول: ما ننظرُ في معجزتك حتى يجب ذلك عليَّ، ولا يجب عليَّ إلا بقولك، وأنَا لا أصدقك.
وأجاب أهل السنة على ذلك بأن المعجزات والخوارق من الأمر الغريب.
والنفوس مجبولة على النظر في غرائب الأمور، وأيضاً إن قلنا: إن النظر بتكليف ما لا يُطاق، فنقول: إنه واجب، ولا يلزم ما ذكروه، وإن لم نقل بذلك فنقول: إنه متوقف على تمكّن العلم بنبوءةِ الرسل لا على حصول العلم بنبوءته.
ونقول له: إنك متمكّن من العلم، فانْظُر النظر الذي يوصلك إلى ذلك العلم.
فإن قلت: مقالَتهم ماضية، فلم قال، (ويقول الّذين كَفرُوا) ؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أتى به مستقبلاً للتعجيب، كقوله: (ألم ترَ أنَّ الله أنزلَ من السماء
ماء فتصْبِحُ الأرْضُ مخْضَرَّة) ، ولم يقل فأصبحت.
والثاني للتصوير، كأنها لم تزل واقعة مشاهدة.
والثالث ليتناول اللفظ مَنْ قالها ومَنْ سيقول مثلها في المستقبل.
стр. 1333
فإن قلت: هَلاَّ قال: لست نبيئاً، فينتفي الأعَم! لأن نَفْيَ الأعم يستلزم نَفْيَ
الأخَص؟
والجواب أنَّ نفي الأخص هنا يستلزم نَفْيَ الأعم، لأنه قال لهم: (يا أيها
الناس إنِّي رسول الله إليكم جميعاً) ، فكذَّبوه في هذه المقالة، فإذا كذّبوه فيها فهم لا يصدِّقونه في نبوءته! لأن النبي لا يَكذِب.
(وما أرْسلْنَا من رسولٍ إلا بلسان قَوْمِه) :
فيها دليل على أنَّ واضعَ اللغة هو الله تعاَلى.
واختلف هل الكتب المنَزَّلة نزلت بلغاتهم أو بالعربية، وكلّ رسول يعبِّر لهم بلغتهم.
وقد قدمنا ذلك.
وفي قوله: (فيُضِلُّ اللَه مَنْ يشاء ويَهْدِي مَنْ يشاء) ، دليلٌ على أنَّ حصولَ العلم عقيب النظر عاديّ، وليس بعقلي، إذ لو كان عَقْليّاً للزم من البيان الهداية.
ويحتمل أن يقال لا يلزم ذلك، لأن المخاطب قد لا ينظر النَّظَر الموصِّل للعلم.
(ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ من الظلماتِ إلى النُّور) .
الظاهر أن (أنْ) هنا تفسيرية.
وقال بعض النحاة: إن النحويين يمنعون وصلَ (أن) بالجملة غير الخبرية.
وذكر ابن العطار في شرح الجزولية جوازَ ذلك.
فإن قلت: هلا قال: أن أخْرح قومك من الظلمات إلى النور بإذن الله، كما
قال أوَّلاً: (لتُخْرجَ الناسَ من الظّلُمات إلى النور بإذْن رَبِّهم) ؟
والجواب أنَّ الأول خطاب للنبي ﷺ ، وشَرِيعَتُه من أسهل الشرائع، فناسب فيها ذِكر الإذْن لئفِيد معنى السهولة واللين المأذون فيها، وهذه الآية الثانية خطابٌ لموسى، وقد كانت شريعته صعبةً، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فتُوبُوا إلى بارئكم فاقْتلُوا أنْفُسكم) .
وأيضاً " أخْرج " فعل أمر! فهو بنفسه دليل على الإذن، فلم يحتج إلى ذكره معه، بخلاف قوله: (لتُخْرج الناسَ) ، فإنه جملة خبرية لا تدل على الإذْن، فلذلك قيدت به.
стр. 1334
(وذَكِّرْهُم بأيَّام الله) :
التذكير لقوم موسى سببٌ في إخراجهم من الظلماتَ إلى النور، واللفظُ يعمّ النعمَ والنقَم، فإذا علموا عقوبتَه تعالى للأمم المتقدمة حرَّكوا أنفسهم للإخراج من الكفر.
فإن قلت: كان حقه أنْ يقدم السببَ على المسبب، فَلِمَ أخَّرَه عنه، وما
الفائدة في تعبيره عنه بالأيام؟
والجواب: أن التذكير هو الموعظة، والدعاء إلى الإسلام متقدِّم عليها.
والموعظة إنما تكون بعد ذلك، لأنه يريهم المعجزةَ ابتداء، فإذا آمنوا وعظهم
ليدوموا على إيمانهم.
وعبَّرَ عنه بالأيام، لأن العقوبةَ كانت في أيام، وذلك تعظيم
لها، كقولهم: يوم كذا.
(ويَسْتَحْيون نساءكم) :
لما أخبر فرعون أنه يولد من بني إسرائيل مولود يكون سببَ هلاكه صار يَذْبَحُ المذكور، ويَسْتَحْيي النساء كما قدمنا.
فإن قلت: هَلاَّ قال: يستحيون بناتكم، ليوافق أبناءكم؟
والجواب: أن البنات في حالِ صغرهنَّ لا مؤونة منهنَّ ولا مشقة، وإنما يلحق
آباءهم المؤونة والمشقة إذا كبرن وصِرْنَ نساء، وفيها إشارةٌ إلى الوصف الذي لأجله أحيوا البنات وهو بقاؤهن حتى يكبرن فيحتقروهن ويذلّوهن لبقائهن بغير رجال.
فإن قلت: هذا العطف بـ يذَبحون ويستحيون على يسومونكم مشكل، لأن
العطفَ يقتضي المغايرة، فإن كان السوم هو الذبح لزم عطْفُ الشيء على نفسه، وإن كان غيره لزم تفسير الشيء بغيره؟
والجواب: أنه غيره.
لكنه أعَمّ منه، فالسَّوْمُ هو أوائل العذاب ومقدماته، والذبح أخصُّ منه.
فإن قلت: ما الفرق بين هذه الآية وآية البقرة في عطفه هنا بالواو؟
стр. 1335
والجواب: أن المنَّةَ في آية البقرة وقعت من الله تعالى، لأنه قال فيها: (وإذ
نَجَّيْناكم من آل فِرْعون) ، فأسند الفِعْلَ إلى نفسه، والملك كلّ
الأشياء عنده حقير، فلهذا أتى بالجملة الثانية غير معطوفة لتكونَ مفسِّرة للأولى وكأنهما شيء واحد، لأنه لا يَسْتَعْظِم الأشياء إلا مَنْ لا قدرةَ له، فالمائة دينار لا قَدْرَ لها عند الغني، وهي عند الفقير مال معتبر، وأما في هذه السورة فالمِنَّةُ فيها من موسى ﵇، لأن أولها: (وإذ قال موسى لقومه) ، فناسب فيها المبالغةُ في العطف بالواو التي تقتضي المغايرةَ والتباين، لتكثر أسباب المنِّ.
وأجاب صاحب درة التنزيل بأنّ آيةَ إبراهيم وقعت في خبر عطف على خبر
آخر قبله: وهو قوله: (ولقد أرسلنا) . - (وإذ قال موسى) ، فتضمَّن الأول الإخبار عن إرسال موسى بالآيات، والثاني تنبيهه لقومه على نِعم الله، فيقوى معنى العطف (يذَبحون) ، لأنه هو وما عطف عليه داخلٌ في جملة معطوفة على غيرها، فالمقام مقام الفصل، بخلاف آيةِ البقرة، فإنه أخبر فيها بخبر واحد، وهو إخباره عن نفسه بإنجاء بني إسرائيل، فلذلك لم يعطف، وأخبر في إبراهيم بخبرين معطوفين، فلذلك عطف، يريد والجملة
المتقدمة في سورة البقرة إنما هي طلبية، وهي قوله: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) ، والمشاكلة تقتضي الإخبارَ، وتُجرَى مَجْرًى
واحداً في الفصل والوصل، بخلاف الخبر والطلب، فإنه لا يعامل أحدهما معاملةَ الآخر، ألاَ ترى أنَّ المشهور عند النحويين أنه لا يجوز عطفُ الجملة الخبرية على الطلبية ولا العكس.
(وإذ تأذَّنَ ربُّكم) :
قيل أذَّنَ ربّك، ونظيره توعّد وأوعد، وتفضل وأفضل، ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل، كأنه قيل: وإذ تأذن ربّكم إيذانا بليغاً ينفي عنه الشكوك، ولأجل أن تفعّل يقتضي التكلّف والمشقة حمله الزمخشري - والله أعلم - على أنَّ التضعيف للتأكيد والمبالغة في الإذن.
стр. 1336
فإن قلت: لأي شيء أضاف الربّ للمخاطب، والأصل إضافته إلى المتكلم.
فيقال: ربّنا؟
والجواب: أنه لا طلب منهم الشكر أتاهم بأحد موجباته، وهو اللفظُ الدالُّ
على الترقي والحنان، وأضافَهُ إليهم ليكونَ آكدَ في الشكر.
وأما هو فشكره حاصل، ومعرفته بذلك مستقرةٌ ثابتة.
(وإنّا لفِي شَكٍّ) :
قد قدمنا في قصة صالح أنَّ الشك هو التردد بين أمرين.
فإن قلت: قد قال في سورة هود: (قالوا يا صَالحُ قد كنْتَ فِينا مَرجُوًّا) ، فلم حذفه هنا؟
والجواب: لتكرارها في (تدعوننا) ، ولم يحذفها لعدم تكرارها في تدعوننا، لأنه خطاب لصالحٍ وحْدَه، فهو ضمير مفرد.
فإن قلت: كيف جزموا أولاً بالكفر، ثم قالوا: (وإنا لفي شَكٍّ) ، والشاكَّ غير حاكم بشيء فضلاً عن أن يكونَ جازِماً به؟
والجواب: أنَّ بعضهم قالوا: إنا كفَرْنَا، وبعضهم قالوا: إنا لفي شك.
أو يجاب باحتمال أنْ يريدوا بالأول قسم التوحيد، وبالثاني قسم الشرائع والأحكام.
أو باحتمال العكس.
أو يراد إنَّا كفرنا بما أرسلتم به من حيث الجملة.
وإننا لفي شكٍّ في الرسل بدليل قوله: (أفِي اللَهِ شَك) ، فهم كفروا باللهِ
وكفروا بما جاءت به الرسل من عنده.
وقد قدمنا أنَّ قَوْلَ الرسل: (أفي اللهِ شَكٍّ) إشارة إلى تقليل الشكِّ، أي لا يتصور أن يقعَ شكّ في الله بوَجْه وإن قل، فإذا أنكروا أنْ يكونَ أمر الله حيِّزاً للشك مع قلَّته فأحْرَى أنْ يكون الشكّ حيَزًا مع كثرته.
(وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) :
لما كان وجود اللَهِ أمْراً نظريا ليس بضروري، وكون الرسل مثلهم أمراً ضرورياً لا يحتاج إلى
стр. 1337
نظر لظهوره قالوا لهم هذا لا لغيرهم.
ومعناه يمنّ على مَنْ يشاء بالإيمان والخروج
عن دين آبائه، فلما سمعوا هذا منهم آذَوْهم فقالوا لهم:
(ولنصبرنَ على ما آذَيْتمونَا) :
وما موصولة بمعنى الذي، أو مصدرية، والعائد محذوف تقديره آذيتموناه أو آذيتمونا به.
(وقال الذين كفروا لرسلهم) .
قد قدمنا في حرف الكاف أن الرسل لم يكونوا في ملّة قومِهم قبل الرسالة.
(وما ذلِكَ على اللهِ بِعَزيز) ، أي بمتعذر ولا صَعْب.
وأَحسن منه بمتعسِّر، لأن قوله: (إنْ يَشَأْ يُذْهبكم) ، أفاد إمكانه، فإنه غير متعذر.
(وبَرَزوا للَهِ جميعا) :
قد قدمنا معنى البروز وحرف الباء، وحينئذ فيقول الضعفاء.
فإن قلت: لِمَ عَبَّر هنا وفي غافر بالاسم، وفي سبأ: (يقول الذين استضعفوا لِلَّذِين استكبروا) ؟
والجواب: أن الاسم يقتضي الثبوتَ، وكلما ثبت الأخص ثبت الأعَم، فإذا
كان مطلق الاستكبار يمنع من إيمان مَنِ اتَّصفَ بأخصّ الضعف فأحْرى أنْ يمنع
من إيمان من اتصف بأعَمِّه.
وأما سورة سبأ فالمراد فيها تبعيّة مَنِ اتّصف بمطلق الضعف لمن اتصف بمطلق الكفر، فإذا كان وجود مطلق الاستكبار لا ينفع لمن اتصف بمطلق الضعف فأَحرى أَلا ينفع لمن اتصف بأخصه ولا ينعكس.
(وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ) :
هذا إما على التوزيع، فلكلِّ واحد جنَّة أو لكل واحد جنات، و (خالدين فيها) حال من الذين آمَنوا مقدَّرة، لأن الدخول غَيْر مقارن لزمن الدخول.
فإن قلت: ما فائدة ذِكْر الأنهار في كل موضع يذكر فيه الجنة مع أنَّ الجنة
معلومة بالماء؟
стр. 1338
والجواب: أنَّ التمدح بالماء معلوم عند الناس، لأنه أصل كلِّ لشيء.
وحُكي أنَّ بعض ملوك الروم كان يهْدِي لمعاوية ويُهاديه معاوية، فطلب مرة
من معاوية أن يبعثَ له بأصل كل شيء، فاستشار معاوية خواصَّه، فأشار إليه
عبد الله بن عباس بأنْ يبعثَ له قارورة مملوءة بالماء، فلما بعثها له قال له الرومي:
ما أشار عليكَ بهذا الأمر إلا مَنْ فيه عضو من النبوءة.
(واستفتحوا) :
الضمير للرسل، أي استنصروا بالله.
وأصله طلب الفتح، وهو الحكم.
(ويُسْقَى من ماءٍ صَدِيد) :
معطوف على محذوف، تقديره من ورائه جهنم يُلْقَى فيها ويُسْقى، وإنما ذكر السقي تجريدا بعد ذكر جهنم، لأنه من أَشدّ عذابها، ألا ترى كيف علّله بقوله: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ) ، لأن اللهَ قضى عليهم ألاَّ يموتوا، فسبحان من حبس أرواحهم مع هذه الكربات.
(وفَرْعُها في السماء) :
الضمير يعود على الشجرة التي أصْلُها ثابت.
وقرئ: ثابت أصلُها، والقراءة المشهورة أبلَغ، لأن " ثَابث أصْلهَا " صفة
رفعت الفاعل، فهي في معنى الفعل، وأصلها ثابت مبتدأ وخَبر، فليس في معنى الفعل، والإخبارُ بالاسم عندهم أبْلَغُ من الإخبار بالفعل، فلذلك كان زيد أبوه قائم أبلغ من زيد قائم أبوه.
فإن قلت: كيف عَبَّر عن الكلمة الطيبة بالفعل، وعبَّر عن الكلمة الخبيثة
بالاسم فرفع؟
والجواب: المؤمن له حالتان: انتقل مِن الكفر إلى الإيمان، والكافرُ له حالة
واحدة ثبت عليها، ولم ينتقل عنها، فلذلك عَبَّر عن مثله بالاسم.
وقد قدمنا أنَّ أصحاب الشجرة أربعة.
(وأنزل من السماء ماء) : كلّ ما علاَكَ يسمى سماء، وسمي
стр. 1339
السحاب سحاباً لعلوِّه، وهذا جارٍ على الخلاف في المياه على ما قدمنا، هل هي من السماء، أو هي من بخارٍ لطيف يصعَد من البحار فيتكوّن منه السحاب، والصحيح الوقف.
(وسَخَّر لكم الفُلْكَ لتَجْرِيَ في البحر بأمْرِه) :
هذا مثل: (ولا طائر يطير بجناحيه) ، لأن جَرْيَها ليس إلا في البحر، وجَرْيها في البحر لا يقع إلا بإذن الله.
فإن قلت: ما فائدة قوله: (بأمره) مع أنه معلوم؟
والجواب: لما كان لجَرْيِها أسبابٌ في محاولة البحر وخدمة النواتية ربما يُتَوَهم
أنّ جَرْيها بسبب ذلك، فاحترس منه بقوله: (بأمره) ، وبهذا تفهم الحكمةَ في إدخال اللام في قوله في الواقعة: (لو نشاء لجَعَلْنَاهُ حُطَاماً) ، دون إدخالها في قوله: (لو نشاء جعلناه أجَاجاً) ، لأن الأول فيه لابن آدم تسبب ومحاولة، فقد يتوهّم أن ذلك من فعلهم، بخلاف الماء فإنهم لا تسبّب لهم في كونه حُلْواً.
(وآتاكمْ مِنْ كل ما سَألْتُموه) :
مِنْ للتبعيض، و (كلِّ)
للعموم، ومتعلقهما مختلف، فالعموم في الأنواع، والتبعيض في أنواع تلك
الأشخاص، أي وآتاكم بَعْضَ كلَّ نوع مما سألتموه.
(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) :
إفراد النعمة من باب التنبيه بالأدْنى على الأعلى، بمعنى أنَّ الإنسانَ لا يستطيع إحاطة جزئيات النعمة الواحدة، فأحرى ما هو أكثر.
و (نعمة) مصدر محدود بالتاء، فليس المراد به الجنس، بل هو مفرد حقيقة، بدليل أن المصدر المحدود بالتاء يجوز تَثْنيته وجَمْعه، بخلاف المبهم.
فإن قلت: الشرط لا يكون مناقِضاً للجزاء، فلا تقول: إن قام زيد لم يقدر
على القيام، والعدُّ هو عين الإحصاء؟
стр. 1340
والجواب: معناه إنْ أردتم أنْ تعدّوا نعمةَ الله لا تحصوها، مثل: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) .
وانظر كيف وصف الإنسان بالظلم وجحد النعمة، والمراد به العموم، إلا إن
استثنى، كقوله تعالى: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) .
(وَهَبَ لي عَلى الكبَر إسماعيلَ وإسحاق) :
حمد إبراهيم ربَّه على أنْ ولد له إسماعيل وهو ابن مائة وسبعة عشر عاماً.
والحمد مشتق من التثنية، فهو إنما يصدق على مَنْ حمد مرةً بعد أخرى، وكذلك هذا، لأن وجود إسماعيل مقدم على إسحاق، فقد صدق أنه حمد مرتين.
قال الزمخشري: على بمعنى مع، أو بمعنى في، والأول أولى، لإفادتها زَمَن الكبر كلّه على الجملة.
(ولا تحسبَنَّ الله غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظالمون) :
هذه الآية بجملتها فيها وَعيدٌ للظالمين وتسليةٌ للمظلومين.
والخطابُ لنبينا ﷺ .
فإن قلت: هو ﷺ غير غافل، وعطف هنا بالواو وفيما بعدها بالفاء؟
والجواب: أنَّ معْناها الثبوت على علمك يا محمد، ومن اعتبر من أمتك
وغيرهم أن الله لا يُنْجِز ميعادَه في أخْذِ الظالم حين ظُلْمه، فإن الله يمهله، ولذا
عطف الآية بعدها بالفاء، وقد يعجل العقوبة على بعض الظالمين لرحمته بهم، وإن أخرهم ليوم تشْخَصُّ فيه الأبصار فسيعلمون ما يلحقهم.
فإن قلت: لِمَ تَعلَّق النفْى هنا بالأخص، ونفي الأخصّ لا يستلزم نَفْيَ
الأعم، لأنَ الحسبان النفي مؤكَّد بالنون الشديدة، فهو أخصُّ من مطلق
الحسبان؟
والجواب: بأن النون دخلت على الفعل النفي، فأكَّدَتْه، لأنَّ النّفْيَ دخل على الفعل المؤكد فنفاه، فهو تأكيد للنفي لا نفي للفعل المؤكد، فهو نَفْي أخصُّ لا نفي أعم.
стр. 1341
فإن قلت: ما فائدة شدة الوعيد على الظالم؟
فالجواب: أن الله لما ذكر الإنسان أنه ظلوم جحود لنعمةِ الله لا يستغني بما
أحِلَّ له عما حُرم عليه، وكان الواجب في حقه أنْ يشكرَ اللَهَ على ما آتاه، ولو لم يشكره على نعمه كلّها فالواجبُ عليه الشكر على بعضها، إذ لا يقدر أحدٌ على إحصائها، كما قال تعالى، فلما كفر نِعَمَ اللهِ عليه وتَعدَّى كفره إلى ظلم أخيه الضعيف بالغ بهذا التهديد العظيم، لعله يرجع، كما جرى لبعضهم لا ظلم، فقال له الظلوم: أشكوكَ إلى السلطان.
فقال له: السلطانُ يعرفني، فقال أشكوك إلى الله، فلما لقِيَه بعد أيام قال له كالمستهزئ به: ما قال لك الله، فقرأ عليه الآية، فاسترجع الظالم وأناب.
وهكذا حال من أراد الله هدايته.
فإن قلت: ما مناسبة هذه الآية لقوله تعالى: (إن الإنسان لظلوم كفار) ، وختم آية النحل بقوله: (إن الله لغفور رحيم) ؟
والجواب: أنه تقدم آية إبراهيم: (ألَمْ تَرَ إلى الَّذِين بَدَّلُوا نعمةَ اللَهِ كُفْراً) .
. . إلى قوله: (وآتاكُمْ من كلِّ ما سَألْتُموه) ، فناسبه ما ذكره تعالى من توالي إنعامه ودُرور إحسانه، ومقابلة ذلك من العبيد بالتبديل، وجعل الأنداد - وصف الإنسان بأنه ظلوم كفار.
وأما آيةُ النحل فلم يتقدمها غير ما نبّه سبحانه لعباده المؤمنين من تَوَالي آلائه وإحسانه وما ابتدأهم به من نِعَمه من لَدن قوله: (خلَق الإنسانَ من نطفة) .، فذكر بضعاً وعشرين من أمهات النعم إلى قوله - منبهاً وموقظاً من الغفلة والنسيان: (أَفَمَنْ يَخْفق كَمَنْ لا يَخْلُق) ، فناسب ختام: (وإنْ تَعُدّوا
نعْمةَ اللَهِ لا تحْصوها) بالغفران.
فانظر هذا اللطف الجميل بعباده والتناسب الواضح.
(وتَبَيّنَ لكم كيف فَعَلْنَا بهم) :
يفهم من هذه الآية أن التواتر يُفيد العلم، لأنهم لم يتبين لهم ذلك إلا بالإخبار عن الأمم السابقة.
стр. 1342
(وليَعْلَموا أنما هو إلهٌ وَاحد) .
الآية: تفيد أنَّ الوحدانية تثبت بالسمع، وهو أحَذ القولين عند الأصوليين، وأتَتْ هذه الآية بالتعري من تاء التفعل لتقدُّمها قوله تعالى: (ولِيُنْذَرُوا به ولِيَعْلَموا) ، وقد عريت الكلمتان من حروف الشدة، فعطف عليه:
(ولِيَذكَّرَ) ، لأن جميعها من الرخوة بخلاف آية (ص) ، فإن قبلها
(لِيَدَّبَّرُوا) ، وفيه حرفان من حروف الشدة، فناسبهما: " وليتذكر ".
والتناسب واضح.
(وما بكم من نِعمةٍ فمِنَ الله) : نبَّه اللهُ عبادَه بهذه الآية
مؤمنهم وكافرهم على أنْ يشكروه ويتأدبوا معه.
ويؤخذ منها أنَّ الكافر منْعَمٌ عليه، وقيل غير منعم عليه، للآية: (أنما نمْلِي لهم ليَزْدَادوا إثْما) .
وقيل منعم عليه في ظاهر حاله في الدنيا، وغير مُنْعم عليه في عاقبته ومآله، وتنكير (نعمة) للعموم لا للتقليل، إذ لا يوصف عطاء الله بالقلة، وقوله: (ثم إذا مَسَّكم الضرَّّ فإليه تجأرون) :
المهلة معلومة، لبعد ما بين غفلة الإنسان وذهوله من النعمة، وما بين تضرّعه وذلته زمَن الضر، كقوله:
وما يَكْشِفُ الغَمَّاءَ إلاَّ ابنُ حُرَّةٍ ... يَرَى غَمَراتِ الموتِ ثم يَزورُها
ويحتمل أن تكون الواو للاستئناف أو للحال، فيكون الكلامُ متصلاً بما
قبله، أي كيف تتّقُون غَيْرَ الله وما بكم من نعْمةٍ فمنه وحْدَه، وبهذا يظهر لك تناسب الآيات.
(واتّبعْ أدبارهم) ، أي كن خَلْفَهم وفي ساقتهم حتى لا يبقى منهم أحد، وليكونوا قُدّامه، فلا يشتغل قَلْبه بهم، ولو كانوا وراءَه
لاشتغل لخوْفِه عليهم، وبهذا يَظْهَر لك رحمةُ لوط بقومه الذين آمنوا معه.
(واللَهُ يعلم ما تسِرون وما تعْلِنون) :
لما تقدم هذه الآية:
стр. 1343
إن الله لا يؤاخذ عباده بعدم القيام بشكر النعم لذكره المغفرة والرحمة عقب قوله بهذه الآية، أي ما تحدِّثُون به أنفسكم، وليس المراد السر في اصطلاح الفقهاء.
وتضمنت الآية الإشعار باتصاف الله تعالى بالقدرة والعلم، فالقدرة بقوله:
(أفَمَنْ يَخْلُق كَمَنْ لا يَخْلُق) ، وهذا للعلم.
وعطف (ما يسرون وما يعلنون) للتسوية، فهو أمر استَأثر اللهُ به، كما قال: (إنَّ الله عنده عِلْمُ الساعة) .
(وإنَّ لكم في الأنْعام لَعِبْرَةً) :
لما كان التفكر منفعة عامة في العاقل وغيره أعقبه بالمنفعة الخاصة بالعاقل، وأكّده بأنّ واللام لغفلة المخاطب عن الاعتبار والتذكر، لا لكونه منكراً لذلك.
وقد قدمنا في حرف الفاء أن زيادة لكم تنبيه على العبرة، والعبرة يُرَاد بها الاتّعاظ، لقوله: (فاعتبروا يَا أولِي الأبصار) .
(ومما يَعْرِشون) :
قد قدَّمنا أن الله تعالى أوحى إلى النحل أَنْ تتخذ البيوت في الجبال والشجرِ وبيوتِ الناس حيث يعرشون، أي يبنون العروش، فلا ترى للنحل بيوتاً في غير هذه الثلاثة ألبتَّة.
وتأمل كيف كان أكثر بيوتها في الجبال، وهو المتقدم في الآية، وفي الأشجار
وهي دون ذلك، ومما يعرش الناس، وهي أقلّ بيوتها.
وانطرْ كيف رآها حسنة الامتثال إلى أن اتّخَذَت البيوتَ قبل المرعى فهي
تَتخذها أولاً، فإذا استقرَّ لها بيتٌ خرجت منه وَرَعَتْ، فأكلت من كلِّ
الثمرات، ثم أوت إلى بيوتها، لأن ربَّها سبحانه أمرها باتخاذ البيوت أولاً، ثم
بالأكل بعد ذلك.
قال في عجائب المخلوقات: يقال ليوم عيد الفطر يوم الرحمة، إذ فيه أوحى
الله إلى النحل صنعةَ العسل.
قال الغزالي: لؤ تأملت عجائبَ أمرها في تناولها الأزهار والأنوار واحترازها من النجاسات والأقذار وطاعتها لواحدٍ من جملتها، وهو أكبرها شخصا، وهو أميرها، ثم ما سخّر اللَّهُ له من أمرها من العدل
стр. 1344
والإنصاف بينها حتى إنه ليقتل منها على باب المنفذ كلّ ما وقع على نجاسة
لقضيْتَ من ذلك العجب إنْ كنْتَ بصيراً في نفسك، وفارغاً من هَمِّ بطنك
وفَرجِك وشهوات نفسك في معَاداة أقرانك وموالاة إخوانك، ثم دع عنك جميع ذلك وانظر إلى بنيانها من الشمع، واختيارها من جميع الأشكال المسدس، فلا تبني بيتها مستديرا ولا مُرَبّعاً ولا مخمَّساً، بل مسدساً لخاصية في ميل المسدس يقصر فَهم الهندسين عن دَرك ذلك، وهو أنَّ أوسع الأشكال وأحْوَاها المستدير، وما يقرب منه، فإن المربع يخرج منه زوايا ضائعة، وشكل النحل مستدير مستطيل، فتركَ المرَبّع حتى لا تبقى الزوايا فارغة، ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارجَ البيوت فُرَجٌ ضائعة، فإن الأشكال المستديرة إذا اجتمعت لم تجتمع متراصَّة، ولا شكل من الأشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير، ثم تتراص الجملة منه بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فُرْجة إلا المسدس وهذه خاصية هذا الشكل.
فانظر كيف ألهمَ اللَّهُ تعالى هذا النحل على صِغَر جرمه لُطْفاً به وعنايةً
بوجوده فيما هو محتاج إليه ليتهنّأ عيشه، فسبحانه! ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه!
ولو ذكرنا منافع النحل، وما أوْدع فيها لاحتاج إلى مجلد، ولذلك مثّل ﷺ المؤمن بالنحلة إن صاحَبْتَه نفعك، وإن سارَرته نفعك، وإن جالسته نفعك.
وكذلك النحلة على ما فيها من منافع.
قال ابن الأثير: وجه المشابهة من المؤمن في النحلة حِذْق النحل في فِطنته وقلة
أذاه وحقارته ومنفعته وقناعته وسَعْيه في الليل وتنزهه عن الأقذار، وطيب
أَكْله، لأنه لا يأكل من كسب غيره، وتحوله وطاعته لأميره، وإنَّ للنحل آفات تقطعه عن عمله، منها الظلمة، والغيم، والريح، والدخان، والماء، والنار، وكذلك المؤمن له آفات تفتره عن عمله ظُلمة الغفلة، وغَيْم الشك، وريح الفتنة، ودخان الحرام، وماء السعية، ونار الهوى.
стр. 1345
وفي مسند الدارمي، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: كونوا في
الناس كالنحلة في الطير، إنه ليس في الطير شيء إلاَّ وهو يستَضْعفها، ولو تعلم الطّيْرُ ما في أَجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها، خالطوا الناسَ بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم، فإنَّ للمرء ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحبَّ.
والمعروف من قول علي بن أبي طالب أنه قال: إنما الدنيا ستة أشياء: مطعوم، ومشروب، وملبوس، ومركوب، ومنكوح، ومشموم.
فأشرَفُ المطعوم العسل، وهو قيء ذباب، وأشرف المشروبات الماء يستوي فيه البرّ والفاجر.
وأشرفُ الملبوسات الحرير، وهو نسج دودة.
وأشرف المركوبات الخيل، وعليها يقتل الرجال.
وأشرف المشمومات المسك وهو دَمُ حيوان.
وأشرف المنكوحات المرأة وهو مبال في مبال.
وروى الكواشي في تفسيره الأوسط: أن العسلَ ينزل من السماء فينبت في
أَماكن، فتأتي النحلُ فتشربه، ثم تلقيه في الشمع المهيَّأ للعسل في الخلية، لا كما يتوهمه بعض الناس أنَ العسل من فضيلات الغذاء وأنه قد استحال في المعدة عسلاً، هذه عبارته.
ومما يدلك على كمال قُدْرته سبحانه أنه جمع في النحلة السمّ والعَسل، دليل على كَمالِ قدرته، وأخرج منها العسل ممزوجاً بالشمع، كذلك عمل المؤمن ممزوج بالْخَوْف والرجاء.
وفي العسل ثلاثة أشياء: الشفاء، والحلاوة، واللين، كذلك المؤمن، قال تعالى: (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) ، يخرج من الشاب
خلاف ما يخرج من الكهل والشيخ، كذلك حال المقتصد والسابق، أمرها اللَه تعالى بأمرِ حتى صار لعابها شفاء، ودواء الأطباء مرٌّ، ودواء الله حُلو، وهو العَسَل، وهي تأكل من كلّ الشجر، ولا يخرج منها إلا حُلْو، ولا يعتريها اختلافٌ بأكلها، (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) .
стр. 1346
(وشارِكْهم في الأمْوَال) :
بكسبهم للربا والحرام، وإنفاقها في المعاصي، وغير ذلكَ، والأولاد باستيلاد أولاد الزنى، وتسمية الولد عبد شمس وعبد الحارث وشبه ذلك.
(وعِدْهم) :
من المواعدة الكاذبة من شفاعة الأصنام وغير ذلك.
(وكيلاً) :
قدمنا أن الوكيل هو القائم بالأمور الكافي.
(وَصيد) :
باب الكهف، وقيل عتبته.
(ولْيَتَلَطَّف) :
أي في اخْتِفائه، وتخيّله، لأنهمِ خافوا على أنفسهم في بَعث أحدهم إلى المدينة، وكانت الورق التي أعطوها فضة تزودوها حين خروجهم إلى الكهف، وأخذ من قضيتهم: تزود المسافر أفضل مِن تركه.
فإن قلت: كيف اتصل بعث أحدهم بتذكر مدة لبثهم؟
فالجواب كأنهم قالوا: (ربُّكم أعلم بما لبِثْتم) ، ولا سبيلَ
لكم إلى العلم بذلك، فخذوا فيما هو أهم من هذا وأنفَع لكم، فابعثوا أحدكم إلى المدينة.
قيل إنها طرسوس.
(وَلبِثوا في كَهفِهم ثلاثَ مائةٍ سِنينَ وازْدَادوا تِسْعاً) :
في هذه الآية قولان:
أحدهما أنه حكاية حال عن أهل الكهف، يدل على ذلك ما في قراءة ابْنِ مسعود: وقالوا لبثوا في كهفهم، وهو معطوف على قوله:
(سيقولون ثلاثةٌ رابعهم كَلْبُهم) ، فقوله: (قُل الله أعْلَم بما لَبِثوا) .
ردَّ عليهم في هذا العدد المحكي عنهم.
والقول الثاني أنه من كلام الله تعالى وأنه بيان لما أجمل في قوله: (فضرَبْنَا
على آذَانِهم في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) ، ومعنى قوله (قل الله أعلم
بما لبثوا) ، أي أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم.
وقد أخبر بمدة لبثهم، فإخباره هو الحق، لأنه أعلم من الناس، فكان قوله: (قُل الله أعلم)
стр. 1347
احتجاج على صحة ذلك الإخبار، وانتصب (سنين) على البدل، أو عطف
البيان، أو على التمييز، وذلك على قراءة التنوين في ثلاث مائة.
وقرئ بغير تنوين على الإضافة ووضع الجمع موضع المفرد.
(وأُحِيطَ بثَمره) :
عبارة عن هلاكه.
(وأعَز نَفَرا) ، يعني الأنصار والخدم.
(وَدَخَلَ جَنَّتَهُ) :
أفرد الجنةَ هنا لأنه إنما دخل الجنةَ الواحدة من الجنتين، إذ لا يمكن دخولها معاً في دَفْعَة واحدة.
(ويقول يا ليتني لم أشْرِك بِرَبِّي أحَداً) :
قال ذلك على وجه التمني لما هلك بُسْتَانه، أو على وجه التّوْبة من الشرْك.
(وترَى الأرْضَ بارِزةً وحشَرْنَاهم) ، أي ظاهرة لزوال الجبال عنها.
(وتلْكَ القُرَى أهلَكنَاهم لَمَّا ظَلمُوا) :
الإشارة إلى عاد وثمود وغيرهم من المتقدمين.
والمرادُ أهل القرى، وفي ضمن هذا الإخبار تهديد لكفّار قريش.
(وَرَاءَهم) :
قيل قدامهم.
وقرأ ابنُ عباس أمامهم.
وقال ابن عطية: إنَّ وراءهم على بابه، ولكن رُوعي به الزمان، فالوراء هو المستقبل، والأمام هو الماضي.
(ويسألُونَكَ عن ذِي القَرْنَيْن) :
الإشارةُ إلى قريش بإشارة اليهود لهم على اختلاف الروايات، وذلك أنهم سألوه عن الروح، وفتية أهل الكهف، وذي القرنين، وقد ذكرنا أنَّ الله مَكَّن له في الأرض ودانت له ملوكها.
(وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) .
المعنى أن الناس تموج يومَ القيامة كموج البحر.
стр. 1348
وقيل: إنَّ الضمير يعود على يأجوج ومأجوج، والأول أرجح، لقوله بعد ذلك: (ونفخ في الصور فجمَعْنَاهم جَمعاً) .
(وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) :
قد قدمنا أن هذا استعارة للشيب، من اشتعال النار، وهذا القول من زكرياء حين ضعف فطلب من الله أنْ يهب له الولد.
(ولم أكنْ بدعَائِكَ رَبِّ شَقِيا) :
أي قد سعدتُ بدعائي لكَ فيما مضى.
فاستجِبْ لي في هذا، فتوسَّلَ إلى الله بإحسانه القديم إليه، ولذلك
قيل:
إذا أثنى عليكَ المرء يوماً ... كفى من تعرّضه الثناء
(وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي) ، أي من بعدي.
قيل: خاف أن يرثه أقاربه دون نَسْله (١) .
وقيل: خاف أنْ يضيِّعوا الدِّينَ من بعده، فطلب من
الله إقامة دينه، ولهذا قال: (واجعله رَبّ رَضِيًّا) ، فاستجاب الله
دعاءه وبشّره بيحيى الذي لم يجعل له من قبل سمِيًّا.
(واهْجرْنِي مَلِيًّا) :
عطف (اهجرني) على محذوف تقديره: احذر رَجمي لك حينا طويلا.
وقال هذا لإبراهيم لما أَيِس من اتَباعه.
(وَفْدًا) :
قد قدمنا أنَّ الوفد هو الراكب، وسرُّ تخصيص المتقين بالوفد لإكرامهم.
وقد صح أنهم يُحْشرون ركباناً.
وأما الكفار فـ (عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) .
(وَزِيراً) .
أي معيناً، وإنما طلب موسى أخاه ليشدَّ به أزْرَه، أي يقوِّيه.
ويؤخذ منه الاستعانة على الأمور بمَنْ هو أقوى، ولذلك قال موسى
(وأخي هارون هو أفْصَح مني لسانًا) .
(وإنَّ لكَ موعدًا لن تخْلَفَه) :
يعني العذابَ في الآخرة زيادة على عذاب الدنيا، وكان عذابه في الدنيا كما قال: (فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ) .
стр. 1349
والصحيح أنَّ الله تاب على السامري وغفر له لسخائه (١) .
(ورضِي قوله قَوْلاً) :
إن أريد بمن أذن له الرحمن المشفوع له فاللامُ في له بمعنى من أجله، أي رضي من المنافع من أجل المشفوع فيه.
وإنْ أراد الشافع فالمعنى رَضِيَ قولَه في الشفاعة.
(ولا يُحيطون به عِلْماً) :
قيل المعنى: لا يحيطون بمعلوماته، كقوله: (ولا يُحيطون بشيء مِن عِلْمه إلا بما شاء) .
والصحيح عندي أن المعنى لا يحيطون بمعرفةِ ذاته، إذ لا يعْرِف الله على الحقيقة إلا الله، ولو أراد المعنى الأول لقال: ولا يحيطون بعلمه، ولذلك استثنى هناك (إلا بما شاء) ، ولم يستثن هنا.
(وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) :
الكلمة هنا القضاء السابق بتأخير العذاب عنهم.
(لكَان لِزاماً) : أي واقعاً بهم.
(ولو أنَّا أهلكنَاهم بعذاب مِن قَبْلِه) .
أي قبل مبعثك يا محمد لاحتَجُّوا وقالوا: لولا أرسلْتَ إلينا رسولاً، فبعثتُكَ لتكونَ لنا الحجةُ عليهم ببَعْثِك لهم.
(وأسَرّوا النَّجْوَى) :
الواو في أسروا ضمير فاعل يعود على ما قبله، (والذين ظلموا) ، بدل من الضمير.
(وَلا يَسْتَحْسِرون) ، أي لا يعيون ولا يملُّون.
والضمير يعود على الملائكة، وكيف يملُّون وقد أعانهم اللهُ وقوَّاهم على عبادته، فأين عبادتك منهم، وماذا يخطر ببالك من مُزَاحمتهم.
(ولا يشفَعون إلاَّ لِمَنِ ارْتضَى) .
أي لمن ارتضى اللهَ بالشفاعة له ويحتمل أن تكون شفاعة الملائكة للعاصي في الدنيا بالاستغفار له أو في الآخرة.
(وَسْوَسَ) :
قد قدمنا أنه يُقال لا يقع في النفوس وسواس.
стр. 1350
ولا يقع من عمل الخير إلهام من الله.
ولا يقع من التقدير الذي لا على الإنسان ولا له خاطر.
(وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ) .
أي على فرض أن قالوا ذلك، ولكنهم لا يقولونها، وإنما مقصود الآية الرد على المشركين.
وقيل: إن الذي قال إني إله إبليس.
(وهو الذي خلَقَ الليلَ والنهارَ والشمسَ والقمرَ كلّ في فَلَكٍ يَسْبَحُون) : التنوين في كل عوض من الإضافة، أي كلهم في فلك يسبحون، يعني الشمس والقمر دون الليل والنهار، إذ لا يوصف الليل والنهار
بالسبح في الفلك، فالجملةُ في موضع الحال من الشمس والقمر، أو مستأنفة.
فإن قيل لفظ كلّ ويسبحون جمع، يعني الشمس والقمر وهما اثنان؟
فالجواب أنه أراد جِنْسَ مطلعها كلّ يوم وليلة.
وهي كثيرة، قاله الزمخشري.
وقال الغزنوي: أراد الشمسَ والقمرَ وسائِرَ الكواكب السيارة، وعبَّر عنها بضمير الجماعة العقلاء في قوله: يسبحون، لأنه وصفهم بفعل العقلاء، وهو السبح.
فإن قلت: كيف قال في فلكٍ وهي أفلاك كثيرة؟
والجواب أنه أراد كلّ واحد يسبح في فلكٍ، وذلك كقولك: كساهم الأمير
حلة، أي كسى كلَّ واحد منهم حلَّة.
ومعنى الفلك جسمٌ مستدير.
وقال بعض المفسرين: إنه مذموم، وذلك بعيد.
ومعنى يسبحون، أي يجْرُون أو يدورون، وهو مستعار من السبح بمعنى
العَوْم في الماء.
وقد قدمنا أن مجاري القمر ثمانية وعشرون، لأنه يقطع الفلك في
شهر، ومجاري الشمس مائة وثمانون لأنها تقطع الفلك في سنة.
ووجهه أنَّ السنة ثلاثمائة وستون يوماً ونصفها مائة وثمانون فهي تقطع في نصف السنة ستة بروج، ثم ترجع صاعدة أو هابطة فتمشي في نظائر تلك البروج.
فما مجاريها في الحقيقة إلا ستة بروج، فسبحان من دَبَّر الأشياء كيف شاء وأتقنها بحكمته، فلا يعلم أحد بحقيقتها إلاَّ من أطَّلَع عليها.
стр. 1351
(وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) ، أي حفظنا أمْرَ سليمان وما صنع من الفساد.
وقيل معناه: عالمين بعددهم.
(وكذلك نُنْجِي الْمُؤْمِنين) ، أي مطلقاً من همومهم، أي إذا دعوا بدعاءَ يونس: (لا إله إلا أنْتَ سبحانك إني كنْتُ من الظالمين) .
وقد قدمنا في قصة الحديث: " دَعْوة أخي ذا النون ما دعا بها مكروب إلا استُجيب له ومن دَعَا بها في مرضه أربعين مرة فمات غُفر له ".
(والتي أحصَنَتْ فَرْجَها) :
ضمير التأنيث يعود على الصديقة المطهرة، لقولها: (لم يَمْسَسْنِي بشَر) ، فأحصنَتْه عن الحلال والحرام، حتى أراد اللهُ فيها ما أراد، وقد قدمنا قصتها.
(وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) :
قرئ بكسر الحاء بمعنى حرم (١) .
واختلف في معنى الآية، فقيل حرام بمعنى ممتنع على
قرية أهلكها اللَّهُ أن يرجعوا إلى الدنيا، ولا زائدة في الوجهين.
وقيل حرام بمعنى حتم لا محالة، ويتصور فيه الوجهان، وتكون لا نافية فيهما، أَي حتم عدم رجوعهم إلى الله بالتّوبة، أوْ حتم عدم رجوعهم إلى الدنيا.
وقيل المعنى ممتنع على قرية أهلكها اللَّهُ أنهم لا يرجعون إليه في الآخرة " ولا " على هذا نافية أيضاً، ففيه رد على من أنكر البَعْثَ.
(ولقد كتَبْنَا في الزَّبُورِ من بعد الذِّكْرِ) :
فيه قولان:
أحدهما أنه كتاب داود، والذكْر هنا التوراة التي أنزل اللهُ على موسى، أو ما في الزبور من حكم الله تعالى.
والقولُ الآخر أنَّ الزبور جنس الكتُب التي أنزلها اللهُ على جميع الأنبياء، وذلك خمسين صحيفة على شيث، وثلاثين لإدريس، وعشرين لإبراهيم، والتوراة لموسى، والزبور لداود، والإنجيل لعيسى، والفرقان لمحمد
صلوات الله عليهم أجمعين.
والذكر على هذا اللوح المحفوظ، أى كتب اللَهُ هذا في الكتاب الذي أفرد له بعد ما كتبه في اللوح المحفوظ، حين كتب الأمور
كلها.
والأولُ أرجح، لأن إطلاقَ الزبور على كتابٍ واحد أظهر وأكثر
стр. 1352
استعمالاً، ولأن الزَّبور مفرد فدلالتُه على الواحد أرجَحُ من دلالته على الجمع، ولأن النصَّ قد ورد في زبور داود بأن الأرض يَرِثُها الصالحون، والأرضُ على الإطلاق في مشارق الأرض ومغاربها.
وقيل الأرض المقدسة.
وقيل أرض الجنة:
والأول أظهر.
والعبادُ الصالحون في الآية أمَّة محمد ﷺ ، ففي الآية ثناء عليهم، وإخبار بظهور غيب مصداقه في الوجود، إذ فتح الله لهذه الأمَّة مشارقَ الأرض ومغاربها.
(وأنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يريد) :
قال ابن عطية: أنَّ في موضع خبر الابتداء، والتقدير الأمر أنَّ اللهَ، وهذا ضعيف، لأن فيه تكلفَ إضمارٍ وقطعاً للكلام عن المعنى الذي قبله.
وقال الزمخشري: التقدير أن الله يهدي من يريد أنزلناه كذلك آيات بينات، فجعل أن تعليلا للإنزال، وهذا ضعيف للفصل بينهما بالواو، والصحيح عندي أنَّ قوله: وأن الله معطوف على آيات بينات، لأنه مقدر بالمصدر، فالتقدير أنزلناه آيات بينات، وهذا لمن أراد الله أن يهديه.
(وكثير من الناس) :
إنْ جعلنا سجودَ مَنْ في السماوات والأرض بمعنى الانقياد للطاعة فيكون (كثير من الناس) معطوف على ما قبله من الأشياء التي تسجد، ويكون قوله: (وكثير حقَّ عليه العذَاب) ، مستأنف يراد به الانقياد للطاعة، ويوقف على قوله: (وكثير من الناس) ، وهذا القولُ هو الصحيح.
وإن جعلنا السجود بمعنى الانقياد لقضاءَ الله وتدبيره
فلا يصحّ تفصيل الناس على ذلك إلى من يسجد ومن لا يسجد، لأنَّ جميعهم
يسجد بذلك المعنى، وقيل: إن قوله: (وكثير من الناس) معطوف على ما
قبله، ثم عطف عليه (كثير حق عليه العذاب) ، فالجميع على هذا يسجد، وهذا ضعيف، لأن قوله: حقَّ عليه العذاب يقتضي ظاهِرة أنه إنما حقَّ عليه
العذاب بتَرْكهِ السجود.
وتأوّله الزمخشري على هذا المعنى بأن إعراب كثير من
стр. 1353
الناس فاعل بفعل مضمر تقديره يسجد له كثير من الناس سجودَ طاعة، أو
مرفوعاً بالابتداء وخبره محذوف تقديره مثاب، وهذا تكلُّف بَعِيد.
(وذوقُوا) :
التقدير يقال لهم: ذُوقوا.
(ولُؤْلؤا) - بالنصب - مفعول بفعل مضمر، أي يحلَّوْن لؤلؤا أو معطوف على موضع من أساور، إذ هو مفعول، وبالخفض معطوف على
أساور أو على ذهب.
(وَأذِّنْ في الناسِ بالحَجِّ) : خطاب لإبراهيم.
وقيل لنبينا ﷺ ، والأول أصح لوروده في الصحيح أنه لما بنى البيت أمره أنْ ينادِي الناس، فقال: يارب، وأين يبلغ أذَاني، فقال: يا إبراهيم، منك الأذَان وعلينا الإبلاع، فصعد على جبل أبي قبيس، ونادى: أيها الناس، إنَّ اللهَ أمركم بحج هذا البيت، فحجّوا، فسمعه كلّ مَنْ يحج إلى يوم القيامة، وهم في أصلاب آبائهم، وأجاب في ذلك الوقت كل شيء من جماد أو غيره، لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ، فجرت التلبية على ذلك.
وقيل: مَنْ لبى مرةً حجَّ مرة، ومن لبّى غير ذلك حجَّ على عدد التلبية.
(وجَبَتْ جُنوبُها) ، أي سقطت إلى الأرض عند موتها.
يقال وجب الحائط وغيره إذا سقط.
وقد قدمنا أنَّ هذه اللفظة تطْلَق على معان كثيرة.
(وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) .
بيَّن الله في هذه الآية عَجزَ الأصنام بحيث لو اختطف الذبابُ منهم شيئاً لم يقدروا على استنقاذِه حال ضعفه.
وقد صَحَّ أنهم كانوا يجعلون على أصنامهم الطيب وغيره
من ألوان الأطعمة، فيأتي الذبابُ فيخطفه، ولا يقدرون على خلاصه منه، وهو أقلُّ الخلق.
وهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله في تجهيل قريش ورَكاكة عقولهم،
стр. 1354
وكيف لا وقد وصفوا آلهتَهم بالقدرة والعلم، ولا يقدرون على هذا الخلق الضعيف، ولا يَنْتَبِهون لعمايتهم وضَلاَلهم، فهمْ أضلّ من البهائم، ولذا ورد الحديث: " إذا وقع الذبابُ في إناء أحدكم فَلْيلْقِه فإنَّ في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاء، وإنه يتَّقي بجناحه الذي فيه الداء ".
فإن قلت: كيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي الذبابة، وكيف تعلم ذلك في نفسها حتى تقدِّمَ جناحَ الداء وتؤخر جناحَ الشفاء، وما حملها على ذلك؟
والجواب: أنَّ هذا غير منْكر، لأنا نجد في أنفسنا وفي أنفس عامةِ الحيوان
قد جمع فيها بين الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، وهي أشياء متضادّة إذا تلاقَتْ تفاسدت، ثم إن الله تعالى قد ألّف بينها وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان التي فيها بقاؤها وصلاحها لجدير ألاَّ يذكر اجتماع الداء والشفاء في جزءين من حيوان واحد، وإن الذي أَلهمَ النحلةَ لاتخاذ البيتِ العجيب الصنعة، وألْهَم الذرة أنْ تَدَّخر قوتها، وتدخره لأوَان حاجتها إليه هو الذي خلق الذّبابة وجعل لها الهدايةَ إلى أن تؤخَر جناحا وتقدِّمَ جناحاً لما أراد من الابتلاء الذي هو مَدْرجة التعُّبد، والامتحان الذي هو مِضْمَار التكليف، وله في كل شيء حكمة وعنوان.
(وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) .
وقد تأملت الذباب فوجدته يتقِي بجناحه الأيسر، وهو مناسب للداء، كما
أنَّ الأيمن موافق للدواء، واستفيد من الحديث أنه إذا وقع في المائِع أنه يموت فيه ولا يتنجس، وفي ذلك يخرج أنَّ ما يعلم وقوعه كالذباب والبعوض لا ينجس، وما لا يعمّ كالخنافس والعقارب تنجس، وهو متَّجِه لا محيد عنه.
(وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ، أي حرم الزنى.
وقيل حرم تزوّج الزانية لغير الزاني، فإن قوماً منعوا أنْ يتزوجها أحد، وهذا على القول الثاني في الآية قبلها، وهو بعيد لجوازِ تزوّج الزانية.
وروي كراهة تزوجها.
(وأنْكحوا الأيَامَى مِنكم) :
معناه الذين لا أزواج لهم رجالاً كانوا أو نساء أبكاراً أو ثيِّبا.
والخطاب هنا للأولياء والحكام، أمرهم اللَّهُ بتزويج
стр. 1355
الأيَامى، فاقتضى ذلك النهي عن عَضْلهن من التزويج.
وفي الآية دليلٌ على عدم استقلال النساء بالنكاح، واشتراط الولاية فيه، وهو مذهبُ الشافعي ومالك خلافاً لأبي حنيفة.
(والصالحين مِنْ عبادكم وإمَائِكم) :
يعني الذين يصلحون للتزويج من ذكور العبيد وإناثهم، والمخاطبون هنا ساداتهم.
ومذهبُ الشافعي أنَّ السيد يُجْبر على تزويج عبيده لهذه الآية خلافاً لمالك.
ومذهب مالك أنَّ السيد يُجْبِر أمته وعبده على النكاح خلافًا للشافعي.
(وأعانه عليه قوم آخرون) .
هذا من قول الكفار، ويعنون قوماً من العبيد منهم عدّاس ويسار وأبو فكيهة الرومي.
(وَعْدًا مَسْئُولًا) .
أي سأله المؤمنون أو الملائكة في قولهم: (وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ) .
وقيل معنى وَعْداً واجب الوقوع لأنه قد حتمه.
(ولكن مَتّعْتَهم وآباءَهم) :
معناه متعْتَهم بالنعم في الدنيا.
وكان سبب نسيانهم لذكر الله وعبادته.
(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ) :
المراد بالظالم هنا عقبة بن أبي معيط، لأنه جنح إلى الإسلام، فنهاه أبيُّ بن خلف.
والآية تعمّ كلّ ظالم سواء كان كافراً أو مؤمناً ظالماً، إذ كلّ عاص يعضّ على أَنامله من الندم، وإذا كان المطيعُ يتحسَّر على ما فاته من زيادة الطاعة، فما بالك بالعاصي.
(وكان الشيطان للإنسان خَذولا) :
يحتمل أن يكونَ هذا من قول الظالم، أو ابتداء إخبار، من قول الله تعالى.
ويحتمل أن يكونَ الشيطان إبليس، أو الخليل المذكور.
(وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) :
يحتمل أن يكون قال هذا في الدنيا أو في الآخرة أو مجموعهما.
стр. 1356
(وكذلك جَعَلْنا لكل في عَدُوًّا مِنَ المجرمين) :
العدوُّ هنا جمع، والمراد تسلية النبي ﷺ بالتأسِّي بغيره من الأنبياء.
(وقُروناً بين ذلك كَثِيرا) :
يقتضي التكثير والإبهام، والإشارة بذلك إلى أصحاب الرسِّ وثمود وغيرهم.
(وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا) :
قد قدمنا في حرف الباء والحاء أنَّ معناه الحاجز، وضمير التثنية يعود على البحرين، لا يختلط أحدهما بالآخر، وأغربُ منه وجود اللبن مِنْ بين فَرْثٍ ودم، ووجود الشهد والسم في النحل، فالسمّ سبَب هلاك الأحياء، والشّهْدُ سببُ شفاء المرضى، وجعل بينهما حاجزًا لا يختلطُ أحدهما بالآخر، وكذلك جعل في المؤمن النفس والْقَلْبَ، فالنّفْس تميلُ إلى الدنيا، والقلب يميل إلى العقبى، فأعطى له الدين مع الدنيا، وجعل بينهما حاجزاً، فلا تضر الدنيا مع الدين بفَضْلِه وكرمه.
(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) .
لأنَّ ما سواه يموت، والاعتزاز بمن يموت لا يبقى، فكيف يعتزّ مخلوقٌ بعد هذه الآية بمخلوق مثله، أفٍّ لقالب بلا قلب! لقد عميت بصيرتنا، وأظلمت سريرتُنا فظهرنا بالصلاح والتوكل للمخلوقين، وقَلْبنا خَلِيّ عن رب العالمين.
(وسيَعْلَم الذين ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلبِ ينْقَلِبون) :
هذا وعيد لمن ظلم أحدًا من خلق الله.
وعملَ ينقلبون في أي.
وقيل إن العامل في (أيّ سيعلم.
(وسبحانَ اللهِ رَبِّ العالمين) :
نزَّه الله نفسَه مما عسى يكون ببال السامع في معنى النداء، وفي قوله: (بُورِكَ مَنْ في النار) ..
إذ قال بعض الناس فيه ما يجب تنزيه اللهِ عنه.
(وأوتينا من كل شيء) :
عموم معناه الخصوص.
وقد قدمنا أن المرادَ بقول سليمان هذا التكثير، كقولك: فلان يَقْصِده كلّ أحد.
ويحتمل أن يريد نفسه وأباه، أو نفسه خاصة على وَجْه التعظيم، لأنه كان ملكاً.
стр. 1357
(وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) .
اعتبربما أعطِى الله سليمانَ من الجند، واختلف في عسكره اختلافاً كثيراً، فقيل كان مائة فرسخ في مائة: خمسة وعشرون للإنسِ، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجنّ فسطاطاً من ذهب وإبريسم فرسخ في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه، وهو من ذهب، فيقعد عليه وحَوْله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فيقعد الإنسُ والجن على الكراسي وحَوْلَهم الناس، وتظلّهم الطير بأجنحتها، وترفع رِيح الصبا البساط، فتسير مسيرةَ شهر (١) .
ويروى أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله ويأمر الرُّخَاء تسيّره، فأوحى اللهُ
إليه وهو يسير بين السماء والأرض: إني قد زدت في مُلْكك، لا يتكلم أحد بشيء إلا ألْقَتْه الريح في سمعك.
فيحكى أنه مَرَّ بحرَّاث، فقال: لقد أوتي آلُ داود مُلْكاً عظيما، فألقى الريحُ في أذنه، فنزل ومشى إلى الحرّاث، وقال: إنما مشيتُ إليك لكيلاً، تتمنّى ما لا تقدر عليه! ثم قال: لتَسْبِيحةٌ واحدة يَقْبَلُها الله خير مما أوتي آل داود.
وروي أنه سمع قولَ النملة من ثلاثة فراسخ، وكان يفهم كلامَ الطيور
ومعانيها وأغراضها، وهذا نحو ما كان نبينا ومولانا محمد ﷺ يسمعُ أصواتَ الحجارة بالسلام.
ويحكى أن سليمان مَرَّ على طائر في شجرةٍ يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال
لأصحابه: أتَدْرون ما يقول، قالوا: الله ونبيه أعلم.
قال: يقول أكلْتُ نصفَ تمرة، فعلى الدنيا العفاء.
فإن قلت: الظاهر من قول نبينا ومولانا محمد ﷺ في خبر العفريت الذي عرض له في صلاته فأخذه وأراد أنْ يُوثقه في سارية من سَوَاري المسجد، فقال:
стр. 1358
ذكرت قولَ أخي سليمان: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) ، فأرسلته، أنه لم يبلغ هذا الملك؟
فالجواب أن لفظة ينبغي إنما هي لفظة محتملة ليست بقَطْع في أنه لا يعطي
اللهُ نحو ذلك الملك لأحد، ونبيّنا ومولانا محمد ﷺ لو ربط الجني لم يكن ذلك نَقْصاً لما أوتيه سليمان ﵇، لكن لما كان فيه بعْضُ الشبهة تركه جَرياً منه ﷺ على اختياره أبداً أيسر الأمرين وأقربهما إلى التواضع، ألا ترى لما عرض عليه أن يكون نبيئاً عبداً أو نبيئاً ملكاً فاختار العبودية، وقال: إنما أنا
عَبْدٌ آكل كما يَأكُلُ العبد، فعوَّضَه الله بتواضعه الشفاعة العظمى، والوسيلَة التي لا ينالها غيره.
وهذا مع ما كان عليه من تسخير الكونين والثقلين.
وقد ألف بعضُ العلماء في موازاة معجزاته ﵇ لمعجزات الأنبياء على
جميعهم السلام تأليفاً عجيباً، وكذلك نظم بعضهم قصيدةً في معجزاته عليه
السلام موازياً لمعجزاتهم.
فإن قلت: كيف يتعرض الشيطان لرسول الله ﷺ يريد إفسادَ صلاتهِ، ويفرّ من لقاء عمر، كما قال ﷺ : " لو سلك عُمر فَجًّا لسلك الشيطانُ فَجًّا غير فَجِّ عمر"؟
والجواب أنه ليس بمنكر أنْ يتعرَّضَ العفريت له إظهاراً لمعجزته وغلبته له.
وأيضاً فأين يَفر منه ﷺ وهو مالكُ الأرض كلها، بل والآخرة بأسْرها، فإلى أين يفر من ملاقاته، وعُمَرُ لا يملك إلا الفجَّ الذي هو فيه، فكان يفرُّ منه لغير ملكه، ولقد علم اللعين - أنه لو ظفر به لقتله لشدّةِ عمر وغِلْظَتِه في الله ونصرة دينه، ونبيُّنا ومولانا محمد ﷺ في غاية الشفقة والرحمة على من يُؤذيه.
وقد حكى ولي الله أبو محمد المهدوي أن أبا مدين قال لتلامذته يوماً: أيّما
أفضل أمة محمد ﷺ أو أمة سليمان، فأجيب بأن الفضل بينهما معروف.
فقال لهم: ما بالُ آصف أوتي علماً من الكتاب تمكَنَ به من الإتيان بعرش بلقيس، وأنت يا محمدي أوتيت عِلْمَ الكتاب، ولم تتمكن من الإتيان برغيف، قال:
стр. 1359
فلم يذكر أحد جواباً عن هذا.
قال: فألقي عليَّ في النوم، فرأيتُ قائلاً يقول لي: لو خصّ أحد بسر الخفاء، لعدّ في حق غيره خفاء، وأمةُ محمد من أهل الصفاء والاصطفاء، وحين استيقظتُ لاح لي سرُّ ما رأيتهُ، وعلمتُ أنَّ آصف خُصّ بمزية عن كل أمة سليمان ﵇ لرفْعَةِ مرتبته، وليس لتلك الأمة من العناية ما لهذه الأمة، فلو عَمّ ما هم محتاجون إليه لبطلت حكمةُ الله في طلب الجد
والسعي الذي عليه يُثَابون، فلو خُصّ واحد من هذه الأمة بدرجة قالوا: إن مَنْ سواه منحطٌّ عن حصول الاعتناء به في تناول معاشه دون سبب لهم.
بهذا الاعتبار قد تساووا في الكسب، لا فَضْلَ لواحدٍ منهم عن صاحبه في تطلَّبه، فهم متحدون في الاقتداء، فما شرفوا إلا من أجله صلوات اللهِ وسلامه عليه.
(ولو يؤَاخِذ الذُ الناسَ بظُلْمهم) .
أي بظلمهم أنفسهم، أو بظلم بعضهم بعضا، فهو للفاعل والمفعول، لأن الناس عام في الظالم والمظلوم.
وإنما أضاف الظّلْمَ إليهم لأجل الكسب الذي لهم فيه، ألا ترى أنك تقول عبد فلان، وثواب فلان، وليس لهم فيه إلا المنافع.
وأما الأعيان فما يملكها إلا الله.
وذكر الزمخشري هنا آثاراً عن أبي هريرة وابن عباس تقتضي عمومَ الهلاك
في بني آدم وغيرهم بسبب شُؤْم ظلم الإنسان، وكذا نقل ابن عطية أنَّ الطير
والحوت يهلكان بسبب ظلْم الإنسان، وهذا مما لا يتم الاستدلال به إلا مع ضميمة ما قاله الأصوليون في أنَّ قول الصحابي إذا كان دليله مخالفاً للقياس فإنه يكون حجة، لأنه حينئذ لم يكن قاله من عنده، بل يكون سمعه من رسول الله ﷺ .
وأمّا إنْ وافق القياس فهو مذهبُ صحابي، فلا يحتج به.
وهذا مخالف للقياس.
قال تعالى: (ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أخرى) .
وأجاب ابنُ عطية بأن هلاك من لم يظلم إنما هو لكونه لم يغيِّرْ على الظالم.
ويعضده ما تقدم في قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) ، وفي قوله: (كانوا لا يتَنَاهَوْنَ عن مُنْكرٍ فعلوه) .
стр. 1360
وأجاب بعضهم أن هلاك الظالم بظلمه وهلاكَ مَنْ لم يظلم إنما هو ابتلاء له
ليصبر، فيعظم بذلك أجْرُه ومثوبته، فهو رحمة به بهذا الاعتبار.
قال الفخر: واستدل بعضُهم بالآية على عدم عِصْمَةِ الأنبياء، واستدل بها مَنْ جوّز الردة على جميع الخلق لنسبة الظلم فيها لجميع الناس.
ورُدَّ بأنَّ العمومَ في الآية إنما هو بالمؤاخدة وأمّا الظلم فإنما ذُكر على سبيل
الفَرْض والتقدير، أي لو فرض وقوع الظلم من الجميع وأوخذوا به لم يبق أحد، ولا يلزم من فرض الشيء وقوعُه، كما قال: (لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لَفَسَدَتَا) .
فإن قلت: يفهم من قوله تعالى: (لا يَسْتَأخِرون ساعةً) .
نفْي تأخرهم عن أجلهم، لأنه كان متوهماً، وأما تقدمهم على أجلهم إذا حضر بمستحيل إذ الماضي لا يعودُ، فلم احتيج إلى نَفْيه، وجُعل جواباً للشرط؟
والجواب أنه على معنى التأكيد لذلك، وإشارة إلى تسوية الأمْرِ الضروري
بالمشكوك فيه، لأنَّ استحالة تقدمهم عن أجلهم إذا حضر أمْرٌ ضروري.
وتأخرهم عنه مشكوك فيه، ألا تَرى مَنْ حلّ عليه دين مؤجل يمكن أن يؤخّره
ربّه عنه، ولا يمكن أن يقدمه هو عن أجله بعد حلوله بوَجْه، فكأنه يقول: كما يستحيل تقدّمهم عن أجلهم إذا حل كذلك يستحيل تأخّرهم عنه، لأن ما علمه الله وقدَّره لا بدّ من وقوعه.
(وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) :
هذا من قول سليمان لَمّا أنعم الله تعالى عليه بالملك، وعلم أنه
رخاء لا ينفعه عند الله إلا بإلْهَامِه الشكر.
وحقيقةُ (أوْزِعني) اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأكفّه وأربطه، لا
ينفلتُ عني، حتى لا أنفكّ شاكراً لك.
وأدخل والديه في الدعاء، لأن النعمةَ عليهما للولد منها نصيب بالوراثة، فيجب شُكْرُ الوالد على ذلك، لأن موجبَ
стр. 1361
الشكر مشترك بين الولد والوالدين، ومِنْ رؤية النعمة عند سليمان أنه أمر أن يعمل حولَ كرسيّه ألف محراب فيها ألْفُ رجل عليهم المسوح يصرخون بالشكر دائماً ويقول لجنده إذا ركب: سَبّحُوا اللهَ إلى ذلك العلم، فإذا بلغوه قال: هللوا إلى ذلك العلم، فإذا بلغوه قال: كبروا إلى ذلك العَلَم الآخر، فلج الجنود بالتسبيح والتهليل والتكبير لجةً واحدة، شكراً لما أعطاه الله، فاستعملوه من أجله.
وقد صح أنَّ الله يحتجّ على الأغنياء يوم القيامة بسليمان، لأنه لم يشغَلْه ما
أعطاه اللَهُ عن القيام بحقه، وعلى العبيد بيوسف، وعلى المرضى بأيوب، لما هلك جميع ما ملك دخل بَيْتَه وألقى ثيابه، وقال: هكذا خرجت إلى الدنيا، وعلى الفقراء بعيسى، كان له إناء يشرب فيه، ومشط يمتشط به، فألقاهما وصار يتخلّل بأصابعه، ويشرب في يديه، فقال له قومه: ألا تتخذُ لك حماراً تركبُ عليه إذا أعياك المشي، فقال: أنا أكرم على الله من أنْ يجعلني خادمَ حمار.
(وتفَقَّدَ الطَّيرَ فقال مَا لِيَ لا أرَى الْهُدْهدَ) - بضم الهاءين
وإسكان الدال بينهما: طائر معروف ذُو خطوط وألوان.
قال الجاحظ: وهو وفّاء حفوظ، وذلك أنه إذا غابت أنثاه لم يأكل ولم يشرب ولم يشْتَغل بطلب طعم.
ولا يقطع الصياح حتى تعودَ إليه، فإن حدث حدث أعدمه إياها لم يسفد بعدها أنثى أبداً، ولم يزل صائحا عليها ما عاش، ولم يشبع بعدها من طعم، بل ينال منه ما يمسك رمقه إلى أنْ يشرف على الموت، فعند ذلك ينال منه يسيرا.
فإن قلت: قد طلب سليمان الشُّكرَ من الله تعالى على هذا الملك، وإنه لم يكن في باله ولا له به تعلّق، فما بالُه تفقَّد الْهُدْهُد حين كان يظّله وتوعَّده بالعذاب الشديد أو بالذبح، وهذا الفعل يقتضي العنايةَ بالمملكة والتهمم بكل جزءٍ منها؟
والجواب ما في الكامل وشعب الإيمان للبيهقي: أن نافعا سأل ابْنَ عباس.
فقال: سليمان ﵇، مع ما خَوَّلَه اللَهُ من الملك وأعطاه، كيف عني بالهدهد مع صغره، فقال له ابن عباس: إنه احتاج إلى الماء، والْهدْهد كانت له الأرض كالزجاج.
فقال ابن الأزرق لابن نافع: قِف يا وَقاف، كيف يُبصر الماء من
تحت الأرض، ولا يرى الفخ إذا غطّي له بقَدْر أصبع من تراب،
стр. 1362
فقال ابن عباس: إذا نزل القَدَر عَمِي البصر.
قال الزمخشري: وكان السبب في تخلفه عن سليمان ﵇ أنه حين نزل
سليمان ﵇ حلّق الهدهد، فرأى هُدْهداً واقعاً، فوصف له مُلكَ سليمان وما سخّر له، وذكر له ملك بلقيس، وأن تحت يدها اثني عشر ألف قائد تحت يد كل قائد مائة ألف، فذهب له لينظرَ فما رجع إلاَّ بعد العصر، فدعا سليمان عريفَ الطير وهو النسر، فلم يجد عنده عِلمه، ثم قال لسيد الطير - وهو العقاب: عليَّ به، فارتفع ونظر فإذا هو مُقْبل، فقصده، فناشده وقال له: بالذي قَواك عليَّ وأقدرك إلا رحمتني، فتركه، وقال: ثكلَتْكَ أمُّك، إن نبيَّ الله حلف ليعذبنك.
قال: وما استثنى، قال: بلى.
قال: أوليأتِيَني بسلطان مبين.
فلما قرب من سليمان أرْخَى ذنبَه وجناحيه يَجُرهما على الأرض تواضعاً له، فلما دنا منه أخذَ رأسه فمدَّه إليه، فقال: يا نبي الله، اذكر وقوفَك بين يدي الله خاضعاً ذليلاً.
فارتعد سليمان وعفَا عنه، ثم كان تعذيبه لمن خاف أمْرَه من الطير أن ينتف ريشه ويشمسه.
وقيل يلقيه للنمل يأكله.
وقيل إيداعه القفص.
وقال الهدهد: يا نبي الله، كنت تعذِّبني العذابَ الشديد، قال: أفَارقك من إلْفِكَ وأجعلك تعاشر الأضداد.
فإن قلت: لِمَ أُبيح له تعذيبُ الهدهد؟
قلت: يجوز أنْ يبيح الله له ذلك كما أباح ذَبْحَ البهائم والطيور للأكل وغيره
من النافع.
قال عِكرمةُ -: إنما صرف سليمان عن ذَبْح الهدهد للخبر الذي أتى به
من أمْر بلقيس.
وقيل: لأنه كان بارًّا بأبويْه ينقل الطعامَ إليهما فيزقّهما (١) .
وحكى القزويني أنَّ الهدهد قال لسليمان: أريد أن تكونَ في ضيافتي.
فقال: أنا وَحْدي، قال: لا، أنت وعسكرك في جزيرة كذا في يوم كذا، فحضر
стр. 1363
سليمان وجنوده، وطار الهدهد، فاصطاد جرادةً وخَنقها ورَمَى بها في البحر، وقال: يا نبي الله، مَنْ فاته اللحم ناله المرق، فضحك سليمان من ذلك عاماً كاملاً.
(وَجَدْتُ امرأة تملِكهم) :
هي بلقيس بنت شراحيل كان أبوها ملك اليمن، ولم يكن له ولد غيرها، فغلبت بعده على الملك.
والضمير يعود على قومها.
(ولها عَرْشٌ عظيم) :
يعني سرير مُلكها، ووقف بعضهم على عرش، تم ابتدأ: عظيم وجَدْتها وقَوْمَها يسجدونَ للشمس.
وهذا خطأ وغير منكر عليه وَصْف العرش بالعظمة.
(وأتوني مسْلمين) ، يحتمل أن يكونَ من الانقياد، بمعنى
مستسلمين، أو يكون من الدخول في الإسلام.
(وكذلك يفعلون) :
من كلام الله تعالى، تصديقا لقول بلقيس: إنَّ الملوكَ إذا دخلوا قَرْية أفسدوها، أو هو من قولها تأكيداً للمعنى الذي أرادَتْه، أو يعني كذلك يفعل هؤلاء بنا.
فإن قلت: كيف استعظم الْهدْهد عَرْشها مع ما كان يرى من مُلك سليمان؟
فالجواب: أنه استعظم عَرْشَها بالنظر إلى حالها وأمثالها، وأنه وصفه بالعظم
إغراء له عليها، ووصفه له بأنه ثمانين ذراعاً في ثمانين، وأنه مكلّل بأنواع الجواهر وأن قوائمه من ياقوت أحمر وأخضر ودُرّ وزمرّد، وغرابة ما فيه من البناء، وفي ذلك تقويةٌ لعذره عن غيبته، ورفع للعقاب عنه، ولعظمه عندهم أراد سليمانُ أن يُريهم قدرةَ الله، وبعضَ ما خصَّه به من العجائب على يده، ويشهد بنبوءته.
(وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) :
يعني الفساد العام في كل ما فيه مضرةٌ لأبناء جنسهم.
وقيل: كانوا يقرضون الدنانير والدراهم.
والمراد بالمدينة مدينة ثمود، فانظر رحمةَ الله بعباده حيث لا يريد
стр. 1364
مضرَّة أحدٍ منهم، وبعث الله إليهم صالحاً يَنْهاهم عن الفساد، فجرى لهم ما
قدمناه.
(وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) :
قد قدمنا أنَّ إسرافيل ﵇ ينفخ فيه ثلاث نفخات: نفخة الفزع وهو في الحياة الدنيا وليس بالفزع الأكبر.
ونفخة الصعق.
ونفخة القيام من القبور.
وانظر كيف عَبّر هنا بـ (يُنْفَخُ) و (فَزِعَ) ، وهو أمْر لم يقع بَعْدُ إشعاراً بصحة
وقُوعه.
وخُصَّت هذه السورة بالفزع موافقةً لقوله تعالى: (وهُمْ مِنْ فَزعَ يومئذٍ
آمِنُون) .
وخُصت سورة الزمر بالصعق موافقةً لما قبله، لأن معناه: مات وقد تقدم قوله: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) .
(وهم لا يَشْعرون) ، أي قوم فرون لا يشعرون
بأنّ إهلاكهم يكون على يَد موسى، أو لا يشعرون أنَّ الذي دلَّت على إرضاعه أخته.
(وَكَزه) ، أي ضربه بأطراف الأصابع، وقيل بِجمْع الكف فقتله، ولم يرد أن يقتله، لكن وافقت وكْزته الأجل.
فإن قلت: لم يعمل عملاً يوجب له الاستغفار منه، لأن المقتول كافر؟
فالجواب أن الله لم يأذن له في قَتْله، ألا تراه يقول يوم القيامة: قتلت نفساً لم
آذن بقتلها.
(وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) :
الضمير لقريش.
وقيل لليهود.
والأول أظهر، لأن الكلام من أوله معهم.
. والعمومُ أحسن لهم ولغيرهم ممّن يأتي بعدهم، يعني بلّغْنَا لهم القرآن، وبيًنَّا لهم الحلال والحرام، ووعظناهم بحكاية مَنْ تقدم من الأمم، لعلهم يتذكرون.
وهذا مِثْل قوله: (وَذكِّرْ فإنً الذكْرَى تَنْفَع المؤمنين) .
فكيف يكون للعاصي حجة مع هذه المواعظ والحر من العبيد تكفيه الْمَلامة.
стр. 1365
(وأكْثَرُ جَمْعاً) : معطوف على الهلاك.
يعني مَنْ يرى إهلاك من كان أشدّ منه قوهْ وأكثر جمعاً للمال كيف يغتَرُّ بالدنيا وهذا حالها!
نشاهد إهلاك قوم بعد قوم، ولا نَرْعَوِي عن قبيح، "ولا نَزْدَجر من رذيلة.
(ولا يُسْألُ عن ذُنوبهم المجرمون) :
يحتمل أن يكونَ متصلا بما قبله، والضمير في ذنوبهم يعود على الأمم المتقدمة، والمجرمون من بعدهم، أي لا يسألُ المجرمون عن ذنوب مَنْ تقدمهم مِنَ الأمم الهالكة، لأن كل أحد إنما يسألُ عن ذنوبه خاصة.
ويحتمل أن يكون إخباراً عن حال المجرمين في الآخرة، وأنهم لا يسألون
فيها عن ذنوبهم، لأنهم يدخلون النار من غير حساب.
ورُدَّ بقوله تعالى: (فوَرَبِّكَ لنسألَنّهم أجمعين) .
وأجاب بعضُهم عن هذا بأن السؤال النفي على وَجْه الاستخبار وطلب التعريف، لأنه لا يحتاج إلى سؤالهم على هذا الوَجه، ولكن يسألون على وَجْه التوبيخ، وحيثما ورد في القرآن إثبات القول في الآخرة فهو على معنى المحاسبة والتوبيخ، وحيثما ورد نَفْيه فهو على وَجْه الاستخبار والتعريف، ومنه قوله: (فيومئذٍ لا يُسأل عن ذنبه إنْسٌ ولا جانٌّ) .
(وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ) :
يحتمل أن يكون من الدُّعاء بمعنى الرغبة، أو من دعوة الناس إلى الإيمان باللهِ، فالمفعول محذوف على هذا، تقديره ادعُ الناسَ.
فانظر كيف أمر اللَّهُ رسولَه بدعاء الناس إليه، وخصص الهداية
لإجابته، فالدعوة عامة، والهدى خاص.
وقد دعا الله عباده في الدنيا بقوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ) .
(يدعوكم ليَغْفِرَ لكم من ذنوبكم) .
وفي الآخرة بقوله: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ) .
(يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) .
فما هذا التقاعس بعد هذا الدعاء إلا من العمى، وأعظم من العمى.
وأعظم من المخالفة والاستجابة غَفْلَتنا عن الاستغفار، والضحك والاغترار
стр. 1366
والتهاون والاستكبار، قال تعالى: (وكنْتُم منهم تضْحكون) .
(وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) .
(وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) .
وقد أخبر اللَه عن نوح أنه قال: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) .
وهذه كلها موجودة فينا، وما خفي عن الخلق أكثر، اللهم لا تؤاخذنا
بذنوبنا.
(وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا) :
هذا الضمير لكفار قريش، لأنهم كانوا يفخرون بالأموال والأولاد على الضعفاء من المؤمنين، ويسخرون منهم لقلة ما أعطوا من الدنيا، فأخبرهم اللهُ أنَّ ما أعطوا منها إنما هو متَاع قليل وزينة وتفاخر يشغل بها كالصي تُعْطيه أمّه خشاشة تَشغله عنها، ولو علم الله فيهم خيراً لتَنبهوا لِمآلها، لكن الله طمس بصائرهم، وأكبّوا عليها، وليس العجب منهم، وإنما العَجَبُ منكم، حَضً الله رسوله على الفرار منها، والإعراض عنها، فلم تزيدوا إلا طغيانا وكفراً، ولو لم يقع الحض على الفرار منها لكان الواجب عدم الالتفات إليها لما نرى من سرعة تقلبها، يقول الله تعالى في بعض الكتب المنزلة: " طلبتُ من خَلْقي الطاعةَ لي، والزهادة في أعدائي، فلم يفعلوا، ثم طلبت منهم إعانةَ الزهاد من أهل طاعتي فلم يفعلوا، فقلت لهم: ارضوا عنهم فلم يفعلوا، فقلت لهم: لا تمنعوهم منها إذاً، فمنعوهم.
فقلت لهم: لا تدعوهم إلى ما لا يُرضيني، ولا تعادوهم عليها، إن لم يتابعوكم، ففعلوا وصاروا عندهم أنْتن من جيفة حمار، فكيف أقدّس أمة هذه أفعالهم! "
اللهم اعف عنّا بفضلك.
فإن قلت: ما وَجْه زيادة الزينة في هذه الآية على آية الشّورى؟
والجواب لتقدم ذكرها في قوله تعالى: (فخرج على قومه في زِينته) ، فالتحمت الآية بتلك القصة، ولم يرد في سورة الشورى من
стр. 1367
أولها إلى آخرها ذكر حال دنيوي لأحد، بل تضمَّنت حقارةَ الدنيا ونزارة
رزقها، وأنه مقدور غير مبسوط، وتلك حال الأكثر.
وقيل في الجواب غير هذا حذفناه لطوله.
(ويوم يناديهم فيقول أيْن شركائي الذين كنْتم تَزْعمُون) :
قد قدمنا أن هذا النداء من الله تعالى قديم متعلق بالذات القديمة، وإنما
يسمعهم اللَّهُ ذلكَ الخطابَ من غير واسطة مبالغةً في توبيخهمِ وتعذيبهم، ولذلك أدخل فيه همزة الاستفهام ونَسب الشُّرَكاء تعالى إلى نفْسه على زَعْمهم.
والمجيبون بقولهم: (قال الّذين حَقَّ عليهم القَوْلُ) ، هو كل مقولٍ داعٍ إلى الكفر من الجن والإنس، والنداء إنما وقع للتابعين والمتبوعين، لكن لما كان السؤال مسكتا لهم مبْهتاً فكأنه لا تعلّق لجمهور الكفرة إلا بالمغوين
لهم والرؤوس والأعيان منهم، فلذلك سارعوا إلى الجواب طمعاً في التبري من متبعيهم، وفي هذا الموطن صدر منهم الإقرار بربوبيته تعالى، إذ هو موطن
ظهورِ الحق وانكشافه.
فإن قلت: قد قلتم إنَّ دعاء الشركاءَ على جهة التعجيز، والمشركون يعلمون أنَّ الشركاء لا يجيبون، لأن الموطن ظهورُ الحق وانكشافُ الأمورِ فلم دَعَوا شركاءهم؟
والجواب: ليظهر عَجْرهم عن إجابة الدعوة على رؤوسِ الأشهاد، وتقوم
عليهم بذلك الحجة، فسبحانه ما أعظمه من لطيف يحبّ المعاذير وإظهار الحق، ينطق الجمادات والجوارح على المخلوقات حتى لا يجد الإنسان فراراً من قضائه وقيام الحجة عليه.
فإن قلت: كيف الجمع بين قولهم: (أغْوَيْنَاهم) ، وبين قولهم: (تبرَّأنا إليك) ، فإنهم اعترفوا بإغوائِهم وتبرَّأوا مع ذلك منهم؟
والجواب أنَّ إغواءهم لهم هو أَمْرهم لهم بالشرك.
والمعنى أنا حملناهم على
стр. 1368
الشرك كما حملنا أنفسنا عليه، ولكن لم يكونوا يعبدوننا، وإنما كانوا يعبدون
الأصنام وغيرها، فتبرَّأنا إليك من عبادتهم لنا، فتَحصَّل من كلام هؤلاء
الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم أغْوَوا الضعفاء وتبرءُوا من أن يكونوا هم آلهتهم، فلا تناقض في الكلام.
(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) .
اختلف في سبب نزول هذه الآية على أقوال، والظاهر منها عمومها فيمن
كان بمكة من المؤمنين يشْقَى بجهاد أبويه في شأن الإسلام أو الهجرة، فكان
القصد بهذه الآية النهي عن طاعة الأبوين في مِثْلِ هذا لعظم الأمْر، وكثرة
الخطر فيه، مع الله تعالى، ثم إنه لما كان بِرّ الوالدين وطاعتهما من الأمر الذي
قَررَتْه الشريعة، وأكدت فيه، وكان من القوي عندهم الملتزم قدَّم الله تعالى
النهي عن طاعتهما في قوله تعالى: (ووصينا) على معنى أنا لا نخلُّ ببر الوالدين، لكنا لا نسَلط على طاعة الله تعالى، لا سيما في معنى الإيمان والكفر.
و (حُسناً) : يحتمل أن ينتصب على المفعول، وفي ذلك تجوُّز، ويسهِّلُه كونه عامّا لمعان، كما تقول: وصيتك خيراً، ووصيتك شرًّا، عَبّر بذلك عن جملة ما قلت له، ويحسن ذلك "دون حرف الجر في قوله: بوالديه، لأن المعنى: ووصينا الإنسان بالحسنى في فِعله مع والديه.
والجمهور على ضَمِّ الحاء وسكون السين.
وقرئ "إحساناً"، ويحتمل أنْ يكونَ مصدرا من معنى وصَّيْنَا، أي وصينا وصية حسنة، وعَبّر عن أمر الوالدين بالجهاد مبالغة، فمن أمره أحَدُ أبويه بفعل شيء فيه رضا الله، فيقدم أمرهما إذا لم يخل بشيء من طاعة الله، فإن أخَلَّ فأمْرُ الله مقدم، إذ لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق.
وإنما قال في هذه السورة: (لتشْرِكَ) ، لأنه وافَق ما قبله
لفظاً، وهو قوله: (ومَنْ جاهد فإنما يجَاهِد لنفسه) .
وفي لقمان محمول على المعنى، لأن التقدير وإن حملاك على أنْ تشرك.
وقيل: إن هذه الآية مبنية على الإيجاز، فناسب ذلك الاكتفاء باللام، وآية
стр. 1369
لقمان مبنية على الإطالة، فناسب ذلك التعدية بعلى، وإنما أمره بالرفق في آية لقمان بقوله: (وصَاحِبْهما في الدنيا مَعْروفا) ، لأن مبنى الآية
على الأمر بما يفعل بهما ومعهما من غير تقدّم مطلبٍ لهما، ووَجْه ختم هذه الآية بالرجوع إلى الله تحذير مِن طاعتهما في الشرك، وإبلاغٌ في النهي عن الصغْو إليهما في ذلك إلى الغاية لئلا يظَنّ أَن ذلك كآية الإكراه كما تقدم، ولما لم يقع في آية الأحقاف ذكر الشرك وكانت فيمن كان على الإيمان، وقد علم المؤمن رجوعه إلى ربّه، لم يَرِدْ فيها ذكر ذلك.
(وما يجْحَد بآياتِنَا إلا الكافرون) .
أي الجاحدون من كلّ أمة قد أمن سلفها في القديم والحادث، وأسند الجَحْد في هذه إلى الكافرين وفيما بعدها إلى الظالمين، فقيل، ليعمَّ لفطهما كلَّ مكذب بمحمد ﵊، ولكن عظم الإشارة بهما إلى كفار قريش، لأنهم الأهم.
فإن قلت: الظلم يصح إطلاقه على ما دون الكفر فلو ورد وَسْمهم أولاً
بالظلم، ثم ثانياً بالكفر لكان أنسب؟
والجواب: أنَّ الظلم وإن كان يطلق على الكفر وعلى ما دونه، قال تعالى:
(والكافِرونَ هم الظالمون) ، فإنه إذا ذكر بعد الكفر وصف به مَنْ وصف بالكفر لفَهْم زيادة تترتب على الكفر، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) .
وعلى هذا ورد في القرآن، فقد وضح ما وردت عليه هاتان الآيتان، وليس من المشكل في شيء.
(ولئن سأَلتهم مَنْ خلق السماواتِ والأرض) .
الضمير في الموضعين لأهل مكة والسؤال لإقامة الحجة على الكفار، لأنهم أقرّوا بأنه سبحانه هو الخالق لهذه المخلوقات العظيمة كما قدمناه في غير ما موضع، ولذلك أنكر الله عليهم جَحْد عبادته بقوله: (فأنَّى يؤفكون) .
أي يُصرَفون عن توحيده ومعرفته.
ووَجْه تعقيب هذه الآية بالإفك، والثانية بعدها
стр. 1370
بعدم العقل، وآية لقمان بكثرة الجهل وقلةِ العلم، لأن المراد منها
الاستدلالُ بهذا الْخَلق العظيم وما هو عليه من جليل التناسب، وإتقان الصنعة وإحكامها من غير تفاوت ولا فطور.
(والذين جَاهَدُوا فِينَا) .
يعني جهاد الأنفس في الصبر على إذاية الكفار، واحتمال الخروج عن الأوطان، وغير ذلك.
وقيل: يعني القتال، وذلك ضعيف، لأن القتال لم يكن مأموراً به حين نزول الآية.
(وإنَّ الله لَمَع الْمُحْسنين) .
أي بنصره ومعونته، وانظر كيف أكَّده بأن واللام ليعلمك أنه سبحانه لا يسلمه لمن أراده بسوء، وكيف لا وقد أكرمه الله بالمحبة بقوله: إن الله يحب المحسنين، والأمن: (ما عَلَى المحسنين مِنْ سبيل) ، وهو محسن.
والرحمة: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) .
فإن قلت: ما معنى الإحسان؟
فالجواب أن هذا المقام لم يحصل إلا لأرباب العقول.
وفي الحديث: " إن كتب الإحسان على كل شيء ".
والإحسان ثالث المقامات.
وقد فسره ﷺ بقوله: " أن تعبد الله كأنكَ تراه.
فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".
فيا ليت شعري، هل بقي منهم في هذا الرَّبْع أنيس به أو ملجأ يسند إليه! ما أرى النفوس إلا قد ماتت بحب الدنيا، ويا ليتنا نلْناها، والقلبُ مات مِنْ حبّ المولى، فمتى يحيا أهلُ الإحسان أحيا الله قلوبَهم بحبه، وأماتوا نفوسهم من حبّ ضده، ونحن على الضد.
قيل لحاتم الأصم: ما علامةُ حياة القلب؟
قال: وجْدَان اللذة من الطاعة، ووجدان الألم من المعصية، فَزِنْ بهذا الميزان نَفْسك وقَلْبك يتضح لك ما ذكرت.
قال حاتم الأصم: نفس المؤمن ضيعته، وقلبه أرضه، والإخلاص ماؤه، والحكمة بذْره، والشهوات حشيشته التي تغيره، والعبودية غلّته، والدنيا سفَرةه، والأيام منازله، والقيامة سوقه، والملك مشتراه، والجنة ثمنه، فنحن بعْنا ونقضنا، (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) .