← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

والتهاون والاستكبار، قال تعالى: (وكنْتُم منهم تضْحكون) . (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) . (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) . وقد أخبر اللَه عن نوح أنه قال: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) . وهذه كلها موجودة فينا، وما خفي عن الخلق أكثر، اللهم لا تؤاخذنا بذنوبنا. (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا) : هذا الضمير لكفار قريش، لأنهم كانوا يفخرون بالأموال والأولاد على الضعفاء من المؤمنين، ويسخرون منهم لقلة ما أعطوا من الدنيا، فأخبرهم اللهُ أنَّ ما أعطوا منها إنما هو متَاع قليل وزينة وتفاخر يشغل بها كالصي تُعْطيه أمّه خشاشة تَشغله عنها، ولو علم الله فيهم خيراً لتَنبهوا لِمآلها، لكن الله طمس بصائرهم، وأكبّوا عليها، وليس العجب منهم، وإنما العَجَبُ منكم، حَضً الله رسوله على الفرار منها، والإعراض عنها، فلم تزيدوا إلا طغيانا وكفراً، ولو لم يقع الحض على الفرار منها لكان الواجب عدم الالتفات إليها لما نرى من سرعة تقلبها، يقول الله تعالى في بعض الكتب المنزلة: " طلبتُ من خَلْقي الطاعةَ لي، والزهادة في أعدائي، فلم يفعلوا، ثم طلبت منهم إعانةَ الزهاد من أهل طاعتي فلم يفعلوا، فقلت لهم: ارضوا عنهم فلم يفعلوا، فقلت لهم: لا تمنعوهم منها إذاً، فمنعوهم. فقلت لهم: لا تدعوهم إلى ما لا يُرضيني، ولا تعادوهم عليها، إن لم يتابعوكم، ففعلوا وصاروا عندهم أنْتن من جيفة حمار، فكيف أقدّس أمة هذه أفعالهم! " اللهم اعف عنّا بفضلك. فإن قلت: ما وَجْه زيادة الزينة في هذه الآية على آية الشّورى؟ والجواب لتقدم ذكرها في قوله تعالى: (فخرج على قومه في زِينته) ، فالتحمت الآية بتلك القصة، ولم يرد في سورة الشورى من

стр. 1367

أولها إلى آخرها ذكر حال دنيوي لأحد، بل تضمَّنت حقارةَ الدنيا ونزارة رزقها، وأنه مقدور غير مبسوط، وتلك حال الأكثر. وقيل في الجواب غير هذا حذفناه لطوله. (ويوم يناديهم فيقول أيْن شركائي الذين كنْتم تَزْعمُون) : قد قدمنا أن هذا النداء من الله تعالى قديم متعلق بالذات القديمة، وإنما يسمعهم اللَّهُ ذلكَ الخطابَ من غير واسطة مبالغةً في توبيخهمِ وتعذيبهم، ولذلك أدخل فيه همزة الاستفهام ونَسب الشُّرَكاء تعالى إلى نفْسه على زَعْمهم. والمجيبون بقولهم: (قال الّذين حَقَّ عليهم القَوْلُ) ، هو كل مقولٍ داعٍ إلى الكفر من الجن والإنس، والنداء إنما وقع للتابعين والمتبوعين، لكن لما كان السؤال مسكتا لهم مبْهتاً فكأنه لا تعلّق لجمهور الكفرة إلا بالمغوين لهم والرؤوس والأعيان منهم، فلذلك سارعوا إلى الجواب طمعاً في التبري من متبعيهم، وفي هذا الموطن صدر منهم الإقرار بربوبيته تعالى، إذ هو موطن ظهورِ الحق وانكشافه. فإن قلت: قد قلتم إنَّ دعاء الشركاءَ على جهة التعجيز، والمشركون يعلمون أنَّ الشركاء لا يجيبون، لأن الموطن ظهورُ الحق وانكشافُ الأمورِ فلم دَعَوا شركاءهم؟ والجواب: ليظهر عَجْرهم عن إجابة الدعوة على رؤوسِ الأشهاد، وتقوم عليهم بذلك الحجة، فسبحانه ما أعظمه من لطيف يحبّ المعاذير وإظهار الحق، ينطق الجمادات والجوارح على المخلوقات حتى لا يجد الإنسان فراراً من قضائه وقيام الحجة عليه. فإن قلت: كيف الجمع بين قولهم: (أغْوَيْنَاهم) ، وبين قولهم: (تبرَّأنا إليك) ، فإنهم اعترفوا بإغوائِهم وتبرَّأوا مع ذلك منهم؟ والجواب أنَّ إغواءهم لهم هو أَمْرهم لهم بالشرك. والمعنى أنا حملناهم على

стр. 1368

الشرك كما حملنا أنفسنا عليه، ولكن لم يكونوا يعبدوننا، وإنما كانوا يعبدون الأصنام وغيرها، فتبرَّأنا إليك من عبادتهم لنا، فتَحصَّل من كلام هؤلاء الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم أغْوَوا الضعفاء وتبرءُوا من أن يكونوا هم آلهتهم، فلا تناقض في الكلام. (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) . اختلف في سبب نزول هذه الآية على أقوال، والظاهر منها عمومها فيمن كان بمكة من المؤمنين يشْقَى بجهاد أبويه في شأن الإسلام أو الهجرة، فكان القصد بهذه الآية النهي عن طاعة الأبوين في مِثْلِ هذا لعظم الأمْر، وكثرة الخطر فيه، مع الله تعالى، ثم إنه لما كان بِرّ الوالدين وطاعتهما من الأمر الذي قَررَتْه الشريعة، وأكدت فيه، وكان من القوي عندهم الملتزم قدَّم الله تعالى النهي عن طاعتهما في قوله تعالى: (ووصينا) على معنى أنا لا نخلُّ ببر الوالدين، لكنا لا نسَلط على طاعة الله تعالى، لا سيما في معنى الإيمان والكفر. و (حُسناً) : يحتمل أن ينتصب على المفعول، وفي ذلك تجوُّز، ويسهِّلُه كونه عامّا لمعان، كما تقول: وصيتك خيراً، ووصيتك شرًّا، عَبّر بذلك عن جملة ما قلت له، ويحسن ذلك "دون حرف الجر في قوله: بوالديه، لأن المعنى: ووصينا الإنسان بالحسنى في فِعله مع والديه. والجمهور على ضَمِّ الحاء وسكون السين. وقرئ "إحساناً"، ويحتمل أنْ يكونَ مصدرا من معنى وصَّيْنَا، أي وصينا وصية حسنة، وعَبّر عن أمر الوالدين بالجهاد مبالغة، فمن أمره أحَدُ أبويه بفعل شيء فيه رضا الله، فيقدم أمرهما إذا لم يخل بشيء من طاعة الله، فإن أخَلَّ فأمْرُ الله مقدم، إذ لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق. وإنما قال في هذه السورة: (لتشْرِكَ) ، لأنه وافَق ما قبله لفظاً، وهو قوله: (ومَنْ جاهد فإنما يجَاهِد لنفسه) . وفي لقمان محمول على المعنى، لأن التقدير وإن حملاك على أنْ تشرك. وقيل: إن هذه الآية مبنية على الإيجاز، فناسب ذلك الاكتفاء باللام، وآية

стр. 1369

لقمان مبنية على الإطالة، فناسب ذلك التعدية بعلى، وإنما أمره بالرفق في آية لقمان بقوله: (وصَاحِبْهما في الدنيا مَعْروفا) ، لأن مبنى الآية على الأمر بما يفعل بهما ومعهما من غير تقدّم مطلبٍ لهما، ووَجْه ختم هذه الآية بالرجوع إلى الله تحذير مِن طاعتهما في الشرك، وإبلاغٌ في النهي عن الصغْو إليهما في ذلك إلى الغاية لئلا يظَنّ أَن ذلك كآية الإكراه كما تقدم، ولما لم يقع في آية الأحقاف ذكر الشرك وكانت فيمن كان على الإيمان، وقد علم المؤمن رجوعه إلى ربّه، لم يَرِدْ فيها ذكر ذلك. (وما يجْحَد بآياتِنَا إلا الكافرون) . أي الجاحدون من كلّ أمة قد أمن سلفها في القديم والحادث، وأسند الجَحْد في هذه إلى الكافرين وفيما بعدها إلى الظالمين، فقيل، ليعمَّ لفطهما كلَّ مكذب بمحمد ﵊، ولكن عظم الإشارة بهما إلى كفار قريش، لأنهم الأهم. فإن قلت: الظلم يصح إطلاقه على ما دون الكفر فلو ورد وَسْمهم أولاً بالظلم، ثم ثانياً بالكفر لكان أنسب؟ والجواب: أنَّ الظلم وإن كان يطلق على الكفر وعلى ما دونه، قال تعالى: (والكافِرونَ هم الظالمون) ، فإنه إذا ذكر بعد الكفر وصف به مَنْ وصف بالكفر لفَهْم زيادة تترتب على الكفر، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) . وعلى هذا ورد في القرآن، فقد وضح ما وردت عليه هاتان الآيتان، وليس من المشكل في شيء. (ولئن سأَلتهم مَنْ خلق السماواتِ والأرض) . الضمير في الموضعين لأهل مكة والسؤال لإقامة الحجة على الكفار، لأنهم أقرّوا بأنه سبحانه هو الخالق لهذه المخلوقات العظيمة كما قدمناه في غير ما موضع، ولذلك أنكر الله عليهم جَحْد عبادته بقوله: (فأنَّى يؤفكون) . أي يُصرَفون عن توحيده ومعرفته. ووَجْه تعقيب هذه الآية بالإفك، والثانية بعدها

стр. 1370

بعدم العقل، وآية لقمان بكثرة الجهل وقلةِ العلم، لأن المراد منها الاستدلالُ بهذا الْخَلق العظيم وما هو عليه من جليل التناسب، وإتقان الصنعة وإحكامها من غير تفاوت ولا فطور. (والذين جَاهَدُوا فِينَا) . يعني جهاد الأنفس في الصبر على إذاية الكفار، واحتمال الخروج عن الأوطان، وغير ذلك. وقيل: يعني القتال، وذلك ضعيف، لأن القتال لم يكن مأموراً به حين نزول الآية. (وإنَّ الله لَمَع الْمُحْسنين) . أي بنصره ومعونته، وانظر كيف أكَّده بأن واللام ليعلمك أنه سبحانه لا يسلمه لمن أراده بسوء، وكيف لا وقد أكرمه الله بالمحبة بقوله: إن الله يحب المحسنين، والأمن: (ما عَلَى المحسنين مِنْ سبيل) ، وهو محسن. والرحمة: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) . فإن قلت: ما معنى الإحسان؟ فالجواب أن هذا المقام لم يحصل إلا لأرباب العقول. وفي الحديث: " إن كتب الإحسان على كل شيء ". والإحسان ثالث المقامات. وقد فسره ﷺ بقوله: " أن تعبد الله كأنكَ تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". فيا ليت شعري، هل بقي منهم في هذا الرَّبْع أنيس به أو ملجأ يسند إليه! ما أرى النفوس إلا قد ماتت بحب الدنيا، ويا ليتنا نلْناها، والقلبُ مات مِنْ حبّ المولى، فمتى يحيا أهلُ الإحسان أحيا الله قلوبَهم بحبه، وأماتوا نفوسهم من حبّ ضده، ونحن على الضد. قيل لحاتم الأصم: ما علامةُ حياة القلب؟ قال: وجْدَان اللذة من الطاعة، ووجدان الألم من المعصية، فَزِنْ بهذا الميزان نَفْسك وقَلْبك يتضح لك ما ذكرت. قال حاتم الأصم: نفس المؤمن ضيعته، وقلبه أرضه، والإخلاص ماؤه، والحكمة بذْره، والشهوات حشيشته التي تغيره، والعبودية غلّته، والدنيا سفَرةه، والأيام منازله، والقيامة سوقه، والملك مشتراه، والجنة ثمنه، فنحن بعْنا ونقضنا، (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) .

стр. 1371

أمَا علمتَ أنَّ من أحبَّ شيئاً طلبه، ومن طلبه وجده، ومن خاف من شيء هرب منه، ومن أراد سفراً اهتَمَّ له، ومَنْ أحبّ اللحوقَ بقوم اقتدى بفعالهم، وسلك سَبِيلَهم، ومَنْ فَضل قوماً بالعلم يحق أن يفْضُلهم بالعمل، ونحن لا عِلْمَ ولا عمل، فإن للهِ وإنا إليه راجعون! أشْمَتْنا أهْلَ الآخرة من أحبابنا، وأرضينا الشيطانَ عدوَّنا، فمن رأى مصرعي فليبك معي. (وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) : يعني كلما عظم خلق الإنسان في بطن أمه زادها ضَعْفاً على ضَعْفها. (ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ) : الخطاب لرسول اللهِ ﷺ ، أمره الله بعدم الاضطراب لكلام الكفار، وقولهم القبيح. (وإذْ أخَذْنا مِن النبِيِّين ميثاقَهم) : أي أخذْنَا عليهم الميثاقَ بتبليغ الرسالة إلى الْخَلْق وتعليم الشرائع. وقيل أخذ الميثاق يوم: (ألَسْتُ بربكم) . والأول أرجح، لأنه هو المختصُّ بالأنبياء. (وَقُلْنَ قولا مَعْروفاً) : الخطاب لأمهاتنا وأزواج سيدنا ﷺ ، نهاهن اللهُ عن الكلام اللّين الذي يُعجب الرجال ويُميلهم إلى النساء، أو الذي ليس فيه شيء مما نهى عنه، ويعم جميع الأمة لان اللهَ أمر بالاقتداء بهنَّ. (وَطَرًا) : حاجة، يعني لمَّا لم يبق لزيد حاجةٌ في زينب زوَّجناكها. وقد قدمنا قِصتها في حرف الزاي. (وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) : يعني الكتب المتقدمة، كالتوراة والإنجيل، وإنما قال هذه المقالة حين وقع الاحتجاج بما في التوراة من ذكْرِ محمد ﷺ ، ولا يلتفت لمن قال بين يديه يوم القيامة، لأن الذي بين يَدي الشَيء هو ما يتقدمُ عليه. (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) : أهل الأرض كلهم من

стр. 1372

ذرية نوح، لأن الله أمات مَنْ نجا معه في السفينة، وتناسلت الْخَلْق من سام وحام ويافث. (وتَرَكْنَا عليه في الآخِرِين) : معناه أبقَيْنَا له ثناء جميلاً في الناس، فيقال له آدم الأصغر. وقد قدمنا أنَّ اللهَ أمره بالدعوة إلى التوحيد، وأرسله إلى الناس كافّة، وعُمر ما لم يعمر غيره، وقرنه اللهُ بالذكر مع نبينا في قوله: (ومنك ومن نوح) . (ولا تُبْطِلُوا أعمالَكم) . أي بالكفر بعد الإيمان، وقيل بالرياء والعُجب. وقيل: لا تبطلوا أعمالكم بأن تقطعوها قبل تمامها. وبهذه الآية استدل الفقهاء على وجوب النافلة، وهو بعيد. وأبعد منه مَنْ قال لا تبطلوا حسناتكم بفعْلِ السيئات، وهذا مذهبُ معتزليّ، لأن السيئات لا تبطل الحسنات. والأول أظهر. لقوله قبل ذلك في الكفار والمنافقين: (وسيُحْبِطُ أعمالَهم) ، فكأنه قال: يا أيها المؤمنون لا تبطلوا أعمالكم مثْلَ هؤلاء الذين أحبط اللهُ أعمالهم بكفرهم وصدِّهم عن سبيل الله، ومشاقَّتهم للرسول. (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا) . يعني فتح مكة. وقيل بلاد فارس والروم. وقيل مغانم هوازن في حُنَيْن. والمعنى لم تقدروا أنتم عليها قد أحاط اللهُ بها ووهبها لكم وذكَّرَهم بالنعم ليشكروا عليها. وإعراب أخرى معطوف على (عَجَّل لكم هذه) ، أو مفعول بفعل مضمر تقديره أعطاكم أخرى، أو مبتدأ. (وبالأَسحارِ هم يَسْتَغْفِرونَ) : قد قدمنا أن الاستغفار يُطلق على الصلاة، والمراد هنا الاستغفارُ، هو طَلبُ المغفرة للذنوب. وقد ذكرْنَا مراراً أن الله يقول في هذا الوقت: هل من مستَغْفِرٍ، هل مِنْ دَاع، هل من تائب، ولَمَّا أكرم اللَّهُ خمسة من الأنبياء بخمسٍ: ليلة نُودِي موسى من الشجرة، وليلة النجاة للوط، (نجيناهم بسَحَر) .، وليلة المغفرة

стр. 1373

ليعقوب، (سوفَ أستغْفِرُ لكم رَبّي) . وليلة المعرفة للخليل: (فلما جَنَّ عليهِ الليلُ) ، وليلة المؤانسة والمحبة: ليلة الإسراء: (سبحان الذي أسْرَى بعَبْدِه) ، أكرمك الله يا محمديّ بسحر كلِّ ليلة تنَاجِي فيها ربَّك، فقمْ على قدَم الاعتذار كاشفَ رأس الافتقار. مخاطبا بلسان الفقر والاضطرار، ملقياً عن ظهَرك حمل السيئات والأوزار، مقنَّعاً بقناع الرجاء والندم والاستففار: إن لم تغفر لي فمَنْ يغفر لي! إن لم تتبْ عليَّ فمن يتوب علي، إن لم ترحمني فمن يرحمني إذا غضبتَ عليَّ؟ ومَنْ يأويني إذا أعرضتَ عني، أنتَ العزيز، وأنا الذليل، أنتَ الغنيّ وأنا الفقير، وأنْتَ القويُّ وأنا الضعيف، وعزتِك ما يزيد في خزانتك ما منعتني، ولا ينقص منها ما أَعطيتني، إن تعف عني فأنْتَ أهل لذلك، وإن تعاقِبْني فبِمَا قدمت يدايَ، وما أنت بظالم للعبيد. فيا أكرم مَنْ أقرَّ له بذنب، ويا أعزّ مَنْ خضِع له بذلٍّ. بكرمك أقررتُ لكَ بذنبي، بعزّتك خضعْت لك بذلّي، فلك الْمنَّة عليَّ يا مَنْ قلَّ له شكري فلم يحرمني، ويا مَنْ قل له صَبْري فلم يَخْذلني، ويا من تقويت بنعمته على المعاصي فلم يعاقبني، ويا مَنْ رآني على الخطايا فلم يفْضَحْني، أقِلْ عثرتي بِجَاهِ نبيك الكريم عليك ﷺ . (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ) : هذا الضمير عائد عليه ﷺ . وقرئ بالمحفض والنصب في السبع، فأما الخفض فهو معطوف على لفظ (الساعة) ، ويحتمل أن يكون معطوفاً على قوله (بالحق) . وأما النصب فهو معطوف على: (سرَّهم ونجْوَاهم) . وقيل هو معطوف على موضع الساعة، لأنها مفعول أضيف إلى المصدر. وقيل معطوف على مفعول: (يكتبون) . وهو محذوف تقديره يكتبون أقوالهم، وقيله. وقرئ في غير السبع بالرفع على أنه مبتدأ: وخبره ما، بعده. وضَعّفَ الزمخشري ذلك كلَّه، وقال: إنه من باب القسم، فالنصب والخفض على إضمار حرف القسم، كقولك: الله لأضربنَّ زيداً. أو الرفع كقولهم: أيم الله، ولعمْرك، وجواب القسم - قوله (إنَّ هؤلاء قوْمٌ لا يؤمنون)

стр. 1374

كأنه قال: أقسم بقيله يارب إنَّ هؤلاء قوم لا يؤمنون. (وفي السماءِ رِزْقكم وما توعَدون) . أي من الوعد أو الوعيد، أو الجنة أو النار. أو الخير أو الشر. قال ابن عباس: لا أعلم في السماء رِزْقاً غير المطر، وهو كذلك، لأن المطر أصلٌ للرزق، والماء الذي في الأرض منه، فلو انقطع المطر انقطع الرزْق. (وفي أموالهم) : معطوف على قوله: (في جنات) ، أو على (آتاهمْ رَبُّهم) ، أو تكون الواو للحال. (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) . بالبناء للمفعول، فعلى هذا يراه الْخَلْقُ يوم القيامة، أو يراه صاحبه الذي فعله، وهو الأصح، لأن الله يضَع ستره عليه حين قراءته، لقوله بعد ذلك: (ثم يُجْزَاهُ الجزاءَ الأوْفى) . (وَرْدَةً كالدِّهَان) . ذكر الجواليقي أنها غير عربية. ومعناه أحمر كالوردة، وقيلَ هو من الفرس الورد. (ولِمَنْ خافَ مقامَ رَبِّه جنَّتَان) . أي القيام بين يديه للحساب. ومنه: (يَوْمَ يقوم الناسُ لربِّ العالمين) . وقيل قيام الله بأعماله، ومنه: (أفَمَنْ هو قائمٌ على كل نَفْسٍ بما كسَبتْ) . وأفهم المقام، كقولك: خفْت جانبَ فلان. واختلف هل الجنّتان لكل خائف على انفراد، أو لصنف الخائفين، وذلك مبنيّ على قوله: لمنْ خاف، هل يُراد به واحد أو جماعة، وقال الزمخشري: إنما قال جنتان لأنه خطاب الثقَلَيْن، فكأنه قال جنة للإنس وجنّة للجن، والأَظهر هنا قول الصوفية: إنها جنَّة معجلة وهي التلذّذ بمناجاتهم مع مولاهم، وهي ألذّ عندهم من كل نعيم، وجنة مؤجّلة وهي المعلومة. فإن قلت، ما معنى الحديث: إذا مات المؤمن أعطي نصف الجنة، وهل هو موافق للآية؟

стр. 1375

والجواب معناه نصف جنّته المدخرة له، فيفتح له في قبره مِنْ ريحها ونعيمها. والتلذذ برؤيتها. وقد وافق الآية، ولا مضادة بينهما، وقد وصف الله الجِنَان في الواقعة، والرحمن، وهل أتاك حديث الغاشية، وهل أتى على الإنسان، وبَيَّن ذلك سيدنا ومولانا محمد ﷺ أوْضَح بيان. قال ابن عباس ترجمان القرآن: الجنات سبع: دار الجلال، ودار السلام، وجنة عَدن، وجنة المأوى، وجنة الْخُلد، وجنة الفِرْدوس، وجنة النعيم. وفي بعض الروايات ثمان، وذكر دار القرار. وقيل الجنان أربع، لأنه ذكر أوَّلاً جنتان، ثم قال بعد: (ومِنْ دُونِهما جَنَّتَان) . ولم يذكر جنةً خامسة. فإن قلت: قد قال تعالى: (عندها جَنَّةُ الْمَأوَى) ؟ والجواب: أنَّ جنة المأوى اسم لجميع الجِنَان، يدلّ عليه قوله تعالى: (فلهم جَنَّاتُ الْمَأوى نزُلاً بما كانوا يعملون) . والجنة اسم الجنس، فمرة يقال جنة، ومرة يقال جنات، فكذلك جنات عَدن، وجنة عدن. (وقعت الواقِعَة) : اسم من أسماء القيامة، وقد قدمنا جملة أساميها، وهي الواقعة، الصيحة، وهي النفخة في الصور، وقيل الواقعة صخرة بيت المقدس تقَعُ يومَ القيامة، وهذا بعيد. (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ) . هو المغلوب عليه بحيث لا يقدر عليه. ونبدِّل أمثالَكم معناه نهلككم ونستبدل قوماً غيركم. وقيل نمسخكم قردة وخنازير. (ونُنْشِئَكم) : معناه نبعثكم بعد هلاكِكم. (في مَا لاَ تَعْلمون) . أي في خِلقة لا تعلمونها على وَجْهٍ لا تصلُ عقولكم إلى فَهْمه. ومعنى الآية أن الله قادر على بَعْثهم بعد هلاكهم، ففيها تهديد واحتجاج على البعث.

стр. 1376

(وكلاَّ وَعَد الله الحُسْنى) : أي كل واحد من الطائفتيْن الذين أنْفَقُوا وقاتلوا قَبْل الفتح وبعده. (وغَرَّتْكم الأمانِيُّ) . الإشارةُ إلى الكفار والمنافقين، وذلك أنهم كانوا يتمنَّوْنَ وفاةَ النبي ﷺ وأصحابه، أو هزيمتهم، إلى غير ذلك من الأمانيّ الكاذبة. (وَلاَ يكونوا كالذين أوتوا الكتابَ من قَبْلُ) : معطوفة على (أن تخْشع) . ويحتمل أن يكون نَهْياً. والمراد بها تحذيز المؤمنين من أن يكونوا كالمتقدمين من اليهود والنصارى في طول أملهم وقسوة قلوبهم. وقد وقعنا فيما حذِّرنا منه، فلا يخفاك ذلك، وإن طول الأمل يقَسّي القلب، ويُبْعد عن الآخرة، ويكثر الحرص، ويقلُّ القناعة، وهذه موجودة فينا ظاهراً وباطناً. قال ﷺ : " لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ ". وهل هذا كلّه إلا مِن خلطتهم والتقرب منهم، لأن المرء على دِين خَليله. وانظر حكاية المحمدي في زمان معاوية لما أن ألْقَتِ الريح مركبهم في جزيرة من جزائر. . . نزلوا في البر، فأتى ملكهم وعليه كساء ملبّد ورجلاه حافيتان عاري الرأس، فنزل معهم، وقال: ما لكم أيها العرب تطَئُون القمح والشعير تحت أقدامكم، وتغلفون سيوفكم بالذهب والفضة، وتتزيّون بزي اليهود والنصارى في أواني الذهب والفضة، فقال أحدهم: هذا كله من مخالطتهم. فقال: اذهبوا عني لئلا يصيبني ما أصابكل، وزوَّدَهم وأمرهم بالانصراف. فقال له أحدهم: أنْتَ ملك هذه الجزيرة، وأنت على هذه الهيئة، فقال: يحقَّ لمن رفعه الله بالنعمة أن يَزْدَاد تواضعاً، وإني قد ملكني اللَّهُ أهْلَ هذه الجزيرة فيحقّ لي ألاَّ أتكبّر عليهم، ثم انصرف عنهم وتركهم. (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) : ضمير الجمع

стр. 1377

يعود على اليهود والنصارى، لأنهم كانوا يحيّونه بقولهم: السامُ عليك يا محمد. فيرد عليهم بعليكم. (ويقولون في أنفسهم لولا يُعَذبُنَا الله بما نَقول) : يعني قولهم: لو كان نبيّاً لعذَّبنَا الله بإذايته، فقال الله: (حَسْبُهم جهنّم يَصْلَوْنها فبئْسَ الْمَصير) . (ولا نُطِيع فيكم أحداً أبداً) . أي لا نسمع فيكم قول قائل، ولا نطيع من يأمرنا بخذْلاَنكم، ثم كذّبهم الله في هذه الواعد التي وعدوا بها. فإن قلت: كيف قال: (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ) بعد قوله: (لَا يَنْصُرُونَهُمْ) ؟ والجواب: يعني على الفرض والتقدير، أي لو فرضنا أن ينصروهم لوَلَّوا الأدبار. (وأحْصُوا العِدَّةَ) : أمر بذلك لما يَنْبَني عليها من الأحكام في الرجعة والسكنى والميراث وغير ذلك. (وأشْهدُوا ذَوَيْ عدْل منكم) : هذا خطابٌ للأزواج، والإشهادُ المأمور به هو على الرجعةِ عند الجمهور وقد اختلف فيه: هل هو واجب أو مستحبّ على قولين في المذهب. وقال ابن عباس: هو الشهادة على الطلاق وعلى الرجعة، وذلك أظهر، لأن الإشهادَ يرفع الإشكال والنزاع، ولا فَرْق في هذا بين الرّجْعَه والطلاق. ويفْهم من الآية أنه لا يشهد إلا من المسلمين والرجال. وقيل من الأحرار، فيؤخذ من ذلك ردُّ شهادة العبيد. (وأقيموا الشهادةَ للَه) : يحتمل أن يريدَ به القيام بها، فإذا استشْهد وجب عليه أنْ يَشهد، وهو فَرْض كفايةٍ، وإلى هذا المعنى أشار ابن الغرس. ويحتمل أن يريد إقامتها بالحق دون مَيْل ولا غَرض، وبهذا فسره

стр. 1378

الزمخشري، وهو أظهر، لقوله: (لله) ، فهو كقوله: (كونوا قَوَّامِين بالقِسْطِ شهَداء للَه) . واختلف في أخذ الأجرة عليها وعلى كتب الوثائق. والمشهور عدم الجواز. أما من انتصب لها وترك التكسُّب المعتاد لأجلها فجائز له أخْذ الأجرة عليها. وإلا لم يجد الإنسان مَنْ يشهد له بيسير، وأخذها ممن يحسن كتب الوثيقة كتاباً وعبارة على كتبه وشهادته لا يخْتَلف فيه ويكون له أخْذ الأجرة بما اتَّفقا عليه مِن قبل. وروي أن بعض الشيوخ أهدى له صِهْرُه أبو زوجته الفقيه أبو علي بن القداح لبناً فشَربه، ثم اجتمع به بعد ساعة من شربه فتحدثا، فأخبره صِهْرُه أنَّ ذلك اللبن أهداه له فلان بعض الشهود الذين يأخذون الأجْر في شهادتهم، فقام وقاء ذلك اللبن، هكذا كانت حالهم ﵃، ونحن على الضد منهم، فأين حالنا من حالهم، نأخذ على كتب الوثائق ما لا يجوز، ونَدعي أنه أجرة على الكتب، وهل هذا إلا مِن تحليل ما حرَّم الله، ورضي الله عن الشيخ الأبيِّ أبي القاسم حيث قال: لأن تغزو على بلاد المسلمين، وتأخذ متاعهم ورقابهم وتبيعه خير من أخذ الأجرة على كتب الشهادة. وصدق لأن الغازي يعتقد التحريم فتجد قَلْبَه منكسراً، والله عند المنكسرة قلوبهم، والكاتب يدَّعي أنه حقّه، فصاحبُ المكس أفضل منه لما ذكرناه، فبالله أيها الأخ تعال نَنْدب على أنفسنا فيما وقع منا لعلنا تهبّ علينا نفحات القبول، والله المعين على ما نقول. (ويُدعَوْن إلى السُّجُودِ) : قد قدمنا تفسيره. (واهِيَة) . أي مسترخية ساقطة القوة، ومنه قولهم: دار واهية، أي ضعيفة الْجُدْران. (وَتِين) . عِرْق متعلق بالقلب إذا انقطع مات صاحبه. (وبيلا) : مفعول به، وناصِبُهُ (تتقون) ، أي كيف تتقون يوم القيامة وأهوالَه إنْ كفرتُم. وقيل هو مفعول به على أن

стр. 1379

يكون كفرتم بمعنى جحدتم. وقيل هو ظرف، أي كيف لكم بالتقوى يوم القيامة. ويحتمل أن يكون العاملُ فيه محذوفاً تقديره: اذكروا. وقوله: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) . أي اليوم الذي تنفطر السماء بشدة هوْلِه، ويحتمل أنْ يعودَ على الله، أي تنفطر بأمره وقُدْرته. والأول أظهر. والسماء مؤنثة، وجاء (مُنْفَطِرٌ) بالتذكير، لأن تأنيثها غير حقيقي أو على الإضافة. (وَزَر) : ملجأ، بالنبطية. (وهَّاجاً) : وقاداً شديد الإضاءة. وقيل الحار الذي يضطرم من شدَّة لهبه. (واجفة) : شديدة الاضطراب. والوَجيف والوَجيب بمعنى واحد. وارتفع (قلوب) ، بالابتداء وواجفة خبره. وقال الزمحشري: واجفة صفة والخبر (أبصارها خاشعة) . (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) : هذه الآية مُخْبرة أنَّ السماوات في انقيادها لله حين يريدُ انشقاقَها تفعلُ فعْلَ الْمِطْوَاع الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المطاع أنْصَتَ له وأذْعَن ولم يمتنع، كقوله: (أتَيْنا طائعين) ، فجميعُ المخلوقات منقادَةٌ لخالقها إلا نحن، قال تعالى: " أوحيت إلى البحر أن انفلق لموسى، فبات يضطرب من خَوْفي تلك الليلة، وأنتم خاطبْتُكم بكلامي وأمرتكم بأوامري فلم تمتثلوا، قلوبُكم كالحجارة أو أشدُّ قسوة ". فإن قلت: ما فائدة تكرير هذه الآية في هذه السورة؟ فالجواب: أن كلَّ واحد من الإخبارَيْن معقباته غير ما أخبر به الآخر. فالأول إخبار عن السماء في طاعتها وانقيادِها، والآخر إخبار عن الأرض بمثل ذلك، وأنَّ كلّ واحدة منهما سمعَتْ وانقادت فانفطرت السماءُ وتشقّقت، وانتثرت نجومها، وانقادت وأُزيلت الجبال عن الأرض فامتدَّتْ وألقَتْ ما تحمله من الأموات، وغير ذلك مما استودعته من المعادن والكنوز، وتخلّتْ عنها

стр. 1380

سامعةً مطيعة، وإن كان الإخبار الأول عن السماء والآخر عن الأرض فلا تكرار. (والليلِ وما وَسَق) ،: أقسم اللهُ بالليل وما جمع فيه لأنه يضمُّ الأشياء ويسترها بظلامه. ومنه الوَسْق. (والقمر إذا اتَّسَقَ) ، أي امتلأ نوره، مشتق من الوَسْق. (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) . الضمير عائد على النار، يعني أنَّ من تنفعه الذكرى وتؤَثّر فيه لا تحرقه النار الكبرى، وسماها بذلك بالنظر إلى نار الدنيا وقيل بالنظر إلى غيرها من نار جهنم، فإنها تتفاضَلُ بالنظر إلى مَنْ فيها، وكِلاَ القولين صحيح، إلا أن الأوَّل أظهر للحديث: " ناركم هذه التي توقد جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم. ونزلت الآية في الوليد بن المغيرة، أو عُتبة بن ربيعة، وضمير المفعول للذكرى. (وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) . أقسم اللهُ بهذه المخلوقات. وقد أكثر علماؤنا ﵃ الأقوالَ فيها، فقيل: إن الفجر الصبح، وقيل بانفجار الماء من أصابع نبينا ومولانا محمد ﷺ ، وقيل بانفجار الصخرة، وإخراج الناقةِ لقوم صالح، وقيل بانفجار دموع العاصين، وقيل بانفجار الموتى من القبور، وقيل بانفجار الملائكة من السماء في قوله: (يوْم تَشَقَقُ السماءُ بالغَمَامِ) ، وقيل بانفجار المعرفة من قلوب المطيعين، لقوله: (أفَمَنْ شَرحَ اللهُ صَدْرَه للإسْلاَم) ، وانفجار المعصية من قلوب العاصين، لقوله تعالى: (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) . وكذلك الليالي العشر، قيل: هي الليالي العشر من أول ذي الحجة، وقيل أوائل المحرم، وقيل أوائل رمضان، وقيل العشر المذكورة في قوله تعالى: (وأتممناها بعَشرٍ) . وقيل بالعشر الآيات

стр. 1381

المذكورة في قوله تعالى: (فأتُوا بعَشْرِ سوَرٍ مثله مفْتَريات) . وهذا بعيد لعدم دخول الليالي فيها. (تواصَوْا بالصَّبْرِ وتواصَوْا بالْمَرْحمة) . أى وصى بعضُهم بعضاً بالصبر على قضاء الله ورحمة المساكين وغيرهم من المخلوقات. وفي هذه الآية إشارةٌ إلى صبر المسلمين على إذايةِ الكفار، وعلى هذا فهي منسوخة بآية السيف. والظاهر أنها عامةٌ بالتحذير من الانزعاج والصبر على مَنْ أوذي من المسلمين، ورحمتهم بالدعاء لهم بالهداية والتوفيق. (والشمس وضُحَاهَا) . بالفتح والمد ارتفاع الضوء وكماله إلى الزوال، وقيل الضحى النهار كلّه، والأول هو المعروف في اللغة. (والقمر إذا تلاَها) . أى تبعها، والضمير للشمس، واتباعه لها بكثرة ضَوْئه، لأنه أضوأ الكواكب بعد الشمس ولا سيما ليلة البدر، أو يتبعها في طلوعه، لأنه يطلع بعد غروبها، وذلك في النصف الأول من الشهر، أو يتبعها في أخذه من نورها، لقوله تعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمَحَوْنَا آيةَ الليلِ وجعلنا آيةَ النهار مُبْصِرَة) . وقد صح أن جبريل مسحها فأذهب بعْضَ ضوئِها، وبهذا احتجت الشمس بتفضيلها على القمر. (والنهارِ إذا جَلاَّها) . أي كشفها وأظهرها، وضمير المفعول للشمس، وضمير الفاعل للنهار، لأن الشمس تنجلي بالنهار، فكأنه هو جَلاَّها. وقيل ضمير الفاعل للَه. وقيل: الضمير المفعول للظلمة أو للأرض أو للدنيا. وهذا كله بعيد، لأنه لم يتقدم ما يعودُ الضمير إليه. فإن قلت: النصب في (إذا) مُعْضل، لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة فتنصب بها فتخير في العطف على عاملين، وفي نحو مررت أمس بزيد واليوم عمرو. وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه؟ والجواب فيه: أنَّ واو القسم مطرح معها إبراز الفعل اطراحاً كلِّيًّا، فكان لها

стр. 1382

شأن حيث أبرز معها الفعل، وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادٌّة مسدَّهما جميعاً، والواوات العواطف نوائِب عن هذه الواو، فحقيقته: أن تكون عوامل على الفعل والجار جميعاً، كما تقول: ضرب زيد عمراً وبكر خالدًا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملها. (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) . هذا من إضافة الموصوف إلى الصفة. وقال الزمخشري: يجوز أن يعرب إعرابَ الجمع المذكر بالواو والياء. وأن يلزم الياء ويحرك النون بحركات الإعراب، وهذه أقسام، أقسم اللَّهُ بالتين والزيتون وبجبل الطور الذي كلَّم عليه موسى. والبلد الأمين، من الأمانة أو الأمن، لقوله: (اجْعَلْ هذا بلدًا آمِنًا) . وقد استجاب الله دعَاءه فجعله آمِنًا من كل شيء، لقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) . (واسجد واقْتَرِبْ) . أي تقرَّب إلى الله بالسجود، وهذه الآية موضع سجدةٍ عندنا خلافاً لمالكٍ. (والعادياتِ ضَبْحا) . اختلف في العاديات والمُوريات والمغيرات، هل يراد بها الخيل، وعلى هذا فهل هي خيل الْمجاهدين أقسمِ اللَه بها، أو الخيل على الإطلاق. وعلى القول بأنها الإبل اختلف هل هي إبل غزْوة بدر، أو إبل المجاهدين مطلقا، أو إبل الحاج، أو الإبل على الإطلاق. ومعنى العاديات التي تعدو في مَشْيها. والضَّبح: هو تصويت جَهير عند العَدْوِ الشديد ليس بصَهيل، وهو مصدر منصوب على تقدير: يضبحن ضَبْحاً، أو هو مصدر في موضعِ الحال، تقديره العاديات في حال ضَبْحها. والمورِيات من قولك: أوريت النارَ، إذا أوقدتها. وقد قدمنا أن القدح صكُّ الحجارة فيخرج منها شعلة نار، وذلك عند ضَرْب الأرض بأرجل الخيل أو الإبل. وإعراب (قَدْحاً) كإعراب (ضبحاً) . والمغيرات من قولك: أغارت الخيل إذا خرجت للإغارة على أعدائها.

стр. 1383

و (صبْحاً) : ظرف زمان، لأن عادةَ أهل الغارة في الأكثر أنْ يخرجوا في الصباح. (وَسَطْنَ به جَمْعاً) ، أي توسطن. واختلف هل المراد بالْجَمْع جَمْع الناس، أو المزدلفة، لأن اسمها جَمْع. والضمير المجرور للوقت، أو للمكان، أو للعدو، أو للنقع. وقد قدمنا معناه في حرف النون. (وإنه على ذلك لشَهيد) . معطوف على الإنسان، يعني هو شهيد على نفسه بكنوده. وقيل: هو الله تعالى، على معنى التهديد. والأول أرجح، لأنَّ الضمير الذي بعده للإنسان باتفاق، فيجري الكلام على نَسَقً واحد. (وإنه لحبِّ الْخَيْرِ لَشديد) . المعنى إنَّ الإنسان شديد الحبّ للمال، فهو ذَمّ لحبّه والحض عليه. وقيل الشديد البخيل. والمعنى على هذا إنه لبخيل لأجل حبِّ المال. والأول أظهر. (وحصِّل ما في الصدور) . أي جمع في الصحف وأظهر محصّلاً، أو ميّز خَيْرُه من شرِّه. (وآمَنَهمْ من خَوْف) . أي من خوف أصحاب الفيل، أو آمنَهم في بلدهم، أو في أسفارهم، لأنهم كانوا في رحلتهم آمنين لا يتعرَّض لهم أحَد بسوءٍ لبركة البيت، ويطلب منهم الدعاء لمجاورتهم له، وكان غيرهم تؤخذ أموالهم وأنفسهم. وقيل آمَنَهم من الجذَام والطاعون والدجال. قال الزمخشري: التنكير في (جوعٍ) و (خوفٍ) لشدتهما، ولا ترى مجذوماً بمكة. (وُسْعَها) . بضم الواو: طاقتها، وهذا إخبار من الله أنه لا يكلِّف النفسَ إلا طاقتها، ووقوع تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً عند الأشعرية محال عقلاً عند المعتزلة، واتفقوا على أنه لم يقَعْ في الشريعة.

стр. 1384

(والْمُوسِعِ) : الغني أي واسع الحال، وهو ضد المقتر. (وإنّا لمُوسِعون) : قيل أغنياه، وقيل قادرون. (وَارَى) يُواري، أي ستر، ومنه: (يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ) . و (مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا) . وتوارى، أي استتر واستخفى. (وَعَى) العلم يعني حفظه ومنه: (وتَعِيَها أذُنٌ وَاعِيةٌ) . قال ﷺ لما نزلت: اللهم اجعلها أذُنَ عليٍّ، فاستجاب الله له، وجعله البابَ لمدينة العلم، كما قال ﷺ : " أنا مدينةُ العلم وعلي بابها ". هذا ما خُصَّ به من الفضائل، وقد شهد الله في كتابه بإبراهيم في قوله: (وإبراهيم الذى وَفَّى، وقال فيه: (يوفونَ بالنّذْرِ) ، وبالخوف بالملائكة: (يخافون ربَّهم من فوقهم) . وقال فيه: (ويخافون يوماً كان شَرُّهُ مستطيراً) . وبالصبر بأيوب: (إنَّا وجَدْناه صابراً) . وقال: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) . وذكر الله أنه يطعم ولا يطعم، وقال فيه: (ويطعمون الطعامَ على حبِّه) . ولما نزلت: (يا أيها الذين آمَنوا إذا ناجَيْتم الرسولَ فقدِّموا بين يدي نَجْوَاكم صدقة) ، قال علي: كانت لي عشرة دراهم فتصدقت بها، وسألت النبي ﷺ عن عشر كلمات، ولم يعمل بهذه الآية غيري، ورفق الله بالأمة. قلت: يا رسول الله، كيف أدعو؟ قال: بالصدق والوفاء. قلت: ما أسأل الله؟ قال: العافية في الدارين. قلت: ما أصنع لنجاتي؟ قال: كلْ حلالاً وقلْ صدقاً. قلت: فما الحيلة؟ قال: تَرك الحيلة. قلت: فما أمر الله ورسوله؟ قال: الحق. قلت: فما الحق؟ قال: الإسلام والقرآن وولاية من انتهى إليك. قلت: فأين الراحة؟ قال: في الجنة. قلت: فما السرور؟ قال: الرؤية. قلت: فما العبودية؟ قال: إظهار الوفاء. قلت: فما الوفاء؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله.

стр. 1385

وأما أوعى بالألف يُوعي فجَمْع المال في وعاءً، ومنه: (وجمع فأوْعَى) . (وُجْدِكُمْ) . بضم الواو وفتحها: سعتكم، والضمُّ أكثر وأشهر، وبكسر الواو لكنه قليل، ومعناه أسْكنوا المرأة مسكناً تقدرون عليه. وإعرابه عطف بيان، لقوله: (حيث سكنتم) . (وقِّتَتْ) بالواو والألف بمعنى جمعت لوقتٍ، وهو يوم القيامة. (وَجْه) : قد قدمنا تقسيم الوجه على أوجه، ووجه الله طلَب رضاه، وقدمنا أنه من المتشابه، ويراد به الجهة، ومنه: وجهة ترضاها، ولم تحذف الواو لأنه ظرف مكان وقيل إنه مصدر ثبتت فيه الواو على غير قياس. (وِرْدًا) : مصدر: عطاشا، لأن مَنْ يرد الماء لا يرده إلا لعطش. (وِزْر) ، بكسر الواو وإسكان الزاي له معنيان: الذنب، ومنه: (لا تزِر وازِرَة وِزر أخرى) . والحمل الأصل، ومنه: (أوْزَاراً مِنْ زينَةِ القَوْمِ) ، أي أحمالاً. (وِلْدَانٌ مخَلَّدون) : الولدان صغار الخدم. وقد قدمنا أن " المخلدون " الذين لا يموتون أو المقلَّدون بالخَلَدات، وهي ضربٌ من الأقراط. وقد ورد في الحديث: " إن الولدان يطوفون على أهل الجنة بكأس من مَعين ". وهو الإناء الواسع الفَم الذي ليس له مقْبض سواء كان فيه خمر أم لا. (الواو) : جارة وناصبة وغير عاملة: فالجارةُ واو القسم، نحو: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) . والناصبة واو (مع) فتنصب المفعول معه في رأي قوم، نحو: (فأجْمِعُوا أمْرَكم وشركاءَكم) . ولا ثاني له في القرآن. والمضارعَ في جواب النفي أو الطلب عند الكوفيين، نحو: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) .

стр. 1386

(يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) . وواو الصرف عندهم، ومعناها أَنَ الفعل كان يقتضي إعراباً فصرفته عنه إلى النصب، نحو: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) . في قراءة غير النصب. وغير العاملة أنواع: واو العطف، وهي لمطلق الجمع، فتعطف الشيء على مصاحبه، نحو: (فأنجَينَاه وأصحابَ السفينة) .، وعلى سابقه، نحو: (أرسَلنَا نوحاً وإبراهيم) . ولاحقه، نحو: (يُوحِي إليكَ وإلى الذينَ من قَبْلك) . وتفارق سائر حروف العطف في اقترانها بإما، نحو: (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) . وبلا بعد نفي، نحو: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى) . و (لكن) ، نحو: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) . وتعطف العقد على النيِّف، والخاص على العام، وعكسه، نحو: (وملائكتِه ورسله وجبريل) . (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) . والشيء على مرادفه، نحو: (صلوات مِنْ ربهم ورَحْمة) . (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) . والمجرور على الجوار، نحو: (بِرءوسكم وأرجلَكم) . وقيل: وترد بمعنى أو، وحمل عليه مالك: (إنما الصدقَات للفقراء والمساكين) . وللتعليل، وحمل عليه الخوارزمي الواو الداخلة على الأفعال المنصوبة. ثانيها: واو الاستئناف، نحو: (ثم قَضَى أجلاً وأجَلٌ مسمًى عنده) (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) .

стр. 1387

(واتَّقوا الله ويعَلِّمُكم الله) . (مَنْ يضْلِلِ الله فلا هادِيَ له ويَذَرُهم) - بالرفع، إذ لو كانت عاطفة لنصب ونقر. ولجزم ما بعده ونصب (أجل) . ثالثها: واو الحال الداخلة على الجملة الاسمية، نحو: (ونحن نسبح بحمْدِك) . (يَغْشَى طائفةً منكم وطائفةٌ قد أهمَّتْهم أنْفسهم) . (لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) . وزعم الزمخشري أنها تدخل على الجملة الواقعة صفة، لتأكيد ثبوت الصفة للموصوف، ولصوقها به، كما تدخل على الحالية، وجعل من ذلك: (ويقولون سبعة وثامِنُهم كَلْبهم) . رابعها: واو الثمانية، ذكرها جماعة كالحريري وابن خالويه والثعلبي، وزعموا أن العرب إذا عدّوا يدخلون الواو بعد السبعة إيذانا بأنها عددٌ تام، وأن ما بعده مستأنف، وجعلوا من ذلك قوله: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) . وقوله: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ) إلى قوله (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) ، لأنه الوصف الثامن. وقوله: (مسلماتٍ. . .، إلى قوله: (وأبكارًا) . والصواب عدم ثبوتها، وأنها في الجميع للعطف. خامسها: الزائِدة، وخرج عليه واحدةٌ في قوله: (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ) . سادسها: واو ضمير المذكور في اسم أو فعل، نحو: (المؤمنون) . (وإذا سمِعوا اللَّغْوَ أعرضوا عَنْه) . (قل لعبادي الذين آمَنوا يقيموا الصَّلاة) . سابعها: واو علامة الذكرين في لغة طيّ، وخرّج عليه: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) .

стр. 1388

(ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ) . ثامنها: الواو المبدلة من همزة الاستفهام المضموم ما قبلها، كقراءة قنبل: "وإليه النّشور وأمِنتم ". (قال فرعون وآمنتم به) . (وَيْكَأَنَّ) : قال الكسائي: كلمة تندم وتعجّب، وأصله وَيْلك، فالكاف ضمير مجرور. وقال الأخفش: وَيْ اسم فعل بمعنى أعجَب، والكاف حرف خطاب، ِ وأنَّ على إضمار اللام: والمعنى أعجب لأن الله. وقال الخليل: وَيْ وحدها، وكأن كلمة مستقلة للتحقيق لا للتشبيه. وقال ابن الأنباري: يحتمل (وَيْكأنَّه) ثلاثة أوجه: أن تكون ويك حرفاً، وأنه حرف. والمعنى ألم تر. وأنْ تكونَ كذلك، والمعنى ويلك. وأن تكون وي حرفاً للتعجب، وكأنه حرف. ووُصِلا خطًّا لكثرة الاستعمال، كما وصل يبنؤمَّ. (وَيْل) : قال الأصمعي: ويل تقبيح. قال تعالى: (ولكم الْوَيل مما تصِفون) . وقد توضع موضع التحسر والتفجيع، نحو (يا ويلتنا) . (يا وَيْلَتَى أَعجَزْتُ) . أخرج الحربي في فوائده من طريق إسماعيل بن عياش، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "ويحك" فجزعْث منها، فقال لي: يا حميْراء، إنَّ " ويحك " أو " وَيْسك "، رحمة، فلا تجزعي منها، ولكن اجزعي من " الويل ".

стр. 1389

(حرف اللام ألف) (لأعْنَتَكمْ) : لضَيَّقَ عليكم بالمنع من مخالطتهم. ابن عباس: لأهلككم بما سبق من أكْلِكم لأموال اليتامى. (لا تَنْكِحوا) ، أي لا تتزوجوا. والنكاح مشترك بين العقد والوطء لأمَة، أي أمة الله، حرة كانت أو مملوكة. وقيل أمة مملوكة مؤمنة خير من حرة مشركة. (لأوْضَعوا خلالَكم) ، أي أسرعوا السير. والإيضاعُ: سرعة السير. والمعنى أنهم يسرعون بالفساد والنميمة بينكم. (لأحْتَنِكنَّ) : معناه لأميلنهم ولأقودنهم. وقيل: لأسْتَأصِلَنهم. يقال احتنكَ الجراد، إذا أكله كلّه. (لاهِيةً قلوبُهم) : الضمير للكفار، يعني أن قلوبهم غافلة مشغولة عن الحق وتذكره، لأن القَلْب إذا اشتغل بشيء لم يكن لشيء آخر فيه محل، لقوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قَلْبَيْنِ في جَوْفه) . (لا يَسْبِقونَه بالقَوْل) : الضمير للملائكة، يعني أنهم لا يتكلمون بشيء حتى يكلِّمهم الله تأدّباً معه، وخوفاً من سطْوته، ولا يشفعون لأحد من عبادِ الله حتى يستأذِنوا، فإن أذن لهم شفعوا وإلاَّ سكتوا. (لازِبٍ) ، ولازم: بمعنى واحد، وهو الممتزج المتماسك

стр. 1390

الذي يلزم بعضه بعضاً، وأمَر الله بهذه الآية سؤال المشركين عن خَلْق الله الملائكة والسماوات والأرض والمشارق والكواكب: (أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا) ، ومنْ لازم جوابهم بأنهم أشدّ خلقاً منهم تقوم عليهم به الحجة في إنكارهم البعث في الآخرة، كأنه سبحانه يقول: هذه المخلوقات أشدُّ خلقاً منكم، فكما قدرنا على خلقتكم كذلك نَقْدِر على إعادتكم بعد فَنَائكم، لأنكم أضعف خَلْقه، وكيف لا وأنتم من طين لازِب! (ولا هُمْ عَنها ينزَفُون) ، عن هنا سببية، كقوله: فعلته عن أمرك. والنزف: السكر، يعني أنَّ شاربَ خمر الآخرة لا يسكر منها، لأنها حُلْوة طيبة، بخلاف خمر الدنيا. والعجب ممَّنْ يكون في عقله ويُذْهِبُه بشربها، وأقل ما فيه من الوعيد الحديث: " منْ شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ". فإن قلت: هل هذا الوعيد يتناولُ مَنْ تاب مِن شُرْبها أم لا؟ والجواب: أنَّ هذا فيمن لم يَتُب، وأما التائب فيبدِّل الله سيئاتِه حسنات، كما قدمنا في غير ما موضع. (لا تَسْمَعُ فيها لاَغيةً) : هو من لَغْو الكلام، ومعناه الفحش وما يكره، فيحتمل أنْ يريد كلمة لاغية، أو جماعة لاغية. (لإيلافِ قريش) . لإِيْلاَفِ: آلفت إيلافاً. وقيل هذه اللام موصولة بما قبلها. المعنى: (فجعلهم كعَصْفٍ مأكول) ، (لإيلاف قريش) . وكانت لهم رِحْلتان في كل عام: رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام. وقيل: كانت الرحلتان جميعاً إلى الشام. وقيل: كانوا يرحلون في الصيف الى الطائف حيث الماءُ والظلّ فيقيمون بها، ويرحلون في الشتاء إلى مكة لسُكنَاهم بها. واختلف في تعلق قوله: (لإيلاف قريش) على أقوال قيل إنه متعلق بقوله: (فلْيَعْبُدوا) ، والمعنى فليعبدوا الله من أجل

стр. 1391

إيلافهم للرحلتين، فإن ذلك نعمة من الله عليهم. وقيل: إنه يتعلق بمحذوف تقديره: اعجبوا لإيلاف قريش. وقيل: إنه يتعلق بسورة الفيل. والمعنى أن الله أهْلك أصحابَ الفيل لإيلاف قريش، فهو يتعلق بقوله: (فجعلهم) ، كما قدمنا. ويؤيد هذا أنَّ السورتين في مصحف أبَي بن كعب سورة واحدة لا فَصْلَ بينهما، وقد قرأهما في ركعة واحدة في المغرب، وذكر الله الإيلاف أولا مطلقا، ثم أبدَل منه الإيلافَ المقيد بالرحلتين تعظيما للأمر، ونصب (رحلة) لأنه مفعول بإيلافهم، وقال: (رحلةَ) وأراد رحلتين، فهو كقول الشاعر: " كلُوا في بعض بطنكم تعفُّوا ". وقد قدمنا من هذا الحرف أشياء عند حرف اللام، والحرف الذي قبل هذا فلا فائدة في الإعادة.

стр. 1392

(حرف اليَاء) (يحيى) بن زكرياء ﵉، وُلد قبل عيسى بستة أشهر، ونُبيء صغيراً، وهو اسم أعجمي، وقيل عربي. قال الواحدي: وعلى القولين لا ينصرف. قال الكرماني: وعلى الثاني أنه سمي به لأنه أحياه الله بالإيمان، وقيل لأنه حيى به رحم أمه، وقيل لأنه استشهد، والشهداء أحياء. وسبَبُه أن ملك زمانه كان له زوجة ولها بنت من غيره، فأرادت المرأة ُ تزويجها منه غيرةً وخوفاً من تزويج غيرها، فزينتها وعرضتها عليه، وقالت له: أتريد أحسن منها، فقال لها: لا أحبّ غيرها. فاتخذت وليمةً، ودعت إليها يحيى، وعرضت عليه الأمر، فقال: معاذ الله في ذلك، فَسَقَتْ زوجها الخمر، وقالت: أما علمت أنَّ يحيى يَأبَى من زواجك لهذه الشابة، فدعا به وقتله بين يديها، فبكت الملائكة ُ في السموات، وقالت: إلهي، بأيّ ذنب قتلوا يحيى، فقال تعالى: لم يذنب، ولم يُهمّ بذنب، ولكن أحبَّني فأحببتُه، ولا بد في الحب من القتل، وسلّط الله على قاتله بخت نصر فقتله، وأخرب ملكه، وسبَا حَرِيمَه، وملك رعيته. فاسْمَعْ يا مدَّعِي الحب، أما علمْتَ أن المحبةَ أولها فكرية وآخرها بَلِيَّة، وإذا كان الحبُّ بين الخلق يذهب النفوس فكيف بمحبة الله! ولذلك قال تعالى: (والذين آمَنُوا أشدُّ حبًّا لله) . ولذلك قال الجُنيد: كم تقتل من الأحباب، وكم تريق من دَم الأصحاب، فسمع هاتفا يقول: أقتل النفس، وأعطي دِيَتها. فقال: يا رب، ما دِيتها، فقال: دِية مقتول الخَلْق الدنيا ودية مقتولِ الحقِّ رُؤية الجبَّار. (يوسف) بن يعقوب بن إبراهيم خليل الرحمن، ألقي في الجب وهو ابنُ ثنتي عشرة سنة،

стр. 1393

ولقي أباه بعد الثمانين، وتوفي وله مائة وعشرون سنة. وفي الصحيح أنه أعطِيَ شَطْرَ الحسن، قال بعضهم: وهو من المرسلين، لقول موسى: (ولقد جاءكم يوسف من قَبْلُ بالبينات) . وقيل: ليس هو يوسف ابن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب. ويشبه هذا ما في العجائب للكرماني في قوله: (وَيرِثُ مِنْ آل يعقوب) ، إن الجمهور على أنه يعقوب بن ماثان، وإن امرأةَ زكَرياء كانت أخْتَ مريم بنت عمران، قال: والقول بأنه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم غريب. وما ذكره أنه غريب هو المشهور، والغريب الأول، ونظيره في الغرابة قول نَوْف البِكاليِّ إن موسى المذكور في سورة الكهف في قصة الخضر ليس هو موسى نبي بني إسرائيل بل موسى بن مَنشا بن يوسف. وقيل ابن إفرائيم بن يوسف، وقد كذبه ابن عباس في ذلك. وأشدُّ من ذلك غرابة ما حكاه النقَّاش والماوردي أن يوسف المذكور في سورة غافر من الجن، بعثَه الله رَسولاً إليهم، وما حكاه ابن عسكر أن عمران المذكور في آل عمران هو والد موسى لا والد مريم. وفي يوسف من اللغات تثليث السين مع الياء والهمزة وبتركه، والصواب أنه أعجمي لا اشتقاق له. فإن قلت: أين يوسف من فرعون في مخاطبة موسى له؟ والجواب: ما قدمناه لك من أنَّ ملك مصر يسمى فرعون، وإنكارهم لبعث الرسالة لا يدلُّ على أنهم مؤمنون برسالة يوسف، وإنما مُرادُهم أن يأتي أحد يدَّعي الرسالة بعد يوسف، قاله ابن عطية. وقال الزمخشري: إنما هو تكذيب لرسالةِ مَنْ بعده مضموم إلى تكذيب رسالته. (يونس) بن مَتّى، بفتح الميم وتشديد التاء الفوقية مقصور. ووقع في تفسير عبد الرزاق أنه اسم أمِّه. قال ابن حجر: وهو مردود بما في حديث ابن عباس في الصحيح، ونسبه إلى أبيه، قال: فَهَذَا أَصَحّ. قال، ولم أقِفْ في شَيءً من الأخبار على اتصال نسبه، وقد قيل: إنه كان في زمان ملوك الطوائف من الفرس، فبعثه

стр. 1394

الله إلى أَحدهم فأعرضوا عنه، ووعدهم بالعذاب، فخاف منهم وهرب فالتقمه الحوت كما قدمنا أنه مكث في جوفه أربعين يوماً. وقيل الْتَقَمَه ضحى ولفَظَه عشية. وفي يونس ست لغات: تثليث النون مع الياء والهمزة، والقراءة المشهورة بضم الياء مع النون قال أبو حيان: وقرأ طلحة بن مصرّف بكسر يونِس ويوسِف، أراد أن يجعلهما عربيين مشتقين من أنِس وأسِف وهو شاذّ. (يسومونَكم سوءَ العذابِ يذَبِّحونَ أبناءكم) . قد قدمنا أنَّ الخطاب لبني إسرائيل قبل هذا الحرف. فإن قلت: أي فائدة لخطاب المعاصرين بهذا، وتعبيره في سورة الأعراف بالقَتْل؟ والجواب: لأنهمٍ من ذرّيتهم وعلى دينهم ومتّبعون لهم، وهم راضون بذلك، فعدّد عليهم بما مَنَّ على آبائهم وهم عالمون بذلك. وورد في آية البقرة مضعّفاً، لأن المقصود فيها كما قدمنا تعديد وجوهِ الإنعام عَليهم، وبيانُ المنَّة، ومقابلتهم لهذه النعمة بالكفْر من الأمر الشنيع، ألاَ ترى أنه لما ذكر دعوة الناسِ عموماً، وذكر مبدأهم دعا بني إسرائيل خصوصاً. وأيضاً لما كان الذبح منبئ عن القَتْل وصِفَته، ولا يُفهم من القتل غير إعدام الحياة بتناول من غير المقتول في الغالب عَبَّر هنا بما يوفي المقصود من الإخبار بالقتل وصِفته، مع إحراز الإيجاز، إذ لو ذكر القتل وأتبع بالصفة لما كان إيجازاً، فعدل إلى ما يحصلُ منه المقصودُ مع إيجاز، فقال (يُذَبِّحون) . وعَبَّر في سورة الأعراف بالقتل، لأنه أوجز من لَفْظِ (يُذَبِّحون) ، لأجل التضعيف، إذ لفظ يذبحون أثقل لتضعيفه. وقد حصلت صفة الفعل في سورة البقرة. (يَهْبِطُ مِنْ خشيةِ الله) : صفة للحجر، وذلك أنَّ الله تعالى جعل خَوْفَه في المتحرك والساكن، فكلّ حجر يرمى من علو إلى سفل فمِنْ خشية الله، ومنهم من يتفجَّر منه الأنهار، كما قال تعالى، هذا مع أنهم غَيْر مخاطبين ولا مكلفين، وأنْتَ يا محمديّ مكلّف مخاطب، وقد قسا قَلْبك، فهل هذا

стр. 1395

إلا من مخالفة أمْرِ ربك، تَلين الأحجارُ، ولا تلين القلوبُ! وأعظم من ذلك عدمُ الانكسار والخشوع! لو تُليت هذه الآيات على الجماد لانَ، كما قال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) . فلا حيلةَ لنا يا رب إلا إلقاء نفوسنا بين يديك، والتفويض لما أردْتَ بنا، وإلاّ الصبر لنا على عذابك، وكيف يصبر الجسم الضعيف على العذاب المقيم، فصبِّرْنا إنْ قضيتَ علينا، واجعلنا كالإسرائيلي الذي عبدك سبعمائة سنة، فأوحيت إلى نبيء ذلك الزمان: قلْ لعَبْدي فلان تعبَّدْ ما شئْتَ، فأنْتَ من أهل النار. فلما بلغه وَحْيك قال: مرحباً بحُكم ربي! ثم قال: إلهي، عَبَدْتك، وأنا لا أظنُّ أني لا أزِنُ عندك قليلاً ولا كثيرا، فإذا أنا أصْلح لنارِك، وعزَّتك ما زادني هذا إلا حُبًّا وتلهّفا فيك، فأوحى الله إلى دانيال ﵇: قل لعَبْدي المستحق لِوَلاَئِي بالصبر والرضا: رضيت عني بأصعب حكم وقضاء، وعِزَّتي وجلالي لو ملأتْ ذنوبك الأرضَ والسماء لغفرتها لك، ولا أبالي. وأنت تعلم كربتي وذِلَّتي وشدةَ محنتي بذنوب اقترفْتها وعظائم ارتكبتها، وأنتَ تعلمُ أنه ليس لي مَنْ يتفقَّدني عند الموقف بين يديك غير رحمتك الواسعة التي أخْبرتنا بها، فقيِّضْ لي مَنْ يشفع عندك، أقسم عليك بجاهِ نبيِّك الكريم، واسمك العظيم، وعمْدَتنا على لسان نبيك أنه أعدَّ شفاعته لكبائر أمته، فأذَنْ له فينا، ولا تخَيِّبنا من فَضْلك العظيم وإحسانك العميم، وأسألك أنْ تصلِّي على نبيك الكريم، وتَرْضَى عن أصحابه ذوي الفضل والتكريم. (يَسْتَفْتِحون) : يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم. فَالسًينُ على هذا للطلب، يعني أنهم كانوا يقولون: اللهم انْصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان، ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظلّ زمانُ نبئ يخرج نقاتِلكم معه قَتْلَ عادٍ وإرم. وقيل يستفتحون أي يعرفون الناس بالنبي ﷺ . فالسين على هذا للمبالغة، كالسين في استعجب واستسخر، وعلى كلِّ قول فبغْضهم واجب وقَتْلهم جائز لجحدهم ما عرفوا في كتبهم، ولذلك قال الله فيهم: (فَلعْنَة الله على الكافرين) .

стр. 1396

(يتَمَنَّوه أبداً) : الضمير يعود على الموت، وذلك أنَّ الله أمرهم أن يتمنَّوا الموتَ إن كانوا صادقين في قولهم على وَجْه التعجيز والتبكيت. لأنّ مَنْ علم أنه من أهل الجنة اشتاق إليها، ولو تمنَّوه لماتوا من ساعتهم، ولمَّا علموا ذلك لم يتمنوه لذنوبهم، لأنهم أرادوا الحياةَ الدنيوية. فإن قلت: لم عَبَّر في آية البقرة بـ (لن) بخلاف الجمعة؟ والجواب: أنه لما كان الشَّرط فيها مستقبلاً، وهو قوله تعالى: (إنْ كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصةً) ، الآية - جاء جوابه بـ (إن) التي تخلِّص الفعل للاستقبال. ولما كان الشرط في الجمعة حالاً، وهو قوله: (إنْ زَعمْتم أنكم أولياءِ للَه) ، جاء جوابه بلا التي تدخل على الحال، وقد تدخل على المستقبل. فإن قلت: ما النافية أخصّ بالحال فهي أنسب؟ قلت: قد يفهم من "ما" نَفْي مجرد الحال دون ما يتصل به، فقد يقول القائل: ما يقوم زيد - يريد ما يقوم اليوم، ولا يريد أنه ما يقوم غداً، وما صالحة لهذه المعنى، وهم إنما أرادوا أنهم أولياء مستمرون على ذلك، وأنَّ تلكَ صِفَتهم على الحال وما يليه إلى آخر حياتهم، إذ ذاك هو الموجب أن تكون لهم الدار الآخرة خالصةً من دون الناس كما زعموا، فلما كان زَعْمهم هذا ناسبه نَفْي دَعْوَاهم وتكذيب زعمهم بحرف نص في نفْي ذلك، وأنه لا يقع منهم التمني في حالهم ولا فيما بعده أبداً. فإن قلت: إن قوله: (أبداً) قد أحرز هذا؟ قلت: تأكيد ذلك أبلغ، فنفى بـ لا وأكّد بالتوكيد. فجاء على أعلى البلاغة. (يَتْلُونَ الكِتابَ) . أي يقرأونه، والضمير عائد على اليهود والنصارى، وهذا تقبيحٌ لقولهم وذَمِّهم لرسول الله ﷺ ، ولِمَا جاءَ به، مع تلاوتهم كتابهم.

стр. 1397

(يَلْعَنهم اللاعِنون) : قد قدمنا أنهم جميع مَنْ تقَع منه اللعنة، وإذا تلاعَن اثنان، وكان أحدهما غير مستحق للعن رجعت اللعنة على المستحق لها، فإن لم يستحقها أحد منهما رجعت على اليهود. (ينْعِق) . أي يصيح بالغنم فلا تدري ما يقول لها إلا أنها تنْزَجر بالصوت، وشبَّه الله الكفار بالبهائم في قلّة فَهْمِهم وعدم استجابتهم لمن يَدْعوهم، أو يكون تشبيهاً للكفار في دعائهم وعبادتهم لأصنامهم بمن ينْعِق بما لا يسمع، لأن الأصنام لا تسمع شيئاً، وفيه تفصيلٌ قدمنا ذكره. (يطهُرْن) : من الدم، ويتطهرن بالماء، وقرئ حتى يطهرن بالتشديد، وهو حجة لمالك. (يتَسنَّهْ) . ومعناه يتغير، واللفظ يحتمل أن يكون مشتقاً من السنة، لأن لامها هاء فتكون الهاء في "تسنَّه" أصلية، أي لم تغيره السنون. ويحتمل أن يكون مشتقا من قولك: تسنّنَ الشيء إذا فسد، ومنه الْحَمَأ المسنون، ثم قُلبت النون حَرْفَ علة، كقولهم: قَصّيت أظفاري، ثم حذفَ حَرْفُ العلة للجزم، والهاء على هذا هاء السكت. وقيل إن طعامَه كان تيناً وعِنبا، وإن شرابه كان عصيراً ولبناً، فأراه اللهُ أعجوبة في بقائه هذه المدة الطويلة على حالته. (يَؤُودُه) : يثقله، من قولهم: ما آدَكَ فهو بمُوئد، أي ما أثقلك فهو لي مُثقل. (يمحق الله الرِّبا) . أي يذهبه في الدنيا بضياعه، وفي الآخرة بالعقوبة. وقد قدمنا أنَّ عقوبتَه في الآخرة بقيامه من القَبْر كالمجنون يعرفُه أهْلُ الحشر بتلك العلامة، وأيُّ عقوبة أكبر من هذا. وحكى القاضي عياض في مَدَاركه: أنَّ ترك رُبع دانق ممّا حرم الله أفضلُ من سبعين ألْف حجة، وأفضل من سبعين ألف غزوة، وسبعين ألف بدنة مقلَّدة أُهديت إلى بَيْتِ اللهِ

стр. 1398

الحرام، قال: فبلغ ذلك عبد الجبار، فقال: نعم، وأفضل مِنْ ملء الأرض إلى عنان السماء ذهباً وفضة اكتسبْنَ من حلال وأنفقن في سبيل الله، تَرْكُ ربع دانق مما حرم أفْضل من ذلك كله. (يَلْوونَ ألْسِنَتَهم بالكتاب) : الضمير عائد على أهل الكتاب، يعني يحرِّفونَ لفظَه أو معناه. (يَضرُّكم) . من الضير، بمعنى الضرر. (يَكبِتَهم) : يَغيظهم ويخْزيهم. وقيل يصرعهم لوجوههم. (يمين) : له أربعة معان: اليد اليمنى، والجهة اليمنى، وبمعنى القوة، وبمعنى الحلف. وأيمن الإنسان جهة يمينه. (يسير) : له معنيان: قليل، ومنه كيل يسير. وهين، ومنه: (وذلك على الله يسير) . واليسر ضد العُسر. (يئس) ، من الأمر ييأس، أي انقطع رجاؤه، ومنه: (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) ، و (إنه ليئوسٌ) . وأما: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) ، فمعناه أفلم يعلم، وهي لغة هوازن، وقرئ: "أفلم تتَبَيّن". (يستبشرون) : يفرحون: والضمير عائد على قوم لوط لَما سمعوا بذكر الأضياف أسرعوا إليه فرحين ببغْيتهم ونكاية للوط ﵇، وكرره في آل عمران،، ليذكر له من النعمة والفضل. (يَمِيزَ الخبيثَ مِنَ الطيّب) . أي ما كان الله ليدعً المؤمنين مختلطين بالمنافقين، ولكنه مَيّز هؤلاء من هؤلاء بما ظهر في غَزوة أحد من الأقوال والأفعال التي تدلُّ على الإيمان أو على النفاق،

стр. 1399

وما كان الله لِيطْلعكم على ما في القلوب من الإيمان أو النفاق، أو يطْلعكم على ألا تغلبون أو تُغْلبون. (يَفْقَهون) : يفهمون، ولذا سمي الفقيه فقيهاً. وفي الحديث: " ما أعطي المرء أفضل من حسْنِ سَمْتٍ وفِقْهٍ في الدين ". وانظر كيف عَبَّر عنهم تارة بالفهم، وتارة بالعقل، وتارة بالهداية، وعن الكفار بضِدِّها، وكلها ألفاظٌ بمعنى واحد. (يَشْتَرون الضَّلالَة) : عبارة عن إيثارهم الكفْرَ على الإيمان، فالشراء مجاز، كقوله تعالى: (اشْتَروا الضلالَة بالهدَى) . وفي تكرار قوله: (وكفى بالله وليًّا وكفى بالله نصيراً) - مبالغة. (يَشْرونَ) : يبيعون، ومنه: (ومِنَ الناس مَنْ يَشرِي نَفْسَه) . (يَسْتَنبِطُونَه منهم) ، أي من المسلمين. والمعنى لو ترك هؤلاء القوم الكلامَ بذلك الأمْرِ الذي بلغهم وردّوه إلى رسول الله ﷺ وأولي الأمر منهم، فـ (مِن) على هذا لابتداءِ الغاية، وهو يتعلق بالفعل، والضمير المجرور يعود على الرسول وأولي الأمر. وقيل: إن الذين يستنبطونه هم أولو الأمر، كما جاء في الحديث عن عمر ﵁ أنه سمع أن رسول الله ﷺ طلق نساءه فدخل عليه، فقال: أطَلَّقْتَ نساءَك، قال: لا، فقام على باب المسجد، فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ لم يُطَقَق نساءه، فأنزل اللَّهُ هذه القصة، قال: وأنا الذي استنبطته، فعلى هذا الذين يستنبطونه هم أولو الأمر. والضمير المجرور عائد عليهم، ومنهم لبيان الجنس، واستنباطُهم على هذا هو سؤالهم عنه النبي ﷺ أو بالنظر والبَحث، واستنباطه على التأويل الأول هو سؤال الذين أذَاعوه للرسول ﷺ ولأولي الأمر. (يَألَمون) ، أي يصيبهم ألَمٌ منْ قتالكم، ومعناها

стр. 1400

التحريض على قتالهم، لأنهم يتألون من ملاَقاتكم، ومع ذلك فإنكم ترْجون إذا قاتلتموهم النصر في الدنيا والأجْرَ في الآخرة، وهذا كقوله تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا) . (يتِيهُونَ في الأرض) . أي في أرض التيه، وقد قدمنا أنها بين مصر والشام، وكانوا يسيرون النهارَ والليل، ويجدون أنفسهم في الموضع الذي ارتحلوا منه مساء وصباحاً عقوبةً لهم على ما صدر منهم. (يَسْتَفْتونَك) . أي يسألونكَ عن الحكم الشرعي على وَجْه النظر. والمستفتي هو المستَخْبِر عن الحكْم الشرعي على غير وَجه النظر، فكلَّ مستفتٍ مستخبر، وليس كل مستَخْبر مستفتياً، لأن السائل على وَجْه النظر مستخبر، وليس بمستفتٍ في عُرف الفقهاء. (يعْصِمُكَ من الناس) . أي يحفظك، وفي هذا وعْدٌ وضمان لعصمةِ رسول الله ﷺ ، لأنه كان محترس من أعدائه، فلما نزلَتْ أخرج رَأسَه من البيت الذي كان فيه، وقال: اذهبوا فقد عصمني الله، فكلّ ما أصيب به قبل نزول الآية، وأما بعد نزولها فلا، فالعصمة للأنبياء، - والحفظ للأولياء. (يَا أهْلَ الكتابِ لسْتم على شيء) : من فَضْلِ هذه الأمة المحمدية أنَّ اللهَ خاطبهم بالإيمان، وخاطب أهْلَ الكتاب بكتابهم، ففي الأولى جَمَعَ الله أوصافَ المؤمنين ونعوتهم ومعانيهم في هذا النداء، لأنه لم تَبْقَ حسنةٌ إلا دخلت تحته، وفي الثاني إهانة وتوبيخ، ألا ترى أنه قال لهم: (لَسْتم على شيء) ، أي على دين يُعتدُّ به حتى تقيموا التوراةَ والإنجيل، ومن إقامتها الإيمانُ بمحمد ﷺ ، وقوله: (وما أنْزلَ إليكم) . قال ابن عباس: يعني القرآن، ونزلت الآية بسبب رافع بن حارثة، ورافع بن حريملة. وسلام بن مشْكم، وغيرهم من اليهود، جاءوا إلى رسولِ ﷺ ، فقالوا: إنا نتبع التوراة ولا نتبع غيرها، ولا نؤمن بك ولا نتبعك.

стр. 1401

(يَنْعِه) . أي ينْضَج وَيطيب، والمعنى انظروا إلى ثمره أوّل ما يخرج ضعيفاً لا مَنْفَعة فيه، ثم ينقل من حال إلى حال حتى يَيْنع. (يَقْترِفون) : يكتسبون. (يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) : أصله يتَصَعَّد، ومعناه أن مَنْ يريد اللَه ضلاله كأنما يحاول الصعود في السماء، وذلك غَيْر ممكن، فكذلك يصعب عليه الإيمان. وقرئ بالتخفيف. وأما: (إلَيهِ يَصْعَدُ الْكلِمُ الطَّيِّب) - فمعناه لا إله إلا الله، واللفظُ يعمُّ كلَّ ذكْر ودعاء وتعليم علم، فإنَّ الله يقبله ويثيب عليه بفضله وكرمه، وهذا معنى قوله: (والعمَل الصالح يَرْفَعُه) . وقيل: إن ضمير الفاعل للكَلِمِ الطيب، وضمير المفعول للعمل الصالح. والمعنى على هذا أنه لا يقبل العملَ إلا مِنْ موحِّد. وقيل: إن ضمير الفاعل للعمل الصالح وضمير المفعول للكم الطيب. والمعنى على هذا أنَّ العمل الصالح هو الذي يقبل الكلام الطيب، فلا يقبل الكلام إلا مَنْ له عمل صالح. روي هذا المعنى عن ابن عباس، واستبعده ابنُ عطية ولم يصحّ عنه، لأن اعتقادَ أهلِ السنة أنَّ اللهَ يتقبَّل مِنْ كل مسلم، قال: وقد يستقيم بأن يتناول أن يزيد في رفعه وحسن رفعه. فإن قلت: آية قوله تعالى: (إنما يتَقبَّلُ اللَّهُ من المتقين) تدل على قول ابن عباس؟ والجواب: أنَّ معنى المتقين يعني الذين اتقوا الشركَ، لأن التقوى على درجات، كما قدمناه مراراً. فلا نطيل بذكره. وقد قال: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) . فلا السيئة تُبْطل الحسنة، ولا العكس، على هذا يكونُ اعتقادك لا على غيره. (يَخوضونَ في آياتِنا) : الضمير للكفار، وذلك أنهم كانوا

стр. 1402

إذا سمعوا القرآن طعنوا فيه واستهزءوا به، فأمَر اللهُ نبيه بالإعراض عنهم حتى يحكمَ اللَّهُ فيهم بعدْله. (يَغْنَوْا فيها) : يقيموا فيها، أو ينزلوا مستغنين. والمغاني: المنازل، واحدها مَغْنى. (يذَرَك وَآلهَتَك) : معطوف على، (ليفسدوا ) ، أو منصوب بإضمار أن بعد الواو. وقيل كان فرعون جعل للناس أصناماً يعبدونها، وجعل تفْسَه الإله الأكبر، ولذلك قال: (أنا رَبُّكم الأعلى) ، فآلهتك على هذا هي تلك الأصنام. وقرأ عليٌّ بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس: إلاَهتك، أي عبادتك، والتذلل لكَ. (يُسْتَضْعَفون) : هم بنو إسرائيل استضعفوهم قوم فرعون، فجعلوهم خدماً يمتهنونهم في الخدمة ويُتْعبونهم في المناولة. (يَعْرِشون) ، أي يبنون. وقيل الكروم وشبهها. (يَعْدون في السّبْتِ) . يعني يتجاوزون حد الله فيهم باصطِيادهم الحوتَ. (يَسْبِتونَ) ، يَدَعون العمل فيه. وبضم الياء يدخلون في السبت. (يَلْهَث) : اللهث: تنفس بسرعة، وتحريك أعضاء الفم، وخروج اللسان، وأكثَر ما يَعْترِي ذلك الحيوانات مع الحَرِّ والتَّعَبِ، وهو حالة دائمة للكلب، ومَثل الله الذي انسلخ من آياته بالكلب، لأنه لا يعرفُ قَدْرَ اللؤلؤ والياقوت، بل يعرف الجِيفَ والقذرات الْمُنْتنة، وبلعام لم يعرف قَدْرَ ما أعطاه الله، فسُلب، وفي هذا من الإشارة لك يا محمدي ما يُذْهِل العقول في كونك أكرمك الله بآياته، وفضَّلك على كثير من مخلوقاته، فأعرضْتَ عنها، واشتغلت بالجيفة النتنة الذي قال فيها الصادق الصدوق: " الدنيا جيفة وطلابها كلاب ".

стр. 1403

وإن أعرضت عنها في بعض أوقاتك فما أسرع نَكْث العهد في رجوعك إليها، أما سمعتَ قول الصادق المصدوق: نحن أمةٌ ليس لنا مثل السوء " الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ". فافهم إن كنت ذا فَهْم، والسلام. ووَجْهُ تشبيه ذلك الرجل به أنه إنْ وعظْتَه فهو ضالّ، وإن لم تَعظْه فهو ضالّ، فضلاَلَتُه على كل حال، كما أن لهث الكلب على كل حال. وقيل: إن ذلك الرجل خرج لسانُه على صدره، فصار مِثْلَ الكلب في صورته ولهثه حقيقة، وهذه حالُنا لولا أنْ مَنّ الله علينا بني عظيم يشفع فينا لكنّا أعظم من هذا، وكيف لا وفِعْلُنا أعظم، وجرائمنا أجسم، لكن سيئات المحبوب حسنات، اللهم كما سترتها علينا بجاهه عندك اسْتُرْها علينا في الآخرة. (يَمْشُونَ بِهَا) : أخبر اللهُ بهذه الآية عن اعتراف المشركين أنَّ أصنامَهم لا تمشي ولا تَبْطش ولا تسمع ولا تُبْصر، فقال لهم: كيف تعبدونها، وبين بها كفرهم وإعراضهم عن عبادة المتصف بالسمع والبصر والقدرة والإرادة، فتعالى الله الملك الحقَّ لا إله إلا هو. (يَتَولى الصَّالِحين) ، في أقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم. ومَنْ كان لله كان الله له، ومَنْ راقب يراقب، ومَنْ غفل غفل عنه. أنْتَ تريد وهو يريد، فإنْ تركتَ مرادَك لمراده أنَالَكَ ما تريد، كيف تطلب خرق العوائد وأنتَ لم تخرق من نفسك العوائِد. (يَنْزَغَنَّك من الشيطان نَزْغٌ) : قد قدمنا أن الخطاب بهذا لأمته، إذ الإجماعُ على عصمته، ونَزْغ الشيطان: وَسْوسته، والأمر بالمعاصي، وتحريك الغضب، وفي هذا من التعليم لأمته بوجوده ﷺ ما يعجزُ اللسان عن شكره، وكيف لا وقد بَين لنا ﷺ كيفيَة الفعل إذا اعْتَرَانا هذا اللعين بقوله: إن كان قائماً فليجلس، وإن كان جالسا فليضطجع، ويستعيذ بالله من شره. وفي حديث آخر لما رأى رجلا اشتدّ غَضَبه، فقال ﷺ : " إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه ما يَجِد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ".

стр. 1404

وقد وَفّق اللهُ بعْض هذه الأمة لكظْم الغيظ، وعَفْوهم عمن ظلمهم، لو ذكرنا ذلك لطال ذكرهم، كالذي كان يناول طعاما لسيده فعثر ووقعَت الصحْفَة من يده، فقتل ابْنَ سيده، فدهش، فقال له السيد: لا رَوْع عليك! فقال الغلام: (والكاظِمين الغَيظَ) . قال: قد كظَمْتُه. فقال الغلام: (والْعَافِين عن الناس) . فقال: قد عفوت. قال الغلام: (والله يحبُّ الْمُحْسنين) ، فقال: قد أحسنتُ إليك. اذهب فقد زوَّجتك ابنتي. وآخر دخل على فرسه الذي كان يركبه، فوجده على ثلاث قوائم، فقال: مَنْ فعل هذا، فقال له الغلام: أنا. قال: ما الذي حملكَ على ذلك، قال: أردت أن أغمَّك. فقال: لأغمنَّ الذي أمركَ بذلك. اذهب فأنْتَ حُرٌّ لوجه الله. هكذا فلتكن حالُك إن أردْتَ اللحوقَ بهم، وإلا ظنَّ مباينَة حالك لحالهم. هؤلاء يملأ اللهُ قبورهم نوراً، كما ملأها في الدنيا إيماناً، وأما نحن فلا ندري ما نصير إليه لا نحن فيه من غَلبة النفس والهوى والشيطان. (يَمُدُّونَهم في الْغَيِّ ثم لا يُقْصِرُون) : قرئ بضم الياء وفتحها، ومعناها لا يقصر الشيطان على إمداد إخوانهم من الكفار، أو لا يقصر الكفار عن غيهم. (يَسْألُونَكَ عن الأنفال) : يعني أن الصحابة يوم بَدْر كانوا على ثلاث فرق: فرقة مع النبي ﷺ تَحْرسُه وتُؤْنسه، وفرقة تبعت المشركين تقاتلهم، وفرقة أحاطوا بأسلاب العدوّ وعسكره لما انهزموا، فلما انجلت الحرْبُ ونَصرَ الله نبيه رأت كلّ فرقة أنها أحق بالغنيمة من غيرها، واختلفوا فيما بينهم، فنزلت الآية: إن الأنفال، وهي الغنيمة، للهِ ورسوله. وقيل الأنفال هنا ما ينفله الإمام لبعض الجيش من الغنيمة زيادة على حظه، فأعطاهم الرسولُ ﷺ ما غنموا وقَسمها بينهم، وفي بعض الغزوات قال لهم: لي معكم الخُمس، وهو مردود عليكم لزُهْدِه ﷺ وإيثارِه الصحابة عليه. وقد اختلف الفقهاء:

стр. 1405

هل يكون هذا النفل الذي يعطيه الإمام من الخمس، وهو قول مالك، أو من الأربعة أخماس، أو من رأس الغنيمة قَبْل إخراج الخمس. (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءَ وقَلْبِه) : قيل يُميته. وقيل يصرفُ قَلْبَه حيث شاء، فينقلب من الإيمان إلى الكفر، وشبه ذلك، ولذلك كان المعصوم ﷺ يقول في كل صباح ومساء: اللهم يا مُقَلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك. ولهذا كان ﷺ يتقلَّب ويدعو لأمته ويسأله ثَباتهم. وفي الحديث: القلبُ بين أصبعين من أصابع الرحمن يقَلّبه كيف يشاء، يعني أصابع القدرة والإرادة لا أصابع الجارحة. وقيل لبعضهم: بِمَ عرفْتَ ربَّك، قال: بنقض العزائِم، عزمت فنقض عَزْمي، وهممت فنقض همي، فعلمت أنَّ لي ربًّا يدَبِّر أمري. (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) : نور الله هداه الصادر عن القرآن والشرع المنبث في قلوب الناس، فمن حيث سمَّاه نُوراً سمّى محاولة إفساده والصدّ في وجهه إطفاء. وقالت فرقة: النور القرآن. وقوله: (بِأَفْوَاهِهِمْ) عبارة عن قلّةِ حيلتهم وضَعْفها، أخبر عنهم أنهم يحاولون مقاومةَ أمر جسيم بعمل ضعيف، فكان الإطفاء بنفخ الأفواه. ويحتمل أن يراد بأقوال لا برهان عليها، فهي لا تتجاوز الأفواه إلى فَهْم سامع. وقوله: (ويأبى) إيجاب يقَعُ بعده أحياناً (إلاَّ) ، وذلك لوقوعه هو موقع الفعل المنفي، لأن التقدير ولا يريد الله إلا أنْ يُتِمَّ نورَه. وقال الفراء: هو إيجاب فيه ضرب من النفي. وردَّ الزجاج على هذه العبارة، وبيانُه ما قلناه. فإن قلت: ما حكمةُ زيادة آية براءة على آية الصفِّ، واختلاف العبارتين؟ والجواب: ناسب زيادة براءة ما ورد من الطول المحكي فيها من قَوْل الطائفتين من اليهود والنصارى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) . وأما آيةُ الصف فمقابل بها قول عيسى ﵇: (يا بني إسرائيل إنِّي رسولُ الله إليكم مُصَدِّقاً) ، ثم قال تعالى: (فلما جاءهم بالبيِّناتِ قالوا هذا سِحْرٌ مبين) ، وليس هذا
следующие страницы →