(يَنْعِه) .
أي ينْضَج وَيطيب، والمعنى انظروا إلى ثمره أوّل ما يخرج ضعيفاً لا مَنْفَعة فيه، ثم ينقل من حال إلى حال حتى يَيْنع.
(يَقْترِفون) : يكتسبون.
(يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) :
أصله يتَصَعَّد، ومعناه أن مَنْ يريد اللَه ضلاله كأنما يحاول الصعود في السماء، وذلك غَيْر ممكن، فكذلك يصعب عليه الإيمان.
وقرئ بالتخفيف.
وأما: (إلَيهِ يَصْعَدُ الْكلِمُ الطَّيِّب) - فمعناه لا إله إلا الله، واللفظُ يعمُّ كلَّ ذكْر ودعاء وتعليم علم، فإنَّ الله يقبله ويثيب عليه بفضله وكرمه، وهذا معنى قوله: (والعمَل الصالح يَرْفَعُه) .
وقيل: إن ضمير الفاعل للكَلِمِ الطيب، وضمير المفعول للعمل الصالح.
والمعنى على هذا أنه لا يقبل العملَ إلا مِنْ موحِّد.
وقيل: إن ضمير الفاعل للعمل الصالح وضمير المفعول للكم الطيب.
والمعنى على هذا أنَّ العمل الصالح هو الذي يقبل الكلام الطيب، فلا يقبل الكلام إلا مَنْ له عمل صالح.
روي هذا المعنى عن ابن عباس، واستبعده ابنُ عطية ولم يصحّ عنه، لأن اعتقادَ أهلِ السنة أنَّ اللهَ يتقبَّل مِنْ كل مسلم، قال: وقد يستقيم بأن يتناول أن يزيد في رفعه وحسن رفعه.
فإن قلت: آية قوله تعالى: (إنما يتَقبَّلُ اللَّهُ من المتقين) تدل على قول ابن عباس؟
والجواب: أنَّ معنى المتقين يعني الذين اتقوا الشركَ، لأن التقوى على
درجات، كما قدمناه مراراً.
فلا نطيل بذكره.
وقد قال: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) .
فلا السيئة تُبْطل الحسنة، ولا العكس، على هذا يكونُ اعتقادك لا على غيره.
(يَخوضونَ في آياتِنا) :
الضمير للكفار، وذلك أنهم كانوا
стр. 1402
إذا سمعوا القرآن طعنوا فيه واستهزءوا به، فأمَر اللهُ نبيه بالإعراض عنهم حتى
يحكمَ اللَّهُ فيهم بعدْله.
(يَغْنَوْا فيها) :
يقيموا فيها، أو ينزلوا مستغنين.
والمغاني: المنازل، واحدها مَغْنى.
(يذَرَك وَآلهَتَك) :
معطوف على، (ليفسدوا
) ، أو منصوب بإضمار أن بعد الواو.
وقيل كان فرعون جعل للناس أصناماً يعبدونها، وجعل تفْسَه الإله الأكبر، ولذلك قال: (أنا رَبُّكم الأعلى) ، فآلهتك على هذا هي تلك الأصنام.
وقرأ عليٌّ بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس: إلاَهتك، أي عبادتك، والتذلل لكَ.
(يُسْتَضْعَفون) :
هم بنو إسرائيل استضعفوهم قوم فرعون، فجعلوهم خدماً يمتهنونهم في الخدمة ويُتْعبونهم في المناولة.
(يَعْرِشون) ، أي يبنون.
وقيل الكروم وشبهها.
(يَعْدون في السّبْتِ) .
يعني يتجاوزون حد الله فيهم باصطِيادهم الحوتَ.
(يَسْبِتونَ) ، يَدَعون العمل فيه.
وبضم الياء يدخلون في السبت.
(يَلْهَث) :
اللهث: تنفس بسرعة، وتحريك أعضاء الفم، وخروج اللسان، وأكثَر ما يَعْترِي ذلك الحيوانات مع الحَرِّ والتَّعَبِ، وهو حالة دائمة للكلب، ومَثل الله الذي انسلخ من آياته بالكلب، لأنه لا يعرفُ قَدْرَ اللؤلؤ والياقوت، بل يعرف الجِيفَ والقذرات الْمُنْتنة، وبلعام لم يعرف قَدْرَ ما أعطاه الله، فسُلب، وفي هذا من الإشارة لك يا محمدي ما يُذْهِل العقول في كونك أكرمك الله بآياته، وفضَّلك على كثير من مخلوقاته، فأعرضْتَ عنها، واشتغلت بالجيفة النتنة الذي قال فيها الصادق الصدوق: " الدنيا جيفة وطلابها كلاب ".
стр. 1403
وإن أعرضت عنها في بعض أوقاتك فما أسرع نَكْث العهد في رجوعك
إليها، أما سمعتَ قول الصادق المصدوق: نحن أمةٌ ليس لنا مثل السوء
" الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ".
فافهم إن كنت ذا فَهْم، والسلام.
ووَجْهُ تشبيه ذلك الرجل به أنه إنْ وعظْتَه فهو ضالّ، وإن لم تَعظْه فهو
ضالّ، فضلاَلَتُه على كل حال، كما أن لهث الكلب على كل حال.
وقيل: إن ذلك الرجل خرج لسانُه على صدره، فصار مِثْلَ الكلب في صورته ولهثه حقيقة، وهذه حالُنا لولا أنْ مَنّ الله علينا بني عظيم يشفع فينا لكنّا أعظم من هذا، وكيف لا وفِعْلُنا أعظم، وجرائمنا أجسم، لكن سيئات المحبوب حسنات، اللهم كما سترتها علينا بجاهه عندك اسْتُرْها علينا في الآخرة.
(يَمْشُونَ بِهَا) :
أخبر اللهُ بهذه الآية عن اعتراف المشركين أنَّ أصنامَهم لا تمشي ولا تَبْطش ولا تسمع ولا تُبْصر، فقال لهم: كيف تعبدونها، وبين بها كفرهم وإعراضهم عن عبادة المتصف بالسمع والبصر والقدرة والإرادة، فتعالى الله الملك الحقَّ لا إله إلا هو.
(يَتَولى الصَّالِحين) ، في أقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم.
ومَنْ كان لله كان الله له، ومَنْ راقب يراقب، ومَنْ غفل غفل عنه.
أنْتَ تريد وهو يريد، فإنْ تركتَ مرادَك لمراده أنَالَكَ ما تريد، كيف تطلب خرق العوائد وأنتَ لم تخرق من نفسك العوائِد.
(يَنْزَغَنَّك من الشيطان نَزْغٌ) :
قد قدمنا أن الخطاب بهذا لأمته، إذ الإجماعُ على عصمته، ونَزْغ الشيطان: وَسْوسته، والأمر بالمعاصي، وتحريك الغضب، وفي هذا من التعليم لأمته بوجوده ﷺ ما يعجزُ اللسان عن شكره، وكيف لا وقد بَين لنا ﷺ كيفيَة الفعل إذا اعْتَرَانا هذا
اللعين بقوله: إن كان قائماً فليجلس، وإن كان جالسا فليضطجع، ويستعيذ بالله من شره.
وفي حديث آخر لما رأى رجلا اشتدّ غَضَبه، فقال ﷺ : " إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه ما يَجِد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ".
стр. 1404
وقد وَفّق اللهُ بعْض هذه الأمة لكظْم الغيظ، وعَفْوهم عمن ظلمهم، لو ذكرنا ذلك لطال ذكرهم، كالذي كان يناول طعاما لسيده فعثر ووقعَت الصحْفَة من يده، فقتل ابْنَ سيده، فدهش، فقال له السيد: لا رَوْع عليك! فقال الغلام: (والكاظِمين الغَيظَ) .
قال: قد كظَمْتُه.
فقال الغلام: (والْعَافِين عن الناس) .
فقال: قد عفوت.
قال الغلام: (والله يحبُّ الْمُحْسنين) ، فقال: قد أحسنتُ إليك.
اذهب فقد زوَّجتك ابنتي.
وآخر دخل على فرسه الذي كان يركبه، فوجده على ثلاث قوائم، فقال:
مَنْ فعل هذا، فقال له الغلام: أنا.
قال: ما الذي حملكَ على ذلك، قال: أردت أن أغمَّك.
فقال: لأغمنَّ الذي أمركَ بذلك.
اذهب فأنْتَ حُرٌّ لوجه الله.
هكذا فلتكن حالُك إن أردْتَ اللحوقَ بهم، وإلا ظنَّ مباينَة حالك لحالهم.
هؤلاء يملأ اللهُ قبورهم نوراً، كما ملأها في الدنيا إيماناً، وأما نحن فلا ندري ما نصير إليه لا نحن فيه من غَلبة النفس والهوى والشيطان.
(يَمُدُّونَهم في الْغَيِّ ثم لا يُقْصِرُون) :
قرئ بضم الياء وفتحها، ومعناها لا يقصر الشيطان على إمداد إخوانهم من الكفار، أو لا يقصر الكفار عن غيهم.
(يَسْألُونَكَ عن الأنفال) :
يعني أن الصحابة يوم بَدْر كانوا على ثلاث فرق: فرقة مع النبي ﷺ تَحْرسُه وتُؤْنسه، وفرقة تبعت المشركين تقاتلهم، وفرقة أحاطوا بأسلاب العدوّ وعسكره لما انهزموا، فلما انجلت الحرْبُ
ونَصرَ الله نبيه رأت كلّ فرقة أنها أحق بالغنيمة من غيرها، واختلفوا فيما بينهم، فنزلت الآية: إن الأنفال، وهي الغنيمة، للهِ ورسوله.
وقيل الأنفال هنا ما ينفله الإمام لبعض الجيش من الغنيمة زيادة على حظه، فأعطاهم الرسولُ ﷺ ما غنموا وقَسمها بينهم، وفي بعض الغزوات قال لهم: لي معكم الخُمس، وهو مردود عليكم لزُهْدِه ﷺ وإيثارِه الصحابة عليه.
وقد اختلف الفقهاء:
стр. 1405
هل يكون هذا النفل الذي يعطيه الإمام من الخمس، وهو قول مالك، أو من
الأربعة أخماس، أو من رأس الغنيمة قَبْل إخراج الخمس.
(يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءَ وقَلْبِه) :
قيل يُميته.
وقيل يصرفُ قَلْبَه حيث شاء، فينقلب من الإيمان إلى الكفر، وشبه ذلك، ولذلك كان المعصوم ﷺ يقول في كل صباح ومساء: اللهم يا مُقَلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك.
ولهذا كان ﷺ يتقلَّب ويدعو لأمته ويسأله ثَباتهم.
وفي الحديث: القلبُ بين أصبعين من أصابع الرحمن يقَلّبه كيف يشاء، يعني أصابع القدرة والإرادة لا أصابع الجارحة.
وقيل لبعضهم: بِمَ عرفْتَ ربَّك، قال: بنقض العزائِم، عزمت
فنقض عَزْمي، وهممت فنقض همي، فعلمت أنَّ لي ربًّا يدَبِّر أمري.
(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) :
نور الله هداه الصادر عن القرآن والشرع المنبث في قلوب
الناس، فمن حيث سمَّاه نُوراً سمّى محاولة إفساده والصدّ في وجهه إطفاء.
وقالت فرقة: النور القرآن.
وقوله: (بِأَفْوَاهِهِمْ) عبارة عن قلّةِ حيلتهم وضَعْفها، أخبر عنهم أنهم يحاولون مقاومةَ أمر جسيم بعمل ضعيف، فكان الإطفاء بنفخ الأفواه.
ويحتمل أن يراد بأقوال لا برهان عليها، فهي لا تتجاوز الأفواه إلى فَهْم
سامع.
وقوله: (ويأبى) إيجاب يقَعُ بعده أحياناً (إلاَّ) ، وذلك لوقوعه هو
موقع الفعل المنفي، لأن التقدير ولا يريد الله إلا أنْ يُتِمَّ نورَه.
وقال الفراء: هو إيجاب فيه ضرب من النفي.
وردَّ الزجاج على هذه العبارة، وبيانُه ما قلناه.
فإن قلت: ما حكمةُ زيادة آية براءة على آية الصفِّ، واختلاف العبارتين؟
والجواب: ناسب زيادة براءة ما ورد من الطول المحكي فيها من قَوْل
الطائفتين من اليهود والنصارى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) .
وأما آيةُ الصف فمقابل بها قول عيسى ﵇: (يا بني إسرائيل إنِّي رسولُ الله إليكم مُصَدِّقاً) ، ثم قال تعالى: (فلما جاءهم بالبيِّناتِ قالوا هذا سِحْرٌ مبين) ، وليس هذا
стр. 1406
في الطول وعِدَّة الكلم كالمحكي في سورة براءة، ألا ترى أنَّ الواقع في براءة ست كلمات، وفي الصف ثلاث كلمات، والقائِل طائفةٌ واحدة.
وهذا مراعى.
(يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) :
ضمير الجماعة يعود على المنافقين الذين يحلفون: (لو استَطَعْنَا لخَرَجْنَا معكم) ، فأخبر الله رسولَه بكذبهم، وأنهم كانوا يستطيعون الخروج، ولكن تركوه كفرا ونفاقاً، وهذا كلّه في الجملة لا بتعيّن شخص، ولو عُيِّن لقُتِل بالشرع.
وانظر كيف عَبَّر هنا بالعلم بخلاف الآية بعدها.
وفي الحشر والمنافقين لأنَّ الاستطاعةَ وعدمها حكم لا يطَّلع عليه في الغالب، بل ينفرد كلّ بحاله في ذلك، إلا أنْ يعلم ذلك بقرينة، فقول المنافقين في إخبار الله تعالى عنهم: (لو استَطَعْنَا لخرَجْنَا معكم) ، غير مشاهد من ظاهرهم، فقد كان يمكن صدقهم أو صدق بعضهم لوْلا أنّه سبحانه أعلم بحالهم، فناسب التعين بالعلم.
(يَرْكُمَهُ جميعاً) .
أى يضمّه ويجعل بعضه فوق بعض.
(يوم يُحْمَى عليها) :
الضمير يعود على ما يعود عليه ضمير (ينفقونها) ، والعامل في الظرف (ألِيم) ، أو محذوف.
فانظر ما أوعد الله للمُمْسك مالَه ولا ينفقه.
وقد أخبرنا اللهُ بعذابه في آياتٍ من كتابه كقوله تعالى: (وَيْل لكلِّ هُمَزَةٍ لمَزَةٍ) .
(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ) ... إلى قوله: (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) .
(مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) .
(كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى) .
وأكرم الله الْمُنْفق بخمس كرامات:
جعل الصدقَة تقَعُ في يده قبل وقوعها في يد السَّائل، فيربيها له كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ، وتكون وقايته من المكاره، كما صحَّ أن الصدقة
لتدفع سبعين باباً من السوء، يعني في الدنيا والآخرة، لقوله ﵇: دَاوُوا مرضاكم بالصدقة.
وتحرس المال، للحديث: " حَصِّنُوا أموالكم بالزكاة ".
стр. 1407
وتطهره لقوله سبحانه: (خُذْ من أمْوالِهم صدَقَة تطهِّرُهم وتُزَكيهم) .
هذا مع ما فيها من الخلف والبركة، والكلام عليها طويل جداً.
(يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا) .
أي تارة يحلون وتارة يحرمون ولم يُرِد العامَ حقيقة، إذ كانت أحوالُهُم مختلفة.
(يُهْلِكون أنْفسهم) :
الضمير يعود على المنافقين، لأنهم كانوا يستعذرون بالأعذار الكاذبة والأيمان الباطلة.
(يَفْرَقونَ) :
من الفَرق وهو الخوف.
(يَجِدُون مَلْجَا) .
أي يلجئون إلى موضع من المواضع التي تمنعهم من رؤية رسول الله ﷺ وأصحابه.
(يَكْنِزُونَ الذّهَبَ والفِضَّةَ) .
ورد في الحديث: " كل ما أدِّيت زكاته فليس بكنز، وما لم تؤدَّ زكاته فهو كنز ".
وقال أبو ذر وجماعة من الزهاد: كلّ ما فضَلَ عن حاجةِ الإنسان فهو كنز.
وقوله هذا أفضى به إلى الخروج من الشام ومن المدينة حتى لحق بالرَّبذة، فمات بها، ولهذا قال ﷺ :
" من أراد أن ينظر إلى زُهد عيسى فلينظر إلى أبي ذَر ﵁ ".
(يضَاهِئُونَ قَوْلَ الذين كفرُوا من قَبْل) ، أى يشابهون.
فإنْ كان الضمير لليهود والنصارى فالإشارة بقوله: (الذين كفروا من قَبْل)
للمشركين من العرب، إذ قالوا: الملائكة بنات الله، وهم أول كافر.
وإن كان الضمير للمعاصرين للنبي ﷺ من اليهود والنصارى فالذين كفروا من قبل هم أسلافهم المتقدمون.
(يَلْمِزكَ في الصّدقَاتِ) .
أي يَعِيبك على قسمتها، وذلك أنَّ المنافقين كانوا يقولون: يعْطِي مَنْ أحبَّ من أصحابه، ويمنعنا.
وقيل هي في الذي قال: اعدل يا محمد، فإنكَ لم تعدل.
(يُؤْمِنُ بالله ويؤْمِن للمؤمنين) .
هذا من أوصافه ﷺ -
стр. 1408
يقال: أمنت لك إذا صدقتك، ولذلك تعدَّى هذا الفعل بإلى، وتعدّى يؤمن
بالله بالباء.
(يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ) :
الضمير في (عَلَيْهِمْ) و (تُنَبِّئُهُمْ) و (قُلُوبِهِمْ) عائد على المنافقين، يعني أنهم كانوا يخافون أن ينزَّل في شأنهم سورةٌ على النبي ﷺ ) تُخْبره بما في ضمائرهم من النقص لرسول الله ﷺ ولأصحابه، وذلك على جهة الاستهزاء والسخرية.
وقال الزمخشري: إن الضمائر في عليهم وتنبئهم للمؤمنين، وفي قلوبهم للمنافقين، والأول أظهر.
(فإنْ يتُوبوا يكُ خَيْرًا لهم) :
فتح الله في هذه الآية بابَ التوبة للمنافقين، فتاب منهم الجُلاَس.
وحَسُنَ إسلامه بفَضْل الله عليه.
(يسْخَرُون منهم) :
الضمير للمنافقين، وذلك أنهم كانوا يستخفُّون بالمسلمين الذين يتصدَّقون بما يجدون ويقولون: إن الله كنيّ عن صدقةِ هذا.
(يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) :
يعني أنهم كانوا يؤذون رسولَ الله ﷺ بقولهم: إنه يسمعُ فيهم أصحابه إذا أخبروه بعداوتهم لهم.
فردَّ الله بقوله: (قل أُذُنُ خَيْرٍ لكم) ، لأنه يصفح عنكم ولا يؤاخذكم بأقوالكم، ولو لم يسمع فيكم لأستأصلكم.
وقد كان بعض الصحابة يستأذن في قَتْل بعضهم، فيقول: أو يتحدث أنَّ محمداً يقتلُ أصحابه.
(يَقْبِضُونَ أيديهم) :
كناية عن بخْلهم وعدم إنفاقهم، في، طاعةِ الله ورسوله.
(يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) .
أي يُمْتَحنون بالأمراض والجوع.
وقيل بالأمر بالجهاد.
واختار ابنُ عطية أن يكون المعنى: يفضحون بما يكشف من سَرَائرهم.
стр. 1409
(يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ) :
كان سبب خوفهم أنْ ينقل عنهم كذبُهم، فكان ينظر بعضُهم إلى بعض، ويقول: إياكم أن يُنْقَل عنكم هذا الاستخفَافُ.
وقيل: كان ينظر بعضهم إلى بعض على وجه التعجّب ومِمَّا ينزل
في القرآن مِنْ كشْف أسرارهم.
(ويهْدي مَنْ يشاء) .
قد قدمنا أنَّ الله تعالى عَمَّ الدعوة وخَصَّ الهداية، إذ ما كلُّ مدعوّ داخلٌ، ولا كل مُضِل مقيم، واحد قاعد عند الباب ينتظر الدخول ولم يدخل، وآخر وجد الباب مفتوحاً فدخل.
(يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) : في هذه الآية احتجاج على الكفار
بأنَّ شركاءهم لا يقدرون على بدء الخَلْق ولا عَوْده.
فإن قلت: كيف يحتجّ عليهم بإعادة الخَلْق وهم غير معترفين به؟
فالجواب أنهم معترفون أن شركاءهم لا يقدرون على الابتداء ولا على
الإعادة، ففي ذلك إبطال لهم ولربوبيّتهم، فوضعت الإعادة عليه موضع المتفق عليه لوضوح برْهانها.
(يَهِدِّي) .
بتشديد الدال: معناه لا يهتدي في نفسه، فكيف يهدي غيره.
وقرئ بالتخفيف بمعنى يهدي غيره.
والقراءةُ الأولى أبْلَغ في الاحتجاج.
(يَأتهم تأويلُه) :
الوعيد الذي في القرآن لهم.
(يلبثوا إلا ساعة من النهَار) :
تقليل لمدة بقائهم في الدنيا أو في القبور.
(يتعارَفُون بينهم) :
يعني يوم الحشر، فهو على هذا حالٌ من الضمير في (يلبثوا) .
(يستَنْبِئُونك) .
أي يسألونك عن الوعيد والدين والشرع:
стр. 1410
أحق هو، فأمره الله بأن يقول: (إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) .
(يرْهَق) : يغشى.
(يوم القيامة) ، ظرف منصوب بالظرف.
والمعنى أي شيء يظنون أن يُفعل بهم في ذلك اليوم.
(يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) ، أي لا يغيب عن علم الله مثقَال ذرة.
وقد قدمنا أن الذرة صغار النمل أو بيضها.
فإن قلت: ما فائدة تقديم الأرض على السماء في آية يونس بخلاف سبأ؟
والجواب لأن الشهادة على أهل الأرض، وقُدمت السماء في سبأ لأنَّ حقَّها
التقديم، لأنها مصعد الأمر، ومحلّ العلو، ومسكن الملائكة، وهي مشاهدة لهم، ومستقبل الداعين، ومنها ينزل الأمر، ورزق العباد، وفيها الخزَنَة من الملائِكة، وإليها يُصعد بأرواح المؤمنين، وتعرج الملائكة السياحون في الأرض المسؤولون عن أعمال العباد، فكان العلمُ بما فيها أجلى وأظهر، وكان العلم بما في الأرض أخفى، وهذا بالنظر إلينا، وبحسب متعارَفِ أحوالنا، وإلا فعِلْم بارئنا سبحانه بما في الأرض وما في السماء على حدٍّ سواء، كما أن علمه بالسر والجهر مستوٍ: (سواءٌ منكم مَنْ أسَرَّ القوْلَ ومَنْ جَهَر به) .
(يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) ، أي ينفعكم في الدنيا بالأرزاق والنعم والخيرات.
وقيل: هو طيب عيش المؤمن برجائه في الله ورضاه بقضائِه، لأن الكافر يمتَّعُ في الدنيا بالأرزاق، والضمير في " فَضْله " يحتمل أن يعود على الله تعالى أو على ذِي فَضل.
(يثْنُون صدُورَهم ليستَخْفوا منه ألاَ حين) .
стр. 1411
الضمير للكفار، وذلك أنهم كانوا إذا لقيهم رسولُ الله ﷺ يردون إليه ظهورهم لئلا يَرونه من شدة البغض والعداوة.
والضمير في " منه " على هذا يعود على رسول الله ﷺ .
وقيل: إن ذلك عبارة على ما تنْطَوِي عليه صدورهم من البُغْض
والغل.
وقيل: هو عبارة عن إعراضهم، لأن من أعرض عن شيء أتى عليه
الخوف.
والضمير في (منه) على هذا يعود على الله تعالى، أي يريدون أن
يستخفوا على الله، فلا يطلع رسوله والمؤمنون على ما في قلوبهم.
(يستَغْشُونَ ثيابَهم) .
أي يجعلونها أغشية وأغطية، كراهةً لاستماع القرآن.
والعاملُ في (حين) (يعْلَم ما يُسِرّونَ وما يعلنون) .
وقيل: المعنى يريدون أن يستخفوا حين يستغشون ثيابَهم، فيوقف عليه على
(هذا) ، ويكون (يعلم) استئنافاً.
(يكونوا مُعْجزين) ، أي مُفْلتين.
(يضاعف لهم العَذَابُ) :
إخبار عن تشديد عذابهم، وليس بصفة لأولياء.
(يَئُوس) :
فعول، من يئستُ، وأخبر الله في هذه الآية أن الإنسان يقْنَط عند الشدائد، ويفخر ويتكبَّر عند النعم.
(يُجَادِلنا في قَوْم لوط) :
معنى جدال إبراهيم مع الملائِكة في رَفْع العذاب عن قوم لَوط، لأن الله وصفه بالحلم والرحمة.
(يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) :
الضمير للجدال.
أمره الله أن يسكتَ عنهم، لأن القضاء نفذ بعذابهم.
(يقْدُمُ قومَه يَوْمَ القيامة) :
الضمير لفرعون، يعني أنه يتقدمهم إلي النار، وقد قدمنا أنَّ كل طائِفة تتبعُ ما كانت تعبد، ويعقد لكل صاحب خصلة لواء فيتبعونه مَنْ كان يفعل فِعْلَه في الدنيا.
(يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ، أي يحضره
стр. 1412
الأوّلون والآخرون، ويجمعون الحسنات والثواب والعقاب، وإنما عَبَّر باسْمِ
المفعول دون الفعل ليدلَّ على ثبوت الجمع ذلك اليوم، لأن لفْظ مجموع من لفظ يجمع.
(يوم يأت) :
العامل في الظرف (لا تَكلَّم) أو مضمر، وفاعل (يَأتِ) ضمير يعود على يوم (مشهود) .
وقال الزمخشري: يعود على الله تعالى كقوله: (أو يأتي رَبُّك) .
ويعضده عَوْد الضمير عليه في قوله، (بإذنه) .
(يا أبَتِ) ، أي يا أبي، والتاء للمبالغة، وقيل للتأنيث.
وكُسرت دلالة على ياء المتكلم، والتاء عوض من ياء المتكلم.
ودَعَا يوسف أباه باسم الأبوة ولم يدْعه باسمه، لأن مَنْ دعا أباه باسمه غلط، فكيف بمن جفاه.
وقد أمرك الله أنْ تعاملَ أباك بمعاملتك مع الرسول، قال تعالى: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) .
وقال: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) ، وهو كان أباك في
الدين، وكذلك علمك مع أبي النسب، كما علمك العاملة مع أبي الدين.
ويوسف قال: يا أبت - اقتدى فيه بجده إبراهيم، لأنه دعا أباه الكافر باسم الأبوة، والله تعالى أعطاك أبوين مؤمنين، أنت أولى بتحليتهما، فإن الله تعالى أعطى خليله وحبيبه أبوين كافرين، وكان يتحلاَّهما وأنْتَ يا عَبْدَ الله تلحق بأبويك وتدخل معهما الفردوس الأعلى، قال تعالى: (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) .
(يَخْل لكم وَجْه أبيكم) :
إخوة يوسف طلبوا ألاَّ يشاركهم أحد في محبته لهم وإقباله عليهم، فلما رأوه مال إلى يوسف دونهم وصلتهم الغيرة، والحبيب يغير على حبيبه، وأنْتَ يا عبد الله إن طلبت الخَلْوَة مع غير مولاك تضيق عليك المسالك، لأنه سبحانه غيور لا يطلع على عبده، فيجد فيه غيرة.
قال تعالى: إن طلبتني أخدمتك المكونات، وإن طلبت غيري أعوزتها عليك، ولا يكون لكَ إلا ما أريد.
стр. 1413
(يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) :
السيارة جمع.
وهم القوم الذين يسيرون في الأرض للتجارة وغيرها، ومنه قولهم: لقيته التقاطاً ووردت الماء التقاطا: إذا لم ترده.
(يعْصِرون) .
أي يعصرون الزيتون والعِنَب والسمسم وغير ذلك مما يعْصر.
(يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ) :
خاف يعقوب على أولاده من العين إن دخلوا مجتمعين، إذ كانوا أهْل جَمَال وهيْبة، ويؤخذ من هذا الحذر، والحذَر لا يغني من القدر، ولكن الله أمر بالتحرز مما يخاف منه، ولذلك قال ﷺ : " المؤمن كَيِّس حذر ".
وفي رواية: " الحزْم سوء الظن ".
(يدَبِّر الأمْرَ يفَصِّل الآياتِ) :
يعني أمر الملكوت وآيات كتبه.
(يغْشِي الليلَ النَّهارَ) .
أى يلبسه فيصير له كالغشاء، فيصير أسود مظلماً، كما كان أبيض مشرقاً.
والأَول فاعل في المعنى، وهو على إضمار فِعْل، أي ويغشي النهار الليل.
ويحتمل أنْ يراد في الآية الزمان الذي بين الفجر وطلوع الشمس على القول بأنه من النهار، فهو إشارة إلى أن الليل يخالط النهار في ذلك الزمان، ولذلك اختلفوا هل من الليل أو من النهار أو قسم ثالث قائم بنفسه، فقيل الكلام في ذلك الزمان باعتبار الشرع، وفي الآية باعتبار اللغة.
(وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ) :
قد قدمنا تسبيحَ الرعد وأنه يسبح الرعد من خيفته بحمده، والملائكة
بحمده من خيفته، والصواعق النازلة من السماء عذاباً لله شعلة يصيب بها من يشاء من عباده وخَلْقه.
(يُريكم البَرْقَ خَوْفاً وطَمعاً) .
نسب الرؤيَة للبرق والإنشاء
стр. 1414
للسحاب، لأن الأشياء المرئية أسهلها على البصر السواد والخضرة، وأصعبُها البياض الساطع، فنحن نعجز عن مداوَمَةِ النظر إليه.
وانظر قوله: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَا) .
وأما السحاب فجِرْم يقبل حدًّا.
فالنعمة التي فيه هي إبرازهُ من العدم إلى الوجود.
وخوفاً وطمعا حالان، ويحتمل أن يكونا مفعولاً من أجلهما، إذْ ليسا عنده فعلين لفاعل الفعل المعلّل في أن الله لم يخلق الشر ولا أراده، ونحن نجيز ذلك، ونقول: أراده وخلق في قلوب بَعضِنا الخوفَ منه، وفي قلوب آخرين الطمعَ فيه، والفَرْقُ بين إرادة الخوف وبين الخوف أنكَ تريد من زيد أن يخاف منك ولا تقدر على إيقاع ذلك به.
الزمخشري: يخاف المطر مَنْ يضرّه كالمسافر، ومن في جَرِينه التمر والزَّبيب، ومَن له بيت يقطر عليه، ومن البلاد من يتضررُ أهلُها بالمطر كأهْل مصر، فإنه يفسد عليهم أبنيتهم ونزولُ المطر فيها قليل جداً.
(يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى) .
انظر هل تارك الصلاة مستجيب لنُطْقِه بالشهادتين والظاهرُ أنه مستجيب
بالشهادتين فقط لا مطلقاً.
(يَسْتَحِبّون الحياةَ الدنيا) .
أي يختارونها على الآخرة.
والضمير عائد على الكفار، ومَنْ تشبَّه بهم في فعلهم يخاف عليه من اللحوق بهم في حبّه للدنيا وتفضيلها على الآخرة.
(يتَجَرَّعه ولا يَكاد يُسِيغُه) :
الضمير يعود على مَنْ أُدخل النار، يعني أنه يتكلف جرعه، وتصعبُ عليه إساغته، يعني بَلْعه، ونَفْي (كاد) يقتضي وقوعَ الإساغة بعد جهد.
(يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) :
قرئ بفتح النون وكسرها، وهما لغتان.
وفي هذه الآية دليل على تحريم القُنوط، ووصف القانط في
هذه الآية بالضلال، وفي سورة يوسف بالكفر، وكلاها بمعنى واحد، لأن سببه
стр. 1415
تكذيب الربوبية، وجهل بصفات الله وقدرته، وماذا يزيد في ملكه أو ينقص
تعذيب الخلق كلّهم أو رحمتهم.
(يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ) :
المقصود بهذه الآية الاعتبار والنظر، ولذلك ابتدأها بقوله تعالى: (أولَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ الله من شيء) .
والرؤية بصرية بسبب تعديها بإلى، كما قال تعالى: (أفَلاَ ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) ، والإنكاز ليس هو لنفس الرؤية، بل للازمها.
وانظر هل وقع التوقيف بمجموع تفيّؤ الظلال وكونها سجداً لله، أو بكونها سجداً لله فقط، وهل قوله: يتفيّأ ظلاله حال أو صفة، ونظيره
قولك: ألم آتكَ بزيد العالم راكباً، وقوله: ألم آتك بزيد عالما راكباً.
والصواب الأول، لأن نفيها أمر حسّي مشاهد، وكونها سجداً للهِ لا يدْرَك بالمشاهدة، بل بالدليل العقلي.
وعلى هذا التأويل تكون الآية حجة لمن يقول: إنَّ العرض لا وجود له.
والمشهور عند المتكلمين أنه أمر وجودى، حكى القولين المقترح.
ووجة الدليل أنَّ الآية دلّت على أنَّ كل شيء مخلوق لله تعالى، وأن ظله
متفيّأ ساجد للهِ تعالى، والتفيّؤ من صفات الأجرام والذوات، والعَرض ليس
بذات، فليس بمخلوق للَه تعالى، وهذا كفْر، وإذا جعلنا يتفيأ صفة لشيء يكون المعنى أن كلَّ شيء موصوفٌ بالتفيؤ، فهو مخلوق للهِ، فأنكر عليهم عدمَ الاعتبار به حالَ سجوده، وقوله يتفيأ، أي يرجع إلى اليمين، أي يريد يمين الناظر إليه لأن الناظر إلى الظل أو النهار ينظر إلى جهةِ القبلة، حيث محلّ طلوع الشمس، فيكون الظلّ حينئذ عن يمينه، فلذلك بدأ باليمين، فالظلّ يرجع عن جهة اليمين إلى جهة الشمال، لأن " عن " تقتضي المجاوزة، فالمراد مجاوزَتُه جهةَ اليمين إلى جهة الشمال، والعكس.
فإن قلت: لم أفرد اليمين وجمع الشمال؟
فالجواب: بوجهين:
الأول أنَّ الظلّ حالة كونه عن يمين الناظر، وذلك أول النهار، يَأخذ في النقص، فكانت له جهة واحدة نقص عنها، وفي آخر النهار
стр. 1416
يأخذ في الزيادة إلى الشمال والجهة التي طال ظلّه إليها لم تكن له قبل ذلك، وكلما زاد بعد إلى جهة يسار الناظر، فكأنّ تلك الزيادة بتكثرها واختلافها شمائل، بخلاف أول النهار فإنه لم يزدْ، بل نقص عن حدِّه الذي كان، فصار كأنه بعْض اليمين، فضلاً عن أن يكون أيمان.
الوجه الثاني أنَّ اليمين مأخوذ من اليمن، وذلك راجع إلى طريق الحق.
والشمال راجع إلى طريق الباطل بدليل قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ) .
(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ) .
وطريق الحقّ واحدةٌ وطرقُ الباطل متعددة، والآية دالَّةٌ على كمال التوحيد
لله ، لأن مذهبنا أنَّ الأعراضَ لا تبقى زمانين، فما مِنْ جوهر إلا وهو مفتقرٌ في كلّ زمن إلى أعراض يستمد بها، ولا بد لذلك مِنْ فاعل، ولا يصح تعدّد ذلك الفاعل لما تقرَّرَ في دلالة المانع.
فإن قلْتَ: هلا قيل: أولم يَرَوْا إلى ما خلق من شيء - فقط، ويكفي هذا في
الاعتبار، فإنَّ العبرةَ بالتفكر بالنظر إلى لقاح الشجرة التي في رؤية العين: عود يابس، وبروزُ الثمر منها والورق أقوى من العبرة بالنظر إلى ظلالها؟
والجواب: أنَّ الظلال إنما تنشأ عن ملاقاة نور جرم الشمس جرم الشجر
الكثيف المظلم.
ومذهبنا أنَّ الأجسامَ متساويةٌ في الحد والحقيقة، فلا فَرْقَ بين الشمس
والشجرة، فحجبت الشجرة بكثافتها وظلمتها نورَ الشمس، وما ذاكَ إلا
لتخصيص أوْجبه الله تعالى.
ولا بدّ لذلك من مخصِّص، ويستحيل تعدّده، فدلّ ذلك على أنه واحد.
قال الزمخشري: والسجود هنا الانقياد، وجعله متَنَاوِلاً للعاقل وغيره، لأنه
قال: أي يرجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما
سخرَها له من التفيؤ، والأجرام في نفسها صاغرةٌ منقادة لأفعال الله فيها،
стр. 1417
وهذا مما يردّ به على من قال: إن صيغة أفعل للقَدْرِ المشترك بين الوجوب
والندب.
ويقول: إن القَدْرَ المشترك لا وجودَ له في كلام العرب، مع أن
الزمخشري أثبته هنا، واستعار هنا الأيمان والشمائل لأنهما في الحقيقة للإنسان.
(يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ) :
المعنى يريد وينظر هل يمسك الأنثى التي بشتر بها على هوَانِ وذل، أو يدفنها في التراب حيَّة، وهي الموءودة المذكورة في: (إذا الشَّمسُ كورت) .
(يَجْحَدونَ) :
يعني أن هؤلاء الكفار ينْكرون نعَم اللَهِ عليهم في جَعْلهم أزواجاً من أنفسهم زيادة في لذاتهم، وجعل للأنثى ما للذكر من الشهوة، ليكملَ مرادهم، ورزقهم من الطيبات، فهل ينْكِر هذا إلا مَنْ طبع على قلبه، لأنه يشاهدها.
فإن قلت: لم جمعت حواء في قوله تعالى: (والله جعل لكم مِنْ أنفسكم
أَزواجاً) ؟
والجواب اعتباراً بنسلها، وأطلق عليهم أزواجاً مجازاً، استعمالاً للفظ في
حقيقته ومجازه.
(يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ) .
يعني السماوات والأرض والجبال.
وقيل: بل أحال فكرتهم على ما هو كبير عندهم، أي لو كنتم حجارةً أو حديداً أو شيئاً أكبر عندكم من ذلك وأبعد عن الحياة لقَدَرْنَا على بعثكم.
(يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ) :
الدعاء هنا عبارة عن النَّفْخ في الصور للبعث، والاستجابة عبارة عن قيامهم من القبور طائعين منقادين.
و (بِحَمْدِهِ) في موضع الحال، أي حامدين له.
وقيل معنى (بِحَمْدِهِ) أي بأمره.
(ينْقَضَّ) : وزنه ينفعل.
وقيل يفعل بالتشديد كيَحْمَرّ.
стр. 1418
ومعناه يسقط، وإسناد الإرادة إلى الجدار مجاز.
ومثل ذلك كثير في كلام العرب، وحقيقته أنه قارب أنْ ينقضَّ.
(يَظْهَرُوه) :
الضمير يعود على السد، ومعناه يعلوه.
(يَفْرُط) : يُعَجّل بالشر.
(يُخَيَّلُ إليه مِنْ سِحْرِهم أنها تَسْعَى) :
استدلّ بعضهم بهذه الآية على أنَّ السِّحْر تَخْييل لا حقيقة.
وقال بعضهم: إن حِيَل السحرة في سعْي الحبال والعصيّ هي أنها حشَوْها بالزئبق، وأوقدوا تحتها ناراً، وغطوا النارَ لئلا يراها الناس، ثم وضعوا عليها الحبال والعصيَّ.
وقيل جعلوها معرضة للشمس، فلما أحس الزئبق بحرِّ النار أو الشمس سالَ وهو في حَشْو الحبال والعصي فحملها، فيخيّل للناس أنّها تمشي.
فألقى موسى عصاه فصارت ثعباناً ابتلعت ذلك كلَّه.
(يَبَسًا) .
أي يابساً، وهو مصدر وُصِفَ به، وإنما كان يابساً ليستطيعوا المرور عليه ويسرعوا فيه، فيذهب روعهم مِنْ لحوقِ فرعون لهم.
وأعظمُ من ذلك أنَّ الله فتح لهم في البحر طاقاتٍ ليرى مَنْ في هذا الطريق من
في هذا، فيتأنّسونَ لأنها كانت اثني عشر طريقاً، فسبحان مَنْ لا يُعْجزه شيء.
(يَتَخَافَتُون بَيْنَهم إن لبثْتم إلاَّ عَشْراً) :
يعني عشر ليال.
والضمير يعود على أهل القيامة فيسِرّ بعضُهم إلى بعض، ويقول: هل لبثتم إلا يوماً.
وقيل: يعني الْمُكْثَ في القبور.
والذي قال: إن لبثْتُم إلا يوماً أعلمهم بقلةِ الْمكْثِ فيها.
وفي الحقيقة فالدنيا والْمكْث في القبور كلَمْحِ البصر أو هو أقرب، ولذلك يقول تعالى في آية أخرى: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) .
فإنّا للَه وإنا إليه راجعون على غَفْلتنا على ما يُراد بنا.
الدنيا كلها ساعة، وليس لك منها إلا النَّفَس الذي أنْتَ
فيه ة إذ كم مَنْ تنفَّس نَفساً فَفَجَأَة الموت قل النفس الآخر.
وسيظهر لك تحقيق ذلك إذا انْجَلَى الغبار.
стр. 1419
(يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) .
أي يجعل الجبالَ كالغبار ثم يفرقها.
(يَمّ) :
قد قدمنا أنَّ المرادَ به البَحْر بالسريانية.
وقال ابن الجوزي بالعبرانية.
وقال شيذلة بالقِبطية.
(يرْكضون) :
الضمير يعود على الكفار، والمعنى أنهم يوم القيامة يَرْكضُون على أرجلهم تشبيهاً لهم بمَنْ يركض الدابّة.
فإن قلت: قد قدمتم أنهم يحشَرون على وجوههم؟
فالجواب أنَّ الملائِكة تسوقُهم بعصيٍّ من نار، فإذا رأوهم قاموا على أقدامهم
يركضون فراراً منهم، فتقول لهم الملائكة على وَجْه التهكم: لا تركضوا اليوم.
(يَدْمَغُه) .
أي يَقْمَعه ويبطله.
وأصله من إصابة الدماغ بالضرب، وهو مقتل.
(ينْشِرون) :
يعني أن الآلهة التي اتخذها المشركون لا يقدرون أَنْ يَنْشروا الموتى من الأرض، فكيف تدعونها بالآلهة.
والإله مَنْ له القدرة على الإحياء والإماتة.
(يَغوصونَ) :
يعني أن الشياطين كانت تدخل في الماء لاستخراج الجَوهر من البحار.
(يَنْسِلون) :
أي يسرعون.
ويقال مر الذئب ينسل ويعسل.
والضمير ليأجوج ومأجوج، أي يخرجون في كل طريق لكثرتهم.
وقيل لجميع الناس.
(يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) .
أي يُذَاب، وذلك أنَّ الحمِيمَ إذا صبَّ على رؤوسهم وصَلَ حَرّه إلى بطونهم، فأذاب ما فيها.
وقيل: معنى (يُصْهَرُ) ينضج بلسان أهل المغرب، حكاه شيذلة.
стр. 1420
(يوْمٍ عَقِيم) :
يعني يوم بَدْر، لأنهم كانوا يظنون استئصالَ المسلمين، لأن الله قلّلهم في أعين الكفار.
وقد حضر فيها صنادِيد المشركين وشجْعانهم فأمكن الله منهم المسلمين، وكان يوماً عظيما، لأنها كانت أول غزوة أرعب الله بها الكفار وأرغمهم.
(يكادون يَسْطون) :
من السطوة، وهي سرعة البَطْش.
والضمير يعود على الذين كفروا.
ويُعْرَف ذلك في وجوههم بعبوسها وإعراضها.
(يجْأرون) .
أي يستغيثون ويصيحون.
والضمير راجع على المأخوذين بالعذاب، فإن أراد بهم قتالَ المتحرفين يوم بَدْر فالضمير في (يجْأرون) لسائر قريش، أي ناحوا على القتلى.
وإن أراد بالعذاب شدائد الدنيا أو عذاب الآخرة فالضمير لجميعهم.
(يَأْتَلِ) .
أي يحلف، فهو من قولك: آليتُ إذا حلفتُ.
وقيل معناه: يقصر، فهو من قولك: ألوت، أي قصرت، ومنه: (لا يألونكم خَبَالاً) .
ونزلت الآية بسبب مِسْطح، فإن أبا بكر كان ينْفِق عليه، فلما وقع في عائشة حلف أَلاَّ ينْفِقَ عليه، فعاتبه الله على عدم النفقة، وأمره برَدِّها.
وهذه أرْجَى آية في كتاب الله، لأن الله عاتب حبيبه على عدوِّه، وأمره بالعفو عنه.
(يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) .
مبالغة في وصف صفائه وحسنه.
(يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) .
أي يوقق الله مَنْ يشاء لإصابة الحق.
فهنيئاً لكَ يا محمدي على هدايتك وتوفيقك.
وكيف لا وقد سمّى اللَه الإيمانَ في كتابه بنحو الثلاثين اسماً، وهل ذلك إلا لعظمه، قال تعالى:
стр. 1421
(اهْدِنا الصراط المستقيم) .
(ذلك الدِّين القَيِّم) .
(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)
الكلمة الطيبة: مثل كلمةٍ طيبة، (قولاً سديداً) .
(العرْوة الوثقى) .
(وكلمة الله هي العليا) .
(وجعلها كلمة باقية في عقبِه، (وألزمهم كلمةَ التَقوى) ، (وقال صواباً) ، (إنَّ الدِّين عند الله الإسلام) .
(إن الله يَأمر بالعدل والإحسان) .
(ولكن البِرَ من اتَّقَى) .
(من جاء بالحسنةِ) .
(هل جَزَاءُ الإحسان إلا الإحسان) .
(قُلْ أمر رَبِّي بالقِسط) ، (هو الذي أرسل رسولَه بالهدى ودِين الحق) .
(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) .
(صبغة اللَه) ، (ملَّة أبيكم إبراهيم) ، (شهد الله) .
(يخافون أَنْ يَحيفَ الله عليهم) :
ضمير الفاعل يعود على الذين في قلوبهم مرض.
وضمير المفرد يعود على الله، وإنما أسنده إلى الرسول، لأنه يحكم بأمره وشَرْعه.
(يَتَسلّلُون) :
يخرجون من الجماعة واحداً واحدا، كقولك:
سللت كذا من كذا إذا أخرجته منه.
(فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ) :
القائل لذلك هو الله ، والمخاطب المعبودون مع الله على العموم.
وقيل الأصنام خاصة.
والأول أرجح لقوله: (ثم يقولُ للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون) .
وقوله: (أأنْتَ قُلْتَ للناسِ اتَّخِذوني وأمي إلهين من دون الله) .
و" أم " هنا معادلة لما قبلها.
والمعنى أن الله تعالى يقول للمعبودين: أأنتم أضْلَلْتُمُوهمْ أم هم ضلُّوا السبيل مِنْ تِلْقَاء أنفسهم
стр. 1422
باختيارهم، ولم تضلوهم أنتم، ولأجل ذلك بَيّن هذا المعنى بقوله: (هم)
ليتحقق إسناد الضلال إليهم، وإنما سألهم الله تعالى هذا السؤال مع عِلْمِه بالأمور ليوبخ الكفارَ الذين عبدوهم.
(يكون لِزَاما) .
أي يكون العذاب ثابتاً، وإنما أضمره وهو اسْمُ كان، لأنه جزاء التكذيب المتقدم.
واختلف هل يكون العذاب هنا القَتْل يوم بَدْر، أو عذاب الآخرة.
(يَضِيقُ صَدْرِي) :
بالرفع عطفاً على أخاف، أو استئناف.
وقرئ بالنصب عطفاً على يكذبون.
(يوم لا يَنْفَعُ) ، وما بعده منقطع عن كلام إبراهيم، وهو من كلام الله تعالى.
ويحتمل أن يكون من كلام إبراهيم.
(يَنْبغي لهم وما يَسْتطِيعون) .
أي لا يستطيعون من الكهانة، لأنهم منعوا من استراق السمع مُذْ بعث نبينا ﷺ ولا يقدرون عليه.
فكيف يقولون إن هذا القرآن كهانة تنزلَتْ به الشياطين.
ولفظة (ينبغي) تارة تستعمل بمعنى لا يمكن، وبمعنى لا يليق.
(يَهيمون) ، استعارة وتمثيل.
والمعنى أن الشعراء يذهبون في كل واد من الكلام الحقّ والباطل، ويفرطون في التجوّز حتى يخرجوا إلى الكذب.
(يسْتَصرخه) .
أي يستغيث بموسى.
وذلك أنه لقيه قاتلُ القبطي بالأمس يقاتلُ رجلا آخر من القبط، فاستغاث بموسى لينصره كما نصره بالأمس، فعَظُم ذلك على موسى، وقال له: (إنك لَغَوِي مُبين) .
(يَتَرَقَّبُ) .
أي يتحسس هل يطلبه أحد، لأنه شاع خبره من الإسرائيلي الذي قال له: (أتريد أنْ تقْتُلني كما قتلْتَ نفساً بالأمس) ، فلما
стр. 1423
سمع القبطي ما قال الإسرائيلي انطلق إلى فرعون فأخبره بذلك، فأمر فرعون
بقَتْل موسى، ولهذا قيل: عدوٌّ عاقل خير من صديق جاهل، والإشارة فيه أن
موسى ﵇ كان كريماً، والإسرائيلي لئيما، فلم ينظر موسى إلى لؤمه، ولكن عامَلَه بكرمه.
وأنْتَ يا محمديّ كيف يعاملك ربُّك، وقد أقررْتَ له بالوحدانية ولنبيِّه
بالرسالة، وقد أعطاء واصْطَفاك من غير سؤال منك، أحبَّك وأقرضك، وأسبغ عليك نِعَمَه ظاهرةً وباطنة، وأعذر إليك بقوله: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) ، ووَعدكَ بإجابتك.
فمَنْ أولى منك بالكرامة!
فإنْ قلت: كيف يستغيثُ الإسرائيلي بموسى وقد أراد موسى أن يبطش
بالقبطي الذي هو عدوّ لهما، ثم قال له: (أتريد أنْ تَقْتلني) ؟
والجواب: يحتمل أن الإسرائيلي لما رأى موسى يبْطش بالقبطي وهو غضبان
كغضبه بالأمس خاف أن يكونَ أراده، ولم يُرِده موسى.
أو لما رأى عَجْزَ موسى عن استصراخه لما صدر منه بالأمس مِن القتل فضَحه الإسرائيلي.
(يَأتَمِرُون بكَ ليقتلوك) :
لما أمر فرعون بقَتْلِ موسى أخبره مَنْ حضر عند فرعون، أو أخبره من سمع الخبر، وقال له: سمعتهم يتآمرون بك لما قتلت القبطي.
وخصت آيةُ القصص بتقديم الرجل في قوله تعالى: (وجاء رجل) ، لأن قبله: (فوجد فيها رجلين يَقْتَتِلان) .
وخصت سورة يس بالتأخير، لأنه كان يعبد الله في جبل، فلما سمع خَبرَ الرجل سَعى مستعجلاً.
وقد قدمنا أنَّ السعي من أوصاف الإسراع في قوله تعالى: (يأتِيْنَكَ سَعْياً) .
فانظره هناك.
(يُصْدِرَ الرِّعَاءُ) .
بضم الياء وكسر الدال فعل متعدٍّ.
والمفعول محذوف تقديره يصدر الرعاء مواشيَهم.
وقرئ بفتح الياء وضمِّ الدال، أي ينصرفون عن الماء.
стр. 1424
(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ) :
روي أنَّ غلب الروم لفارس وقع يوم بدْر.
وقيل يوم الحدَيبية، ففرح المسلمون بنَصْر الله لهم على قريش.
وقيل: فرح المؤمنون بنصر الله لهم على الفرس، لأن الروم أهْل
كتاب، فهم أقرب إلى الإسلام، وكذلك فرح الكفّار من قريش بنَصْر الفرس على الروم، لأن الفرس ليسوا بأهل كتاب، فهم أقرَب إلى كفار قريش.
وروي أنه لما فرح الكفَّار بذلك خرج إليهم أبو بكر الصديق ﵁ فقال: إن نبينا ﷺ قد أخبرنا عن الله أنهم سيغلبون، وراهنهم عشر قِلاَص إلى ثلاث سنين، وذلك قبل أن يحَرّم القمار، فقال ﷺ : " زِدهم في الرهن واستَزدْهم في الأجَل "، فجعل القلاص مائة والأجَل تسعة أعوام، وجعل معه أبيّ بن خلف
مثل ذلك فلما وقع الأمر على ما أخبر الله به أخذ أبو بكر القلاص من ذرية
أبيّ بن خلف، إذ كان قد مات، وجاء إلى النبي ﷺ فتصدّق بها.
(يَرْبُو) : يزيد.
وقدمنا أن عقوبة الربا مَحْق المال، ومحاربة الله والكفر، والخلود في النار.
وقيل: إن شرب الخمر، وأكل الربا، وأموال اليتامى، وتَرْك الصلاة، والزنى يُخَاف على صاحبها من سوء الخاتمة.
وهذا كله موجود في كتاب الله.
اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رَبّ أن يحضرون.
(يومئذِ يصَّدَّعون) :
من الصدع، وهو الفرقة، أي يتفرقون: فريق في الجنة وفريق في السَّعِير.
(يَمْهَدون) :
يوطئون، وهو استعارةٌ من تمهيد الفِرَاش ونحوه.
والمعنى أنهم يفعلون ما ينتفعون به في الآخرة.
(يخرج من خِلاَله) .
أي يخرج المطر من شقاق السحاب الذي بيْنَ بعضه وبعض، لأنه متخلّل الأجزاء.
(يؤفكون) .
أي مثل هذا الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الحق.
والتحقيق حتى يروا الأشياء على غير ما هي عليه.
стр. 1425
(يوم البَعْث) :
تقرير لهم، وهو في المعنى جوابُ الشرط مقدر، تقديره إنْ كنتم تنكرون البَعْثَ فهذا يومُ البعث.
(يستَخِفَّنك) :
من الخفة، أي لا تضطرب لكلامهم، واصبر، ما وعدك الله به من النصر فعن قريب يكون.
(يستَعْتَبون) .
من الْعُتْبى، بمعنى الرضا، أي لا يرضون، وليس استفعل هذا للطلب، ويفهم من هذا أن المؤمن يستعتب، أي يطلب منه الْعُتْبى، وقد قدمنا أنَّ الله قال: لولا أني أحبّ العتابَ ما حاسبْتُ أمتك.
وقال بعضهم:
تَبَادَلْنَ العتابَ على ارتياب ... وصَفْوُ الوُد يُعْرَفُ بالعتابِ
(يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) .
أي واحد الأمور.
وقيل: المأمور به من الطاعات.
والأول أصح.
(يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) :
قال ابن عباس: المعنى ينفِّذُ الله قضاءه من السماء إلى الأرض، ثم يَعْرج إليه خَبَرُ ذلك في يومٍ من أيام الدنيا مقداره، لو سِير فيه المسيرُ المعروف من البشر، ألف سنة، لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة، فألف ما بين نزول الأمر إلى الأرض وعروجه إلى السماء وقيل: إنَّ الله يُلقي إلى الملائكة أمورَ ألفِ سنة من أعوام البشر، وهو يَوْم من أيام الله، فإذا فرغتْ ألقى إليهم مِثْلَها، فالمعنى أنَّ الأمور تنفذ عنده لهذه المدة، ثم تصير إليه آخراً! لأن عاقبةَ الأمورِ إليه، فالعروج على هذا عبارة عن مصير الأمورِ إليه.
(يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) :
قد قدمنا أنَّ اسمه عزراييل، وبين يديه ملائكةٌ، مِنْ تَوَفي العدد واستيفائِه.
والتوفي من الله الإذن في قبض الأرواح، ومن الملائكة نزْع الروح، ومن ملك الموت القبض، ومن الرسل معاونة ملَك الموت، وبهذا يتَّضِحُ لك الْجَمْعُ بين الآيات الثلاث.
стр. 1426
(يَثْرِبَ) :
مدينة الرسولِ ﷺ ، وسُمّيَتْ به حكاية عن
المنافقين، وكان اسمها في الجاهلية، فقيل لأنها اسم أرْض هي في ناحيتها.
وقيل سُميَتْ بِيَثْرب بن مهلائيل من بني إرم بن سام بن نوح، لأنه أول مَنْ
نزلها.
وقد صحَّ النَّهْى عن تسميتها به، لأنه ﷺ كان يكره الاسْمَ الخبيث، وهو يُشعر بالتثريب، وهو الفساد، أو التثريب، وهو التوبيخ.
ومنه: (لا تَثْرِيبَ عليكم الْيَوْمَ يَغْفِر الله لكم) .
وقوله: (اليوم) راجع إلى ما قبله، فيوقف عليه.
وهو يتعلق بالتثريب أو بالمقدر في (عليكم) من معنى الاستقرار.
وقيل: إنه يتعلق بـ (يَغْفر) ، وذلك بعيد، لأنه تحكُّم على الله، وإنما
يغفر دعاء، فكأنه أسقط حقَّ نفسه بقوله: (لا تَثْريب عليكم اليوم) ، ثم دعا إلى الله أنْ يغفر لهم حقَّه.
(يَقْنُت) :
بالياء حملاً على لفظ من.
وقرئ بالتاء حملاً على المعنى وكذلك (تعمل) .
والقنوت هنا بمعنى الطاعة.
(يومَ تُقَلَّبُ وجوهُهم في النار) .
العامل في (يوم) قوله: (يقولون) ، أو (لا بجدون) ، أو محذوف.
وتقليبُ وجوههم تصريفُها في جهاتِ النار كما تدورُ البضعة في القلب إذا
غلَتْ من جهة إلى جهة، أو تغيرها عن أحوالها.
(يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) :
معنى (مُزِّقْتُمْ) أي بَليتم في القبور وتقطعت أوصالكم، و (كُلَّ مُمَزَّقٍ) مصدر.
(والخلق الجديد) ، هو الْحَشْر في يوم القيامة والعامل في " إذا " معنى (إنكم لفي خَلْق جديد) معمول يُنبئكم، وكسرت إن لللام التي في خبرها، ومعنى الآية أنَّ ذلك الرجل يخبركم أنكم تُبْعَثون بعد أنْ بَليتم في الأرض، ومرادهم استبعاد الحشر.
(يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) .
стр. 1427
الضمير للكفار المنكرين للبعث، وجعل السماء والأرض بين أيديهم وخَلْفهم، لأنهما محيطتان بهم.
والمعنى ألم يَرَوْا إلى السماء والأرض فيعلموا أن الذي خلقهما
قادر على بعْث الناس بعد موتهم.
ويحتمل أن يكون المعنى تهديدا لهم، لأنه فسره بقوله: (إنْ نَشَاْ نَخْسِفْ بهم الأرض أو نُسْقِطْ عليهم كِسَفاً من السماء) .
(يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) :
الضمير لداود، تقديره: قلنا يا جبال.
والجملة تفسير للفضل.
ومعنى أوّبي سبِّحي، وأصفه من التأويب بمعنى السَّير بالنهار، وقيل كان ينوح فتسعده الجبال بصَدَاها.
(وَالطَّيْرُ) بالرفع عطف على لفظ (يَا جِبَالُ) ، وبالنصب عطف على موضع (يَا جِبَالُ) .
وقيل: هو مفعول معه.
وقيل عطف على (فضلاً) .
(يَبْسط الرزْقَ لمن يشاء ويَقْدر) .
أخبار تتضمن الردَّ على قولهم: (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا) .
لأنَّ بسْطَ الرزق وقبْضه في الدنيا متعلق بمشيئة الله، فقد يوسع الله على الكافر والعاصي، ويضيق على المؤمن والمطيع، وبالعكس.
وقد حكي أن مدينة ببلاد السودان إذا ملكها المسلمون صار أرْضها
ترابا، وإذا ملكلها الكفار صار أرضها تِبْراً، فأسلمها المسلمون للكفار على
إعطاء الجزية، وهذا ليس بعَجيب، إذ لو كانت الدنيا تزنُ عند الله جناحَ
بعوضة ما سقي كافرٌ جَرْعة ماء.
والمقصودُ منها التقوّت لما يوصل إلى الآخرة.
وحكى وهب بن منبه أنَّ ملكين التقيا في السماء الرابعة يهبطان إلى الأرض، فقال أحدهما للآخر: إن الله أمرني أنْ أوصل الحوتَ الفلانيّ لليهوديّ الفلاني
لأنه اشتهاه.
فقال الآخر: وإن العابد الفلاني يصوم وأراد إفطاره على الخبز
والزيتون، وأمرني أن أهْبِط له.
فانظر هذا، فإنَّ تيسير الشهوات ليس من أسباب السعادة، وإن الله ليذود وليَّه عن الدنيا ويحميه عنها لئلا يشتغل بها،
стр. 1428
(ولولا أنْ يكونَ الناس أمَّة واحدة) .
ونحن قد بُسط لنا فيها، وتمتّعْنَا بها، فانظر عاقبتَنا بِمَ تكون!
فإن قلت: ما فائدة تكرار هذه الآية، وإبراز (من عباده) في الثانية من
سورة؟
والجواب: أنَّ الله كرّرها لاختلافِ المقاصدِ، والرد على الكقار في أقوالهم.
وترغيب المؤمنين في الإعراض عنها والرجوع إلى مَنْ بيده مقاليدها.
وأبرز الضمير في ثانية سبأ ترغيباً لعباده في إنفاقها والخروح منها، وسلاّهم بوعده بالخلف، وأنهم إن خرجوا عنها يخلفه لهم، ووَعْده حق، ولهذا أشار ﵇ بقوله: " ما نقص مالٌ من صدقة ".
فإن قلت: قد وجدناه ينقص في العَدد؟
والجواب أنه ليس بنقص، لأنه لا يأتي عليه إلا أيام قلائِل فيعود أكثر مما
كان، وهذا مشاهدٌ.
وقد يكون الخلف من حيث لا يظنّ.
وقد يكون بالثواب المدَّخر أو بتكفير السيئات، كما قال تعالى: (إن تبْدُوا الصدقات) الآية.
أو بالطهارة، كما قال: (خُذْ مِنْ أموالهم صدقة تطَهِّرهم) ، والإضعاف، قال تعالى: (الذين يُنْفِقُون أموالَهم في سبيلِ الله) .
والقَبول: (هو يَقْبَلُ التوبةَ عن عباده ويأخذ الصدقات) .
وقد جعل الله جميعَ الطاعات على ثلاثة أقسام: جعل على اللسان التوحيد
والذكْر والاستغفار والدعاء، وثوابها عشر أمثالها.
وعلى المال الصدقة والزكاة والنفقة، وثوابُها واحد لسبعمائة.
وعلى القلب الصبر والقناعة والشكر والرضا، وثوابُها بغير حساب.
(يَقْذِفُ بالحق) :
القذف: الرَّمْي، ويستعارُ للإلقاء، فالمعنى يلقي الحقَّ إلى أنبيائه، أو يرمي الباطلَ بالحق فيذهب، ولذلك قال:
стр. 1429
(وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) ، فنفى الإبداء والإعادة عبارة عن أنه
لا يفعل شيئاً ولا يكون له ظهور، أو عبارة عن ذهابه.
(يَقْذِفون بالغيْبِ مِنْ مكان بَعيدٍ) .:
معطوف على (كفروا) .
والمعنى أنهم يرمون بظنونهم في الأمور المغيبة، فيقولون: لا بعث ولا جنّة ولا نار.
ويقولون في الرسول ﵊:
شاعر أو ساحر، والمكان البعيد هنا عبارة عن بطْلان ظنونهم وبُعْد أقوالهم عن
الحق.
(يَزِيدُ في الْخَلق ما يشاءُ) :
قيل حسن الصوت.
وقيل حسن الوجه.
وقيل حسن الَخطِّ.
والأظهر أنه يرجع إلى أجنحة الملائكةِ، أو يكون على الإطلاق في كل زيادةٍ في المخلوقين.
(يسر) .
بفتح الياء والسين: الرجل الذي يشتغل باليسر، وجمعه أيسار.
وهو القِمَار في النَرْدِ والشطرنج وغير ذلك.
وهو مأخوذ من يسر لي كذا إذا وجب.
وقد قدمنا أن مَيْسر العرب عشرة أقداح، وهي الأزلام لكل واحد
نصيب معلوم من ناقة يجَزّئُونَها عشرة أجزاءٍ، ثم يدخلون الأزلام في خريطة
ويضَعونها على يدي عدل، ثم يدخل يده فيها، فيخرج باسم كل رجل قدحاً، فمن خرج له قدح له نصيب أخذ ذلكَ النصيب، ومن خرج له قدح لا نصيبَ له غرم ثمنَ الناقةِ كلها.
(يَحِيقُ) : يحيط.
(يس) : من أسمائه ﷺ ، ومعناه يا إنسان، بلسان الحبشة، قاله ابن عباس.
وقال سعيد بن جُبير: يا رجل، بلغة الحبشة.
(يَخِصِّمُون) :
أصلُه يختصمون ثم أدغم، ومعناه يتكلمون في أمورهم.
وقرئ بفتح الخاء وكسرها واختلاس حركتها.
(يَحِقَّ القَوْلُ على الكافرين) .
أي يجبُ عليهم العذاب.
стр. 1430
(يَسْتَسْخِرُون) :
معناه يسخرون، فيكون فعل واستفعل بمعنى واحد.
وقيل معناه يستدعي بعضُهم بعضاً لأنْ يسخر.
وقيل: يبالغون في السّخْرِية.
(يَقْطين) :
كل شجر لا يقوم على ساق كالقرع والبطيخ ونحوهما.
والمعنى أنَّ الله أنبتَ على يونس لما خرج من بَطْن الحوت القرع
يظله من حَرّ الشمس.
وقد كان رق جلْدُه، وكانت الذباب تؤذيه.
والسرُّ فيه أن ورقَه كبير، ومسّه فيه لين، والذباب لا يقربه، ولذلك قال النقاش: إن من رش بمائه البيت لم يقربه الذباب.
فهذه شجرةٌ منَعَتْ يونس من الإذاية، أفلا تمنَعُ يا محمدي شجرةُ الإيمان من
إذاية الشيطان، وينجيك بركتها من الدخول في النيران، وفي الخبر: لما صَحَّ
يونس، ورجع إلى قومه، وجد الشجرة قد جفّتْ فاغْتَمّ لذلك، فأوحى الله
إليه: اغتممْت على شجرة يبست ولم تغْتَمَّ على هلاك مائة ألف أو يزيدون! (١) .
فلذلك أمر الله نبيّه بالصبر على أمته، والدعاء لهم، فقال: اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون.
هؤلاء دعا لهم، واعتذر عنهم، وقد عصوه، وكسروا رباعيته، وشَجُّوا
وجهه، كيف لا يغتم للمصلّي عليه وذاكره وكل ساعة بالسلام عليه.
وقد أمره الله بألاَّ يكون كصاحب الحوت في الفرار من قومه، يعني تفارق
أمتك حين ينزل العذاب عليهم، فقال: رب عامِلْهم بخلاف ما تعامل به الأمم، فأنزل الله تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) ، بالْخَسف والمسخ، والريح والصواعق، فقال: اللهم إني أعوذ بوجهك من ذلك، فرفع الله عنهم العذابَ وهم كفار ومنافقون، أفَلا يرفَعه عنك يا محمديّ وأنتَ مؤمن به ومصدِّق له! اللهم بحرمته لدَيْكَ لا تحرمنا رؤيته في الدنيا والآخرة.
(يَزِفونَ) ، أي يسرعون.
وقرئ بضم الياء ونصب الزاي، أي يصيرون إلى الزفيف.
стр. 1431
(يستَمِعُون القولَ فيتّبعُون أحْسنَه) :
يعني يستمعون القولَ على العموم فيتبعون بأعمالهم أحسنَه، من العفو الذي هو أحسنُ من الانتصار، وشِبْه ذلك.
وقيل: هو الذي يسمع حديثاً فيه حسَنٌ وقبيح، فيحدّث بالحسن
ويكفُّ عما سواه.
وهذا قول ابن عباس، وهو الأظهر.
وقال ابن عطية: هو عام في جميع الأقوال.
والقَصْدُ الثناء على هؤلاء ببَصَرٍ ونظر سدِيد يفرِّقون به بين الحق
والباطل، وبين الصواب والخطأ، فيتبعون الأحسن من ذلك.
(ينابيع) :
جمع ينبوع، وهو العين.
(يهيج) :
ييبس، لقوله: (فتراهُ مُصْفَرًّا) .
(يُرِيكم آياتِه) :
يعني العلامات الدّالة على مخلوقاته ومعجزات رسله.
(يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) .
من أعظم آيات الرجاء، لسؤال الملائِكة لهم بالرحمة والجنّة.
فإن قلت، حَمَلَةُ العرش والملائكة كلهم مؤمنون به سبحانه، فما فائدة
الإخبار بقوله: (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) ؟
والجواب: إظهاراً لفضيلة الإيمان وشرَفه، والترغيب فيه، كما وصف الأنبياءَ في غير ما موضع من كتَابهِ بالصلاح، كقوله: (ونَبِيّا من الصالحين) .
ومعلوم أن الأنبياء من أهل الإيمان والصلاح، وكما أعقب أعمالَ الخير بقوله: (ثم كان مِنَ الذين آمَنُوا) ، فأبانَ بذلك فَضْل الإيمان.
وقد ذكر الزمخشري أن فيه فائدةً أخرى، وهي أنَّ معرفة حملة العرش بالله تعالى من طريق النظر والاستدلال كسائرِ الخلق لا بالرؤية، وهذه نزعةٌ منه إلى مذهب المعتزلة في استحالة رؤْية الله تعالى.
وتأمَلْ يا محمديّ إلى عظيم التناسب المرعيّ بين قوله: (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) ،
стр. 1432
(وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) تجد فيه تنبيهاً على أن الاشتراكَ في الإيمان يجبُ
أن يكون أدْعى شيءٍ إلى النصيحة، وأبعثه على إمْحَاض الشفقة، وإن تفاوتت الأجناسُ، وتباعدت الأماكن، فإنه لا تجانس بين ملك وإنسان، ولا بين سماوي وأرضيّ قطّ، ولما جمع الإيمان جاء معه التجانس الحقيقي، والتناسب الكلّي، حتى استغفر مَنْ حَوْلَ العرش لمَنْ في الأرض مع عظم أجرامهم وقُوّتهم، قال ﷺ :
" أذِنَ لي أن أحدِّث عن ملك من حَمَلة العرش بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة
سبعمائة سنة ".
فانظر يا محمديّ ما أعظم قيمتك! الأنبياء والملائكة يستغفرون، ونبيّك أمر
إخوانك بالاستغفار لكَ، قال:
" من استغفر لوالديه وللمؤمنين والمؤمنات كل يوم خمساً وعشرين مرَّة أو سبْعا وعشرين - أحد العدديْن - كان من الذين يُسْتجَاب دعاؤهم، ويرزق بهم أهْلُ الأرض ".
ودعاء الأبدال أنْ تقول بعد كلَ صلاة:
اللهم أصْلح أمَّةَ محمد، اللهم ارحم أمةَ محمد، اللهم فَرج عن أمة محمد، اللهم اغفر لأمَّة محمد، ولجميع مَنْ آمن بك.
ولما دحا الله مبسوطَ بساطِ الأرض، ومهَّدَ مِهَادَها لترتيب المكونات فَخَرتْ
عليها السموات، فنكست رأس الانكسار، ومدَّت يدَ الاستعطافِ إلى عين الجود، فجادلها بقَطْعِ حجة مَنْ جادلها:
(يا سماء) :
إنْ كنت فخرتِ بالشمس لظهور الموجودات، فأين مثل شريعةِ نبينا ومولانا محمد ﷺ في ظهور الغَيْب، شمْسُ السماء لها
أفول، وشمس شريعةِ محمدٍ ليس لها أفول.
وإن افتخرت بحسن القمر ونوره فأينك من حسن سُنَنِه المشرق ونوره إذا
كُسِفت شمسك، وخسف قمرك، فالشفاعة من أهل الأرض، والشافعُ أفضلُ من المشفوع فيه.
وإن افتخرتِ بالنجوم للاهتداء فنجومُ الصحابة معلومة للاقتداء على مقعد
стр. 1433
صدق، إن كان من النجوم رجوم للشياطين! فعُمر فقأ عين الرئيس إبليس.
وشهب إيمانه توفيه فترميه فلا يسلك عمر فَجًّا إلاَّ هرب منه إبليس.
وإن فخرتِ باللوح المحفوظ فَلوْح الغيب يكتب بيد الخالق، كتب في
قلوبهم الإيمان.
وإن فخرت بسعة الكرسيّ فأين هو من سعةِ: وسعني قَلْبُ عبدي المؤمن.
وإن فخرت بنفخ إسرافيل للأرواح لإحياء الأجساد فأين أنْتِ من نفخةٍ
حَيِيت بها القلوب إلى يوم التَنَاد.
وإنْ فخرت بعلو مَنْ في العلو من الأملاك فقصيدة الاقتصاد أشهر من " قفَا
نَبْكِ ".
هذا عزرائيل كان إمام المقربين فتنفَّس بنفس فسقي كأس أسف.
هاروت وماروت، استعير لهما شهرة الشهرة فجرى ما جرى، وعند جهينة الخبر اليقين، فكيف بمن عجنت بها طينة تركيبه، وعقل عَقْله بعقال الهدى!
وإن فخرت بالصافّين المسبحين، فكم على أرض الدّجَا من أمة قائمة، كم في
رواشن الأسحار من سمّار المستغفرين.
وإن فخرت بشفقة ميكائيل وحيائه، فكم حيى أحياء بشفقة أبي بكر
وأحبائه.
وإن فخرت بقوَّةِ جبريل وإقدامه فأينك من قوة عمر وإقدامه يوم قال:
واللَه لا يُعْبَد الله سرًّا بعد اليوم، فسرى نحو الكعبة، فسُرِّي عن الإسلام غُمة الغم.
وإن فخرتِ بنزول القَطْرِ لإحياء مَوَات النبات، فأين أنْتِ من سواكب
العبرات لإحياء القلوب الموات، فكم صدرٍ شرح للإسلام، فهو أوسع من سِدْرَة المنتهى.
وإن افتخرتِ بأنَّ الجنة فيك فقد اشتاقت إلى تسليم سلمان إذا تمهد ملك
стр. 1434
الجنة للساكن، فالملائكةُ خدّام يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم
ليحظَوْا بحظ الردّ، إنما علا قَدر الْمُقربين لما أطلق لهم من ديوان الخاص والعام، (ويستغفرون للذين آمَنوا) .
وإنْ فخرْتِ بالعرش والطائفين، فأين أنت من البيت والطائفين ما في زاوية
العَرْشِ حَجَر سوّد بالسؤدد أدرج في درجة درج الميثاق.
يوم السبت لما أهبط آدم بمنشور الولاية إلى الأرض مُهِّدت له دار المملكة قبل الوصول، وزينت حرمة الحرم للحرمة والإحرام باب الاستغاثة، وعرفات باب دخول المَسائل لنيل الوسائل، فلما ئني البيتُ أذِن الله لخليله ﵇ بالأذان على صوْمعة أبي قبيس بتأذين، وأذّن قال: يا ربّ، وأين يبلغ أذاني، قيل: يا إبراهيم منك الأذان وعلينا البلاغ.
فلما دنا النداء من باطن الحجر أوقع من وقع له يوم: (ألستُ بربكم) بفيض
المبلّغ، فتزاحموا على باب الإجابة، شعارهم لبَّيْكَ اللهم لبَّيْكَ!
فإن قلت: كيف يصح أن يقال: (وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ) ؟
فالجواب أنَّ الرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى، والأصل وسع
كلَّ شيء رحمتُك وعلمك، ولكن أزيلَ الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى
صاحب الرحمة والعلم، وأخرجا منصوبين على التمييز، لا إغراق في وصفه
بالرحمة والعلم، كأنَّ ذاته رحمة و٣علم ويسعان كل شيء، وهذا نحو قولهم: تفقأت شحماً، وتصببت عَرقاً.
فإن قلت: قد ذكر الرحمة والعلم فوجب أنْ يكونَ ما بعد الفاء مشتملاً على
حديثهما جميعاً، وما ذكر إلا الغفران وَحْده؟
والجواب: فاغفر للذين علمْتَ منهم التوبة، واتباعَ سبيلك.
فإن قلت: ما الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائِبون صالحون مَوعودون
بالمغفرة، واللَه لا يُخْلف الميعاد؟
стр. 1435
قلت: هذا بمنزلة الشفاعة، وفائدتُه زيادةُ الكرامةِ والثواب.
فإن قلت: هل قيدت هذه الآية الآية المطلقة في حم عسق، وهي قوله:
(ويستَغْفِرُون لمنْ في الأرض) ، لأنه معلوم أنَّ الملائِكة
صلوات الله وسلامه عليهم لا يستغفرون لكافر؟
والجواب: يحتمل أن يكون استغفارهم لهم بمعنى طلب هدايتهم والمغفرة لهم
بعد ذلك، كما استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه، واستغفار نبينا للمنافقين، ولما تقدم هذه الآية: (غافِرِ الذَّنْبِ وقَابِلِ التَّوْب) ، ناسب استغفارَ
الملائكة للمؤمنين منهم، يَشْهد لهذا قوله بعده (فاغْفِرْ للذين تَابُوا) .
ولما تقدم آية الشورى: (تكاد السموتُ يتَفَطَّرْن من فوقِهنّ) ، ناسب استغفارَ الملائكة لمن في الأرض لإبقاء الستر، إذ لا يفوتونه.
وقد يُؤْمن مَنْ سبقت له السعادة منهم.
(يُرِيكم آياته) :
هذا عموم بعد ما قدم من الآيات المخصوصة، ولذلك وبَّخهم بقوله: (فأيَّ آياتِ اللَهِ تنْكرون) .
(تكاد السماوات يَتَفَطَّرْنَ من فَوْقهن) ، أي يتشقَّقْن من
خوف الله وتعظيم جلاله.
وقيل من قول الكفار: (اتَّخذَ الله ولداً) ، فهي كالآية التي في مريم.
قال ابن عطية: وما وقع للمفسرين من ذكر الثقل هنا مردود، لأنَّ الله تعالى
لا يوصَف به.
فإن قلت: لو أراد تشقّق السماء من قوْلِ الكفار لقال مِنْ فوقهم، وما وجْه
اتصال التسبيح والاستغفار من الملائكة بهذه الآية؟
والجواب: أن المعنى تشقق السماوات من أعلاهن، وذلك مبالغة في التهويل.
وقيل الضمير للأرضين، وهذا بعيد.
وقيل للكفار، كاْنه قال من فوق الجماعات
الكافرة التي من أجل أقوالها تكاد السماوات تتَفَطرْن.
وهذا أيضاً بعيد.
стр. 1436
ووَجْه تسبيح الملائكة تعظيم للهِ تعالى من تشقق السماوات من عظمته وجلاله، أو مِنْ كفْر بني آدم فينزهون الله من ذلك.
(يوم الجَمْعِ) :
قد قدمنا أنَّ هذا من أسماء يوم القيامة، لأنه يوم يجمعون فيه الأولون والآخرون في صَعِيدٍ واحد.
(يَذْرَؤكم فيه) .
أي يخلقُكم نسلاً بعد نَسل، وقَرْناً بعد قرن.
وضمير المجرور يعود على الجعل الذي تضمّنه قوله: (جعل لكم) ، وهذا كما تقول: كلمت زيداً كلاماً أكرمتُه فيه.
وقيل الضمير للتزويج الذي دلّ عليه قوله: (أزواجاً) .
وقال الزمخشري: تقديره يَذْرَؤكم في هذا التدبير، وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجاً، غلب فيه العقلاء على غيرهم.
فإن قيل: لِمَ لمْ يقل يذرؤكم به؟
فالجواب أنَّ هذا التدبير جعل كالمنبع والمعدن للبث والتكثير.
(يُحَاجُّونَ في الله) :
أي يجادلون المؤمنين في دِين الله، يعني كفَّارَ قريش.
وقيل اليهود.
(يسْتَعْجِلُ بها) .
أي يطلبون تعجيلَها استهزا: بها، وتعجيزًا للمؤمنين.
(يُمَازونَ) :
يجادلون ويخافون.
(يرْزُق مَنْ يَشَاءُ) .
أي الرزق المضمون الزائد لكل حيوان، فإن الرزقَ الذي تقوم به الحياة على العموم لكل حيوان طولَ عمره، والزائد خاص بمن شاء الله.
(يَخْتِمْ على قَلْبِك) :
في المقصد بهذا قولان:
أحدهما أنه ردّ على الكفّار في قولهم، (افْتَرى عَلى الله كَذِباً) ، أي لو
стр. 1437
افتريت على الله كذباً، يختم على قلبك، لكنّك لم تفتر عليه كذباً فقد هداك
وسدّدك، والآخر أنَّ المرادَ إنْ يشأ الله يختم على قلبك بالصبر على أقوال الكفار واحتمال أذاهم.
(يَمْح الله الباطل) :
هذا فعل مستَأنَف غير معطوف على ما قبله، لأن الذي قبله مجزوم، وهذا مرفوع فيوقف على ما قبله، ويبتدأ به.
وفي المراد به وجهان:
أحدها أنه مِنْ تمام ما قبله، أي لو افتريت على الله كذباً بالْخَتْم على قلبك ومَحْو الباطل الذي كنْتَ تفتريه لو افتريته.
والآخر أنه وَعْد لرسول الله ﷺ بأن يمحو الله الباطلَ وهو الكفر، ويحقّ الحق وهو الإسلام.
(يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) :
أي من عباده.
وقبولُ التوبة من الكفر مقطوع بها، ومِن مظالم العباد فهي متوقّفة حتى يردَّها لأهلها أو يستحلّ منها، ومن المعاصي التي بين العبد وبين الله فيُرْجى أنها مقبولة لهذه الآية.
وقيل هي في المشيئة، وهو أكرمُ أنْ يقول له العبد: رجعت، فلا يقول
له: قبِلْت.
وقد قدمنا مِراراً شرطَ التوبة وصحةَ قبولها.
وفي بعض كتبِ الله المنزلة: وعزَّتي وجلالي، وارتفاعي في علوّ مكاني.
لأقطعنَّ أمَل كل مؤَمل أمّل غيري باليأس، ولألْبِسنَّه أثوابَ الذلة بين الناس.
ولأقصِيَنه من قُرْبي، ولأباعِدَنّه من حوضي، أيؤمّل غيري في الشدائد.
والشدائد بيدي، وأنا الحيُّ ويرجو سواي، ويطرق بالذكر باب الغير ومفاتحُ
الأبواب بيدي، وبابي مفتوح لمَنْ دَعاني، من الذي دعاني فلم أجبه، مَنِ الذي استغفرني فلم أغفر له، من الذي رجع إليَّ فلم أقبله، مَن الذي دعاني لنوائِبه فقطعتُ به دونها، مَنِ الذي رجاني لعظيم جرمه فأقطع رجاء له، من الذي قرع بابي ولم أفْتَح له، جعلتُ آمالَ عبادي متصلة بي فقطعوها، وجعلت أرجاءهم مذخورةً عندي فلم يرضوا بحفْظِي، وملأت سمائي ممَّنْ لا يملون من ذكري، وأمرتهم ألاَّ يُغْلِقُوا الأبوابَ بيني وبين عبادي فلم يثق الآدميون بقولي!
ألا يعلم من طرقَتْه نائبةٌ من نوابي أنه لا يملك كَشْفَها إلا من بعد إذني!
стр. 1438
مالي أرى عَبْدي معرضاً عني أعطيه بجودٍ فلم يسألني، ثم انتزعْتُه منه فلم يسألني ردّه!
أفتراني أبتدئ بالعطية قبل المسألة، ثم أسأل فلا أجيب!
يا سائلآ غيري، أبخيل أنا فيبخِّلني عَبدي! أليست الدنيا والآخرة لي، أليس الكرم والجود لي، أليس الرحمة والفضل لي، أنا محلّ الآمال، من يعْطيها دوني، وما عسى أن يؤمل المؤملون لو جمعتُ أهْلَ سائي وأرضي، ثم أعطيتُ كلً واحد منهم ما أمل الجميع ما نقص مِنْ ملكي، وكيف ينقص ملك أنا فيه! فيا بُؤْسَ للقانطين مِن رحمتي، ويا بؤس لمَنْ عصاني، وتوثَّب على محارمي، ولم يسْتَحِ مني!
اللهم إني لم أسْتح منك، وبارزتُ بالعظائم، لكن رجائي فيك قويٌّ، وتوسلتُ إليك بجاهِ النبي الأميّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) :
العفو مع التوبة على حسب ما ذكرنا.
وأما العفو دون تَوْبة فهو على أربعة أقسام:
الأول: العَفْو عن الكفر، فلا يكون أصلاً، وعن مظالم العباد فلا يكون إلا لبعض خواص عباده، وعن الصغائِر إذا اجتنبت الكبائر، فهو حاصل بحسب وَعْده الصادق.
وعن الكبائرِ فأهل السنَّة أنه في المشيئة، وأهل البدعة على عدم غفْرانها، وقد أخطأوا لنَصِّ الآية والحديث.
(يَسْتَجِيبُ الذين آمَنوا) :
قيل يجيب.
و (الذين آمنوا) مفعول، والفاعل ضمير يعود على الله، أي يجيبهم فيما يطلبون منه.
وقال الزمخشري: أصله يستجيب للذين آمنوا، فحذفت اللام.
وقيل إن معناه يجيب.
والذين آمنوا فاعل، أي يستجيب المؤمنون لربهم باتِّباع دينه.
وقيل إن معناه يطلب المؤمنون الإجابةَ من ربهم، واستفعل على هذا
على بابه من الطلب.
والأول أرجح، لدلالة قوله: (ويَزِيدهم من فَضْلِه) ، أي يزيدهم ما لم يطلبوا زيادة على الاستجابة فيما طلبوا، وهذه الزيادة صَحّ عنه ﷺ أنها الشفاعةُ والرضوان.
стр. 1439
(يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا) .
قيل لعمر ﵁: اشتدَّ القَحْط، وقنط الناس، فقال: الآن يُمْطرون.
وأخذ ذلك من هذه الآية.
ومنه الحديث: " اشتَدِّي أزْمَةُ تنفرجي ".
وقال تعالى: (إنَّ مَعَ العُسْر يُسْراً) .
وكان ﷺ إذا كان وقت الشدائد والمخاوف رُئي عليه
أثر السرور، وإذا كان وقت السرور رُئي عليه أثَرُ الخوف، لعلمه بربه.
(يَنْشر رحمته) ، يعني المطر، فهو تكرار للمعنى الأول بلفظٍ آخر.
وقيل يعني الشمس.
وقيل بالعموم، وهو أظهر، إذْ رحمته سبحانه تعمّ جميع الموجودات.
(يَعْلَم الذين يُجَادلون في آياتِنا) ، أي يعلمون أنهم لا مهرب لهم من الله.
وقرئ يعلم بالرفع على الاستئناف، وبالنصب.
واختلف في إعرابه على قولين:
أحدهما أنه نصب بإضمار أنْ بعد الواو لما وقعت بعد الشرط
والجزاء، لأنه غير واجب.
وأنكر الزمخشري ذلك، وقال: إنه شاذّ، فلا ينبغي أن يُحْمل القرآن عليه.
والثاني قول الزمخشري: إنه معطوف على تعليل محذوف
لينتقم منه، ويعلم، قال: ونحوه من المعطوف على التعليل المحذوف كثير في
القرآن، ومنه قوله: (ولِنَجْعَلَه آيةً للناس) .
(يا بُشراي) :
نادى البشرى، كقوله: يا حسرتى، وأضافها إلى نفسه.
وقرئ يا بشرى، بحذف ياء المتكلم.
والمعنى كذلك.
وقيل على هذه القراءة نادى رجل منهم اسْمُه بشرى، وهذا بعيد، لأنه لما أدْلَى الدَّلْوَ في الجبِّ تعلَّق به يوسف، فحينئذ قال: يا بشراي، هذا كلام.
(يُرْسِلَ) :
قرئ بالرفع على تقدير: أو هو يرسل، وبالنصب عطفاً على (وحياً) لأن تقديره أن يوحي، فعطفت أن على أن المقدرة.
(يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ) .
أي يكبر ويَنْبت في استعمال الحلي من الذهب والفضة، والمراد بهم النساء.
وقرئ "ينشّأ" بضم الياء وتشديد الشين، بمعنى يُرَبّى فيها.
والمقصد الرد على الذين قالوا: الملائِكة بناتُ الله، كأنه قال: أجعلتم
стр. 1440
لله من ينشّأ في الحلية، وذلك صفة النّقْصِ، ثم أتبعها بصفة نقص أخرى وهي
أنَّ الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت لم تقدر أنْ تبيّن حجَّتَها لنَقْص عقلها، وقلما تَجِد امرأةً لا تفسد الكلام وتخلط المعاني، فكيف يُنْسب لكامل من اتصف بنقصٍ.
وأغربُ من ذلك أنهم يجعلون لأنفسهم المذكور، (ويجعلون لله البنات
سبحانه ولهم ما يشْتَهُون) .
وإعراب (من ينشأ) مفعول بفعل مضمر، تقديره: أجعلْتُم للَه مَنْ ينشأ في الحلية، أو مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: أو من ينشأ في الحلية خَصَصْتُم به الله.
(يَسْتَغِيثانِ الله وَيْلَكَ آمِنْ) :
ضمير التثنية يعود على الوالدين اللذين يستغيثان بالله مِن كراهتهما لما يقول ابْنُهما من الكفر، فيقولان له: وَيْلك آمِنْ، ثم يأمرانه بالإيمان فيقول: (ما هذا إلا أساطِيرُ الأولين) ، أي قد سطّره الأوَّلون في كتبهم، وذلك تكذيبٌ بالبَعْث والشريعة.
واختلف فيمن نزلت هذه الآية، فقيل في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق
حين كفْرِه، كان أبوه وأمّه يدعوانه إلى الإيمان فيأبى، ويقول لهما: أفٍّ لكما.
وأنكرته عائشة ﵂، وقالت: واللَه ما نزل في آلِ أبي بكر شيء من القرآن إلا براءتي.
وكان عبد الرحمن بن أبي بكر من خِيَار المسلمين، وكان له في الجهاد غناء عظيم.
وقال السُّدِّي: ما رأيت أعبد منه.
والصحيحُ أنها على الإطلاق فيمن كان على هذه الصفة من الكفْر والعقوق لوالديه، ويدل على أنها نزلت على العموم قوله: (أولئِكَ الذين حَقَّ عليهم الْقَوْلُ في أمَمٍ) ، بصيغة الجمع، ولو أراد واحداً بعينه لقال ذلك الذي حقَّ عليه القول.
(يَتَدَبَّرون القرآنَ) .
أي يتفكرون في معانيه، لتظهرَ أدِلَّتُه وبراهينه، وفيها حضّ على التدبر والتفكر فيه.
وقد كان ﷺ يقرؤه بخشوع من غير هَذْرَمة.