ووَجْه تسبيح الملائكة تعظيم للهِ تعالى من تشقق السماوات من عظمته وجلاله، أو مِنْ كفْر بني آدم فينزهون الله من ذلك.
(يوم الجَمْعِ) :
قد قدمنا أنَّ هذا من أسماء يوم القيامة، لأنه يوم يجمعون فيه الأولون والآخرون في صَعِيدٍ واحد.
(يَذْرَؤكم فيه) .
أي يخلقُكم نسلاً بعد نَسل، وقَرْناً بعد قرن.
وضمير المجرور يعود على الجعل الذي تضمّنه قوله: (جعل لكم) ، وهذا كما تقول: كلمت زيداً كلاماً أكرمتُه فيه.
وقيل الضمير للتزويج الذي دلّ عليه قوله: (أزواجاً) .
وقال الزمخشري: تقديره يَذْرَؤكم في هذا التدبير، وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجاً، غلب فيه العقلاء على غيرهم.
فإن قيل: لِمَ لمْ يقل يذرؤكم به؟
فالجواب أنَّ هذا التدبير جعل كالمنبع والمعدن للبث والتكثير.
(يُحَاجُّونَ في الله) :
أي يجادلون المؤمنين في دِين الله، يعني كفَّارَ قريش.
وقيل اليهود.
(يسْتَعْجِلُ بها) .
أي يطلبون تعجيلَها استهزا: بها، وتعجيزًا للمؤمنين.
(يُمَازونَ) :
يجادلون ويخافون.
(يرْزُق مَنْ يَشَاءُ) .
أي الرزق المضمون الزائد لكل حيوان، فإن الرزقَ الذي تقوم به الحياة على العموم لكل حيوان طولَ عمره، والزائد خاص بمن شاء الله.
(يَخْتِمْ على قَلْبِك) :
في المقصد بهذا قولان:
أحدهما أنه ردّ على الكفّار في قولهم، (افْتَرى عَلى الله كَذِباً) ، أي لو
стр. 1437
افتريت على الله كذباً، يختم على قلبك، لكنّك لم تفتر عليه كذباً فقد هداك
وسدّدك، والآخر أنَّ المرادَ إنْ يشأ الله يختم على قلبك بالصبر على أقوال الكفار واحتمال أذاهم.
(يَمْح الله الباطل) :
هذا فعل مستَأنَف غير معطوف على ما قبله، لأن الذي قبله مجزوم، وهذا مرفوع فيوقف على ما قبله، ويبتدأ به.
وفي المراد به وجهان:
أحدها أنه مِنْ تمام ما قبله، أي لو افتريت على الله كذباً بالْخَتْم على قلبك ومَحْو الباطل الذي كنْتَ تفتريه لو افتريته.
والآخر أنه وَعْد لرسول الله ﷺ بأن يمحو الله الباطلَ وهو الكفر، ويحقّ الحق وهو الإسلام.
(يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) :
أي من عباده.
وقبولُ التوبة من الكفر مقطوع بها، ومِن مظالم العباد فهي متوقّفة حتى يردَّها لأهلها أو يستحلّ منها، ومن المعاصي التي بين العبد وبين الله فيُرْجى أنها مقبولة لهذه الآية.
وقيل هي في المشيئة، وهو أكرمُ أنْ يقول له العبد: رجعت، فلا يقول
له: قبِلْت.
وقد قدمنا مِراراً شرطَ التوبة وصحةَ قبولها.
وفي بعض كتبِ الله المنزلة: وعزَّتي وجلالي، وارتفاعي في علوّ مكاني.
لأقطعنَّ أمَل كل مؤَمل أمّل غيري باليأس، ولألْبِسنَّه أثوابَ الذلة بين الناس.
ولأقصِيَنه من قُرْبي، ولأباعِدَنّه من حوضي، أيؤمّل غيري في الشدائد.
والشدائد بيدي، وأنا الحيُّ ويرجو سواي، ويطرق بالذكر باب الغير ومفاتحُ
الأبواب بيدي، وبابي مفتوح لمَنْ دَعاني، من الذي دعاني فلم أجبه، مَنِ الذي استغفرني فلم أغفر له، من الذي رجع إليَّ فلم أقبله، مَن الذي دعاني لنوائِبه فقطعتُ به دونها، مَنِ الذي رجاني لعظيم جرمه فأقطع رجاء له، من الذي قرع بابي ولم أفْتَح له، جعلتُ آمالَ عبادي متصلة بي فقطعوها، وجعلت أرجاءهم مذخورةً عندي فلم يرضوا بحفْظِي، وملأت سمائي ممَّنْ لا يملون من ذكري، وأمرتهم ألاَّ يُغْلِقُوا الأبوابَ بيني وبين عبادي فلم يثق الآدميون بقولي!
ألا يعلم من طرقَتْه نائبةٌ من نوابي أنه لا يملك كَشْفَها إلا من بعد إذني!
стр. 1438
مالي أرى عَبْدي معرضاً عني أعطيه بجودٍ فلم يسألني، ثم انتزعْتُه منه فلم يسألني ردّه!
أفتراني أبتدئ بالعطية قبل المسألة، ثم أسأل فلا أجيب!
يا سائلآ غيري، أبخيل أنا فيبخِّلني عَبدي! أليست الدنيا والآخرة لي، أليس الكرم والجود لي، أليس الرحمة والفضل لي، أنا محلّ الآمال، من يعْطيها دوني، وما عسى أن يؤمل المؤملون لو جمعتُ أهْلَ سائي وأرضي، ثم أعطيتُ كلً واحد منهم ما أمل الجميع ما نقص مِنْ ملكي، وكيف ينقص ملك أنا فيه! فيا بُؤْسَ للقانطين مِن رحمتي، ويا بؤس لمَنْ عصاني، وتوثَّب على محارمي، ولم يسْتَحِ مني!
اللهم إني لم أسْتح منك، وبارزتُ بالعظائم، لكن رجائي فيك قويٌّ، وتوسلتُ إليك بجاهِ النبي الأميّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) :
العفو مع التوبة على حسب ما ذكرنا.
وأما العفو دون تَوْبة فهو على أربعة أقسام:
الأول: العَفْو عن الكفر، فلا يكون أصلاً، وعن مظالم العباد فلا يكون إلا لبعض خواص عباده، وعن الصغائِر إذا اجتنبت الكبائر، فهو حاصل بحسب وَعْده الصادق.
وعن الكبائرِ فأهل السنَّة أنه في المشيئة، وأهل البدعة على عدم غفْرانها، وقد أخطأوا لنَصِّ الآية والحديث.
(يَسْتَجِيبُ الذين آمَنوا) :
قيل يجيب.
و (الذين آمنوا) مفعول، والفاعل ضمير يعود على الله، أي يجيبهم فيما يطلبون منه.
وقال الزمخشري: أصله يستجيب للذين آمنوا، فحذفت اللام.
وقيل إن معناه يجيب.
والذين آمنوا فاعل، أي يستجيب المؤمنون لربهم باتِّباع دينه.
وقيل إن معناه يطلب المؤمنون الإجابةَ من ربهم، واستفعل على هذا
على بابه من الطلب.
والأول أرجح، لدلالة قوله: (ويَزِيدهم من فَضْلِه) ، أي يزيدهم ما لم يطلبوا زيادة على الاستجابة فيما طلبوا، وهذه الزيادة صَحّ عنه ﷺ أنها الشفاعةُ والرضوان.
стр. 1439
(يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا) .
قيل لعمر ﵁: اشتدَّ القَحْط، وقنط الناس، فقال: الآن يُمْطرون.
وأخذ ذلك من هذه الآية.
ومنه الحديث: " اشتَدِّي أزْمَةُ تنفرجي ".
وقال تعالى: (إنَّ مَعَ العُسْر يُسْراً) .
وكان ﷺ إذا كان وقت الشدائد والمخاوف رُئي عليه
أثر السرور، وإذا كان وقت السرور رُئي عليه أثَرُ الخوف، لعلمه بربه.
(يَنْشر رحمته) ، يعني المطر، فهو تكرار للمعنى الأول بلفظٍ آخر.
وقيل يعني الشمس.
وقيل بالعموم، وهو أظهر، إذْ رحمته سبحانه تعمّ جميع الموجودات.
(يَعْلَم الذين يُجَادلون في آياتِنا) ، أي يعلمون أنهم لا مهرب لهم من الله.
وقرئ يعلم بالرفع على الاستئناف، وبالنصب.
واختلف في إعرابه على قولين:
أحدهما أنه نصب بإضمار أنْ بعد الواو لما وقعت بعد الشرط
والجزاء، لأنه غير واجب.
وأنكر الزمخشري ذلك، وقال: إنه شاذّ، فلا ينبغي أن يُحْمل القرآن عليه.
والثاني قول الزمخشري: إنه معطوف على تعليل محذوف
لينتقم منه، ويعلم، قال: ونحوه من المعطوف على التعليل المحذوف كثير في
القرآن، ومنه قوله: (ولِنَجْعَلَه آيةً للناس) .
(يا بُشراي) :
نادى البشرى، كقوله: يا حسرتى، وأضافها إلى نفسه.
وقرئ يا بشرى، بحذف ياء المتكلم.
والمعنى كذلك.
وقيل على هذه القراءة نادى رجل منهم اسْمُه بشرى، وهذا بعيد، لأنه لما أدْلَى الدَّلْوَ في الجبِّ تعلَّق به يوسف، فحينئذ قال: يا بشراي، هذا كلام.
(يُرْسِلَ) :
قرئ بالرفع على تقدير: أو هو يرسل، وبالنصب عطفاً على (وحياً) لأن تقديره أن يوحي، فعطفت أن على أن المقدرة.
(يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ) .
أي يكبر ويَنْبت في استعمال الحلي من الذهب والفضة، والمراد بهم النساء.
وقرئ "ينشّأ" بضم الياء وتشديد الشين، بمعنى يُرَبّى فيها.
والمقصد الرد على الذين قالوا: الملائِكة بناتُ الله، كأنه قال: أجعلتم
стр. 1440
لله من ينشّأ في الحلية، وذلك صفة النّقْصِ، ثم أتبعها بصفة نقص أخرى وهي
أنَّ الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت لم تقدر أنْ تبيّن حجَّتَها لنَقْص عقلها، وقلما تَجِد امرأةً لا تفسد الكلام وتخلط المعاني، فكيف يُنْسب لكامل من اتصف بنقصٍ.
وأغربُ من ذلك أنهم يجعلون لأنفسهم المذكور، (ويجعلون لله البنات
سبحانه ولهم ما يشْتَهُون) .
وإعراب (من ينشأ) مفعول بفعل مضمر، تقديره: أجعلْتُم للَه مَنْ ينشأ في الحلية، أو مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: أو من ينشأ في الحلية خَصَصْتُم به الله.
(يَسْتَغِيثانِ الله وَيْلَكَ آمِنْ) :
ضمير التثنية يعود على الوالدين اللذين يستغيثان بالله مِن كراهتهما لما يقول ابْنُهما من الكفر، فيقولان له: وَيْلك آمِنْ، ثم يأمرانه بالإيمان فيقول: (ما هذا إلا أساطِيرُ الأولين) ، أي قد سطّره الأوَّلون في كتبهم، وذلك تكذيبٌ بالبَعْث والشريعة.
واختلف فيمن نزلت هذه الآية، فقيل في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق
حين كفْرِه، كان أبوه وأمّه يدعوانه إلى الإيمان فيأبى، ويقول لهما: أفٍّ لكما.
وأنكرته عائشة ﵂، وقالت: واللَه ما نزل في آلِ أبي بكر شيء من القرآن إلا براءتي.
وكان عبد الرحمن بن أبي بكر من خِيَار المسلمين، وكان له في الجهاد غناء عظيم.
وقال السُّدِّي: ما رأيت أعبد منه.
والصحيحُ أنها على الإطلاق فيمن كان على هذه الصفة من الكفْر والعقوق لوالديه، ويدل على أنها نزلت على العموم قوله: (أولئِكَ الذين حَقَّ عليهم الْقَوْلُ في أمَمٍ) ، بصيغة الجمع، ولو أراد واحداً بعينه لقال ذلك الذي حقَّ عليه القول.
(يَتَدَبَّرون القرآنَ) .
أي يتفكرون في معانيه، لتظهرَ أدِلَّتُه وبراهينه، وفيها حضّ على التدبر والتفكر فيه.
وقد كان ﷺ يقرؤه بخشوع من غير هَذْرَمة.
стр. 1441
(يَبْخَلُ) :
البخل هو الغمّ بالإعطاء والفرح بتَرْكه، وأما البخيل فهو الذى يغتمّ بالإعطاء ويذمّ عليه، ويفرح بتركه، وهذا من صفات
البخل كما قدمنا: (وأحْضِرت الأنْفُس الشحَّ) .
(يَتِرَكُمْ أعمالكم) .
أي ينقصكم، يقال وترت الرجل ترةً، إذا نقصته شيئاً.
وكيف ينقص السيد عَبْده، هذا في مخلوق فكيف بالغنيِّ على
الإطلاق، ولما نزلت: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) .
شقَ ذلك على الصحابة.
وقالوا: يا رسولَ الله، إذا جازانا الله بأعمالنا هلكنا، فأنزل الله المضاعفة لأعمالهم، والمضاعفة في الحسنة لا حَصْرَ لها ولا مضاعفة للسيئة.
(يُطِيعكم في كثير من الأمْرِ لَعَنِتمْ) :
إنما لم يقلْ أطاعكم، للدلالة على أنهم كانوا يريدون استمرارَ طاعتِه ﵇ لهم.
والحقّ خلاف ذلك، وإنما الواجب أن يطيعوه لا أن يطيعهم، وذلك أنَّ رأيه ﵊ خير وأصوب مِن رأي غيره، ولو أطاع الناسَ في آرائِهم لهلكوا، فالواجب على الناس الانقياد إليه والطاعة لأمره.
(لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) :
نهى الله في هذه الآية عن الاستهزاء بالناس واحتقارهم.
ولما كان "القوم" لا يقَع إلا على الذكران عطف النساء عليهم.
فالسخريةُ بالنساء من أعظم العيوب عند علاَّم الغيوب.
ولعلَّ المسخور منه خَيْرٌ من السَّاخر عند الله، والأعمال بالخواتم، ولا تقعُ هذه الخصلة الذميمة إلا من جاهل بنفسه راضٍ عنها، فيتكبَّر ويعجب، ولو رأى نفسه أقلَّ خَلْقِ الله لم يسخر ممَّنْ هو عند الله أعلى منه، ولذلك قيل: مَنْ ظنَّ أنه خير من الكلب فالكلب خير منه.
فالعاقل يرى الصغير أفْضَلَ منه، ويقول: أنا عصيت الله، وهذا لم يعصه، والكبير يقول: هذا عَبَدَ الله أكثر مني، فهو أفضل، لأن مَنْ
стр. 1442
زادك في العبادة فَضَلك، والذي هو مثله يقول: لم يَعْصِ الله، وربما له خَبِيّة من عمَل صالح لم أطلع عليها، وأنا ليس لي شيء، وبالجملة فلم يصدر هذا إلا مِنْ معْجب بعمله، متكبًر، وكم أهلكا من عالم وعابد وزاهد.
(يغْتَبْ بعضُكم بعْضاً) :
الغيبة: ما يكره الإنسان ذِكْرَه من خَلْقه أو خُلُقه أو دِينه أو أفعاله أو غير ذلك.
وفي الحديث: قيل: يا رسول اللَه، وإن كان حقّا، قال: إذا قلتَ غيْرَ الحق فذلكَ البهْتان.
وقد رخّص في التجريح في الشهادة والرواية وفي النكاح وشبْهه، وفي التحذير من أهل الضلال، ولا غيبةَ في فاسق أو مجاهر بالكبائر، وسامِعها شريكه ما لم ينكرها بلسانه، ومع خوْفه فَبِقَلْبه، وعليه قطعها بكلام، وإلا ينصرف، فإنْ عجز لزمه شغل قَلْبه ولسانه عنْها.
روي: مَنْ أذلّ عنده مؤمن وهو يقدر على أن ينصره أذلّه الله على رؤوس
الخلائق.
وروي: من حَمَى مؤمنا مِن منافق يغتابه بعث الله له ملكاً يحمِي لَحْمَه يوم
القيامة مِنْ نار جهنم، ولو ردت كلمة سفيه في فيه لسعد بها رادّها، كما سعد بها قائلها.
وبواعث الغيبة التشكي، وموافقة ونحوها لذاكرها، أو رفعة لنفسه أو حسد
أو لعب، ومتى رأى عَيْباً حرم التصديق ما احتمل تأويلاً، ومتى تحقَّق نَصَح
حتما، وسكت ستراً للنهي عن المتلفظ به، فاعلاً أو مفعولاً حيث قال:
(بعضكم بَعْضا) .
وتشبيه المغتاب بآكلِ الميتة وهو منفِّرٌ طبعاً وشَرْعاً، والإتيان بهمزة
الإنكار، ثم بلفظ المحبة، ثم بقوله: (أحَدكم) كأنه يقول: هل يوجد في العالم
أحدٌ يحب أكْلَ الميتة، ثم المبالغة بلَحْمِ الأخ، ثم بأكله.
وجه المناسبة إدارة حنكه، فالغيبة كالأكل، ثم بقوله: (ميتاً) ، فإنه أبلغ في النفرة، ثم التأكيد بقوله:
стр. 1443
(فكرهْتموه) ، ثم التعريف بأن من التقوى تَرْكَ ذلك، ثم التحريض على التوبة
بقوله: (واتقوا الله إنَّ الله توَّابٌ رحيم) .
قال أبو علي الفارسي: كراهة هذا اللحم يدعو إليها الطبع، وكراهة الغيبة
يدعو إليها العقل، وهو أحقّ أن يجاب، لأنه بصير عالم، والطبع أعمى جاهل.
وصَحَّ أنَّ " دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ".
ونواهيها مشهورة جدًّا، فما ظنّكَ بكلمة لا تسلم منها بتوبةٍ للمظلمة حتى تبرأ، فهي أشدّ على النفس من الربا والزنى، وتنقل حسناتك لغيرك، وتعذَّب بذنوبه التي تحملتها بغيبته، وعرّضتك لسخْطِ الله ومَقْته، وكان تعالى فيها خصيمك.
ويقال ليتكَ استحيَيتَ من الله كاستحيائك من مخلوق لا تغتابه بحضرته، فإنا
للَه وإنّا إليه راجعون من خصلةٍ نحن فيها ليلاً ونهارا ولا ازدجار منها، ولا
تَوْبَة، ونتهاون بها، ونعظم الربا، مع أنها أعظم كما تقدم ويظهر لك بالحديث:
" الربا اثنان وسبعون بابا أدناها مثل أنْ يطأ الرجل أمَّه ".
وفي حديث آخر: " إن من أربى الربا استطالَة المسلم في عِرْض أخيه بغير حق ".
فانظر بُعْد ما بينهما يلُحْ لك عظيم ما ارتكبناه، إلا أن يعفو الله بإرضاء خصمائنا وإلا هلكنا.
(رَبَّنَا ظلمْنَا أنفسنا وإنْ لم تَغْفِرْ لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين) .
وكان الواجب علينا ألاَّ نخاطب ربَّنا بهذا الخطاب إلاَّ بعد التوبة النصوح.
وحسن الارتجاع، لكنا نرجو من كرم الكريم العفْوَ عن اللئيم بجاهِ نبيه الكريم.
(يَرْتابوا) : يشكّوا.
(يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا) .
نزلت في بني أسد من خزيمة، وهي قبيلةٌ كانت تجاورُ المدينة، وكانوا مسلمين ظاهرًا ويحبون المغانم وعَرَضَ الدنيا، فقالوا: يا رسول اللهِ، إنَّا آمنّا بكَ وصدقناك، ولم نحارِبْك كما فعلَتْ هوازنُ وغطفان وغيرهم.
فَردَّ الله عليهم بقوله: (بل الله يَمُنُّ عليكم) : يحتمل أن يكون بمعنى ينعم عليكم، أو بمعنى يذكر إنعامَه.
وهذا أحسنِ، لأنه في مقابلة: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ) .
стр. 1444
(يَلِتْكم) :
ويألتكم بهمزة قبل اللام - قراءتان، بمعنى ينقصكم.
والخطاب لمن أطاع الله ورسوله.
فإن قلت: هذا الخطابُ وقع في بني أسد، فكيف يعطيهم أجُورَ أعمالهم.
وقال: إنهم لم يؤمنوا، ولا تقبل الأعمال إلا من مؤمن؟
والجواب: أن طاعةَ الله ورسوله تجمَعُ صِدْقَ الإيمان وصلاح الأعمال، فالمعنى إن رجعْتم عما أنْتُم عليه من الإيمان بألسنتكم دون قلوبكم، وعملتم أعمالاً صالحة، فإنَّ الله لا ينقصكم منها شيئاً.
(يوم ينَادِ الْمنَاد من مكان قريب) :
المنادي هنا إسرافيل الذي ينفخُ في الصور.
وقيل: إنما وصفه بالقُرْب، لأنه يسمعُ جميعَ الخلق.
وقيل: المكان صخرة بيت المقدس، وإنما وصفها بالقُرْب لقربها من مكة.
وقيل لقُرْبها من السماء، لأنها أقرَب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً، وهذا ضعيف.
(يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرضُ عنهم سِرَاعاً) :
العامل في هذا الظرف معنى قوله: (حَشْرٌ علينا يَسير) ،وهو بَدَل مما قبله.
(يُسْراً) :
صفة لمصدر محذوف، ومعناه أنَّ السفن تجري في البحر بسهولة.
(يُؤْفَكُ عنه مَنْ أُفكَ) ، أي يصرف.
والضمير في (عنه) يحتمل أن يكون للنبي ﷺ ، أو للقرآن، أو للإسلام.
والمعنى يُصرف عن الإيمان به مَنْ صُرِف، أي مَن سبَقَ في عِلْم الله أنه مصروف.
وقيل: إن الضمير لما (توعدون) ، أو للدين المذكور.
والمعنى يصرف عن الإيمان به من صُرف.
وقيل: إنَّ الضمير للقول المختلف.
والمعنى يصرف عن ذلك القول إلى الإسلام مَنْ قضَى الله بسعادته، وهذا
القولُ حسن، إلا أنَّ عُرْفَ الاستعمال في أفك يؤفك إنما هو في الصَّرْف مِنْ خيرٍ
стр. 1445
إلى شر، ومن شر إلى خير.
وقيل: إن الضمير للقول المختلف، وتكون (عن) سببية.
والمعنى يصْرَف عن ذلك القول مَنْ صرِف عن الإيمان.
(يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) .
يحرقون ويعذّبون.
ومنه قيل للحَرَّة فَتِين، كأنه الشمسَ أحرقَتْ حجارتها.
ويحتمل أن يكون (يوم هم) معرباً، والعامل فيه مضمر، تقديره
يقع ذلك (يَوْمَ هم) على النار يُفْتنون أوأن يكون مبنيا لإضافته إلى متى.
وعلى هذا يجوز أن يكون في موضع نصب بالفعل المضمر حسبما ذكرنا، أو في موضع رفع، والتقدير هم يوم هم على النار يفْتنون.
(يهْجَعُون) :
في معنى هذه الآية قولان: أحدهما - وهو الصحيح: كانوا ينامون قليلاً من الليل، ويقطعون أكْثَرَ الليلِ بالسهر فى الصلاة والتضَرّع والدعاء.
والآخر أنهم كانوا لا ينامون بالليل لا قليلا ولا كثيرا.
ويختلف الإعراب باختلاف المعنيين، فأما على القول الأول ففي الإعراب أربعة أوجه:
الأول أن يكون (قليلاً) خبر كانوا، و (ما يَهْجَعون) فاعل بقليل.
لأن (قليلا) صفة مشبَّهة باسم الفاعل، وتكون (ما) مصدرية، والتقدير
كانوا قليلاً هجوعهم من الليل.
والثاني مثل هذا إلا أنَّ ما موصولة، والتقدير كانوا قليلا الذين يهجعون فيه
من الليل.
والثالث: أن تكون ما زائدة و (قليلاً) ظَرْف، والعامل فيه (يَهْجَعون) ، والتقدير كانوا يهجعون وقتا قليلا من الليل.
والرابع مثل هذا إلا أن (قليلا) صفة لمصدر محذوف، والتقدير كانوا
يهجعون هجوعاً قليلاً.
وأما على القول الثاني ففي الإعراب وجهان:
стр. 1446
أحدهما أنْ تكونَ (ما) نافيه، و (قليلاً) ظرف، والعامل فيه (يَهْجَعون) .
والتقدير: كانوا ما يهجعون قليلاً من الليل.
والآخر أن تكونَ (ما) نافية و (قليلاً) خبر كان، والمعنى كانوا قليلاً في الناس، ثم ابتدأ بقوله: (من الليل ما يهجَعون) ، وكلا الوجهين باطل عند أهل العربية، لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فظهر ضعْف هذا المعنى ببطلانِ إعرابه.
(يَوْمَهم الذي فيه يصْعَقون) :
يعني يوم القيامة، وذلك لشدة هَوْلِه.
(يلتقيان) :
ضمير التثنية يعود على البَحْرَين المذكورين في قوله: (هذا عَذْبٌ فرَاتٌ) ، (وهذا مِلْحٌ أجَاج) ، أي يلتقي ماء هذا وماء هذا، وإذا نزل المطر في البحر على القول بأن البحر العذب هو المطر، وأما على القول بأنَّ البحر العذب هو الأنهار والعيون، فالتقاؤهما بانصباب الأنهار في البحر، وأما قول القائل بأن البحرين بحر فارس والروم وبحر القلزم واليمن فضعيف.
(يَسألُه مَنْ في السماوات والأرض) .
أى يسألونه حوائجهم، فمنهم من يسأله بلسان المقال، ومنهم من يسأله بلسان الحال، لأنَّ جميعهم مفتقر لفَضْله ونَوَاله وإمداده.
وقد قدمنا أنَّ المراتب السبع من جماد ونام - وحيوان، وناطق وممتحن ومؤمن ومحب، جميعهب متضرعون مقبلين أو مدبرين.
فسبحان من وسع سَمْغه أصواتهم وحركاتهم وسكنَاتهم.
(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ) :
يعني بعلامتهم، وهي سواد الوجه وغير ذلك، وقد - قال في آية أخرى: (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) .
يعني أنَّ الكفارَ يتقلَّبون من الزمهرير إلى الحر، ومنَ الحرّ إلى الزمهرير، رجاء الاستراحة
стр. 1447
مما هم فيه، فلا يجدون إلا أشدَّ من منازلهم، فهم في عذابِ جهنم مخلَّدون: (لا يُفَتَرُ عنهم وهم فيه مبْلِسون) .
(يَطْمِثْهُنَّ) :
المعنى أنهن أبكار لم يطمثْهنَّ. . . بخروج الدم.
وقيل: الطمث الجماع، سواء كان لبكر أو غيرها، أو نفي أنْ
يطمثهن إنس أو جانٌّ مبالغة، وقَصْداً للعموم، فكأنه لم يطمثهنَّ شيء.
وقيل: أراد لم يطمث نساءَ الإنس إنس، ولا نساء الجنِّ جِنٌّ.
وهذا على القول بان الجن يدخلون الجنة، ويتلذّذون فيها بما يتلذَّذ البشر.
وقد قدمنا أنهم في رَبض الجنة لا يسكنون مع الإنسان، وأن رؤيةَ الله خاصة بالإنْس على المشهور (١) .
وقد صحَّ أن الله تعالى إذا خلق الجاريةَ من الحور العين خلق عليها
خيمة من الدّرّ ستْرًا لها وغيرة على مَنْ خلقها له ألَّا يراها غيره.
فما لَك يا محمدي لا تغير أنْتَ عليه إنْ كنت تحبّه، ولا أرى لكَ ذلك.
لأنك تقول رضيت بالله ربًّا ولم ترض بقضائِه.
وتقول تحبه، وأنْتَ تحب غيره وتقول وجّهْت وجْهيَ له، وقد وجّهْته لدنيا
وأهلٍ ومالٍ ووَلدٍ.
أما علمْتَ أن حقيقةَ العبودية الإقرار لمعبودها، لا رَاعَى الله من لا يراعي الذمم.
ربّك يعاملك بكل ما تريد ولا تَفْعل له ما يريد، كلّ ذلك لكَ لا له، إذ هو غني عن العالمين.
(ياقوت) :
هو حجر عزيز يضيء أعلاه كالقمر، وهو قليل الوجود، وهو أنواع.
وذكر الجواليقي والثعالبي أنه فارسي، وشبَّهَ الله نساءَ الجنة بالياقوت، وأين الياقوتُ منهن، ولكن خاطب عبادَه بما يفهمونه.
وقد قدمنا أنَّ أحوالَ الدنيا إنما هي أنموذج على ما في الآخرة لا مِثْلها.
(يُصِرُّونَ) .
أى يدومون من غير إقلاع.
قال ابن الجوزي: معناه يضجون بالحبشية.
(يُنَزِّلُ على عَبْده آياتٍ بيِّنَات) :
المراد به سيدنا ونبينا ومولانا محمد ﷺ للتشريف والتكريم.
стр. 1448
وقد قدمنا أنَّ هذه الإضافة خاصة به، كقوله تعالى: (وأنه لما قام عَبْدُ الله) .
(سبحان الذي أسْرَى بعبده) .
فما أشرفها من إضافة، وما ألذّه من خطاب!
(يسْعَى بين أيديهم وبأيْمَانهم) :
الضمير للمؤمنين، يعني أنهم يكون لهم نور يوم القيامة أمامهم ومِنْ خلفهم على قَدْر إيمانهم، منهم مَنْ يكون نوره كالنخلة السَّحُوق، ومنهم ما قرب من قدميه، ومنهم مَنْ يضيء مرة وينطفي، أخرى كالشمعة.
والكافرون والمنافقون لا نُورَ لهم، فيرون المؤمنين الأنوار محدقة فيقولون: (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) .
وقيل: إن هذا النور استعارة يرادُ به الهدَى والرضوان.
والأول أصح، لوروده في الصحيح.
(يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) :
أنى الأمْر إذاَ حان وقتُه، وذِكْر الله " يحتمل أن يريد به القرآن، أو الذّكر، أو التذكير، أو المواعظ.
وهذه آيةُ موعظةٍ وتذكير، قال ابن عباس: عُوتب المؤمنون بهذه الآية بعد ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، وسمع الفُضَيل بن عياض هذه الآية فكانت سببَ رجوعِه.
وحكي أن عبد الله بن المبارك أخذ العود في صباه ليضربه فنطق بهذه الآية
فكسره ابْنُ المبارك وتاب.
وحكي أنه كان في غار السودان عابد فأتى بعض الشباب بعود وكوز من
الخمر، فجلس بأعلى الغار من غير عِلْم بالعابد، فلما شرع في ضَرْب العود
والسكر قرأ العابد: (ألَمْ يأن للذين آمَنوا) الآية، فسمعه الشابُّ فقال:
بلى، آنَ، وكسر العود والكوز، وخرج فارّا بنفسه، فتبعه العابد، فعرضت له برْكة السودان فمشى على الماء.
قال العابد: فتبعتُه فغرقت، ولم أقدر على اتباعه،
стр. 1449
فرفعت رأسي، وقلت: إلهي لي على بابك أربعون سنة، ولم أنَلْ ما نال هذا في ساعة، فسمعت هاتفاً يقول: ذلك فَضْلي أوتِيه من أشاء.
وأنت يا محمديّ تتلوها كلَّ ساعة ولا ترجع إلى ربك! أهكذا شأن مَنْ يريد
الرجوعَ إلى اللَه! كلاّ والله، ليس ثَمَّ رجوع ولا ندم، وإنما هو انهماك في
المعاصي وقلةُ الخضوع، إلهي لا التوبة تدوم لي، ولا المعصية تنصرف عني، ولا أدري بمَ يخْتم لي، غير أنَّ سابقة الحسنى أوجبت لي حسْنَ الظنّ، وقد قلتَ: أنا عند حسْن ظَن عَبْدِي بي فليظنَّ بي ما شاء، فهَبْ لي توبةً منك باقية، واصرف أزمةَ الشهوات عني، وامْح زينتها من قلبي بزينة الإيمان بجاه سيد الثقلين عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم، ما اختلف الْمَلَوَان.
(ولا يكونوا كالذين أُوتوا الكتابَ من قَبْل فطال عليهم الأمد) .
عطف: (ولا يكونوا) على (أنْ تخشع) .
ويحتمل أن يكون نَهْياً، والمراد التحذير من أن يكون المؤمنون كأهلِ الكتب المتقدمة، وهم اليهود والنصارى، في حِرْصهم على الدنيا وعرف هممهم إليها، فكم خوَّفَنا سبحانه ونهانا قولا وفعلا، أدَّب الملائكة بإبليس: بعد عبادة ثمانين ألف سنة ترك سجدةً طُرِد.
أبونا آدم ﵇ بأكلة لم يُؤْذَن له فيها، أهْبِط إلى الأرض وبكى مائتي سنة، وأتعب ذريته (١) .
نوح ﵇ بكلمة (إني أعِظك) لم يرفع رَأسَه حيا - أربعين سنة (٢) ، فالحذَر مِنْ مَيْل إلى دُنْيَا تعدك بمال، فإنه مهلك، كبلعام سلب ولم يقبل أبدا، وكان يعلم الاسْمَ الأعظم.
وبرصيص العابد بعد عبادة مائةِ سنة قرنه الله مع إبليس في قوله تعالى مثَله
(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ) .
وَتأمّل الحدودَ المرتبَة على الذنوب مِن حدّ قطع عضو فيِ خمسة دراهم.
ولو لم يكن من التخويف "إلا قوله تعالى: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ) ، وإذا سأل الصادقين عن صدقهم فكيف بمن عصى؟
قال بعضهم: الصدق على ثلاث مقامات: صدق في العزم، وصدق في
стр. 1450
اللسان، وصدق في الأعمال، فصدق العَزْم تجديد الإرادة، وصدق اللسان محاسبة النفسِ قَبْل إطلاق القول، وصدق الأعمال ركوبُ الجهد بترك العادة النفسية.
فآفَةُ صدقِ العزم العجز، وآفة صدق اللسان المعارضة، قال تعالى في بعض
كتبه: إذا استوَتْ أقدام الأنبياء في الآخرة في صفّها أسأل الصادقين عن
صدقهم، فتحتاج إذ ذاك الأنبياء إلى عفوي، وأقدم حبيبى أمامَهم بخطوة
الصدق الذي أتى به بارزا على جميع الأنبياء، وهو مقام الوسيلة الذي وعدتُه
بنَيْلِه، ولا سؤالَ أعظم من سؤال الصادقين عن صدقهم، لأني أطالبهم بصدق الصدق، وقد عجز المخلوقون أجْمَعُ عن الصدق، فكيف يجيبون عن صِدْقِ الصدق.
اللهم لا حيلةَ لنا في الوصول إلى منزل الصدق عندك إلا باطِّراح أنفسنا
قولاً وفِعْلاً، لأنكَ أنْتَ أنت ونحن نحن، َ ولا بدّ لنا منك، فارحم ذلَّنَا بين
يديك يا أرْحمَ الراحمين..
(يظَاهِرون منكم مِنْ نَسائِهم) :
بالتشديد والتخفيف بحذف الألف وإثباتها مع التخفيف، ومعناهما واحد، وهو أن يقول الرجل لامرأته: أنْتِ عليَّ كظهْرِ أمّي، ويجري مجرى ذلك عند مالك تشبيه الزوجة بكل امرأةٍ محرَّمةٍ على التأبيد، كالبنت والأخت وسائر المحرمات بالنسب والمحرمات بالرضاع، والمحرمات بالصهر، سواء ذكر لفْظَ الظّهْر أو لم يذكره، كقوله: أنتِ عليَّ كأمي، أو كبطن أمي، أو يدها أو رجلها، خلافاً للشافعي، فإنَّ ذلك كلَّه ليس عنده بظِهَار، لأنه وقف عند لفظ الآية.
وقاس مالك عليه، لأنه رأى أن القصد تشبيه حلال بحرام.
(يَتَمَاسَّا) :
المراد بالمسيس هنا الوطء، وما دونه من اللمس، والتقبيل، فلا يجوزُ للمظاهر أنْ يفعلَ شيئاً من ذلك حتى يكفِّر.
وقال الحسن والثوري: أراد الوطء خاصة، فأباحوا ما دونه قبل الكفَّارة.
وذكر الله قوله: (قبل أن يَتَمَاسَّا) في التحرير والصوم، ولم يذكره في الإطعام.
стр. 1451
واختلف العلماء في ذلك، فحمل مالك والشافعي الإطعام على ما قبله، ورأى أنه لا يكون إلا قبل المسيس، وجعل ذلك من المطلق الذي يحْمَل على المقيد.
وقال أبو حنيفة: يجوز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطَأ قبل الكفَّارة، لأنَّ الله لم ينص في الإطعام أنه قبل المسِيس.
(يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) :
أمّا إخرابُ المؤمنين فهو هَدْم أسوارِ ألحصون ليدخلوها، وأسند ذلك إلى الكفار في قوله: (يُخْرِبُونَ) ، لأنه كان بسبب كفرهم وغَدْرِهم، وأما إخرابُ الكفار لبيوتهم فلثلاثةِ مقاصد:
أحدها حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدّوا بها أفواهَ الأزقّة
ويحصِّنوا ما أخْرَبه المسلمون من الأسوار، والآخر ليحملوا معهم ما أعجبهم من الخشب والسَّواري وغير ذلك.
والثالث ألاَّ تَبقى مساكنهم مبنيّة للمسلمين، فهدَموها شُحًّا عليها.
(يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) :
بالقتل والفيء والأسْرِ وغيرها.
(يثْقَفوكم) .:
يظفروا بكم.
(يَنْهَاكُم اللَّهُ عن الذين قاتَلوكم في الدين) :
هم كفار قريش، والآية في النهي عن الإحسان إليهم والتحبّب إليهم.
وأما مَنْ لم يقاتل فقد قدمنا في حرف اللام أنَّ الله رَخَّص للمسلمين في صلتهم.
وقد صحَّ أن أسماء بنت أبي بكر قالت: يا رسولَ الله، إنَّ أُمِّي قدمَتْ عليَّ وهي مشركة أفأصلها؟
قال: صِلِي أُمَّك.
(يَئِسُوا من الآخِرَة) .
أي من خيرها والسعادة فيها.
(يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدِّقا) .
هذا القول من عيسى ﵇ تعريضٌ لهم واستدعاء لهم أن يتديَّنوا بدينه، وأن يصدفوا بما صدَّقَ به.
(ومصدقاً) حال مؤكدة، (ومبشراً) ، عطف عليه.
والمعنى أرسلتُ إليكم في حال تصديقي بما تقدمني من التوراةِ وفي حال
стр. 1452
تبشيري برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، وأن ديني التصديق بكتاب الله
وأنبيائه جميعا ممَّنْ تقدّم أو تأخّر.
فإن قلت: لمَ لمْ يقل: يا قوم، كقول موسى ﵇: (يا قومِ لم
تُؤْذُونَني) ؟
والجواب أنَّ عيسى ﵇ لما نسبَ له فيهم، فيكونوا قومه، إذ لم يكن
له فيهم أب.
فإن قلت: لم جاء قولُ عيسى ﵇ فيما يرجع إلى التوراة بلفظ
التصديق، وفيما يرجع إلى النبي ﵇ بلفظ البشارة، ولِمَ قال: (مصدقاً) بالتوراة ولم يقل بموسى؟
قلت: المراد أنْ يخبر ﵇ بأنه مصدّق بمَنْ تقدم وتأخر من رُسله
وكتبه، فجاء لفظُ التصديق بالتوراةِ على الأمر المقصود، والتصديق بالتوراة
يستلزمُ التصديقَ بمَنْ جاء بها، وكأنه نزَّهَ الرسولَ الذي جاء بها عن أن يُسْتَراب برسالته حتى يحتاج إلى مَنْ يصدقه ممن هو مثله.
ولما كان مجيء محمدٍ ﷺ أمراً منتظرا حَسُنَ التبشير به، والبشارةُ به تتضمَّن تصديقَه سيما وقد سمَّاه رسولا وعرفه بأحمد، الاسم المسمَّى به في السماء عند الملأ الأعلى، وهو أفخم للمسمى، وأبلغ في تفخيمه.
وهنا نكتة لطيفة، وهي أنَّ المبشَّر به يشعر بأن البشارة به تقتضي بأنه يأتي
بأمور فيها البشرى لمَنْ جاءهم بها وقبلوها منه.
قال ابن عطية: وهو في هذه الآية الكلمة لا الشخص، وليست على حدِّ قولك: جاءنا أحمد، لأنك ها هنا أوقعْتَ الاسْمَ على مسمَّاه، والآية إنما أراد فيها باسمه هذه الكلمة.
ووقع للفخر في سورة الحمد مناسبة اشتقاق اسمه أحمد ومحمد من الحمد، لأنه أول ما خلق الله العقل، فكان أول ما نطق به الحمد، وكان آخر الأنبياء محمد ﵊، فناسب الخَتْم أن يكونَ من نوع المبدأ، فاشتقَّ له من الحمد اسمان: محمد وأحمد، فأهل السماه هو أحمدهم، وأهل الأرض هو محمدهم.
стр. 1453
فإن قلت: لم أخَّرَه ﷺ وهو أفضل الخلْق؟
والجواب لخصائصه وخصائص أمته، منها أن مَنْ تقدم ظهرت فيهم الصناعة
المحتاج إليها، فظهرت الحراثةُ من آدم، والخياطة من إدريس، والنجارة من
نوح، والقيانة من داود، والخرازة من إلياس، وغير ذلك من الصنائع التي احتيج إليها، فجاءت إليهم مهذَّبة، ومنها لئلا يطلع على مساويهم أحدٌ من الأمم.
ومنها لئلا يطول مكثهم في التراب.
ومنها ليكونوا شهداءَ على مَنْ تقدّم، وغير ذلك من الخصائص التي نالوها بسببه ﷺ ويطول ذكرها.
فإن قلت: هل لتسميته في الأحزاب حكمةٌ، لأنها مخالفة لتسمية عيسى؟
فالجواب: أنهم كانوا لا يعرفون في الكتب الماضية إلا هذا الاسم، وسِرّ
تسميته به أنه أشار إليهم فيها بأنه أحمدهم، وهذا الاسم لمْ تغيره ألسنةُ العامة، لأنهم يقولون محمد بفتح أوله أو بضم أوله، ويستعظمون ذِكْره على وجهه
للمواطأة فيه، وقد جعل النبي ﷺ للتغيير نسبة، إذ قال: " إنَّ الله صرف عني إيذاءَ قريش وسبَّهم، يسبّون ويذمُّون مذمَّما، وأنا محمد ".
ولما اتصف نبينا ومولانا محمد ﷺ بكونه أباً للمؤمنين في سورة الأحزاب، لأنهم كانوا لا ينادونه إلا بهذا الاسم تجد المؤمن إذا دهمه أمْرٌ أو حدث له حادث لا يفزع إلا لهذا الاسم الشريف، إذ لا أحسن للإنسان من أبيه عند الفَزع.
وبهذا يندفع ما نحا إليه النووي في الأذكار حيث يزعم أنه لا يذكر اسمه عند العشرة فما فوقها، ولعلَّ السرَّ في هذه الآية هو من ناحية نفْيِ أبوَّة الأشباح، وصحة كونه أباً للأرواح مع كونها مقتضية للرسالة، وختم النبوءة.
وفي شرح البخاري لابن بطال أنَّ الأبوة أشهر من الأمومة، بدليل: (ادْعُوهُم لآبائِهم) ، وللحديث: " ينصب للغادر لواء يوم القيامة ثم يقال: هذا لواء فلان ابن فلان ".
وإنما فرع من قال بالنسبة للأم، لأنه رأى الستر يوم القيامة أدْخَل في باب الإغضاء، وفيما قاله نظر، إذ الأبوة نسبة ظنّية والأخرى يقينية.
стр. 1454
وفي حديث القاضي المعافي: إنما الإشكال في دعوى ولد الزنى يوم القيامة
لأبيه، مع أنه ليس بأب شرعي.
وأجاب باحتمال دَعْوىَ المجاز كأبي الأرامل، أو أنَّ أحوال الآخرة على
خلاف أحوال الدنيا يُدْعَى إلى الإسلام الداعي إليه نبينا ومولانا محمد ﷺ .
(يَغْفِرْ لكمْ) :
جزم في جواب (تؤمنون) ، لأنه بمعنى الأمر، فقد قرأ ابن مسعود: آمِنوا وجَاهِدوا - على الأمر.
وقال الفراء: هو جواب (هل أدلُّكم) ، لأنه يقتضي التحضيض.
(يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) .
منّ الله على عباده ببَعْثِ رسول منهم وإليهم يعلِّمهم بيانَ الشرائع والفهم، ويزَكيهم: يطهرهم، ونسب التعليم إليه، لأنه يعلم ما في الكتب وطرق النظر بما يلقيه جبريل إليه، فأعرضوا عنه، وقالوا: هل بعث الله ملكا.
وقد قدمنا سِرَّ بَعْثِ الرسل من البشر، إذ البشرية لا تطيق مباشرةَ
الروحانية.
أَلاَ ترى جبريل، كان يخرجه ﷺ من البشرية حين يُلقى إليه الوَحْي.
فإن قلت: ما فائدة تقديم العلم في البقرة، وتأخيره في الصف وآل عمران؟
والجواب: لأنه لما كانت دعوة إبراهيم ﵇ قبل وجود الضلال في
الذرّية المدعوّ لها، وإنما تحصل لهم تزكيتهم ورَفْع ضلالهم المتوقّع لوقوعه بما
يمنحونه من التعليم وما يُتْلى عليهم من الآيات، لأن ذلك هو السبب في حصول التزكية والسلامة من الضلال إذا وققوا للانقياد له، ألا ترى ارتباطَ التزكية بأعمال الطاعات، قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) ، وإنما كان تزكية لهم لانقيادهم بالطاعة فما يطلبهم به من
ذلك ويأخذه منهم، فتأخَّر ذكر التزكية المسبّبة عما به تحصل، وذلك بعد
هدايتهم للإيمان، فجاء على الترتيب من بناء المسبَّب على سببه.
стр. 1455
ولما كان مقصود الآيتين الأخيرتين إنما هو ذِكرُ الامتنان عليهم بهدايتهم
بعد الضلال الذي كان وُجِد منهم والتعريف بإجابة دعوة إبراهيم ﵇ أخر ذِكزَ تعليمهم الكتاب والحكمة المزيلين لضلالهم، ليكونَ تلوهم ذِكْر الضلال الذي أنقذهم الله منه بما علمهم وأعطاهم وامْتَن عليهم، وهو ثاني المسببين، فكان الكلام في قوةِ أن لو قيل: ويعلمهم ما به زوَالُ ضَلاَلِهم.
وأخَّر في هاتين الآيتين ذكرَ السبب ليوصل بذكر مسببه الأكيد هنا الذي
قد كان وقع، وهو رفع ضلالهم وانقيادهم من عظم مِحْنته، ولو أخَّر ذِكْرَ
التزكية لما أحرز هذا المعنى المقصود هنا، فاختلافُ الترتيب إنما هو بحسب
اختلافِ القصدين ودَفْع ما ذكر، فورد على ما يجب.
(يَلْحَقوا بهم) :
معطوف على آخرين، أي لم يلحقوا بهم.
واختلف مَنْ هم الآخرون، والصحيح الذي ورد في الصحاح أنهم أهلُ فارس، لأنه ﷺ سُئل عنهم، فأخذ بيدِ سلمان، وقال: لو كان العلم بالثريا لناله رجال من هؤلاء، يعني فارس.
وقيل: هم الروم، و (منهم) على هذين القولين يريد في البشرية وفي الدين لا في النسب.
وقيل: هم أهلُ اليمن وقيل هم التابعون وقيل هم سائر المسلمين.
(يحْسَبُون كُلَّ صَيْحةٍ عليهم هم العَدُوُّ) .
عبارة عن شدة خوفهم من المسلمين، وذلك أنهم كانوا إذا سمعوا صياحاً ظنوا أنه ﷺ أمر بقتلهم، وفي هذا دليل على أنه كان يعلمهم.
(يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ) :
الضمير يعود على المنافقين، يعني أنهم يميلونها إعراضاً واستكباراً.
وسببُ نزول هذه السورةِ ما جرى في غَزْوَة بني الْمُصْطلق بين جَهْجاه بن
سعيد أجير عمر بن الخطاب وبين سنان الجُهني حليف لعبد اللَه بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين على الماء الذي وقع الزحام فيه، فلطم جَهْجَاه سناناً فغضب سنان، ودعا بالأنصار، ودعا الجَهْجَاه بالمهاجرين، فقال عبد الله بن أبَيّ: والله ما مثلنا
стр. 1456
ومثل المهاجرين إلا كما قال الأول: سمِّنْ كلبك يأكلك.
ثم قال: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) ، يعني بالأعزّ نفسه وأتباعه، ويعني بالأذَلّ رسولَ الله ﷺ ، ثم قال لقومه: إنما يقيم هؤلاء بالمدينة بسبب مَعُونتكم وإنفاقكم عليهم، ولو قطعْتُم عنهم ذلك لفَرّوا عن مدينتكم، فسمعه زيد بن أرقم، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك عبْدَ الله بن أبيّ، فحلف لرسول الله أنه ما قال شيئاً من ذلك وكذَّب زيداً، فنزلت السورة عند ذلك، فبعث رسولُ الله ﷺ لزيد، وقال له: صدَّقك الله يا زيد، فخزي عبد الله بن أبَيّ ومقَتَهُ الناس، فقيل له امْضِ إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك، فإنه رحيم بالأمة، فلوَى رأسه استكباراً، وقال: أمَرْتموني بالإسلام فأسلمْتُ، وبأداء الزكاة ففعلت، ولم يبق لكم إلا أنْ تأمروني بالسجود لمحمد، فعاش قليلاً ومات، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
لا حيلة في القدر: جمع الحبس والتعذيبُ بين بلال وعمار على نبذ الدين.
فزوّر على عمار على خط قلبه، فلم يعرف التزوير، وأسر بلال على دعوى
الإبلاس فسلموه إلى صبيانهم في حديدة يصرونه في حَرِّ مكة، ويضعون على
صدره وقت الرمضاء صخْرَةً، ولسانُ محبته يقول:
بعينك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللشوق ما لم يبْقَ مني وما بقي
وجيء بأبي جَنْدَل يجرَّ قيودَه، فردّه ﷺ إليهم ودموعُه تسيل على صدره، وأنشد أبياتاً آخرها:
وعلى ما صفحوا أو نقموا ... لأرَى يا طيبة منك يدا
وكذلك أبو سهيل وغيره حبسوهم عنه ﷺ ، فجرى القَدَر بِلقْياه، والإيمان به، وهؤلاء لم تسبق لهم سابقة سَبْق.
من أنْتَ يا بلال حتى عرج بك على براق العناية إلى حضرة القرب للقرب.
وخلف عن نيْل المطالب أبو طالب، جئتَ يا سلمان من فارس حق نظمتك يدُ
стр. 1457
العناية في سِلْكِ سلمان مِنا أهْل البيت.
يا صهيب، ما الذي سمعتَ من الأخبار
حتى تنعلت، ولبسْتَ سربالَ الهموم حتى سبقْت.
يا ابْنَ أدهم، مَنْ أنت حتى طرَّزْت حلَل المنابر برقوم مدحتك.
يا عتبة، مَنْ أنْتَ حق تزينَت مجالِس الأذكار بحديثك.
يا رابعة، مَنْ أنْتِ حتى لبيت المنادي، وحلَلْتِ من القرب في
النادي، وقيل لك: مِن أجلك قبلت مَنْ أتى إليك، اللهم إنك نبَّهْتَ قلوباً
نائمة، وأيقظت أسماعاً ساهية، وأقمتَ بالمواعظ إلى بابك قلوباً ناسية حتى سمعوا الإشارةَ، فأسرعوا وصفَتْ قلوبهم لمحبتك فيهم، فإنهم لم يحبوك حتى أحبَبْتَهم، ولم يقربوا منك حتى أوصلْتَهم، ارحمنا بذكرهم واقْبَلْنَا كما قبِلْتَهم، فإنه لا مانعَ لما أعطيْتَ، ولا مُعْطِيَ لما منَعْتَ، ولا تحرم مَنْ نظر في كتابي هذا وقال: اللهم ارْحَم المحرومَ برحمتك، وإن كان غَيْرَ مستأهل القبول، فضلك الكريم لا يرد الطفيليَّ والمتعلق.
فإن قلت: ما فائدة الجمع في قوله: (وإذا قيل لهم تعالَوْا يستغْفِر لكمْ
رسولُ الله) ، مع أن الخطاب لواحد؟
والجواب: أن الإسناد للتحقير وإبقاء الستر على العُصَاة حيث لم يعيّن القائِل.
وقد كان له أتباع من المنافقين يوافقونه على ما قال، فالخطابُ لهم.
(يأتِينَ بفاحشَة مُبَيِّنَة) :
ضمير الإناثِ يرجعُ إلى المطلقات.
والمعنى أن الله نهى عن أن يُخْرج الرجلُ المطلقةَ من المسكن الذي طلَّقها فيه.
ونهاها هي أنْ تخرجَ باختيارها إلا أن تأتي بفاحشة.
واختلف في هذه الفاحشة التي أباحَتْ خروجَ المعتدَّة على خمسة أقوال:
الأول أنها الزنى، فتخرج لإقامة الحدّ! قاله الليث بن سعد، والشعبي.
والثاني أنه سؤال وكلام مع الأصهار، فتخرج ويسقط حقها من السكنى.
ويلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظاً للنسب، قاله ابن عباس.
ويؤيّده قراءة أبيّ بن كعب: " إلا أنْ يفحشن عليكم ".
стр. 1458
والثالث أنه جميع المعاصي من القَذْف والزنى والسرقة وغير ذلك، فمهما
فعلت شيئاً من ذلك سقط حقُّها في السكنى، قاله ابن عباس أيضاً، وإليه مال
الطبري.
والرابع أنه الخروج من بيتها خروج انتقالِ، فمهما فعلَتْ ذلك سقط حقُّها في السكنى، قال ابن الغرس: وإلى هذا ذهب مالكَ في المرأة إذا نشزَتْ في العدّة.
الخامس أنه النشوز قبل الطلاق، فإذا طلَّقها بسبب نشوزها فلا يكون عليه
سكنى، قاله قتادة.
(يُحْدِث بعْدَ ذلكَ أمْراً) :
المراد به الرجعة عند الجمهور، أي أحْصوا العدَّة وامتثلوا ما أمرتم به لعلَّ الله يُحْدث الرجعةَ لنسائكم.
وقيل المعنى: لعل الله يحدِث أمرا من نسخ هذه الأحكام، وهذا بعيد.
وقيل: إنَّ سببَ الرجعة المذكورة في الآية تطليق النبي ﷺ لحفصة بنت عمر، فأمره الله بمراجعتها.
(يتَنَزَّلُ الأَمْر بينهنَّ) .
أي بين السماء والأرض.
وقد قدمنا آنِفاً أن المراد بالأمر الوحي أو إحكام الله وتدبيره لخَلْقِه.
(يَفْعَلون ما يُؤْمَرون) :
الضمير يعود على الملائكة الغلاظ، لقساوة قلوبهم على مَنْ عصاه، ويتقربون بتعنيف بني آدم وتعذيبهم مما هو مشاهدٌ في حَرَس ملوكِ الدنيا كلما ازدادوا عُنْفاً على المأمور به ازدادوا محبةً عند الأمير.
فإن قلت: قوله (لا يَعْصونَ الله ما أمرهم) ، يُغْني عن قوله: (ويَفْعَلون ما يؤْمَرون) ؟
والجواب: أنه أكَّدَه بذلك، ليزداد خوْفُ المخاطب.
أو معنى (يفعلون ما يؤمرون) بنشاط وجدٍّ فيما أمروا به من عذاب الناس.
اللهم أعِذْنا من عذابك.
стр. 1459
(يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ) :
العامل في يوم يحتمل أنْ يكونَ ما قبله أو ما بعده أو محذوفاً، تقديره اذكر، والوقف والابتداء يختلف على ذلك.
(يَسطرونَ) :
الضمير للملائكة على قول من قال: القلم هو الذي يُكتب به في اللوح المحفوظ.
وعلى مَنْ قال إنه القلم المعروف عند الناس يكون الضمير لبني آدم.
(يبدِلَنا خيراً منها) :
الضمير لأهل الجنة التي رأوها كالصَّرِيم، وقصتهم معروفة.
فطلب المؤمنون منهم البدَل في الدنيا أو في الآخرة.
وهكذا المؤمن يرجعُ إلى الله في نوائبِه ولا يضجر بما يناله.
(يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ) .
يعود ضمِير (بَنِيهِ) فيها إلى الحميم، لأنها في معنى الجمع.
والمعنى أن كل في يبصر حمِيمه يوم القيامة، فيراه ولكنه لا يسأله، لأنه مشغول بنفسه، وأيّ شغل وهو يودّ حينئذ أن يفدي نفسه
ببنيه الذين هم أحبُّ إليه من نفسه، ولا يجد ذلك، ولذلك عطفه
بـ (ثم ينْجِيهِ) ، لبعْد النجاة وامتناعها.
والفاعل الذي يقتضيه: (لو يَفْتَدِي) ، وهذا الفعل معطوف على لو يفتدي، ولذلك زجرة عن ذلك بقوله: (كلا) .
(يَوْمَهم الذي يوعَدون) :
قد قدمنا مراراً أنه يوم القيامة، بدليل أنه أبدل منه: (يوم يَخْرجونَ من الأَجداث) ، وهي القبور.
(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) :
هذا من قول نوح، وعَدَهم أَن يغفر لهم ما قبل إسلامهم لا بَعده، لأن ذلك في مشيئة الله، فمِنْ هنا للتبعيض، وقيل لبيان الجنس، وقيل لابتداء الغاية، وهذان ضعيفان، والأول أولى، لأن التبعيضَ فيها متَجه.
وتعلَّق المعتزلة بهذا، فقالوا بالأجَلين.
стр. 1460
وردَّ تعلقهم، لأن المعنى أنَّ نوحاً ﵇ لم يعلم هل هم ممَّنْ
يؤخر أو ممن يعاجل، ولا قال لهم إنكم تؤخرون عن أجل قد جاء، لكن سبق في الأزَل أنهم إما ممن قضِي له بالإيمان والتأخير أو ممن قضِي له وعليه بالكفر والمعاجلة، فكان الاحتمال يقتضيه ظاهر الآية إنما هو يبرزه الغَيْب من حالهم، إذ يمكن أن يبرز إما الإيمان والتأخير وإما الكفر والمعاجلة، وأمَّا ما عند الله فالحال الذي يكون منهم معلوم مقدَّر محتوم، وأجلهم كذلك معلوم مقدَّرٌ محتوم.
فإن قلت: ما المانع من كون (من) للغاية، أعني الابتداء والانتهاء.
كقولك: أخذت المالَ - من الصندوق؟
والجواب لا يصح هنا، لأنَّ الصندوق غير مأخوذ، بل مأخوذ منه، فيلزمِ
هنا أن تكونَ الذنوب غير مغفورة، ونقل عن أبي الربيع أنه إشارة إلى أنّ
الإسلامَ يحبط ما قبله.
وردّ بأنه يلزم صدق الذنوب على الماضي والمستقبل، لأن
الخطابَ للكفار، فيلزم المجاز، لأن الآتي لم يعملوه، فكيف يصدق عليه أنه
ذنوب قبل الفِعْل.
ونقل عن ابن عصفور أنه قال: يغفر لكم جملةً من ذنوبكم.
ورد بأن تلك الجملة بعض الذنوب، فلا حاجةَ إلى تقديرها، ولفظة من النائبة مناب بعض يغني عنها.
فتأمل يا محمديّ هذه العناية الربانية بكَ حيث خاطب هذه الأمّة، قال في
حقهم: (يغْفِرْ لكم ذنوبكم) ، وحيث خاطب الأمم المتقدمة أنبياؤهم خاطبوهم بالبعض، لتعلم الفَرْقَ بين خطاب المولى الكريم من خطاب عبيده.
(يقول سَفِيهنَا على الله شَطَطاً) :
هذا من كلام الجنّ، والمراد بالسفيهِ أبوهم إبليس.
وقيل هو اسْمُ جنس لكلّ سفيهٍ منهم، وهو المختارُ عند ابْن عطية.
(يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ) :
الضمير يعود على العرب، لأنهم كانوا إذا حلَّ أحدهم بوادٍ صاح بأعْلَى صوته: يا عزيز هذا الوادي، إني أعوذ
стр. 1461
بك من السفهاء الذين في طاعتك، ويعتقد أن ذلك الجني الذي بالوادي يحميه، وهذا جهلٌ منهم وإنكار للربوبية، ولذلك قال الله: (فزادوهم رهقا) .
(يَدْعُوه) :
الضمير لعبد الله المتقدم.
وقد قدمنا مراراً أنَّ اللهَ سمّاه هذا لإضافته للتشريف والتكريم.
وقال الزمخشري: إنما لم يقل الرسول أو النبي لأن هذا وقع في كلام رسول الله عن نفسه، لأنه مما أوحي إليه، فذكر النبي ﷺ نَفْسَه على ما يقتضيه التواَضع والتذلل، وهذا بعيد مع أنه إنما يتمكن
على قراءة أنه لما قام بفتح الهمزة فيكون عطفاً على (أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ) .
وأمّا على القراءة بالكسر على الاستئناف فيكون إخبارا من الله، ومن جملة كلام الجن، فيبطل ما قاله.
(يكونون عليهِ لِبَداً) :
يحتمل أن يكون الضمير للكفار من الناس، أيْ كادوا يجتمعون على الرد إليه وإبطال أمْرِه، أو يكون للجن الذين استمعوا، أي كادوا يجتمعون عليه لاستماعِ القرآن للتبرُّك به.
(يَجعل له رَبِّي أمَداً) .
أي لا أدري أقريب ما توعدون مِن قتلكم يوم بَدْر أو موتكم بعد، ولذلك قال: (عالمُ الغيب) ، يعني هذا أمر مغيب.
(يوم تَرْجفُ) .
العامل في يوم معنى الكلام المتقدم، وهو (إنَّ لدينا أنْكالاً) .
(يجعَل الوِلْدَان شِيباً) .
يعني أن الأطفال يشيبون يوم القيامة من شدَّة الهول، فقيل إن ذلك حقيقة، وقيل إنه عبارة عن هَوْل ذلك اليوم، وأخذ من الآية أنَّ الهمَّ يسرع الشيب، وهذا مشاهَد في كثيَر من الأشخاص في كل عصر.
وقد رأينا مَنْ شاب من هَمِّ ساعة، ورأينا حكايات شتّى أنهم شابوا من ذلك، فإذا كان هذا في الدنيا المنْقَرِضة همومها،
стр. 1462
لا خيرها يدوم ولا شرها يبقى، فما بالك بيوم تذهل فيه كلّ مرضعةٍ عمّا أَرضعت، ويفرّ المَرءُ من أخيه!
اللهم لا محيص من هَوْله إلاَّ بك، ولا مَفَرّ منه إلا بعفوك، فاجعله لنا يوم رحمةٍ لا يوم نِقْمة، إليك المشْتَكى، وبكَ المستغاث، وعليك التكلان، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بك.
(يَطمَعُ أَنْ أَزِيد) .
أي يطمع في الزيادة على ما أعطاه الله، ويظن أن حِرصَه واجتهاده يوصّله لمراده، وهذا غاية الجهل، ولذلك قال مهدّداً له: (كلا إنه كان لآياتنا عَنِيداً) .
(يقول الذين في قلوبهم مَرَضٌ والكافرون) :
المراد بالأولين المنافقون، لأنه وصفهم بمرض قلوبهم.
فإن قلت: ذلك في البقرة، وهذه الآية مكية، فكيف يصحّ إطلاقها عليهم
وليسوا بها؟
والجواب: أن معناه يقول المنافقون إذا حدثوا، ففيه إخبار بالغيب، أو يريد
مَنْ كان بمكة من أهل الشك.
(لِيَفْجُرَ أمَامَه) .
أي يفعل أفعالَ الفجور.
وفي معنى " أمامه " ثلاثة أقوال:
أحدها أنه عبارة عما يستقبل من الزمان، أي يفجر بقيةَ عمره.
الثاني أنه عبارة عن اتباع أغراضه وشهواته، يقال: مشى فلان قدَّامه إذا
لم يرجع عن شيء يريده، والضمير على هذين القولين يعود على الإنسان.
الثالث أَن الضمير يعود على يوم القيامة.
والمعنى يريد الإنسان أن يَفْجرَ قبل يوم القيامة.
(يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) .
أي يسأل الإنسان على وجه الاستخفاف والاستهزاء متى يوم القيامة.
وهذا لِجَهلِه إما على أن من مات فقد قامت قيامتُه وهو يشاهد الموت بَغْتة، فكيف يستبعدها وليس الخبر كالمعاينة.
لكن الجاهل أعمى، ولا يقال لهذا جاهل بل أحمق.
стр. 1463
(يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ) .
أي بجميع أعماله المقدمة في عمره، وما أخر منها بعد مماته، هل سَنَّ سنَّةً حسنة أو سيئة أو صلة أَوصى بها تضره أو تنفعه، أو ما قدم من المعاصي وأخّر من الطاعات، أو ما قدم لنفسه من ماله وما أخّره منه.
أو ما قدم في أول عمره وما أخّر في آخره.
ويحتمل أنه ينبَّأ عن مجموعها.
وفي الحديث: " يدنو أحدكم من ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فيقول عبدي خلقْتكَ بتدبيري، وصوّرْتك بحكمتي، وأتممت عليك نعمتي، فلِمَ عصيتني؟ ".
فأيّ جوابِ لك أيها العبد، وفي حديث آخر:
" لا تزول قَدَمَا عَبد حتى يسأل عن خمس: عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن علمه ما عمل فيه، أتدرون مَنِ المفْلس؟
قالوا: لا، يا رسولَ الله.
قال المفلس من يأتي يوم القيامة وله أمثال الجبال من الحسنات، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وضرب هذا، وأكل مالَ هذا، فهذا يأخذ من حسناته وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته طرحت عليه سيئاتهم، ثم طرح في النار ".
اللهم ارحمنا إذا صِرْنَا إليك، والطف بنا يوْمَ الوقوفِ بين يديك، أقسمتُ عليك بأكرم الخَلْق عليك وأرْفعهم مكانة لديك محمد ﷺ .
(يومئِذٍ المَسَاق) :
مصدر من السوق، كقوله تعالى: (إلى اللَهِ المصِير) .
(يَتَمَطَى) .
الضمير يعود على أبي جهل، وذلكَ أنه كان يبختر في مشيته ويتعجّب من نسمته، ويرى انه أَفضل قومه، فردّ الله عليه بقوله: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى) أي مَنْ كانت هذه حاله كيف يتبختر، وكانت هذه المشية معروفة في بني مخزوم، وختم هذه الآية بقدرته تعالى على إحياء الموتى، لأن مِنْ لازم خَلْق الإنسان وتصويره على هذه الهيئة المشاهدة القدرةَ على إحياء الموتى من باب أولىَ.
(يَتِيما) :
قد قدمنا أن اليتيمَ مَنْ فقد أباه من الآدميين، وِمنَ الحيوان مَنْ
فقد أمَّه، وسَمَّى الله نبيه بقوله تعالى: (ألَم يَجِدْكَ يتيما فآوى) .
стр. 1464
وذلك أنه قال ليلةَ الإسراء: يا رب، اصطفيتَ آدم، وسلمت على نوح، ورفعتَ إدريس، وكلمتَ موسى، فقال له: (ألم يَجِدْكَ يتيما فاَوَى) .
. .) ، إلى آخر ألم نشرح.
وهذا الاستفهام على ذكر المنة والتسلية بما أعطاه الله وفَضّله على سائر
الرسل، هذا ما أعطاه الله في الدنيا والآخرة وأعظمها قوله: (ولسوف يُعْطِيكَ رَبُّكَ فتَرْضَى) ، ففي إبهام هذا العطاء ما لا يُوصف.
(يَوْمَا عَبوساً) .
قد قدمنا أنه عبوس على الكافر، لأنه يعبس يومئذ حتى يسيلَ الدم من عينيه، مثل القطران، وأما المؤمنُ فيسرّ بما يلْقَى من الرحمة الخاصة به، جعلنا الله منهم.
(يا ليتني كنْتُ تُرَاباً) .
هذا من قول الكافر لما يرى مِنَ اقتصاص البهائم بعضها من بعض، ثم ترجع تراباً فيقوله ليسلم من العذاب كما سلمتِ الحيوانات، وأنّى له ذلك! وقيل المرادُ به إبليس، لأنه احتقر الترابَ في قوله: (خلَقْتَنِي من نارٍ وخلقْتَهُ من طين) ، فيتمنى حينئذ أن يكونَ مثل آدم وأولاده لما رأى ما أنعم الله على المؤمنين منهم.
(يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) .
العامل في " يوم " محذوف، وهو الجوابُ المقدر، تقديره لتبعثن يوم تَرْجُف الراجفة.
وإن جعلنا (يَوْمَ تَرْجُفُ) الجواب فالعاملُ في يوم معنى قوله: (قلوبٌ يومئذ وَاجِفة) ، أي شديدة الاضطراب كما قدمنا في حرف الواو، ويكون
(تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) في موضع الحال.
ويحتمل أن يكون العاملُ فيه (تَتْبَعُهَا) ، وقد قدمنا أن هذين الاسمين من أسماء
القيامة، فقيل الراجفة النفخة الأولى في الصّور، والرادفة الثانية لأنها تتبعها.
وبينهما أربعون عاماً.
وقد قدمنا في حرف الثاء أنَّ الراجفةَ الأرض، والرادفة السماء، لأنها تنشقّ يومئذ.
وقيل الراجفة الموت، والرادفة القيامة.
وقد قدمنا أنَّ
стр. 1465
النَّفْخ على ستة أوجه: لآدم، (فإذا سَوَّيْتُه ونفخْتُ فيه مِنْ رُوحِي) .
ولذي القرنين: (قال انْفُخوا) .
ولمريم: (فنَفَخْنا فيها من رُوحِنا) .
ولعيسى ﵇: (فَأَنْفُخُ فِيهِ) .
وفي هاتين النفختين: (أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ) .
هذه حكايةُ قول الكفار في الدنيا، ومعناه على الجملة إنكارُ البعث، فالهمزةُ
في قولهم (أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ) للإنكار، ولذلك اتفق القُرّاء على قراءته بهمزتين إلا أنَّ منهم من سهّل الثانية، ومنهم مَن حقّقها.
واختلفوا في (أإذا كُنا عظَاماً) ، فمنهم من قرأه بهمزةٍ واحدة، لأنه ليس موضع استفهام ولا إنكار، ومنهم من قرأه بهمزتين تأكيداً للإنكار المتقدم.
(يَقْضِ ما أمَره) :
مجزوم بـ (لمَّا) ، ومعناه أنه لا يقضي الإنسان على تطاول عمره ما أمره الله، إذ لا بدَّ للعبد من تفريط، وإذا كانت الأنبياء والرسل والملائكة المقرّبون يقولون يوم القيامة: سبحانك ما عبدناك حَقّ عبادتك، فكيف يقضي العاصي لربه حَقَّه، أو كيف تقضي العبودية حقّ الربوبية!
(يَوْمَ يقوم الناس لرب العالمين) :
الظرف منصوب بقوله: (مبعوثون) .
وقيل بفعل مضمر، أو بدل من (يوم عظيم) .
وقيام الناسِ يوم القيامة على حسب اختلافهم، فمنهم مَن يقوم خمسين ألف
سنة وأقل من ذلك على حسب أعمالهم، ومنهم مَن يقوم من قبورهم إلى
قصورهم، ومنهم على قَدْر صلاة مَكتوبة.
(يَشْهَده المقَرَّبون) :
يعني الملائكة لقربهم من الله.
(يَشْرَبُ بها) .
يعني يشربها، فالباء زائدة.
ويحتمل أن تكونَ بمعنى يشرب منها، أو كقولك: شربت الماءَ بالعسل.
стр. 1466
(يَحُور) .
أي يرجع بلغة الحبشة، قاله ابن عباس.
(يخرج من بين الصُّلْبِ والتَرَائبِ) :
الضمير للماء.
وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون للإنسان، وهذا بعيد جداً.
(يوم تُبْلَى السّرَائِر) .
يعني تنكشف سرائر العبد التي كانت في قلبه من عقائد ونيّات، وتاللَه لا يجد فيها في هذا الزمان إلا ضغائن وحقائد وخبث طويات.
وروي عن النبي ﷺ : " إن السرائِر الإيمان والصلاة والزكاة والغسل من الجنابة ".
وهذه معظَمها، ولذلك خَصَّها بالذكر، والعامل في (يوم) قوله
(رَجْعه) ، أي يرجعه (يوم تُبلى السرائِر) .
واعتُرض بالفصل بينهما.
وأُجيب بقوةِ المصدر في العمل.
وقيل: العامل (قادر) .
واعتُرض: بتخصيص القدرة بذلك اليوم، وهذا لا يلزم، لأن القدرة وإن كانت مطلقةً فقد أخبر الله أن البعث إنما يقَع في ذلك اليوم.
(يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى) .
يعني كيف تنفعه حينئذ الذكرى، وقد انقطعت علائقه.
والإنسان جنس يشمل جميعه، وتذكره إنما هو بنَدمه على تفريطه، ويومئذ بدل من (دُكَّت) ، ويتذكر هو العامل، وهو جواب (دُكَّت) .
(يقول يا ليتني قدَّمْتُ لحيَاتِي) .
أي قدمتُ عملاً صالحاً وقتَ حياتي، فاللامُ على هذا كقولك: كتبت لعشر من الشهر.
وقيل الحياة في الآخرة.
والمعنى: يا ليْتني قدمتُ عملا صالحاً للآخرة.
وكيف ينفَعه هذا القول وقد أخبر الله بعذابه ووثاقه؟!
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) .
قد قدمنا أنَّ النفوس ثلاثة:
لوّامة، وأمَّارة، ومطمئنة، وهي المرادة هنا بالخطاب، لأنها المُوقِنة بحيث
стр. 1467
لا يتطرق إليها شكٌّ في الإيمان.
وقيل المطمئنة التي لا تخاف حينئذ.
ويؤيدُ هذا قراءة أبيّ بن كعب: " يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة ".
(يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا) .
بضم اللام وكسرها.
بمعنى الكثرة.
والقائل لهذا عند قوم الوليد بن المغيرة، لأنه أنفق أموالاً في إفساد أمرِ
رسول الله ﷺ .
(يَتَزَكَّى) .
من أَداء الزكاة، أو من الزكاء، أي يصير زاكياً عند الله، أو يتطهر من ذنوبه.
وهذا الفعل بدل من (يؤتي ماله) ، أو حال من الضمير.
والمراد به أبو بكر الصدّيق ﵁، ولو لم يكن له من الفضيلة إلا نزول هذه السورة فيه لكان فيها كفاية، فكيف وقد شبّهه رسول الله ﷺ بآصف لما أتي ببركة من مكة إلى المدينة.
وسمي صدِّيقاً لأَنه صدَّق النبي ﷺ حين كذبه الناس، وعتيقاً لقول النبي ﷺ : أنت عتيق من
النار.
ولما نزلت: (ولسوف يَرْضَى) ، قال: يا رسول الله، لا يرضيني أنَ أحداً مِنْ أمَّتك يدخل النار.
فتبسَّم ﷺ وقال: إن الله يقول لك:
إن شئت وقفت في يوم القيامة تشفَع فيمن أحببت وإن شئت مضيْت.
وقد ألَّفتُ تأليفاً سميته الوثيق في نصرة الصديق.
وبالجملة فالصحابة كلهم عدول لا يجحد عدالتهم إلا منافق مبتدع، وكيف لا والله يقول: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ، فرضي الله عنهم وعمَن رضي عنهم وأحبَّهم.
(يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) :
الخطاب لنبينا ﷺ .
ولما نزلت قال: لا أَرضَى أنْ يَبقَى أحد من أمَّتي في النار.
فقال الله له: لا بدّ من نفاذ الوعيد على طائِفةٍ.
فطلب فيهم الشفاعة.
والصحيح أنَّ هذا وعْد يعمّ كلَّ ما أعطاه الله في الدنيا من النصر، والفتوح، وكثرة المسلمين، وغير ذلك، وفي الآخرة من الوسيلة، والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود الذي لا ينَالُه أحد.
стр. 1468
فإن قلت: ما فائدة الامتنان عليه باليتم؟
والجواب: لئلا يكون عليه حقّ لمخلوق، ولما مات أبوه تركه في بطْنِ مولاتنا
آمنة، ثم ماتت وهو ابْنُ خمسة أعوام، وقيل ثمانية، فكفله جدُّه عبد الطلب، ثم مات وتركه ابْنَ اثنتي عشرة سنة، فكفله عمُّه أبو طالب، ورام المعاندون قَتْله وخموده فلم يَقْدروا عليه لحِفْظِ الله له صبيّاً وكَهْلاً، فلهذا عدّد نِعَمَه عليه سبحانه كما قدمنا.
(يتلو صُحُفاً مُطهَّرة) .
الضمير لرسولِ الله ﷺ ، وذلك أنه يتلو القرآن في صحُف مطهرة.
وقد قدمنا معناها.
(يومئذ تحَدِّثُ أخبارَها) .
هذه عبارة عما يحْدث الله فيها من الأهوال، فهو مجازٌ وحديث بلسان الحال.
وقيل: هو شهادتها على الناس بما عملوا على ظَهرها، فهو حقيقة.
وتحدّث يتعدَّى إلى مفعولين، حذف الأول منها.
والتقدير تحدث الخَلْقَ أخبارها.
وانتزع بعض المحدثين من قوله: (تحدث أخبارها) أن قول المحدِّث: حدثنا، وأخبرنا سواء.
وهذه الجملة في جواب: (إذا زلزلت الأرضُ) ، و (تحدث) هو العامل في إذا، و (يومئذ) بدل من (إذا) .
ويجوز أن يكونَ العامل في (إذا) مضمر و (تحدث) عامل في (يومئذ) .
(يَوْمئذ يصْدر الناس أشتاتاً ليُرَوْا أعمالَهم) .
أي مختلفين في أحوالهم، وصدر الناس هو انصرافهم من موضع وردهم.
فقيل الورد هو الدفن في القبور والصدر هو القيام للبعث.
وقيل الورد القيام للمحشر، والصدر الانصراف إلى الجنة أو النار، وهذا أظهر.
وفيه يَعْظم التفاوت بين أحوال الناس، فيظهر كونهم أشتاتاً.
(يوم يكون الناسُ) :
العامل في الظرف محذوف دلَّ عليه القارعة.
تقديره في يوم.
(يحسب أنَّ ماله أخلده) .
أي يظنَّ بفَرْطِ جَهْله واغتراره أنَّ مالَه يخلّده في الدنيا.
وقيل: يظن أنَّ ماله يوصِّله إلى دار الخلد.
стр. 1469
واختلف على من يعود الضمير من الكفار على أقوال.
(يدعّ اليَتِيم) .
أي يدفَعه بعُنْف، وهذا يحتمل أن يكونَ عن إطعامه والإحسان إليه، وعن ماله وحقوقه، وهذا أشدّ.
(يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) :
هذه الجملة في جواب (أَرَأَيْتَ) ، لأنَّ معناها أخبرني، فكأنه سؤالٌ وجواب.
والمعنى انظر الذي يكذب بالدين تجد فيه هذه الأخلاق القبيحة والأعمال
السيئة، وإنما ذلك لأنَّ الدين يحمل صاحِبه على الحسنات، وترك السيئات.
فمقصود الكلام ذَمُّ الفاعل لذلك.
قال الجنيد: عرضت نفسي ليلة على هذه السورة، فلم أجد فيها ذلك، ثم عرضت عليها (قد أفلَحَ المُؤْمِنُون) إلى قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ) ، فقلت: سبحانك لا من هؤلاء ولا من هؤلاء، فسمعت هاتفاً يقول: من الذين (خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) .
هذا الجنيد فكيف حالك يا خويْد؟!!
(يُرَاءُونَ) الناس، فكانت صلاتهم للناس لا لله، فلذلك ذمَّهم الله في الدنيا وعذّبهم في الآخرة، وفي هذا تحذير لمن اتَّصفَ بصفتهم، فالأحْمَق مَنْ يعمل لرضا الناس، وهو لا يُدرك، وأجهلُ الناس مَنْ طلب ما لا يُدرك، وعن قريب يظهر له فِعله.
وهذا يختلف باختلاف المقاصد، لأن مَنْ عمل لإظهار الله جميله وستره قبيحه، أو لأنه يفعل به ذلك في الآخرة، أو لقُدْوتهم به أذلَّه مثل أجورهم، أو فرح بثنائهم لحبهم الطاعة والمطيع وسلامتهم من أضدادها، أو ليعرف حبَّ ربه تعالى إذا أحبه حَبَّبَهُ إلى عباده، أو لئلا يشغله ذمهم ونحوه فحسن.
(يَمْنَعون المَاعُون) :
قد قدمنا في حرف الميم أن هذا وصف لهم بالبخل وقلّة المنفعة للناس، ومَنْ لا ينفع الناس لا ينفعه الله، وأنفَعُ الناسِ عند الله أنفَعُهم للناس إلا إن أوجب الله طردهم وبعدهم وهجرانهم،
стр. 1470
فالبغضُ في الله أوجب، ولذلك اختلف الفقهاء في التصدق على تارِك الصلاة، قال بعضهم: الحمد للهِ الذي قال: (عن صَلاَتهم) ، ولم يقل في صلاتهم.
(يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)
سبب نزول هذه السورة أنَّ قوماً من قريش منهم الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاصي بن وائل، وأبو جهل ونظراؤهم - قالوا: يا محمد، اتَّبع ديننا ونَتَّبع دينك، اعبُدْ آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة.
فقال: معاذ الله أن نشرك بالله شيئاً.
ونزلت السورة في معنى البراءة من آلهتهم، ولذلك قال ﷺ : مَنْ قرأها فقد برئ من الشرك.
وفي هذا المعنى الذي عرضت عليه قريش نزل قوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) ، ولرسول الله ﷺ نزلت السّورة بسببها.
فإن قلت: لم كرر قوله تعالى: (ولا أنا عابِدٌ ما عبدْتم) ؟
فالجواب: في تكرار هذه الآيات أقوال جَمَّة ومعانِ كثيرة، وتلخيصها أنَّ
الله تعالى نفى عن نبيه عبادةَ الأصنام في الماضي والحالَ والاستقبال، ونفى عن
الكفار المذكورين عبادة الله في الأزمنة الثلاثة أيضاً، فاقتضى القياس تكرار هذه اللفظة ستَّ مرات، فذكر لفظ الحال، لأن الحال هو الزمان الموجود، واسم الفاعل واقعٌ موقعَ الحال وهو صالح للأزمنة الثلاثة، واقتصر من الماضي على المسند إليهم، فقال: (ولا أنا عابد ما عَبَدْتم) ، وكان اسم الفاعل بمعنى الماضي فعمل على مذهب الكوفيين.
واقتصر من المستقبل على المسند إليه، فقال: (ولا أنتم عابدون ما أَعبد) ، وكان اسم الفاعلين بمعنى المستقبل.
(يُشْعِرُكم) .
أي يُدريكم، وهو من الشعور بالشيء.
(يُلْحِذون في أسمائه) .
أي يجورون في أسمائه ويشتقّون اللات من الإله، والعزّى من العزيز، وقيل تسميته بما لا يليق به، ولما قال أبو جهل ما قال نزلت الآية.
стр. 1471
(يوم حُنين) :
عطف على (مواطن) ، أو منصوب بفعل مضمر.
وهذا أحسنُ لوجهين:
أحدهما أن قوله: (إذ أعجبتكم كثْرَتُكم) : مختص بحُنين، ولا يصح في غيره من المواطن، فيضعف عطف أحدهما على الآخر، إلا إن أريد بالمواطن الأوقات.
وحُنين اسم علم لموضع عُرف باسم رجل اسمه حُنين، وانصرف لأنه مذكر، وهي قرية قرب الطائف.
(يُحَادِدِ الله ورسوله) .
أي يخالفهما ويعاديهما.
وقيل: اشتقاقه من الحد، كقولك: يكون الله ورسوله في حدّ، وهو في حدّ.
(يُغَاث الناسُ) :
يحتمل أن يكون من الغيث، أي يمطرون، أو من الغوث، أي يفرج الله عنهم.
(يُحَاوِرُهُ) .
أي يراجعه في الكلام.
(يقَلِّبُ كَفَّيْه) :
يصفّق بالواحدة على الأخرى كما يفعل المتندم المتأسّف على ما فاته.
(يُغادِر) .
يخلف ويترك.
(يضَيِّفوهمَا) .
ينزلوها منزلةَ الأضياف في إطعامهما والإحسان إليهما.
(يُعَقِّبْ) :
يرجع على عَقبِه إلى خلف.
وقيل يلتفت.
(يوزَعون) :
يكفّون ويحبسون.
وجاء في التفسير يحبس أولهم على آخرهم حتى يدخلوا النار.
ومنه قول الحسن ﵁ لما تولّى القضاء وكَثر الناس عليه: لا بدَّ للناس من وزيعة، أي من شرطة يكفّون الناسَ عند القاضي.
(يُؤْتون ما آتوْا) .
من الزكاة والصدقة.
وقيل: إنه عامّ في جميع أعمال البر، أي يفعلون وهم يخافون ألاَّ تقبل منهم.
стр. 1472
وقد روت عائشة هذا المعنى عن النبي ﷺ إلا أنها قرات (يأتون ما أتوا) بالقصر، فيحتمل أنْ يكون الحديث تفسيراً لهذه القراءة، وقيل: إنه عام في الحسنات والسيئات، أَي يفعلونها وهم خائفون من الرجوع إلى الله.
فإن قلت: ما فائدة حذف الضمير في هذه الآية المثبت في الآيتين قبلها؟
فالجواب: أنه أكد في الأوليين بالضمير، وفي هذه بقوله: (وقلوبهم وَجِلَة) ، أي خائفة.
(يكَوِّر اللّيْلَ على النهار) .
أي يلف هذا على هذا، ككور العمامة، وهو هنا استعارة على ما قال ابْن عطية يعيد من هذا على هذا، فكأنّ الذي يطول من النهار أو الليل يصير منه جزء على الآخر فيستره، وكأن الذي يقصر يدخل في الذي يطول فَيْستَتِر فيه.
ويحتمل أن يكون المعنى أنَّ كلَّ واحد منهما يغيّب الآخر إذا طرأ عليه.
فشبه في ستره له بثوبٍ يلف على آخر.
(يوبِقْهنَ بِمَا كسبوا) .
ضمير التأنيث يعود على السفن، يعني يهلكها بما يكسب أهلها.
وهذا عطف على (يسْكِنِ الريحَ) ، ومعناه لو شاء اللَّهُ أغرق السفن من شدة الرياح العاصفة، أو يسكنها فيظْلَلْنَ رَوَاكد على ظهره لا يتحركْنَ بالجري.
(يُزْلِقونَك بأبْصارِهم) .
أي يزيلونك بعيونهم، لأنهم غاروا من فصاحته، فقال له قائل منهم: ما أفصحك! وقصد أخْذَه بالعين، لأنه أعياهم أمره، فلم يبقَ لهم من الحِيَل إلا هذا، فأنزل الله عليه هذه الآية، وحفظه منهم، فلذلك لا تجد أنفع رُقْية منها لمن أصابه العين، وقرِئت (ليزلقونك) بضم الياء، أَي يستأصلونك من قولهم: أزلق رأسه إذا حلقه.
(يُوفِضون) :
يسرعون الخروجَ من القبور إلى المحشر، كما يسرعون الْمَشْي إلى أصنامهم في الدنيا، لكنه خلاف إسراعهم إليها، لأن
стр. 1473
الدنيا دارُ مُهْلة وتَنَعُّم، وهناك كما وصف الله حالَهم (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) .
ووجوههم مغبرة ترهقها قَتَرة.
(يُوعُون) .
أي يجمعون في صدورهم من الكفْر والتكذيب، أو هو سبحانه عالم بما يجمعون في صحائِفهم من الأعمال.
يقال: أوعيت المالَ وغيره إذا جمعته.
ولنختم معاني هذه الحروف بذكر دخول مَنْ أورثه الله هذا الكتاب العظيم من
الظالم والمقتصد والسابق ، وأن الله وعدهم بجنةِ عَدْن يدخلونها، والضمير راجع إلى الثلاثة، قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْ نَ) .
قالت عائشة ﵂: لو علموا ما تحت واو الجماعة لماتُوا فَرَحاً.
وقال ﷺ : " سابقُنا سابق، ومقتصدنا لاحق، وظالمنا مغفور له ".
فإن قلت: ما فائدة تقديم الظالم، وهلاَّ جاءتِ الآيةُ مثل الحديث؟
فالجواب: عادةُ المخلوق يقَدِّمُ الأفضل، فخاطبهم الله على عوائدهم، ألا
ترى قوله: زُرْ كغُبًّا تَزْدَد حُبًّا.
وقال الله: (واعْبُدْ رَبك حتّى يأتِيَك اليَقِين) .
ويقولون: لا تعير فتبلى.
وقول الله: (فاعْتَرَفُوا بذَنْبهم) : ويقولون: أحْسِن إلى مَنْ أحسن إليك.
ولما كان السابق قريباً، والظالم بعيداً، والقريب يحتمل ما لا يحتمل البعيد.
والظالم منكس الرأس من حياءِ جُرْمه ومعصيته، فلما نكس رأسه رفعه الله كما أنَّ الجوديّ وطور زيتا لما لم يرفعا رؤوسهما أكرمهما الله كما قدمنا، والظالم ضعيف، والسابق قويّ، والعادة في القافلة تقديم الضعيف والرجالة، ألا تراه ﷺ كان يقدم الضعفة إل مِنى قبل الفجر، فقدم الظالم لئلا يفتضح ولا يَعَاب، وأيضاً الظالم غير مدع والسابق مدع، ولو قدم السّابق وأخّر الظالم لبان منه
стр. 1474
العَدْل، والظالم رفع قصته إلى الله فوقع له توقع الرحمة في قوله تعالى: (قل يا
عبادي الذين أسرفوا على أنْفسهم) ، وللمقتصد توقع التوبة في
قوله تعالى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) .
وللسابق توقع الرضوان، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) .
فالمقاماتُ على ثلاثة أسْماء: الله الرحمن الرحيم، فانظر كيف اصطفاهم كما قال في إبراهيم: (ولقد اصْطَفينَاه في الدُّنيا وإنه في الآخرةِ لَمِن الصَّالِحين) .
فإن قلت: ما الفرق بين الاصطفاء والإفضال، ولِمَ لَمْ يقل فضّلنا؟
والجواب: أن الاصْطِفاء كلّي بجميع الأشياء، والإفضال بعض لبعض دون
بعض، والاصطفاء أخروي، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) .
والإفضال دنيوي، (والله فَضل بَعْضَكم على بَعْض في الززْق) ، والإفضال عام، (وأني فَضَّلْتكم على العالَمين) ، أي على عالمي زمانهم، والاصطفاء خاصّ، والخاص مقدَّم على العام.
فإن قلت: ما الحكمة ُ في أنَّ الله أعطى القرآن بلفظ الميراث؟
والجواب: لأنه ليس شيء أطيب وألذّ وأجلَّ من الميراث، فذِكْرهُ بلفظ
الميراث أحلى وأطيب وأشهى.
وأيضاً الميراث لا يُنْزعَ من يَدِ الوارث بخلافِ العطايا والهبات، فذكره بلفظ الميراث ليعلم أنه لا يريد أن ينزعه عنك.
وأيضاً الميراث يعمّ الأولاد عصاة أو مطيعين، كذلك القرآن.
وإذا أكرم الله المؤمن على الجملة باثنتي عشرة كرامة فكيف بمن اصطفاه بهذا القرآن، قال تعالى: (الذين آمَنُوا ولم يُلْبِسُوا إيمانَهم بظُلم) .
(وإن الله لَهَادِي الذين آمنوا) ، (يثبِّتُ الله الذين آمنوا) .
(وبَشّر الذين آمَنوا) ، (وبشِّر المؤمنين) .
(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) .
(يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) .
стр. 1475
(وكذلك ننجي المؤمنين) .
(ربّنا آمَنّا فاكتبنَا مع الشاهدين) .
(وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات) .
(للذين أحسنوا الحسنى وز يا دة) .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) .
فإن قلت: قد ذكرت لنا فضيلةَ الثلاثة فميِّز لنا مَنْ هم؟
والجواب: قد قدمنا مَنْ هم، وكثرت أقاويل الناسِ فيهم حتى أنهاه بعضهم
إلى عشرين قولاً، وتلخيصهم أن السابق الذي يدخل الجنة بغير حساب ولا
عذاب، والمقتصد الذي يدخلها بفضل الله.
والظالم الذي يدخلها بشفاعةِ رسول الله ﷺ .
وقيل السابق المحافظ على الجماعة.
والمقتصد المحافظ للوقت، والظالم الغافل عنهماجميعا.
وقيل الظالم الذي خلط عمَلاً صالحاً وآخر سيئاً.
والمقتصد الذي لم يخلط.
والسابق الذي لم تقع منه هفوة.
وقيل الظالم أهل الكبائر.
والمقتصد أهل الصغائر.
والسابق المجتنب لها جميعاً.
فإن قلت: لم وقعت الإشارة (ذلك هو الفَضل الكبير) ؟
فالجواب أنه قد كثرت الأقاويل أيضاً في ذلك، فقيل إشارة إلى الإرْث
والاصطفاء أو الظالم، أو إلى إذْنه، أو إلى دخول الجنة أو إلى الله، أي ذلك
الذي فعل هذا هو الفَضْل الكبير.
اللهم بَلغنا هذا الفَضْلَ، ولا تعاملنا بالعدل، وقد ابتدأنا بالفضل، وفعلك
مبنيٌّ على الابتداء (كما بدأكم تَعودون) .
(يا) :
حرف لنداءَ البعيد حقيقة أو حكماً، وهي أكثر حروفه استعمالاً.
ولهذا لا يقدر عند الحذف سوَاها نحو: (رَبّ اغفِر لي) .
(يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) .