(يوم حُنين) :
عطف على (مواطن) ، أو منصوب بفعل مضمر.
وهذا أحسنُ لوجهين:
أحدهما أن قوله: (إذ أعجبتكم كثْرَتُكم) : مختص بحُنين، ولا يصح في غيره من المواطن، فيضعف عطف أحدهما على الآخر، إلا إن أريد بالمواطن الأوقات.
وحُنين اسم علم لموضع عُرف باسم رجل اسمه حُنين، وانصرف لأنه مذكر، وهي قرية قرب الطائف.
(يُحَادِدِ الله ورسوله) .
أي يخالفهما ويعاديهما.
وقيل: اشتقاقه من الحد، كقولك: يكون الله ورسوله في حدّ، وهو في حدّ.
(يُغَاث الناسُ) :
يحتمل أن يكون من الغيث، أي يمطرون، أو من الغوث، أي يفرج الله عنهم.
(يُحَاوِرُهُ) .
أي يراجعه في الكلام.
(يقَلِّبُ كَفَّيْه) :
يصفّق بالواحدة على الأخرى كما يفعل المتندم المتأسّف على ما فاته.
(يُغادِر) .
يخلف ويترك.
(يضَيِّفوهمَا) .
ينزلوها منزلةَ الأضياف في إطعامهما والإحسان إليهما.
(يُعَقِّبْ) :
يرجع على عَقبِه إلى خلف.
وقيل يلتفت.
(يوزَعون) :
يكفّون ويحبسون.
وجاء في التفسير يحبس أولهم على آخرهم حتى يدخلوا النار.
ومنه قول الحسن ﵁ لما تولّى القضاء وكَثر الناس عليه: لا بدَّ للناس من وزيعة، أي من شرطة يكفّون الناسَ عند القاضي.
(يُؤْتون ما آتوْا) .
من الزكاة والصدقة.
وقيل: إنه عامّ في جميع أعمال البر، أي يفعلون وهم يخافون ألاَّ تقبل منهم.
стр. 1472
وقد روت عائشة هذا المعنى عن النبي ﷺ إلا أنها قرات (يأتون ما أتوا) بالقصر، فيحتمل أنْ يكون الحديث تفسيراً لهذه القراءة، وقيل: إنه عام في الحسنات والسيئات، أَي يفعلونها وهم خائفون من الرجوع إلى الله.
فإن قلت: ما فائدة حذف الضمير في هذه الآية المثبت في الآيتين قبلها؟
فالجواب: أنه أكد في الأوليين بالضمير، وفي هذه بقوله: (وقلوبهم وَجِلَة) ، أي خائفة.
(يكَوِّر اللّيْلَ على النهار) .
أي يلف هذا على هذا، ككور العمامة، وهو هنا استعارة على ما قال ابْن عطية يعيد من هذا على هذا، فكأنّ الذي يطول من النهار أو الليل يصير منه جزء على الآخر فيستره، وكأن الذي يقصر يدخل في الذي يطول فَيْستَتِر فيه.
ويحتمل أن يكون المعنى أنَّ كلَّ واحد منهما يغيّب الآخر إذا طرأ عليه.
فشبه في ستره له بثوبٍ يلف على آخر.
(يوبِقْهنَ بِمَا كسبوا) .
ضمير التأنيث يعود على السفن، يعني يهلكها بما يكسب أهلها.
وهذا عطف على (يسْكِنِ الريحَ) ، ومعناه لو شاء اللَّهُ أغرق السفن من شدة الرياح العاصفة، أو يسكنها فيظْلَلْنَ رَوَاكد على ظهره لا يتحركْنَ بالجري.
(يُزْلِقونَك بأبْصارِهم) .
أي يزيلونك بعيونهم، لأنهم غاروا من فصاحته، فقال له قائل منهم: ما أفصحك! وقصد أخْذَه بالعين، لأنه أعياهم أمره، فلم يبقَ لهم من الحِيَل إلا هذا، فأنزل الله عليه هذه الآية، وحفظه منهم، فلذلك لا تجد أنفع رُقْية منها لمن أصابه العين، وقرِئت (ليزلقونك) بضم الياء، أَي يستأصلونك من قولهم: أزلق رأسه إذا حلقه.
(يُوفِضون) :
يسرعون الخروجَ من القبور إلى المحشر، كما يسرعون الْمَشْي إلى أصنامهم في الدنيا، لكنه خلاف إسراعهم إليها، لأن
стр. 1473
الدنيا دارُ مُهْلة وتَنَعُّم، وهناك كما وصف الله حالَهم (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) .
ووجوههم مغبرة ترهقها قَتَرة.
(يُوعُون) .
أي يجمعون في صدورهم من الكفْر والتكذيب، أو هو سبحانه عالم بما يجمعون في صحائِفهم من الأعمال.
يقال: أوعيت المالَ وغيره إذا جمعته.
ولنختم معاني هذه الحروف بذكر دخول مَنْ أورثه الله هذا الكتاب العظيم من
الظالم والمقتصد والسابق ، وأن الله وعدهم بجنةِ عَدْن يدخلونها، والضمير راجع إلى الثلاثة، قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْ نَ) .
قالت عائشة ﵂: لو علموا ما تحت واو الجماعة لماتُوا فَرَحاً.
وقال ﷺ : " سابقُنا سابق، ومقتصدنا لاحق، وظالمنا مغفور له ".
فإن قلت: ما فائدة تقديم الظالم، وهلاَّ جاءتِ الآيةُ مثل الحديث؟
فالجواب: عادةُ المخلوق يقَدِّمُ الأفضل، فخاطبهم الله على عوائدهم، ألا
ترى قوله: زُرْ كغُبًّا تَزْدَد حُبًّا.
وقال الله: (واعْبُدْ رَبك حتّى يأتِيَك اليَقِين) .
ويقولون: لا تعير فتبلى.
وقول الله: (فاعْتَرَفُوا بذَنْبهم) : ويقولون: أحْسِن إلى مَنْ أحسن إليك.
ولما كان السابق قريباً، والظالم بعيداً، والقريب يحتمل ما لا يحتمل البعيد.
والظالم منكس الرأس من حياءِ جُرْمه ومعصيته، فلما نكس رأسه رفعه الله كما أنَّ الجوديّ وطور زيتا لما لم يرفعا رؤوسهما أكرمهما الله كما قدمنا، والظالم ضعيف، والسابق قويّ، والعادة في القافلة تقديم الضعيف والرجالة، ألا تراه ﷺ كان يقدم الضعفة إل مِنى قبل الفجر، فقدم الظالم لئلا يفتضح ولا يَعَاب، وأيضاً الظالم غير مدع والسابق مدع، ولو قدم السّابق وأخّر الظالم لبان منه
стр. 1474
العَدْل، والظالم رفع قصته إلى الله فوقع له توقع الرحمة في قوله تعالى: (قل يا
عبادي الذين أسرفوا على أنْفسهم) ، وللمقتصد توقع التوبة في
قوله تعالى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) .
وللسابق توقع الرضوان، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) .
فالمقاماتُ على ثلاثة أسْماء: الله الرحمن الرحيم، فانظر كيف اصطفاهم كما قال في إبراهيم: (ولقد اصْطَفينَاه في الدُّنيا وإنه في الآخرةِ لَمِن الصَّالِحين) .
فإن قلت: ما الفرق بين الاصطفاء والإفضال، ولِمَ لَمْ يقل فضّلنا؟
والجواب: أن الاصْطِفاء كلّي بجميع الأشياء، والإفضال بعض لبعض دون
بعض، والاصطفاء أخروي، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) .
والإفضال دنيوي، (والله فَضل بَعْضَكم على بَعْض في الززْق) ، والإفضال عام، (وأني فَضَّلْتكم على العالَمين) ، أي على عالمي زمانهم، والاصطفاء خاصّ، والخاص مقدَّم على العام.
فإن قلت: ما الحكمة ُ في أنَّ الله أعطى القرآن بلفظ الميراث؟
والجواب: لأنه ليس شيء أطيب وألذّ وأجلَّ من الميراث، فذِكْرهُ بلفظ
الميراث أحلى وأطيب وأشهى.
وأيضاً الميراث لا يُنْزعَ من يَدِ الوارث بخلافِ العطايا والهبات، فذكره بلفظ الميراث ليعلم أنه لا يريد أن ينزعه عنك.
وأيضاً الميراث يعمّ الأولاد عصاة أو مطيعين، كذلك القرآن.
وإذا أكرم الله المؤمن على الجملة باثنتي عشرة كرامة فكيف بمن اصطفاه بهذا القرآن، قال تعالى: (الذين آمَنُوا ولم يُلْبِسُوا إيمانَهم بظُلم) .
(وإن الله لَهَادِي الذين آمنوا) ، (يثبِّتُ الله الذين آمنوا) .
(وبَشّر الذين آمَنوا) ، (وبشِّر المؤمنين) .
(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) .
(يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) .
стр. 1475
(وكذلك ننجي المؤمنين) .
(ربّنا آمَنّا فاكتبنَا مع الشاهدين) .
(وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات) .
(للذين أحسنوا الحسنى وز يا دة) .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) .
فإن قلت: قد ذكرت لنا فضيلةَ الثلاثة فميِّز لنا مَنْ هم؟
والجواب: قد قدمنا مَنْ هم، وكثرت أقاويل الناسِ فيهم حتى أنهاه بعضهم
إلى عشرين قولاً، وتلخيصهم أن السابق الذي يدخل الجنة بغير حساب ولا
عذاب، والمقتصد الذي يدخلها بفضل الله.
والظالم الذي يدخلها بشفاعةِ رسول الله ﷺ .
وقيل السابق المحافظ على الجماعة.
والمقتصد المحافظ للوقت، والظالم الغافل عنهماجميعا.
وقيل الظالم الذي خلط عمَلاً صالحاً وآخر سيئاً.
والمقتصد الذي لم يخلط.
والسابق الذي لم تقع منه هفوة.
وقيل الظالم أهل الكبائر.
والمقتصد أهل الصغائر.
والسابق المجتنب لها جميعاً.
فإن قلت: لم وقعت الإشارة (ذلك هو الفَضل الكبير) ؟
فالجواب أنه قد كثرت الأقاويل أيضاً في ذلك، فقيل إشارة إلى الإرْث
والاصطفاء أو الظالم، أو إلى إذْنه، أو إلى دخول الجنة أو إلى الله، أي ذلك
الذي فعل هذا هو الفَضْل الكبير.
اللهم بَلغنا هذا الفَضْلَ، ولا تعاملنا بالعدل، وقد ابتدأنا بالفضل، وفعلك
مبنيٌّ على الابتداء (كما بدأكم تَعودون) .
(يا) :
حرف لنداءَ البعيد حقيقة أو حكماً، وهي أكثر حروفه استعمالاً.
ولهذا لا يقدر عند الحذف سوَاها نحو: (رَبّ اغفِر لي) .
(يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) .
стр. 1476
ولا ينادي اسم الله، وأيتها، إلا بها.
قال الزمخشري: وتفيد التأكيد الْمُؤْذِن بأنّ الخطاب الذي تتلوه معتنىً به جدًّا.
وترد للتنبيه، فتدخل على الفعل والحرف، نحو: (ألا يا اسجُدُوا) .
(يا ليت قَوْمي يعلمون بما غَفرَ لي رَبِّي) .
وقد ختمْتُ الكلام على هذه الحروف ومعاني أدواتها على وَجْه مُوجز مفيد
محصِّل للمقصود منه، يكظم غيْظَ حبيب النجار، وحَطه عن قومه، والترأف بهم في حياته بالتشمّر في هوايتهم والتلطف معهم في دعائهم إلى الإيمان، وبعد موته بعدم الدعاء لقتلته والباغين له الغوائِل وهم كفرةٌ عبدةُ أصنام، بل تمنى لهم علمهم بأنه كان على صواب ونصيحة وشفقة، وأن عداوتهم لم تكسبه إلا فوزا وسعادة، راجياً من الله أن يعاملني بما عامل به قومه مع كفرهم وطغيانهم، وهو عبد مثلهم، فكيف بأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
فأسألك اللهم أن تحنَن عليَّ قلوباً تفكرت في هذه الفوائِد التي جعلْتَ لهم
قلوباً يفقهون بها، وأعيناً يبصرون بها، فيتذكروني إذا وصلوا إلى حضرتك
بذكري عندك، لأنك عالم أني لسْتُ بأهل أن أكون دليلاً إليكَ، لكني أدل
المنقطعين عليك، فاهْدِ الدليلَ، ولا تردَّ المدلول، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بك.
(فصل في أقوال كلِّية محتوية على ألفاظ قرآنية)
قال ابن فارس في كتاب الأفراد: كلّ ما في القرآن من ذِكْر الأسف فمعناه
الحزن إلا: (فلمّا آسَفُونا) ، فمعناه أغضبونا.
وكلّ ما فيه مِنْ ذكر (البروج) فهي الكواكب إلا: (ولَوْ كُنْتُم في بُروج
مشيّدةٍ) ، فهي القصور الطوال الْحَصينة.
وكلّ ما فيه من ذكر البَرِّ والبحر فالمراد بالبحر الماء، وبالبر التراب اليابس،
стр. 1477
إلا قوله: (ظهر الفَسادُ في البَرِّ والبَحرِ) ، فالمرادُ به البرية
والعمران.
وكلّ ما فيه من (بَخْس) فهو النقص إلا: (بثمن بَخْس) ، أي حرام.
وكل ما فيه من (البَعل) ، فهو الزوج إلا: (أتَدْعُونَ بَعْلاً) ، فهو الصنم.
وكلّ ما فيه من (البكم) فالخرس عن الكلام بالإيمان إلا: (عُمْياً وبُكْماً
وَصُمًّا) في الإسراء.
(وأحَدهُمَا أبْكم) في النحل، فالمراد عدمُ القدرةِ على الكلام مطلقاً.
وكلّ ما فيه (جِثيًّا) فمعناه جميعاً، إلا: (وتَرَى كُلَّ أمةٍ جاثية) .
فمعناه تَجْثُو على ركبها.
وكل ما فيه من (حُسْبان) فمن العدَدِ، إلا: (حُسْباناً من السماء) في الكهف، فهو العذاب.
وكل ما فيه من (حسرة) فالندامةُ إلا: (ليَجْعَلَ الله ذلكَ حسْرَةً في
قلوبِهم) ، فمعناه الحزن.
وكلّ ما فيه من (الدحض) فالباطل، إلاَّ: (فكان من الْمُدْحضِينَ) ، فمعناه من المغلوبين.
وكلّ ما فيه من رجز فالعذاب، إلا: (وَالرّجْزَ فَاهْجُرْ) ، فالمرادُ به الصنم.
وكلُّ ما فيه من (رَيْب) فالشكّ، إلا: (رَيْبَ الْمَنُون) ، يعني حوادثَ الدهر.
стр. 1478
وكل ما فيه من (الرجم) فالقتل، إلا: (لرَجَمْنَاك) : لشتمناك، و (رَجْماً بالغيب) ، أي ظنًّا.
وكلُّ ما فيه من (الزور) فالكذب مع الشِّرْك، إلا: (مُنْكَرًا مِنَ القَوْل
وَزُوراً) ، فإنه كذب غير شرك
وكلُ ما فيه من (زكاة) فالمالُ، إلا (وحَنَاناً منْ لدُنا وزَكاةً) ، أي طهرة.
وكلُّ ما فيه من (الزيغ) فالميلُ، إلا: (وإذْ زاغَتِ الأبصار) ، أي شخصت.
وكلّ ما فيه من سخر فالاستهزاء، إلا: (سُخْريًّا) ، في الزخرف فهو من التسخير والاستخدام.
وكلّ (سَكِينَةٌ) فيه طمأنينة، إلا التي في قصة طالوت فهو شيء كرأس الهرة له جناحان (١) .
وكل سعيرٍ فيه فهو النار والوقود، إلا (في ضَلاَل وسُعُر) ، فهو العناء!
وكلُّ (شيطان) فيه فإبليس، أي الشيطان وجنوده، إلا: (وإذا خَلَوْا إلى
شَيَاطينهم) .
وكلُّ شهيدٍ فيه غير القتلى فمَنْ يشهد في أمور الناس، إلا: (وادْعُوا
شهَداكم) ، فهو شركاءَهم.
وكل ما فيه من (أصحاب النار) فأهلها، إلا: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً) ، فالمراد خزَنَتُها.
وكلُّ صلاة فيه عبادة ورحمة إلا: (وصَلَواتٌ ومساجد) ، فهي الأماكن.
стр. 1479
وكل (صمم) فيه ففي سماع الإيمان والقرآن خاصة، إلا الذي في الإسراء.
وكلّ عذاب فيه فالتعذيب إلا: (ولْيشْهَدْ عذابهما) ، فهو الضّرْب.
وكلّ قنوت فيه طاعة، إلا: (كلّ لَهُ قانِتُون) ، فمعناه مقِرون.
وكلّ (كنز) فيه مال إلا الذي في سورة الكهف، فهو صحيفة علم.
وَكُلّ (مصباح) فيه كوكب إلا الذي في النور، فالسراج.
وكلّ نكاح فيه تزوّج إلا: (حتى إذا بَلغُوا النكاح) ، فهو الحُلُم.
وكلُّ نَبأ فيه خبر، إلا: (فعَمِيَتْ عليهم الأنباء) ، فهي الحجج.
وكلّ (ورد) فيه دخول إلا: (وَلمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَن) .
يعني هجم عليه ولم يدخله.
وكلّ ما فيه من: (لا يكلِّف الله نَفْساً) فالمراد منه العمل، إلا التي في
الطلاق، فالمراد منه النفقة.
وكل إياس فيه قنوط إلا الذي في الرعد، فمن العلم.
وكل " صبر " فيه محمود، إلا: (لَوْلاَ أنْ صَبَرْنا عليها) .
(واصْبِروا عَلَى آلهتكم) .
هذا آخِرُ ما ذكره ابن فارس.
وقال السجستاني: ليس في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة إلا قولهم
يسار ويَسار - بالفتح والكسر: اليد.
والله أعلم.
стр. 1480
وقال بعضهم: كلّ صوم فيه فمن العبادة، إلا: (نَذَرْتُ للرحمن صوْماً) ، أي صَمْتاً.
وكلّ ما فيه من (الظلمات والنور) فالمرادُ الكفر والإيمان إلا التي في أول
الأنعام فالمرادُ ظلمة الليل ونور النهار.
وكلّ (إنفاق) فيه فهو الصدقَةُ إلا: (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا) ، فالمراد به الْمَهْر.
وقال الداني: كلّ ما فيه من (الحضور) فهو بالضاد من المشاهدة إلا
موضعاً واحداً فإنه بالظاء من الاحتظار، وهو قوله: (كهَشِيمِ الْمُحْتَظِر) .
وقال ابن خالويه: ليس في القرآن (بعد) بمعنى قَبْل إلا حرفاً واحداً:
(ولقد كتَبْنَا في الزَّبُورِ مِنْ بَعْد الذكْرِ) .
وقال غيره: قد وجدنا حرفاً آخر، وهو قوله: (والأرْضَ بعْدَ ذلِكَ دَحَاهَا) .
قال أبو موسى في كتاب المغيث: معناه هنا (قبل) ، لأنه تعالى خلق
الأَرض في يومين ثم استوى إلى السماء، فعلى هذا خلق الأرْضَ قبل خَلْق السماء.
قُلت: قد تعرض النبي ﷺ والصحابة والتابعون لشيء من هذا النوع، فأخرج الإمامُ أحمد في مسنده، وابنُ أبي حاتم وغيرهما من طريق درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخُدْري، عن رسول الله ﷺ : " كلّ حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة ".
هذا إسناد جيد، وابن حِبَّان يصحِّحهُ.
وأخرج ابنُ أبي حاتم، من طريق عكرمة، عن ابن عباس، قال: كلّ شيء في
القرآن (أليم) فهو الموجع.
وأخرج من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: كلّ شيء في
القرآن (قتل) فهو لعن.
стр. 1481
وأخرج من طريق الضحاك، عن ابن عباس، كلّ شيء في كتاب الله من
الرجز، يعني به العذاب.
وقال الفِرْيابي: حدثنا قبس عن عمّار الدّهني، عن سعيد بن جُبير، عن ابن
عباس، قال: كلّ تسبيح في القرآن صلاة، وكل سلطان في القرآن حجة.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة، عن ابن عباس، قال: كل شيء في
القرآن (الدين) فالحساب.
وأخرج ابنُ الأنباري في كتاب الوقف والابتداء من طريق السّدِّي، عن أبي
مالك، عن ابن عباس، قال: كل ريب شك إلا مكانا واحدا في الطور: (رَيْبَ الْمَنُون) ، يعني حوادثَ الأمور.
وأخرج ابنُ أبي حاتم، عن أبي بن كعب، قال: كلّ شيء في القرآن من
الرياح فهي رحمة، وكل لشيء فيه من الريح فهو عذاب.
وأخرج عن الضحاك قال: كلّ (كأس) في القرآن إنما عني به الخمر.
وأخرج عنه، قال: كل شيء في القرآن (فاطر) فهو خالق.
وأخرج عن سعيد بن خبير، قال: كل لشيء في القرآن (إفْك) فهو كذب.
وأخرج عن أبي العالية، قال: كلّ آية في القرآن في الأمر بالمعروف فهو
الإسلام، والنهي عن المنكر فهو عبادة الأوثان.
وأخرج عن أبي العالية أيضاً، قال: كل آيةٍ في القرآن يذكر فيها حفظ الفَرْج فهو من الزنى، إلا قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) ، فالمرادُ ألًا يراها أحد.
وأخرج عن مجاهد، قال: كل شيء في القرآن: إن الإنسان كفور إنما يعني به الكفار.
стр. 1482
وأخرج عن عمر بن عبد العزيز، قال: كل شيء في القرآن (خلود) فإنه
لا أوْبة له.
وأخرج عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: كلّ شيء في القرآن (يقدر)
فمعناه يقلّ.
وأخرج عنه، قال: (التزكي) في القرآن كله الإسلام.
وأخرج عن أبي مالك، قال: (وراء) في القرآن كله أمام، غير حرفين:
(فمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ) ، يعني سِوَى ذلك.
(وأحِل لكمْ ما وَرَاءَ ذلكم) ، يعني سوَى ذلكم.
وأخرج عن أبي بكر بن عياش، قال: ما كان (كِسْفاً) فهو عذاب، وما
كان (كِسَفاً) فهو قطع السحاب.
وأخرج عن مجاهد، قال: (المباشرة) في كلّ كتابِ الله الجماع.
وأخرج عن ابن زيد، قال: كل ما في القرآن (فاسق) فهو كاذب، إلا
قليلاً.
وأخرج ابن المنذر عن السدي، قال: ما كان في القرآن (حنيفاً مسلماً) .
وما كان في القرآن حنفاء مسلمين: حجاجاً.
وأخرج عن سعيد بن خبير، قال: (العفو) في القرآن على ثلاثة أنحاء، نَحْو
تجاوزٌ عن الذنب، ونحو في القصد في النفقة: (ويسألونك ماذا يُنْفِقُون قُل
العَفْو) .
ونحو في الإحسان فيما بين الناس: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) .
وفي صحيح البخاري، قال سفيان بن عُيينة: ما سمّى الله المطر في القرآن إلا
عذاباً، وتسمِّيه العرب الغيث.
قلت: استثني من ذلك: (إنْ كَانَ بكُمْ أذًى مِنْ مَطرٍ) ،
стр. 1483
فإن المرادَ به الغيث مطلقا.
وقال أبو عبيدة، إذا كان من العذاب فهو أمطرت، وإذا كان من الرحمة فهو مطرت.
وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، قال: قال لي ابنُ عباس: احفظ عني: كل شيء في القرآن: (وما لَهم في الأرض مِنْ وَليّ ولا نَصير) ، فهو
للمشركين.
فأما المؤمنون فما أكثر أنصارهم وشفعاءهم.
وأخرج سعيد بن منصور، عن مجاهد قال: كلّ طعام في القرآن فهو
نصف صاع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن مُنَبه، قال: كل شيء في القرآن
(قليل) ، و (إلا قَليل (فهو دون العشرة.
وأخرج عن مسروق، قال: ما كان في القرآن: (على صلاتهم يحافظون) .
(حافظوا على الصلوات) فهو على مواقيتها.
وأخرج عن سفيان بن عُيينة، قال: كل شيء في القرآن: (وما يُدْرِيك) فلم
يخبر به.
وأما (أدراك) فقد أخبر به.
وأخرج عنه، قال: كلّ (مكرٍ) في القرآن فهو عمل.
وأخرج عن مجاهد، قال: ما كان في القرآن قتل ولعن، فإنما عُني به الكافر.
وقال الراغب في مفرداته: قيل كل شيء ذكره الله في كتابه (وما أدراك)
فسَّره.
وكل شيء ذكره بقوله: وما يدريك تركه.
وقد ذكر: (وَمَا أدْرَاكَ ما سِجّين) .
(وما أدْراكَ ما عِلِّيُّون) ، ثم فَسر الكتاب لا السّجِّين، ولا العلّيون.
وفي ذلك نكتة لطيفة.
قال بعضهم: ليس في القرآن على كثرة منصوباته مفعول معه.
стр. 1484
والصواب أنَّ فيه عدةَ مواضع أعرب كل منها مفعولا معه:
أحدها: (فأجْمِعُوا أمْرَكم وشركاءَكم) ، أي أجمعوا أنتم مع
شركائكم أمركم.
الثاني: (قُوا أنْفُسكم وأهْلِيكم نَاراً) .
قال الكرماني في غرائب التفسير: هو مفعول معه أي مع أهليكم.
الثالث: (لم يَكُنِ الَّذين كفَرُوا من أهْلِ الكتاب والْمُشْرِكين) .
قال الكرماني: يحتمل أن يكون قوله: " والمشركين " مفعولاً معه من الذين.
أو من الواو في كفروا.
فائدة فيما قرئ بثلاثة أوجه: الإعراب أو البناه أو نحو ذلك .
وقد رأيت تأليفاً لطيفاً لأحمد بن يوسف بن مالك الرُّعيني، سماه تحفة
الأقران فيما قرئ بالثلاثة من حروف القرآن:
(الحمدُ لله) :
قرئ بالرفع على الابتداء، والنصب على المصدر، والكسر على إتباع الدال لللام في حركتها.
(رَبّ العالمين) :
قرئ بالجر على أنه نعت، وبالرفع على القطع بإضمار مبتدأ، وبالنصب عليه بإضمار فعْل، أو على النداء.
(الرحمن الرحيم) :
قرئ بالثلاثة.
(اثنتا عَشْرَة عَيْناً) :
قرئ بسكون الشين، وهي لغة الحجاز، وكسرها، وهي لغة تميم، وفتحها وهي لغة هوازن.
(بين المرء) :
قرئ بتثليث الميم، لغات فيه.
(فبهتَ الذي كفَر) :
قراءة الجماعة بالبناء للمفعول.
وقرئ بالبناء للفاعل بوزن: ضَرَب، وحَسُن، وَعلِم.
стр. 1485
(ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) :
قرئ بتثليث الذال.
(واتقوا الله الذى تَساءَلونَ بهِ والأرْحام) :
قرئ بالنصب عطْفا على لفظ الجلالة، وبالخفض عطفاً على ضمير به، وبالرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أي والأرحام مما يجب أنْ تتَّقوه، وأن تحتاطوا لأنفسكم فيه.
(لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) :
قرئ بالرفع صفة للقاعدون، وبالجر صفة للمؤمنين، وبالنصب على الاستثناء.
(امْسَحوا برءوسِكم وأرْجلَكم) :
قرئ بالنصب عطفاً على الأيدي، وبالجر على الجوار أو غيره، وبالرفع على الابتداء، والخبر محذوف دَلّ عليه ما قبله.
(فجزَاء مِثْل ما قَتَلَ من النَّعَم) : ق
رئ بجر (مثل) بإضافة " جزاء " إليه، وبرفعه وتنوين (مثل) صفة له، وبنصبه مفعول لجزاء.
(والله رَبِّنا) :
قرئ بجر (ربنا) نعتاً أو بدلاً، وبنصبه على النداء، أو بإضمار أمدح، وبرفعه ورفع لفظ الجلالة مبتدأ وخبر.
(ويَذَرَكَ وآلهَتَك) :
قرئ برفع (يذرك) ، ونصبه، وجزمه للخفّة.
(فأجْمِعوا أمْرَكم وثرَكاءَكم) :
قرئ بنصب (شركاءَكم) مفعولاً معه، أو معطوفاً، أو بتقدير: وادعوا، وبرفعه عطفاً على ضمير (فأجْمعوا) ، أو مبتدأ خبره محذوف، وبجره عطفاً على (كم) في (أمركم) .
(وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا) :
قرئ بجر (الأرض) عطفاً على ما قبله، وبنصبها من باب الاشتغال.
وبرفعها على الابتداء، والْخَبَرُ ما بعدها.
стр. 1486
(موْعِدَكَ بِمَلْكنَا) :
قرئ بتثليث الميم.
(وحرامٌ على قرية أهْلَكنَاها) :
قرئ بلفظ الماضي بفتح الراء وكسرها، وبلفظ الوصف بكسر الراء وسكونها مع فتح الحاء، وبسكونها مع كسر الحاء وحرام بالفتح وألف، هذه سبع قراءات.
(كوكبٌ دُرِّى) :
قرئ بتثليث الدال.
(يس) : القراءة المشهورة بسكون النون.
وقرئ شاذًّا بالفتح للتخفيف، والكسر لالتقاء الساكنين، وبالضم على النداء.
(وَلاَتَ حِينَ مَنَاص) :
قرئ بنصب حين ورَفْعه وجره.
(سَوَاءً للسائلين) :
قرئ بالنصب على الحال، وشاذًّا بالرفع، أي هو، وبالجر حَملاً على الأيام.
(وقِيله ياربِّ) :
قرئ بالنصب على المصدر، وبالجر، تقدم توجيهه، وشاذًّا بالرفع عطفاً على (عِلْمُ الساعةِ) .
(ق) : القراءة بالسكون.
وقرئ شاذّا بالفتح والكسر لِمَا مرَّ.
(الحُبُكِ) :
فيه سبع قراءات: ضم الحاء والباء، وكسرهما، وفتحهما، وضم الحاء وسكون الباء وضمها، وفتح الباء وكسرها، وسكون الباء
وكسرها، وضم الباء.
(والحبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحان) :
قرئ برفع الثلاثة ونصبها وجرها.
(وحُور عِين. كأمْثَال اللّؤْلؤ) :
قرئ برفعهما وجرهما، وبنصبهما بفعل مضمر، أي يُزَوَّجُونَ.
стр. 1487
(فصل في قواعد مُهمّة يحتاج المفسّر إلى معرفتها)
أولها: قاعدة في الضمائر:
ألَّف ابن الأنباري في بيان الضمائر الواقعة في القرآن مجلدين، وأصْلُ وضع
الضمائرِ للاختصار، ولهذا قام قوله: (أعَدّ الله لهم مَغْفِرَةً وأجراً عَظيما)
، مقام خمسة وعشرين كلمة، لو أتى بها مظهرة.
وكذلك قوله: (وقُل للْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ من أبصارهنَّ) :
قال مكي: ليس في كتاب الله آية اشتملت على ضمائر أكثر منها، فإنَّ فيها خمسة وعشرين ضميراً، ومِنْ ثَمَّ لا يعدل إلى المنفصل إلا بعد تعذر المتصل، بأن يقعَ في الابتداء، نحو: (إياك نعبد) ، أو بعد (إلا) : نحو: (أمر ألاَّ تَعْبدوا إلاَّ إيَّاه) .
مرجع الضمير
لا بد له من مرجع يعودُ إليه ملفوظا به سابقاً مطابقاً، نحو: (ونادَى نوح
ابْنَه) ، (وعَصَى آدم رَبّه) .
(إذا أخْرجَ يدَهُ لم يَكدْ يَرَاها) .
أو متضمناً له، نحو: (اعْدِلُوا هو أقرب للتَقْوى) ، فإنه عائد على العَدْل المتضمّن له (اعدلوا) .
(وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) .
أي المقسوم، لدلالة القسمة عليه، أو دالل عليه بالالتزام، نحو: (إنّا أنزلناه في لَيْلَةِ القَدْر) ، أي القرآن، لأن الإنزال يدلّ عليه التزاماً.
(فمن عُفِيَ له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأدَاء إليه بإحسان) .
فعُفي يستلزم عافياً أُعيد عليه الهاء من (إليه) .
أو متأخر لفْظاً ورتبةً مطابقا، نحو: (فأوْجَس في نفسهِ خِيفةً موسى) .
(ولا يُسْالُ عن ذنوبِهم المجرمون) .
(فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) .
стр. 1488
أو رتبة أيضاً في باب ضمير الشأن والقصة، ونعم، وبئس.
والتنازع، أو متأخراً دالاًّ بالالتزام، نحو: (فلولا إذا بلغَتِ الْحُلْقوم) .
(كلا إذا بَلَغتِ التَرَاقي) : أضمر الروح أو النفس، لدلالة الحلقوم والتراقي عليها.
(حتى توارَتْ بالحجاب) ، أي الشمس لدلالة الحجاب عليها.
وقد يدلّ عليه السياق فيضمر ثقة بفَهْمِ السامع، نحو: (كل مَنْ عليها
فان) .
(ما ترك على ظَهْرِها) ، أي الدنيا.
(ولَأبَوَيْه) ، أي الميت، ولم يتقدم له ذِكر.
وقد يعود على لفظِ المذكور دونَ معناه، نحو: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ) ، أي معمَّر آخر.
وقد يعود على بعض ما تقدم، نحو: (يوصيكم الله في أولادكم) ..، إلى قوله: (فإن كُنّ نساءً) .
(وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) ، بعد قوله: (والمطلقات) ، فإنه خاصّ بالرجعيات.
والعائد عليه عامّ فيهنَّ وفي غيرهن.
وقد يعود على المعنى، كقوله في آية الكلاَلة: (فإنْ كانتَا اثنتين) ، ولم يتقدم لفظ مثنى يعود عليه.
قال الأخفش: لأن الكلاَلَة تَقع على الواحد والاثنين والجمع، فثنّى الضمير الراجعَ إليها حَمْلاً على المعنى، كما يعود الضمير جَمْعاً على " مَن " حمْلاً على معناها.
وقد يعود على لفظ شيء، والمراد به الجنس من ذلك الشيء.
قال الزمخشري كقوله: (إنْ يكن غنيًّا أو فَقِيراً فالله أوْلَى بهما) ، أي بجنْس
الفقير والغني، لدلالة غنياً أو فقيراً على الجنسين، ولو رجع إلى المتكلم به لوحَّده.
وقد يذكر شيئان ويعَاد الضمير إلى أحدهما، والغالب كونه الثاني نحو:
(واستَعِينوا بالصبْر والصلاة وإنها لَكَبِيرة إلا على الْخَاشِعين) .
стр. 1489
فأعِيد الضمير للصلاة، وقيل للاستعانة المفهومة من (استعينوا) .
و (جعل الشمْسَ ضياءً والْقَمر نُورا وقَدَّرَه منازِلَ) ، أي القمر، لأنه
الذي يعلم به الشهور.
(وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) ، أي يرضوهما، فأفرد، لأن داعِيَ الرسول هو دَاعِي العباد، والمخاطب لهم شفاهاً.
ويلزم من رِضاه رضا ربَّه تعالى.
وقد يثنَّى الضمير ويعود على أحد المذكورين، نحو: (يخْرُجُ منهما اللؤْلؤُ
والمرجَان) ، وإنما يخرج من أحدهما.
وقد يجيء الضمير متصلاً بشيء، وهو لغيره، نحو: (ولقد خلَقْنَا الإنسانَ
من سُلاَلةٍ من طين) ، يعني آدَم، ثم قال: (ثم جعَلْنَاهُ نُطفَةً) ، فهذا لولده، لأن آدَم لم يخلق من نُطْفة.
قلت: هذا هو باب الاستخدام، وقد قدّمْنَاه، ومنه: (لا تَسألُوا عن أشياءَ
إنْ تُبْدَ لكم تَسُؤْكم) ، ثم قال: (قد سألها) ، أي أشياء أخر مفهومة من لفظ أشياء السابقة.
وقد يعود الضمير على مُلاَبس ما هو له، نحو: (إلًا عَشِيَّة أو ضُحَاها) ، أي ضحى يومها لا ضحى العشيَّة نفسها، لأنه لا ضُحى لها.
وقد يعود على غير مشاهَدٍ محسوس، والأصلُ خلافه، نحو: (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فضمير له عائد على الأمر، وهو إذ ذاك غَيْر موجود، لأنه لما كان سابقا في عِلْمِ الله كونه، كان بمنزلة المشاهد الموجود.
قاعدة في عود الضمير
الأصلُ عَوْده على أقرب مذكور، ومِنْ ثَمّ أخّرَ المفعول الأول في قوله:
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) .
стр. 1490
ليعودَ الضمير عليه لقرْبهِ، إلا أنْ يكونَ مضافاً ومضافاً إليه، فالأصلُ عَوْده للمضاف، لأنه المحدَّث عنه، نحو: (وإنْ تعدُّوا نعمتَ الله لا تحْصوها) .
وقد يعودُ على المضاف إليه، نحو: (إلى إلهِ موسى وإني لأظنه كاذباً) .
واختلف في: (أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) ، فمنهم مَنْ أعاده على المضاف، ومنهم مَنْ أعاده إلى المضاف إليه.
قاعدة
الأصل توافق الضمائر في المرجع حذَراً من التشتّت، ولهذا لما جوَّزَ بعضهم
في: (أنِ اقْذِفِيه في التابوتِ فاقْذفيه في الْيَمِّ) ، أنَّ الضمير في
الثاني للتابوت وفي الأول لموسى عابه الزمخشري، وجعله تنافُراً مُخْرِجا للقرآن عن إعجازه، فقال: والضمائر كلها راجعة إلى موسى، ورجوعُ بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة لا تؤدي إليه من تنافُرِ النظْمِ الذي هو أمّ إعجاز القرآن، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر.
وقال في: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) . الضمائر لله، والمراد بتعزيره تعزير دينه ورسله، ومَنْ فرَّق الضمائر فقد أبعد.
وقد يخرج عن هذا الأصل، كما في قوله: (ولا تسْتَفْتِ فيهم منهم
أَحَداً) ، فإنَّ ضمير (فيهم) لأصحاب الكهف.
(ومنهم) لليهود، قاله ثعلب والمبرد.
ومثله: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) .
قال ابن عباس: ساء ظَنًّا بقومه وضاق ذَرْعاً بأضيافه.
وقوله: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)
الآية فيها اثنا عشر ضميراً كلها
стр. 1491
للنبي ﷺ إلا ضمير: (عليه) فلصاحِبه، كما نقله السهيلي عن الأكثرين، لأنه ﷺ لم تنزل عليه السكينة، وضمير (جعل) له تعالى.
وقد يخالَف بين الضمائر حذَراً من التنافر، نحو: (منها أربعةٌ حُرُمٌ) ، الضمير للاثني عشر، ثم قال: (فلا تظلِموا فيهنَّ أنْفسَكم) : أتى بصيغة ضمير الجمع مخالفاً لعَوْدِه على الأربعة.
ضمير الفصل
ضمير بصيغة المرفوع مطابق لما قبله، تكلّما وخطاباً وغيبة، إفرادا وغيره.
وإنما يقَع بعد مبتدأ أو ما أصلُه المبتدأ وقَبْلَ خبرٍ كذلك، اسماً، نحو: (وأولئكَ هم الْمفْلحون) .
(وإنا لنَحْن الصَّافون) .
(كنْتَ أنْتَ الرقيبَ عليهم) .
(تَجِدوه عِنْد الله هو خَيْرًا) .
(إنْ تَرَن أنَا أقَلَّ منك مالاً) .
(هؤلاء بناتي هنَّ أطْهَر لكم) .
وجوَّز الأخفش وقوعَه بين الحال وصاحبها، وخرَّج عليه قراءة: (هنَّ أطهَر
لكم) - بالنصب.
وجوَّز الجرجاني وقوعَه قبل مضارع، وجعل منه: (إنّه هو يبْدِئُ ويعِيد) .
وجعل منه أبو البقاء: (ومَكر أولئكَ هو يَبور) .
ولا محلّ لضمير الفصل من الإعراب.
وله ثلاث فوائد: الإعلام بأنّ ما بعده خبر لا تابع.
والتأكيد، ولهذا سماه الكوفيون دعامة، لأنه يدْعَم به الكلام، أي يَقْوَى ويؤكد، وبَنَى عليه بعضهم أنه لا يجمع بينه وبينه، فلا يقال زيد نفسه هو الفاضل، والاختصاص.
وذكر الزمخشري الثلاثة في: (وأولئك المفلحون) ، فقال: فائدته الدلالة على أنَّ ما بعده خبر لا صِفَة، والتوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دونَ غيره
стр. 1492
ضمير الشأن والقصة
ويسمى ضمير المجهول، قال في المغني: خالف القياس من خمسة أوجه:
أحدها عَوْده على ما بعده لزوماً، إذ لا يجوز للجملة المفسّرة له أن تتقدَّم عليه، ولا شيء منها.
والثاني أنَّ مفسّره لا يكون إلا جملة.
والثالث أنه لا يتبع بتابع فلا يؤكد، ولا يُعطف عليه، ولا يبْدَل منه.
والرابع أنه لا يعمل فيه إلا الابتداء أو ناسخ.
والخامس أنه ملازمٌ للإفراد، ومن أمثلته: (قلْ هو الله أحَد) .
(فإذا هِيَ شاخِصَةٌ أبصارُ الذين كفروا) .
(فإنّها لا تَعْمَى الأبصارُ) .
وفائدته الدلالةُ على تعظيم المخبر عنه وتفخيمه، بأن يذكر أولاً مبْهَماً ثم يُفَسر.
تنبيه:
قال ابن هشام: متى أمكن الحَمْلُ على غير ضمير الشأن فلا ينبغي أن يُحْملَ
عليه، ومِنْ ثَمَّ ضعف قول الزمخشري في: (إنَّهُ يَرَاكم هُوَ وقَبيلهُ) : إن اسم (إن) ضمير الشأن، والأوْلى كونه ضمير ْالشيطان، ويؤيده قراءة: (وقَبِيلَه) بالنصب، وضمير الشأن لا يعطف عليه.
قاعدة
جمع العاقلات لا يعودُ عليه الضمير غالباً إلا بصيغة الجَمْع، سواء كان للقلَّة
أو للكثرة، نحو: (والوالِدَاتُ يُرْضِعنَ) ، (والمطلَقَاتُ يَتَرَبَّصْن) .
وورد الإفراد في قوله: (وأزْوَاجٌ مُطَهَّرة) ، ولم يقل مطهرات.
وأما غَيْر العاقل فالغالب في جمع الكثرة الإفراد، وفي القلّة الجمع.
стр. 1493
وقد اجتمعا في قوله: (إنَّ عِدَّةَ الشّهُورِ عند الله اثْنَا عشَر شَهْراً في كتاب الله) . . . إلى أن قال: (منها أرْبعَة حُرُم) ، فأعاد (منها) بصيغة الإفراد على الشهور وهي للكثرة، ثم قال: (فلا تظْلموا فِيهنَّ أنْفُسَكم) ، فأعاده جمعاً على (أربعة حُرُم) وهي للقلّة.
وذكر الفراء لهذه ال قاعدة سرًّا لطيفاً، وهو أنَّ المميّز مع جمع الكثرة - وهو
ما زاد على العشرة - لما كان واحداً وحّد الضمير، ومع القلّة، وهو العشرة وما دونها، لمّا كان جمعاً جمع الضمير.
قاعدة
إذا اجتمع في الضمائر مراعاة اللَّفْظِ والمعنى بُدِئَ باللفظ ثُمَّ بالمعنى، هذا هو
الجادّة في القرآن، قال تعالى: (ومِنَ الناس مَنْ يقول) ، ثم قال: (وما هم بمؤمنين) .
أفردَ أوّلاً باعتبار اللفظ، ثم جمع باعتبار المعنى.
وكذا: (ومِنْهمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إليكَ وجَعلْنَا على قلوبهم أكِنةً) .
(ومنهم مَنْ يَقُول ائْذَنْ لي ولا تفْتِنِّي ألا في الفتنة سقَطوا) .
قال الشيخ علم الدين العراقي: ولم يجئ في القرآن البداءة بالحمل
على المعنى إلا في موضع واحد، وهو قوله تعالى: (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا) ، فأنَّثَ (خَالِصَةٌ) حَمْلاً على معنى ما ثم راعى اللفظَ فذكّر فقال: (وَمُحَرَّمٌ) .
قال ابن الحاجب في أماليه: إذا حمل على اللفظ جاز الحمل بعده على المعنى.
وإذا حمل على المعنى ضعف الحَمْل بعده على اللفظ، لأن المعنى أقوى، فلا يبعد الرجوع إليه بعد اعتبار اللفظ، ويضعف بعد اعتبار المعنى القويّ الرجوع إلى الأضعف.
وقال ابن جنّي في المحتسب: لا تجوز مراجعةُ اللفظ بعد انصرافه عنه
إلى المعنى، وأورد عليه قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا) ، إلى قوله: (حتى إذا جاءنا) ، فقد راجع اللفظَ بعد الانصراف عنه إلى المعنى.
стр. 1494
وقال محمود بن حمزة في كتاب العجائب: ذهب بعض النحويين إلى أنه لا
يجوز الحَمْل على اللفظ بعد الحَمْل على المعنى، وقد جاء في القرآن بخلاف ذلك، وهو قوله: (خالدِين فيها أبَداً قد أحسنَ الله له رِزْقاً) .
وقال ابن خالويه في كتاب " ليس "، القاعدة في (من) ونحوه الرجوع من
اللفظ إلى المعنى، ومن الواحد إلى الجمع، ومن المذكر إلى المؤنث، نحو: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا) ، و (منْ أسْلَم وجْهَه للهِ وهو محسن) ، إلى قوله: (ولا خَوْف عليهم ولا هم يحزنون) ، أجمع على هذا النحويون.
قال: وليس في كلام العرب ولا في شيء من العربية الرجوع من المعنى إلى
إلى اللفظ، إلا في حرف واحد استخرجه ابْن مجاهد، وهو قوله تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) ، وَحَّد في (يؤمن) و (يعمل) و (يدخله) ، وجمع في قوله: (خالدين) ، ثم وَحَّدَ في قوله: (أحسن الله له رِزْقاً) ، فرجع بعد الجمع إلى التوحيد.
قاعدة التذكير والتأنيث
التأنيث ضربان: حقيقي وغيره، فالحقيقيُّ لا تُحذَفُ تاء التأنيث من فعله
غالباً إلا إنْ وقع فَصْلٌ، وكلما كثر الفصل حسنَ الحذف، والإثبات مع الحقيقي أولى، ما لم يكن جمعاً.
وأما غَيْر الحقيقي فالحذفُ فيه مع الفَصْل أحسن نحو: (فمنْ جاءَه موعِظة مِنْ ربِّه) ، (قد كانَ لكم آية) ، فإن كثر الفَصْل ازداد حسناً، نحو، (وأخذ الّذِين ظَلَموا الصّيحةُ) ، والإثبات أيضاً حسن، نحو: (وأخذت الذين ظَلَموا
الصّيحةُ) ، فجمع بينهما في سورة هود.
стр. 1495
وأشار بعضهم إلى ترجيح الحَذْفِ، واستدلّ عليه بأنَّ الله قدَّمه على الإثبات
حيث جمع بينهما.
ويجوز الحذف أيضاً مع عدم الفَصْل حيث الإسناد إلى ظاهره، فإن كان إلى
ضميره امتنع.
وحيث وقع ضميرٌ أو إشارة بين مبتدأ وخبر أحدهما مذَكَّر والآخر مؤنث، جاز في الضمير والإشارة التذكير والتأنيث، كقوله تعالى:
(هَذَا رَحْمَة مِنْ رَبي) ، فذكّر والخبر مؤنث لتقدم السَّدِّ وهو مذَكّر.
وقوله تعالى: (فذَانكَ بُرْهَانانِ مِنْ رَبِّكَ) .
ذكَّر والمشار إليه اليد والعصا، وهما مؤنثان لتذكير الخبر وهو برهانان.
وكلّ أسماء الأجناس يجوز فيها التذكير والتأنيث حَمْلاً على الجماعة، كقوله:
(أعْجازُ نخْلٍ خاويةٍ) ، و (أعجاز نَخْل منْقَعِر) ، (إنَّ البَقَرَ تشابَه علينا) .
وقرئ: تشابهت.
(السماءُ مُنْفَطِرٌ بهِ) ، (إذا السماءُ انفطرَتْ) .
وجعل منه بعضُهم: (جاءَتْها رِيح عاصِفٌ) .
(ولسليمان الريح عاصفةً) .
وقد سئل، ما الفرق بين قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ) .
وقوله: (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) ؟
وأجيب بأنّ ذلك لوجهين: لفظي، وهو كثرةُ حروف الفاصل في الثاني.
والحذف مع كثرة الحواجز أكثر.
ومعنويّ، وهو أن " مَنْ " في قوله: (مَنْ حقَّتْ) راجعة إلى الجماعة، وهي
مؤنثةٌ لفظاً، بدليل: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا) ، ثم قال: (ومنهم من حقَّتْ عليه الضلالة) : أي من تلك الأمم، ولو قال: ضلّت لتعيَّنتِ التاء، والكلامان واحد، وإذا كان معناهما واحداً كان إثبات التاءِ أحسن مِنْ تَرْكها، لأنها ثابتة فيما هو من معناه.
стр. 1496
وأما: (فريقاً هَدى) الآية.
فالفريقُ مذكّر، ولو قال: فريقاً ضلّوا لكان بغير تاء، وقوله: (حَق عليهم الضلالةُ) في معناه، فجاء بغير تاء، وهذا أسلوب لطيف من أساليب العرب أن يَدَعُوا حُكْمَ اللفظِ الواجب في قياس لغتهم إذا كان في مرتبةِ كلمةٍ لا يجب لها ذلك الحكم.
قاعدة في التَّعريف والتَّنكير
اعلم أنَّ لكل منهما مقاماً لا يليقُ بالآخر.
أما التنكير فله أسباب:
أحدها: إرادةُ الوحدة، نحو: (وجاء رَجُل مِنْ أقصا المدينة يسْعَى) ، أي رجل واحد.
و (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ) .
الثاني: إرادة النوع، نحو: (هذا ذكْر) ، أي نوع من الذكر.
(وعلى أبصارِهم غشاوَة) ، أى نوع غريب من الغِشَاوة لا يتعارفه
الناس، بحيث غطّى ما لا يُغَطيه شيء من الغشاوات.
(ولتَجِدَنَّهُمْ أحْرَصَ الناسِ على حياةٍ) ، أي نوع منها، وهو الازدياد في المستقبل، لأن الحِرْص لا يكون على الماضي ولا على الحاضر.
ويحتمل الوحدة والنوعية معاً قَوْلُه تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) ، أي كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع الماء، وكلّ فردٍ من أفراد الدواب من فرد من أفراد النّطف.
الثالث: التعظيم، بمعنى أنه أعظم من أنْ يعينَ ويُعرف، نحو: (فأذَنُوا
بحَرْب من الله) ، (ولهم عَذَاب أليم) .
(وَسَلاًم علَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ) .
(سلام على إبراهيم) .
(أنَّ لَهمْ جَنَّاتٍ) .
стр. 1497
الرابع: التكثير، نحو: (أئنَّ لَنَا لأجْراً) ، أى وافراً جزيلاً.
ويحتمل التعظيم والتكثير معاً: (وإنْ يكذِّبوكَ فقد كُذبَتْ رُسل من قبلكَ) ، أي رسل عظام ذَوو عدَد كثير.
الخامس: التحقير، بمعنى انحطاط شأنه إلى حَدٍّ لا يمكن أن يعرف، نحو:
(إنْ نَظنُّ إلاَّ ظَنًّا) ، أي ظنًّا حقيراً لا يُعبَأ به، وإلا اتبعوه.
لأن ذلك دَيْدَنهم، بدليل: (إنْ يتّبِعونَ إلا الظَّنَّ) .
(مِنْ أَيِّ شيءٍ خَلَقه) ، أي من شيء حقير مهين، ثم بيّنَه بقوله: (مِنْ
نطْفَةٍ خَلَقه) .
السادس: التقليل، نحو (ورِضْوان من الله أكبر) ، أى رضوان قليل منه أكبر من الجنّات، لأنه رأس كل سعادة:
قليل منك يكفيني ولكن ... قَلِيلُك لا يُقالُ له قليل
وجعل منه الزمخشري: (سبحان الذي أسْرَى بعَبْدِه ليلاً) ، أي بعض ليل.
وأُورِد عليه أنَّ التقليل رد الجنس إلى فردٍ من أفراده، لا تنقيص فرد إلى
جزء من أجزائه.
وأجاب في عروس الأفراح بأنَّا لا نُسلّم أن الليلَ حقيقة في جميع الليلة، بل كل جزء من أجزائها يسمّى ليلاً.
وعدّ السكاكي من الأسباب ألا يعرف من حقيقته إلا ذلك، وجعل منه أنْ
تقصدَ التجاهلَ وأنكَ لا تعرف شخصه، كقوله: هل لكم في حيوان على صورة إنسان يعمل كذا، وعليه من تجاهل الكفار: (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) ، كأنهم لا يعرفونه.
وعدّ غيره منها قَصْد العموم بأن كانت في سياق النفي، نحو: (لا رَيْبَ
فيه) .
(فلا رَفَثَ) . الآية.
стр. 1498
أو الشرط، نحو: (وإنْ أحد مِنَ المشركين استجارَكَ) .
والامتنان، نحو: (وأنْزَلْنَا مِنَ السماءَ ماءً طَهوراً) .
وأما التَّعريف فله أسباب، فبالإضمار، لأنَّ المقام مقام التكلم أو الخطاب أو
الغيبة.
وبالعَلمية لإحضاره بعينه في ذهن السامع ابتداءً باسم مختصّ به، نحو: (قل
هو الله أحد) .
(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) .
أو لتعظيم أو إهانة حيث علمه يقتضي ذلك، فمن التعظيم ذكر يعقوب بلقبه إسرائيل لما فيه من المدح والتعظيم، ولكونه صفوة الله، أوْ سريّ الله، كما قدمنا في حرف الألف.
ومن الإهانة قوله: (تَبتْ يَدَا أبي لَهَب) ، وفيه أيضاً نكتة أخرى، وهي الكناية به عن كونه جهنمياً.
وبالإشارة لتمييزه أكملَ تمييزٍ بإحضارِه في ذهن السامع حسًّا، نحو: (هذا
خَلْق الله فأَرونِي ماذا خلَق الذين مِنْ دونه) .
وللتعريض بغباوة السامع، حتى إنه لا يتميز له الشيء إلا بإشارة الحسِّ.
وهذه الآية تصلح لذلك.
ولبيان حاله في القرب والبعد، فيؤْتَى بالأول بنحو هذا، وفي الثاني بنحو
ذلك وأولئك.
ولقَصْد تحقيره بالقرب: (أهَذَا الذِي يَذْكرُ آلِهَتَكم) .
(أهذَا الذي بعَثَ الله رسولاً) .
(ماذا أَرادَ الله بهذَا مَثَلاً) ، وكقوله تعالى: (وما هَذِهِ الحياة الدّنْيَا إلا لَهْو ولعِب) .
ولقصد تعظيمه بالبُعْد، نحو: (ذلك الكتاب لا رَيْبَ فيه) ، ذهاباً إلى بُعْدِ دَرجته.
стр. 1499
وللتنبيه بعد ذِكْر المشارِ إليه بأوصافٍ قبله على أنه جدير بما يرد بعده من
أجلها، نحو: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .
وبالموصولة لكراهةِ ذِكْرِه بخاصّ اسمه، إمّا سَتْراً عليه، أو إهانة، أو لغير
ذلك، فيؤْتَى بالذي ونحوها موصولة بما صدر منه من فعل أو قول، نحو:
(وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا) .
(وراوَدَتْه التي هو في بيتها) .
وقد تكون لإرادةِ العموم، نحو: (إنَّ اتَذِينَ يَسْتَكبِرون عن عبادتي) الآية.
وللاختصار، نحو: (لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا) ، أي قولهم إنه آدر، إذ لو عدّد أسماء القائلين لطال، وليس للعموم، لأن بني إسرائيل كلهم لم يقولوا في حقه ذلك.
وبالألف واللام إشارة إلى معهودٍ خارجيّ أو ذِهني أو حضوريّ.
وللاستغراق حقيقة أو مجازًا، أو لتعريف الماهية.
وقد مرَّتْ أمثلتها في حروف المعجم.
وبالإضافة لكلونها أخصر طريق.
ولتعظيم المضافِ، نحو: (إن عِبَادِي ليس لكَ عليهم سلْطان) .
(ولا يَرْضَى لعِبَادِه الكفْرَ) ، أي الأصفياء في الآيتين، كما قال ابن عباس وغيره.
ولقصد العموم نحو: (فلْيَحْذَرِ الذين يُخَالفون عن أمْرِه) .
أي كل أمر لله.
стр. 1500
فائدة
سئلتُ عن الحكمة في تنكير (أَحَدٌ) وتعريف (الصَّمَدُ) في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) .
وألّفت في جوابه تأليفاً مودَعاً في الفتاوى، وحاصله أن في ذلك أجوبة:
أحدها: أنه نكر للتعظيم، والإشارة إلى أنَ مدلوله - وهو الذات المقدسة -
غير ممكن تعريفها والإحاطة بها.
الثاني: أنه لا يجوز إدخال (أل) ، كغير وكل وبعض، وهو فاسد، فقد
قرئ: قل هو الله الواحد الصمد.
حكى هذه القراءة أبو حاتم في كتاب الزينة عن جعفر بن محمد.
الثالث: مما خطر لي أنَّ هو مبتدأ واللَه خبر، وكلاهما معرفة، فاقتضى
الحَصْر، فعرِّفَ الجزآن في: (اللَّهُ الصَّمَدُ) ، لإفادة الْحَصْر ليطابقَ الجملة الأولى، واستغني عن تعريف (أَحَدٌ) لإفادة الحصر دونه، فأتي به على أصله من التنكير، على أنه خبر ثان.
وإن جعل الاسْم الكريم مبتدأ و (أَحَدٌ) خبر ففيه من ضمير الشأن ما فيه من التفخيم والتعظيم، فأتي بالجملة الثانية على نحو الأولى، بتعريف
الجزأين للحَضْر تفخيمًا وتعظيمًا.
قاعدة أخرى تتعلق بالتعريف والتنكير
إذا ذكر الاسْم مرتين فله أربعة أحوال: لأنه إمَّا أنْ يكونا معرفتين، أو
نكرتين، أو الأول نكرة والثاني معرفة، أو بالعكس، فإنْ كانا معرفتين فالثاني
هو الأوَّلُ غالباً، دلالة على المعهود الذي هو الأصل في اللام أو الإضافة، نحو: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) .
(فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) .
стр. 1501
(وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) .
(وَقِهمُ السيئاتِ ومن تَقِ السيئَاتِ) .
(لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ) .
وإن كانا نكرتين، فالثاني غَيْر الأول غالباً، وإلا لكان المناسب هو التعريف بناء على كونه معهوداً سابقاً، نحو: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) ، فإن المرادَ بالضعف الأول النطفة، وبالثاني الطفولية، وبالثالث الشيخوخية.
وقال ابن الحاجب: في قوله تعالى: (غُدُوُّها شَهر ورَوَاحُها شَهْر) .
الفائدة في إعادةِ لفْظِ الشهر الإعلام بمقدار زَمَنِ الغدوّ وزمن الرواح.
والألفاظ التي تأتي مبيّنة للمقادير لا يحسنُ فيها الإضمار، ولو أضْمِر فالضمير
إنما يكونُ لما تقدّم باعتبار خصوصيته، فإذا لم يكن له وجب العدولُ عن المضمر إلى الظاهر.
وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) .
فالعسْرُ الثاني هو الأول، واليسر الثاني غير الأول، ولهذا قال ﷺ في الآية: " لن يغلب عُسْر يسرَين ".
وإن كان الأول نكرة والثاني معرفة، فالثاني هو الأولُ حَمْلاً على العهد.
نحو: (أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) .
(فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) .
(إلى (صِرَاطٍ مستقيم. صِرَاطِ الله) .
(مِنْ سَبِيل. إنّمَا السبيلُ) .
وإن كان الأول معرفة والثاني نكرة، فلا يُطلَق القول، بل يتوقف على
القرائن، فتارة تقوم قرينة على التغاير، نحو: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ) .
(يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ) .
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى)
стр. 1502
قال الزمخشري: المراد بالهدى جميع ما آتاه الله من الدين والمعجزات والشرائع، وهدى الإرشاد.
وتارة تقوم قرينةٌ على الاتحاد: نحو: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا) .
تنبيه:
قال الشيخ بهاء الدين في عروس الأفراح وغيره: الظاهر أنَّ هذه القاعدة غَيْرُ
محرّرة، فإنها منتَقَضةٌ بآيات كثيرة، منها في القِسْم الأول: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) ، فإنهما معرفتان.
والثاني غير الأول، فإنَّ الأول العمل والثاني الثواب.
(أنَّ النَّفْس بالنفس) ، أي القاتلة بالمقتولة.
وكذا سائر الآيات: (الحرّ بالحرِّ) .
(هل أتى على الإنسان حين من الدَّهْر) ، ثم قال: (إنَّا خلقْنَا الإنسانَ من نُطْفَة) ، فإن الأول آدم، والثاني ولده.
(وكذلِكَ أنْزَلْنا إليك الكتاب فالذين آتَيْنَاهم الكتابَ يُؤْمِنون به) .
فإنَّ الأولَ القرآن، والثاني التوراة والإنجيل.
ومنها في القسم الثاني: (وهوَ الَّذي في السماء إلهٌ وفي الأرضِ إله) .
(يسألونكَ عن الشَّهْرِ الحرام قتالٍ فيه قُلْ قِتَال فيه كبِير) ، فإنَّ الثاني فيهما هو الأول وهماَ نَكرتان.
ومنها في القسم الثالث: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) .
(ويُؤْتِ كلَّ ذِي فَضْل فَضْلَه) .
(وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) .
(ليزْدَادوا إيماناً مع إيمانِهم) .
(زِدْنَاهم عذاباً فَوْقَ العذَابِ) .
(وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) .
стр. 1503
فإن الثاني فيهما غير الأول.
وأقول لا انتقاضَ بشيء من ذلك عند التأمل، فإنَّ اللام في الإحسان
للجنس فيما يظهر، وحينئذ يكون في المعنى كالنكرة، وكذا آية النّفْس والحر، بخلاف آية العسر، فإنَّ " أل " فيها إما للعَهْد أو للاستغراق كما يفيد الحديث، وكذا آية الظن لا نسلم أنَّ الثاني فيها غير الأول، بل هو عينه قطعاً، إذ ليس كلّ ظن مذموماً، كيف وأحكام الشريعة ظنية، وكذا آية الصلح لا مانع من أن يكونَ المراد منها الصلح المذكور، وهو الذي بين الزوجين.
واستحباب الصلح في سائرِ الأمور، ويكون مأخوذاً من السنَّة أو من الآية بطريق القياس، بل لا يجوز القول بعموم الآية، وأنَّ كلّ صلح خير، لأنَ ما أحلّ حراماً من الصلح، أو حرًم حلالاً فهو ممنوع، وكذا آية القتال ليس الثاني فيها عَيْن الأول بلا شك، لأن المراد بالأول المسؤول عن القتال الذَي وقع في سَرِيّة ابن الحضرمي سنة اثنتين من الهجرة، لأنه سبب نزول الآية.
والمراد بالثاني جنسن القتال لا ذاك بعينه.
وأما آية: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) ، فقد أجاب عنها الطيبي بأنها من باب التكرير لإفادة أمْر زائد، بدليل تكرير
ذكر الرب فيما قبله من قوله: (سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ) .
ووجه الإطناب في تنزيهه سبحانه عن نِسبةِ الولد إليه.
وشرط القاعدة ألاَّ يقصد التكرير.
وقد ذكر الشيخ بهاء الدين في آخر كلامه: أن المراد بذكر الاسم مرتين
كونه مذكوراً في كلامٍ واحد أو كلامين بينهما تواصل بأن يكون أحدهما
معطوفاً على الآخر، أوْ لَهُ به تعلّق ظاهر وتناسب واضح، وأن يكون من متكلم واحد، ودفع بذلك إيراد آية القتال، لأن الأول فيها محكيّ عن قول السائل، والثاني محكيّ من كلام النبي ﷺ .
стр. 1504
قاعدة في الإفراد والجمع
من ذلك السماء والأرض: حيث وقع في القرآنِ ذكر الأرض فإنها مفردة ولم
تجمَع بخلاف السماوات، لثقل جمعها وهو أرَضون، ولهذا لما أُرِيد ذِكْر جميع
الأرض قال: (ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهنَّ) .
وأما السماء فذُكرت تارةً بصيغة الجمع، وتارة بصيغة الإفراد لنكتةٍ تليقُ بذلك المحلّ، كما أوضحتُه في أسرار التنزيل.
والحاصل أنه حيث أريد العدد أتيَ بصيغة الجمع الدالة على سعة العظمة، نحو: (سَبَّحَ لله ما في السماوات) ، أي جميع سكانها على كثرتهم، (تُسَبِّحُ له السماوات) ، أي كلّ واحدة على اختلاف عددها.
(قل لا يَعْلَم مَنْ في السماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلاَّ الله) ، إذ المراد نَفْيُ علم الغيب عن كلِّ مَنْ هو في واحدة من السماوات.
وحيث أريد الجهة أتي بصيغة الإفراد، نحو: (وفي السماء رزْقُكم) .
(أأمنْتم مَنْ في السماءِ أنْ يَخْسفَ بكم الأرض) ، أي من فوقكم.
ومن ذلك الريح حيث ذكرت مجموعة ومفردة، فحيث ذُكِرت في سياقِ
الرحمة جمعت، أو في سياق العذاب أفردت.
وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن أبيّ بن كعب، قال: كل شيء في القرآن من
الرياح فهو رحمة، وكل شيء فيه من الريح فهو عذاب.
ولهذا ورد في الحديث: " اللهم اجعلها رِياحاً ولا تجعلها رِيحاً ".
وذكر في حكمةِ ذلك أنَّ رِياحَ الرحمة مختلفة الصفات والهبات والمنافع، وإذا هاجَتْ منها رِيح أثير لها من مقابلها ما يكسر سَوْرتها، فينشأ من بينهما ريحٌ لطيفة تنفَعُ الحيوان والنبات، فكانت في الرحمة رياحاً، وأما في العذاب فإنها تأتي من وَجْهٍ واحد، ولا معارض لها ولا دافع.
стр. 1505
وقد خرَج عن هذه القاعدة قوله تعالى في سورة يونس: (وَجَرَينَ بهم بِرِيح
طيِّبَة) .
وذلك لوجهين: لفظي، وهو المقابلة بقوله: (جاءتها ريحٌ عاصف) .
ورُبَّ شيء يجوز في المقابلة، ولا يجوز استقلالاً، نحو: (ومَكَروا ومَكَر الله) .
ومعنوي، وهو أنَّ تمامَ الرحمةِ هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها.
فإنَ السفينةَ لا تسير إلا بريح واحدة من وجْهٍ واحد، فإذا اختلفت عليها الرياح كان سبب الهلاك، والمطلوب هنا ريح واحدة، ولهذا أكّد هذا المعنى بوصفها بالطيب، وعلى ذلك أيضاً جرى قوله: (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ) .
وقال ابن المنير: إنه على القاعدة لأنَّ سكونَ الريح عذابٌ وشدة على أصحاب السفن.
ومن ذلك إفراد النور وجَمْع الظلمات، وإفراد سبيل الحق وجمع سبيل
الباطل، في قوله: (ولا تَتَّبِعوا السّبلَ فتَفرًقَ بكم عن سبيله) ، لأنَّ طريق الحقّ واحدة، وطرق الباطل متشعبة متعددة، والظلمات بمنزلة طرق الباطل، والنور بمنزلة طريق الحق، بل هما هما، ولهذا وحّد وَلِيّ المؤمنين، وجمع أولياءَ الكفار لتعدّدهم في قوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) .
ومن ذلك إفراد النار حيث وقعت والجنة حيث وقعت مجموعةً ومفردة، لأن
الجنان مختلفة الأنواع، فحسُنَ جمعها، والنار مادة واحدة، ولأن الجنة رحمة والنار عذاب، فناسب جَمْعَ الأولى وإفراد الثانية على حدِّ الرياح والريح.
ومن ذلك إفراد السمع وجمع البَصر، لأنَّ السمْعَ غلب عليه المصدرية.
فأفرد، بخلاف البصَر، فإنه اشتهر في الجارحة، ولأن متعلّق السمع الأصوات، وهي حقيقة واحدة، ومتعلق البصر الألوان والأكوان وهي حقائق مختلفة، فأشار في كل منهما إلى متعلقه.
ومن ذلك إفراد الصديق وجمع الشافعين في قوله: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) .
стр. 1506
وحكمته كثرة الشفعاءِ في العادة وقلَّة الصديق.
قال الزمخشري: ألاَ ترى أنَّ الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم نهضت جماعة
وافرة من أهل بلده لشفاعته رحمة له، وإن لم يسبق له بأكَثرهم معرفة.
وأما الصديق فأعزّ من بَيْضِ الأنوق.
ومن ذلك الألباب لم يقع إلا مجموعاً، لأن مفرده ثقيل لفظاً.
ومن ذلك مجيء المشرق والمغرب بالإفراد وبالتثنية وبالجمع، فحيث أفردا.
فاعتباراً للجهة، وحيث ثنّيا فاعتبارا لمشرق الصيف والشتاء ومغربهما، وحيث جُمعَا فاعتبار لتعدّد المطالع في كل فصل من فصول السنة.
وأما وَجْه اختصاص كل موضع بما وقع فيه، ففي سورة الرحمن ورد
بالتثنية، لأنَّ سياقَ السورة سياق المزدوجين، فإنه سبحانه ذكَر أولاً نَوْعَي
الإيجاد وهما الخَلق والتعليم، ثم ذكر سراجي العالم: الشمس والقمر، ثم نَوْعي النبات: ما كان على ساق وما لا ساق له، وهما النّجم والشجَر، ثم نوعي السماء والأرض، ثم نوعي العدل والظلم، ثم نَوْعي الخارج من الأرض وهما الحبوب والرياحين، ثم نوعي المكلّفين وهما الإنس والجان، ثم نوعي البحر: العذب والملح، فلهذا حَسُن تثنية المشرق والمغرب في هذه السورة وجمعا في قوله: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ) .
وفي سورة الصافات للدلالة على سعة القدرة والعظمة.
فائدة
حيث ورد البارّ مجموعاً في صفة الآدميين قيل: أبرار، وفي صفة الملائكة قيل
برَرَة، ذكره الراغب، ووجَّهه بأن الثاني أبلغ، لأنه جَمع بارّ، وهو أبلغ من
"بر" مفرد الأول.
وحيث ورد الأخ مجموعا في النَّسَب قيل إخوة، وفي الصداقة قيل إخوان،
стр. 1507
قاله ابن فارس وغيره.
وأُورِد عليه في الصداقة: (إنما المؤمنون إخوة) ، وفي النسب: (أو إخْوانهنَّ أوْ بَني إخْوَانهنَ أوْ بني أخواتهنَ) .
فائدة
ألّف أبو الحسن الأخفش كتاباً في الإفراد والجمع في القرآن ذكر فيه جَمْعَ
ما وقع في القرآن مفرداً، ومفرد ما وقع فيه جمعاً، وأكثره من الواضحات.
وهذه أمثلة مِنْ خَفِيّ ذلك:
المَن: جمع لا واحد له.
والسَّلْوَى: لم يسمع له بواحد.
النصارى: قيل جمع نصراني، وقيل نصير كنديم، وقَبيل.
العَوَان: جمعه عون.
الهدَى: لا واحدَ له.
الإعصار: جمعه أعاصير.
الأنصار: واحده نصير، كشريف وأشراف.
الأزلام: واحدها زلم، ويقال زلم، بالضم.
مِدْرار: جمعه مَدَارير.
أساطير: واحدها أسطورة، وقيل أسطار جمع سَطْر.
الصّور: قيل جمع صورة، وقيل واحد الأصوار.
فرَادى: جمع أفراد، جمع فرد.
وقِنْوان: جمع قِنْو.
وصنوان: جمع صنو.
وليس في القرآن جمع ومثنى بصيغة واحدة إلا هذان ولفظ ثالث لم يقع في
القرآن، قاله ابن خالويه في كتاب ليس: الحوايا جمع حاوية، وقيل حاوياء.
نشر جمع نَشور.
عِضين وعِزين جمع عِضه وعِزه.
المثاني جمع مثنى.
تارة جمعها تارات، وتيَر.
أيقاظ جمع يَقظ.
الأرائك جمع أريكة.
سري جمعه سِريان، كخصي وخصيان.
آناء الليل جمع إنَا، بالقصر كمِعَى.
وقيل إفى كقرد، وقيل إنوة كفِرقة.
الصيَاصي جمع صِيصية.
مِنْسأة جمع مناسي.
الحَرور جمعه حُرور بالضم.
غَرَابيب جمعه غِربيب.
أتراب جمع ترب.
الآلاَء: جمع إلَى كمِعَى، وقيل ألَى
كقَفَا، وقيل إلْي كقِرْد، وقيل ألو.
التراقي: جمع تَرْقُوة بفتح أوله.
الأمشاج: جمع مَشِج.
ألفافاً: جمع لِف - بالكسر.
العِشار: جمع عُشر.
الخُنس: جمع خانسة، وكذا الكنس.
الزبانية: جمع زبنية، وقيل زابن، وقيل زباني.
أشتاتا: جمع شتّ وشتيت.
أبابيل: لا واحد له، وقيل واحده إبّوْل مثل عِجَّول.
وقيل إبّيل مثل إكليل.
стр. 1508
فائدة
ليس في القرآن من الألفاظ المعدولة إلا ألفاظ العدد: مثنى، وثلاث ورباع.
ومن غيرها طوى فيما ذكره الأخفش في الكتاب المذكور.
ومن الصفات أخر.
قال تعالى: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) .
قال الراغب وغيره: هي معدولة عن تقدير ما فيه الألف واللام، وليس له نظير في كلامهم، فإن " أفعل " إما أن يذكر معه " من " لفظاً أو تقديراً، فلا يثَنَّى ولا يجمع، ولا يؤنث، أو يحذف منه " من " فتدخل عليه الألف واللام ويثنى ويجمع، وهذه اللفظة من بين أخواتها جُوز فيها ذلك من غير الألف واللام.
وقال الكرماني في الآية المذكورة: لا يمنع كونها معدولة من الألف واللام
كونها وصفاً لنكرة، لأن ذلك مقدر من وَجْه غير مقدر من وَجْه.
قاعدة
مقابلة الْجَمعِ بالجمع تارة تقتضي مقابلةَ كلّ فرد من هذا بكل فرد من
هذا، كقوله: (واسْتَغْشَوْا ثِيَابَهم) ، أي استغشى كلّ منهم ثَوبَه.
(حرِّمَتْ عليكم أُمَّهاتكم) ، أي على كل من المخاطبين أمّه.
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) ، أي كل في أولاده.
(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ) ، أي كل وأحدة ترضِع ولدها.
وتارة يقتضي ثبوتَ الجمع لكل فرد من أفراد المحكوم عليه، نحو:
(فاجْلدوهم ثمانين جَلْدَة) .
وجعل منه الشيخ عز الدين بن عبد السلام: (وبَشَرِ الًذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات أنً لهم جنّات) .
وتارة يحتمل الأمرين، فيحتاج إلى دليل يعيِّن أحدهما.
وأما مقابلة الجمع بالفرد فالغالب ألا يقتضي تعميم الفرد، وقد يقتضيه كما
في قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) .
стр. 1509
المعنى على كلّ واحدٍ لكل يوم طعام مسكين.
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) ، لأنه على كل واحد منهم ذلك.
قاعدة ألفاظ يظن بها الترادف وليست منه
من ذلك الخوف والخشية، لا يكاد اللغوي يفرِّق بينهما، " لا شك أنَّ الخشية أَعْلَى منه، وهي أشدّ الخوف، فإنها مأخوذة من قولهم: شجرة خشية، أي يابسة، وهو فَوات بالكلية.
والخوف من قولهم ناقة خَوْفاء، أي بها داء وهو نَقْص، وليست بفوات، ولذلك خصت الخشية بالله في قوله: (يَخْشَوْن رَبَّهم ويَخَافونَ سوءَ الحسَابِ) .
وفُرق بينهما أيضاً بأنَّ الخشية تكون من عظم المخشى، وإن كان الخاشي
قويًّا، والخوف يكون من ضعف الخائف وإن كان المخوف أمراً يسيراً.
ويدلّ لذلك أنَّ الخاء والشين والياء في تقاليبها تدُلُّ على العظمة، نحو: شيخ للسيد الكبير.
وخيش لما غَلُظ من اللباس، ولذا وردت الخشية غالباً في حقِّ الله، (مِنْ
خَشْيةِ الله) .
(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) .
وأما (يخافون رَبهم مِنْ فَوْقهم) ففيه نكتة لطيفة، لأنه وصف الملائكة، ولما ذكر قوتهم وشدة خلقهم عبَّر عنهم بالخوف لبيان أنهم وإن كانوا غلاظاً شداداً فهم بين يديه تعالى ضعفاء، ثم أردفهُ بالفوقية الدالة على
العظمة، فجمع بين الأمرين.
ولما كان ضَعْف البشر معلوما لم يحتج إلى التنبيه عليه.
ومن ذلك الشح والبخل.
والشحّ هو أشدّ البخل.
قال الراغب: الشح: بخل مع حِرْص.
وفرَّقَ العسكريّ بين البخل والضَّن بأن الضن أصله أن يكون
стр. 1510
بالعَوَاري، والبخْل بالهبات، ولهذا يقال: هو ضنين بعلمه، ولا يقال بخيل، لأنَّ العلم بالعارية أشبه بالهِبة، لأن الواهب إذا وهب شيئاً خرج عن مِلْكه، بخلاف العارية، ولهذا قال تعالى: (وما هو على الغَيْبِ بضنِين) ، ولم
يَقل ببخيل.
ومن ذلك السبيل والطريق، والأولُ أغلب وقوعاً في الخير، ولا يكاد اسمُ
الطريق يرَاد به الخير إلا مقترناً بوصْف أو إضافة تخلِّصُه لذلك، كقوله تعالى:
(يَهْدي إلى الحق وإلى طريقٍ مستقيم) .
وقال الراغب: السبيل الطريق التي فيها سهولة، فهو أخص.
ومن ذلك جاء وأتى، فالأول يقال في الجواهر والأعيان.
والثاني في المعاني والأزمان، ولهذا ورد في قوله: (ولمنْ جاءَ بهِ حمْل بَعِير) .
(وجاءوا على قَميصه بدَمٍ كذِب) .
(وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ) .
وأتى في: ً (أتَى أمْرُ الله) ، (أتَاهَا أمْرُنا) .
وأما (وجاء ربك) ، أي أمره، فإن المراد به أهوال القيامة والمشاهدة وكذا (فإذا جاء أجَلُهم) ، لأن الأجل كالمشاهد، ولهذا عبِّر عنه بالحضور في قوله: حضره الموت، ولهذا فَرق بينهما في قوله: (جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ) .
لأنَّ الأول العذاب، وهو مشاهد مرئيّ بخلاف الحق.
وقال الراغب: الإتيان: مجيء بسهولة، فهو أخصّ من مطلق المجيء.
ومنه قيل للسيل المارّ على وجهه أتاويّ، وأتيّ.
ومن ذلك مدَّ وأمدَّ، قال الراغب: أكثر ما جاء الإمداد في المحبوب، نحو:
(وأَمْدَدْناهم بفاكهة) .
والمدُّ في المكروه، نحو: (ونمدّ له مِنَ العذَاب مَدًّا) .
ومن ذلك سقى وأسقى، فالأول لما لا كُلفَة فيه، ولهذا ذكر في شراب
الجنة، نحو: (وسقَاهمْ رَبّهم شَرَاباً طَهورا) .
والثاني لما فيه