Полный текст (1 547 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
وحكمته كثرة الشفعاءِ في العادة وقلَّة الصديق.
قال الزمخشري: ألاَ ترى أنَّ الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم نهضت جماعة
وافرة من أهل بلده لشفاعته رحمة له، وإن لم يسبق له بأكَثرهم معرفة.
وأما الصديق فأعزّ من بَيْضِ الأنوق.
ومن ذلك الألباب لم يقع إلا مجموعاً، لأن مفرده ثقيل لفظاً.
ومن ذلك مجيء المشرق والمغرب بالإفراد وبالتثنية وبالجمع، فحيث أفردا.
فاعتباراً للجهة، وحيث ثنّيا فاعتبارا لمشرق الصيف والشتاء ومغربهما، وحيث جُمعَا فاعتبار لتعدّد المطالع في كل فصل من فصول السنة.
وأما وَجْه اختصاص كل موضع بما وقع فيه، ففي سورة الرحمن ورد
بالتثنية، لأنَّ سياقَ السورة سياق المزدوجين، فإنه سبحانه ذكَر أولاً نَوْعَي
الإيجاد وهما الخَلق والتعليم، ثم ذكر سراجي العالم: الشمس والقمر، ثم نَوْعي النبات: ما كان على ساق وما لا ساق له، وهما النّجم والشجَر، ثم نوعي السماء والأرض، ثم نوعي العدل والظلم، ثم نَوْعي الخارج من الأرض وهما الحبوب والرياحين، ثم نوعي المكلّفين وهما الإنس والجان، ثم نوعي البحر: العذب والملح، فلهذا حَسُن تثنية المشرق والمغرب في هذه السورة وجمعا في قوله: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ) .
وفي سورة الصافات للدلالة على سعة القدرة والعظمة.
فائدة
حيث ورد البارّ مجموعاً في صفة الآدميين قيل: أبرار، وفي صفة الملائكة قيل
برَرَة، ذكره الراغب، ووجَّهه بأن الثاني أبلغ، لأنه جَمع بارّ، وهو أبلغ من
"بر" مفرد الأول.
وحيث ورد الأخ مجموعا في النَّسَب قيل إخوة، وفي الصداقة قيل إخوان،
стр. 1507
قاله ابن فارس وغيره.
وأُورِد عليه في الصداقة: (إنما المؤمنون إخوة) ، وفي النسب: (أو إخْوانهنَّ أوْ بَني إخْوَانهنَ أوْ بني أخواتهنَ) .
فائدة
ألّف أبو الحسن الأخفش كتاباً في الإفراد والجمع في القرآن ذكر فيه جَمْعَ
ما وقع في القرآن مفرداً، ومفرد ما وقع فيه جمعاً، وأكثره من الواضحات.
وهذه أمثلة مِنْ خَفِيّ ذلك:
المَن: جمع لا واحد له.
والسَّلْوَى: لم يسمع له بواحد.
النصارى: قيل جمع نصراني، وقيل نصير كنديم، وقَبيل.
العَوَان: جمعه عون.
الهدَى: لا واحدَ له.
الإعصار: جمعه أعاصير.
الأنصار: واحده نصير، كشريف وأشراف.
الأزلام: واحدها زلم، ويقال زلم، بالضم.
مِدْرار: جمعه مَدَارير.
أساطير: واحدها أسطورة، وقيل أسطار جمع سَطْر.
الصّور: قيل جمع صورة، وقيل واحد الأصوار.
فرَادى: جمع أفراد، جمع فرد.
وقِنْوان: جمع قِنْو.
وصنوان: جمع صنو.
وليس في القرآن جمع ومثنى بصيغة واحدة إلا هذان ولفظ ثالث لم يقع في
القرآن، قاله ابن خالويه في كتاب ليس: الحوايا جمع حاوية، وقيل حاوياء.
نشر جمع نَشور.
عِضين وعِزين جمع عِضه وعِزه.
المثاني جمع مثنى.
تارة جمعها تارات، وتيَر.
أيقاظ جمع يَقظ.
الأرائك جمع أريكة.
سري جمعه سِريان، كخصي وخصيان.
آناء الليل جمع إنَا، بالقصر كمِعَى.
وقيل إفى كقرد، وقيل إنوة كفِرقة.
الصيَاصي جمع صِيصية.
مِنْسأة جمع مناسي.
الحَرور جمعه حُرور بالضم.
غَرَابيب جمعه غِربيب.
أتراب جمع ترب.
الآلاَء: جمع إلَى كمِعَى، وقيل ألَى
كقَفَا، وقيل إلْي كقِرْد، وقيل ألو.
التراقي: جمع تَرْقُوة بفتح أوله.
الأمشاج: جمع مَشِج.
ألفافاً: جمع لِف - بالكسر.
العِشار: جمع عُشر.
الخُنس: جمع خانسة، وكذا الكنس.
الزبانية: جمع زبنية، وقيل زابن، وقيل زباني.
أشتاتا: جمع شتّ وشتيت.
أبابيل: لا واحد له، وقيل واحده إبّوْل مثل عِجَّول.
وقيل إبّيل مثل إكليل.
стр. 1508
فائدة
ليس في القرآن من الألفاظ المعدولة إلا ألفاظ العدد: مثنى، وثلاث ورباع.
ومن غيرها طوى فيما ذكره الأخفش في الكتاب المذكور.
ومن الصفات أخر.
قال تعالى: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) .
قال الراغب وغيره: هي معدولة عن تقدير ما فيه الألف واللام، وليس له نظير في كلامهم، فإن " أفعل " إما أن يذكر معه " من " لفظاً أو تقديراً، فلا يثَنَّى ولا يجمع، ولا يؤنث، أو يحذف منه " من " فتدخل عليه الألف واللام ويثنى ويجمع، وهذه اللفظة من بين أخواتها جُوز فيها ذلك من غير الألف واللام.
وقال الكرماني في الآية المذكورة: لا يمنع كونها معدولة من الألف واللام
كونها وصفاً لنكرة، لأن ذلك مقدر من وَجْه غير مقدر من وَجْه.
قاعدة
مقابلة الْجَمعِ بالجمع تارة تقتضي مقابلةَ كلّ فرد من هذا بكل فرد من
هذا، كقوله: (واسْتَغْشَوْا ثِيَابَهم) ، أي استغشى كلّ منهم ثَوبَه.
(حرِّمَتْ عليكم أُمَّهاتكم) ، أي على كل من المخاطبين أمّه.
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) ، أي كل في أولاده.
(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ) ، أي كل وأحدة ترضِع ولدها.
وتارة يقتضي ثبوتَ الجمع لكل فرد من أفراد المحكوم عليه، نحو:
(فاجْلدوهم ثمانين جَلْدَة) .
وجعل منه الشيخ عز الدين بن عبد السلام: (وبَشَرِ الًذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات أنً لهم جنّات) .
وتارة يحتمل الأمرين، فيحتاج إلى دليل يعيِّن أحدهما.
وأما مقابلة الجمع بالفرد فالغالب ألا يقتضي تعميم الفرد، وقد يقتضيه كما
في قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) .
стр. 1509
المعنى على كلّ واحدٍ لكل يوم طعام مسكين.
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) ، لأنه على كل واحد منهم ذلك.
قاعدة ألفاظ يظن بها الترادف وليست منه
من ذلك الخوف والخشية، لا يكاد اللغوي يفرِّق بينهما، " لا شك أنَّ الخشية أَعْلَى منه، وهي أشدّ الخوف، فإنها مأخوذة من قولهم: شجرة خشية، أي يابسة، وهو فَوات بالكلية.
والخوف من قولهم ناقة خَوْفاء، أي بها داء وهو نَقْص، وليست بفوات، ولذلك خصت الخشية بالله في قوله: (يَخْشَوْن رَبَّهم ويَخَافونَ سوءَ الحسَابِ) .
وفُرق بينهما أيضاً بأنَّ الخشية تكون من عظم المخشى، وإن كان الخاشي
قويًّا، والخوف يكون من ضعف الخائف وإن كان المخوف أمراً يسيراً.
ويدلّ لذلك أنَّ الخاء والشين والياء في تقاليبها تدُلُّ على العظمة، نحو: شيخ للسيد الكبير.
وخيش لما غَلُظ من اللباس، ولذا وردت الخشية غالباً في حقِّ الله، (مِنْ
خَشْيةِ الله) .
(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) .
وأما (يخافون رَبهم مِنْ فَوْقهم) ففيه نكتة لطيفة، لأنه وصف الملائكة، ولما ذكر قوتهم وشدة خلقهم عبَّر عنهم بالخوف لبيان أنهم وإن كانوا غلاظاً شداداً فهم بين يديه تعالى ضعفاء، ثم أردفهُ بالفوقية الدالة على
العظمة، فجمع بين الأمرين.
ولما كان ضَعْف البشر معلوما لم يحتج إلى التنبيه عليه.
ومن ذلك الشح والبخل.
والشحّ هو أشدّ البخل.
قال الراغب: الشح: بخل مع حِرْص.
وفرَّقَ العسكريّ بين البخل والضَّن بأن الضن أصله أن يكون
стр. 1510
بالعَوَاري، والبخْل بالهبات، ولهذا يقال: هو ضنين بعلمه، ولا يقال بخيل، لأنَّ العلم بالعارية أشبه بالهِبة، لأن الواهب إذا وهب شيئاً خرج عن مِلْكه، بخلاف العارية، ولهذا قال تعالى: (وما هو على الغَيْبِ بضنِين) ، ولم
يَقل ببخيل.
ومن ذلك السبيل والطريق، والأولُ أغلب وقوعاً في الخير، ولا يكاد اسمُ
الطريق يرَاد به الخير إلا مقترناً بوصْف أو إضافة تخلِّصُه لذلك، كقوله تعالى:
(يَهْدي إلى الحق وإلى طريقٍ مستقيم) .
وقال الراغب: السبيل الطريق التي فيها سهولة، فهو أخص.
ومن ذلك جاء وأتى، فالأول يقال في الجواهر والأعيان.
والثاني في المعاني والأزمان، ولهذا ورد في قوله: (ولمنْ جاءَ بهِ حمْل بَعِير) .
(وجاءوا على قَميصه بدَمٍ كذِب) .
(وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ) .
وأتى في: ً (أتَى أمْرُ الله) ، (أتَاهَا أمْرُنا) .
وأما (وجاء ربك) ، أي أمره، فإن المراد به أهوال القيامة والمشاهدة وكذا (فإذا جاء أجَلُهم) ، لأن الأجل كالمشاهد، ولهذا عبِّر عنه بالحضور في قوله: حضره الموت، ولهذا فَرق بينهما في قوله: (جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ) .
لأنَّ الأول العذاب، وهو مشاهد مرئيّ بخلاف الحق.
وقال الراغب: الإتيان: مجيء بسهولة، فهو أخصّ من مطلق المجيء.
ومنه قيل للسيل المارّ على وجهه أتاويّ، وأتيّ.
ومن ذلك مدَّ وأمدَّ، قال الراغب: أكثر ما جاء الإمداد في المحبوب، نحو:
(وأَمْدَدْناهم بفاكهة) .
والمدُّ في المكروه، نحو: (ونمدّ له مِنَ العذَاب مَدًّا) .
ومن ذلك سقى وأسقى، فالأول لما لا كُلفَة فيه، ولهذا ذكر في شراب
الجنة، نحو: (وسقَاهمْ رَبّهم شَرَاباً طَهورا) .
والثاني لما فيه
стр. 1511
كلفة، ولهذا ذُكر في الدنيا، نحو: (لأسْقَيْنَاهم ماء غَدَقا) .
وقال الراغب: الإسقاء أبلغ من السقي، لأنَّ الإسقاء أنْ يجعل له ما يستقي منه، ويشرب.
والسقي أن يعطيه ما يشرب.
ومن ذلك عمل وفعل، فالأول لما كان مع امتداد زمان، نحو: (يَعْمَلُون له
ما يشَاء) .
(مما عمِلَتْ أيدينا) ، لأنَ خلق الأنعام والثمارِ والزروع بامتداد.
والثاني بخلافه، نحو: (كيف فعل رَبُّكَ بأصحاب الفيل) .
(كيف فَعَلَ رَبُّكَ بعَاد) .
(فَعَلْنَا بهم) ، لأنها إهلاكات وقعت من غير بطء.
(ويَفْعَلُون ما يُؤْمَرون) ، أي في طرفة عين.
ولهذا عبر بالأول في قوله: (وعَمِلوا الصالحاتِ) ، حيثُ كان المقصود المثابرة عليها لا الإتيان بها مرة أو بسرعة.
وبالثاني في قوله: (وافْعَلُوا الْخَيرَ) ، حيث كان بمعنى سارعوا، كما قال: (فاسْتَبِقوا الخيراتِ) .
وقوله: (والذين هم للزكاة فاعِلون) ، حيث كان القَصْد يأتون
بها على سرعة من غير توان.
ومن ذلك القعود والجلوس، فالأوّل لما فيه لبث، بخلاف الثاني، ولهذا يقال
قواعد البيت، ولا يقال جَوَالسه للزومها ولبثها، ويقال جليس الملك ولا يقال قَعيده، لأن مجالس الملوك يستحب فيها التخفيف، ولهذا استُعمل الأول في قوله: (مَقْعَدِ صِدْقٍ) ، للإشارة إلى أنه لا زوَال له، بخلاف:
(تَفَسَّحُوا في المجالس) ، لأنه يجلس فيه زماناً يسيراً.
ومن ذلك التمام والكمال، وقد اجتمعا في قوله: (أكْمَلْتُ لكم دِينَكم
وأتممْتُ عليكم نعْمتي) ، فقيل الإتمام لإزالة نقصان الأصل، والإكمال لإزالة نُقْصان العوارض بعد تمام الأصل، ولهذا كان قوله تعالى:
(تلك عَشَرةٌ كامِلة) ، أحسن من " تامة "، لأنَّ التمام من العدد
قد عُلم، وإنما نفى احتمال نَقْص في صفاتها.
وقيل: تَتمَ يشعر بحصول نقْص قبله،
стр. 1512
وكمل لا يشعر بذلك.
وقال العسكري: الكمال اسم لاجتماع أبعاض الموصوف به.
والتمام اسم للجزء الذي يتم به الموصوف، ولهذا يقالُ للقافية تمام البيت، ولا يقل كماله.
ويقولون البيت بكماله أي باجتماعه.
ومن ذلك الإعطاء والإيتاء! قال الخويي: لا يكاد اللغويون يفرقون بينهما.
وظهر لي بينهما فرق ينبئ عن بلاغةِ كتاب الله، وهو ان الإيتاء أقوى من
الإعطاء في إثبات مفعوله، لأنَّ الإعطاء له مطاوع، تقول: أعطاني فعطوتُ، ولا يقال في الإيتاء: أتاني فأتيت، وإنما يقال آتاني فأخذت.
والفعل الذي له مطاوع أضعفُ في إثبات مفعوله من الذي لا مطَاوع له، لأنك تقول: قطعته فانقطع، فيدلّ على أنَّ فعل الفاعل كان موقوفاً على قبول في المحل، لولاه ما ثبت المفعول.
ولهذا يصح قطعته فما انقطع.
ولا يصح فيما لا مطاوعَ له ذلك، فلا يجوز ضربته فانضرب، أو فما انضرب، ولا قتلته فانقتل ولا فما انقتل، لأن هذه أفعال إذا صدرت من الفاعل ثبت لها المفعولُ في المحل، والفاعل مستقل بالأفعال التي لا مطاوعَ لها، فالإيتاء أقوى من الإعطاء.
قال: وقد تفكرت في مواضع من القرآن فوجدتُ ذلك مراعى، قال تعالى:
(تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) ، لأن الملك شيء عظيم لا يعطاه إلا مَنْ له قوة، وكذا قوله: (يؤْتي الحكمةَ مَنْ يشاء) ، (آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي) ، لعظم القرآن وشأنه: وقال: (إنّا أعطيناكَ الكوثر) ، لأنه مورود في الموقف مرْتحل عنه قريباً إلى منازل العزّ في الجنة، فعبَّر فيه بالإعطاء، لأنة يُترك عن قرب، وينتقل إلى ما هو أعظم منه.
وكذا (يعْطيكَ رَبُّكَ فَترْضَى) ، لما فيه من تكرر الإعطاء والزيادة إلى أن يرضى كلّ الرضا، وهو مفسر أيضاً بالشفاعة، وهي نظير الكوثر في الانتقال بعد قضاء الحاجة منه.
وكذا (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ) ، لتكرّر حدوثِ ذلك باعتبار الموجودات.
حتى يعطوا الجِزْية، لأنها موقوفة على قبول - منا، وإنما يعطونها عن
كُرْه.
стр. 1513
فائدة
قال الراغب: خص دفع الصدقة في القرآن بالإيتاء، نحو: (أقاموا الصلاةَ
وآتوا الزكاة) .
(وأقامَ الصلاةَ وآتى الزكاة) .
قال: وكل موضع ذكر في وصف الكتاب "آتينا " فهو أبلغ من كل
موضع ذكر فيه " أوتوا "، لأن أوتوا قد يقال إذا أوتيَ من لم يكن منه قبول.
وآتيناهم يقال فيمَنْ كان منه قبول.
ومن ذلك السَّنَة والعام، قال الراغب: الغالب استعمال السَّنَة في الحَوْلِ الذي فيه الشدَّة والجَدب، ولهذا يعبر عن الجدب بالسنة.
والعام ما فيه الرخاء والخصب، وبهذا تظهر النكتة في قوله: (ألْفَ سَنة إلا خمسين عاماً) .
حيث عبر عن المستثنى بالعام، وعن المستثنى منه بالسنة.
قاعدة في السؤال والجواب
الأصل في الجواب أن يكونَ مطابقاً للسؤال إذا كان السؤال متوجّهاً.
وقد يعْدَل في الجواب عما يقتضيه السؤال تنبيهاً على أنه كان مِنْ حقّ السؤال أن يكونَ كذلك، ويسميه السكاكي الأسلوب الحكيم.
وقد يجيء الجواب أعم من السؤال للحاجة إليه في السؤال.
وقد يجيء أنْقَص لاقتضاء الحال ذلك.
مثال ما عدل عنه قوله تعالى: (يَسألوتك عن الأهِلة قلْ هي مَوَاقِيت للناس
والحَجِّ) ا.
سألوا عن الهلال لِمَ يَبْدو رقيقاً مثل الخيط، ثم يتزايَد قليلاً قليلاً حتى يمتلىء ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، فأجيبوا ببيان حكمةِ ذلك تنبيهاً على أن الأهم السؤال عن ذلك لا ما سألوا عنه.
كذا قال السكاكي ومَنْ أتى بعده، واسترسل التفتازاني في الكلام إلى أن قال: ليسوا ممّن يطلع على دقائق الهيئة بسهولة.
стр. 1514
وأَقول: ليت شعري من أيْنَ لهم أنَّ السؤال وقع عن غير ما حصل الجوابُ
به، وما المانِع من أن يكون إنما وقع عن حكمةِ ذلك ليعلموها، فإنَّ نظْمَ الآية محتمل لذلك، كما أنه محتمل لما قالوه.
والجواب ببيان الحكمة دليلٌ على ترجيح الاحتمال الذي قُلْناه، وقرينةٌ تُرْشد إلى ذلك، إذ الَأصلُ في الجواب المطابقة للسؤال، والخروج عن الأصْلِ يحتاج إلى دليل، ولم يرد بإسنادٍ لا صحيح ولا غيره أَنّ السؤال وقع عما ذكروه، بل ورد ما يؤيد ما قلناه، فأخرج ابن جرير، عن أبي العالية، قال: بلغنا أنهم قالوا: يا رسولَ الله، لم خلقت الأهِلة، فأنزل الله (يسألونك عن الأهِلّة) ، فهذا صريح في أنهم سألوه عن حكمة ذلك لا عَنْ كيفيته من جهة الهيئة، ولا يظنّ ذو دِين بالصحابة الذي هم أدقّ فهماً، وأغزر علماً، أنهم ليسوا ممن يطّلع على دقائق الهيئة بسهولة، وقد اطلع عليها آحاد العجم
الذي أطبق الناس على أنهم أبلد أذهاناً من العرب بكثير.
هذا لو كان للهيئة أصل معتبر، فكيف وأكثرها فاسد لا دليل عليه.
وقد صنَّفْت كتاباً في نَقْض أكثر مسائلها بالأدلة الثابتة عن رسول الله ﷺ الذي صعد إلى السماء ورآها عياناً، وعلم ما حوَتْه من عجائب الملكوت بالمشاهدة، وأتاه الوَحْي مِنْ خالقها، ولو كان السؤال وقع عمّا ذكروه لم يمتنع أنْ يجابوا عنه بلفظ يصل إلى أفهامهم، كما وقع ذلك لما سألوا عن المجرة وغيرها من الملكوتيات.
نعم المثال الصحيح لهذا القسم جواب موسى لفرعون حيث قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) ، لأنه سؤال عن الماهية أو الجِنس.
ولما كان هذا السؤال في حقِّ الباري تعالى خطأ لأنه لا جنس له، فيذكر ولا تدرك ذاته، عدل إلى الجواب بالصواب ببيان الوصف المرشد إلى معرفته، ولهذا تعجَّبَ فرعون من عدم مطابقته للسؤال، فقال (ألاَ تستمعُون) : أي جوابه الذي لم يطابق السؤال، فأجاب موسى: (ربُّكم وربُّ آبائكم الأولين) ، المتضمّن إبطال ما يعتقدونه من
стр. 1515
ربوبية فرعون نصًّا، وإن كان دخل في الأول ضمناًْ إغلاظاً، زاد فرعون في
الاستهزاء به، فلما رآهم موسى لم يتفطنوا أغلظَ في الثالث بقوله: (إنْ كنْتم
تعقلون) .
ومثال الزيادة في الجواب قوله تعالى: (فلِ الله ينَجيكم منها ومن كل
كرب) ، في جواب (مَنْ يُنَجيكم من ظُلماتِ البر والبَحْر) .
وقول موسى: (هي عَصَايَ أتَوَكَّأ عليها وَأهش بها على غَنمي) ، في جواب: (وما تلكَ بيمينك يا موسى) .
زاد في الجواب استلذاذا بخطاب الله.
وقول قوم إبراهيم: (نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) ، في جواب: (ما تَعْبدون) ، زادوا في الجواب إظهارا للابتهاج بعبادتها والاستمرارِ على مواظبتها ليزداد غيْظ السائل.
ومثال النقص منه قوله تعالى: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ) ، في جواب: (ائْتِ بقرآن غَيْر هذا أو بدِّله) ، أجاب عن التبديل دونَ الاختراع.
قال الزمخشري: لأن التبديلَ في إمكان البشر دون الاختراع، فطوَى ذكْرَه لل تنبيه على أنه سؤال محال.
وقال غيره: التبديل أسهل من الاختراع، وقد نفى إمكانَه فالاختراع أولى.
تنبيه:
قد يُعْدَل عن الجواب أصلاً إذا كان السائل قَصْده التعنيت، نحو:
(ويسألونَك عن الروح) .
قال صاحب الإيضاح: إنما سأل اليهود تعجيزاً أو تغليظا إذْ كان الروح يقال بالاشتراك على روح الإنسان، والقرآن، وعيسى وجبريل، وملك آخر، وصنف من الملائكة، فقصد اليهود أنْ يسألوه، فبأيّ مسمّى أجابهم قالوا: ليس هو، فجاءهم الجواب مجمَلاً، وكان هذا الإجمال كَيْداً يردّ به كيدهم.
стр. 1516
قاعدة
قيل أصل الجواب أنْ يُعَادَ فيه نفس السؤال، ليكون وفْقَه، نحو: (أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ) ، فأنا في جوابه هو " أنت " في
سؤالهم، وكذا (أأقْرَرْتُم وأخذْتُم على ذَلكم إصْري قالوا أقْرَرْنَا) ، فهذا أصله، ثم إنهم أتوا عِوَض ذلك بحروف الجواب اختصارا وترك التكرار.
وقد يحذف السؤال ثقةً بفهم السامع بتقديره، نحو: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) .
فإنه لا يستقيم أن يكونَ السؤال والجواب من واحد، فتعيَّن أن يكون (قُلِ اللَّهُ) جوابَ سؤال، فكأنهم سألوا لمَّا سمعوا ذلك: مَنْ يبدأ الخلق ثم يعيده.
قاعدة
الأصل في الجواب أن يكون مشَاكِلاً للسؤال، فإن كان جملة اسمية فينبغي
أن يكون الجواب كذلك، ويجيء كذلك في الجوابِ المقدَّر، إلا ابن مالك قال: قولك زيد - في جواب مَنْ قرأ: إنه من باب حَذْف الفعل، على جَعْل الجواب جملة فعلية.
قال: وإنما قدرته كذلك لا مبتدأ مع احتماله، جَرْياً على عادتهم في
الأجوبة إذا قصدوا تمامها، قال تعالى (قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) .
(ولئن سألْتهم مَنْ خَلقَ السماوات والأرضَ ليقولنَّ خَلَقهنّ العزيز العليم) .
(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) .
فلما أتى بالجملة الفعلية مع فواتِ مشاكلة السؤال عُلم أنَّ تقدير الفِعل أولى.
قال ابن الزَّمْلَكَاني في البرهان: أطلق النحويون القولَ بأن زيداً في جواب مَنْ
قام، فاعل على تقدير قام زيد، والذي توجبه صناعة علم البيان أنه مبتدأ.
لوجهين:
стр. 1517
أحدهما: أنه يطَابق الجملةَ المسؤول بها في الاسمية، كما وقع التطابق في قوله:
(وقيل للذين اتقَوْا ماذَا أنْزَلَ ربكم قالوا خَيْراً) ، في الفعلية.
وإنما لم يَقَع التطابقُ في قوله: (ماذَا أنْزَل رَبُّكم قالوا أساطِيرُ الأوَّلين) ، لأنهم لو طابقوا لكانوا مقرين بالإنزال وهم من الإذعان به على مفاوز.
الثاني: أن اللَّبْس لم يقع عند السائل إلا فيمن فعل الفعل، فوجب أن يتقدم
الفاعل في المعنى، لأنه متعلق غرَضِ السائل.
وأما الفعلُ فمعلوم عنده، ولا حاجة به إلى السؤال عنه، فحريٌّ أنْ يقعَ في الأواخر التي هي محل التكملات والفَضَلات.
وأشكل على هذا: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) ، - في جواب (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا) ، فإن السؤال وقع عن الفاعل لا عن الفعل، فإنهم لم يستفهموه عن الكسر، بل عن الكاسر، ومع ذلك صدر الجواب بالفعل.
وأجيب بأن الجوابَ مقدرٌ دلَّ عليه السياق، إذ " بل " لا يصلح أن يصدر
بها الكلام، والتقدير: ما فعلته، بل فعله.
قال الشيخ عبد القاهر: ولما كان السؤال ملفوظاً به فالأكثر ترْك الفعل في
الجواب والاقتصار على الاسم وحده، ولما كان مضمراً فالأكثر التصريح به
لضعف الدلالة عليه.
ومن غير الأكثر: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ) - في قراءة البناء للمفعول.
فاعدة
أخرج البزار عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوماً خيراً من أصحابِ محمد، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة، كلَّها في القرآن.
وأورده الإمام الرازي بلفظ أربعة عشر حرفاً.
وقال: منها ثمانية في البقرة:
стр. 1518
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) .
(يسألونكَ عن الأهلَّة) .
(يسألونكَ ما ينفِقُون قل ما أنْفَقْتُم) .
(يسألونك عن الشّهْرِ الحرام) .
(يسألونك عن الخَمْر والميْسر) .
(ويسألونك عن اليتامى) .
(ويسألونك ماذا ينْفقون قل العَفْو) .
(ويسألونك عن المحِيض) .
قال: والتاسع: (يسألونك ماذا أُحلَّ لهم) في المائدة.
والعاشر: (يسألونك عن الأنفال) .
والحادي عشر: (ويسألونك عن الساعة أيان مُرساها) .
والثاني عشر: (ويسألونك عن الجبال) .
والثالث عشر: (ويسألونك عن الرُّوحِ) .
والرابع عشر: (ويسألونك عن ذي القَرْنَيْنِ) .
قلت: السائلُ عن الروح وذي القَرْنين مشركو مكة أو اليهود، كما في
أسباب النزول لا الصحابة، فالخالص اثنا عشر كما صحت به الرواية.
فائدة
قال الراغب: السؤال إذا كان للتعريف تعدَّى إلى المفعول الثاني، تارةً بنفسه، وتارة بعن، وهو أكثر، نحو (ويسألونكَ عن الروح) .
وإذا كان لاستدعاء مال فإنه يعدَّى بنفسه أو بمن، وبنفسه أكثر، نحو: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) .
(واسألوا ما أنْفَقْتُم) .
(وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) .
قاعدة في الخطاب بالاسم والخطاب بالفعل
الاسمُ يدلّ على الثبوت والاستمرار، والفعلُ يدلُّ على التجدد والحدوث، ولا يحسن وضع أحدهما موضع الآخر، فمن ذلك: قوله: (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) .
стр. 1519
لو قيل " يبسط " لم يؤد الغرض، لأنه يؤذن بمزاولة الكلب البَسْط، وأنه يتجدد له شيئاً بعد شيء، فباسط أشعر بثبوت الصفة.
وقوله: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ) ، لو قيل: رازقكم لفات ما أفاده الفعل من تجدد الرزق شيئاً بعد شيء، ولهذا جاء الفعل
في صورة المضارع مع أنَّ العامل الذي يفيده ماضٍ، نحو: (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ) ، إذ المراد أنْ يفيد صورة ما هم عليه وقْتَ المجيء.
وأنهم آخذون في البكاء يجدِّدونه شيئاً بعد شيء، وهو المسمّى حكاية الحال
الماضية، وهذا هو سر الإعراضِ عن اسم الفاعل والمفعول، ولهذا أيضاً عبَّر
بالذين ينفقون، ولم يقل المنفقون، كما قيل المؤمنون والمتّقون، لأن النفقةَ أمر فِعْليّ شأنه الانقطاع والتجدد، بخلاف الإيمان، فإن له حقيقةً تقوم بالقلب يدوم مقتضاها.
وكذلك التقوى والإسلام، والصبر والشكر، والهدى والضلال.
والعمى والبصر، كلّها لها مسمَّيَاتٌ حقيقية أو مجازية تستمرُّ، وآثار تتجدد
وتنقطع، فجاءت بالاستعمالين.
وقال تعالى في آية الأنعام: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) .
قال الإمام فخر الدين: لما كان الاعتناء بإخراج الحيّ من اليت أشدّ أتى فيه بالمضارع ليدلَّ على التجدد، كما في قوله: (الله يَسْتَهزئُ بهم) .
تنبيهات
الأول: المراد بالتجدد في الماضي الحصول، وفي المضارع أنَّ من شأنه أنْ
يتكرر ويقع مرةْ بعد أخرى، صرح بذلك جماعة منهم الزمخشري في قوله: (الله يستهزئُ بهم) .
قال الشيخ بهاء الدين السبكي: وبهذا يتَّضِح الجواب عما يذكر من نحو: علم الله كذا، فإنَّ علم الله لا يتجدد، وكذا سائر الصفات الدائمة التي يستعمل فيها الفعل.
стр. 1520
وجوابُه أنَّ معنى علم الله كذا وقع عِلْمُه في الزمن الماضي، ولا يلزم أنه لم
يكنْ قَبْل ذلك، فإن العلم في زمن ماض أعمّ من المستمر على الدوام قبل ذلك الزمن وبعده وغيره، ولهذا قال تعالى - حكاية عن إبراهيم: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) ، الآيات.
فأتى بالماضي في الخلق، لأنه مفروغ منه، وبالمضارع في الهداية والإطعام والإسقاء والشفاء، لأنها متكررةٌ متجددة تَقَعُ مرةً بعد أحْرى.
الثاني: مضمر الفعل فيما ذُكر كمظْهره، ولهذا قالوا: إنَّ سلام الخليل أبلغُ
من سلام الملائكة حيث: (قالوا سلاما قال سلام) ، فإن نصب
سلاماً إنما يكون على إرادة الفعل، أي سلَّمنا سلاماً.
وهذه العبارةُ مؤْذنة بحدوث التسليم منهم، إذ الفعلُ متأخرٌ عن وجود الفاعل، بخلاف سلام إبراهيم، فإنه مرتفع بالابتداء، فاقتضى الثبوتَ على الإطلاق، وهو أولى مما يعرض له الثبوت، فكأنه قَصد أن يحييهم بأحسن مما حيَّوه به.
الثالث: ما ذكرناه من دلالة الاسْم على الثبوت والفعل على التجدد
والحدوث هو المشهورُ عند أهلِ البيان، وقد أنكره أبو المطرف بن عميرة في
كتاب التمويهات على التبيان لابن الزَّمْلَكاني، وقال: إنه غريب لا مستَند له
فإنَّ الاسْمَ إنما يدل على معناه فقط، أما كونُه يثبت المعنى للشيء فلا، ثم أورد قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) .
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) .
وقال ابن المنير: طريقةُ العربية تلوين الكلام، ومجيء الفعلية تارة والاسمية
أخرى من غير تكلف لما ذكروه، وقد رأينا الجملةَ الفعلية تصدر من الأقوياء
الخلص اعتمادا على أن المقصود حاصل بدون التأكيد، نحو: (ربَّنَا آمَنَّا) ، ولا شيء بعد (آمَنَ الرسولُ) .
وقد جاء التأكيد في كلام المنافقين، فقالوا: (إنما نحنُ مُصْلِحون) .
стр. 1521
قاعدة في المصدر
قال ابن عطية: سبيل الواجباتِ الإتيانُ بالمصدر مرفوعاً، كقوله: (فإمْسَاكٌ
بمعروف أو تَسريح بإحْسان) .
(فاتَباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) .
وسبيلُ المندوبات الإتيانُ به منصوباً، كقوله: (فَضَرْب الرِّقابِ) ، ولهذا اختلفوا: هل كانت الوصية للزوجات واجبة لاختلاف القراءة في قوله تعالى: (وصِية لأزْوَاجهم) - بالرفع والنصب.
قال أبو حيان: والأصلُ في هذه التفرقة قوله تعالى: (قالوا سلاماً قال
سلام) ، فإنَّ الأول مندوب، والثاني واجب، والنكتةُ في ذلك أنّ
الجملة الاسمية أوْكد وأثبت من الفعلية.
قاعدة في العطف
هو ثلاثة أقسام: عطف على اللفظ، وهو الأصل، وشرْطُه إمكان توجّه
العامل إلى المعطوف.
وعطف على المحل، وله شروط ثلاثة:
أحدها: إمكانُ ظهورِ ذلك الملّ في الفصيح، فلا يجوز مررتُ بزيد
وعمرًا، لأنه لا يجوز مررت زيداً.
الثاني: أن يكونَ الموضع بحق الأصالة، فلا يجوز: هذا الضارب زيدا
وأخيه، لأن الأصل المستوفي لشروط العمل، والأصل إعماله لا إضافته.
стр. 1522
الثالث: وجود المحرز، أي الطالب لذلك المحل، فلا يجوز إن زيداً وعمراً
قاعدان، لأن الطالب لرفع عمرو هو الابتداء، وقد زال بدخول " إن ".
وخالف في الشرط الكسائي مستدلاً بقوله تعالى: (إنَّ الذين آمَنوا والذين
هَادوا والصَّابِئُون) .
وأُجيب بأن خبر (إن) فيها محذوف أي مأجورون، أو آمنون، ولا تختص مراعاةُ الموضع بأن يكون عامل اللفظ زائداً.
وقد أجاز الفارسي في قوله: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
أن يكون يوم القيامة عطفاً على محل هذه.
وعطف التوهم، نحو: ليس زيد قائما ولا قاعدٍ - بالخفض، على توهّم دخول الباء في الخبر.
وشرط جوازِه صحة دخول ذلك العامل المتوهم، وشرط حُسْنِه
كثرة دخوله هناك.
وقد وقع هذا العطف فَي المجرور في قول زهير:
بدَا لِيَ أَني لسْتُ مدْرِكَ ما مضى ... ولا سابق شيئاً إذا كان جائيا
وفي المجزوم في قراءة غير أبي عمرو: (لولا أخرْتَنِي إلى أجل قريب
فأصَّدقَ وأكنْ) ، خرجه الخليلُ وسيبويه على أنه عطف على
التوهم، لأن معنى (لولا أخرتني فأصدَّق) ومعنى أخرني أصَّدَّق واحد.
وقراءة قنبل: (إنه مَنْ يتَّقي ويصبر) .
خرجه الفارسي عليه، لأن من الموصولة فيها معنى الشرط.
وفي المنصوب في قراءة حمزة وابن عامر: (ومِن وَرَاء إسحاقَ يعقوب) .
وقال بعضهم في قوله تعالى: (وحِفظاً مِن كلِّ شيطان) : إنه عطف على معنى (إنا زَينَّا السماء الدنيا) ، وهو إنا خلقنا الكواكبَ في السماء الدنيا زينة
للسماء.
وقال بعضهم في قراءة: "وَدّوا لو تدهِنُ فيدهنوا ".
إنه على معنى ودّوا أن تدهن.
وقيل في قراءة حفص: (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ)
стр. 1523
- بالنصب: إنه عطفٌ على معنى لعلي أن أبلغ، لأن خبر لعل يقترن بأن كثيرا.
وقيل في قوله تعالى: (ومِنْ آياتِه أنْ يُرْسلَ الرِّياحَ مبشِّراب وليُذِيقكم) :
إنه على تقدير ليبشركم وليذيقكم.
تنبيه:
ظن ابنُ مالك أن المراد التوهم الغلط، وليس كذلك، كما نَبّه عليه أبو حيان
وابن هشام، بل هو مقصود صواب، والمراد منه عطف على المعنى، أي جوّز العربيّ في ذهنه ملاحظةَ ذلك المعنى في المعطوف عليه، لا أنه غلط في ذلك، ولهذا كان الأدب أنْ يقال في مثل ذلك في القرآن: إنه عطف على المعنى.
مسألة
اختلف في جواز عطْفِ الخبر على الإنشاء وعكسه، فمنعه البيانيُّون وابنُ
مالك وابنُ عصفور، ونقله عن الأكثرين، وأجازه الصفّار وجماعة ٌ مستدلين
بقوله تعالى: (وبَشِّرِ الذين آمَنُوا) .
(وبَشِّرِ الْمُؤْمنين) .
وقال الزمخشري في الأولى: ليس المعتمد بالعطف الأمر حتى يطلب له مشاكل، بل المرادُ عطف جملة ثوابِ المؤمنين على جملة ثواث الكافرين.
وفي الثانية - أن العطف على تؤمنون، لأنه بمعنى آمنوا.
ورُدَّ بأن الخطاب به للمؤمنين وب (بَشِّر) للنبى ﷺ ، وبأنَّ الظاهر في (يؤمنون) أنه تفسير للتجارة لا طلب.
وقال السكاكي: الأمران معطوفان على " قل " مقدرة قبل يا أيها، وحَذْف
القولِ كثير.
مسألة
اختلف في جواز عطف الاسمية على الفعلية وعكسه، فالجمهور على الجواز.
وبعضُهم على المنع، ولقد لهج به الرازي في تفسيره كثيراً، وردَّ به على الحنفية
стр. 1524
القائلين بتحريم أكل متروك التسمية أخْذاً من قوله تعالى: (ولا تأكلوا مِمَّا لم
يذْكر اسْمُ الله عليه وإنه لفِسْق) .
فقال: هي حجة للجواز لا للحرْمة، وذلك أن الواو ليست عاطفة لتخالُف الجملتين بالاسمية والفعلية، ولا للاسئناف، لأن أصلَ الواوِ أن تربط ما بعدها بما قبلها، فبقي أن تكونَ للحال، فتكون جملة الحال مقيدة للنهي.
والمعنى: لا تأكلوا منه في حال كونه فسقاً.
ومفهومه جواز الأكلِ إذا لم يكن فسقاً، والفسقُ قد فسَّره الله تعالى
بقوله: (أو فِسْقاً أهِلَّ لغير الله به) .
فالمعنى لا تأكلوا منه إذا سمِّيَ عليه غَيْرُ الله.
ومفهومه: فكلوا منه إذا لم يسمّ عليه غَيْرُ الله تعالى.
قال ابن هشام: ولو أبطل العطف بتخالف الجملتين بالإِنشاء والخبر لكان صواباً.
مسألة
اختلف في جواز العطف على معمولي عاملين، فالمشهور عن سيبويه المنع، وبه قال المبرد وابن السراج وابن هشام.
وجوَّزَه الأخفش والكسائي والزجاج.
وخرج عليه قوله تعالى: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) .
إلى قوله: (وتصرِيف الرياح آيات لقوم يَعْقِلون) .
فيمن نصب آياتٍ الأخيرة.
مسألة
اختلف في جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، فالجمهورُ
من البصريين على الْمَنْع، وبعضهم والكوفيون على الجواز، وخرج عليه قراءة حمزة: (واتقوا الله الذي تَساءلون به والأرْحامِ) .
وقال أبو حيان في قوله: (وصَدّ عَنْ سبيل الله وكُفْر به والمسجِدِ الحرام) :
إن المسجد معطوف على ضمير به، وإن لم يُعَد الجار.
قال: والذي نختاره جواز ذلك، لوروده في كلام العرب كثيراً نظماً ونثراً، قال: ولسنا متعبّدين باتباع جمهور البصريين، بل نتبع الدليل.
واللَه الموفق.
стр. 1525
(فصل في أحاديث نبويَّة تفسِّرُ آياتٍ قرآنية منقولة محذوفة الأسانِيد من صحيح البخاري راجياً من اللَه حُسْن الخاتمة للناقل والقارئ:
(غير الْمَغْضوبِ عليهم) : اليهود.
(ولا الضالَين) : النصارى.
(أزْوَاج مطَهَّرَة) :
من الحيض والغائط والنّخامة والبصاق.
(عَدْل) : فدية.
(سجَّدًا) :
على وجوههم، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا حبة في شعرة.
(وَيْل) :
وادٍ في جهنم يهوي به الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغَ قَعْرَه.
(يتْلونَه حَقَّ تِلاَوَته) :
يتّبعونه حقّ اتباعه.
(لا ينَالُ عَهْدِي الظَّالين) :
لا طاعةَ إلا في المعروف، وليس لظالم عليك عهد أنْ تطيعه في معصية الله.
(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) :
اذكروني يا معشر العباد بطاعتي أذكركم بمغفرتي.
(الذين إذا أصابَتْهم مصيبةٌ) :
ما أصاب المؤمن مما يكره فهو مصيبة.
(يَلْعَنهم اللاَّعِنون) :
يُضرب الكافر ضربة بين عينيه فيسمعه كل دابة إلا الثقلين، فتلعنه كلّ دابة سمعَتْ صوتَه، فذلك قوله: (أولئكَ يَلعَنهم الله ويلعَنهم اللاَّعنون) :
يعني دوابَّ الأرض.
стр. 1526
(الحجُّ أشْهُر معلومات) :
شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
(فلا رَفَثَ ولا فسوقَ ولا جِدالَ في الحج) :
الرفَثُ: التعرض للنساء بالجماع، والفسوق المعاصي، والجدال: جدال الرجل صاحبه.
(لا يؤَاخِذكم الله باللغْوِ في أيمانكم) :
هو كلام الرجل في بيته كلا والله، وبلى والله.
(الطّلاَقُ مَرَّتان) ، والثالثة تسريح بإحسان.
(الذي بِيَدهِ عُقْدَة النكاح) ، الزوج.
(الصَّلاَةِ الوسْطَى) : صلاة العصر.
(سَكينة) : ريح خَخوج.
(يؤْتي الحكمَةَ) ، أي القرآن والعمل به، لأنه قد قرأه
البَرّ والفاجر.
(فيَتَبِغونَ ما تشَابَهَ منه) : هم الخوارج.
وهم الذين تسوَدّ وجوههم.
(الرّاسِخون في العِلْم) :
من برّت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعفّ بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم.
(القَنَاطِير الْمقَنْطَرة) :
القنطار ألف أوقية.
(ولَه أسْلَم مَنْ في السماوات والأرْضِ طوْعاً وَكَرْهاً) .
أما من في السماوات فالملائكة، وأما من في الأرض فمن وُلد على الإسلام، وأما كَرْهاً فمن أتي به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال يقَادون إلى الجنة وهم كارهون.
(مَنِ استطاعَ إليه سبِيلاً) :
الزاد والراحلة.
стр. 1527
(ومَنْ كفَر فإن الله غَنيّ عن العالَمين) :
مَنْ تركه يخاف عقوبته ولا يرجو ثوابه.
(اتّقوا الله حَقَّ تقَاتِه) :
أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا يُنسى.
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) :
الخير اتباع القرآن وسنّتي.
(مسَومِين) :
معلمين، وكانت سيما الملائكة يوم بَدْر عمائم سود، ويوم أحد عمائم حمر.
(ولا يَحْسَبَنّ الذين يَبْخَلون بما آتاهم الله مِنْ فَضْله) :
مَنْ آتاه الله مالاً فلم يؤَدِّ زكاته، مثل له شجاع أقْرع له زبيبتان يطوقه
يوم القيامة فيأخذ بلهزمَيْهِ يقول: أنا مالك، أنا كنْزك.
(ألاَّ تَعولوا) :
ألاّ تَجوروا.
(بَدَّلْنَاهم جلوداً غيرها) :
تبدل في ساعةٍ مائة مرة.
(فجزَاؤه جَهنَّم) : إن جازاه.
(فيوَفِّيهم أجُورَهم ويزِيدهمْ مِنْ فَضله) :
الشفاعةُ فيمن وجبت له النار ممَّنْ خرج إليهم المعروف في الدنيا.
(الكلاَلَة) : ما خلا الولد والوالد.
(ملوكاً) :
كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكاً.
(فسوف يَأتي اللَّهُ بِقَوم يحِبُّهم) :
أبو موسى الأشعري منهم.
(أو كِسْوَتهم) :
عباءة لكل مسكين.
(لا يَضُرّكم مَنْ ضَلَّ إذا اهتَدَيْتُنم) :
إذا رأيت شُحًّا مطاعاً، وهوًى مَتّبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصّة
стр. 1528
نفسك، ودعَ العوام.
وفي حديث آخر: لا يضركم من ضَل من الكفار إذا اهتديتم.
(يَتَوَفَّاكُمْ بالليل) :
مع كل إنسان ملك إذا نام يأخذُ نفسه، فإن أذن الله بقَبْض روحه قبضه وإلا ردّه إليه، فذلك قوله تعالى: (يتوفّاكُم بالليل) .
(ولم يَلْبِسُوا إيمانَهم بظلْمٍ) :
ليس الذي تعنون من الظلم، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: (إنَّ الشركَ لظلْمٌ عظيم) ، إنما هو الشرك.
(لا تدْرِكهُ الأبصارُ) :
لو أن الجنّ والإنسَ والملائكة والشياطين منذ خُلقوا إلى أنْ فنوا صُفَّوا صفًّا واحداً ما أحاطوا بالله أبداً.
(فَمَنْ يرِدِ الله أنْ يَهْدِيه يَشْرَحْ صَدْرَه للإسلام) :
قالوا كيف يشرح صَدْرَه، يا رسولَ الله، قال: نور يقذف به فينشرح له وينفسح.
قالوا: فهل لذلك من أمارة يُعرف بها، قال: الإنابةُ إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قَبْل لقاء الموت.
(وآتوا حَقّه يَوْمَ حَصَادِه) :
ما سقط من السنبل.
(لا نُكلِّفُ نَفْساً إلا وُسْعَها) :
من أربى على نفسه في الكيل والميزان، والله يعلم صحةَ نيّته بالوفاء فيهما لم يؤاخذ، وذلك تأويل وسعها.
(يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا) .
طلوع الشمس من مغربها.
(إنّ الذين فرَّقُوا دِينَهم وكانوا شِيَعاً) :
هم أصحابُ البِدعَ وأصحاب الأهواء.
(خُذُوا زِينَتَكمْ عند كل مَسْجد) :
صلوا في نعَالكم.
стр. 1529
(لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) :
إذا قُبضت روح العبدِ الكافر يُصعد بها إلى السماء فلا يمرون بها على مَلأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فلا يفْتح له، فيقول اللَه: اكتبوا كتابه في سِجِّين في الأرض السّفْلى، فتطرح روحه طرْحاً، اقراءوا إنْ شئتم: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) .
(ونَاَدَى أصحابُ الأعرافِ) :
هم من استوت حسناته وسيئاته.
وفي حديث آخر: هم ناس قُتلوا في سبيل الله.
وفي حديث آخر: إنهم مؤمنو الجن.
(الطُّوفَان) : الموت.
(تجلّى رَبُّه لِلْجَبَلِ جعله دَكًّا) :
أشار ﷺ بطرف إِبْهامه على أنملة أصبعه اليمنى فساح الجبَل وخَرَّ موسى صَعِقاً فمن نورها جعله دَكًّا.
(وكتبنا له في الألواح) :
كانت من سِدْرَة النتهى، طول كلّ لوح اثنا عشر ذراعاً.
(وإذْ أخذَ رَبُّكَ مِنْ بني آدمَ من ظُهورهم ذُرِّيَّتَهُم) :
إن الله أخذ الميثاقَ من ظَهْر آدم يوم عرفة، فأخرج من صُلْبِه كلّ ذرية ذرّاها
فنثرها بين يديه ثم كلّمهم، فقال: (ألَسْتُ بربكم قالوا بلى) .
وفي رواية: أخذ من ظهره كما يؤخذ بالْمشط من الرأس، فقال لهم: ألست بربكم، قالوا: بلى.
قالت الملائكة: شهدنا.
(فلما آتاهمَا صالحاً جَعَلاَ له شُرَكاء) :
لما ولدت حوَّاء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال لها: سمِّيه عبد الحارث، فإنه يعيش، فسمَّتْه عبد الحارث، فعاش، فكان ذلك من وَحْي الشيطان وأمْرِه.
стр. 1530
(خُذِ العَفْوَ) :
هو أن تَعْفُو عمن ظلمك، وتُعْطِى مَنْ حرمك، وتصِل مَنْ قطعك.
(تخافونَ أنْ يَتَخَطَّفَكم الناسُ) :
هم أهْل فارس.
(وهم يَسْتَغْفِرون) :
أنزل الله عليَّ أمانين لأمتي: (وما كان الله ليعذِّبهم وأنْتَ فيهم) ، فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة.
(وَأعِدوا لهم ما استَطَعْتُم من قوة) :
ألاَ إن القوةَ الرَّمْي.
(وآخرين مِنْ دونهم لا تَعلَمونهم) :
هم الجن.
(يَوْمَ الحجِّ الأكبر) :
يوم النحر، وقيل: يوم عرفة.
(إنما يَعْمرُ مَساجدَ الله) :
إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشْهدوا له بالإيمان.
(ومَساكِنَ طَيّبةً في جنات عَدْن) :
قال: قصر من لؤلؤ، في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت سرير، على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون، على كل فراش زوجة من الحورِ العين، في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، في كل بيت سبعون وصيفاً ووَصِيفة، ويعطى المؤْمن في كل غداةٍ من القوة ما يأتي على ذلك كله أجمع.
(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ) :
هو مسجدي.
(يحبون أنْ يتطَهَّروا) :
هو الاستنجاء بالماء.
(السائحون) : هم الصائمون.
(للَّذِينَ أحسنوا الحسْنَى وزِيادة) :
الحسنى الجنة، والزيادة: النَّظَرُ إلى ربهم.
(قل بفَضْلِ الله) :
القرآن، (وبرحمته) : أن جعلكم من أهله.
стр. 1531
(ألاَ إنَّ أولياءَ الله لا خَوْفٌ عليهم ولا هم يحْزنُون) :
إن من عباد الله ناساً يَغبطهم الأنبياء والشهداء.
قيل: مَنْ هم يا رسول الله، قال:
قوم تحابّوا في الله من غير أموال ولا أنساب، لا يفزعون إذا فزع الناسُ، ولا
يحزنون إذا حزنوا.
(لهم البشْرَى في الحياةِ الدنيا وفي الآخرة) :
هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له، فهي بشراه في الحياة الدنيا، وبُشْراه في الآخرة الجنة.
(إلاَّ قَوْمَ يونس لما آمَنُوا) : لما دعوا.
(ليَبْلوَكُمْ أيكمْ أحسَنُ عَمَلاً) :
أحسنكم عقلاً، وأحسنكُم عقلاً أورعكم عن محارم الله.
وأعملكم بطاعة الله، لم أرَ شيئاً أحسن طلباً ولا أحسن إدراكاً من حسنةٍ حديثة لسيئة قديمة، (إن الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئات) .
(وما كانَ رَبُّك لِيُهْلِكَ القُرَى بظلْم وأهلُها مصْلحون) :
أي يُنْصف بعضهم بعضاً.
(إني رأيتُ أحدَ عشر كوكبا) :
خرثان، وطارق، والذيال، وذو الكنعان، وذو الفزع، ووثاب، وعمودان، وقابس، والذروح، والمصبح، والفيلق، والضياء، والضوء، والنور، يعني أباه وأمه رآها في أفق السماء ساجدة
له، فلما قصَّ رؤياه على أبيه قال: أرى أمْراً مشتتاً يجمعه الله.
(أني لم أخنْه بالغَيْبِ) :
لما قالها يوسف قال له جبريل: اذكر همَّك.
قال: (وما أُبَرِّئُ نَفْسي) .
(ونُفَضِّل بَعْضَها على بعْض في الأكُل) :
الدقل، والفارسي، والحلو والحامض.
(ويسَبِّح الرَّعْد) :
هو ملك من ملائكةِ الله موكَّل
стр. 1532
بالسحاب يسوقُه حيث أمره اللَه، وهذا الصوت الذي يسمع صوتُه.
وفي رواية: الرعد يزجر السحاب، والبرقُ طرف ملك يقال له روفيل.
وفي حديث آخر: إن ملكاً موكّلٌ بالسحاب يلمّ القاصية ويلحم الرابية، في يده مخراق، فإذا رفع برقَتْ، وإذا زجر رعدت، وإذا ضرب صعقت.
(طُوبَى لهم) :
هي شجرة في الجنة، مسيرة مائةِ عام.
(يمحو الله ما يشاءُ ويُثْبِت) ، من المحو، ويزيد فيه.
وفي رواية: كلّ ذلك في ليلة القدر، يرفع ويجبر، ويرزق غير الحياة والموت، والشقاء والسعادة، فإن ذلك لا يبدَّل.
وفي رواية عن علي: أنه، سأل النبيَّ ﷺ عن هذه
الآية، فقال: لأقِرنَّ عينكَ بتفسيرها، ولأقِرَّنَّ عين أمتي من بعدي بتفسيرها:
الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين، واصْطناع المعروف يحول الشقاء سعادة، ويزيد في العمر.
(لئنْ شَكرْتُمْ لأزِيدَنَّكم) :
من أعطي الشكر لم يحرم الزيادة.
(ويُسْقَى مِنْ ماء صَدِيد يتَجرَّعُه:
يقربه الله منه فيتكرهه، فإذا أدني منه شوَى وَجْهَه، ووقع فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره، يقول الله: (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) .
وقال: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) .
(سواء علينا أجَزعْنا أم صَبرنَا ما لنا مِنْ مَحِيص) :
يقول أهلُ النار: هَلُموا فلنصبر، فيصبرون خمسمائة عام، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: هلمّوا فلنجزع فيبكون خمسمائة ِ عام، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: (سواء علينا أجزِعْنَا أم صَبَرْنَا ما لنا مِنْ مَحِيص) .
(مَثَلاً كلمةً طيبة كشجرةٍ طَيِّبة) : هي النخلة.
(ومَثَلُ كلمة خبيثة كشجرة خبيثة) : هي الحنظل.
стр. 1533
(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) :
إذا سُئل المسلم في القبر ويشهد أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، فذلك هو التثبيت.
(يوْمَ تبَدَّلُ الأرضُ غَيْرَ الأرضِ) .
يكون الناس يومئذ على الصراط.
وفي رواية: أرض بيضاء كأنها فضّة لم يسفَكْ فيها دَمٌ حرام، ولم يُعمل فيها
خطيئة.
(رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) :
يخرج الله ناساً من المؤمنين من النار بعد ما يأخذ نقْمَته منهم لما أدخلهم النار مع المشركين، قال لهم المشركون: تدّعون أنكم أولياء الله في الدنيا، فما بالكم معنا في النار، فإذا سمع الله ذلك أذِن الله في الشفاعة لهم فتشفَعُ الملائكة ُ والنبيئون والمؤمنون حتى يخرجوا بإذن الله، فإذا رأى المشركون ذلك قالوا: يا ليتنا كنّا مثْلهم، فتدركنا الشفاعة، فنخرج معهم، فذلك قول الله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) .
(لكل بابٍ منهم جُزْءٌ مَقْسوم) :
جزء أشركوا في الله، وجزء شكّوا في الله، وجزء غفلوا عن الله.
(كما أنزلنا على الْمقْتسِمين) :
اليهود والنصارى.
(الذين جعلوا القرآن عِضِين) :
آمنوا ببعض، وكفروا ببعض.
(فورَبِّك لنسألنَّهم أجمعين) :
عن قول لا إله إلا الله.
(زِدْنَاهُمْ عذَابا فَوْقَ العذابِ) :
عقارب مثل النخل الطوال ينهشونهم في جنوبهم.
(جعلنا الليلَ والنهار آيتين) :
كانا شمْسين.
(فمَحَوْنَا آيةَ الليلِ) :
فالسواد الذي رأيت هو المحوُ.
стр. 1534
(ولقد كَرَّمْنَا بني آدم) : بالأكل بالأصابع.
(يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) :
يُدْعَى كلّ قوم بأصنام لهم، وكتاب ربهم.
(أقِم الصلاةَ لدلوكِ الشّمْسِ) : هو زوالها.
(إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كان مشهوداً) :
تشهده ملائكة الليل وملائِكة النهار.
(عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مقاماً محموداً) :
هو المقام المحمود أشفع فيه لأمتي.
وفي لفظ: هي الشفاعة.
(ونَحْشُرهم يَوْمَ القيامة على وجوههم) :
قيل: يا رسول الله، كيف يحشرون على وجوههم، قال: الذي أمشاهم على أقدامهم قادرٌ أن يُمشيهم على وجوههم.
(سُرادِقُها) :
لسرادق النار أربعة أجدر، كثافة على جدار
مثل مسافة أربعين سنة.
(يغَاثُوا بمَاءٍ كالمُهْل) :
كعَكر الزيت، فإذا قرّبه إليه سقطت فروةُ وجْهه فيه.
(الباقِيَاتُ الصالحات) :
التهليل والتكبير، والتسبيح والحمد للهِ، ولا حولَ ولا قوة إلا بالله.
وفي لفظ آخر: سبحان الله، والحمد للهِ، ولا إله إلا الله، والله أكبر هي الباقياتُ الصالحات.
(فظَنُوا أنهم مُوَاقِعوها) .
فينصب الكافر مقدار خمسين ألف سنة كما لم يعمل في الدنيا، وإن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة.
(وكان تحته كَنْزٌ) :
هو لوح من ذهب مصمت عجبت
стр. 1535
لمن أيقن بالقَدر كيف ينصب، وعجبت لمن ذكر النار كيف يضحك، وعجبت لمن ذكر الموت كيف غفل.
لا إله إلا الله محمد رسول الله.
(جناتُ الفردوس نُزُلاً) :
إذا سألْتُم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تُفجَّرُ أنهار الجنة.
(تحْتَك سريًّا) :
نهراً، أخرجه الله لتشربَ منه.
(يا أختَ هارون) :
كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين قبلهم.
(وأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسْرَة) :
هو يوم يدخلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهل النار النار، ويجاء بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا، قال: فيشرئبُّون وينظرون، فيقولون: نعم، هذا الموت، فيؤمَر به فيذبح ويقال: يا أهل الجنة، خلود لا موتَ، ويا أهل النار، خلود لا موت، ثم أشار بيده، وقال: أهل الدنيا في غفلة، غيّ وآثام بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديدُ أهلِ النار.
(وإنْ منكُمْ إلاَّ وارِدُها) :
لا يبقى برٌّ ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بَرْداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم حتى إن للنار ضجيجاً من بردهم، ثم يُنَجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًّا.
(ولا يُفْلحُ الساحِرُ حيث أتى) :
إذا وجَدْتم الساحر فاقتلوه، ولا يُؤمَّنُ حيث وُجد.
(مَعيشةً ضَنْكاً) : عذاب القبر.
(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) :
كل شيء خلق من الماء.
(ومَنْ يُرِدْ فيه بإلحادٍ بظلْم) :
احتكار الطعام بمكة إلحاد.
(البيت العَتيق) :
إنما سمِّي البيت العتيق، لأنه لم يظهر عليه جَبَار.
стр. 1536
(واجتَنِبُوا قَوْل الزور) :
عدلت شهادة الزورِ بالإشراك.
(والذِين يُؤتُون ما آتوا وقلوبهم وَجِلةٌ) :
هو الذي يصلّي ويصوم ويتصدق ويخاف الله.
(وهم فيها كالِحون) :
تشويه النار فتقلص شفَته العليا حتى تبلغَ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفْلَى حتى تضرب سُرَّته.
(حتى تَسْتأنِسوا) :
يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة، ويتنَحْنَح فيؤذِن أهلَ البيت.
(وإذا ألْقُوا منها مكاناً ضَيقاً مقَرَّنين) :
والذي نفسي بيده إنهم ليُستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط.
(أيَّمَا الأجلَيْنِ قضَيْتُ) :
قضى أوفاهما وأبرهما، وتزوّج الصغرى من البنتين.
(وتأتُون في نادِيكم المنْكر) :
كانوا يخوّفون أهْلَ الطريق، ويستخرجون منهم، فهو المنْكر الذي كانوا يأتون.
(ومِنَ الناسِ مَنْ يَشْتري لَهْوَ الحديثِ) :
لا تبيعوا القينات ولا تشتروهنّ ولا تعلمونهن، ولا خير في تجارة فيهنّ، وثمنهن حرام في مثل هذا أنزلت: (ومن الناس. . .) الآية.
(أحْسَنَ كلَّ شيء خلقَهُ) :
أما إن است القردة ليست بحسنة، ولكنه أحكم خَلْقها.
(تتجَافَى جُنوبُهم عن المضاجع) :
قيام العبد من الليل.
(وجعلناه هدى لبنى إسرائيل) .
قال: جُعل موسى هدى لبني إسرائيل.
(فلا تَكنْ في مِرْيةٍ مِنْ لقائه) :
من لقاء موسى ربه.
стр. 1537
(فمنهم مَنْ قَضَى نَحْبَه) :
طلحة ممن قضى نَحْبه.
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) :
دعا فاطمة وعليًّا وحسناً وحُسيناً، فجلّلهم بكساء، وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذْهِبْ عنهم الرٌجسَ وطهرهم تطهيراً.
(لقد كان لسبأ) :
هو رجل ولد عشرة، فسكن اليمن منهم ستةٌ، وبالشام منهم أربعة.
(ثم أوْرَثْنَا الكتابَ الذين اصطفَيْنَا مِنْ عِبَادنا) :
أما الذين سبقوا فأولئك يدخَلون الجنةَ بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا
فأولئك الذين يحاسبون حسابا يسيرا.
وأما الذين ظلموا أنْفُسهم فأولئِك الذين يُحْبَسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته، وهم الذين يقولون (الحمد لله الذي أذْهَب عنا الحزنَ. . .) الآية.
(أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) :
إذا كان يوم القيامة قيل: أين أبناء الستين، وهو العمر الذي قال الله: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) .
(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) :
مستقرّها تحت العرش.
وفي لفظ آخر: إنها تسجد تحت العرش.
(حُورٌ عِين) :
العِين: الضخام العيون، شُفْر الحوراء، مثل جناح النسر، وهو بالفاء مضاف إلى الحوراء، وهو هدب العين، وإنما ضبطته وإن كان واضحاً لأني رأيتُ بعْضَ المهملين من أهل عصرنا صحّفه بالقاف.
وقال: الحوراء مثل جناح النّسر مبتدأ وخبر، يعني في الخفة والسرعة، وهذا
كذبٌ وجَهل وإلحاد في الدين وجرأة على الله ورسوله.
(كأنهن بَيْضٌ مَكنون) :
رقتهن كرقة الجلدة التي داخل البيضة التي تلي القِشر.
стр. 1538
(وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) :
حام، وسام، ويافث.
وأخرج من طريق آخر، قال: سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم.
(وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) :
قال: يزيدون عشرين ألفاً.
(وإنا لنَحْنُ الصافّون) :
أطّت السماء وحقّ لها أن تئطّ، ليس منها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد لله.
(له مَقَالِيدُ السماواتِ والأرض) :
تفسيرها لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا حوْلَ ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت ... الحديث غريب، وفيه نكارة شديدة.
(فصَعِقَ مَنْ في السماوات ومَن في الأرض إلا مَنْ شاء الله) :
هم الشهداء.
(إنَّ الذِين يستَكبرُون عن عِبَادتي) ، أي دعائي.
(إنَّ الذين قالُوا رَبُّنا الله ثم استقَامُوا) :
قد قالها ناس من الناس، ثم كفر أكثَرُهم، فمن قالها حتى يموت فهو من استقام عليها.
(ما أصابَكم مِن مُصِيبة) .
أي من مرض، أو عقوبة، أو بلاء في الدنيا فبما كسبَتْ أيديكم، والله أحلم مِنْ أن يثنّي عليه العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا فاللهُ أكرمُ من أن يعودَ بعد عفوه.
(ما ضَرَبُوه لكَ إلا جَدَلاً) :
ما ضلَّ قوم بعد هُدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدَل.
(وتِلْكَ الجنّةُ التي أُورِثتُموها بما كنْتُم تَعْمَلون) :
стр. 1539
كلّ أهل النارِ يرى منزلته في الجنة حسرةً، فيقول: لو أن الله هداني لكنتُ من المتقين، وكلّ أهل الجنة يرى منزلته من النار فيقول: (وما كُنّا لنَهْتَدِيَ لولا أنْ هَدانا الله) ، فيكون له شكر.
وما مِنْ أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فالكافرُ يرِثُ المؤمنُ منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة.
(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تأتي السماء بدُخَان مُبين) :
إن ربكم أنذركم ثلاثاً: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه.
والثانية الدابة.
والثالثة الدجّال.
(فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) :
ما من عَبْد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزْقُه، وباب يدخل فيه عمله وكلامه، فإذا مات فقَداه وبَكيَا عليه.
وذكر أنهم لمَ يكونوا يعملون على وَجْهِ الأرضِ عملا صالحا تبكي عليهم ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عَمَلٌ صالح، فتفقدهم فتبكي عليهم.
وفي رواية: ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكتْ عليه السماء والأرض.
(أو أثارةٍ مِنْ عِلْم) : الخط.
(وألزمَهُمْ كَلِمةَ التًقْوى) : لا إله إلا الله.
(ولا يغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضاً) :
إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتَبْتَه، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّهُ.
(هل مِنْ مَزيد) :
لا يزال يلقي في النار، وتقول: هل مِنْ مَزِيد، حتى يضعَ قَدمه فيها، فتقول: قط قط.
(والذَّارِيات ذَرْواً) :
هي الرياح.
(فالجاريات يُسْراً) :
هي السفن.
(فالْمُقَسمَاتِ أمْراً) :
هي الملائكة.
стр. 1540
(وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) :
إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار.
(وإبراهِيم الذِي وَفَّى) :
وفَّى عَمَلَ يومِه بأربع ركعات من أول النهار.
وقي رواية: كان يقولُ كلما أصبح وأمسى: (فسبحان الله حين
تُمْسُونَ وحين تصبحون. . .) حتى ختم الآية.
(وأنَّ إلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى) : تفكروا في مخلوقاتِ الله، ولا تفكروا في ذاتِ الله.
(كُلَّ يَوْم هُوَ في شَأن) :
من شأنه أنْ يغفِرَ ذَنْبا، ويكشف كَرْباً، ويرفع قوماً، ويضَع آخرين.
(ومِنْ دونِهما جَنَّتان) :
جنتان من فضةٍ آنيتهما وما فيهما.
وجنتان من ذهب آنيتُهما وما فيهما.
(هَلْ جزَاءُ الإحسان إلا الإحسانُ) :
هل تدرون ما قال ربّكم، قالوا: الله ورسولهَ أعلم.
قال: يقول هل جَزاءُ مَنْ أنعمتُ عليه بالتوحيد إلا الجنة.
(في سِدْرٍ مَخْضُودٍ) :
خضد الله شوكه، فجعل مكانَ كلِّ شوكة ثمرة.
(وظِلٍّ مَمْدُود) :
إن في الجنة شجرة يسير الراكبُ في ظلّها مائةَ عام لا يقطعها: اقرؤوا إن شئتم: (وظِلٍّ مَمْدُود) .
(وفرُش مَرْفوعَة) :
ارتفاعُها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام.
(إنَّا أنْشأنَاهُنَّ إنشاءً) :
كنّ في الدنيا عجائز عُمْشاً رُمصاً.
стр. 1541
(أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) :
قالت أم سلمة: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله: (حور عين) ، قال: حور عين بيض ضخام العيون شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر.
قلت: أخبرني عن قوله: (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) ؟
قال: صفاؤهنَّ كصفا الدُّر الذي في الأصدَاف الذي لم تمسه الأيدي.
قلت: أخبرني عن قوله: (فيهَنَّ خيراتٌ حسَان)
قال: خَيرات الأخلاق، حِسان الوجوه.
قلت: أخبرني عن قوله: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) ، قال: رِقتهنَّ كرقّة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة مما يلي القِشرة
قلت: أخبرني عن قوله: (عُرُبًا أَتْرَابًا) ؟
قال: هن اللواتِي قُبِضْنَ في الدنيا عجائز رُمصاً شُمْطاً، خلقهُن الله بعد الكبر فجعلهنّ عذَارى عرُباً متعشقات محببات.
أتراباً على ميلادٍ واحد كلامهنّ عربي.
(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) :
هما جميعاً من أمتي.
(ولا يَعْصِينَكَ في مَعروف) : هو النوح.
(ن والْقَلم) : لوح من نور، وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى
يوم القيامة.
وفي لفظ آخر: أول ما خلق الله القلم والحوتَ قال: اكتب.
قال: وما أكتب، قال: كلّ شيء كائن إلى يوم القيامة.
(عُتُلّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيم) :
تبكي السماء من عبد أصحَّ الله جسمه، وأرْحَبَ جَوْفَه، وأعطاه من الدنيا مقضماً، فكان للناس ظلوماً، فذلك العتُل الزنيم.
(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاق) :
عن نور عظيم، يخرون له سجَّداً.
(كان مِقْدَارُهُ خمسين ألْفَ سنَةٍ) :
والذي نفسي بيده ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاةٍ مكتوبة يصليها في الدنيا.
(فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) :
قال: مائةُ آية.
стр. 1542
(سارْهِقُه صَعُوداً) :
هو جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفا، ثم يَهْوِي به كذلك.
(هو أهْلُ التَّقْوَى وأهْلُ المغفرة) :
قال ربكم: أنا أهلٌ أن أتقى، فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلهاً كان أهلاً أنْ أغْفِر له.
(لابثين فيها أحْقَاباً) :
الْحُقب بضع وثمانون سنة، كلّ سنة ثلاثمائةٍ وستون يوماً مما تعدّون.
(إذا الشمسُ كُورَتْ) :
تكويرها وانكدارها في جهنم.
(وإذا النفوسُ زُوِّجَت) :
القرناء كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله.
(فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) :
قال ﷺ لأحد الصحابة: ما وُلِدَ لك؟
قال: ما عسى أن يولَد لي، إمَّا غلام أو جارية قال:
فمَنْ يشبه، قال: ما عسى أن يشبه إمَّا أباه أو أمه.
فقال ﷺ : مَهْ، لا تقولنَّ هذا، إن النطفة إذا استقرَّتْ في الرحم أحضرها الله كل نسبٍ بينها وبين آدم، أما قرأت: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) .
قال: سلَككَ.
(الأبرار) :
إنما سماهم الأبرار، لأنهم بَرّوا الآباء والأبناء.
(يوم يَقُومُ الناسُ لربِّ العالمين) :
حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف اذنيه.
(كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .
إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قَلْبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله في القرآن.
(فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) :
قالت عائشة:
стр. 1543
قلت: يا رسول الله، ما الحسابُ اليسير، قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنه مَنْ نوقش الحساب يومئذ هلك.
(واليوم الموْعود) :
يوم القيامة.
(وشاهد) ، يوم الجمعة.
(ومشهود) : يوم عرفة.
(في لوح محفوظ) :
إن الله خلق لَوْحا محفوظاً من دُرّة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمهُ نور، وكتابه نور، لله فيه كلّ يوم ستون وثلاثمائة لحظة، يخلق ويرزق، ويحيى ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء.
(قد أفْلح مَنْ تزَكّى) :
من شهد أن لا إله إلا الله، وخلع الأنداد، وشهد أني رسول الله.
(وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) :
هي الصلوات الخمس، والمحافظة عليها، والاهتمام بها.
(وليال عَشْرٍ) :
عشر الأضحى، و (الوتر) يوم عرفة.
(والشّفع) : يوم النحر.
وفي رواية: الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر.
(فكُّ رَقبة) :
هو الإعانة في عِتْقها، وعتقها أن تنفرد في عِتقها.
(قد أفْلح مَنْ زكاها) :
أفلحت نَفْس زكاها الله.
(ورفَعْنَا لك ذِكْرَك) :
أتاني جبريل، فقال: إنَّ ربك يقول: أتَدْري كيف رُفِع ذكرك، قلت: الله أعلم.
قال: إذا ذُكِرتُ ذكرتَ معي.
(يومئذ تُحذثُ أخبارَها) :
قال: أتدْرُونَ ما أخبارها؟
стр. 1544
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: أن تشهدَ على كل عبد أو أمة بما عمل على ظَهْرها
بأن تقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا.
(إنّ الإنسانَ لربه لكَنُود) :
الذى يأكل وحْدَه، ويضرب عَبْده، ويمنع رفْده.
(ثم لتُسألُنًّ يومئذ عن النعيم) :
الأمن والصحة والماء البارد.
(مؤْصدة) : مطبقة.
(عَنْ صلاتهم ساهُون) :
الذين يؤخرونها عن وَقْتِها.
(الكوثر) : نهر أعطانيه ربي في الجنة، له طرق لا تحصى.
(إذا جاء نَصْر الله والفَتْح) :
لما نزلت قال ﷺ : نُعيت إليّ نفسي.
(الصَّمَد) :
الذي لا جَوْفَ له.
(الفَلَق) :
جُبٌّ في جهنم مغَطى.
(ومن شَرِّ غاسق إذا وَقَب) :
النجم الغاسق.
وفي رواية عائشة قالت: أخذ رسول الله ﷺ ييدي فأراني القَمر حين طلع، وقال: تعوَّذِي بالله من شر هذا، هذا الغاسق إذا وَقَب.
(الوسواس الخَنَّاس) :
إن الشيطان واضع خطمه على قَلْب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسيَ التقم قلبه، فذلك الوسواس الخنّاس.
***
فهذا ما حضرني من التفاسير المرفوعة المصرح برفعها صحيحها وحسنها، ولم
أعول على الموضوعات والأباطيل، واختصرت فيها وفي كلّ هذا الكتاب
للتحريض عليه، ولعل عبدة الناس تَهْوي إليه، إذ العمْرُ قصير، وفي العمل
تقصير، فأسأل من الناقد أن يكونَ غير بصير، لأنه إن بصرَ رأى من المعايب ما لا يخطر ببال، كما قال ﷺ : " أنا من غير الدجال أخوفُ عليكم من الدجال ".
стр. 1545
فقيل: وما هو يا رسول الله، قال: العلماء السوء.
وهذا لأنَّ الدَّجال غايتُه الإضلال، ونحن نصرفُ الناس عن الدنيا بألسنتنا ومقالنا، وندعوهم إليها بأفعالنا وأعمالنا، ولسانُ الحال أنطقُ من لسان المقال، وطباعُ النظر إلى المساعدة في الأعمال أميلُ منها إلى المتابعة في الأقوال، فما أفْسَدْنَا بأعمالنا أكثر مما أصلحنا بأقوالنا، إذ لا يستجرئ الجاهل إلا باستجرائنا، ولو اشتغلت بإصلاح نفسي كان أولى بها وأعظم من هذا، إنه يخيل لنا أنا خير من كثير من عباد الله، وهذا هو أعظم من كل ضلال.
فإن قلت: قد أخرج البزار عن عائشة، قالت: ما كان رسول الله ﷺ يُفَسِّر شيئاً من القرآن إلا آياً بعد تعليمه إياهن من جبريل؟
والجواب: أن الصحيح عند ابن تيمية وغيره أنه ﷺ بيّن لأصحابه جميعَ تفسير القرآن أو غالبه.
ويؤيد هذا ما أخرجه أحمد وابن ماجة، عن عمر - أنه قال: مِنْ آخر ما
أنزل الله آية الربا، وإن كان رسول الله ﷺ قُبض قبل أنْ يفسرها.
دَلّ فَحْوى الكلام على أنه كان يفسر لهم كلّ ما أَنزل، وأنه إنما لم يفسر هذه الآية لسرعة مَوْته بعد نزولها، وإلا لم يكن للتخصيص بها وَجْه.
وقد أوَّل ابن جرير وغيره حديث عائشة أنه إشارات إلى آياب مشكلات
أشكلن عليه، فسأل الله عِلْمهن، فأنزله الله على لسان جبريل.
فإن قلت: قد صح أنَّ آخر آية نزلت: (يستفتونك قل الله يُفْتيكم في
الكَلاَلة) .
وآخر سورة نزلت: براءة.
وفي رواية: آخر آية نزلت: (واتَّقُوا يوماً تُرْجَعُون فيه إلى الله) .
وعاش ﷺ بعد نزول هذه الآية سبع ليال.
وفي رواية سعيد بن المسيب أنَّ أحدث القرآن عهداً بالعرش آية الدَّيْن، لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف، ولأنها في قصة واحدة، فكيف يجمع بين هذه الأحاديث؟
следующие страницы →