← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

(دَار السلام) : يعني الجنة، وسميت بذلك لأنها سالمةٌ من الفناء والتعب. وقيل السلام هو اسم الله، وأضافها إليه لأنها ملكه وخلقه. ودوائر السلام التي تأتي مرةً بخير ومرة بشر. يعني ما أحاط الإنسان منه. وقوله: (عليهم دائرة السَّوْءِ) ، أي يدور عليهم من الدهر ما يَسوؤهم. ويحتمل أن يكون خيراً أو دعاء. (دَعْوَاهم فيها) : أي يكون دعاؤهم في الجنة سبحانك. والدعاء الادّعاء أيضاً. (أدْنى) له معنيان: أقرب فهو من الدنو، وأقَلّ فهو مِنَ الدنىء الحقير. (دَأَبا) ، قد قدّمنا أن معناه عادة وجدّ. ومعناه أيضاً الملاَزمة. ومنه سبع سنين دَأَبا - بسكون الهمزة وفتحها، مصدر دأب على العمل إذا داوم عليه. (دَاخِرون) ، صاغرون أذِلاَّء، وجمِعَ بالواو لأن الدّخور من أوصاف العقلاء. (دَخَلا بينكم) ، أي دغلاً وخيانة، وهذه الآية فيمَنْ بايَع النبي ﷺ وآمن به، ثم رجع. وفي قوله: (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا) - استعارةٌ في الرجوع مِنَ الخيْرِ إلى الشر، وإنما أفرد القدم ونكَّرَها لاستعظام الزّلل في قدم واحدة فكيف في أقدام كثيرة؟! (دَرَكا) : إلحاقاً، أي لا تخاف أنْ يُدْرِكَك فرعون وقومه، ولا تخشى الغَرق في البحر. (داحِضَة) : باطلة زائلة، وكذلك: (ليدْحِضوا به الحقَّ) ، أي ليزيلوا به الحقّ، ويذهبوا به. ويقال: مكان دحْض، أي مزل مزلق، ولا يثبت فيه قَدَمٌ ولا حافر. (دهر) : مرور السنين والأيام.

стр. 562

(ديَّارا) : من الأسماء المستعملة في النفي، يقال: ما في الدار ديَّار، أي ما بها أحد. وزْنه فَيْعال، وكان أصله دَيوار، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، وليس وزنه فعَّال، لأنه لو كان كذلك لقيل دوار، لأنه مشتقّ من الدوَرَان. وروي أن نوحاً ﵇ لم يَدْع على قومه بهذا الدعاء إلا بعد أن يئس من إيمانهم، وبعد أن أخرج الله كل مؤمِن من أصلابهم. (أَدْبر) في قوله: (والليل إذا أدبر) . وقرئ دَبر بغير ألف. والمعنى واحد - يقال دبر الليل والنهار، أي جاء في دبره، وأدبر. (دَحَاها) : بسطها، وبهذا استدلَّ مَنْ قال: إنَّ الأرض بسيطة غير كروية، ولكن يفهم من هذه الآية أنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السماء. وفي آية فصلت السماء قبْلها، والجمع بينهما أن الله خلقها قبل السماء، ثم دحاها بعد ذلك. فإن قلت: لِمَ قال: أخرج - بغير حرف العطف؟ فالجواب: أن هذه الجملة في موضع الحال، أو تفسير لما قبلها، قاله الزمخشري. (دَسَّاها) : أي أخْفَاها بالفجور والمعاصي. والأصل دسّسها فقُلِبَتْ إحدى السينين ياء، كما قيل تظنّيت. (دمْدمَ عليهم ربُّهم) : عبارة عن إنزال العذاب بقوم صالح. وفيه تهويل عليهم وعلينا، إذ لا يؤَاخَذ أحَدٌ إلاَّ بسبب ذنبه، بل يؤخذ به البريء والفاعل، كما قالت عائشة: أنهلك يا رسول الله وفينا الصالحون، قال: نعم، إذا كثر الخبث. قوله: (فسَوَّاها) : قال ابن عطية: معناه فسوَّى القبيلة في الهلاك.

стр. 563

وقال الزمخشري والضمير للدمدمة، أي سواها بينهم. اللهم لا تسو هذه الأمة بإنزال العذاب عليها بحرمة نبيها وشفيعها ﷺ . (دَعا) ورد على أوجه: العبادة: (ولا تَدْع مِنْ دون اللَهِ ما لا يَنْفَعكَ ولا يَضرّك) . والاستعانة: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ) . والسؤال: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) . والقول: (دَعْواهم فيها سبحانَك اللهم) . والنداء: (يوم يدعوكم) . والتسمية: (لا تَجْعَلوا دعاءَ الرسولِ بينكم) . (دلوك الشمس) : هو زَوَالها إلى أن تغيب، والإشارة بهذا لصلاة الظُّهْرِ والعَصْر. (دريّ) - بضم الدال وتشديد الياء من غير همز، ولهذه القراءة وجهان: إما أن ينسب الكوكب إلى الدُّرِّ، لبياضه وصفائه، أو يكون مسهّلاً من الهمز. وقرئ بالهمز وكسر الدال وبالضم والهمز، وهو مشتق من الدَّرْء بمعنى الدّفع. وشبه الزّجاجة في إنارتها بكوكب دري، لأنها تضيء بالصباح الذي فيها. وحكى أبو القاسم شَيْذلة أنَّ معنى الدّري المضيء بالحبشية. (دحُوراً) : أي طَرْداً وإهانة وإبعاداً، لأن الدَّحْر الدفع بعُنْف. وإعرابه مفعول من أجله، أو مصدر من (يقذفون) على المعنى، أو مصدر في موضع الحال، تقديره مدحورين. (دُخَان) ، روي أنه كان العرش علي الماء، فأخرج الله من الماء دخانا، فَارْتفَع فَوْقَ الماء، فأيبس الماء، فصار أرضاً، واشْتَدَّ يَبس الأرضِ، فصار حجرا، ثم خلق الله السماء فجعلها سبعة أجزاء، جزءاً منها ماء، وجزءاً قطرا، وجزءا حديداً، وجزءاً فضة، وجزءاً ذهباً، وجزءا لؤلؤاً، وجزءاً ياقوتاً أحمر، فخلق سماء الدنيا من الماء، ومن القِطر الثانية، والثالثة من الحديد، والرابعة من الفضة، والخامسة من الذهب، والسادسة من اللؤلؤ، والسابعة من الياقوت، ثم فتقها فجعل بين كل واحد منها مسيرة خمسمائة عام (١) .

стр. 564

نكتة: خلق من دخان واحد سَبْعَ سموات لا تشْبِة إحداها الأخْرَى. وأعجب من هذا أنه أنزل من السماء ماءً فأحْيَا به الأرْضَ بعد موتها فأخرج من قطرة المطر أنواع النَّبَات، بعضها أحمر، وبعضها أصفر، وبعضها أخضر، وبعضها أسود، وبعضها حُلْو، وبعضها مرّ، قال تعالى: (ونفَضِّل بَعْضَها على بَعْضٍ في الأكل) . وأعجب مِنْ هذا نطفة وقعَتْ في رَحِم امرأةٍ فصيَّرها عَلَقة، وصيّر العَلقة مضْغَةً، وخلق المضْغة عِظاماً، وخلَق من نطفة ذَكَراً، ومن أخرَى أنثى، ومن نطفة مؤمناً، ومن أخرى كافراً، ومن نطفة صالحاً، ومن أخرى طالحاً، ومن نطفة موفّقاً، ومن أخرى منافقاً، ومن نطفة موحِّداً، ومن أخرى معانداً، ومن نطفة سعيداً، ومن أخرى شقِياً، (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) . وأما قوله تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) . ففيه قولان: أحدهما قول عليٍّ بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما، إنَّ الدّخَان يكون قبل يَوْم القيامة يصيب المؤمِنَ منه مثل الزكام، وينضج رؤوس الكافرين والمنافقين، وهو من أشراط الساعة. وروى حذَيفة أن النبي ﷺ قال: " إنَّ أَوَّلَ الآيات الدخان ". والثاني قول ابن مسعود: إنَّ الدخان عبارة عما أصاب قريشاً حين دعا عليهم رسول الله بالجَدْبِ، فكان الرجل يرى دخاناً بينه وبين السماء من شدة الجوع. قال ابن مسعود: خَمْسٌ قد مَضَيْنَ: الدخان، واللِّزام، والبَطْشَة، والقمر. والرّوم. وقيل: إنه يقال للجدب دخان ليبس الأرض وارتفاع الغبَار. فشبه ذلك بالدخان. وربما وضَعَتِ العَرب الدخان في موضع الشرِّ إذا علَا، فتقول كان بيننا أمرٌ ارتفع له دخان. (دُسر) : مسامير، واحدها دسار. وقيل: مقادم السفينة. وقيل أضلاعها، والأول أشهر. والدسار: أيضاً الشرط التي تشد بها السفينة. (دُولة) - بالضم والفتح: ما يدول الإنسان، أي يدور عليه.

стр. 565

ويحتمل أن يكون من المداولة، أي كي لا يتداول ذلك المالَ الأغنيا بينهم. وهو الفيء الذي أفاء الله على رسوله من أهل القرى، ويبْقَى الفقراء بلا شيء، وذلك أنَّ رسول الله ﷺ قسّم أمْوَال بني النَّضِير على المهاجرين، فإنهم كانوا حينئذ فقراء. ولم يُعط الأنصارَ منها شيئاً، لأنه كانوا أغنياء، فقال بعض الأنصار: لنا سَهْمنا مِنْ هذا الفَيْء، فأنزل الله الآية. ويقال الدُّولة في المال بالضم. والدَّولة في الحرب بالفتح. ومنه الحديث: إنهم يدَالون كما تنصرون. ويقال الدولة - بالضم: اسم الشَّيْءِ الذي يتَداول بعينه. والدَّولة بالفتح: الفعل. (دِين) : له خمسة معان: الملة، والعادة، والجزاء، والحساب، والقهر. قال تعالى: (إنَّ الدِّيْنَ عِنْدَ اللهِ الإسلام) . (مالك يوم الدين) . (ما كان ليَأخذَ أخاه في دِين الملك) ، أي في حكم الملك. (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) (يومئذ يُوَفّيهم الله دِينَهم الحقَ) ، أي الحساب. والدّين بمعنى الدينونة والمذهب، يقال دين فلان. قال ﵇: " كما تَدِين تُدَان ". (دُكَّت الأرْض) : أي دقّت جِبَالها حتى استوت مع وجه الأرض. (دِفْء) ، ما استدفىء به من جلود الأنعام وأصوافها من الثياب. (دِهَان) : جمع دهن. وأما قوله تعالى: (فكانَتْ وَرْدَةً كالدهان) ، - فإنما شبّه السماءَ يوم القيامة به لأنها تذوب من شدة الهول. وقد شبّه لمعانها بلمعان الدُّهن. وقيل: إن الدّهن هو الجلد الأحمر. (دينار) ، حكى الجواليقي وغيره أنه فارسي. (دِهَاقا) : أي ملأى. وقيل صافية، والأول أشهر.

стр. 566

(دونَ) : ترد ظرفاً نقيض فَوْق فلا تنصرف على المشهور. وقيل: تنصرف، وبالوجهين قرئ: ومنا دون ذلك بالرفع والنصب. وتَرِد اسماً بمعنى غير، نحو: (اتخَذوا مِنْ دونِه آلهةً) ، أي غيره. وقال الزمخشري: معناه أدْنى مكان من الشيء، وتستعمل للتفاوت في الحال، نحو: زيد دون عمر، أي في الشرف والعلم. واتّسع فيه فاستعمل في تجاوز حدٍّ إلى حد. نحو: (أولياء من دون المؤمنين) ، أي لا تجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين.

стр. 567

(حَرف الذال المعجمة) (ذو الكفْل) : قيل: هو ابن أيّوب. وفي المستدرك عن وهب - أنَّ الله بعث بعد أيوب ابنه، واسمه بشر بن أيوب نبيئاً، وسماه ذا الكفْل وأمَرَهُ بالدعاء إلى توحيده، وكان مقما بالشام عُمْره حتى مات وعُمْزه خمس وسبعون سنة. وفي العجائب للكرماني: قيل: هو إلياس. وقيل يوشع بن نون. وقيل هو نبي اللَه ذو الكفل. وقيل كان رجلاً صالحاً تكفل بأمور فوفَّى بها. وقيل: هو زكرياء في قوله: (وكَفَّلَهَا زكريّا) . وقال ابن عسكر: هو نبىء تكفّلَ الله له في عمله بضِعْفِ عمل غيْرِه من الأنبياء. وقيل: لم يكن نبياً، وأن اليسع استخلفه فتكفّل له أن يصوم النهار ويقوم الليل. وقيل أن يصلي كل يوم مائة ركعة. وقيل هو اليسع، وإن له اسمين. (ذو القرنين) : اسمه إسكندر. وقيل: عبد الله بن الضحاك بن سعد. وقيل هو المنذر بن ماء السماء. وقيل: الصعب بن قرين بن الهمال، حكاه ابن عسكر. ولُقَبَ ذا القَرْنَيْن، لأنه بلغ قَرْنَي الأرض المشرق والمغرب. وقيل: لأنه ملك فارس والروم. وقيل: كان على رأسه قَرْنان، أي ذؤَابتان. وقيل: كان له قرنَان من ذهب. وقيل: لأنه ضرِب على قرنه فمات، ثم بعثه الله فضربوه على قرنه الآخر. وقيل: لأنه كان كريم الطرفين. وقيل: لأنه انقرض في وقْته قَرْنَان من الناس، وهو حيّ. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر والباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.

стр. 568

(ذَلول) : أي ذللت للحرث، والمراد بها بقرة بني إسرائيل - يعني أنها غير مذَللة للعمل. (ذَكّيْتُم) : قطعتم أوداجَه، ونَهَرْتم دمَه، وذكرتم اسم الله عليه. وأصل الذكاة في اللغة تمام الشيء، ومن ذلك ذكاء السن، أي تمام السن. أي النهاية في الشباب. والذكاء في الفهم أن يكون فهماً تامّاً سريع القبول. وذكّيت النار: أتممت إشعالها. وقوله: (إلاَّ ما ذَكَّيْتم) ، أي أدركتم ذَبْحَه على التمام. قيل: إنه العِرْق المنقطع، وذلك إذا أريد بالمنخنقة ونحوها ما مات من الاختناق، والوقذ والتردّي والنطح وأكل السبع. والمعنى حرمت عليكم هذه: الأشياء لكن ما ذَكَّيْتم من غَيْرِها فهو حلال. وهذا القول ضعيف، لأنها إذا ماتت بهذه الأسباب فهي مَيْتة، فقد دخلت في عموم الميتة، فلا فائدة لذِكْرِها بعدها. وقيل: إنه استثناء متّصل، وذلك إن أريد بالمنخنقة وأخواتها ما أصابته تلك الأسباب، وأدركت ذكاته. والمعنى على هذا: إلا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء فهو حلال. ثم اختلف أهل هذا القول: هل يشترط أن تكون لم ينفذ مقاتلها أم لا. وأما إذا لم تشرف على الموت من هذه الأسباب فذكاته جائزة باتفاق. (ذات الصّدور) : حاجاتها وما يخطر لها (ذَرَأكم) : خلقكم. ومنه: (ولقد ذَرَأنا لجهنَّمَ) . (ذَنوب) - بفتح المعجمة: نصيب. ومنه: (ذَنوباً مثل ذَنوب أصحابهم) . ويريد به هنا نصيبا من العذاب. وأصل الذَّنوب الدَّلْو، والمراد بالضمير كفّار قريش وأصحابهم ممّنْ تقدم ذِكْرهم. (ذَرْغها سبعون ذِرَاعاً) ، أي طولها، ومبلغ كيلها. واختلف في مبلغ هذا الذراع، فقيل: إنه الذراع المعروف. وقيل: بذراع الملك.

стр. 569

وقيل: سبعون باعاً كل باع كما بَيْنَ مكّةَ والمدينة. وللَه دَر الحسن البَصْري في قوله: الله أعلم بأي ذراع هي، فإن السبعين من الأعداد التي تَقْصِد بها العَرب التكثير. ويحتَمل أن تكون هذه السلسلة لكل واحدٍ مِنْ أهل النار، أو تكون بين جميعهم. وروي أن هذه السلسلة تدخل في فَمِ الكافر، وتخرج من دبره. فاسلكوه على هذا من المقلوب في المعنى، كقولهم: أدخلت القلنسوة في رَأسي. وروي أنها تُلْوَى عليه حتى تلمّه وتضغطه، فالكلام على هذا على وجهه، وهو السلوك فيها. وإنما قدّم قوله: في سلسلة - على: " اسلكوه " لإرادة الحصْرِ، أي لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة، وكذلك قدّم الجحيم على صَلّوه لإرادة الحَصْرِ أيضاً. (ذُلُلًا) : جمع ذلول، وهو السهل اللين الذي ليس بصعب. ومنه: (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا) - يعني الطرق في الطيران. وأضافها إلى الرَّبِّ لأنها ملكه وخَلْقه. ويحتمل أن يكون قوله: ذللاً - حالاً من السّبل. قال مجاهد: لم يتوعّر قط على النحل طريق. أو حالاً من النحل، أي منقادة لما أمرها الله به. (ذرّية) : فعلية من الذَّر، لأن الله تعالى أخرج الْخَلْقَ مِنْ صلْبِ آدم كالذّر. وقيل: أصل ذرية ذرّورة على وزن فُعْلُولة، فلما كثر التصريف أبدلت الراء الأخيرة ياء فصارت ذروية، ثم أدغمت الواو في الياء فصارت ذرية، وهم أولاد الرجل وأولاد الأولاد وإنْ بَعَدوا. وقيل: ذرية فعلية أو فعيلَة من ذرأ الله الخلق فأبدلت الهمزة ياء، كما أبدلت في نبيٍّ. وذكر في العقد لابن عبد ربه أن الحجاج عتب على يَحْيى بن يعمر فقال له: أنت الذي تقول إنَّ الحسَيْن ابن رسول الله، فقال: نعم. قال: والله لئن لم تَأتني بالمخرج لأضْربَنّ عنقك. فقال: قال تعالى: (وتلك حجَّتنَا آتيْنَاها إبراهيمَ على قَوْمِه ... ) . ٨٣،، إلى قوله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى) . فقال له: فمن أَبْعَدُ؟ عيسى ﵇ من إبراهيم أم الحسين من محمد ﷺ -

стр. 570

فقال الحجاج: واللَه ما كأني قَرَأتها. ثم وَلّاه قضاء بلدِه، فلم يزل بها قاضياً حتى مات. وتأمّلْ هذا، فإنَّ النزاع إنما هو في تسمية ابن البنْتِ ابناً، وغاية ما في هذه الآية أنه جعل عيسى من الذرية، لأن عيسى ليس له أَب فهو ابن بنت نوح. ولا شك أن الابن أخص من الذرية. والنص في القضية قوله ﵇: إن ابني هذا سيِّد ... الحديث. وقوله تعالى: (وحلَائل أبنائِكم) ، فإن اللخميّ وغيره حكى الإجماع في مذهب مالك وغيره على دخول ابن البنت فيها. (ذِلَّة) : صغار ومسكنة. (ذِكْر ى لهم) : فيها وجهان: أحدهما: أن المعنى ليس على المؤمنين حساب الكفار، ولكن عليهم تذكير لهم ووعظ، وإعراب ذكرى على هذا نصب على المصدر، تقديره يذكروا ذكرى. أو رفع على المبتدأ تقديره عليهم ذكرى. والضمير في لعلهم عائد على الكفَّار، أي تذكرونهم رجاء أن يتّقوا، أو عائد على المؤمنين، أي يذكرونهم ليكون تذكيرهم ووعظهم تَقْوى الله. والثاني: أن المعنى ليس نهي المؤمنين عن القعود مع الكافرين بسبب أنَّ عليهم من حسابهم شيئاً، وإنما هو ذكرى للمؤمنين. وإعراب ذكرى على هذا خبر ابتداء مضْمر، تقديره: ولكن نهيه ذكرى. أو مفعول من أجله، تقديره إنما نهوا ذِكرى. والضمير في لعلهم على هذا للمؤمنين لا غير. (ذكر) : وَرَدَ على أوْجه: ذكر اللِّسان: (فاذْكروا اللهَ كذِكْرِكُمْ) . وذكر القلب: (ذكَروا اللَهَ فاستَغْفَروا لذنوبهم) . والحفظ: (واذْكُروا ما فيه) . والطاعة والجزاء: (فاذْكروني أذْكركم) . والصلوات الخمس: (فإذا أمِنْتم فاذْكرُوا الله) . والعظمة: (فلما نسوا ما ذكّروا به) . والبيان: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ) .

стр. 571

والحديث: (اذكرْني عند ربِّك) ، أي حدثه بحالي. والقرآن: (ومَنْ أعرض عن ذِكْري) . (ما يَأتيهم من ذِكْر من ربهم) . والتّوْراة: (فاسْألوا أهل الذكر) . والخبر: (سأتْلُو عليكم منه ذِكْرا) . والشرف: (وإنّه لذِكْرٌ لك ولقومك) . والعيب: (أهذا الذي يذكر آلهتكم) . واللوح المحفوظ: (مِن بَعْدِ الذِّكْرِ) . والثناء: (وذكروا الله كثيرا) . والوحي: (فالتاليات ذِكرا) . والرسول: (ذكْراً. رسولاً) . والصلاة: (ولَذِكر اللَه أكبر) . وصلاة الجمعة: (فاسْعَوا إلى ذِكْر الله) . وصلاة العصر: (عن ذِكْرِ رَبي) . (ذِمَّة) : عهد. وقيل: الذمة التذمّم ممن لا عَهْدَ له، وهو أن يلزمَ الإنسان ذماً أي حقائق واجبة عليه، مجري مَجْرَى المعاهدة من غير معاهدة ولا تحالف. (ذبحٌ عظيم) : اسم لما يذْبح، وأراد به الكَبْشَ الذي ذبحه ولَد آدم، وفدّى الله إسماعيل من الذبح، ولذلك وصفه بعظيم، لأنه تَقَبّلَه اللَه منه وربّاه في الجنة. وفي القصص: إن الذبيح قال لإبراهيم: اشدد برباطي لئلا أضطرب، واصرِفْ بصرك عئي لئلا ترحمني. فلما أمَرَّ الشفْرة على حَلْقه ولم تقطع، لأن المراد الوصل لا القطع، كأنه يقول: يا إبراهيم امتثل، ويا سكّين لا تقطع، لأن لي في أمره سرا وتدبيرا. وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية تركناه لطوله وعدم صحته. فإن قلت: كيف قال: (ونادَيْنَاه أنْ يا إبراهيم قد صدَّقْتَ الرؤيَا) ولم يذبح؟ فالجواب: أنه فعل ما قَدر عليه، ونِيَّتُه امتثال الأمر ولو لم يفْدِه الله. لذبحه، وامتناع الذّبح إنما كان من عند الله. والمدْحُ إنما يكون على النية، ونيّة المؤمن خيْر من عمله.

стр. 572

(ذَرْ) حيثما ورد في القرآن بمعنى اترك، وهي منسوخةٌ بآية السيف. وقيل: تهديد، فلا متاركة ولا نسخ فيها. (ذَكِّرْ به) ، الضمير عائد على الدين، أو على القرآن. (ذُو) : بمعنى صاحب، وضِعَ للتوصل إلى وصف الذوات بأسماء الأجناس، كما أن الذي وُضعت وصلة إلى وصف المعارف بالجمل. ولا يستعمل إلا مضافاً، ولا يضَاف إلى ضمير ولا مشتق. وجوَّزَه بعضهم، وخرج عليه قراءة ابن مسعود: (وفَوْق كلِّ ذِي عَالم عليم) . وأجاب الأكثرون عنها بأن العالم هذا مصدر كالباطل، أو بأن ذي زائدة. قال السهيلي: والوصف بذو أبْلَغ من الوصف بصاحب. والإضافة لأنها أشْرَف، فإن ذو يضاف للتابع وصاحب يضاف - إلى المتبوع، تقول أبو هريرة صاحب النبي، ولا تقول النبي صاحب أبي هريرة. وأما ذو فإنك تقول: ذو المال وذو الفرس، فتجد الاسم الأول متبوعاً غير تابع، وبُنِي على هذا الفرق أنه قال تعالى في سورة الأنبياء: (وذا النُّون) . فأضافه إلى النون، وهو الحوت. وقال في سورة ن: (ولا تَكنْ كصَاحِب الحوت) . قال: والمعنى واحد، ولكن بين اللفظين تَفَاوُت كبير في حُسْنِ الإشارة إلى الحالين، فإنه لما ذكره في معرض الثناء عليه أتى بذي، فإن الإضافة بها أشرف، وبالنون، لأنه لفظ أشرف من لفظ الحوت، لوجوده في أوائل السور، وليس في لفظ الحوت ما يشرفه لذلك، فأتى به وبصاحبٍ حين ذكره في معرض النهي عن اتباعه

стр. 573

(حَرف الراء المهملة) (رَبّ) له أربعة معان: الإله. والسيّد. والمالك للشيء. والمصْلِح للأمر. وكلها تصلح في رَبّ العالمين، إلا أن الأرْجحَ معنى الإله، لاختصاصه باللهِ تعالى، كما أن الأرجح في العالمين أن يُراد به كل موجودٍ سوَى الله تعالى، فيعمّ جميع المخلوقات. (رحمن) ، ذو الرحمة، ولا يوصف به غَيْر الله. (رحيم) : عظيم الرحمة. (رسول) : قد ذكرنا أن الرسالة والإرسالَ بمعنى واحد. والرسول: المتحمِّل للرسالة إلى الأمة، فكلّ رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فالرسول الذي يأتيه جبريل بالوحي من عند الله لإنذار الخَلْق. وأما من أوحي إليه في النام فليس برسول. وقد اجتمع أنواع الوحي في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ، وكلها اجتمعت في نبينا ومولانا محمد ﷺ . (رَيْب) : شك. ومنه: (ارْتَا بُوا) . ومريب، (ورَيْبَ المنُون) : حوادث الدهر. فإن قلت: هَلّا قدم قوله تعالى: (لا رَيب فيه) ، كقوله تعالى (لا فيها غَوْل) ؟ فالجواب أنه إنما قصد نفي الرَّيب عنه، ولو قدم (فيه) لكان إشارةً إلى أن ثَمَّ كتاباً آخر فيه رَيْب، كما أن (لا فيها غَوْل) إشارة إلى أن خَمْر الدنيا

стр. 574

فيها غول. وهذا المعنى يبعد قَصْده، فلم يقدم الخبر، وإنما نفى الشك عنه أنه من عند الله في اعتقاد أهل الحق، وفي نفس الأمر. وأما اعتقاد أهل الباطل فلا عبرة وقد قيل: إنَّ خبر لا في قوله: (فيه) ، فيوقف عليه. وقيل خبرها محذوف فيوقف على لا رَيْب. والأول أرجح لتعيّنه في قوله: لا رَيْب فيه في مواضع أخر. (رَغَدا) : كثيرا واسعاً بلا غنى. (رَفَث) ،: نكاح. ويقال أيضاً للإفصاح بما يجب أن يكنى عنه مِنْ ذكر النكاح. ويقال أيضاً: للفحش من الكلام. (رَؤوف) : شديد الرحمة. (رَاسِخون في العلم) : هم الذين رسخ إيمانهم، وثبت، كما يرسخ النخل في منابته. (رَاعِنَا) : أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن ابن عباس، قال: راعنا - سبّ بلسان اليهود، وكان المسلمون يقولون لرسول الله ﷺ : راعنَا، وذلك من المراعاة، أي راقبنا وانظرنا، فكان اليهود يقولونها ويعنون بها معنى الرعونة على وجه الإذاية للنبي ﷺ ، وربما كانوا يقولونها على معنى النداء. فنهى الله المسلمين أن يقولوا هذه الكلمة لاشتراك معناها بين ما قصده المسلمون وما قصده اليهود، فالنَّهى سَدٌّ للذريعة. وأمروا أن يقولوا: (انْطرْنَا) ، لخلوِّه عن ذلك الاحتمال الملزوم، وهو من النظر، أو الانتظار. وقيل: إنما نهي المسلمون عنها لما فيه من الجفاء وقلة التوقير. (رَمْزا) : إشارة باليد أو بالرّأس أو غيرهما، فهو استثناء منقطع. قال ابن الجوزي في فنون الأفنان: من المعرّب. وقال الواسطي: هو تحريك الشفتين بالعبرانية.

стр. 575

(رَبَّانِيِّين) : جمع ربانيّ، وهو العالم. وقيل الذي يربّ الناس بصغار العلم قبل كبره. قال الجواليقي: قال أبو عبيدة: العرب لا تعرف الربانيين، وإنما يعرفها الفقهاء وأهل العلم. قال: وأحسب الكلمة ليست بعربية، وإنما هي عبرانية أو سريانية. وجزم أبو القاسم بأنها سريانية. قال محمد ابن الحنفية حين مات ابن عباس: اليوم مات ربانيّ هذه الأمة. وقال أبو العباس ثعلب: إنما قيل للفقهاء ربّانيّون، لأنهم يربّون العلم، أي يقومون به. (رَابِطوا) : أقيموا في الثّغُورِ مُرَابطين، واربطوا خَيْلَكم مستعدين للجهاد. وقيل: هو مرابطة العبْد فيما بينه وبين الله تعالى، أي معاهدته على فعل الطاعات وترك المعصية. والأول أظهر وأشهر، لقول رسول الله ﷺ : " رِبَاط يَوْمٍ في سبيل الله خَيْرٌ من صيام شهرٍ وقيامه ". وأما قوله ﷺ في انتظار الصلاة: فذلكم الرِّباط - فهو تشبيه بالرباط في سبيل الله لِعظَم أجْره. والمرابط عند الفقهاء: هو الذي يسكن الثغور ليرَابط فيها، وهي غَيْر موطنه. وأما سكناها دائماً للمعاش فليسوا بمرابطين، ولكنهم حماة. حكاه ابن عطية. وقال غيره: إذا سكن بأهْلِه بقَصْد إعفافه وقيامها بشؤونه فيعد منهم. وفضل الله أوْسع. (ربُّكم) : أي مرَبّيكم بالنعم. قال الطيبي بعد كلام نَقَله: الفرق بين قوله اعبدوا الله - وبين قوله: اعبدوا ربكم - أن في الثاني إيجاب العبادة بواسطة النعمة التي بها قوامهم، وفي: اعبدوا إيجاب عبادته لمراعاته من غير واسطة، فحيث ذكر الناس بقوله: (يا أيها الناس) ذكر الربوبية، كقوله: يا أيها الناس اتَّقوا ربكم. وحيث ذكر الإيمان، بقوله: يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله. (رَقِيباً) ، أي حافظا، وهو من أسماء الله. وإذا تحقَّقَ العَبْد بهذا الاسم العظيم وأمثاله استفاد مقام المراقبة، وهو مقام شَرِيف، أصله علم

стр. 576

وحال، ثم يثمر حالين، أما العِلْم: فهو معرفة العبد بأن الله مطَّلع عليه، ناظِرٌ إليه، يرى جميع أعماله، ويسمع جميع أقواله، وكلّ ما يخطر على باله. وأما الحال: فهو ملازمة هذا العلم للقلب بحيث يغلب عليه ولا يغفل عنه. ولا يكفي العلم دون هذه الحال. فإذا حصل العلم والحال كانت ثمرتهما عند أصحاب اليمين الحياء من الله - وهو يوجب بالضرورة ترك المعاصي، والجد في الطاعات، وكانت ثمرتهما عند الْمقَرّبين المشاهدة التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال، وإلى هاتين الثمرتين أشار ﷺ بقوله: " الإحسان أن تَعْبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك "، إشارة إلى الثمرة الثانية وهي المشاهدة الموجبة للتعظيم، كمن يشاهد ملكاً عظيما فإنه يعظمه إذ ذاك بالضرورة. وقوله: فإنْ لم تَكنْ تَرَاه فإنّه يَرَاك، إشارة إلى الثمرة الأولى. ومعناه إن لم تكن من أهل المشاهدة التي هي مقام المقربين فاعلم أنه يراك، فإنه من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين، فلما فسر الإحسان أول مرة بالمقام الأعْلَى رأى أن كثيراً من الناس قد يعجزون عنه، فنزل عنه إلى المقام الآخر. واعْلَم أَنَ المراقبةَ لا تستَقِيم حتى تتقدَّم قبلها المشارطة والمرابطة، ويتأخر عنها المحاسبة والمعاقبة. فأما المشارطة: ففي اشتراطِ العَبْد على نفسه التزام الطاعة، وترك المعاصي. وأما المرابطة: فهي معاهدة العبد لربِّه على ذلك، ثم بعد المشارطة والمرابطة في أَوَّلِ الأمر تكون المراقبة إلى الرب. وبعد ذلك يحاسب العبد نفسه على ما اشترطه وعاهد عليه، فإنْ وجد نفسه قد وفّى بما عاهد عليه الله حَمِد الله، وإنْ وجد نفسه قد حلّ عَقْد المشارطة، ونقض عقد المرابطة - عاقب النفس عقاباً بأن يزجرها عن العَوْدَة إلى مثل ذلك. ثم عاد إلى المشارطة والمرابطة وحافظ على المراقبة، تم اختبر بالمحاسبة، فهكذا يكون العبد مع ربه.

стр. 577

(رَبائبكم) : بنات نسائِكم من غيركم، الواحدة رَبِيبة. وسميت بذلك لأنّه يربّيها، فلفظها فعيلة بمعنى مفعولة. (رَجْفة) : حركة الأرض، بمعنى الزلزلة الشديدة حيث وقعت، وذلك أن الله أمر جبريل فصاح صَيْحةً بين السماء والأرض، فمات منها قَوْم صالح. (رَحُبت) : أي ضاقت على كثرة اتساعها. (روع) : فَزع. (رَعْدا) : اسم ملك، وصَوْته المسموع تسبيح. وروي عنه ﷺ أنه قال: " إن الله يُنْشيءُ السحابَ، فينطق أحْسنَ النطق، ويضحك أحسن الضحك، فمنطقه الرّعد، وضحكه التبسم ". وقد جاء في الأثر أن صوته زجر للسحاب، فعلى هذا يكون تسبيحه غير ذلك. وقال أهل اللغة: الرَّعْد: صوت السحاب. والبرق: نور وضِيَاء يصحبان السحاب. (رَابيا) : عالياً على الماء، ومنه الربْوَة. (رَدَّوا أَيْدِيَهم في أفواههم) : فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الضمائر لقوم الرُّسل. والمعنى أنهم ردُّوا أيديهم في أفواه أنفسهم غَيْظاً على الرسل، كقوله تعالى: (عَضّوا عليكم الأناملَ مِنَ الغَيْظِ) ، واستهزاء وضحكاً، كمن غلبه الضحك، فوضع يده على فيه. الثاني: أن الضمائر لهم - والمعنى أنهم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم، إشارةً على الأنبياء بالسكوت./ @م والثالث: أنهم ردُّوا أيديهم في أفواه الأنبياء، تَسْكيتا لهم ودفْعاً لقولهم. (رَجِلِك) : جمع رَاجِل، وهو الذي يمشي على رجليه. لتقدم الخيل. وقيل: هو مجاز واستعارة، فهو بمعنى افعل جهدك.

стр. 578

وقيل: إن له من الشيطان خَيْلاً ورجلاً. وقيل: المراد فرسان الناس ورجالتهم المتصرفون في الشر. (رَقِيم) : لوح كتب فيه خبر أهل الكهف، ونصبه على باب الكهف. وقيل: كتاب فيه شرعهم ودينهم. وقيل: هي القرية التي كانت بإزاء الكهف. وقيل: الجبل الذي فيه الكهف. وقيل: اسم كلبهم. قال الأصمعي: كنت لا أدري ما الرَّقيم حتى مررت بولد أعرابي، وهو يقول: يا أبت تعلق الرقِيم بالأديم، فطردته فتبارك الجبل، أي ارتفع. وقال ابن عباس: لا أدري ما الرَّقيم. (رَتْق) : مصدر وصف به، ومعناه الملتصق بعضه ببعض الذي لا صَدعْ فيه ولا قبح. (ربَتْ) : ارتفعَتْ. (رحمةً للعالمين) : المراد به نبينا ومولانا محمد ﷺ ، وانتصاب رحمة على أنه حال من ضمير المخاطب المفعول. والمعنى على هذا أن النبي ﷺ هو الرحمة. ويحتمل أن يكون مصدراً في موضع الحال من ضمير الفاعل، تقديره أرسلناكَ راحماً للعالمين. أو يكون مفعولاً من أجله. والمعنى على كلِّ وَجْهٍ: أن الله رحم العالمين بإرسال هذا النبي الرحيم إليهم. لأنه جاءهم بالسعادة الكبرى، والنجاة من الشقاوة العظمى، ونالوا على يديه الخيراتِ الكثيرة في الآخرة والأولى، وعلَّمهم بعد الجهالة، وهداهم بعد الضلالة. فإن قلت: رحمة للعالمين عموم، والكفار لم يرحموا به؟. فالجواب من وجهين: أحدهما - أنهم كانوا معرَّضين للرحمة به لو آمنوا، فهم الذين تركوا الرحمة بعد تعريضها. والآخر - أنهم رُحموا به لكونهم لم يعاقَبوا بمثل ما عُوقب به الكفّار المتقدمون، من الطوفان والصيحة وغير ذلك.

стр. 579

(رَبْوةٍ ذَاتِ قَرَارٍ ومَعِين) - بضم الراء وفتحها وكسرها: الأرض المرتفعة. والقرار المستوي من الأرض، فمعناه أنها بسيطة يتمكَّن فيها الحرث والغراسة. وقيل: القرار هنا الثمار والحبوب. والعين: الماء الجاري، فقيل: إنه مشتقّ من العين، فالميم زائدة ووزْنه مفعول. واختلف في موضع هذه الرّبْوة، فقيل، بيت القدس، وقيل: بغُوطة دمشق. وقيل: فلسطين. (رَءُوفٌ رَحِيمٌ) : من أسمائه ﷺ ، مُشْتَقَّان من أسماء الله، وقد اشتق له من اسمه نحو السبعين اسماً، وهذه خصوصية له ﷺ ، كالكريم، والخير، والحق البين، والشا هد، والشهيد، والعظيم، والجبّار، والفاتح، والشكور، وغير ذلك مما يطول ذكرها. (رَكوبُهم) - بفتح الراء: هو الركوب. (رَسّ) : معدن، وكل ركيّة لم تُطْوَ فهي رَسّ. وفي العجائب للكرماني: أنه أعجمي، ومعناه البئر. (رَدِفَ لكم) : أي تبعكم، واللام زائدة، أو ضُمّن معنى قَرب، فتعدى باللام. ومعنى الآية: أنهم استَعْجَلوا العذاب بقولهم: متى هذا الوَعْد، فقيل لهم: عسى أن يكون قَرب لكم بعض العذاب الذي تستعجلون، وهو قتلهم يوم بَدْر. (رَمِيم) : بالية متفتّتة. (راغ إلى آلِهَتِهم) : أي مال إليها، فقال لهم: ألا تَأْكلون! على وجه الاستهزاء بالذين يعبدون تلك الأصنام. فإن قلت: ما وَجْهُ دخولِ الفاء في آية الصافّات وحذفها من الذاريات؟ فالجواب: إنما أدخلها في الصافّات لأنها لم تتكرر، فقالها للأصنام على جهة التوقيف على الأكل والنطق والمخاطبة للأصنام، والقصدُ الاستهزاء بعابديها، إذ

стр. 580

كانوا يتركون في بيوت الأصنام طعاماً، ويعتقدون أنها تصيب منه سيئا، ونحو هذا من المعتقدات الباطلة، ثم كان خدَمة البيت يأكلونه. وحذَفَها في الذاريات لتكررها قبله. ويحتمل أن تكون حثًا على الأكل، أو تكون الهمزة للإنكار دخلت على لا النافية. (روَاكدَ على ظَهْرِه) ، أي سواكِنَ. ومعناه لو أراد الله أن يسكن الرياح، أو تهديد بإسكانه. (رَهْوًا) ، أي ساكناً على هيئته بالسريانية. وقيل: يابساً. وروي أن موسى لما جاوز البحر أراد أن يضربه بعصاه فينطبق، كما ضربه فانْفَلق، فقال الله له: اتركه كما هو ليدخله فرعون وقومه فيغرقوا. وقيل: معنى (رَهْوًا) سهلاً. وقيل: منفرجاً. وروي أن الله أوحى إلى البحر إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له، فبات يضطرب من خَوْفِ الله وفرحاً بخطابه، وأنتَ يا عبد الله خاطبك بكلامه. وأكرمك بأمْرِه ولا تمتثل! بئس العبد، ولنعم الرب! (رَقٍّ مَنْشور) : الصحائف التي تخرج إلى بني آدم يوم القيامة. والرّقّ في اللغة: الصحيفة. وخصّصت في العُرْف بما كان من جِلْد. والنشور: خلاف الْمَطْوِي. (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) : مشرقي الصيف والشتاء ومغربيها. وقيل مشرقي الشمس والقمر ومغربيهما. (رَوْح ورَيْحان) : الروح الاستراحة، وقيل الرحمة. وروي أنَّ رسولَ الله ﷺ قرأ: فروحٌ - بضم الراء، ومعناه الرحمة. وقيل: الخلود، أي بقاء الروح. وأما الريحان فقيل: إنه الرزق. وقيل: الاستراحة. وقيل: الطيب. وقيل، الريحان المعروف في الدنيا يلقاه المؤمن في الجنة. وهو قوله: (رَوْح وريحان) ضَرْب من ضروب التجنيس.

стр. 581

(رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) ، أي بيّنْه وتمهّل في قراءته بالمدِّ وإشباع الحركات وبيان الحروف، وذلك معين على التفكر في معاني القرآن. بخلاف الهذّ الذي لا يفقه صاحبه ما يقول، ولذا كان ﷺ يقطع في قراءته حرفاً حرفاً ولا يمر بآية رحمة إلاَّ وقف وسأل، ولا بآية عذابٍ إلا وقف وتعوَّذ. وقام بآية من القرآن ليلة: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا) . وكان يصعق لبعض الآيات. وقد أفرد الناس في آداب تلاوته تواليف كالنّووي والغزالي وغيرهما. وسنذكر منها الإشارة إلى بعضها: أخرج من حديث عبيدة المالكي مرفوعاً وموقوفاً: يا أهل القرآن لا تتوسَّدُوا القرآن، واتلُوه حقَّ تلاوته آناء الليل والنهار، وأَفْشُوه وتدبَروا ما فيه لعلكم تفلحون. وقد كان للسلف في قَدْر القراءة عاداتٌ، فأكثر ما ورد في قراءة القرآن مَنْ كان يختم في اليوم والليلة ثمان مرات، أربعاً في الليل، وأربعا في النهار. ويليه مَنْ كان يختم في اليوم والليلة أربعاً، ويليه ثلاثاً، ويليه ختمتين، ويليه ختمة. ويلي ذلك من كان يختم في ليلتين، ويليه من كان يختم في كل ثلاث، وهو حَسَن. وكره جماعة الختم في أقل من ذلك، لما روى أبو داود والتِّرمذي - وصحّحه، من حديث عبد اللَه بن عمر - مرفوعاً: لا يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث. ويليه من ختم في أرْبع، ثم في خمس، ثم في ست، ثم في سبْع، وهذا أوسطُ الأمور وأحسنها، وهو فعل الأكثرين من الصحابة وغيرهم. ويلي ذلك مَنْ ختم في ثمان، ثم في عشرة، ثم في شهر، ثم في شهرين. أخرج ابن أبي داوود، عن مكحول، قال: كان أقوياء أصحاب رسول الله ﷺ يقرأون القرآن في سبع. وبعضهم في شَهْرٍ. وبعضهم في شهرين. وبعضهم في أكثر من ذلك. وقال أبو الليث - في البستان: ينبغي للقارئ أن يختم في السنة مرَّتيْن إن لم يقدر على الزيادة.

стр. 582

وقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، قال: من قرأ القرآن في كل سنة مرَّتْين فقد أدَّى حقَّه، لأن النبي ﷺ عرض على جبريل في السنة التي قبض فيها مرتين. وقال غيره: يُكْرَه تأخير خَتْمِه أكثر من أربعين يوماً بلا عذْر. وقال النووي في الأذكار: المختار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص. فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقْتَصِرْ على قَدْرٍ يحصل له كمالُ فَهْم ما يقرأ، وكذلك من كان مشغولاً بنشر العلم، أو فصل الحكومات، أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له ولا فوات كماله. وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حَدّ الملل أو الهذْرَمة في القراءة. ونِسْيَانُه من أَعْظَمِ الذنوب، كما صحَّ: عرِضت عليَّ ذنوبُ أمتي فلم أرَ ذَنْبًا أعظم من سورة القرآن أو آية أوتيها رجلٌ فنسيها. ويستحب الوضوء لقراءته. وإذا كان يقرأ فعرضت له ريح أمسك عن القراءة حتى يستتم خروجها. وكذلك إن كان يكتبه. ويطيِّب فمه ما أمكنه، ويجلس مستقبلاً متخشّعاً خائفاً وَجِلاً، مطرقاً رأسه حياء ممنْ هو يخاطبه. ويتعوَّذ باللهِ من الشيطان الرجيم. وليحافظ على قراءة البسملة أول كل سورة. ولا يحتاج إلى نيّة إلا إذا نذرها خارج الصلاة، فلا بد من نية الفرض أو النذْر. وقال في شرح المهذب: واتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع، قالوا: وقراءة جُزْءٍ بترتيل أَفضل من قراءة جزءين في قَدْرِ ذلك الزمان بلا ترتيل. وفي النشر: اختلف هل الأفضل الترتيل، وقلة القراءة، أو السرعة مع كثرتها، وأحسنَ بعض أئمتنا فقال: إن ثوابَ قراءة الترتيل أجلّ قدراً، وثواب الكثرة أكثر عدداً، لأن بكل حرف عشر حسنات. ويستحبّ البكاء عند تلاوته، والتباكي لمن لا يقدر عليه، والحزن والخشوع، قال تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ) .

стр. 583

ويستحب تحسينُ الصّوْت بالقراءة، للحديث: زَيِّنوا أصواتكم بالقرآن. وأما القراءة بالألحان المطربة بحيث ألا يفرط في المدّ وفي إشباع الحركات حتى يتولَّد من الفتحة ألف، ومن الضمة واو، ومن الكسرة ياء، ويدغم في غير موضع الإدغام - فلا بأس. وإن انتهى إلى هذا الحدّ فحرامٌ يفسقُ به القارئ. ويَأْثَم به المستمع، لأنه عدل به عن نهجه القويم. ولا بَأْسَ باجتماع الجماعة في القراءة، ولا بإدارتها، وهي أن يقرأ بعضُ الجماعة قطعةً ثم البعض قطعةً بعدها. وتستحَبّ قراءته بالتفخيم، لحديث الحاكم: نزلَ القرآن بالتفخيم. قال الحليمي: ومعناه أن يقرأه على قراءة الرجال، ولا يُخْضِع الصوت فيه ككلام النساء. قال: ولا يدخل في هذا كراهة الإمالة التي هي اختيار بعض القراء. وقد يجوز أن يكون نزل القرآن بالتفخيم، فيرخص مع ذلك في إمالة ما تحسن إمالته. ووردت أحاديثُ باستحباب رَفْعِ الصوت بالقراءة، وأحاديث تقْتَضِي الإسرار وخَفْض الصوت. وقال بعضهم: يستحب الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها، لأن الْمسِرَّ قد يملّ فيأنس بالجهر، والجاهر قد يكلّ فيستريح با لإسرار. والقراءة في المصحف أفضل من القراءة من حفظه، لأنه أبْعَد من الرياء. وأجمع للفكر، والنظر فيه عبادة مطلوبة. قال النَّوَوِي: ولو قيل: إنه يختلف باختلاف الأشخاص فيُختار القراءة فيه لمن استوى خشوعه وتدبره في حالتي القراءة فيه ومن الحفظ. ويختار القراءة من الحفظ لمن يكمل بذلك خشوعه، ويزيد على خشوعه وتدبّره لو قرأ من المصحف - لكان هذا قولاً حسناً. وإذا أرْتج على القارئ فلم يَدْرِ ما بعد الموضع الذي انتهى إليه، وسأل عنه

стр. 584

غيره، فينبغي أن يتأدب بما جاء عن ابن مسعود والنخعي وبشير بن أبي مسعود، قالوا: إذا سأل أحَدُكم أخاه عن آية فليقرأْ ما قبلها ثم يسكت، ولا يقول: كيف كذا وكذا، فإنه يلبّس عليه. وقال مجاهد: إذا شك القارئ في حَرْفٍ، هل هو بالتاء أو - بالياء فليقرأه بالياء، فإن القرآن مذكّر. وإن شكَّ في حرف هل هو مهموز أو غير مهموز فليترك الهمز. وإن شك في حَرْفٍ هل يكون موصولاً أو مقطوعاً فليقرأه بالوصل. وإن شك في حَرْفٍ هل هو ممدود أو مقصور فليقرأه بالقصر. وإن شك في حرف هل هو مفتوح أو مكسور فليقرأه بالفتح، لأن الأول غير لَحْن في بعض المواضع، والثاني لحن في بعض المواضع. ويكره قطعُ القراءة لمكالة أحد. قال الحليميّ: لأن كلام الله لا ينبغي أن يؤثر عليه كلام غيره. وأيّدَه البيهقي بما في الصحيح: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغَ منه. ويكره أيضاً: الضحك، والعبَث، والنظرُ إلى ما يُلْهي. ولا تجوز قراءته بالعجميّة مطلقاً، سواء أحسن العربية أم لا، في الصلاة أو خارجها. وعن أبي حنيفة أنه يجوز مطلقا، لكن في شرح البرذدويّ أنَّ أبا حنيفة رجع عن ذلك. ووجه الْمَنْعِ أنه يُذهب إعجازه المقصودَ منه. وعن القفّال من أصحابنا: أن القراءة بالفارسية لا تتَصَوَّر. قيل له: فإذَنْ لا يقدر أحَذ أنْ يفسّر القرآن. قال: ليس كذلك، لأن هناك يجوز أن يأتي ببعض مرادِ الله، ويعجز عن البعض. أما إذا أراد أن يقرأه بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مرَاد الله. لأنّ الترجمة إبدال لفظة بلفظة تقوم مقامها، وذلك غَيْر ممكن، بخلاف التفسير. والأوْلى أن يقرأ على ترتيب المصحف، لأنه لحكمة فلا يتركها. فلو فَرَّق السور أو عكسها جاز، وترك الأفضل.

стр. 585

وقال في شرح المهذب: وأما قراءة السّوَر مِنْ آخرها إلى أولها فمتَّفَقٌ على منْعِه، لأنه يذهب ببعض نَوْعِ الإعجاز، ويزيل حكمةَ الترتيب. وأخرج الطبراني بسند جيّد عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل يقرأ القرآن منكوساً. قال: ذلك منكوس القَلْب. وأما خَلْط سورة بسورة فعن الحليميّ: تَرْكه من الآداب، لما أخرجه أبو عبيد عن سعيد بن المسيَّب أن رسول الله ﷺ مَرَّ ببلال وهو يقرأ القرآن من هذه السورة ومن هذه السورة، فقال: ما هذا، قال: أخْلِط الطيب بالطيب. فقال: اقرأ القراءة على وجهها، أو نحوها. مرْسل صحيح. وأخرج عن ابن مسعود، قال: إذا ابتدأت في سورة فأردتَ أن تتحوّل منها إلى غيرها فتحوَّل إلى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. فإذا ابتدأت فيها فلا تتحول منها حتى تختمها. ونقل القاضي أبو بكر الإجماع على عدم جواز قراءة آية آية من كل سورة. قال البيهقي: وأحسن ما يحتجُّ به أن يُقال: إنَّ هذا التأليف لكتاب اللَه مأخوذٌ من جهة النبي ﷺ ، وأخذَه عن جبريل، فالأولى بالقارئ انْ يقرأه على التأليف المنقول. وقد قال ابن سيرين: تأليف الله خَيْرٌ من تأليفكم. قال الحليمي: ويستحبُّ استيفاءُ كلِّ حرف أثبته قارئ ليكون قد أتى على جميع ما هو قرآن. قال ابن الصلاح والنووي: إذا ابتدئ بقراءة أحد من القُرّاء فينبغي ألاَّ يزال على تلك القراءة ما دام الكام مرتبطا، فإذا انقضى ارتباطه فَلَه أن يقرأ بقراءة آخر. والأولى دوامه على هذا في هذا المجلس. وقال غيرهما بالمنع مطلقا. قال ابن الجزري: والصواب أن يقال: إن كانت إحدى القراءتين مرتبة على الأخرى منع ذلك مَنْع تحريم، كمن يقرأ فتلَقَّى آدم من ربه كلمات. برفعهما أو بنصبهما، أخذ رفع آدم من قراءة ابن كثير، ورفْع كلمات من قراءته، ونحو ذلك مما لا يجوز في العربية واللغة. وما لم يكن كذلك

стр. 586

فرق فيه بين مقام الرواية وغيرها، فإن كان على سبيل الرواية حرم أيضاً، لأنه كذِبٌ في الرواية وتخليط. وإن كان على سبيل التلاوة جاز. وأفضل القراءة ما كان في الصلاة ثم الليل ثم نصفه الأخير، وما بين المغرب والعشاء محبوبة لفراغ القَلْبِ من أشغال الدنيا. وأفْضَل النهار بعد الصبح. ولا تُكْرَهُ في شيء من الأَوْقَات. وأفضلُ الذكر القرآن إلا فيما شرع فيه من الأذكار، كأذكار الليل والنهار. وعند الأكل والشرب، ودخول المنزل والمسجد، وغير ذلك. وأما ما رواه ابن أبي داود عن مُعَان بن رفاعة، عن مشايخه أنهم كرهوا القراءة بعد العصر، وقالوا: هو دراسة يهود، فَغَيْرُ مقبول، ولا أصل له. ويُخْتار من الأيام يوم عرفة ثم الجمعة ثم الإثنين والخميس، ومن الأعشار العشر الأخير من رمضان، والأول من ذي الحجة. ومن الشهور رمضان. ويُختار لابتدائه يوم الجمعة وليلتها. ولختمه يوم الخميس أو ليلته. والأفضل الختم أول النهار أَوْ أَوَّل الليل، لما رواه الدارمي بسند حسن عن سعد بن أبي وقَّاص، قال: إذا وافق ختْم القرآن أول الليل صلّت عليه الملائكة حتى يصبح، وإن وافق ختمه آخر الليل صلَّت عليه الملائكة حتى يُمْسِي. قال في الإحياء: ويكون الختم أول النهار في ركعتي الفجر، وأول الليل في ركعتي سنّة المغرب للوقت المبارك. ويستحبّ الختم في الشتاء أول الليل. وفي الصيف أول النهار. ويستحبّ صَوْم يوم الختم وإحضار أهله وولِده وأصدقائه ودعائه لهم لأنه مستجاب، كما صح. وأخرج عن مجاهد، قال: كانوا يجتمعون عند ختم القرآن، ويقولون عنده تنزل الرحمة. ويستحب التكبير من الضحى إلى آخر القرآن. قال الحليميّ: ونكتته التشبيه للقراءة بصوم رمضان إذا أكمل عدّته يكبّر، فكذا هنا يكبّر إذا أكمل عدّة السور.

стр. 587

قال: وصفته أن يَقِفَ بعد كلّ سورة وقفةً ويقول: الله أكبر، وكذا قال سليم الرازي من أصحابنا في تفسيره: يكبِّر بين كل سورتين، ولا يصل آخر السورة بالتكبير، بل يفصل بينهما بسكتة. قال: ومَنْ لا يُكَبِّر من القراء خجتهم أن في ذلك ذريعةً إلى الزيادة في القرآن، بأن يدَاوِمَ عليه فَيتَوَهّم أنه منه. وإذا فرغ من الختمة يشرع في أخرى لحديث الترمذي وغيره: أحبُّ الأعمال إلى الله الحالُّ المرتحل، الذي يقرأ من أول القرآن إلى آخره، كلما حل ارتحل. ومنع الإمام أحمد تكرير سورة الإخلاص عند الختم، لكن عمل الناس على خلافه. قال بعضهم: الحكمة فيه ما ورد أنها تعدل ثلث القرآن، فيحصل بذلك ختمة. فإن قيل: فكان ينبغي أن يقرأ أَربعاً، لتحصل ختْمتان. قلنا: المقصود أن يكَون على يقين من حصول ختمة، إمّا التي قرأها، وإمّا التي حصل ثوابها بتكرير السورة. قلت: وحاصِل ذلك يرجع إلى جبر ما لعلَّه حصل في القراءة من خلَل. وكما قاس الحليمي التكبير عند الختم على التكبير عند إكمال رمضان، فينبغي أن يقَاس تكريره سورة الإخلاص على إتْبَاع رمضان بستّ من شوال. ويكره اتخاذ القرآن معيشة يتكسَّب بها، للحديث: مَنْ قرأ القرآن فليسأل اللَه، فإنه سيأتي قومٌ يقرأون القرآن يسألون الناس به. وروى البخاري في تاريخه الكبير بسنَدٍ صالح حديث: من قرأ القرآن عند ظالم ليرفع منه لعِنَ بكل حَرْفٍ عشر لعنات. ويكره أن يقول نسيت آية كذا، بل أنسيتها، للحديث الصحيح في النهي عن ذلك. والأئمة الثلاثة عَلَى وصولِ ثَوَاب القراءة للميِّت. ومذهبنا خلافه، للآية: (وأنْ لَيْس للإنسانِ إلاَّ مَا سَعَى) .

стр. 588

وقد طوَّلنا الكلام هنا فلنرجع إلى المقصود لأن هذا الكتاب لا يسع ذلك. وقد أودعنا أكثره في كتابنا الإتقان في علوم القرآن. (رَاق) : صاحب رقْية، يعني قال أهل المريض مَنْ يرقيه حتى يشفيه الله. وقيل إن الملائكة تقول: من يرقى بروحه حتى يصعد بها إلى السماء، فالأولى من الرقية وهو أشهر، والثاني مِن الرقي إلى العلو. (تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) . قيل الراجفة النفخة الأولى في الصّور. والرادفة النّفْخة الثانية، لأنها تتبعها، ولذلك سماها رادفة، من قولك: ردفت الشيء إذا تبعته. وفي الحديث: أن بينهما أربعين يوماً. وقيل الراجفة الموت، والرادفة القيامة. وقيل الراجفة الأرض، من قولك ترجف الأرض والجبال. والرادفة السماء، لأنها تنشقُّ يومئذ. والعامل في يوم ترجف محذوف وهو الجواب المقدر، تقديره لتبعثنّ يَوْمَ ترجف الراجفة، وإنْ جَعَلْنا يوم ترجف الجواب فالعامل في يوم معنى قوله: (قلوبٌ يومئذ واجفة) ، ويكون تتبعها الرادفة في موضع الحال. ويحتمل أن يكون العامل فيه تتبعها. (رَانَ على قلوبهم) ، أي غلب على قلوبهم كسْبُ الذنوب، كما ترين الخمر على عَقْل السكران. والضمير راجعٌ على من يكسب السيئات، يطمس اللَّهُ بصائرهم حتى لا يعرفون الرشد من الغيّ، لأن المعاصي بريد الكفر. وفي الحديث: إنَّ العَبْدَ إذا أذنب ذنبا صارت نكتة سوداء في قلبه، فإذا زاد ذنباً آخر زاد السوَاد، فلا يزال كذلك حتى يتغطّى، وهو الرّين. (رَحِيق) ، خالصٌ من الشراب. وقيل العتيق منه. (رحمة) وردت على أوجه: الإسلام: (يختَصّ برحمته مَنْ يشاء) . والإيمان: (وآتانِي رحمةً من عنده) . والجنة: (ففي رَحْمَةِ الله هم فيها خالدون) . والمطر: (بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) .

стр. 589

والنعمة: (ولولا فَضْل الله عليكم ورحمته) . والرزق: (خزائن رحمة رَبّي) . والنصر والفتح: (إنْ أرَادَ بكمْ سوءاً أو أراد بكم رحمة) . والعافية: (أو أرَادَني برحْمَة) . والمودّة: (رأفة ورحمة) . والمغفرة: (كَتَب على نفسه الرحمةَ) . والعصمة: (لا عاصمَ اليَوْمَ مِنْ أمْرِ اللهِ إلّا مَنْ رَحِم) . (روح) : ورد على أوجه: الأمر: (وروح منه) . والوحي: (ينزل الملائكة بالرّوح) . والقرآن: (أوْحَيْنَا إليكَ روحاً من أمرنا) . والرحمة: (وأيّدهم بروح منه) . والحياة: (فَروح ورَيْحان) . وجبريل: (فأرْسَلْنَا زوحنا) . (نزل به الرّوح الأمين) . وملك عظيم: (يوم يقوم الرُّوحُ) . وجنْس من الملائكة: (تنزَّل الملائكة والروح فيها) . وروح البدن: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) ، أي من علم ربي لا نَعْلَمه نحن ولا أنتم، لأنه من الأمور التي استأئر الله بها، ولم يطلِعْ عليها خلْقَه، وكانت اليهود قد قالت لقريش: سَلوه عن الروح فإن لم يجبكم فيه بشيء فهو نبيٌّ، وذلك أنه كان عندهم في التوراة أن الروح مما انفرد الله بعلمها. وقال ابن بريدة: لقد مضى النبي ﷺ ولم يعرف الروح، ولقد كثر اختلاف الناس في النفس والروح حتى أنهوه إلى خمسمائة قول، وليس فيها ما يعوَّل عليه. (رُكْبَان) : جمع راكب، أي صلُّوا كيف ما كنتم ركوباً أو غيره، وذلك في صلاة المسايفة، ولا ينقص فيها عن ركعتين في السفر وأربع في الحضَر. (رُحَماء بَيْنهم) : وصفٌ للنبي ﷺ ومن آمن معه من أصحابه. واختار ابن عطية أن يكون الوصف بالشدّةِ والرحمة مختصًّا بالصحابة

стр. 590

والنبي ﷺ ، وما أخصه بالوصف بذلك، لأن الله تعالى قال فيه: (بالمؤمنين رءوف رحيم) . وقال له: (جاهِدِ الكفَّارَ والمنافقين واغلُظْ عليهم) ، فهذا هو الوصف على الكفار والرحمة بالمؤمنين. وهذه الآية كقوله: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) . (ركام) : بعضهم على بعض. (رُفَاتا) : هو الذي بلي، حتى صار غُباراً. ومعنى الآية إنكارهم للبَعْثِ، واستبعادهم أن يخلقهم الله خلقاً جديداً بعد فنائهم. (رَجْماً بالغَيْب) ، أي ظنًّا، وهو مستعارٌ من الرّجْم بمعنى الرمي. ومعنى الآية أن اليهود وغيرهم ممن تكلّم في أصحاب الكهف اختلفوا في عددهم كما أخبر الله تعالى في كتابه، وأنهم ما يعلمهم إلا قليل من الناس، وهم من أهل الكتاب. وقال ابن عباس: أنا من ذلك القليل، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم، لأنه قال في الثلاثة والخمسة رجماً بالغيب، ولم يقل ذلك في سبعة وثامنهم كلبهم. قال الزمخشري: وفائدتها التوكيد والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهذه الواو هي التي آذنَتْ بأن الذين قالوا سبعة وثامنهم كلبهم صدّقوا وأخبروا بحق، بخلاف الذين قالوا ثلاثة رابعهم كلبهم، والذين قالوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال ابن عطية: دخلت الواو في آخر إخْبَارٍ عن عددهم، لتَدل أن هذا نهايةُ ما قيل، ولو سقطت لصح الكلام. (روم) : اسم عجمي لهذا الجيل من الناس، قاله الجواليقي: وسمِّيَتْ باسم جدهم، وهو روم بن عيْصو بن إسحاق بن إبراهيم.

стр. 591

(رُخَاءً) : يعني ليّنة طيبة. وقيل مطيعة له، وحيث أصاب: أي قصد وأراد. فإن قلت: قد وصفها في الأنبياء، أنها عاصفة، أي شديدة بالجمع؟ فالجواب: أنها كانت في نفسها ليّنة طيّبة، وكانت تسْرع في جريها كالعاصف، فجمعت الوصفين. وقيل: كانت رخاءً في ذهابه وعاصفة في رجوعه إلى وطنه، لأن عادة المسافرين الإسراع في الرجوع. وقيل: كانت تشتدّ إذا رفعت البساط وتلين إذا حملته. ومعنى الأرض التي باركنا فيها أرض الشام، وكانت مسكنه وموضع ملكه. فخص في الآية الرجوع إليها لِيَدلَّ على الانتقال منها، فمن يقدر على وصف هذا الملك التي كانت الريح مركبه والإنس والجن جنوده، والطير معِينة ومحدّثه، والوحش مسخرة، والملائكة رسوله، وكان له ميدان لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وكان عسكره مائة فرسخ، وكان منزله شهراً، وكانت الجن نسجت له بساطاً من ذهب وفضة فيها اثنا عشر ألف محراب، في كل محراب كرسيّ من ذهب وفضة، على كل كرسيّ عالم من علماء بني إسرائيل، ومع ذلك لم يشغله هذا الملك عن عبادة مولاه، ولذا قال له: (هذا عطاؤنا فامْننْ أو أمْسِك بغير حساب) . (رُجَّتِ الْأَرْضُ) : زلزلت وحرِّكَتْ تحريكاً شديداً، وذلك يوم القيامة. (رُجْعَى) : أي مرجعا، وهذا تهديد لأبي جهل وأمثاله. (رِبا) : هو في اللغة الزيادة، ومنه: (يُرْبي الصدقاتِ) . واستعمل في الشرع في بيوعات ممنوعة أكثرها راجعةٌ إلى الزيادة، فإن غالب الربا في الجاهلية قولهم للغريم أتَقْضِي أم تربي، فكان الغريم يزيد في عدد المال ويَجْبر الطالب عليه. ثم إن الرِّبا على نوعين: ربا النَّسِيئة وربا التفاضل، وكلاهما يكون في الذهب والفضة، وفي الطعام.

стр. 592

فأما النسيئة فَتحْرم في بَيْعِ الذهب بالذهب، وفي بيع الفضة بالفضة، وفي بيع الذهب بالفضة، وهو الصرف. وفي بيع الطعام بالطعام مطلقا. وأمَّا التفاضل فإنما يحرم في بيع الجنس الواحد بجنْسه من النقدين ومن الطعام. ومذهب إمامنا أنه يحرم في كل طعام. ومذهب مالك أنه يحرم التفاضل في المقْتَات المدَّخر من الطعام. ومذهب أبي حنيفة أنه محرم في المكيل والموزون من الطعام وغيره. (رِبِّيّون) : جماعات كثيرة. وقيل علماء مثل ربّانيين. وذكر أبو حاتم أحمد بن حمدان اللغوي في كتاب الزّينة أنها سريانية. (رِيشا) : واحده رياثس، وهو ما ظهر من اللباس، مستعار من ريش الطير. والرياش أيضاً: الخصب والمعاش. (رِجْز) : عذاب، كقوله: (فلما كشَفْنَا عنهم الرجْزَ) ، أي العذاب، وكانوا مهما نزل بهم أمر من الأمور المذكورة عاهدوا موسَى على أن يؤْمنوا به إن كشفَه الله عنهم، فلما كشفه عنهم نَقَضوا العهد، وتمادوا على كفْرهم. ورجز الشيطان لطخه وما يدعو إليه من الكفر، وسميت الأصنام رجْزاً في قوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) ، لأنها سبب الرجز، أي سبب العذاب. وقرئ بضم الراء وكسرها. ويبْدَل الزَّاي سيناً ومعناهما واحد، كقوله تعالى: (فَزَادَتْهمْ رِجْساً إلى رِجسهم) ، أي كفْركم إلى كفرهم، فيتجدَّد عليهم العذاب بسبب كفرهم. وأما قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ) ، فهو تعديد لنعمة أخرى، وذلك أنهم عدموا الماء في غَزْوَة بَدْر قبل وصولهم إليها - وقيل بعد وصولهم - فأنزل الله لهم المطر حتى سالت الأوْدِية، وكان منهم من أصابته جنابة فتطهر به وتوضأ سائرهم، وكانوا قبله ليس عندهم ماءٌ للطّهور ولا للوضوء. وكان الشيطان قد ألقى في نفوس بعضهم

стр. 593

وَسْوَسةً بسبب عدمهم للماء، فقالوا: " نحن أولياء اللهِ وفينا رسوله "، فكيف نَبْقَى بلا ماءٍ، فأنزل الله المطر وأزال عنهم وسوسة الشيطان. (رِفد) : يرَادُ به العطاء، والعَوْن، ومنه قوله: (بئس الرِّفدُ الْمَرْفُود) ، أي العطيّة المعْطاة. ويُقَال: بئس عون المعان رضوا به. قد قدمنا أن الرضا من الله هو إرادة تنعيم المؤمنين وثوابهم وإيصال النفع لهم، وسخطه إرادة العقاب لأعدائه وإضرارهم. (رِئْياً) : بهمزة ساكنة قبل الياء. ما رأيت عليه من شارة وهَيْئة، وبغير همز بمعناه أيضا. ويجوز أن يكون من الرئي، أي منظرهم مرئيّ من النعمة. وقرئ: زيًّا - بالزاي - يعني هيئة ومنظراً. (رِكْزا) : صوت خَفِيّ. والمعنى أنهم لم يبق منهم أثر. وفي ذلك تهديد لقريش. (رِيع) : المرتفع من الأرض. وقيل: الطريق، وجمعه أرْياع وريعي. (رِعَاء) : جمع راع. (رِدْءا) ، بغير همز وبهمز على التسهيل من المهموز، بمعنى مُعِيناً، أو يكون من أرديت، أي زدت. (رِزْقَكم أنكم تكَذِّبُون) : قد قدمنا أنها توبيخ للقائلين مُطِرْنا بِنَوْءِ كذا، فجعلوا شكر الرزق التكذيب. (ركاب) : إبل، ومنه قوله تعالى: (فما أوْجفْتُم عليهِ مِنْ خَيْل ولا رِكاب) . (رُحْم) : جمع رحم، وهو فرج المرأة، ويستعمل أيضاً في القرابة. (رُوَيْد) : اسم لا يتكلم به إلا مصغَّراً مأموراً به، تصغير رود، وهو المهل.

стр. 594

(رُبَّ) : حرف في معناها ثمانية أقوال: أحدها: أنها للتقليل دائماً، وعليه الأكثرون. الثاني: للتكثير دائماً، كقوله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) ، فإنهم يكثر منهم تَمنّيِ ذلك. وقال الأولون: هم مشغولون بغمرات الأهوال فلا يفيقون بحيث يتمنّوْنَ ذلك إلا قليلا. الثالث: أنها لهما على السواء. الرابع: للتعليل غالبا والتكثير نادراً، وهو اختياري. الخامس: عكسه. السادس: لم توضع لواحد منهما، بل هي حرف إثبات لا يدل على تقليل ولا تكثير، وإنما يفعل ذلك من خارج. السابع: للتكثير في موضع المباهاة والافتخار. وللتقليل فيما عداه. الثامن: لمبْهَمِ العدد تكون تقليلاً وتكثيراً، وتدخل عليهما فتكفّهما عن عمل الجرّ. وتدخل على الجمل، والغالب حينئذ دخولها على الفعلية - الماضي فعلها لفظاً ومعنى، ومن دخولها على المستقبل الآية السابقة. وقيل: إنه على حدّ (ونُفِخَ في الصّورِ) .

стр. 595

(حرف الزاي المعجمة) (زكرياء) : كان مِنْ ذرّيَّةِ سليمان بن داود ﵉، وقتل بعد قَتْلِ ولده يحيى، وذلك أنه هرب من اليهود، فقفوا أثره، فلما دَنوْا منه رأى شجرةَ فقال لها: اكتميني، فانشقت الشجرة، فدخل فيها، ثم التأمت عليه فجاءوا فلم يجدوه، فقال لهم إبليس: هو في هذه الشجرة فأتَوْا بِمِنْشَارٍ وشقّوها على نصفين، فلما بلغ النشار إلى أمِّ رَأْسِه صاح وتأوّه، فتزلزل الملكوت فنزل عليه جبريل، وقال: يا زكرياء، إنَّ الله تعالى يقول لك: لئن قلْتَ آه مرةً أخرى لأمْحونّك من ديوان الأنبياء، فعضَّ زكرياء على شفتيه حتى شقّوه بنصفين (١) . فليتأمل العاقِل هذا التهديد والوعيد الهائل مع أنبيائه وأصفيائه، فكيف بنا الذين عميت بصائرنا، وأظلمت سرائرنا، وليعلم أن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل. قال أبو يزيد البسطامي: كنت أمشي في البادية فرأيت أربعين شابًّا من أصحاب الطريقة ماتوا عطاشاً جياعاً. فقلت: إلهي، كم تقتل الأحباب، وكم تريق دم الأصحاب، فسمِعْت قائلاً يقول: يا أبا يزيد، اقتل النفس، وأعط ديتها. فقلت: ما دية هؤلاء، فسمعت هاتفاً يقول: دية مقتول الخلق الدنيا، ودية مَقْتول الحقّ رؤية الجبَّار. وروي أنَ يحيى بن معاذ الرازي ناجى ربه في ليلة. فقال: إلهي، إن طلبتك أتعبتني، وإن هربت منك أحرقتني، وإن أحببتك قتلتني، فلا منك فرار، ولا عنك قرار.

стр. 596

وكان لزكرياء ﷺ يَوْمَ بُشَر بولده اثنان وسبعون سنة. وقيل: تسع وتسعون سنة. وقيل: مائة وعشرون. وزكياء اسم أعجمي، وفيه خمس لغات: أشهرها المد. والثانية القَصْر، وقرئ بهما في السبع. وزكريا - بتشديد الياء وتخفيفها. وزكَر - كقلَم. (زَكى، وَزَكاة) : طهارة ونماء أيضاً. وإنما قيل لما يجب في الأموال صدقة، لأنها تطهّر الأموال مما يكون فيها من الإثم والحرام إذا لم يؤدَّ حقّ الله منها، وتنميها وتزيد فيها بالبركة، وتقيها من الآفات. وتأتي بمعنى الثناء. ومنه قوله: (وحَنَاناً مِنْ لَدنّا وزَكاةً) ، كما يزكى الشاهد. وزكا هو - مخففاً: أي صار زكياً. (زَيْغ) : ميل حيثما وقع. ومنه: (وأمَّا الذين في قلوبهم زَيْغ) ، ونزلت في نصارى نَجْران، فإنهم قالوا للنبي ﷺ : أليس في كتابك أن عيسى كلمة الله وروح منه، قال: نعم. قال: فَحَسْبنَا إذاً، فهذا من المتشابه الذي اتبعوه. وقيل: نزلت في أبي ياسر بن أخطب اليهودي وأخيه حيي. ثم يدخل في ذلك كل كافر أو مُبْتَدع أو جاهل يَتْبَعُ المتشابه من القرآن. (زَبور) : فعول بمعنى مفعول، من زبرت الكتاب، أي كتبته. والزبور الذي أعطيه داود ﵇، وهو من الكتب المنَزَّلة على الأنبياء، وعددها مائة وأربعة. وقيل وأربعة عشر. (زَحْفاً) : حال من الذين كفروا، أو من الفاعل في لقيتم. ومعناه متقابلي الصفوف والأشخاص. وأصل الزحف الاندفاع. (زَيَّلْنَا بينهم) : فَرَّقْنا. (زَفِير) : إخراج النفس من الصدر، وهو أول نهيق الحمار.

стр. 597

(زَعِيم) : بمعنى كفيل وضامن وحميل وصبير، وهذا من كلام المنادي الذي جعل لهم حِمْل بعير لمن ردَّ الصَّاعَ. (زَهَق الباطل) : ذهابه. ومن هذا زهوق النفس، وهو بطلانها. والمعنى أن الإيمان يُبْطِل الكُفْو. (زللا) : هو الذي لا يثبت القدم عليه، يعني أنه لا تثبت أشجاره ونباته. (زاكية) : ليس له ذنب لعدم بلوغه. وقيل: إنه بلغ، ولكنه لم ير له ذنباً. وقرئ (زكيَّة) . قال أبو عمرو: الصواب زكية في الحال، وزَاكية في غد، والاختيار زكِيت. مثل ميت ومائت، ومريض ومارض، وقوله: (ما زَكَى منكم من أحد) . أي لم يكن زاكياً. (زَهْرةَ الحياة الدّنيا) : بالفتح والزاي والهاء: نَوْرُ النبات. وبضم الزاي وفتح الهاء: النجم. وبنو زهرة بتسكين الهاء. وشبَّه نعم الدنيا بالزهرة، لأن الزَّهْرَ له منظر حسن - ثم يضمحلّ. وفي نَصْب زهرة خمسة أوجه: أن ينتصب بفعل مضمر على الذّم، أو يضمَّن متّعنا معنى أعطينا، ويكون زهرة مفعول ثان له، أو يكون بدلاً من موضع الجار والمجرور، أو يكون بدلاً من أزواج على تقدير ذوي زهرة، أو ينتصب على الحال. (زَجْرة واحدة) : قدمنا أن الزجرة معناها الصيحة بشدة وانتهار. وأما قوله: (فالزَّاجِرَات زَجْراً) - فمعناها الملائكة تزجر السحب وغيرها. وقيل الزاجرون بالواعظ من بني آدم. وقيل: هي آيات القرآن المتضمنة الزجر عن المعاصي. والمراد هنا النَّفْخ في الصّور للقيام من القبور. (زَوَّجْنَاهم) : قرنَّاهم بالحور، وليس في الجنة تزويج

стр. 598

كتزويج الدنيا، وإنما هو القارنة بين الرجل والمرأة، والصاحب والصاحبة. وقد يأتي بمعنى الصنف والنوع، كقوله تعالى: (ثمانية أزواج) . (أزواجاً من نبات شتّى) . (من كل زَوْجٍ كَرِيم) . (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا) ، يعني أصناف المخلوقات، ثم فسرها بقوله: مما تنْبِت الأرْض ومن أنفسهم ومما لا يعملون. (من) في المواضع الثلاثة للبيان. (زنيم) : معلّق بالقوم وليس منهم. وقيل: هو ولد الزِّنى. وقيل: هو الذي في عنقه زَنَمة الشاة التي تعلَّق في حلقها. وقيل: معناه مريب قبيح الأفعال، وقيل: ظلوم. واختلف من الموصوف بهذه الصفة الذميمة، فقيل: لم يقصد بها شخص معيّن، بل كل من اتصَف بها. وقيل: المقصود بها الوليد بن المغيرة، لأنه وصفه بأنه (ذو مال وبنين) ، وكان كذلك. وقيل أبو جهل. وقيل الأخنس بن شريق. ويؤيد هذا أنه كانت له زَنَمة في عنقه. قال ابن عباس: عرفناه بزنمته، وكان أيضاً من ثقيف. ويعَدّ في بني زهرة فيصح وصفه بِزَنيم على القولين. وقيل: الأسود بن عبد يغوث. (زَنْجَبيل) : معروف. والعرب تذكره في أشعارها، وتستطيب برائحته. وذكر الجواليقي والثعالبي أنه فارسيّ. (زَرَابي) : بسط فاخرة. وقيل: الطنافس، واحدها زَرْبِيَّة. (زَبانِية) : واحدهم زبْنِيّ، مأخوذ من الزّبْن، وهو الدَّفْع. كأنهم يدفعون أهل النار إليها. ونزلت الآيَة بسبب قول أبي جهل: أيتوعد محمد، فوالله ما بالوادي أعظم زَبْناً مني. فنزلت الآية، تهديداً وتعجيزاً له. والمعنى فلْيَدعُ أَهْلَ نادِيه لنصْرَته إن قدروا على ذلك، ثم أوْعد بأن يدعو له زبانية جهنم، وهم من الملائكة الموكَّلون بالعذاب.

стр. 599

وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: " لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عياناً. (زلزلوا) ، بالتخويف والشدة. والآية خطاب للمؤمنين على وجه التشجيع لهم، والأمر بالصبر على الشدائد، أي لا تدخلون الجنة حتى يصيبكم مثل ما أصاب من قَبْلكم من الأمم. (زحْزح عن النار) : أي أبعد عنها. (زُخْرفَ القَوْل) : أي ما يُزَيِّنه من القول والباطل. والزخرف أيضاً الذهب. ومنه قوله تعالى: (أوْ يكون لك بَيْتٌ مِنْ زخْزفٍ) . (وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا) . وأما قوله تعالى (أخَذَتِ الأرْض زخْزفَها وازَّينَتْ) - فهو تمثيل للعروس إذا زيِّنَتْ بالثّياب والحلي، تزف إلى زَوْجها فلا يصلحها، كذلك الدنيا إذا ظن أهلها أنهم متمكنون من الانتفاع بها أتتْها بعض الجوائح، كالريح والصِّر، وغير ذلك (زلَفاً من الليل) : المراد به المغرب والعشاء. وزلف الليل ساعاته، واحدها زلْفة. (زبرَ الحديد) : واحدتها زُبْرة. (زلْفَى) : قرْبى، فهو مصدر من يُقرِّبونا، أي يقول الكفار ما نعبد هؤلاء الآلهة إلا ليقَرِّبونَا إلى الله ويشفعوا لنا عنده. ويعني بذلك الكفَّار الذين عَبَدوا الملائكة أو الأصنام أو عيسى أو عُزيراً، فإن جميعهم قالوا هذه المقالة. (زمرا) ، في الموضعين جمع زمرة، وهي الجماعة من الناس، قال ﷺ : أول زمْرة يدخلون الجنةَ على صورة القمر ليلة البدر. والزمرة الثانية على صورة أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل.

стр. 600

(زِينةَ الله) : هي ما شرعه لعباده من الملابس والمآكل، وكان بعض العرب إذا حَجّوا يجردون من الثياب ويطوفون عُرَاة، ويحرمون الشحم واللبن، فنزل ذلك ردًّا عليهم وإنكاراً لتحريمها. (زلْزَالها) : مصدر، وإنما أضِيفَ إلى الأرض تهويلاً، كأنه يقول: الزلزال الذي يليق بها على عظمة جِرْمها. (زَعم الذين كفروا) : كناية عن كَرْبهم. (زَيْد) : هو ابن حارثة الذى تبنّاه رسول الله ﷺ ، ولم يذكر في القرآن أحَدٌ من الصحابة غيره تعظيما له.
следующие страницы →