← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وكان لزكرياء ﷺ يَوْمَ بُشَر بولده اثنان وسبعون سنة. وقيل: تسع وتسعون سنة. وقيل: مائة وعشرون. وزكياء اسم أعجمي، وفيه خمس لغات: أشهرها المد. والثانية القَصْر، وقرئ بهما في السبع. وزكريا - بتشديد الياء وتخفيفها. وزكَر - كقلَم. (زَكى، وَزَكاة) : طهارة ونماء أيضاً. وإنما قيل لما يجب في الأموال صدقة، لأنها تطهّر الأموال مما يكون فيها من الإثم والحرام إذا لم يؤدَّ حقّ الله منها، وتنميها وتزيد فيها بالبركة، وتقيها من الآفات. وتأتي بمعنى الثناء. ومنه قوله: (وحَنَاناً مِنْ لَدنّا وزَكاةً) ، كما يزكى الشاهد. وزكا هو - مخففاً: أي صار زكياً. (زَيْغ) : ميل حيثما وقع. ومنه: (وأمَّا الذين في قلوبهم زَيْغ) ، ونزلت في نصارى نَجْران، فإنهم قالوا للنبي ﷺ : أليس في كتابك أن عيسى كلمة الله وروح منه، قال: نعم. قال: فَحَسْبنَا إذاً، فهذا من المتشابه الذي اتبعوه. وقيل: نزلت في أبي ياسر بن أخطب اليهودي وأخيه حيي. ثم يدخل في ذلك كل كافر أو مُبْتَدع أو جاهل يَتْبَعُ المتشابه من القرآن. (زَبور) : فعول بمعنى مفعول، من زبرت الكتاب، أي كتبته. والزبور الذي أعطيه داود ﵇، وهو من الكتب المنَزَّلة على الأنبياء، وعددها مائة وأربعة. وقيل وأربعة عشر. (زَحْفاً) : حال من الذين كفروا، أو من الفاعل في لقيتم. ومعناه متقابلي الصفوف والأشخاص. وأصل الزحف الاندفاع. (زَيَّلْنَا بينهم) : فَرَّقْنا. (زَفِير) : إخراج النفس من الصدر، وهو أول نهيق الحمار.

стр. 597

(زَعِيم) : بمعنى كفيل وضامن وحميل وصبير، وهذا من كلام المنادي الذي جعل لهم حِمْل بعير لمن ردَّ الصَّاعَ. (زَهَق الباطل) : ذهابه. ومن هذا زهوق النفس، وهو بطلانها. والمعنى أن الإيمان يُبْطِل الكُفْو. (زللا) : هو الذي لا يثبت القدم عليه، يعني أنه لا تثبت أشجاره ونباته. (زاكية) : ليس له ذنب لعدم بلوغه. وقيل: إنه بلغ، ولكنه لم ير له ذنباً. وقرئ (زكيَّة) . قال أبو عمرو: الصواب زكية في الحال، وزَاكية في غد، والاختيار زكِيت. مثل ميت ومائت، ومريض ومارض، وقوله: (ما زَكَى منكم من أحد) . أي لم يكن زاكياً. (زَهْرةَ الحياة الدّنيا) : بالفتح والزاي والهاء: نَوْرُ النبات. وبضم الزاي وفتح الهاء: النجم. وبنو زهرة بتسكين الهاء. وشبَّه نعم الدنيا بالزهرة، لأن الزَّهْرَ له منظر حسن - ثم يضمحلّ. وفي نَصْب زهرة خمسة أوجه: أن ينتصب بفعل مضمر على الذّم، أو يضمَّن متّعنا معنى أعطينا، ويكون زهرة مفعول ثان له، أو يكون بدلاً من موضع الجار والمجرور، أو يكون بدلاً من أزواج على تقدير ذوي زهرة، أو ينتصب على الحال. (زَجْرة واحدة) : قدمنا أن الزجرة معناها الصيحة بشدة وانتهار. وأما قوله: (فالزَّاجِرَات زَجْراً) - فمعناها الملائكة تزجر السحب وغيرها. وقيل الزاجرون بالواعظ من بني آدم. وقيل: هي آيات القرآن المتضمنة الزجر عن المعاصي. والمراد هنا النَّفْخ في الصّور للقيام من القبور. (زَوَّجْنَاهم) : قرنَّاهم بالحور، وليس في الجنة تزويج

стр. 598

كتزويج الدنيا، وإنما هو القارنة بين الرجل والمرأة، والصاحب والصاحبة. وقد يأتي بمعنى الصنف والنوع، كقوله تعالى: (ثمانية أزواج) . (أزواجاً من نبات شتّى) . (من كل زَوْجٍ كَرِيم) . (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا) ، يعني أصناف المخلوقات، ثم فسرها بقوله: مما تنْبِت الأرْض ومن أنفسهم ومما لا يعملون. (من) في المواضع الثلاثة للبيان. (زنيم) : معلّق بالقوم وليس منهم. وقيل: هو ولد الزِّنى. وقيل: هو الذي في عنقه زَنَمة الشاة التي تعلَّق في حلقها. وقيل: معناه مريب قبيح الأفعال، وقيل: ظلوم. واختلف من الموصوف بهذه الصفة الذميمة، فقيل: لم يقصد بها شخص معيّن، بل كل من اتصَف بها. وقيل: المقصود بها الوليد بن المغيرة، لأنه وصفه بأنه (ذو مال وبنين) ، وكان كذلك. وقيل أبو جهل. وقيل الأخنس بن شريق. ويؤيد هذا أنه كانت له زَنَمة في عنقه. قال ابن عباس: عرفناه بزنمته، وكان أيضاً من ثقيف. ويعَدّ في بني زهرة فيصح وصفه بِزَنيم على القولين. وقيل: الأسود بن عبد يغوث. (زَنْجَبيل) : معروف. والعرب تذكره في أشعارها، وتستطيب برائحته. وذكر الجواليقي والثعالبي أنه فارسيّ. (زَرَابي) : بسط فاخرة. وقيل: الطنافس، واحدها زَرْبِيَّة. (زَبانِية) : واحدهم زبْنِيّ، مأخوذ من الزّبْن، وهو الدَّفْع. كأنهم يدفعون أهل النار إليها. ونزلت الآيَة بسبب قول أبي جهل: أيتوعد محمد، فوالله ما بالوادي أعظم زَبْناً مني. فنزلت الآية، تهديداً وتعجيزاً له. والمعنى فلْيَدعُ أَهْلَ نادِيه لنصْرَته إن قدروا على ذلك، ثم أوْعد بأن يدعو له زبانية جهنم، وهم من الملائكة الموكَّلون بالعذاب.

стр. 599

وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: " لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عياناً. (زلزلوا) ، بالتخويف والشدة. والآية خطاب للمؤمنين على وجه التشجيع لهم، والأمر بالصبر على الشدائد، أي لا تدخلون الجنة حتى يصيبكم مثل ما أصاب من قَبْلكم من الأمم. (زحْزح عن النار) : أي أبعد عنها. (زُخْرفَ القَوْل) : أي ما يُزَيِّنه من القول والباطل. والزخرف أيضاً الذهب. ومنه قوله تعالى: (أوْ يكون لك بَيْتٌ مِنْ زخْزفٍ) . (وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا) . وأما قوله تعالى (أخَذَتِ الأرْض زخْزفَها وازَّينَتْ) - فهو تمثيل للعروس إذا زيِّنَتْ بالثّياب والحلي، تزف إلى زَوْجها فلا يصلحها، كذلك الدنيا إذا ظن أهلها أنهم متمكنون من الانتفاع بها أتتْها بعض الجوائح، كالريح والصِّر، وغير ذلك (زلَفاً من الليل) : المراد به المغرب والعشاء. وزلف الليل ساعاته، واحدها زلْفة. (زبرَ الحديد) : واحدتها زُبْرة. (زلْفَى) : قرْبى، فهو مصدر من يُقرِّبونا، أي يقول الكفار ما نعبد هؤلاء الآلهة إلا ليقَرِّبونَا إلى الله ويشفعوا لنا عنده. ويعني بذلك الكفَّار الذين عَبَدوا الملائكة أو الأصنام أو عيسى أو عُزيراً، فإن جميعهم قالوا هذه المقالة. (زمرا) ، في الموضعين جمع زمرة، وهي الجماعة من الناس، قال ﷺ : أول زمْرة يدخلون الجنةَ على صورة القمر ليلة البدر. والزمرة الثانية على صورة أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل.

стр. 600

(زِينةَ الله) : هي ما شرعه لعباده من الملابس والمآكل، وكان بعض العرب إذا حَجّوا يجردون من الثياب ويطوفون عُرَاة، ويحرمون الشحم واللبن، فنزل ذلك ردًّا عليهم وإنكاراً لتحريمها. (زلْزَالها) : مصدر، وإنما أضِيفَ إلى الأرض تهويلاً، كأنه يقول: الزلزال الذي يليق بها على عظمة جِرْمها. (زَعم الذين كفروا) : كناية عن كَرْبهم. (زَيْد) : هو ابن حارثة الذى تبنّاه رسول الله ﷺ ، ولم يذكر في القرآن أحَدٌ من الصحابة غيره تعظيما له.

стр. 601

(حرف الطاء المهملة) (طاغوت) : من الجن والإنس شياطينهم، ويكون واحداً وجمعا، وجَمَعه في آية البقرة، وأفرده في غيرها، لأنه اسم جنْس لما عُبِدَ مِنْ دون الله. (طالوت) : هو الذي بعثه الله لقتال جالوت، وكان ملكاً وأعطى بِنْته لداود. (طَلّ) : مَطَر ضعيف خفيف، والمعنى أنه يكفى هذه الجنة لكرم أرضها. (طيِّبَاتِ ما كسبتم) : الجيد غير الرديء، ويُراد به الحلال. وهو المراد في كل موضع. وزاد، كقوله: (كُلوا من طيِّبات ما رَزَقْنَاكم) . (كلوا من الطيبات) . لكن اختلف في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفِقُوا مِنْ طَيِّبَات ما كسبتم) ، فقيل إنها في الزكاة، فيكون واجباً. وقيل: في التطوع، فيكون مندوبا لا واجبا، لأنه كما يجوز التطوع في القليل يجوز في الرديء. (طَوْعاً) : انقياداً بسهولة حيث ما وقع. (طبعَ اللَّهُ على قلوبهم) ، أي ختم عليها. (طَوْلاً) : هو السعة في المال. وأباح الله في هذه الآية تزوُّجَ الفتيات، وهن الإماء، للرجال إذا لم يجدوا طولاً للمحصنات.

стр. 602

وذهب مالك وأكثر أصحابه إلى أنه لا يجوز للحُرِّ نكاح أمَةٍ إلا بشرطين: أحدهما عدم الطول، وهو عدم الوجود بما يتزوَّج به امرأة. والآخر خوف الزنى وهو العنت، لقوله تعالى بعد ذلك: (ذلك لمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ منكم) . وأجاز بعضهم نكاحهنَّ دون الشرطين على القول بأن دليل الخطاب لا يُعْتبر. واتفقوا على اشتراط الإسلام في الأمَة التي تتزوج، لقوله: (من فتياتكم المؤمنات) ، إلا أهل العراق فلم يشترطوه. وإعراب (طولاً) مفعول بالاستطاعة. وأن ينكح بدلاً منه، فهو في موضع نصب، بتقدير إلا أن ينكحن. ويحتمل أن يكون طولاً نصب على المصدر، والعامل فيه الاستطاعة، لأنها بمعنى يتقارب. وأن ينكحن على هذا مفعول بلاستطاعة أو بالمصدر. (طَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) : الضمير يعود على قابيل، وذلك أنه كان صاحب زَرْع، فقرّب أرْذَلَ زَرْعِه، وكان هابيل صاحب غنم فقرّب أحسن كَبْش عنده. وقد قدمنا أن النار كانت حاكم آدم، فقام هابيل يصلّي، فنزلت النار وأخذت كبشه، وتركت زرع قابيل، فحسده على قَبول فرْبانه، فقتله، وإنما حسده على نكاح أخته، لأن الله أوحى إلى آدم أن زوّج ذميما من قابيل واقلما من هابيل، فأخبرهما آدم بوحْيِ الله فَرَضِيَ هابيل وأبى قابيل. وقال: إن أختي أحسن، وكانت وُلدت معه. فقال آدم: يا بني، لا تخالف أمر الله. فقال: لَمْ يَأمرك الله، ولكن أنت تحبُّ هابيل وتزَوِّجه أحسن بناتك. فقال آدم: اذهبا وتحاكما إلى الله، فوقع منهما ما أخبر الله به بقوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا) . كأنه تعالى يقول: أحرقت قربان سائر الأمم، ولم أجوز أنْ أحرق قربانَ حبيبي، فأمرتهم بإطعام الفقير، فإذا لم أجوز إحراق القربان فكيف أحرق من قرأ القرآن، فلما فقد هابيل سأل عنه جميع أولاده. فقالوا لا ندري أين هو، فاغْتَمَّ غَمّاً شديداً على فَقْده، وبات مهموما.

стр. 603

فرأى في منامه هابيل وهو يناديه من بعيد: يا أبت، الغَوْث! الغَوْث! فانتبه من نومه مَذْعورا، وبكى حتى غُشِي عليه، فنزل جبريل ورفع رأسه. فلما أفاق قال: يا جبريل، أين ولدي هابيل، فقال: الله يعظِّم أجْرَكَ فيه، قتَله قابيل. فقال آدم: أنا بريء منه. فقال له جبريل: والله بريء منه. ثم قال آدم: يا جبريل، أرِنيه، فأراه له تحت التراب وإذا هو ملطّخ بالدم، فصاح يَا حَسْرتاه! يا ويلتاه! يا ابناه! وبكى حتى بكَتِ الملائكةُ لبكائه، وقالوا: إلهنا، بكى آدم ثلاثمائة سنة ولم يسترح إلاَّ مدة يسيرة، ثم اشتغل بالبكاء، فقال تعالى: الدنيا دار البكاء والعَنَاء، ودار البَلاَء والفناء. (فَطَوَّعت) : فعَّلت من الطوع، يقال. : طاع له كذا، أي أتاه طَوْعا. ولساني لا يطوع بكذا، أي لا يَنْقَاد. (طفِقَا) : أي جعلا، تقول: طفق يفعل كذا، وجعل يفعل كذا، قال بعضهم: معناه قصد بالرومية، حكاه شَيْذَلة، وضمير التثنية على آدم وحواء. (طائِفٌ من الشيطان) : معناه لَمَّة منه، كما جاء: إن للشيطان لمَّة، وللملك لَمَّة. ومَنْ قرأ طَيْف - بياء ساكنة - فهو مصدر، أو تخفيف من طيّف المشدد، كميِّت وميْت. ومن قرأ طائف - بالألف - فهو اسم فاعل. (طَرَفَي النهار) : أوله وآخره، فالأول الصبح، والطرف الثاني الظهر والعصر. (طائره في عُنقِهِ) : أي عمله. والمعنى أنه لازم له ما قدّر له وعليه من خير أو شر، يعني أن كل ما يَلْقَى الإنسان قد سبق به القضاء، وإنما عَبَّر عن ذلك بالطائر، لأن العرب كانت عادتها التيمّن والتشاؤم بالطير، وإنما عَبَّر بالعنق، لأنه لا ينفك عنه. ويقال لكل ما لزم الإنسان قد لزم عنقه،

стр. 604

وهذا لك في عنقي. ومثله: (ألا إنَّمَا طائِرهم عند الله) . أي حظّهم ونصيبهم الذي قُدِّرَ لهم. ومقصود الآية الرد عليهم فما نسبوا إلى موسى من الشؤم. (طه) : من أسماء النبي ﷺ . وقيل معناه: يا رجل. وأخرج الحاكم في المستدرك من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: طه - قال: هو كقولك يا محمد، بلسان الحبَشة. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جُبير عن ابن عباس، قال: طه - بالنبطية. وأخرج عن عكرمة قال: طه: يا رجل، بلسان الحبشة. (طغَى) : ترفَّعَ وعلا حتى جاوز الحدَّ أو كاد. ومنه قوله تعالى: (لما طغَى الماءُ حَمَلْنَاكم في الجارية) ، أي كثر، فيحتمل أنه طغى على أهل الأرض أو على خزَّانه، يعني وقت طوفان نوح ﵇. (بطريقتكم المُثْلَى) : أي سيرتكم الحسنة، وهذا من كلام فرعون يخاطب قومه أن هذا يذهب بدينكم، وما أنتم عليه. والمثْلَى تأنيث الأمثل. (طَهورا) : أي نظيفا يطهر به من توضأ واغتسل من جنابته. والطهور: مبالغة في طاهر، ولهذا المعنى يقول الفقهاء: ماء طهور، أي مطهِّر، وكل مطهِّر طاهر، وليس كل طاهر طهورا. (طَوْد) : الجبل، وروِيَ أنه صار في البحر اثنا عشر طريقأ لكل سبْط من بني إسرائيل طريق. (طَلْعُها هَضِيم) : أى منضم قبل أن ينشقّ ويخرج من الكم. والهضيم: اللين الرطب، فالمعنى أن طَلْعَها يتمُّ ويرطب. وقيل: هو الرخص أول ما يخرج. وقيل: الذي ليس فيه ندى. فإن قيل: لم ذكر النخل بعد ذكر الجنّات، والجنات تحتوي على النخل؟ فالجواب: أن ذلك تحديدٌ، كقوله تعالى: (فاكِهَةٌ وَتخْلٌ ورُمّان) .

стр. 605

ويحتمل أنه أراد الجنّات التي ليس فيها نخل، ثم عطف عليها النخل. (طَلْغ نَضِيد رِزْقاً لِلعباد) : النَّضِيد هو المنضد، كحب الرمان، فما دام بعضْة ببعض فهو نضِيد، فإذا تفرق فليس بنضيد. (طَمَسْنَا أعْينَهم) : الضمير راجع لقَوْم لوط لما راودوه عن ضَيْفه لِظَنِّهمِ أنهم من بني آدم، وأرادوا منهم الفاحشة، فطمس جبريل على أعينهم، فاستوَتْ مع وجوههم. وقيل: إن هذا الطمس عبارةٌ عن عدم رُؤيتهم لهم، وإنهم دخلوا منزل لوط فلم يَرَوْا فيه أحدًا. والمطموس الذي لا يكون بين جفنيه شق طرف خفيّ، ويحتمل أن يريد به العين، أو يكون مصدراً. وفيه قولان: أحدهما أنه عبارة عن الذل، لأن نظر الذليل بمهابة واستكانة. والآخر أنهم يحشرون عُمْيا، فلا ينظرون بأبصارهم، وإنما ينظرون بقلوبهم. واستبعد هذا ابن عطية والزمخشري. (طَلْح) : شجر عِظَام كثيرات الشوك، قاله ابن عطية. وحُكي عن علي بن أبي طالب وابن عباس، وقرأ علي بن أبي طالب: وطَلْع منضود - بالعين، فقيل له إنها بالحاء، فقال: ما للطلح والجنّة. فقيل له: أنصْلِحها في المصحف، فقال، المصحف اليوم لا يغيَّر. وقال الزمخشري: والطلح هو شَجَر الموز. (طاغية) : طغيان، مصدر كالعاقبة والواهية وأشباههما من المصادر. (طَرَائق قِدَداً) ، الطرائق: المذاهب والسير وشبهها. والقدد: المختلفة، وهو جمع قِدّة، وهذا بيانٌ للقسمة المذكورة قَبْل، وهو على حذف مضاف، أي كُنَّا ذوي طرائق، أو كُنَّا في طرائق. (الطامَّة الكبرى) : هي القيامة. وقيل: النفخة الثانية، واشتقاقها من قولك، طمّ الأمر إذا علا وغلب.

стр. 606

(طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) : الطبق في اللغة له معنيان: أحدهما ما طابق غيره، يقال هذا طبق لهذا إذا طابقه. والآخر جَمْع طبقة، فعلى الأول يكون المعنى لتركبنَّ حالاً بعد حال، كل واحدة منهما مطابقة للأخرى. وعلى الثاني يكون المعنى لتركَبنّ أحوالا بعد أحوال، هي طبقاتٌ بعضُها فوق بعض. ثم اختلف في تفسير هذه الأحوال، وفي قراءة: تركبنّ: فأَما من قرأه بضم الباء فهو خطابٌ لجنس الإنسان، وفي تفسير الأحوال على هذا ثلاثة أقوال. أحدها: أنها شدائد الموت، ثم البعث، ثم الحساب، ثم الجزاء. والآخر: أنها كون الإنسان نطفة ثم علَقة إلى أن يخرج إلى الدنيا إلى أن يَهْرم ثم يموت. والثالث: لتركبنّ سنَنَ مَنْ كان قبْلكم. وأما من قرأ تركبَنَّ - بفتح الباء - فهو خطاب للإنسان على المعاني الثلاثة التي ذكرنا. وقيل: خطاب للنبي ﷺ . ثم اختلف القائلون على هذا، فقيل لتركبنّ مكابدة الكفَّار حالاً بعد حال. وقيل: لتركبن فَتْحَ البلاد شيئاً بعد شيء. والآخر لتركبنَّ السماوات في الإسراء سماءً بعد سماء. وقوله: (عن طَبَق) في موضع الصِّفَة لطبق، أو في موضع حال من الضمير في تركبن، قاله الزمخشري. (طارق) : هو في اللغة ما يطرق، أي يجيء ليلاً. وقد فسره الله في الآية بأنه النجم الثاقب. وهو يطلع ليلاً. ومعنى الثّاقب المضيء أو المرتفع. فقيل: أراد جِنْسَ النجوم. وقيل: الثريا، لأنه الذي تطلق عليه العرب النجم. وقيل، زحل، لأنه أرفع النجوم، إذ هو في السماء السابعة. (طَحَاها) : مدّها أو بسطها. (بطَغْوَاها) : هو مصدر بمعنى الطغْيَان، قلِبَتْ فيه الياء واواً على لغة من يقول: طغيت. والباء الخافضة كقولك: كتبت بالقلم، أو سببية.

стр. 607

والمعنى بسبب طغيانها. وقال ابن عباس: معناه كذبت ثمود بعذابها. ويؤيده قوله: (فأمّا ثمود فأُهْلِكوا بالطاغية) . (طغْيَانهم) ،: غيّهم وكفْرهم. (طور) : جبل بالسريانية، قاله مجاهد. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه بالنبطية. وذلك أن موسى لما جاء بالتوراة أبوا أن يقبلوها، فرفع الجبل فوقهم كأنه ظلَّة. وقيل لهم: إن لم تأخذوها وضع عليكم.. (طُوفَان) : سَيْلٌ عظيم، والطوفان: الموت الذَّريع. وطوفان الليل: شدة سَوَادِه. والطوفان المبعوث على بني إسرائيل كان مطراً شديدا دائماً مع فيض النيل حتى هدم بيوتهم، وكادوا يهلكون وامتنعوا من الزراعة. (طوبَى) : مصدر من طاب، كبشرى، ومعناها أصبت شيئاً طيباً. وقيل شجرة في الجنة. وإعرابها مبتدأ. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد، قال: طوبى اسم الجنة بالحبشية. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن خبير، قال: بالهندية. طوبى في معناه قولان: أحدهما أنه اسم الوادي، وإعرابه على هذا بَدَل. ويجوز تنوينه على أنه مكان، وترْك صرْفه على أنه بقْعة. والثاني أن معناه مرتين، فإعرابه على هذا مصدر، أي قدس الوادي مرة بعد أخرى، أو نودي موسى مرة بعد مرة. وفي العجائب للكرماني: هو معرّب (ليلاً) ، وقيل: هو رجل بالعبرانية. (طِبْتم) : أي من الذنوب والمعاصي، لأنها مَخَابث في الناس، فإذا أراد الله أن يدخلهم الجنة غفر لهم، فطابوا لدخولها. ومن هذا قول العرب: طاب لي هذا، أي فارقته المكاره، وطاب له العَيْش. (طائفين) : من الطواف بالبيت جمع طائف.

стр. 608

(حرف الظاء - المعجمة) (ظهر أمْر الله) : بدا. وأظهره غيره: أبْدَاه. (ظلْتَ عليه عَاكِفا) : أصله ظَلِلت فحذِفت إحدى اللامين. والأصل في معنى ظلّ أقام بالنهار، ثم استعمل في الدؤوب على الشيء ليلاً ونهارا. وهذا الخطاب من موسى للسامريِّ على وجه التهديد. (ظَلّتْ أعناقهم لها خَاضِعين) : الأعناق: جمع عُنق، وهي الجارحة المعروفة، وإنما جمع خاضعين جمع العقلاء، لأنه أضاف الأعناق إلى العقلاء، أو لأنه وصفها بفعل لا يكون إلا من العقلاء. وقيل: الأعناق الرؤساء من الناس، شُبِّهوا بالأعناق، كما يقال لهم رؤوس وصدور. وقيل: هم الجماعات من الناس، فلا يحتاج جمع خاضعين إلى تأويل. (ظَهير) : معين. (ظَنِين) : والضمير للنبي ﷺ ، لكن من قرأ بالضاد. فمعناه بخيل، أي لا يبخل بأداء ما أُلْقِيَ عليه من الغَيْب، وهو الوحي. ومن قرأ بالظاء، فمعناه مُتَّهم، أي لا يتهم على الوَحْيِ، بل هو أَمين عليه. ورجّح بعضهم هذه القراءة بأن الكفار لم ينسبوه ﷺ إلى البخل بالوحي، بل اتهموه، فنفى عنه ذلك. (يَظْهَروه) : ظهرت على الغيب: أي ارتفعت عليه. ومنه: (فما اسْطَاعوا أنْ يَظْهَروه) . وأصله استطاعوا، حذفت التاء تخفيفاً، وضمير (يظهروه) للسدّ. المعنى أن يأجوج ومأجوج لا يقدرون على الصعود على السد، لارتفاعه، ولا ينقبونه لقوته.

стр. 609

(ظن) : له ثلاثة معان: التحقيق. وغلبة أحد الاعتقادين، والتهمة. ومنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) . قيل معنى الإثم هنا الكذب، لقوله ﷺ : الظن أكذَبُ الحديث، لأنه قد لا يكون مطابقاً للأمر. وقيل: إنما يكون إثماً إذا تكلم به. وأما إذا لم يتكلم فهو في فسحة، لأنه لا يقدر على دفع الخواطر، واستدل بعضهم بهذه الآية على صحة سدّ الذرائع في الشرع، لأنه أمر باجتناب أكثر الإثم احترازاً من الوقوع في البعض الذي هو إثْمٌ. (ظَمَأ) : عطش. (ظلم) : يقع في القرآن على ثلاثة معان: الكفر، والمعاصي، وظلم الناس، أي التعدّي عليهم. والجور والسفَه والظلم والتعدي بمعنى واحد، ولا يوصف سبحانه بها، لأنه لا رَاحِمَ فوقه ولا زاجر، فأفعالُه تعالى لا يقارنها نهي، وإنما يتصوَّر ذلك في حقوقنا المقارنة النهي لأفعالنا النهي عنها. (ظِلاَل) : جمع ظلة، وهو ما عَلاَك من فوق، فإن كان ذلك لأمر الله فلا إشكال، وإن كان للهِ فهو من المتشابه. والغمام: السحاب. وقوله تعالى: (فأخذهم عذَابُ يوم الظّلَّة) - فهي سحابة من نار أحرقت قَوْم شعيب، فأهلك اللَّهُ مَدْين بالصَّيْحَة، وأهلك الأيكة بالظلة. فإن قلت: لم كرّر الآية في الشعراء مع كل قصة؟ فالجواب أن ذلك أبلغ في الاعتبار، وأشد تنبيهاً للقلوب، وأيضاً فإن كل قصة منها كلام قائم مستقل بنفسه، فخُتمت بما ختمت به صاحبتها. فإن قلت: الظلل إنما تكون من فوق، فلم قال: (ومِنْ تحتهم ظُلل) ؟ فالجواب إنما سماها ظلة لمن تحتهم، لأن جهنم طبقات.

стр. 610

وقيل إنما سماه ظلة لأنه يتلهب ويصعد من أسفلهم إلى فوقهم. (ظلمات بعضها فوق بعض) : هذا تمثيلٌ للكفَّار في حيرتهم وضلالهم، فالظلمات أعمال الكفار والبحر اللجِّيّ صدره، والموج جَهْله. والسحاب الغطاء الذي على قَلْبهِ. وذهب بعضهم إلى أنه تمثيل بالجملة من غير مقابلة. وفي وصف هذه الظلمة بهذه الأوصاف مبالغة، كما أن في وصف النور المذكور قبلها مبالغة. وأما قوله تعالى - حكاية عن يونس ﵇: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) - فهي ظلمة المشيمة، وظلمة الرَّحم، وظلمة البطن، وظلمة الليل، وظلمة البحر، ففي هذه الآية توحيد، ثم تنزيه، ثم اعتراف. وفيها ثلاث ظلمات، وثلاثة مفاتيح ظلمة، وثلاث هبات، وثلاثة علوم، وثلاثة أذكار. وقد وعد سبحانه بنجاة مَنْ قالها. وروى أنَس عن النبي ﷺ أن يونس ﵇ حين نادى في الظلمات ارتفع نداؤه إلى العرش، فقالت الملائكة: هذا صَوْت ضعيف، مِنْ مَوْضِع غرْبة فأغِثْه. فقال الله تعالى: قد أجبتكم فيه. قال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ) . وروي أن قارون سمعه، فقال: يا رب، ما هذا الصوت الغريب، فأخبر بذلك، فبكى رحمة عليه لرحمِه منه، فخفف الله عنه العذاب (١) . تنبيه: اجعل أيها العبد دارَ دنيَاكَ كبطن حوت يونس له، فلا تنس فيها ذكر مولاك، لعله ينْقذك من بحْرِ هواك، لأن يونس كان في ثلاثة غموم، فدعا مرة أَنجَاه الله منها، فكيف لا ينجيك أيها المحمدي إن دعوت به مرارا من غم القيامة، وغم العقاب والحساب. ولهذا قال ﷺ : ما من عبدٍ دعا بهذا في مرضه إلا غفر الله له. وإذا تأملت قوله: لا إله إلا أنت - تفهم منه قرْبَ مولانا منه

стр. 611

مع بعْدِ مكانه في قعر البحور. وقول نبينا ومولانا محمد ﷺ ليلة الإسراء: لا إله إلا الله، فخاطبه بالغيبة مع قُرْبه منه كان ذلك دليلاً على أنه لا يقرب أحد منه إلا بتقريبه له، وهو معكم أين ما كنتم. (ظِلاَلهم بالغُدو والآصَال) : معطوف على معنى السجود. والمعنى أن الظلال تسجد غدوةً وعشيّة، وسجودها انقيادها لمشيئة الله. وقيل: سجودها فيها بالمشي. (ظلالِ على الأرائك) : جمع ظُلّة مثل قلَّة وقِلاَل. وقرئ بالضم. والأرَائك جمع أريكة، وهي السرير. (ظلّ ممدود) : أي دائم، لا تنسخه الشمس. قال ﷺ : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها. واقرأوا إن شئتم: (وظلّ ممدود) . فإن قلت: قد قلتم: إن الجنة لا شَمْسَ فيها، فما معنى هذا الظل؟ فالجواب أنه على تقدير أن تكون هناك، وإنما ظلهم كما بين طلوع الشمس، فهي نورانية شعشعانية لا حَرَّ فيها ولا قر. (ظل مِنْ يحْموم) : يعني أسود، وهو الدخان في قول الجمهور. وقيل: سرادق النار الحيط بأهله، فإنه يرتفع من كل جهة حتى يظلهم. وقيل: هو جَبَل في جهنم. (ظلّ ذي ثلاثِ شُعَب) ، يعني دخان جهنم يتشعّب على ثلاث، فيقال للمكذبين حين يطلبون الظلَّ الذي يرَوْنَ المؤمنين مستظلين به في ظلّ العرش: انطلقوا، فلا يغنيهم شيئاً، كما قال تعالى: (لا ظَلِيل ولا يغْنِي مِنَ اللَّهَب) . فَنَفَى عنهم أن يظلهم كما يُظلّ العرش المؤمنين، ونفى أيضاً أن يمنع عنهم. (ظِهْريًّا) : أي ما يطرح وراء الظهور، ولا يُعْبَا به،

стр. 612

وهو منسوب إلى الظهر بتغيير النسب، وهذا من قول شعيب ﵇، لقومه حين قالوا له: (وَلوْلاَ رَهْطُك لَرَجَمْنَاك) - بالحجارة، أو بالسب. فقال لهم: (يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا) ، على وجه التوبيخ لهم. فإن قلت: إنما وقع كلامهم فيه وفي رهطه، وأنهم هم الأعزَّةُ دونه، فكيف طابَقً جوابه كلامهم؟ فالجواب أن تهاونهم به - وهو رسولُ الله ﷺ تهاونُهم بالله. (ظن) أصلها الاعتقاد الراجح، كقوله: (إنْ ظَنَّا أنْ يقيمَا حدودَ الله) . وقد تستعمل في اليقين، كقوله: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) . أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن مجاهد، قال: كل ظن في القرآن يقين. وهذا مشكل بكثير من الآيات لم يستعمل فيها بمعنى اليقين، كالآية الأولى. وقال الزركشي في البرهان: الفرق بينهما في القرآن ضابطان: أحدهما أنه حيث وجد الظن محموداً مثاباً عليه فهو اليقين. وحيث وجد مذموماً متوعداً عليه بالعقاب فهو الشكّ. والثاني أن كل ظن يتصل بعده أن الخفيفة فهو شك نحو: (بل ظنَنْتُم أنْ لَنْ يَنقَلِبَ الرسولُ والمؤمنون) . وكل ظن يتصل به أن المشددة فهو يقين، كقوله: (إنّي ظنَنْتُ أنّي مُلاَق حِسَابِيَه) . وظَنّ أنّه الفِرَاق) . وقرئ: وأيقن أنه الفراق. والمعنى في ذلك أن المشددة للتأكيد، فدخلت على اليقين. والخفيفة بخلافها فدخلَتْ في الشك، ولهذا دخلت الأولى في العلم، نحو: (فاعْلَم أنه لا إله إلا الله) . (وعلم أنَّ فيكم ضَعْفاً) .

стр. 613

والثانية في الحسبان، نحو: (وَحَسِبوا ألا تكون فتنة) - ذكر ذلك الراغب في تفسيره. وأوْرد على هذا الضابط: (وظَنوا أنْ لا مَلْجَأ من الله) . وأجيب بأنها اتصلت بالاسم. وفي - الأمثلة السابقة اتصلت بالفعل، ذكره في البرهان، قال: فتمسَّك بهذا الضابط، فهو من أسرار القرآن. وقال ابن الأنباري: قال ثعلب: العَرَبُ تجعل الظن علماً وشكا وكذبا، فإن قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظن يقين، وإن اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشكّ فالظن شك، وإن زادت براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب، قال الله: (إنْ هم إلاَّ يَطنون) ، أى يكذبون.

стр. 614

(حرف الكاف) (كافر) : له معنيان: من الكفر، وهو الجحود بوجود الله المضاد لمعرفته. وقد يحكم بكفْرِ الشخص مع كَوْنِه عالماً بالله من طريق الشرع، وهو إذا قال: إن الخمر حلال، والظُّهر غير واجب. وقيل الكافر هو المكذّب، مثل قوله تعالى: (فكفَروا وتَوَلَّوْا) . وبمعنى الزرع، وهو قوله تعالى: (أعجب الكفارَ نباته) ، أي الزرَّاع. وتكفير الذنوب: غفرانها. (كافَّة) : الهاء للمبالغة، ومنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) . - بفتح السين المهملة. والمراد به ها هنا عقد الذمة بالجِزْية، فالأمر على هذا لأهل الكتاب. وخوطبوا بالذين آمنوا لإيمانهم بأنبيائهم وكتبهم المتقدمة. وقيل: هو الإسلام. وكذلك هو بكسر السين، فيكون الخطاب لأهل الكتاب على معنى الأمر لهم بالدخول في الإسلام. وقيل: إنها نزلت في قَوْم من اليهود أسلَموا، وأرادوا أن يعظِّمُوا السَّبْتَ كما كانوا، فالمعنى على هذا: ادخلوا في الإسلام، واتركوا سواه. ويحتمل أن يكون الخطاب للمسلمين على معنى الأمر بالثبوت عليه والدخول في جميع شرائعه من الأمر والنهي. وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) . أي تكفّهم وتردعهم، لأنه كما بعث إلى الإنس والجن. (كفَلها زَكرِيَّا) : أي ضمها وحصّنها. ومنه أكْفِلْنِيها.

стр. 615

والضمير يعود على مريم، وزكريا كان زوج خالتها. وقيل: زوج أختها. وقرئ كفَّلها - بتشديد الفاء ونصب زكرياء، أي جعله الله كافلها. (كَرّة) : أي رجعة. ومنه: (لو أنَّ لنا كرّةً) . وقوله: (ثم ردَدْتا لكم الكَرّة عليهم) ، أي الدولة والغلبة على الذين بعثوا عليكم. ويعني رجوع الملك إلى بني إسرائيل، واستنقاذ أسراهم، وقتل بخت نصّر. وقيل قتل داود جالوت. (كاظِمين الغَيْظَ) : حابسين الغَيْظَ. (كبِر) - بكسر الباء - يكبَر - بالفتح - في المضارع. وكَبر الأمْر - بالضم - في الماضي والمضارع. وكُبَر بضم الكاف وفتح الباء جمع كبْرى. وكباراً - بالضم والتشديد: كبير، مبالغة. والكِبْر: التكبّر. وكُبْر الشيء - بكسر الكاف وضمها: معظمه. والكبرياء: الملك والعظمة. والمتكبِّر: اسم الله تعالى، وبمعنى العظمة. وكان لامرأة زكرياء ثمان وتسعون سنة، فاستبعد ذلك في العادة مع علمه بقدرة الله تعالى على ذلك، واستبعده، لأنه نادر في العادة وقيل: سأله وهو شاب، وأجيب وهو شيخ، فاستبعده لذلك (١) . (كذلك الله) : أي مثل هذه الفعلة العجيبة يفعل ما يشاء، فالكاف لتشبيه أفعاله العجيبة بهذه الفعلة، والإشارة إلى هبة الولد لزكرياء. واسم الله مرفوع بالابتداء، و (كذلك) خبره، فيجب وصله معه. وقيل: إن الخبر يفعل ما يشاء. ويحمل (كذلك) على وجهين: أحدها - أن يكون في موضع الحال من فاعل يفعل، والآخر أن يكون في موضع خبر مبتدأ محذوف، تقديره الأمر كذلك، أو أنْتُما كذلك. وعلى هذا يوقف على كذلك. والأول أرجح، لاتصال الكلام، وارتباط قوله: (يفعل ما يشاء) مع ما قبله، ولأن له نظائرَ كثيرة في القرآن، منها قوله: (وكذَلِك أخْذ رَبِّكَ) .

стр. 616

(كلاَلَة) : هي انقطاع عمودي النسب، وهي خلوّ الميت عن ولد أو والد. ويحتمل أن يُطلق هنا على الميت الموروث، أو على الورثة، أو على الوراثة، أو على القرابة، أو على المال، فإن كانت للميت فإعرابها خبر كان، ويورَث في موضع الصفة. أو يورث خبر كان وكَلاَلة حال من الضمير في يورث. أو تكون كان تامة، ويورث في موضع الصفة، وكلالة حال من الضمير. وإن كانتْ للورثة فهي خبر كان على حذْفِ مضاف، تقديره ذا كلالة، أو حال على حَذْف مضاف أيضاً. وإن كانت للوراثة فهي مصدر في موضع الحال. وإن كانت للقرابة فهي مفعول من أجله، تقديره يورث من أجل القربى. وإن كانت للمال فهي مفعول ثان لـ يورث. وكل وجه من هذه الوجوه على أن تكون كان تامة ويورث في موضع الصفة، أو تكون ناقصة ويورث خبرها. (كَظِيم) : قيل: إنه فعيل بمعنى فاعل، أي شديد الحزن على أولاده. أو كاظم لحزنه لا يظهره لأحد، ولا يَشكو إلا لله. وقيل بمعنى مفعول، كقوله: (إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) . أي مملوء القلْبِ بالحزن أو بالغيظ على أولاده. (كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) : يريدون بعير أخيه، إذ كان يوسف لا يعطي إلاَّ كَيْلَ بعير من الطعام لإنسان، فأعطاهم عشرة أبعرة ومنعهم الحادي عشر لغيْبَة صاحبه، حتى يأتي. وإن كانت الإشارة بذلك إلى الأحمال فالمعنى أنها قليلةٌ لا تكفيهم حتى يضاف إليها كيل بعير. وإن كانت الإشارة إلى كيل بعير فالمعنى أنه يسيرٌ على يوسف، أي قليل عنده، أو سهل عليه، فلا يمنعهم منه. (كَلٌّ على مَوْلاَه) : أي ثقيل، يعني أنه عِيال على وليِّه أو سيده، وهو مثال للأصْنَام.

стр. 617

(كَأس) : إناء بما فيه من الشراب. (كَهْف) : غار واسع، دخله الفِتْية الذين قصّ الله علينا خبرهم، ولنذكر من قصتهم ما لا غنَى عنه، إذْ أكثر الناس فيها مع قلة الصحة في كثير مما نَقَلُوا: وذلك أنهم كانوا قوماً مؤمنين، وكان ملكُ بلادهم كافراً يقتل كل مؤمن. ففرّوا بدينهم ودخلوا الكهف ليعبدوا الله فيه، ويختفوا من الملك وقومه، فأمر الملك باتباعهم، فانتهى المتَّبعون لهم إلى الْغَار، فوجدوهم، وعرَّفُوا الملك بذلك، فوقف عليه بجنوده، وأمر بالدخول عليهم، فهاب الرجال ذلك وقالوا له: دَعْهُم يموتوا عطشاً وجوعاً، وكان قد ألقى الله عليهم قبل ذلك نَوْماً ثقيلاً، فبقوا كذلك مدة طويلة. ثم أيقظهم الله، وظنوا أنهم لبثوا يوماً أو بعض يوم، فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاماً بدراهم كانت لهم، فعجب منها البيَّاع، وقال: هذه الدراهم من عَهْدِ فلان الملك في قديم الزمان، فمن أين جاءتْك، وشاع الكلام بذلك في الناس، فقال الرجل: إنما خرجتُ أنا وأصحابي بالأمس فأوينا إلى الكهْف. فقال الناس: هم الفتية الذين ذهبوا في الزمان القديم، فَمَشوْا إليهم فوجدوهم مَوْتى. وأمَّا مَوْضِع كهفهم فقيل: إنه بمقربة فلسطين. وقال قوم: إنه الكهف الذي بالأندلس بمقربة من لوشة في جهة غرناطة. وفيه موتى ومعهم كلب. وقد ذكر ابن عطية ذلك، وقال: إنه دخل عليهم ورآهم وعليهم مسجد. وقريب منهم بناء يقال له: الرَّقيم - قد بقي بعض خدْرانه. وروي أن الملك الذي كانوا في زمانه اسمه دِقْيَنوس، وفي تلك الجهة آثار مدينةٍ يقال لها مدينة دِقْيَنُوس. والله أعلم. ومما يبعد ذلك ما روي أن معاوية مر عليهم، وأراد الدخول إليهم، فقال له ابن عباس: لا تستطيع ذلك، قد قال الله لمن هو خير منك:

стр. 618

(لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨) . فبعث ناساً إليهم، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأحرقتهم. ولم يدخل معاوية الأندلس قط. وأيضاً فإن الموتى الذين في غار لوشة يراهم الناس، ولا يدرك أحداً الرعب الذي ذكر الله في كتابه. (كَبُرَتْ كَلِمَةً) : انتصب على التمييز، وقيل على الحال، يعني بالكلمة قولهم: (اتخذ اللهُ وَلَداً) . وعلى ذلك يعود الضمير في كبرت. وأما قوله تعالى: (كَبُرَ مَقْتاً عند الله) ، فانتصب على التمييز. و" أن تقولوا " فاعل كبر. وقيل الفاعل محذوف تقديره: كبر فِعْلُكم مَقْتاً، وأن تقولوا بدل من الفاعل المحذوف أو خبر مبتدأ مضمر، وكان بعضُ الناس يستحي أن يعظَ الناس لأجل هذه الآية، ويقول: أخاف من مَقْت الله. والمقت: هو البغض لريبة أو نحوها. (كلْبُهم باسِطٌ ذِرَاعَيْه) : قيل إنه كان كلب الراعي، فمروا عليه فصحبهم وتبِعهم فطردوه فأبى إلاَّ صحْبَتَهم، فبِصحْبتهم خلَّدَ الله ذكره في كتابه، لأن لصحبة الصالحين آثاراً، ألاَ تَرى ذَوْدَ البَقْلَ أخْضر، ومَنْ ناسب شيئاً انجذب إليه، وظهر وصفه عليه. وأعمل اسم الفاعل، وهو بمعنى المضي، لأنه حكاية حال. (كمِثْلِهِ شَيْء) ، أي كهو، والعرب تُقيم المثل مقام النفس، فتقول: مِثْلِي لا يقول كذا وكذا، أي لا أقول كذا وكذا. ومثلي لا يقال له كذا. وفيه تَنْزِيهٌ للهِ تعالى عن مشابهة المخلوقين. وقال بعضهم: إن الكاف زائدة. قال الطبري وغيره: ليست بزائدة، ولكن وضع (مثله) موضع هو. والمعنى ليس كهو شيء. قال الزمخشري: هذا كما تقول: مثلك لا يبخل. والمراد أنتَ لا تبخل، فنفى البخل عن مثله. والمراد نفيه عن ذاته.

стр. 619

(كَنْزٌ لَهُمَا) : قيل مال عظيم. وقيل: كان عِلْما في صحف مدفونة. والأول أظهر. وضمير التثنية يعود على الغلاَمَيْن. وذكر الجواليقي وغيره أن لفظ الكنز فارسي. (كفر عنهم سَيئَاتِهم) : أي غفرها لهم. قال ابن الجوزي: معناه امْحُ عنّا - بالنبطية. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني في قوله: كفَّر عنهم سيئاتهم - قال - بالعبرانية: محا عنهم. (كما تَأكلُ الأنعام) : عبارة عن كثرة أكلهم، أو عن غفلتهم عن النظر كالبهائم. (كأيّن مِنْ قَرْيةٍ هي أشدُّ قوةً مِنْ قَرْيتِك) : يعني مكة وخروجه ﷺ منها وقْتَ الهجرة. ونَسب الإخراج إلى القرية والمراد أهلها، لأنهم آذوه حتى خرج. (كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) . أو: (كمن هو خالدٌ في النار) : تقديره: أمثل أهل الجنة المذكورة قَبْلُ كمن هو خالدٌ في النار، فحذف هذا التقدير المراد به النفي، وإنما حذفه لدلالة التقدير المتقدم عليه. (كيف إذا تَوَفَّتْهم الملائكة يضربون) : ضمير الفاعل للملائكة. وقيل: إنه الكفَّار، أي يضربون وجوه أنفسهم، وذلك ضعيف، أي كيف يكون فعل هؤلاء، والعربُ تكتفي بكيف عن ذِكْرِ الفعل معها لكثرة دورانها في الكلام. (كفَّ أيْدِي الناسِ عنكم) : أي كفَّ أهْلَ مكة عن قِتَالكم في الْحُدَيْبِية. وقيل: كفَّ اليهود وغيرهم عن الإضرار بنسائكم وذرّيتكم حين خرجتم إلى الحديبية. (كفَّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم) : رُوِيَ أنَّ جماعة ً من

стр. 620

فِتْيَان فريش خرجوا إلى الْحديبية ليصيبوا من عَسْكرِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فبعث إليهم ﷺ خالد بن الوليد في جماعة من المسلمين، فهزموهم وأسَروا منهم قوماً، وساقوهم إليه ﷺ ، فأطلقهم، فكفُّ أيدِي الكفَّار هو أن هزِموا وأُسِروا. وكفّ أيدي المؤمنين عن الكفار هو إطلاقهم من الأسْرِ وسلامَتهم من القتل. وقوله: (مِنْ بعد أنْ أظفركم عليهم) يعني من بعدما أخذتموهم أسارى. (كلمة التَّقْوى) : هي لا إله إلا الله عند الجمهور، للحديث. وقيل: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقيل: لا إله إلا الله والله أكبر. وهذه كلّها متَقَارِبة. وقيل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ التي أبى الكفار أن تكتب، بل قالوا: اكتب اسمك. (كانوا أحَق بها وأهْلَها) ، أي المسلمون المذكورون. وقيل: أي كانوا كذلك في علم الله وسابق قضائه لهم. وقيل: أحق بها من اليهود والنصارى. (كَفى باللهِ شَهيدا) : أي شاهدا بأن محمداً رسول الله، أو شاهدا بإظهار دينه. (كزَرْعٍ أخْرَج شَطْأه) : هذا مثل ضربه الله للإسلام حيث بدأ ضعيفا ثم قوي وظهر. وقيل: الزرع مثل النبي ﷺ ، لأنه بُعِث وحده. فكان الزرع حبةً واحدة، ثم كثر المسلمون. (كَثِيبا) : أي كدْس الرَّمل، يعني أن الجبال فتِّتَت من زلزلتها حتى صارت كالرمل المذري. (كصاحب الحوتِ) : قد قدمنا أنه يونس ﵇. وسببها أنه ﷺ همّ أن يدعو على الكفار، فنهاه الله أن يكون مثله في الضجر والاستعجال، لأنه ذهب مغاضباً لَمّا خالفه قَوْمه، فدعا عليهم، وأجيب وأَعلمهم بالعذاب، فلما رأى قومه مخايل الهلاك تابوا وآمنوا، فتاب الله عليهم

стр. 621

وصرفه عنهم، وإنما أبقَ من قومه لخوفه من القتل، وسمي أبّاقاً في قوله تعالى: (إذْ أبقَ إلى الفُلْكِ الْمَشْحُون) . وقيل: إنه لما وعد قومه بالعذاب ولم يُصبهم بسبب إيمانهم أخَذَتْه غضْبَةٌ كما ذكر الله عنه. والأول أصح. فانظر قدرك، يا محمديّ، عند ربك، واشكره إذ هداك للإيمان بهذا النبي الكريم. وفي الخبر أنه ﷺ لما نزلت هذه الآية قال: يا ربّ، أمرتني أن أعاملَ أمتي بخلاف سائر الأمم، فعامِلْهُم أنت كذلك. فأوحى الله إليه: هم أمتُك، وهم عبيدي، وقد أعطيتك الشفاعة فيهم، فكيف تضِيع أمةٌ أنتَ شفيعها وأنا رحيمها، فالحمد للَه الذي جعلنا من هذه الأمة، وخصنا بهذا النبي الكريم. (كوَاعِبَ أتْرَابا) : الكاعِب الجارية التي خرج ثديها، وهي أحبّ إلى الرجل لصغرها. (كافُورا) : أي في طيب رائحته، كما تمدح طعاما فتقول: هذا مسك. وذكر الجواليقي وغيره أنه فارسي. (كَالُوهم) : بمعنى كالوا لهم. يقال: كلتك وكِلْتُ لك، ووزنتك ووزنت لك، بمعنى واحد. وحذف المفعول الثاني وهو المكيل والموزون. وهم ضمير المفعول للناس، فالمعنى إذا كالوا للناس، أو وزنوا لهم طعاماً أو غيره مما يكال أو يوزن بخسوهم حقوقهم. وقيل إنَّ "هم" في قوله: كالوهم ووزنوهم تأكيد للضمير الفاعل. وقد رُوي عن حمزة أنه كان يقفُ على كالوا ووزنوا، ثم يبتدىء ب "هم" ليبين هذا المعنى، وهو ضعيف من وجهين: أحدهما أنه لم يثبت في المصحف ألف بعد الواو في كالوا ووزنوا، فدل ذلك على أنَّ همْ ضمير المفعول. والآخر أن المعنى على هذا أنَّ المطففين إذا تولوا الكيل أو الوزن نقصوا. وليس ذلك بمقصود، لأن الكلام واقع في الفعل لا في المباشر، ألا ترى أن اكتالوا على الناس معناه قبضوا منهم، وكالوهم ووزنوهم معناه دفعوا لهم، فقابل القبض بالدّفْعِ، وأما على هذا الوجه الضعيف فهو خروج عن المقصود.

стр. 622

قال ابن عطية: ظاهر الآية أن الكيل والوزن على البائع، وليس ذلك بالجليّ. قال: وصدر الآية في المشترين، فهم الذين يستوفون، أي يشاحّون ويطلبون الزيادة. وقوله: إذا كالوهم أو وزنوهم في البائعين فهم الذين يخسرون المشتري. (كمِشْكَاةٍ فيها مِصْبَاح) : المشكاة هي الكُوَّة غير النافذة تكون في الحائط، ويكون المصباح فيها شديد الإضاءة وقيل: المشكاة الذي يكون المصباح على رأسه، والأول أصح وأشهر. والمعنى صفة نور الله في وضوحه كصفَةِ مِشْكاةٍ فيها مصباح على أعظم ما يتصوره البشر من الإضاءة، وإنما شبهه بالمشكاة وإن كان نور الله أعظم، لأن ذلك غايةُ ما يدركه الناس من الأنوار، فضرب المثل لهم بما يوصل إلى إدراكه. وقيل الضمير في نوره عائد على محمد ﷺ . وقيل على القرآن. وقيل على المؤمنين. وهذه الأقوال كلها ضعيفة، لأنه لم يتقدم ما يعود عليه الضمير. فإن قيل: كيف يصحّ أنْ يقال: (الله نور السماوات والأرض) ، فأخبر أنه هو النور، ثم أضاف النور إليه في قوله: (مَثَل نوره) ، والمضاف غير المضاف إليه؟ فالجواب أن ذلك يصح مع التأويل الذي قدّمناه، أي الله ذو نور السماوات والأرض، أو كما تقول زيد كريم، ثم تقول: يعيش الناس بكرمه. (كادح) : الكدح في اللغة هو الجِدّ والاجتهاد والسرعة. فالمعنى أنك في غاية الاجتهاد في السيبر إلى ربك، لأن الزمان يطير وأنت في كل لحظة تقطع خطا من عمرك القصير، فكأنك سائر مسرع إلى الموت ثم تلاَقِي رَبَّك. فانظر فيما تصرف عمْرَك، فإن أنفقته فيما فيه رضاه رضي عنك، وإن كان في غيره غضب عليك، ولا يقوم لغضبه شيء. وقيل: المعنى أنك ذو جد فيما تعمل من خير أو شر، ثم تلْقى ربك فيجازيك به. والأول أظهر، لأن (كادح) تعدّى بإلى لما تضمَّن من معنى السير. ولو كان بمعنى العمل لقال لربك. (كنود) : كَفور للنعمة. والتقدير إن الإنسان لنعمة ربه

стр. 623

لكفور. والإنسان جنس. وقيل الكنود العاصي. وقال بعض الصوفية: الكنود الذي يعبد الله على عِوض. (كَيْدهم) : مكرهم وحيلتهم، والضمير لأصحاب الفيل القاصدين هَدْم الكعبة، فرَدّ اللَّهُ عليهم كَيْدَهم. (في تضليل) : أي في إبطال وتخسير. (كعَصْفٍ مأكول) : العصف: ورق الزرع وتبْنه. والمراد أنهم صاروا رَمما، وفي تشبيههم به ثلاثة أوجه: الأول: أنه شبههم بالتبن إذا أكلته الدواب ثم راثَتْه، وجُمع للتلف والخسارة، ولكن الله كنى عن هذا على حسب أدب القرآن. الثاني: أنه أراد ورق الزرع إذا أكلته الدوابّ. الثالث: أنه أراد كعَصْفٍ مأكول زَرْعُه وبقي هو لا شيء. (كَوْثر) أي الكوثر: بناء مبالغة من الكثرة. وفي تفسيره سبعة أقوال: الأول: أنه حَوْض النبي ﷺ الثاني: أنه الخير الكثير الذي أعطاه الله في الدنيا والآخرة، قاله ابن عباس. وتممَه سعيد بن جبير بأن قال: إن النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه. فالمعنى أنه من العموم. الثالث: أن الكوثر القرآن. الرابع: أنه كثرة الأصحاب والأتباع. الخامس: أنه التوحيد. السادس -: أنه الشفاعة. السابع: أنه نور وضعه اللَّهُ في قلبه. ْوالصحيح أن الله أعطاه هذه الأشياء كلها، ولكن المراد بالكوثر الذي ترِدُه أمَّته. آنيَته على عدد نجوم السماء، طوله ما بين عمان إلى صنعاء، هكذا فسره ﷺ ، قال أبو سعيد القرشي: لما نزلت على النبي ﷺ :

стр. 624

(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) الإسراء: ٥٧، - قال ﷺ : " اتَّخَذْتَ إبراهيم خليلاً، وموسى كليما، فماذا خَصَصْتَني؟ فأنزل الله تعالى: (ألَمْ نَشْرَح لك صَدْرك) . فلم يكتف بذلك وحقّ له ألا يكتفي، لأن السكون إلى الحال سبب قطع المزيد، فأنزل الله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر) . فقال له جبريل: إن الله تعالى يقْرِئك السلام ويقول لك: إن كنتُ اتخذت إبراهيم خليلاً، وموسى كليما - فقد اتخذتك حبيباً. وعزتي وجلالي لأفضلنَّ حبيبي على خليلي وكليمي، فسكن. وهذا من أجلّ الرضا، لأن هذه هي الدلالة، والرضا للحبيب والانبساط للخليل، ألا ترى إلى قول إبراهيم: وجاءته البشْرى وهو على الانبساط. فإن قلت: قد وردت تحديدات من الشارع في عرض هذا الكوثر وطوله يفهم منها التضادّ؟ فالجواب أنها ليست بمختلفة، وإنما تحدث به ﷺ مرات عديدة، وذَكَر فيها تلك الألفاظ المختلفة بحسب اختلاف الطوائف من العرب، فخاطب كل أحد بما كان يعرف من المسافة. والمعنى المقصود أنه حوض كبير متَّسِع الجوانب والزوايا. قال السّهيلي في الرَّوْضِ الأنف: عن عائشة ﵂: قال لي رسول الله ﷺ : " إن الله أعطاني نَهْرا يقال له الكوْثر، لا يشَاء أحَد من أمَّتي يسمع خَرِيرَه إلاَّ سمع ". قلت: يا رسول الله، وكيف، قال: أدخلي إصبعيك في أذُنَيْكِ وشدّي. قالت: قد فعلت يا رسول الله. قال: هذا الذي تسمعين هو من خرير الكوثر. تنبيه: قال ﷺ : " إن لحَوْضِي أربعة أركان، فالركن الأول في يَدِ أبي بكر، والثاني في يد عمر، والثالث في يد عثمان، والرابع في يد عليٍّ، فمن أبغض أحدا

стр. 625

منهم حرمه الباقون. وأوَّل من يرده فقراء المهاجرين الدَّنسُو الثياب، الشعث الرؤوس، الذين لا يتزوجون المتنعمات، ولا تفتح لهم أبواب السُّدُود، يموت أحدهم وحاجته تتلجلج في صدره، لو أقسم على الله لأبَرّهُ ". فانظر يا مسكين هل بيننا من هذه الأوصاف شيء، نعم، قد اتّصفنا بأضدادها، فأنَّى لنا باللحوق بهم غير الصلاة والسلام على نبينا والرضا عن أصحابه الكرام. (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) ، أي فرِض، وإن كان على الأعيان فنسخه: (وما كان المؤمنون لِيَنْفِزوا كافّة) . فصار القتال فَرْضَ كفايةٍ، وإن كان على الكفاية فلا نسخ. و (كرْه) : مصدر كره، للمبالغة، أو اسم مفعول كالخبر بمعنى المخبور. وأما قوله تعالى: (كُتب عليكم القِصَاص) ، فليس بمعنى فرض، بل شرع، لأن وليّ المقتول مُخَيّر بين القصاص والدية والعفو. وقيل بمعنى فرض، أى فرض على القاتل الانقياد للقصاص، وعلى ولي المقتول ألاَّ يتعدّاه إلى فعل غيره، كفعل الجاهلية، وعلى الحكام التمكين من القصاص. (كتِب عليكم الصيامُ) : المقصود بهذه الآية وبقوله تعالى: (أيّاما معدودات) - تسهيل الصيام على المسلمين، وكأنه اعتذار عن كَتْبه عليهم، وملاطفة جميلة. والذي كتب على من قبلنا الصيام مطلقاً. وقيل: كتب على الذين من قبلنا رمضان فبدلوه. (كَفَّار أثيم) : أي من يجمع بين الكفْرِ والإثْمِ، وهذا يدلّ على أن الآية في الكفار. (كريم) : من الكرم، وهو الحَسَب والجلالة والفضل. وكريم: اسم اللَه تعالى، أي محسن. وأما قول بلقيس: (إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ) ، - فلأنه من سليمان، أو لأن فيه اسمَ الله، أو لأنه مختوم، كما جاء في الحديث: كرم الكتاب خَتمه.

стр. 626

فإن قُلْتَ: إنما كانت تعرف سليمان لا الخالق، ولذا كانت تسجد للشمس؟ فالجواب إنما عظَّمت الكتاب لوجوهٍ، منها أنه لم يلْقِه لها بشر ولم يأمرها فيه إلا بملاطفة، ولذا بدأ سليمان بذكْره على اسم الله غيرةً منه أنْ يقع منها في اسم الجلالة نقص أو خلل. (كفْرَان لسَعْيِه وإنّا له كاتِئون) : أي - لا إبطال لثواب عمله، لأنَّا نكتب عمله في صحيفته. (كالِحون) : الكلوح: انطباق الشفَتَيْن عن الأسنان. وكثيراً ما يجري ذلك للكلاب، وقد يجري للكلاب إذا شويت رؤوسها. وفي الحديث: إن شفَةَ الكافر ترتفع بالنار حتى تبلغ وسط رأسه. وفي ذلك عذاب وتشويه. وفي الحديث: ضرس الكافر أو نَابُه في النار مثل أُحُد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث. (كبْكبوا فيها) : أصله كُبُّوا فيها على رؤُوسهم في جهنم مرةً بعد مرة، وكررت حروفُه دلالة على تكرير معناه. والضمير للأصنام. (كنَّا لَفِي ضَلاَل مُبين) : هذا قول المشركين المكبوبين. (كذَّبَتْ قَوْمُ نوح الْمرْسلين) : أسند الفعل إلى القوم، وفيه علامة التأنيث لأن القوم في معنى الجماعة والأمة. فإن قلت: كيف قال المرسلين بالجمع، وإنما كذبوا نوحاً؟ فالجواب من وجهين: أحدها أنه أراد الجنس، كقولك: فلان يركب الخيْل، وإن لم يركب إلا فَرَساً واحدا. والآخر أن مَنْ كذَّب نبيّاً واحداً فقد كذّب جميع الأنبياء، لأن قولهم واحد، ودعوتهم سواء، وكذلك الجواب في: كذبت عاد المرسلين، وغيره. (كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) : أي أهلكوا. وقيل: لُعِنوا. وقيل كُبِت الرجل إذا بقي خَزْيَان، ونزلت الآية في المنافقين واليهود.

стр. 627

(كَرَّتيْن) ، أي انظر نظراً بعد نظر للتثبت والتحقق. وقال الزمخشري: معنى التثنية في كرتين التكثير لا مرتين خاصةً، كقولهم لبَّيْك، فإن معناه إجابات كثيرة. (كان مِقْداره خمسين ألف سنة) . اختلف في هذا اليوم على قولين: أحدهما: أنه يوم القيامة. والآخر: أنه في الدنيا. والصحيح أنه يَوْم القيامة، لقول رسول الله ﷺ في حديث مانع الزكاة: ما من صاحب ذهبٍ ولا فضّة لا يؤَدّي زكاتها إلا صفحت له صفائح من نارٍ، يكوَى بها جبينه وجَنْبه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقْضَى بين العباد. ثم اختلف هل مقداره خسون ألف سنة حقيقة، وهذا هو الأظهر. أو هل وصف بذلك لشدة أهواله، كما يقال: طويل، إذا كانت فيه مصائب وهموم. وإن قلنا: إنه في الدنيا فالمعنى أن الملائكة والروح يعرجون في يوم لو عرج فيه الناس لعرجوا في خمسين ألف سنة. وقيل الخمسون ألف سنة هي مدة الدنيا والملائكة تنزل وتعرج في هذه المدة. وهذا كله على أن يكون قوله: (في يوم) صفة للعذاب، فيتعيّن أن يكون اليوم يوم القيامة. والمعنى على هذا مستقيم. (كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ) . شبَّه السماء بالمهل، وهو درْدِيّ الزيت، في سوادها، وانكدار أنوارها يوم القيامة، أو هو ما أذيب من الفضة وشبهها، شبه السماء به في تلوّنه، وشبّه الجبال بالعهن وهو الصُّوف المصبوغ ألواناً، فيكون التشبيه في الانتفاش وفي اختلاف الألوان، لأن الجبال منها سود ومنها بيض. (كبَّاراً) - بتشديد الموحدة أبلَغ من الكبار بالتخفيف. والكبَار المخفف أبلغ من الكبير.

стр. 628

(كَثِيباً مَهيلا) : معناه أن الجبال تصير إذا نُسفت يوم القيامة مثل الكثيب، وهو كُدْسُ الرمل. والمهيل: الليّن الرِّخْو نشرته الرياح، ووزنه مفعول. (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) . اللام للعهد، والرسول إلى فرعون موسى. (الكبَر) ،: جمع كبْرى. وقال ابن عطية: جمع كبيرة. والأول هو الصحيح، والمراد بها إما جهنم، أو الآيات والنذَارَة. (كوِّرت) : ذهب ضَوْؤُها. وقيل كوِّرَت كما تكور العِمَامة. وأخرج ابن أبي جرير عن سعيد بن جبير، قال: كوِّرت: غورت بالفارسية. (كشِطَت) : أي قُشرت كما يقشر جلد الشاة حين تُسلخ، وكَشْط السماء، هو طيُّها كطيِّ السجل، قاله ابن عطية. وقيل معناه كشفت. وهذا أليق بالكشط. (كنّس) : من قولك كَنس الوحش إذا دخل كناسه وهو موضعه. والمراد بها الدراري السبعة، لأنها تَكْنِس في جريها أو في أبراجها وتَخْفَى بضوء الشمس. وقيل: يعني بقر الوحش، فالخنّس على هذا من خَنس الأنف. والكنس من سكناها في كناسها. (كفُواً) : مثلاً. (كَهْلاً) : هو الذي انتهى شبابه. والمعنى أن عيسى ﵇ يكلِّمُ الناسَ في الْمَهد وكَهلاً. (أكبَّ) الرجل على وجهه فهو مكب، وكبّه غيره بغير ألف. (كِسَفاً) : بفتح السين - جمع كِسْفة، وهي القطعة. وقرئ بالإسكان، ومنه قوله: (أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ) .

стр. 629

(كِفْلٌ منها) : أي نصيب، ومنه كِفْلَيْن من رحمته، أي نصيبين. ومنه الحديث: يُؤْتون أجْرَهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وآمن بي ... الحديث. وقد نظم بعض المتأخرين الذين يؤْتون أجْرَهم مرَّتين: ثلاث وعشر في المثبت فضّلوا ... أمَنْ يرفع الأخبار قد جاء مطلقا فأزْواج خَيْرِ المرسلين ومؤْمن ... من أهل الكتاب اليوم بالحقّ صَدَّقا كذا العبد إن يَنْصَحْ مَوَاليه دائما ... ويلزم باب الله بالدّين والتَّقَى وذو أمَة تأديبها كان محُسناً ... فصار لها زَوْجاً وقد كان اعْتَقا ومجتهد في الحق صادفَ رَأْيه ... ومَنْ حاول القرآن بالجهد والشّقا ومَنْ غسلُة ثنْتَين حَالَ وضوئه ... وعامٍ يسد الصفَّ مهما تَفَرَّقا ومَنْ يشكر النعماء إن كان ذا غِنًى ... ومن خصّ في الأرحام فيما تصدّقا ومَنْ سنَ خيراً والجبان إذا رمى ... بنفس على الكفَّار واقتحم اللّقا كذلك من صلَّى بفرض تيَمّم ... وبعد وجود الماء عاد وحقّقا وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري، قال: كفْلَيْن ضعفيْن - بالحبشية. (كَيْدهُنَّ) : قد قدمنا أن الكيد من الخَلْق احتيال، ومن اللَه مشيئته أمرا ينزل بالعبد من حيث لا يشعر. وأما قوله تعالى: (كذلك كِدْنَا ليوسف) ، فمعناه فعلنا له ذلك، لأنه كان في شرعه أو عادته أن يضرب السارق، ويضاعف عليه الغُرْم، ولكن حكم في هذه القضية بحكم آل يعقوب. (كتمَ شهادةً عِنده مِنَ الله) : يعني الشهادة بأنّ الأنبياء على الحنفية. و (مِنَ الله) يتعلق بـ (كتم) أو بعنده، كأنّ المعنى شهادة تخلصت له من الله. (أكِنّةً أنْ يَفْقَهُوه) : جمع كِنَان، وهو الغطاء. (وأن يفقهوه) مفعول من أجله، تقريره كراهة أن يفقهوه، وهذه كلها استعارات في إضلالهم.

стр. 630

وأكناناً في قوله تعالى: (وجعلَ لَكمْ مِنَ الجِبَال أكنانا) . جمع كِنّ، وهو ما يقي من الحر والبرد والريح وغير ذلك. ويعني بذلك الغيران والبيوت المنحوتة في الجبال. (كِبْرَه) - بفتح الكاف وكسرها لغتان: أي معظمه. وأما قوله تعالى: (إلاَّ كبْرٌ ما همْ بِبَالِغيه) ، أي تكبّر. وقوله: (وتَكونَ لكما الكبْرِياء في الأرض) ، أي الملك. والخطاب لموسى وأخيه ﵉، وإنما سمي الْملْك كبرياء، لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا. (كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ) . الخطاب للنبي ﷺ ، والمرَاد غيره. وقيل ذلك كقول القائل لابنه: إن كنت ابني فبرّني مع أنه لا يشكّ أنه ابنه، ولأن من شأن الشك أن يزول بسؤال أهل العلم، فأمره بسؤالهم. قال ابن عباس: لم يشك النبي ﷺ ولم يسأل. وقال الزمخشري: ذلك على وجه الفرض والتقدير، أي - إن فرضت أنْ تقع في شكٍّ فاسأل. والمنزول عليه القرآن والشرع بجملته، وهذا أظهر. وقيل: يعني ما تقدم من أنَّ بني إسرائيل ما اختلفوا إلاَّ من بعد ما جاءهم الحق. والذين يقرأون الكتاب هم عبد الله بن سلام، ومن أسلم من الأحبار، وهذا بعيد، لأن الآية مكية. وإنما أسلم هؤلاء بالمدينة فحَمْل الآية على الإطلاق أولى. (كِفَاتاً) : من كفِت، إذا ضمّ وجمع. والمعنى أن الأرض تكفِت الأحياء، لأن الكفات اسم لما يضم ويجمع، فكأنه قال جامعة أحياء وأمواتا. ويجوز أن يكون المعنى تكفتهم أحياءً وأمواتاً، فيكون نصبهما على الحال من الضمير، وإنما نكّر أحياءً وأمواتاً للتفخيم، ودلالة على كثرتهم، وكانوا يسمون بَقِيع الغَرْقَد كَفْتَة، لأنها مقبرة تضم الموتى.

стр. 631

(كِذَّابا) : بالتشديد، مصدر بمعنى تكذيب. وبالتخفيف بمعنى الكذب أو المكاذبة، وهي تكذيب بعضهم لبعض. (الكاف) : حرف جَرّ له معان، أشهرها التشبيه، نحو: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ) . والتعليل: (كما أرْسلْنَا فيكم) . قال الأخفش: أي لأجل إرْسالنا فيكم رَسولاً منكم. (واذكرُوه كما هَدَاكم) ، أي لأجل هدايته إياكم. (وَيْكَأنّه لا يفْلح الكافرون) ، أي أعجب لعدم فَلاَحهم. (اجعَلْ لنا إلهاً كما لهم آلهة) . والتأكيد، وهي الزائدة، وحمل عليه الأكثرون: (لَيْسَ كَمِثْلِه شَيء) . أي ليس مثله شيء، ولو كانت غير زائدة لزم إثبات المثل، وهو محال. والقصد بهذا الكلام نَفْيُه. قال ابن جني: وإنما زيدت لتوكيد نفي المثل، لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة ثانيا. وقال الراغب: إنما جمع بين الكاف والمثل لتأكيد النفي، تنبيهاً على أنه لا يصح استعمال المثل ولا الكاف، فنفى بـ ليس الأمرين جميعاً. وقال ابن فورَك: ليست زائدة. والمعنى ليس مثله مثل شيء، وإذا نَفيْتَ التماثل عن المثل فلا مثل لله في الحقيقة. وقال الشيخ زين الدين بن عبد السلام: مثل يُطلق ويراد بها الذات. كقولك: مثلك لا يفعل، أي أنت لا تفعله. كما قال: ولم أقل مثلك أعني به ... سواك يا فَرْداً بلا مشْبِه وقد قال تعالى: (فإنْ آمنوا بمثْلِ ما آمَنْتم به فقد اهْتَدوا) . أي بالذي آمنتم به إياه، لأَن إيمانهم لا مثل له، فالتقدير في الآية ليس كذاته شيء. وقال الراغب: المِثْل ها هنا بمعنى الصفة، ومعناه: ليس كصفته صفةٌ، تنبيهاً على أنه وإن كان وُصِف بكثير مما وصف به البشر فليس تلك الصفات له على حسب ما يستعمل في البشر، وله المثَل الأعْلَى.

стр. 632

تنبيه: ترد الكاف اسماً بمعنى مثل، فتكون في محلّ إعراب، ويعود عليها الضمير. قال الزمخشري: في قوله: (كهَيْئَةِ الطير فأنفخ فيه) - إن الضمير في فيه للكاف في كهيئة، أي أنفخ في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فيصير كسائر الطيور. مسألة الكاف في (ذلك) ونحوه حرف خطاب لا محل له من الإعراب. وفي إيّاك قيل حرف، وقيل اسم مضاف إليه. وفي: (أرَأيْتك) قيل حرف، وقيل اسم، في محل رفع، وقيل نصب. والأول أرجح. (كاد) : فعل ناقص أتى منه الماضي والمضارع فقط، له اسم مرفوع وخبر مضارع مجرد من أن، ومعناها قارب. فنفيها نفي للمقاربة، وإثباتها إثبات للمقاربة. واشتهر على ألسنة كثير أن نفيها إثبات وإثباتها نفي، فقولك: كاد زيد يفعل - معناه لم يفعل، بدليل: (وإنْ كادوا لَيَفْتِنُونَك) . وما كاد يفعل، معناه فعل، بدليل: (وما كادوا يفعلون) . أخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: كل شيء في القرآن وإن كادوا وكَاد ويكاد فإنه لا يكون أبداً. وقيل: إنها تفيد الدلالة على وقوع الفعل بعسر. وقيل: نفي الماضي إثبات، بدليل: (وما كادوا يفعلون) ، ونفي المضارع نفي بدليل: (لم يَكَدْ يرَاها) ، مع أنه لم ير شيئاً. والصحيح الأول، وأنها كغيرها، نفيها نفي وإثباتها إثبات، فمعنى كاد يفعل قارب الفعل ولم يفعل. وما كاد يفعل ما قارب الفعل، فضلاً عن أن يفعل، فنفي الفعل لازم من نفي المقاربة عقلا. وأما آية: (فذبحوها وما كادُوا يَفْعلون) ، فهو إخبار عن

стр. 633

حالهم في أول الأمر، فإنهم كان وا أولاً بعَداء من ذبحها، وإثبات الفعل إنما فهم من دليل آخر، وهو قوله: فذبحوها. وأما قوله تعالى: (لقد كِدْتَ تَرْكَن) - مع أنه ﷺ لم يركن لا قليلاً ولا كثيراً فإنه مفهوم من جهة أن " لَوْلا " الامتناعية تقتضي ذلك. فائدة ترد كاد بمعنى أراد. ومنه: (كذَلِكَ كِدْنا ليوسف) . و (أكَاد أخْفيها) . وعكسه، كقوله تعالى: (جِدَاراً يريد أنْ يَنْقَضَّ) ، أي يكاد. (كان) : فعل ناقص متصرِّف، يرفع الاسم وينصب الخبر، معناه فى الأصل المضيّ والانقطاع، نحو: (كانوا أشدً منكم قوةً وأكثر أموالاً وأوْلادا) . وتأتي بمعنى الدَّوام والاستمرار، نحو: (وكان الله غفوراً رحيما) . (وكنَّا بكل شيء عالمين) ، أي لم نزل كذلك. وعلى هذا المعنى تتخرج جميع الصفات الذاتية المقترنة بكان. قال أبو بكر الرازي: كان في القرآن على خمسة أوجه: بمعنى الأزل والأبَد، كقوله: (وكان الله عَلِيما حكيما) . وبمعنى المضيّ المنقطع، وهو الأصل في معناها، نحو: (وكان في المدينة تسْعة رَهْطٍ) . وبمعنى الحال، نحو: (كنْتم خَيْرَ أمَّة أخْرِجَتْ للناس) . (إنَ الصلاةَ كانَتْ على المؤمنين كتاباً مَوْقوتاً) . وبمعنى الاستقبال، نحو: (يخافون يَوْما كان شَرُّه مُسْتَطيراً) .

стр. 634

وبمعنى صار، نحو: (و كان من الكافرين) . قلت: أخرج ابن أبي حاتم عن السّدِّيِّ، قال: قال عمر بن الخطاب: لو شاء اللَه لقال: أنتم، فكنَّا كلنا، ولكن قال: كنتم في خاصة أصحاب محمد. وترد (كان) بمعنى ينبغي، نحو: (ما كان لكم أنْ تُنْبِتُوا شجرها) ، (ما يكون لنا أن نتكلَّم بهذا) . وبمعنى حضر أو وجد، نحو: (وإن كان ذو عسْرَةٍ فَنظِرَةٌ إلى ميسرة) . (إلاَّ أنْ تكونَ تجارةً حاضرةً) . (وإنْ تَك حَسَنَةً) . وترد للتأكيد، وهي الزائدة، وجعل منه: (وما عِلْمي بما كانُوا يَعْمَلون) . (كَأنَّ) - بالتشديد: حرف للتشبيه المؤكد، لأن الأكثر على أنه مركّب من كاف التشبيه، وأن المؤكدة. والأصل في كأن زَيْدا أسدٌ - إن زيداً كأسد. قدم حرف التشبيه اهتماماً به، ففُتحت همزة أن لدخول الجار. قال حازم: وإنما تستعمل حيث يقوى التشبيه حتى يكاد الرَّائي يشك في أن المشبَّه هو المشبّه به، ولذلك قالت بلقيس: (كأنه هو) . قيل: وترد للظن والشك فيما إذا كان خبرها غير جامد. وقد تخفَّف، نحو: (كأن لم يَدْعنا إلى ضرٍّ مَسَّه) . (كأين) : اسم مركب من كاف التشبيه وأيّ المنونة للتكثير في العدد، نحو: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) . وفيه لغات، منها كائن بوزن بائعِ، وقرأها ابن كثير حيث وقعت. وكأيِّن بوزن كعيّن، وقرئ بها. وكأيّن من نبي قَاتَل. وهي مبنيَّة لازمة الصدر، ملازمة لإبهام، مفتقرة إلى تمييز، وتمييزها مجرور بمن غالباً - وقال ابن عصفور: لازماً. (كذا) : لم ترد في القرآن إلا للإشارة، نحو: (أهكذا عَرْشك) .

стр. 635

(كل) : اسم موضوع لاستغراق أفراد المنكر المضاف هو إليه، نحو: (كلُّ نَفْس ذائقة الموت) . والمعرّف المجموع، نحو: (وكلّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْدا) . (كلّ الطَّعَام كان حِلاًّ لبني إسرائيل) . وأجزاء المفرد المعَرّف، نحو: (يَطْبَع اللَّهُ على كلّ قَلْبِ متَكبِّرِ جَبّار) ، بإضافة قلب إلى متكبر، أي على كل أجزائه. وقراءة التنوين لعموم أفراد القلوب. وترد باعتبار ما قبلها وما بعدها على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون نعتاً لنكرة أو معرفة، فتدل على كماله، وتجب إضافتها إلى اسم ظاهر تمَاثِله لفظاً ومعنى، نحو: (ولا تَبْسطْها كلَّ الْبَسْط) ، أي بسطا كل البسط، أي تاماً. (فلا تَمِيلوا كلَّ الميْلِ) . ثانيها: أن تكون توكيداً لمعرفةٍ، ففائدتها العموم، وتجب إضافتها إلى ضمير راجع للمؤكد، نحو: (فسجَدَ الملاَئكة كلّهم أجمعون) . وأجاز الفَرّاء والزمخشري قطعها حينئذ عن الإضافة لفظاً، وخرّج عليه قراءة بعضهم: (إنّا كلاًّ فيها) . ثالثها: ألا تكون تابعة، بل تالية للعوامل، فتقع مضافةً إلى الظاهر، وغير مضافة، نحو: (كل نفْس بما كسبَتْ رَهِينَة) . (وكُلاًّ ضَرَبْنَا لَه الأمثال) . وحيث أضيفت إلى منكَّر وجب في ضميرها مراعاة معناها، نحو: (وكلّ شَيْءٍ فَعَلوه) . (وكلَّ إنسان ألْزَمْنَاه) . (كلُّ نَفْس ذَائِقَة الموْتِ) . (كلُّ نَفْس بما كسبت رَهينة) . (وعلى كلِّ ضَامِر يَأتيْن) . أو إلى معرفة جاز مراعاة لفظها في الإفراد والتذكير، ومراعاة معناها، وقد
следующие страницы →