← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

(كِذَّابا) : بالتشديد، مصدر بمعنى تكذيب. وبالتخفيف بمعنى الكذب أو المكاذبة، وهي تكذيب بعضهم لبعض. (الكاف) : حرف جَرّ له معان، أشهرها التشبيه، نحو: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ) . والتعليل: (كما أرْسلْنَا فيكم) . قال الأخفش: أي لأجل إرْسالنا فيكم رَسولاً منكم. (واذكرُوه كما هَدَاكم) ، أي لأجل هدايته إياكم. (وَيْكَأنّه لا يفْلح الكافرون) ، أي أعجب لعدم فَلاَحهم. (اجعَلْ لنا إلهاً كما لهم آلهة) . والتأكيد، وهي الزائدة، وحمل عليه الأكثرون: (لَيْسَ كَمِثْلِه شَيء) . أي ليس مثله شيء، ولو كانت غير زائدة لزم إثبات المثل، وهو محال. والقصد بهذا الكلام نَفْيُه. قال ابن جني: وإنما زيدت لتوكيد نفي المثل، لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة ثانيا. وقال الراغب: إنما جمع بين الكاف والمثل لتأكيد النفي، تنبيهاً على أنه لا يصح استعمال المثل ولا الكاف، فنفى بـ ليس الأمرين جميعاً. وقال ابن فورَك: ليست زائدة. والمعنى ليس مثله مثل شيء، وإذا نَفيْتَ التماثل عن المثل فلا مثل لله في الحقيقة. وقال الشيخ زين الدين بن عبد السلام: مثل يُطلق ويراد بها الذات. كقولك: مثلك لا يفعل، أي أنت لا تفعله. كما قال: ولم أقل مثلك أعني به ... سواك يا فَرْداً بلا مشْبِه وقد قال تعالى: (فإنْ آمنوا بمثْلِ ما آمَنْتم به فقد اهْتَدوا) . أي بالذي آمنتم به إياه، لأَن إيمانهم لا مثل له، فالتقدير في الآية ليس كذاته شيء. وقال الراغب: المِثْل ها هنا بمعنى الصفة، ومعناه: ليس كصفته صفةٌ، تنبيهاً على أنه وإن كان وُصِف بكثير مما وصف به البشر فليس تلك الصفات له على حسب ما يستعمل في البشر، وله المثَل الأعْلَى.

стр. 632

تنبيه: ترد الكاف اسماً بمعنى مثل، فتكون في محلّ إعراب، ويعود عليها الضمير. قال الزمخشري: في قوله: (كهَيْئَةِ الطير فأنفخ فيه) - إن الضمير في فيه للكاف في كهيئة، أي أنفخ في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فيصير كسائر الطيور. مسألة الكاف في (ذلك) ونحوه حرف خطاب لا محل له من الإعراب. وفي إيّاك قيل حرف، وقيل اسم مضاف إليه. وفي: (أرَأيْتك) قيل حرف، وقيل اسم، في محل رفع، وقيل نصب. والأول أرجح. (كاد) : فعل ناقص أتى منه الماضي والمضارع فقط، له اسم مرفوع وخبر مضارع مجرد من أن، ومعناها قارب. فنفيها نفي للمقاربة، وإثباتها إثبات للمقاربة. واشتهر على ألسنة كثير أن نفيها إثبات وإثباتها نفي، فقولك: كاد زيد يفعل - معناه لم يفعل، بدليل: (وإنْ كادوا لَيَفْتِنُونَك) . وما كاد يفعل، معناه فعل، بدليل: (وما كادوا يفعلون) . أخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: كل شيء في القرآن وإن كادوا وكَاد ويكاد فإنه لا يكون أبداً. وقيل: إنها تفيد الدلالة على وقوع الفعل بعسر. وقيل: نفي الماضي إثبات، بدليل: (وما كادوا يفعلون) ، ونفي المضارع نفي بدليل: (لم يَكَدْ يرَاها) ، مع أنه لم ير شيئاً. والصحيح الأول، وأنها كغيرها، نفيها نفي وإثباتها إثبات، فمعنى كاد يفعل قارب الفعل ولم يفعل. وما كاد يفعل ما قارب الفعل، فضلاً عن أن يفعل، فنفي الفعل لازم من نفي المقاربة عقلا. وأما آية: (فذبحوها وما كادُوا يَفْعلون) ، فهو إخبار عن

стр. 633

حالهم في أول الأمر، فإنهم كان وا أولاً بعَداء من ذبحها، وإثبات الفعل إنما فهم من دليل آخر، وهو قوله: فذبحوها. وأما قوله تعالى: (لقد كِدْتَ تَرْكَن) - مع أنه ﷺ لم يركن لا قليلاً ولا كثيراً فإنه مفهوم من جهة أن " لَوْلا " الامتناعية تقتضي ذلك. فائدة ترد كاد بمعنى أراد. ومنه: (كذَلِكَ كِدْنا ليوسف) . و (أكَاد أخْفيها) . وعكسه، كقوله تعالى: (جِدَاراً يريد أنْ يَنْقَضَّ) ، أي يكاد. (كان) : فعل ناقص متصرِّف، يرفع الاسم وينصب الخبر، معناه فى الأصل المضيّ والانقطاع، نحو: (كانوا أشدً منكم قوةً وأكثر أموالاً وأوْلادا) . وتأتي بمعنى الدَّوام والاستمرار، نحو: (وكان الله غفوراً رحيما) . (وكنَّا بكل شيء عالمين) ، أي لم نزل كذلك. وعلى هذا المعنى تتخرج جميع الصفات الذاتية المقترنة بكان. قال أبو بكر الرازي: كان في القرآن على خمسة أوجه: بمعنى الأزل والأبَد، كقوله: (وكان الله عَلِيما حكيما) . وبمعنى المضيّ المنقطع، وهو الأصل في معناها، نحو: (وكان في المدينة تسْعة رَهْطٍ) . وبمعنى الحال، نحو: (كنْتم خَيْرَ أمَّة أخْرِجَتْ للناس) . (إنَ الصلاةَ كانَتْ على المؤمنين كتاباً مَوْقوتاً) . وبمعنى الاستقبال، نحو: (يخافون يَوْما كان شَرُّه مُسْتَطيراً) .

стр. 634

وبمعنى صار، نحو: (و كان من الكافرين) . قلت: أخرج ابن أبي حاتم عن السّدِّيِّ، قال: قال عمر بن الخطاب: لو شاء اللَه لقال: أنتم، فكنَّا كلنا، ولكن قال: كنتم في خاصة أصحاب محمد. وترد (كان) بمعنى ينبغي، نحو: (ما كان لكم أنْ تُنْبِتُوا شجرها) ، (ما يكون لنا أن نتكلَّم بهذا) . وبمعنى حضر أو وجد، نحو: (وإن كان ذو عسْرَةٍ فَنظِرَةٌ إلى ميسرة) . (إلاَّ أنْ تكونَ تجارةً حاضرةً) . (وإنْ تَك حَسَنَةً) . وترد للتأكيد، وهي الزائدة، وجعل منه: (وما عِلْمي بما كانُوا يَعْمَلون) . (كَأنَّ) - بالتشديد: حرف للتشبيه المؤكد، لأن الأكثر على أنه مركّب من كاف التشبيه، وأن المؤكدة. والأصل في كأن زَيْدا أسدٌ - إن زيداً كأسد. قدم حرف التشبيه اهتماماً به، ففُتحت همزة أن لدخول الجار. قال حازم: وإنما تستعمل حيث يقوى التشبيه حتى يكاد الرَّائي يشك في أن المشبَّه هو المشبّه به، ولذلك قالت بلقيس: (كأنه هو) . قيل: وترد للظن والشك فيما إذا كان خبرها غير جامد. وقد تخفَّف، نحو: (كأن لم يَدْعنا إلى ضرٍّ مَسَّه) . (كأين) : اسم مركب من كاف التشبيه وأيّ المنونة للتكثير في العدد، نحو: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) . وفيه لغات، منها كائن بوزن بائعِ، وقرأها ابن كثير حيث وقعت. وكأيِّن بوزن كعيّن، وقرئ بها. وكأيّن من نبي قَاتَل. وهي مبنيَّة لازمة الصدر، ملازمة لإبهام، مفتقرة إلى تمييز، وتمييزها مجرور بمن غالباً - وقال ابن عصفور: لازماً. (كذا) : لم ترد في القرآن إلا للإشارة، نحو: (أهكذا عَرْشك) .

стр. 635

(كل) : اسم موضوع لاستغراق أفراد المنكر المضاف هو إليه، نحو: (كلُّ نَفْس ذائقة الموت) . والمعرّف المجموع، نحو: (وكلّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْدا) . (كلّ الطَّعَام كان حِلاًّ لبني إسرائيل) . وأجزاء المفرد المعَرّف، نحو: (يَطْبَع اللَّهُ على كلّ قَلْبِ متَكبِّرِ جَبّار) ، بإضافة قلب إلى متكبر، أي على كل أجزائه. وقراءة التنوين لعموم أفراد القلوب. وترد باعتبار ما قبلها وما بعدها على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون نعتاً لنكرة أو معرفة، فتدل على كماله، وتجب إضافتها إلى اسم ظاهر تمَاثِله لفظاً ومعنى، نحو: (ولا تَبْسطْها كلَّ الْبَسْط) ، أي بسطا كل البسط، أي تاماً. (فلا تَمِيلوا كلَّ الميْلِ) . ثانيها: أن تكون توكيداً لمعرفةٍ، ففائدتها العموم، وتجب إضافتها إلى ضمير راجع للمؤكد، نحو: (فسجَدَ الملاَئكة كلّهم أجمعون) . وأجاز الفَرّاء والزمخشري قطعها حينئذ عن الإضافة لفظاً، وخرّج عليه قراءة بعضهم: (إنّا كلاًّ فيها) . ثالثها: ألا تكون تابعة، بل تالية للعوامل، فتقع مضافةً إلى الظاهر، وغير مضافة، نحو: (كل نفْس بما كسبَتْ رَهِينَة) . (وكُلاًّ ضَرَبْنَا لَه الأمثال) . وحيث أضيفت إلى منكَّر وجب في ضميرها مراعاة معناها، نحو: (وكلّ شَيْءٍ فَعَلوه) . (وكلَّ إنسان ألْزَمْنَاه) . (كلُّ نَفْس ذَائِقَة الموْتِ) . (كلُّ نَفْس بما كسبت رَهينة) . (وعلى كلِّ ضَامِر يَأتيْن) . أو إلى معرفة جاز مراعاة لفظها في الإفراد والتذكير، ومراعاة معناها، وقد

стр. 636

اجتمعا في قوله: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥) . أو قطعت فكذلك، نحو: (كلّ يَعْمَل على شَاكلَتهِ) . (فكلًا أخَذْنا بذَنْبِه) . (وكلٌّ كانوا ظَالِمين) . وحيث وقعت في حَيًز النفْي بأن تقدمت عليها أداته أو الفعل المنفي فالمنفي يوجَّه إلى الشمول خاصة، ويفيد بمفهومه إثبات الفعل لبعض الأفراد. وإن وقع النفي في حيزها فهو موجّه إلى كل فرد، هكذا ذكره البيانيون. وقد أشكل على هذه القاعدة: (واللَه لا يحِب كلَّ مخْتَال فَخور) ، إذ يقتضي إثبات الحب لمن فيه أحد الوصفين. وأجيب بأن دلالة المفهوم إنما يعوّل عليها عند عدم المعارض، وهو هنا موجود إذ دل الدليل على تحريم الاختيال والفخر مطلقا. مسألة تتصل (ما) بكلّ، نحو: (كلَّمَا رزِقوا مِنْهَا من ثَمَرَةٍ رِزْقا) . وهي مصدرية، لكنها نابت بصلتها عن ظرف زمان، كما ينوب عنه المصدر الصريح. والمعنى: كلّ وقت، ولهذا تسمَّى (ما) هذه المصدرية الظرفية، أي النائبة عن المصدر، لا أنها ظرف في نفسها، و (كل) من (كلما) - منصوب على الظرفية بإضافته إلى شيء هو قائم مقامه، وناصبه الفعل الذي هو جوابٌ في المعنى. وقد ذكر الفقهاء والأصوليون أن كلما للتكرار. قال أبو حيان: وإنما ذلك من عموم ما، لأن الظرفية مرادٌ بها العموم. و (كل) أكدته. (كلاَ وكِلْتَا) : اسمان مفردان لفظاً مثنيان معنى مضَافَان أبدًا لفظاً ومعنى إلى كلمة واحدة معرّفة دالة على اثنين. قال الراغب: وهما في التثنية ككلّ في الجمع.

стр. 637

قال تعالى: (كلتا الجنَّتين آتتْ أكلها) ، (أحدهما أو كلاَ هما) . (كَلّا) : مركب عند ثعلب من كاف التشبيه ولا النافية، شددت لامُها لتقوية المعنى، ولدفع توهّم بقاء معنى الكلمتين. وقال غيره: بسيطة، فقال سيبويه والأكثرون: حرف معناه الردع والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك، حتى إنهم أبداً يجيزون الوقْفَ عليها والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى سمعتَ (كَلاَّ) في سورة فاحكم بأنها مكية، لأن فيها معنى التهديد والوعيد. وأكثر ما نزل ذلك بمكة، لأن أكثر العتوّ كان بها. قال ابن هشام: وفيه نظر، لأنه لا يظهر معنى للزجر في نحو: (ما شاء رَكّبَك. كَلّا) ، (يوم يَقوم الناس لربّ العالمين، كَلَا) . (ثم إنَّ علينا بَيَانَه كلا) . وقولهم: انْتَهِ عن تَرْكِ الإيمان بالتصوير في أيّ صورة ما شاء الله، وبالبعث، وعن العجلة بالقرآن تَعسّف، إذ لم يتقدم في الأوليين حكاية نَفْي ذلك عن أحد، ولطول الفصل في الثالثة بين كلا، وذكر العجلة. وأيضاً فإن أول ما نزل خمس آيات من أول سورة العَلَق، ثم نزل: (إنَّ الإنسان ليَطْغَى) ، فجاءت في افتتاح الكلام. ورأى آخرون أن معنى الرّدعْ والزجر ليس مستمرًّا فيها، فزادوا معنى ثانياً يصح عليه أن يوقف دونها، ويبتدأ بها. ثم اختلفوا في تعيين ذلك المعنى. قال الكسائي: تكون بمعنى حقا. وقال أبو حاتم: بمعنى ألاَ الاستفتاحية. وقال النَّضْر ابن شُميل: حرف جواب بمنزلة أي ونعم، وحملوا عليه: (كَلاَّ والقمر. واللَّيل إذا أدْبر) . وقال الفراء وابن سعدان: بمعنى سوف، حكاه أبو حيان في تذكرته. قال مكي: وإذا كانت بمعنى حقاً فهي اسم. وقرِئ: (كَلاًّ سيَكفرونَ بعبادتهم) ، بالتنوين. ووجِّه بأنه مصدر كَلَّ إذا

стр. 638

أعيا، أي كَلوا في دعواهم، وانقطعوا، أو من الكل وهو الثقل، أي حملوا كلاًّ. وجَوّز الزمخشري كونه حرف الردع ونوّن كم ا في (سلاسلا) . وردَّة أبو حيان بأن ذلك إنما صح في (سلاسلا) ، لأنه اسم أصلُه التنوين. فرجع به إلى أصله للتناسب. قال ابن هشام: وليس هذا التوجيه منحصراً عند الزمخشري في ذلك، بل جَوّزَ كون التنوين بدلاً من حرف الإطلاق المزيد في رأس الآية، ثم إنه وُصل بنية الوقف. (كم) : اسم مبنيّ لازم الصدر مبْهم مفتقر إلى التمييز. وترِد استفهامية ولم تقع في القرآن. وخبرية بمعنى كثير، وإنما تَقَع غالباً في مقام الافتخار والمباهاة، نحو: (وكم مِنْ مَلَكٍ في السماوات) . (وكم مِنْ قَرْيَةٍ أهلكناها) . (وكم قَصَمْنَا مِنْ قرية) . وعن الكسائي أنَّ أصلها كما، فحذفت الألف مثل بِمَ ولِمَ، حكاه الزجاج. ورُد بأنه لو كان كذلك لكانت مفتوحة الميم. (كَيْ) : حرف له معنيان: أحدهما: التعليل، نحو: (كَيْ لَا يكونَ دُولَة بين الأغنياءِ منكم) . والثاتي: معنى أنْ المصدرية، نحو: (لكيلا تأسَوْا) ، لحلول أن محلها، ولأنها لو كانت حرف تعليل لم يدخل عليها حرف تعليل. (كيف) : اسم يرِد على وجهين: الشرط، وخرج عليه: (يُنْفِق كيف يشاء) .

стр. 639

(يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) . (فيبسطه في السماء كيف يشاء) . وجوائها في ذلك كلِّه محذوف، لدلالة ما قبلها. والاستفهام، وهو الغالب، ويستفهم بها عن حال الشيء لا عَنْ ذاته. قال الراغب: وإنما يُسْألُ بها عما يصح أن يُقال فيه شبيه وغير شبيه، ولهذا لا يصح أنْ يقال إن الله كيف. وكلما أخبر الله بلفظ "كيف" عن نفسه فهو استخبار على طريق التنبيه للمخاطب، أو التوبيخ، نحو: (كيف تكفرون) . (كيف يَهْدِي الله قَوْماً كفَرُوا بَعْدَ إيمانهم) .

стр. 640

(حرف اللام) (لعنهم) : طردهم وأبْعَدَهم. وأما قوله تعالى: (ويَلْعَنُهم اللاَّعِنُون) ، فيراد به الملائكة والمؤمنون. وقيل المخلوقات إلا الثَّقَلَيْن. وقيل البهائم لما يصيبهم من الجَدْب بسبب ذنوب بني آدم. (لمستم، ولامستم) : بمعنى النكاح. (لَغْو اليمين) : ساقطه، وهو: والله، ولا والله، الجاري على اللسان من غير قَصْد، هكذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: أن يحلف على الشيء يظنه على ما حلف عليه، ثم يظهر خلافه. وقال ابن عباس: اللغو: الحلف حين الغَضَب. وقيل: اللغو اليمين على المعصية. والمؤاخذة العقاب. أو وجوب الكفارة. واللَّغو أيضاً: الشيء المسقط الْمقى، تقول: ألقيت الشيء، أي طرحته وأسقطته. وأما قوله : (وإذا مَرّوا باللّغْوِ مَروا كِرَاما) . فمعناه الإعراض عن قبيح الكلام، والاستحياء من الدخول مع أهله، تنزيهاً لأنفسهم عن ذلك. (لَبَسْنَا عَلَيْهم) : أي خلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضُعفائهم، فإنهم إذا رأوا الملَك في صورة إنسان قالوا: هذا إنسان، وليس بملك. (لقضِيَ الأمْر ثم لا يُنْظَرون) ، قال ابن عباس: المعنى لو أنزلنا مَلَكاً فكفروا بعد ذلك لعُجِّل لهم العذاب، ففي الكلام على هذا حذف.

стр. 641

وقضي الأمر على هذا تعجيل أخْذِهم. وقيل المعنى: لو أنزلنا مَلَكا لماتوا من هَوْل رؤيته، فقضاء الأمر على هذا: موتهم. (ليَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القيامة لا رَيْبَ فيه) : مقطوع مما قبله، وهو جواب لقسم محذوف. وقيل: هو تفسير للرحمة المذكورة، تقديره إن يجمعكم، وهذا ضعيف لدخول النون الثقيلة في غير موضعها، فإنها لا تدخل إلا في القسم أو في غير الواجب. وقيل (إلى) هنا بمعنى في، يعني في يوم القيامة. وهو ضعيف، والصحيح أنها للغاية على بابها. (لواقِحَ) : بمعنى ملاقح جمع ملْقَحة، أي تلقح الشجر والسحاب، كأنها تنتجه. ويقال لواقح حوامل، جمع لاقح، لأنها تحمل السحاب وتقلبه وتصرفه، ثم تحلّه فينزل. ومما يوضِّح هذا قوله تعالى: (يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا) ، أي حملت. (لَوْمَا تَأتينا بالملائكة) : لوما: عرض وتحضيض، والضمير لكفّار قريش. وذلك أنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يأتيهم بالملائكة، فأخبر الحق بأنهم لو رأوا أعظم آية لقالوا: إنها تحيّل أو سحر. (لها سَبْعَة أبواب) : يعني جهنم. روي أنها سبع طبقات في كل طبقةٍ بابٌ، فأعلاها للمذنبين من المسلمين. والثانية لليهود. والثالثة للنصارى. والرابعة للصابئين. والخامسة للمجوس. والسادسة للمشركين. والسابعة للمنافقين. (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) : هذا قسم. والعمْر: الحياة. وفيه كرامةٌ له ﷺ ، لأنه أقسم بحياته ولم يقسم بحياة غَيْره. وقيل: هو من قول الملائكة لِـ لُوط، وارتفاعه بالابتداء، وخبره محذوف. تقديره: لعمرك قسمي، واللام للتوطئة. وسكرتُهم: ضلالهم وجهلهم. (لَنَسألَنَّهمْ أجمعين) : هذا السؤال المثبت على وجه الحساب،

стр. 642

والسؤال المنفي في قوله تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) ، على وجه الاستفهام المحْض، لأن الله يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى السؤال عنها. (لا يلبثون خِلَافَك إلا قَلِيلاً) ، أي لو أخرجوك لم يلبثوا بعد خروجك من مكة إلاَّ قليلاً. فلما خرج ﷺ مهاجراً من مكة لم يبقوا بعد ذلك إلا قليلاً، وقتلوا بعد ذلك يوم بدر. (لَيَسْتَفِزّونك) : الضمير لقريش، كانوا قد هَمّوا أن يخرجوا النبي ﷺ من مكة، وذلك قبل الهجرة، فالأرض هنا يراد بها مكة، لأنها بلده. (لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) : أي ضعف عذابهما، لو ركنْتَ إليهم، ولم يركن إليهم ﷺ قبل النبوءة، فكيف بعدها؟! (لنذهبنَّ بالذي أوْحَيْنَا إليك) : أي إن شئنا ذهبنا بالقرآن فمحَوناه من الصّدور والمصاحف، وهذه الآية متصلة المعنى بقوله: (وما أُوتِيتم مِنَ العِلْمِ إلا قليلاً) ، أي في قدرتنا أنْ نذهب بالذي أُوحي إليك، فلا يبقى عندكم شيء من العلم. (لنْ نؤمِنَ لكَ حتى تفَجِّرَ لنا من الأرْضِ ينْبُوعا) . الذين قالوا هذا القول هم أشراف قريش، طلبوا من رسول الله ﷺ أنواعاً من خوارق العادات، وضروباً من المعجزات، وهي التي ذكرها الله في كتابه، وهذه منها. واليَنبوع: العين، قالوا له: إن مكة قليلة الماء ففجِّرْ لنا فيها عيناً من ماء. وقيل: إن الذي قال عبدُ الله بن أبي أمية بن المغيرة، وكان ابن عمةِ النبي ﷺ ، ثم أسلم بعد ذلك. (لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ) :

стр. 643

معناها لو كان أهل الأرض ملائكةً لكان الرسول إليهم مَلكاً ولكنهم بشر، فالرسول إليهم بشر من جنسهم. (لو أنْتم تَمْلِكون خَزَائِنَ رحمةِ رَبِّي إذاً لأمسكْتمْ خشْيَةَ الإنفاق) ، أي لو ملكتم الخزائن لأمسكتم عن العطاء خشية الفقر. فالمراد بالإنفاق عاقبة الإنفاق، وهو الفقر. ومفعول (أمسكتم) محذوف. وقال الزمخشري: لا مفعول له، لأن معناه بخلتم. من قولهم للبخيل: ممْسك. ومعنى الآية وصف الإنسان بالشح، وخوف الفقر، بخلاف وصف الله تعالى بالجود والغنى. (لَفِيفاً) : جميعاً مختلطين. (لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ) : يعني دروعا، تكون واحداً، وتكون جمعا، وأول من صنعها داود ﵇. وسببها أنه ﵇ كان يتجسس عن أخباره وسيرته من الناس، فلقي يوما ملكاً، فقال له: ما تقول في داود، فقال: نعْمَ الرجل لو كان يأكل من كَدّ يده، فطلب من الله صنعة يتقوّت منها، فألاَن له الحديد، وعلمه جبريل صنعة الدروع. قال ابن عطية: اللبوس في اللغة السلاح. وقال الزمخشري: اللبوس: اللباس. وقرئ: لتحْصِنَكم - بالتاء والياء والنون، فالنون لله تعالى، والتاء للصنعة. والياء لداود. واللبوس واللباس: الشدة. (لَهْوَ الحديث) : باطله، وهو الغناء. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: " شراء المغَنّيَات وبيعهن حرام ". وقيل نزلت هذه الآية في قرَشي اشترى جارية مغنّية تغني بهجاء رسول الله ﷺ . فالشرا على هذا حقيقة. وقيل: نزلت في النَّضْر بن الحارث، وكان قد تعلم أخبارَ فارس، فذكر لَهْوَ الحديث، وشراء لهو الحديث استحبابه، وقوله، وسماعه، فالشراء على هذا مجاز. وقيل لهو الحديث الباطل. وقيل: الشرك. ومعنى اللفظ يعمّ ذلك كله. وظاهر الآية أنه

стр. 644

لفظ إلى كبر واستخفاف بالدين، لقوله: (ليضِلَّ عن سبيل الله ... ) الآية. وأن المراد شخص معيّن لوصفه بعد ذلك بجملة أوْصاف. (ليلةٍ مبَاركة) ، يعني ليلة القَدْرِ من رمضان. وكيفية إنزال هذا القرآن العظيم فيها أنه أنزل إلى السماء جملة واحدة، ثم نزل به جبريل مفَرَّقاً في عشرين سنة، أَو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، على حسب الخلاف في مدة إقامته ﷺ بمكة بعد البعثة، قال تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) . وأخرج الحاكم وابن أبي شيبة من طريق حسان بن حُريث عن سعيد بن جبَيْر، عن ابن عباس، قال: فصِلَ القرآن من الذكر، فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبي ﷺ . أسانيدها كلها صحيحة. وأخرج الطبراني من وجْهٍ آخر عن ابن عباس، قال: أنْزِل القرآن في ليْلة القَدْرِ في شهر رمضان إلى السماء الدنيا جملةً واحدة، ثم أنزل نجوماً. إسناده لا بَأْسَ به. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق السدّي عن محمد ابن أبي المجالد، عن مِقْسم، عن ابن عباس - أنه سأله ابن عطية الأسود، فقال: وقع في قلبي الشك! قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزِل فيه القرآن) وقوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) . وهذا نزّل في شوّال وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة والمحرّم وصفر وشهر ربيع، فقال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان في ليلة القَدْر جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم، رَسَلاً في الشهور والأيام. قال أبو شامة: قوله: رسلا، أي رِفقاً، وعلى مواقع النجوم، أي على مثل مساقطها، يريد أنزل مفَرَّقاً يَتْلو بعضه بعضاً على تؤدة ورفق. وقيل: يعني بالليلة المباركة ليلة النصف من شعبان، وذلك باطل، للآية: (إنا أنزلناه ... ) . وقوله: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .

стр. 645

قيل: السرّ في إنزاله جملة إلى السماء الدنيا تفخيم أمره وأمر مَنْ نزل عليه. وذلك بإعْلام سكان السماوات السبع أنَّ هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لِأشْرف الأمم. وقد قربناه إليهم لننزله إليهم. ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصولَه إليهم منجما بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله باينَ بينه وبينها، فجعل له الأمْرَيْن: إنزاله جملة، ثم إنزاله مفرَّقاً، تشريفاً للمنزل عليه. ذكر ذلك أبو شامة في المرشد الوجيز. وقال الحكيم التِّرْمذي: أنزل القرآن جملة إلى السماء الدنيا تسليما منه للأمة ما كان أبرز لهم من الحظ بمبعث محمد ﷺ ، وذلك أن بعثته كانت رحمة، فلما خرجت الرحمةُ بفتح الباب جاءت بمحمد ﷺ وبالقرآن فوضع القرآن ببيت العزة في السماء الدنيا ليدخل في حدِّ الدنيا، وؤضعت النبوة في قلب محمد ﷺ . وجاء جبريل بالرسالة ثم الْوَحْي، كأنه أراد تعالى أن يسلّم هذه الرحمة التي كانت حظَّ هذه الأمة مِنَ اللهِ إلى الأمة. وقال السخاوي في جمال القراء: في نزوله إلى السماء جملة تكريمُ بني آدم. وتعظيمُ شأنهم عند الملائكة، وتعريفُهم عناية الله بهم ورحمته لهم، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفاً من الملائكة أن تشيِّعَ سورةَ الأنعام، وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمَرَ جبريل بإملائه على السّفَرة الكرام وإنساخهم إياه وتلاوتهم له. قال: وفيه أيضاً التسوية بين نبينا ﷺ وبين موسى ا@ في إنزاله كتابه جملة، والتفضيل لمحمد ﷺ في إنزاله عليه منجّماً ليحفظه. قال أبو شامة: فإن قلت فقوله تعالى: (إنَّا أنْزَلْنَاه في ليلة القَدْر) . من جملة القرآن الذي أنزل جملة أم لا، فإن لم يكن منه فما نُزل جملة، وإن كان منه فما وَجْهُ صحة هذه العبارة؟ قلت له وجهان: أحدهما: أن يكون معنى الكلام إنا حكمْنَا لإنزاله في ليلة القَدْر، وقضينا به وقدّرناه في الأزَل.

стр. 646

والثاني: أن لفظه لفظُ الماضي ومعناه الاستقبال، أي نزل جملة في ليلة القدر. قال أبو شامة: الظاهر أن نزولَه جملة إلى السماء الدنيا بعد ظهورِ نبوءته ﷺ . قال: ويحتمل أن يكون قبلها. قلت: الظاهر هو الثاني، وسياقُ الآثار السابقة عن ابن عباس صريح فيه. وقال ابن حجر في شرح البخاري: قد أخرج أحمد والبيهقي في الشّعَب عن واثلة بن الأسْقَع، أن النبي ﷺ قال: أنزلت التوراة لستّ مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خَلَتْ منه، والزبور لثمان عشرة منه. والقرآن لأربع وعشرين خلت منه. وفي رواية: وصحف إبراهيم لأول ليْلة، قال: وهذا الحديث مطابق لقوله تعالى: (شهر رمضان الذي أُنْزِلَ فيه القرآن) . ولقوله: (إنا أنْزَلنَاهُ في ليلة القَدْرِ) فيُحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة، فأنزل فيها جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض: (اقرأ باسم ربك) . قلت: لكن يُشْكِلُ على هذا ما اشتهر من أنه ﷺ بُعث في شهر ربيع. ويُجَاب عن هذا بما ذكروه أنه نُبيء أولاً بالرؤيا في شهر مولده، ثم كانت مدتها ستة أشهر، ثم أوحي إليه في اليقظة. ذكره البيهقي وغيره. نعم، يشكل على الحديث السابق ما أخرجه ابن أبي شيبة في فضائل القرآن عن أبي قِلابة، قال: أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان. الثالث: قال أبو شامة: فإن قيل: ما السرُّ في نزوله منَجَّماً، وهلاّ نزل كسائر الكتب جملة؟ قلنا: هذا سؤالْ قد تولى الله جوابَه، فقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) . يعْنُون كما أنزل على مَنْ قبْله من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله: (كَذَلِكَ) - أي أنزلناه كذلك مفرّقا - (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) ، أي لنقوِّيَ به قلبك، فإن الوحْي إذا كان يتجدد في كل

стр. 647

حادثة كان أقوى للقلب، وأشدَّ عناية بالمرسل إليه. ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه، وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقائه جبريل. وقيل معنى (لنثبِّتَ به فؤادَكَ) ، أي لنحفظه، فإنه ﷺ كان أمِّياً لا يقرأ ولا يكتب، ففرِّق عليه ليثبت عليه حفظه، بخلاف غيره من الأنبياء، فإنه كان كاتباً قارئاً، فيمكنه حفْظُ الجميع. قال ابن فُورك: قيل أنزلت التوراة جملة، لأنها نزلت على نبي يقرأ ويكتب - وهو موسى - وأنزل الله القرآن مفرَّقاً، لأنه نزل غير مكتوب على نبي أميّ. وقال غيره: إنما لم ينزّل جملة واحدة، لأنَّ منه الناسخ والمنسوخ، ولا يتأتَّى ذلك إلا فيما نزل مفرقاً. ومنه ما هو جواب لسؤال، ومنه ما هو إنكار على قول قِيل أو فعل فُعِل. وقد تقدّمَ ذلك في قول ابن عباس، ونزّله جبريل بجواب كلام العباد وأعمالهم، وفَسّر به قوله: (ولا يأتونك بِمَثَل إلاَّ جئْنَاك بالحقّ وأحسنَ تفسيراً) . أخرجه عنه ابن أبي حاتم. فالحاصل أن الآية تضمّنت حكمتين لإنزاله مفرقاً. تذنيب ما تقدم في كلام هؤلاء من أنَّ سائر الكتب أنزلت جملة ً هو مشهور في كلام العلماء وعلى ألسنتهم، حتى كاد يكون إجماعا. وقد رأيتُ بعض فضلاء العصر أنكر ذلك، وقال: إنه لا دليل عليه، بل الصواب أنها نزلت مفرقات كالقرآن. وأقول: الصواب الأول، والدليل على ذلك آيةُ الفرقان السابقة. أخرج ابن أبي حاتم، من طريق سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: قالت

стр. 648

اليهود: يا أبا القاسم، لولا أنزل هذا القرآن جملة، كما أنزلت التوراة على موسى. فنز لت. وأخرجه من وجهٍ آخر عنه - بلفظ: قال المشركون. وأخرج نحوه عن قَتَادة والسدّي. فإن قلت: ليس في القرآن التصريح بذلك، وإنما هو على تقدير ثُبوت قَوْلِ الكفار. قلت: سكوتُه تعالى عن الرد عليهم في ذلك وعُدُوله إلى بيان حكمته دليلٌ على صحته، ولو كانت الكتبُ كلها مفرقة لكان يكفي في الرد عليهم أن يقول: إن ذلك سنةُ الله في الكتب أنزلها على الرسل السابقة، كما أجاب بمثل ذلك عن قولهم: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) ، فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ) . وقولهم: (أبعثَ اللهُ بَشراً رسولاً) . وقال: (وما أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك إلاَّ رجالاً نُوحي إليهم) . وقولهم: كيف يكون رسولا ولا له همٌّ إلا النساء، فقال: (ولقد أرْسلنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وجعَلْنَا لهم أزواجاً وذُريّة ... ) . الآية. إلى غير ذلك. ومن الأدلة على ذلك أيضاً قولُه تعالى - في إنزال التوراة على موسى يوم الصعقة: (فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ) . (وألْقَى الألْوَاحَ) . (ولما سكتَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ أخذ الألْوَاح، وفي نسختها هُدًى ورحمةٌ) . (وإذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فوقَهُمْ كأنه ظلَّةٌ وظنوا أنه واقعٌ بهم خذُوا ما آتينَاكم بقوَّة) . فهذه الآيات كلها دالّة على إتيانه التوراة جملة.

стр. 649

أخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جُبير عن ابن عباس، قال: أعطي موسى التوراة في سبعة ألواح من زَبرْجد، فيها تِبْيان لكل شيء وموعظة، فلما جاء بها ورأى بني إسرائيل عكوفا على عبادة العِجْل رمى بالتوراة من يده فتحطمت، فرفع الله منها ستةَ أسباع وأبقى سبعاً. وأخرج من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده - رفعه، قال: الألواحُ التي أنزلت على موسى كانت من سِدْر الجنة، كان طول اللوح اثني عشر ذراعاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ثابت بن الحجاج، قال: جاءتهم التوراة جملة واحدة فكبُر عليهم فأبوا أن يأخذوه حتى ظلل الله عليهم الجبل، فأخذوه عن ذلك. فهذه آثار صحيحة في إنزال التوراة جملة، يؤخذ من الأثر الأخير منها حكمةٌ أخرى لإنزال القرآن مفرّقاً، فإنه أدْعى إلى قبوله إذا نزل على التدريج، بخلاف ما لو نزل جملة واحدة، فإنه كان ينفر من قبوله كثير من الناس، لكثرة ما فيه من الفرائض والمناهي. ويوضّح ذلك ما أخرجه البخاري عن عائشة، قالت: إنما نزل أول ما نزل منه سورةٌ من المفصّل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام. ولو نزل أول شيء: " لا تشربوا الْخَمْرَ " - لقالوا: لا ندع الخمر أبدا. ولو نزل: " لا تَزْنوا " لقالوا لا نَدَع الزنى أبداً. ثم رأيتُ هذه الحكمة مصرحا بها في الناسخ والمنسوخ لمكيّ. وأخرج البيهقي في الشّعَب، من طريق أبي خَلَدة عن عمر، قال: تعلَّمُوا القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي ﷺ خمساً خمساً. ومعناه - إن صح - إلقاؤه إلى النبي ﷺ هذا القَدْر حتى يحفظه، ثم يلقي إليه الباقي لا إنزاله خاصة بهذا القدر. ويوضح ذلك ما أخرجه البيهقي أيضاً عن خالد بن دينار، قال، قال أبو العالية: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن النبي ﷺ كان يأخذه من جبريل خمساً خمساً.

стр. 650

تنبيه: اتفق أهل السنّةِ والجماعة على أن كلام الله تعالى منزّل. واختلفوا في معنى الإنزال، فمنهم من قال إظهار القراءة، ومنهم من قال إن الله تعالى ألْهم كلامَه جبريل، وهو في السماء، وهو عال من المكان. وعلَّمه قراءته، ثم إن جبريل أدَّاه في الأرض، وهو يهبط في المكان. وفي التنزيل طريقان: أحدهما: أن النبي ﷺ انتقل من صورة البشرية إلى صورة الملكية، وأخذه من جبريل. والثاني: أن الملك انخلع إلى البشريّة حتى يأخذ الرسول منه. والأول أصعب الحالين. وقال الطيبي: لعلّ نزول القرآن على الرسول ﷺ أن يتلقَّفه الملَك من الله تَلَقُّفاً رُوحانياً، أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل به إلى الرسول ﷺ ، ويُلقيه عليه. وقال القطب الرازي في حواشي الكشّاف: التنزيل لغة بمعنى الإيواء، وبمعنى تحريك الشيء من عُلْو إلى سفل، وكلاَهما لا يتحققان في الكلام، فهو مستعمل فيه في معنى مجازي، فمن قال: القرآن معنى قائمٌ بذات الله تعالى فإنزاله أن يوجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى ويثبتها في اللوح المحفوظ. ومَنْ قال القرآن هو الألفاظ فإنزاله مجرد إثباته في اللوح المحفوظ. وهذا المعنى مناسب لكونه منقولاً عن أول المعنيين اللغويين. ويمكن أن يراد بإنزاله إثباته في السماء الدنيا بعد الإثبات في اللوح المحفوظ، وهذا يناسب المعنى الثاني. والمراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تلقّفاً روحانيا أو يحفظها من اللوح المحفوظ، وينزل بها فيلقيها عليهم. وقال غيره: في المنزَّل على النبي ﷺ ثلاثة أقوال:

стр. 651

أحدها: أنه اللفظ والمعنى، وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح الحفوظ ونزل به. وذكر بعضهم أن أحْرفَ القرآن في اللوح المحفوظ، كل حرف منها بقدر جَبَل قاف، وأن تحت كلّ حرف منها معان لا يحيط بها إلا الله تعالى. والثاني: أن جبريل إنما نزل بالمعاني خاصة، وأنه ﷺ علم تلك المعاني، وعبَّر عنها بلغة العرب، وتمسَّك قائل هذا بظاهر قوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ) . والثالث: أن جبريل ألقى عليه المعنى، وأنه عبّر بهذه الألفاظ بلغة العرب وأن أهل السماء يقرؤونه بالعربية، ثم إنه نزل به كذلك بعد ذلك. وقال البيهقي - في معنى قوله تعالى: (إنّا أنزلناه في ليلةِ القَدْرِ) . يريد - والله أعلم: إنا أسمعنا الملك وألهمناه إياه، وأنزلناه بما سمع، فيكون الملك منتقِلاً به من علو إلى سفل. قال أبو شامة: هذا المعنى مطرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن أو إلى شيء منه يحتاج إليه أهل السنة المعتقدون قِدَمَ القرآن، وأنه صفة قائمة بذات اللَه تعالى. قلت: ويؤيد أن جبريل تلقَّفه سماعاً من الله تعالى ما أخرجه الطبراني من حديث النَّواس بن سمعان مرفوعاً: إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله، فإذا سمع بذلك أهلُ السماء صُعقوا وخَرُّوا سجّدا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فينتهي به إلى الملائكة، كلما مرّ بسماء سأله أهلها: ماذا قال ربنا، قال: الحق. فينتهي به حيث أمر. وأخرج ابن أبي مردويه من حديث ابن مسعود رفعه: إذا تكلم الله بالوحي

стр. 652

سمع أهل السماوات صلصلةً كصلصلة السلسلة على الصَّفْوان، فيفزعون، ويرون أنه مِنْ أمر الساعة وأصل الحديث في الصحيح. وفي تفسير علي بن سهل النيسابوري: قال جماعة من العلماء: نزل القرآن جملة ً في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بَيْب يقال له بيت العزة، فحفظه جبريل، وغشي على أهل السماوات من هيبة كلام الله، فمرّ بهم جبريل، وقد أفاقوا، فقال: ماذا قال ربكم، قالوا: الحق - يعني القرآن - وهو معنى قوله: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) - فأتى به جبريل إلى بيت العِزّة فأمْلاه على السفَرة الكرام - يعني الملائكة، وهو معنى قوله: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) . وقال الْجُوَيني: كلام الله المنَزل قسمان: قسم قال الله لجبريل: قلْ للنبي الذي أنت مرْسل إليه: إن الله يقول افعل كذا وكذا، ومُرْ بكذا وكذا. ففهم جبريل ما قاله ربه، ثم نزل على ذلك النبي، وقال له ما قاله ربه. ولم تكن العبارة تلك العبارة، كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان يقول لك الملك: اجتهد في الخدمة، واجمع جنْدَك للقتال، فإن قال الرسول يقول لك الملك لا تتهاون في خدمتي، ولا تترك الجند يتفرّق، وحث على المقاتلة - لا ينسب إلى كذب، وتقصير في أداء الرسالة. وقسم آخر قال الله لجبريل: اقرأ على النبي هذا الكتاب، فنزل جبريل بكلمة الله من غير تغيير، كما يكتب الملك كتاباً ويسلمه إلى أمين، ويقول: اقرأه على فلان، فهو لا يغَيِّر منه كلمة ولا حرفاً. قلت: القرآن هو القسم الثاني، والقسم الأول هو السنّة، كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن.

стр. 653

ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى، لأن جبريل أدَّاه بالمعنى، ولم تجز القراءة بالمعنى، لأن جبريل أداه باللفظ، ولم يبَحْ له إيحاؤه بالمعنى. والسرّ في ذلك أن المقصود منه التعبد بلفظه، والإعجاز به، فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظٍ يقوم مقامه، وإنَّ تحتَ كل حرف منه معاني لا يحيط بها كثرة. فلا يقدر أحد أن يأتي ببدله بما يشتمل عليه، والتخفيف على الأمة حيث جعل المنزّل إليهم على قسمين: قسم يَرْوونه بلفظه الْموحَى به، وقسم يروونه بالمعنى، ولو جعل كلّه مما يرْوَى باللفظ لشقّ، أو بالمعنى لم يؤْمن التبديل والتحريف، فتأَمل. وقد رأيت عن السلف ما يعضّد كلام الجويني، فأخرج ابن أبي حاتم، من طريق عقيل، عن الزّهري - أنه سئل عن الوحي فقال: الوحي ما يوحِي الله إلى نبي من أنبيائه، فيثبته في قلبه، فيتكلم به ويكتبه، وهو كلام الله. ومنه ما لا يتكلم به ولا يكتبه لأحد، ولا يأمر بكتابته، ولكن يحدِّث به الناس حديثاً، ويبين لهم أن الله أمره أن يبينه للناس ويبلغهم إياه. فصل وقد ذكر العلماء للوحي كيفيّات: إحداها: أن يأتِيَه الملَك في مثل صلصلة الجرس، كما صح في مسند أحمد عن عبد الله بن عمرو: سألت النبي ﷺ : هل تحسّ بالوحي، فقال: أسمع صلاصل. ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إليّ إلا ظننت أن نفسي تقْبض. قال الخطابي: والمراد أنه صوت متداول يسمعه ولا يتبيّنه أولّ ما يسمعه حتى يفهمه بعد. وقيل: هو صوت خَفْق أجنحة الملَك. والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه للوحي، فلا يُبقي فيه مكاناً لغيره. وفي الصحيح أن هذه الحالة أشد حالات الوحي عليه.

стр. 654

وقيل: إنه إنما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد أو تهديد. الثانية: أن ينفُثَ في روعه الكلام نَفْثاً، كما قال ﷺ : " إن روحَ القُدس نَفث في روعي ". أخرجه الحاكم، وهذا قد يرجع إلى الحالة الأولى أو التي بعدها. بأن يأتي في أحد الكيفيتين وينفث في رُوعه. الثالثة: أن يأتيه في صفة الرجل فيكلمه، كما في الصحيح: وأحياناً يتمثَّلُ لي الملك رجلا فيكلمني فأعِي ما يقول - زاد أبو عَوَانة في صحيحه: وهو أهونُه عليَّ. الرابعة: أن يأتيه الملَك في النوم. وعدّ قوم من هذا سورة الكوثر، كما رَوَى مسلم عن أنس قال: بينا رسول الله ﷺ بين أظهرنا إذ أغْفَى إغفاءةً ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله، فقال: أنزل عليَّ آنفا سورة الكوثر ... الخ. وقال الإمام الرافعي في أماليه: ففهموا من الحديث أنها نزلت في تلك الإغفاءة. وقالوا: مِنَ الوحي ما كان يأتيه في النوم، لأن روْيا الأنبياء وحي. قال: وهذا صحيح، لكن الأشبه أن يقال: إن القرآن كله نزل في اليقظة، وكأنه خطر له في النوم سورة الكوثر المنزّلة في اليقظة، أو عُرِض عليه الكوْثَر الذي وردت فيه السورة، فقرأها عليهم، وفسرها لهم. قال: وورد في بعض الروايات أنه أغمي عليه. وقد يحمل ذلك على الحالة التي كانت تَعْتَريه عند نزول الوحي. ويقال لها بُرَحاء الوحي. قلت: الذي قاله الرافعي في غاية الاتجاه، وهو الذي كنتُ أميل إليه قبل الوقوف عليه. والتأويل الأخير أصح من الأول، لأن قوله إنما يدفع في كونها نزلت قبل ذلك، بل نقول: نزلت في تلك الحالة، وليست الإغفاءة إغفاءةَ نوم، بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي، فقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ عن الدنيا.

стр. 655

الخامسة: أن يكلمه الله إما في اليقظة - كما في ليلة الإسراء، أو في النوم. كما في حديث معاذ: أتاني ربي، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى ... الحديث. وليس في القرآن من هذا النوع شيء فيما أعلم، نعم، يمكن أن يعد منه آخر سورة البقرة لما تقدم، وبعض سورة الضحى، و (ألم نشرح) ، فقد أخرج ابن أبي حاتم من حديث عدي بن حاتم، قال، قال ﷺ : " سألتُ ربي مسألة، ووددت أني لم أكن سألته، قلت: أي ربي، اتخذتَ إبراهيم خليلاً، وكلمتَ موسى تكليما. فقال: يا محمد، ألم أجدك يتما فآويتك، وضالاً فهديتك، وعائلا فأغنيتك. وشرحت لك صدرك، وحططت عنك وِزْرك، ورفعت لك ذكرك، ولا أُذكر إلاَّ ذُكرتَ معي ". فوائد: الأولى: أخرج الإمام أحمد في تاريخه، من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: أنزل على النبي ﷺ النبوءة، وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوءته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه. فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوءته جبريل، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة. قال ابن عسكر: والحكمة في توكيل إسرافيل به أنه الملك الموكل بالصُّور الذي فيه هلاك الخلق وقيام الساعة، ونبوءته ﵊ مؤذنة بقرْب الساعة وانقطاع الوحي، كما وُكل بذي القرنين رونيافل الذي يطوي الأرض، وبخالد بن سنان مالك خازن النار. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن سابط، قال: في أمّ الكتاب كل شيء هو كائن إلى يوم القيامة، فوكل ثلاثة بحفظه من الملائكة، فوكل جبريل بالوحي. والكتب إلى الأنبياء، وبالنصر عند الحروب، وبالمهلكات إذا أراد الله أن يهلك قوماً. ووكل ميكائيل بالقَطْر والنبات، ووكل ملك الموت بقَبْض الأنفس، فإذا كان يوم القيامة وعارضوا بين حفظه وبين ما كان في أم الكتاب فيجدونه سواء.

стр. 656

وأخرج أيضاً عن عطاء بن السائب، قال: أول من يحاسب جبريل، لأنه كان أمينَ الله إلى رسله. الثانية: أخرخ البيهقيّ والحاكم عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال: أنزل القرآن بالتفخيم كهيئة: (غذْرا أو نُذْراً) . و (الصَّدَفَيْنِ) ، (ألاَ لَه الْخَلْقُ والأمْر) ، وأشباه هذا. قلت: أخرجه ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء، فبيَّن أن المرفوع منه: أنزل القرآن بالتفخيم فقط، وأن الباقي مدرجٌ من كلام عمّار بن عبد الملك أحد رواة الحديث. الثالثة: أخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثَّوْري، قال: لم ينزل وحْيٌ إلا بالعربية، ثم تَرْجم كلّ نبي لقومه. الرابعة: أخرج ابن أبي سعد عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يغطّ في رأسه، ويتربَّدُ وجهه، ويجد برداً في ثناياه، ويعرق حتى يتحدّر منه مثل الْجُمان. الخامسة: قال البغوي في شرح السنّة: يقال إن زيد بن ثابت شهد العرضَة الأخيرة التي بيّن فيها ما نُسخ وما بقي، وكتبها لرسول الله ﷺ وقرأها عليه، وكان يقْرئ الناس بها حتى مات. وكذلك عليه اعتمد أبو بكر وعمر في جمعه، وولاَّه عثمان كتب المصاحف. (لَحْن القَوْل) ، أي مقصده وطريقته. وقيل اللَّحْن هو الخفيّ المعنى، كالكناية والتعريض. والمعنى أنه ﷺ سيعرفهم من دلائل كلامهم، وإن لم يعرّفْه الله بهم على التعيين. فانظر هذا اللطف العظيم في ستر الله عليهم، وعلى أقاربهم من المسلمين.

стр. 657

وروي أن الله لم يذكر له واحداً منهم باسمه، وهذا كما صح عن قوم مُوسى أنهم خرجوا للاستسقاء فلم يسقوا، فقال موسى: يا ربّ، لِمَ لم تجِبهم، فقال: يا موسى، إن فيهم نَمّاماً. فقال: يا رب، مَنْ هو، فقال: أنهى عن النَّمِيمة وأكون نماماً! ولكن ليتوبوا بأجمعهم، فتابوا، وسقاهم الله. (لَذَّة للشاربين) : أي لذيذة، لا كلذَّةِ الدنيا. (اللَّمَم) . فيه أربعة أقوال: الأول: أنه صغائر الذنوب، فالاستثناء على هذا في الآية منقطع. الثاني: أنه الإلمام بالذنوب على وجه الفَلْتَة والسقْطَة دون دوام عليها. الثالث: أنه ما ألَمّوا به في الجاهلية من الشركِ والمعاصي. الرابع: أنه الهمّ بالذنب، وحديث النفس به دون أن يفعل. (ليس للإنْسان إلاَّ ما سعَى) : السعي هنا بمعنى العمل. وظاهرُها أنه لا ينتفع أحد بعمل غيره، وهي حجة لمالك في قوله: لا يصوم أحد عن وليه إذا مات وعليه صيام. واتفق العلماء على أن الأعمال المالية كالصدقة والعِتْق يجوز أن يفعلها الإنسان عن غيره، ويصل نَفْعُها إلى مَنْ فُعِلَتْ عنه. واختلفوا في الأعمال البدنيّة، كالصلاة، والصيام. وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: (ألْحَقْنَا بهم ذريتَهمْ) . والصحيح أنها مُحْكَمة، لأنها خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ. وفي تأويلها ثلاثة أقوال: الأول - أنها إخبار عما كان في شريعة غيرنا، فلا يلزم في شريعتنا. الثاني: للإنسان ما عمل بحق، وله ما عمل له غيره بهبة العاملِ له، فجاءت الآية في إثبات الحقيقة دون ما زاد عليها.

стр. 658

الثالث: أنها في الذنوب. وقد اتّفق على أنه لا يحمل أحد ذَنْبَ أحد، ويدل على هذا قوله قبلها: (ألاَّ تَزِز وَازِرةٌ وِزْرَ أخرى) ، كأنه يقول: لا يؤخَذ أحد بذنب غيره، ولا يؤخذ إلا بذنب نفسه. (لظَى) : اسم علم مشتقّ من اللظى بمعنى اللهب. (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَر) : معنى اللَّوَّاحة مغَيِّرة. يقال لاَحَهُ السّفَر: غَيَّره. والبشَر جمع بَشَرة، وهي الجِلْدة. فالمعنى أنها تحْرِق الجلود. وقيل تسَوِّدها. وقيل لوّاحة مِنْ لاح يعني ظهر، والبشر الناس، أي تلوح للناس. قال الحسن: تلوح لهم من مَسِيرة خمسمائة عام لا يخافون الآخرة، أي هذه العلة والسبب في إعراض مَنْ تقدَّم ذكرهم. (لَوَّامَة) : هي التي تلوم نفسها على فعل الذنوب، أو التقصير في الطاعة، فإن النفوس على ثلاثة أنواع، فخيرها النَّفْس المطمئنة، وشَرُّها النَّفْس الأمَّارة بالسوء، وبينهما النفس اللوَّامَة. وقيل اللوّامة المذمومة الفاجرة، وهذا بعيد، لأن الله لا يقْسم إلا بما يعظم من المخلوقات. ويستقيم إن كان لا أقسم نفياً للقسم. قال بعضهم: ليس من نفس بَرَّة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها يوم القيامة، إن كانت عملت خيرا: هَلاَّ ازدادت منه، وإن كانت عملت سوءاً: لم عملته. (لَيَال عَشْرٍ) : هي عشر ذي الحجة عند الجمهور. وقيل: العشر الأول من المحرم. وفيها يوم عاشوراء. وقيل العشر الأخر من رمضان. وقيل العشر الأول منه. (لَمًّا) : الجمع، واللّفّ، فالتقدير أكْلاً ذا لَمّ، وهو أن يأخذ في الميراث نصيبه ونصيب غيره، لأن العرب كانوا لا يُعْطون من الميراث أنْثَى ولا صغيراً، بل ينفرد به الرجال.

стр. 659

(لا يُنَازِعُنَّكَ في الأمْرِ) ، ضمير المنازعة للكفار، والمعنى أنهم لا ينبغي لهم منازعة النبي ﷺ ، لأن الحق قد ظهر بحيث لا ينازع أحد فيه. فجاء الفعل بلفظ النهي، والمراد غير النهي. وقيل المعنى: لا تنازعهم فيُنَازِعُوك، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه. ويحتمل أن يكون نَهيْاً لهم عن المنازعة على ظاهر اللفظ. والمراد بالأمر الدين والشريعة، أي في الدين والذبائح. (لُدًّا) : جمع ألدّ، وهو الشديد الخصومة والمجادلة. والمرادُ بذلك قُرَيش. وقيل معناه فُجَّاراً. (لوط) : قال ابن إسحاق: هو لوط بن هاران بن آزر. وفي المستدرك عن ابن عباس قال: لوط ابن أخي إبراهيم. (لُقْمان) :: قيل إنه كان نبياً. والأكثر على خلافه. أخرج ابنُ أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: كان لقمان عبداً حبشياً اختار الحكمة على النبوءة، فأعطاها الله له، فكان ينطق بها. لم يكن لقمان نبيئاً، ولكن عبدا أحسن اليقين، أحبَّ الله فأحبه فمنّ عليه بالحكمة. وروي أنه ابنُ أخت أيوب، أو ابن خالته. وروي أنه كان قاضيا لبني إسرائيل. واختلف في صنعته، فقيل: كان نجارا. وقيل خياطاً. وقيل راعي غنم. وكان ابنه كافراً، فما زال يوصيه حتى أسلم. (لُجيٍّ) : منسوب إلى اللجّ، وهو معظم الماء. وذهب بعضهم إلى أنَّ أجزاء هذا المثال قوبلت به أجزاء المثَّل به، فالظلمات أعمال الكافر، والبحرُ اللجيّ صَدْره، والموجُ جهله، والسحابُ الغطاء الذي على قلبه. وذهب بعضهم إلى أنه تمثيلٌ بالجملة من غير مقابَلة. وفي وصف هذه الظلمات بهذه الأوصاف مبالغةٌ، كما أن في وصف النور، المكرر قبلها مبالغة.

стр. 660

(لُغُوب) : الإعياء والتعب. ورُوِي أن اليهود أتوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عما خلق الله في الأيام السبعة: فقال ﷺ : " خلق الله السماوات والأرض يوم الأحد، والجبال يوم الإثنين، والدوابَّ يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والجنةَ والنار يوم الخميس، وآدم وحواء يوم الجمعة "، فقالوا: أصَبْتَ لو أتممت، فقال ﷺ : " ما إتْمَامُها، " فقالوا: لما فرغ الله مِنْ خَلْق السماوات والأرض استَلْقَى على قَفَاه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى واسَتراح، وكان ذلك يوم السبت الذي اتخذناه عِيدا واستراحة. فاغْتمّ رسولُ الله ﷺ غَمّاً شديداً، فأنزل الله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) . وإنما يَلْغُب مَنْ يعمل بالآلات والجوارح، وإني أخلق الشيء إذا أردتُ وجودَه، أقول له كنْ فيكون. فظنَّ اليهود أن السبتَ لهم يوم الراحة، فصار يوم المحنة، وظنوا أنه يوم فَرَح، فصار يوم ترَح، فقال ﵇: السبت لليهود، والجمعة لكم، فلا تخالفوا فيها أمر الله تعالى كما خالف اليهود والنصارى، فصار المخالفون منهم قِرَدة. نكتة: إن اليهود لما خالفوا في يومهم مسخَهُم الله تعالى وغَيَّر شخصهم، والمؤمنون إذ أطاعوا الله وأدّوا صلاة الجمعة غيّرت صورة ذنوبهم حسنات، كما قال تعالى: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) . إن اليهود لم يُمسخوا لصيْد السَّمكة، بل لتركهم تعظيم أمْر الله وارتكابهم لنَهْيه، ألاَ ترى أن آدم وحوّاء أكَلا من شجرة الخُلْد فبدَتْ لها سوءاتها. والنَحْل أكل من ورق أشجار الجنّة فصار في بطنه عسلاً، لأن آدم أكل بغير إذن، والنحل أكل بإذن.

стр. 661

وأعجب من هذا أن الدودة التي أكلت جسم أيوب ﵇ فصار لحمه في بطنها إبْريسماً (١) ، يا عجباً، إن آدميّاً يأكلُ سمكة فيغضب عليه الربُّ فيجعله قرداً، ودودة تأكل النبي فيرضى عنها الربّ، فيجعل رَوْثها إبْرَيْسماً، لأن هذه أكلَتْ بأمره، وذلك أكل بغير أمره. دودة أطاعت الرب فاستحقت الخِلْعَة. والمؤمن المخلص إذا أطاع أمر الله فكيف لا يستحق الرحمة والقُربَة والكرامة. (لبَداً) : كثيراً، من التلبيد، كأنه بعضه على بعض. (لمَزَة) : هو الذي يَعِيب الناس باللّسان. واختلف هل الهمَزة واللّمَزة سواء، واشتقاقه من الهمْزِ واللمز، وصيغة فُعلَة للمبالغة. ونزلت السورة في الأخنس بن شَرِيق، لأنه كان كثير الوقيعة في الناس. وقيل في أميّة بن خلف. وقيل في الوليد بن المغيرة. ولفظها مع ذلك على العموم في كل مَنِ اتَّصَفَ بهذه الصفات. (لِيوَاطِئُوا عِدَّةَ ما حرّمَ اللَهُ) ، أى ليوافقوا عددَ الأشهر الحرم، وهي أربعة. يقول: إذا حرموا من الشهور عدد الشهور المحرمة لم يبالوا أن يحلّوا الحرام ويحرموا الحلال. (لِوَاذًا) ، يعني الذين ينصرفون عن حَفْر الخندق. واللّوَاذ: الروغان والمخالفة. وقيل الانصراف في خِفْية. وفي هذا وعيد وتهديد لمن خالف أمر الله ورسوله. (لِسَانَ صِدْق) : ثناء حسناً. (لِيْنَة) : نخلة، وجمعها لِيْن، وهي ألْوَانُ النَّخْل ما لم تكن العَجْوَة والبَرْنيّ. قال الكلبي: لا أعْلَمها إلا بلسان يهود. وسبب الآية أن رسول الله ﷺ لما نزل على حصون بني النضير قَطَع المسلمون بعض نخلهم، وأحرقوا بعضها، فقال بَنُو النَّضِير: ما هذا الإفساد يا محمد، وأنت تنهى عن الفساد، فنزلت الآية معلمة أن كل ما جرى من قطع وإحراق، فإن الله أذن للمسلمين في ذلك.

стр. 662

(لِيُخْزِي الْفَاسِقين) : بني النَّضِير. واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على أن كل مجتهد له مصيب، فإن الله قد صوّب فعل من قطع النخل، ومن تركها. واختلف العلماء في قطع شجر المشركين وتخريب بلادهم، فأجازه الجمهور. لهذه الآية، ولإقرار رسول الله ﷺ على تحريق نخل بني النضير، وكرهه قَوْمٌ لوصية أبي بكر الصديق الجيشَ الذي وجّهَهم إلى الشام ألاَّ يَقْطَعوا شجَراً مُثْمِرا. (لله خمسَهُ وللرّسُولِ ولِذي القرْبَى ... ) ، الآية. اختلف في قسم الخمس وهو خمس المغانم، فقال قوم: يصرف على ستة أسهم: سَهْم للَه في عمارة الكعبة، وسهم للنبي ﷺ في مصالح المسلمين. وقيل للوالي بعده. وسهم لِذَوِي القربى الذين لا تحل لهم الصدقة. وسهم لليتامى. وسهم للمساكين. وسهم لابن لسبيل. وقال الشافعي: على خمسة أسهم، ولا يجعل لله سهماً مختصاً، وإنما بدأ عنده باللَه، لأن الكل ملكه. وقال أبو حنيفة: على ثلاثة أسهم: لليتامى، والمساكين، وابن السبيل خاصة. وقال مالك: الخمس إلى اجتهاد الإمام يأخذ منه كفايته، ويصرف الباقي في المصالح. (ليَميزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطيّب) : الخبيث: الكفَّار، والطيب: المؤمنون. وقيل: الخبيث ما أنْفَقَه الكفَّار، والطيّب: ما أنفقه المؤمنون. واللام في (ليميز) - على هذا يتعلق ب (يغْلبون) وعلى الأول ب (يحْشَرون) . ومعنى يميز: يَفْرق بين الخبيث والطيب. (لله الأسماءُ الحسْنَى) ، لا لغيره، ولا نهاية لعددها،

стр. 663

وإنما أخبر الشارع بالتسعة والتسعين في قوله: إن للهِ تسعة وتسعين اسماً مَنْ أحصاها دخل الجنة. وسبب نزول الآية أن أبا جهل سمع بعض الصحابة يقرأ، فيذكر الله مرة والرحمن أخرى، فقال: يزعم محمد أن الإله واحد، وها هو يعبد آلهة كثيرة، فنزلت الآية، مبيّنةً أن تلك الأسماء الكثيرة هي لمسمّى واحد. والحسنى: مصدر وصف بها، وتأنيث أحسن. وحسْن أسماءَ الله أنها صفات مَدْحٍ وتعظيم وتحميد، فمنها ما هو للتعلّق، ومنها ما هو للتخلق، فينبغي الاعتناء بتبين معانيها، وبأخذ كل واحد منها حظاً ونصيباً. (لِلَّذينَ أحْسَنوا الحسْنى وزِيادة) : الحسنى الجنة، والنظر إلى وجه الله. وقيل الحسنى جزاء الحسنة بعَشْرة أمثالها، والزيادة التضعيف فَوْق ذلك إلى سبعمائة. والأول أصح، لوروده في الحديث، وكثرة القائلين به. (لولا نزلت سؤرة) ، بالهمز، من أسأرت أي أفضلت من السؤر، وهو ما بقي من الشراب في الإناء، كأنها قطعةٌ من القرآن. ومَنْ لم يهمزها جعلها من المعنى المتقدم، وسهَّل همزتها. ومنهم من شبهها بسورة البناء، أي القطعة منه، أي منزلة بعد منزلة. وقيل من سور المدينة لإحاطتها بآياتها واجتماعها كاجتماع البيوت في السور. ومنه السِّوَار لإحاطته بالساعد. وقيل: لارتفاعها، لأنها كلام الله. والسورة المنزلة الرفيعة، وكان المؤمنون يقولون هذا الكلام على وجه الحِرصِ على نزول القرآن والرغبة فيه، لأنهم كانوا يفرحون ويستوحشون من إبطائه. تنبيه: قال الجَعْبَري: حَدّ السورة قرآن يشتمل على آي ذي فاتحة وذي خاتمة. وأقلها ثلاث آيات.

стр. 664

وقال غيره: السورة الطائفة المترجمة توقيفاً، أي المسمّاةُ باسم خاصّ بتوقيف من النبي ﷺ . وقد ثبتت جميع أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار، ولولا خشية الإطالة لبيًنْتُ ذلك. ومما يدل لذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة، قال: كان المشركون يقولون: سورة البقرة، وسورة العنكبوت - يستهزئون بها، فنزل: (إنا كفَيْناكَ المستَهْزِئين) . وقد كره بعضهم أن يُقال سورة كذا لما رواه الطبراني والبَيْهقي مرفوعاً، عن أنس: لا تقولوا سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء، وكذا القرآن كله، ولكن قولوا: السورة التي تذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها آل عمران، وكذلك القرآن كله. وإسناده ضعيف، بل ادَّعَى ابن الجَوْزي أنه موضوع. وقال البيهقي: إنما يُعرف موقوفاً عن ابن عمر، ثم أخرجه عنه بسند صحيح. وقد صح إطلاق سورة البقرة وغيرها عنه ﷺ . وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. ومن ثَمَّ لم يكرهه الجمهور. وقد يكون للسورة اسمٌ واحد وهو كثير، وقد يكون لها اسمان فأكثر، من ذلك: الفاتحة، وقد وقفت لها على نيِّفٍ وعشرين اسماً، وذلك يدل على شرفها، فإن كثرة الأسماء دالة على شرف المسمى. قال بعضهم: وكما سمِّيت السورة الواحدة بأسماء سمِّيَت سورة باسم واحد. كالسور المسماة بـ الم والر، على القول بأن فواتح السور أسماء لها. قال الزركشي في البرهان: ينبغي البحث عن تعداد الأسماء، هل هو توقيفيّ

стр. 665

أو بما يظهر من المناسبات، فإن كان الثاني فلن يعدم الفَطِن أن يستخرج من كل سورة معاني كثيرة يقتضي اشتقاقها اسماً لها، وهو تعبيد. قال: وينبغي النظر في اختصاص كل سورة بما سُمِّيَتْ به. ولا شكَّ أنَّ العرب ترَاعِي وكثير من المسميات أخْذَ أسمائها من نادر أو مستغرب يكون في الشيء من خلق أو صفة تخصه أو يكون معها أحكم أو أكثر أو أسبق لإدراك الرأي للمسمى. ويسمون الجملة من الكلام أو القصيدة الطويلة بما هو أشهر فيها، وعلى ذلك جَرَتْ سور الكتاب العزيز كتسمية سورة البقرة بهذا الاسم لقرينة قصة البقرة المذكورة فيها، وعجيب الحكمة فيها. وسميت سورة النساء بهذا الاسم لما تردَّد فيها شيء كثير من أحكام النساء. وتسمية سورة الأنعام لما ورد فيها من تفصيل أحوالها، وإن كان قد ورد لفظ الأنعام في غيرها، إلا أن التفصيل الوارد في قوله تعالى: (ومِنَ الأنْعَام حَمُولَةً وفَرْشاً ... ) ، إلى قوله: (أمْ كنْتم شهَداءَ إذْ وَصّاكم اللة بهذا) . لم يردْ في غيرها، كما ورد ذِكْر النساء في سور، إلا أن ما تكرر وبسط من أحكامهن لم يرد في غير سورة النساء، وكذا سورة المائدة لم يرد ذكر المائدة في غيرها، فسميت بما يخصها. فإن قيل: في سورة هود ذكر نوح وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى. فلم خصَّتْ باسم هود وَحْدَه، مع أن قصة نوح فيها أوعب وأطول؟ قيل: تكررت هذه القصص في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء بأوْعَب مما ورد في غيرها، ولم يتكرر في واحدة من هذه السور اسم هود كتكرّره في سورته، فإنه تكرر فيها في أربعة مواضع، والتكرار من أقْوَى الأسباب التي ذكرنا. فإن قيل: فقد تكرر اسم نوح فيها في ستّةِ مواضع. قيل: لما أفْرِدت لذكر نوح وقصته مع قومه سورة بِرَأسِها فلم يقع فيها غير ذلك، كانت أوْلى بأن تسمَّى باسمه من سورة تضمّنَتْ قصتَه وقصة غيره.

стр. 666

قلت: فلك أن تسأل وتقول: قد سميت سورة جَرَتْ فيها قصص أنبياء بأسمائهم، كسورة نوح، وسورة هود، وسورة إبراهيم، وسورة يونس، وسورة آل عمران، وسورة طس سليمان، وسورة يوسف، وسورة محمد صلى الله على جميع الأنبياء، وسورة مريم، وسورة لقمان، وسورة المؤمن. وسورة أقوام: كسورة بني إسرائيل، وسورة أصحابِ الكَهْف، وسورة الحِجْر، وسورة سبأ، وسورة الملائكة، وسورة الجِن، وسورة المنافقين، وسورة المطَفّفين. ومع هذا لم يفْرَدْ لموسى سورة تسمّى به، مع كثرة ذكره في القرآن، حتى قال بعضهم: كاد القرآن أن يكون كله موسى، وكان أولى سورة تسمى به سورة طه أو القصص أو الأعراف لبسط قصته في الثلاثة مما لم تبْسط في غيرها. وكذلك قصة آدم ذكرَتْ في عِّدةِ سوَر، ولم تسمّ به سورة كأنه اكتفي بسورة الإنسان. وكذلك قصة الذَّبيح من بدائع القصص، ولم تسَمّ به سورة الصافات. وقصة داوود ذكرت في (ص) ولم تسم به، فانظر في حكمة ذلك. على أني رأيت بعد ذلك في جمال القراء للسخَاوي أن سورة طه تسمى سورة الكلِيم، وسماها الهُذَلي في كماله سورة موسى. وأن سورة ص تسمى سورة داود. ورأيت في كلام الجعبري أن سورة الصافّات تسمى سورة الذبيح، وذلك يحتاج إلى مستند من الرأي. (ليس على الأعْمى حَرَج) : اختلف والمعنى الذي رفع الله به الحرج عن الأعرج والأعمى والمريض هذه الآية، فقيل: هو في هذه الآية الغزو، أي لا حَرَجَ عليهم في تأخرهم عنه، وحكمهم عام في كل جهاد إلى يوم القيامة إلا أن يحزب حازب في حصرةٍ ما، فواجب عليهم بحسب الوسْع. فإن قلت: أما رَفْع الحرج عن هؤلاء في هذه الآية فمفهوم تعقيبه به في عَتْب المتخلّفين من القبائل، وأما ذكرهم في سورة النور، فلم أفهم له معنى؟ فالجواب: إنما ذكرهم في سورة النور لأنهم كانوا إذا نهضوا إلى الغَزْو

стр. 667

وخلّفوا أهلَ هذه الأعذار في بيوتهم، فكانوا يتجنّبون أكل مال الغائب، فنزلت في ذلك. وقيل: إن الناس كانوا يتجنبّون الأكل معهم تقذَّرا، فنزلت الآية. وهذا ضعيف، لأن رفع الحرج عن أهل الأعذار لا عن غيرهم. والصواب أن يقال: إن الحرج مرفوع عن هؤلاء الثلاثة في كل ما يمنعهم منه أعذارهم من الجهاد وغيره، ألا ترى أنه أباح الأكل للإنسان في هذه البيوت المذكورة في الآية، من الآباء والأبناء والأخوات وغيرهم. فإن قلت: إذا رفع الحرج عن هؤلاء فما معنى الآية: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) . فالجواب: أنه اختلف في الخفيف والثقيل، من هو، على أقوال: فقيل الخفيف الغنيّ، والثقيل الفقير. وقيل الخفيف الشاب والثقيل الشيخ. وقيل الخفيف النشيط، والثقيل الكسلان. وهذه الأقوال أمثلة في الثقل والخفّة. وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (ليس على الضّعَفَاء ولا عَلَى المرْضَى) . وعلى كلِّ تقديرٍ فجائز لأصحاب الأعذار الغَزْو، وأجرهم فيه مضاعف، لأن الأعرج قد يكون أجرأ الناس بالصبر وألاَّ يفر. وقد غزا ابن أمِّ مكتوم، وكان يمسك الراية في بعض حروب القادسية، وقد خرّج النسائي في بعض هذا المعنى. وذكر ابن أم مكتوم ﵀. (للفقراء) : هذا بدل من قوله (لذي القربى واليتامي والمساكين وابن السبيل) ، ليبين أن المراد بذلك (المهاجرين) ، ووصفهم بأنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم، لأنهم هاجروا من مكة وتركوا فيها ديارهم وأمْوالهم. (لقد زَيّنّا السماء الدّنيا بِمَصابِيح) . السماء الدنيا -: هي القريبة منا. والمصابيح يراد بها النجوم، فإن كانت النجوم كلها في السماء الدنيا فلا إشكال. وإن كانت في غيرها من السماوات فقد زينت السماء الدنيا، لأنها ظاهرة فيها لنا.

стр. 668

ويحتمل أن يريد أنه زيّن السماء الدنيا بالنجوم التي فيها دون التي في غيرها، على أن القَوْلَ بمواضع الكواكب وفي أي سماء هي لم يَرِدْ في الشريعة. (لَطيف) : اسم الله تعالى. قيل معناه رفيق، وقيل: خبير بِخَفِيَّات الأمور. (لؤلؤ) : كبار الجَوهَر. (لِمَنْ خافَ مقامَ رَبه جنَّتَان) : مقام ربه: القيام بين يديه للحساب. ومنه: (يوم يقُوم النَّاس لرَبِّ العَالَمين) . وقيل قيام الله عليه بأعماله. ومنه: (أفَمَنْ هو قائم على كلِّ نَفْس بما كَسبَتْ) . وقيل لمن خاف مقام ربه، وأبهم المقام، كقولك: خفت جانب فلان. واختلف هل الجنتان لكل خائف على انفراد، أو لصنْفِ الخائفين، وذلك مبني على قوله: لمن خاف، هل يراد به واحد أو جماعة. وقال الزمخشري: إنما قال جنتان، لأنّه خطاب الثَّقَلين، فكأنه قال جنة للإنسان وجنة للجن. (لب) : عقل، من قولهم: لب في المكان إذا أقام به. ومنه: لأولي الألباب. (ليس له اليوم هاهنا حَمِيم. ولا طعام إلاَّ من غِسْلين) ، أي ليس له صديق. وقيل ليس له شراب ولا طعام إلاَّ من غِسْلين، فإنّ الحميم الماء الحار، والغسلين صديد أهل النار عند ابن عباس. وقيل شجر يأكله أهل النار. وقال اللغوِيّون: هو ما يجري من الجراح إذا غسلت، وهو فعلين من الغسل. فإن قلت: قد قال في الغاشية: (ليس لهم طَعَام إلا مِن ضَرِيع) ، وهو مناقض لما هنا؟ فالجواب: أن الضريع لقوم والغسلين لقوم، أو يكون أحدهما في حال والآخر في حال.

стр. 669

(لقَوْل رَسولٍ كَرِيم) : هذا جواب قوله: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) . والضمير للقرآن. والرسول الكريم قيل جبريل. وقيل محمد ﷺ . وأقْسَمَ تعالى بجميع الأشياء، لأنها تنقسم إلى ما يبْصَر وإلى ما لا يبصر، كالدنيا والآخرة، والإنس والجنّ، والأجسام والأرواح، وغير ذلك. (لأخَذْنَا مِنْه باليَمِين) : أي بالقوة. ومعناه لو تقوّلَ علينا محمد ما لم نَقلْه، أو نسب إلينا قولاً لأخذناه بقوّتنا. وقيل هي عبارة عن الهوان، كما يقال لمن يسجن: أُخِذ بيده وبيمينه. وقَال الزمخشري: معناه لو تقوّل علينا لقتلناه، ثم صوّرَ صورة القَتْلِ ليكون أهول. وعبَّر عن ذلك بقوله: لقطعنا منه الوَتين، وهو العِرْق الذي في عنقِ الإنسان. والسيَّاف إذا أراد أن يضرب المقتول في جيده أخذه بيده اليمين ليكون ذلك أشدّ عليه لنظره إلى السيف. (لِلشَّوَى) : هي أطراف الجسد، وقيل جِلْد الرأس. والمعنى أن النار تنزعها ثم تعاد. (لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ) : هذا تهديد للكفّار بإهلاكهم وإبدال مَنْ هوَ خير منهم. (لا تَرْجون للهِ وَقارا) : فيه أربعة تأويلات: أحد ها: أن الوقار بمعنى التوقير والكرامة، فالمعنى ما لكم لا تَرْجون أن يوقركم الله في دَارِ ثَوَابِه. قال ذلك الزمخشري. وقوله: "لله" على هذا بيان للموقر، ولو تأخّر لكان صفة لوقار. الثاني: أن الوقار بمعنى التؤدة والتثبّت، والمعنى ما لكم لا ترجون لله تعالى متثبتين حتى تتمكنوا من النظر بوقاركم. وقوله " للَه " على هذا مفعول دخلت عليه اللام، كقولك: ضربت لزيد. وإعراب وقاركم على هذا مصدر في موضع الحال.

стр. 670

الثالث: أن الرجاء على هذا بمعنى الخوف، والوقار بمعنى العظمة والسلطان. فالمعنى ما لكم لا تخافون عظمة الله وسلطانه. (ولله) على هذا صفة للوقار في المعنى. الرابع: أن الرجاء بمعنى الخَوْف، والوقار بمعنى الاستقرار، من قولك: وَقَر في المكان إذا استقرّ فيه، والمعنى ما لكم لا تخافون الاستقرار في دار القرار، إما في الجنة وإما في النار. (لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) : هذا إخبار عما حدث عندْ مبعث النبي ﷺ من مَنعِْ الجنّ من استراق السمعْ في السماء ورَجْمهم بالنجوم. واللمس: المسّ. واستعِير هنا للطلب. والحَرَس: اسم مفرد في معنى الحرّاس كالخدم في معنى الخدام. ولذلك وصف بشديد، وهو مفرد. ويحتمل أن يريد به الملائكة الحراس أو النجوم الحارسة. وكرر الشهب لاختلاف اللفظ. (لِنَفْتِنَهم فيه) : يحتمل أن يكون الضمير للمسلمين، أو للقاسطين المذكورين قبل، أو لجميع الجنّ، أو الجن الذين استمعوا إلى النبي ﷺ ، أو لجميع الخَلْق. ومعنى الفتنة الاختبار، هل يشكرون أم لا، هذا إن كانت الطريقة المذكورة، بمعنى الإيمان، وإن كانت الطريقة الكفر فمعنى الفتنة الاستضلال والاستدراج. (لِبَدًا) : جماعة واحدها لِبْدَة. والمعنى يكاد الكفار من الناس يجتمعون على الرد عليه وإبطال أمره، أو يكاد الجنّ الذين استمعوا هذا القرآن يجتمعون عليه لاستماعه والتبرك به. ومن هذا اشتقاق هذه اللبود التي تفْرَش بعضها على بعضها. (لِيَسْتَيْقِنَ الذين أوتوا الكتاب) : أي يعلم أهل التوراة والإنجيل أن ما أخبر به نبيّنا ومولانا محمد ﷺ عن عدد ملائكة النار حق، لأنه
следующие страницы →