← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قلت: فلك أن تسأل وتقول: قد سميت سورة جَرَتْ فيها قصص أنبياء بأسمائهم، كسورة نوح، وسورة هود، وسورة إبراهيم، وسورة يونس، وسورة آل عمران، وسورة طس سليمان، وسورة يوسف، وسورة محمد صلى الله على جميع الأنبياء، وسورة مريم، وسورة لقمان، وسورة المؤمن. وسورة أقوام: كسورة بني إسرائيل، وسورة أصحابِ الكَهْف، وسورة الحِجْر، وسورة سبأ، وسورة الملائكة، وسورة الجِن، وسورة المنافقين، وسورة المطَفّفين. ومع هذا لم يفْرَدْ لموسى سورة تسمّى به، مع كثرة ذكره في القرآن، حتى قال بعضهم: كاد القرآن أن يكون كله موسى، وكان أولى سورة تسمى به سورة طه أو القصص أو الأعراف لبسط قصته في الثلاثة مما لم تبْسط في غيرها. وكذلك قصة آدم ذكرَتْ في عِّدةِ سوَر، ولم تسمّ به سورة كأنه اكتفي بسورة الإنسان. وكذلك قصة الذَّبيح من بدائع القصص، ولم تسَمّ به سورة الصافات. وقصة داوود ذكرت في (ص) ولم تسم به، فانظر في حكمة ذلك. على أني رأيت بعد ذلك في جمال القراء للسخَاوي أن سورة طه تسمى سورة الكلِيم، وسماها الهُذَلي في كماله سورة موسى. وأن سورة ص تسمى سورة داود. ورأيت في كلام الجعبري أن سورة الصافّات تسمى سورة الذبيح، وذلك يحتاج إلى مستند من الرأي. (ليس على الأعْمى حَرَج) : اختلف والمعنى الذي رفع الله به الحرج عن الأعرج والأعمى والمريض هذه الآية، فقيل: هو في هذه الآية الغزو، أي لا حَرَجَ عليهم في تأخرهم عنه، وحكمهم عام في كل جهاد إلى يوم القيامة إلا أن يحزب حازب في حصرةٍ ما، فواجب عليهم بحسب الوسْع. فإن قلت: أما رَفْع الحرج عن هؤلاء في هذه الآية فمفهوم تعقيبه به في عَتْب المتخلّفين من القبائل، وأما ذكرهم في سورة النور، فلم أفهم له معنى؟ فالجواب: إنما ذكرهم في سورة النور لأنهم كانوا إذا نهضوا إلى الغَزْو

стр. 667

وخلّفوا أهلَ هذه الأعذار في بيوتهم، فكانوا يتجنّبون أكل مال الغائب، فنزلت في ذلك. وقيل: إن الناس كانوا يتجنبّون الأكل معهم تقذَّرا، فنزلت الآية. وهذا ضعيف، لأن رفع الحرج عن أهل الأعذار لا عن غيرهم. والصواب أن يقال: إن الحرج مرفوع عن هؤلاء الثلاثة في كل ما يمنعهم منه أعذارهم من الجهاد وغيره، ألا ترى أنه أباح الأكل للإنسان في هذه البيوت المذكورة في الآية، من الآباء والأبناء والأخوات وغيرهم. فإن قلت: إذا رفع الحرج عن هؤلاء فما معنى الآية: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) . فالجواب: أنه اختلف في الخفيف والثقيل، من هو، على أقوال: فقيل الخفيف الغنيّ، والثقيل الفقير. وقيل الخفيف الشاب والثقيل الشيخ. وقيل الخفيف النشيط، والثقيل الكسلان. وهذه الأقوال أمثلة في الثقل والخفّة. وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (ليس على الضّعَفَاء ولا عَلَى المرْضَى) . وعلى كلِّ تقديرٍ فجائز لأصحاب الأعذار الغَزْو، وأجرهم فيه مضاعف، لأن الأعرج قد يكون أجرأ الناس بالصبر وألاَّ يفر. وقد غزا ابن أمِّ مكتوم، وكان يمسك الراية في بعض حروب القادسية، وقد خرّج النسائي في بعض هذا المعنى. وذكر ابن أم مكتوم ﵀. (للفقراء) : هذا بدل من قوله (لذي القربى واليتامي والمساكين وابن السبيل) ، ليبين أن المراد بذلك (المهاجرين) ، ووصفهم بأنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم، لأنهم هاجروا من مكة وتركوا فيها ديارهم وأمْوالهم. (لقد زَيّنّا السماء الدّنيا بِمَصابِيح) . السماء الدنيا -: هي القريبة منا. والمصابيح يراد بها النجوم، فإن كانت النجوم كلها في السماء الدنيا فلا إشكال. وإن كانت في غيرها من السماوات فقد زينت السماء الدنيا، لأنها ظاهرة فيها لنا.

стр. 668

ويحتمل أن يريد أنه زيّن السماء الدنيا بالنجوم التي فيها دون التي في غيرها، على أن القَوْلَ بمواضع الكواكب وفي أي سماء هي لم يَرِدْ في الشريعة. (لَطيف) : اسم الله تعالى. قيل معناه رفيق، وقيل: خبير بِخَفِيَّات الأمور. (لؤلؤ) : كبار الجَوهَر. (لِمَنْ خافَ مقامَ رَبه جنَّتَان) : مقام ربه: القيام بين يديه للحساب. ومنه: (يوم يقُوم النَّاس لرَبِّ العَالَمين) . وقيل قيام الله عليه بأعماله. ومنه: (أفَمَنْ هو قائم على كلِّ نَفْس بما كَسبَتْ) . وقيل لمن خاف مقام ربه، وأبهم المقام، كقولك: خفت جانب فلان. واختلف هل الجنتان لكل خائف على انفراد، أو لصنْفِ الخائفين، وذلك مبني على قوله: لمن خاف، هل يراد به واحد أو جماعة. وقال الزمخشري: إنما قال جنتان، لأنّه خطاب الثَّقَلين، فكأنه قال جنة للإنسان وجنة للجن. (لب) : عقل، من قولهم: لب في المكان إذا أقام به. ومنه: لأولي الألباب. (ليس له اليوم هاهنا حَمِيم. ولا طعام إلاَّ من غِسْلين) ، أي ليس له صديق. وقيل ليس له شراب ولا طعام إلاَّ من غِسْلين، فإنّ الحميم الماء الحار، والغسلين صديد أهل النار عند ابن عباس. وقيل شجر يأكله أهل النار. وقال اللغوِيّون: هو ما يجري من الجراح إذا غسلت، وهو فعلين من الغسل. فإن قلت: قد قال في الغاشية: (ليس لهم طَعَام إلا مِن ضَرِيع) ، وهو مناقض لما هنا؟ فالجواب: أن الضريع لقوم والغسلين لقوم، أو يكون أحدهما في حال والآخر في حال.

стр. 669

(لقَوْل رَسولٍ كَرِيم) : هذا جواب قوله: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) . والضمير للقرآن. والرسول الكريم قيل جبريل. وقيل محمد ﷺ . وأقْسَمَ تعالى بجميع الأشياء، لأنها تنقسم إلى ما يبْصَر وإلى ما لا يبصر، كالدنيا والآخرة، والإنس والجنّ، والأجسام والأرواح، وغير ذلك. (لأخَذْنَا مِنْه باليَمِين) : أي بالقوة. ومعناه لو تقوّلَ علينا محمد ما لم نَقلْه، أو نسب إلينا قولاً لأخذناه بقوّتنا. وقيل هي عبارة عن الهوان، كما يقال لمن يسجن: أُخِذ بيده وبيمينه. وقَال الزمخشري: معناه لو تقوّل علينا لقتلناه، ثم صوّرَ صورة القَتْلِ ليكون أهول. وعبَّر عن ذلك بقوله: لقطعنا منه الوَتين، وهو العِرْق الذي في عنقِ الإنسان. والسيَّاف إذا أراد أن يضرب المقتول في جيده أخذه بيده اليمين ليكون ذلك أشدّ عليه لنظره إلى السيف. (لِلشَّوَى) : هي أطراف الجسد، وقيل جِلْد الرأس. والمعنى أن النار تنزعها ثم تعاد. (لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ) : هذا تهديد للكفّار بإهلاكهم وإبدال مَنْ هوَ خير منهم. (لا تَرْجون للهِ وَقارا) : فيه أربعة تأويلات: أحد ها: أن الوقار بمعنى التوقير والكرامة، فالمعنى ما لكم لا تَرْجون أن يوقركم الله في دَارِ ثَوَابِه. قال ذلك الزمخشري. وقوله: "لله" على هذا بيان للموقر، ولو تأخّر لكان صفة لوقار. الثاني: أن الوقار بمعنى التؤدة والتثبّت، والمعنى ما لكم لا ترجون لله تعالى متثبتين حتى تتمكنوا من النظر بوقاركم. وقوله " للَه " على هذا مفعول دخلت عليه اللام، كقولك: ضربت لزيد. وإعراب وقاركم على هذا مصدر في موضع الحال.

стр. 670

الثالث: أن الرجاء على هذا بمعنى الخوف، والوقار بمعنى العظمة والسلطان. فالمعنى ما لكم لا تخافون عظمة الله وسلطانه. (ولله) على هذا صفة للوقار في المعنى. الرابع: أن الرجاء بمعنى الخَوْف، والوقار بمعنى الاستقرار، من قولك: وَقَر في المكان إذا استقرّ فيه، والمعنى ما لكم لا تخافون الاستقرار في دار القرار، إما في الجنة وإما في النار. (لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) : هذا إخبار عما حدث عندْ مبعث النبي ﷺ من مَنعِْ الجنّ من استراق السمعْ في السماء ورَجْمهم بالنجوم. واللمس: المسّ. واستعِير هنا للطلب. والحَرَس: اسم مفرد في معنى الحرّاس كالخدم في معنى الخدام. ولذلك وصف بشديد، وهو مفرد. ويحتمل أن يريد به الملائكة الحراس أو النجوم الحارسة. وكرر الشهب لاختلاف اللفظ. (لِنَفْتِنَهم فيه) : يحتمل أن يكون الضمير للمسلمين، أو للقاسطين المذكورين قبل، أو لجميع الجنّ، أو الجن الذين استمعوا إلى النبي ﷺ ، أو لجميع الخَلْق. ومعنى الفتنة الاختبار، هل يشكرون أم لا، هذا إن كانت الطريقة المذكورة، بمعنى الإيمان، وإن كانت الطريقة الكفر فمعنى الفتنة الاستضلال والاستدراج. (لِبَدًا) : جماعة واحدها لِبْدَة. والمعنى يكاد الكفار من الناس يجتمعون على الرد عليه وإبطال أمره، أو يكاد الجنّ الذين استمعوا هذا القرآن يجتمعون عليه لاستماعه والتبرك به. ومن هذا اشتقاق هذه اللبود التي تفْرَش بعضها على بعضها. (لِيَسْتَيْقِنَ الذين أوتوا الكتاب) : أي يعلم أهل التوراة والإنجيل أن ما أخبر به نبيّنا ومولانا محمد ﷺ عن عدد ملائكة النار حق، لأنه

стр. 671

موافق لما في كتبهم. ولما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش: أيعجز عشرةٌ منكم عن واحد من هؤلاء التسعة عشر أن يبطشوا به، فنزلت الآية. ومعناها أنهم ملائكة لا طاقةَ لكم بهم. ورُوِي أن الواحد منهم يرمي بالجبل على الكفار، فجعل الله هذا العدد لفِتْنَةِ الكفَّار ولئلا يشكّ المؤمنون والذين أوتوا الكتاب. فإن قلت: كيف نفى عنهم الشكّ بعد أن وصفهم باليقين، والمعنى واحد فهو تكرار؟ فالجواب: أنه لما وصفهم باليقين نفَى عنهم أن يشكّوا فيما يستقبل بعد يقينهم الحاصل الآن، فكأنه وصفهم باليقين في الحال والاستقبال. وقال الزمخشري: ذلك مبالغة وتأكيد. (ليَقولَ الَّذِين في قلوبهم مَرَض) : المرض عبارة عن الشكّ، وأكثر ما يُطلق الذين في قلوبهم مرض على المنافقين، كقوله: (في قلوبهم مَرَضٌ) . فإن قلت: هذه السورة مكيّة، ولم يكن حينئذ منافقون بالمدينة؟ فالجواب من وجههين: أحدهما أن معناه يقول المنافقون إذا حدّثوا، ففيه إخبار بالغيب. والآخر أن يريد من كان بمكة من أهل الشك، وقولهم: (ماذا أرادَ اللَهُ بهذا مَثَلاً) ، فهو استبعاد لأن يكون هذا من عند الله. (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) . فيه توقيف يراد به تعظيم ذلك اليوم، ثم بينه بقوله: (وما أدْرَاك ما يَوْم الفَصْلِ) . (اللام) : على أربعة أقسام: جارّة، وناصبة، وجازمة، ومهملة غير عاملة. فالجارةُ مكسورة مع الظاهر، وأما قراءة بعضهم: الحمد لله، فالضمة عارضة للاتباع، مفتوحة مع المضمر إلا الياء. ولها معان: الاستحقاق، وهي الواقعة بين معنى وذات، نحو: (الحمد لله) .

стр. 672

(الملك لله) . (للهِ الأمر) . الروم: ٤. (ويل لِلمطفِّفين) . (لهم في الدنيا خِزْيٌ) . (وللكافرين النارُ) ، أي عذابها. والاختصاص، نحو: إن لَه أباً، كان له إخوةٌ. والملك، نحو: (لَه ما في السماوات وما في الأرض) . والتعليل، نحو: (إنه لِحبِّ الخَيْرِ لَشَدِيد) ، أي وإنه من أجل حبِّ المال لَبَخِيل. (وإذْ أخذَ اللَّهُ مِيثاقَ النبيين لِمَا آتيْتكم من كتابِ وحِكْمَة ... ) . في قراءة حمزة، أي لأجل إيتائي إياكم بعضَ الكتاب والحكمة، ثم لمجيء محمد ﷺ مصدِّقاً لما معكم لتؤمِننّ به، ولتنصرنه، فما مصدرية واللام تعليلية. وقوله: (لإيْلاَفِ قريش) . وتعلقها بـ (يعبدوا) . وقيل بما قبله، أي فجعلهم كعَصْف مأكول، لإيلاف قريش. ورجَح بأنههما في مصحف عثمان سورة واحدة. وموافقة إلى، نحو: (بأن ربَّك أوحى لها) . (كلّ يَجْرِي لأجَلٍ مسَمًّى) . وعلى، نحو: (ويَخرّون لِلأذْقَان) . (دَعَانَا لِجنبِهِ) . (وَتَلّهُ لِلْجَبين) . (وإن أسَاتم فَلها) . (لهم اللعنة) ، أي عليهم، كما قال الشافعي. وفي، نحو: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) . (لاَ يُجَلِّيهَا لوَقْتِها إلاَّ هو) . (يا لَيْتَنِي قدّمْت لِحَياتي) ، أي في حياتي. وقيل هي فيها للتعليل، أي لأجل حياتي في الآخرة. و (عند) في قراءة الجَحْدَري: (بل كذّبوا بالحقّ لما جاءهم) . وبعد، نحو: (أقِم الصلاةَ لدلوكِ الشمس) . وعن، نحو: (قال الذين كفروا للذِين آمَنوا لو كَان خيراً ما سبَقونا إليه) .

стр. 673

أي عنهم وفي حقّهم، لأنهم خاطبوا به المؤمنين. وإلا لقيل ما سبقْتمونا. والتبليغ، وهي الجارّة لاسم السامع لقول أو ما في معناه، كالإذْن. والصيرورة، وتسمى لام العاقبة، نحو: (فالْتَقَطَه آل فِرْعَوْن ليكون لهم عَدواً وحَزناً) ، فهذا عاقبة التقاطهم لا علّته، إذ هي التبني. ومنع قوم ذلك، وقالوا: هي للتعليل مجازاً، لأن كونه عدوا لما كان ناشئاً عن الالتقاط وإن لم يكن غَرَضاً لهم، فنزّل منزلة الغرض على تقدير المجاز. وقال أبو حيان: الذي عندي أنها للتعليل حقيقة، وأنهم التقطوه ليكون لهم عدواً، وذلك على حذف مضاف تقديره لمخافة أن يكون، كقوله: (يتيِّن الله لكم أنْ تَضِلوا) ، أي كراهة أن تضلوا. والتأكيد، وهي الزائدة أو القوية للعامل الضعيف لفرعية أو تأخير، نحو: (رَدِفَ لَكم) . (يريد الله ليبيِّن لكم) . (وأمِرْنا لِنسْلِمَ) . (فَعّال لِمَا يريد) . (إن كنْتم للرؤيا تَعْبرون) . (وكنّا لِحكْمِهم شاهِدين) . والتبيين للفاعل أو المفعول، نحو: (فَتعْساً لهم) . (هيهات لِما توعدون) . (هَيْت لك) . والناصبة هي لام التعليل، وادعى الكوفيون النصب بها. وقال غيرهم بأن مقدرة في محل جر باللام. والجازمة هي لام الطلب، وحركتها الكسر. وسُلَيم يفتحونها، وإسكانها بعد الواو والفاء أكثر من تحريكها، نحو، (فلْيَستَجِيبوا لي وليؤمِنوا بي) . وقد تسكن بعد ثمّ، نحو: (ثمّ ليقْضوا تفَثَهم) . وسواء كان الطلب أمراً، نحو: (لِينْفِقْ ذو سَعَةٍ) . أو دعاء، نحو: (ليَقْضِ علينا ربّك) .

стр. 674

وكذا لو خرجت إلى الخبر، نحو: (فَلْيَمْددْ له الرَّحْمن مَدًّا) . (ولْنَحْمِل خطاياكم) . أو التهديد، نحو: (فمَنْ شاء فليؤمِنْ ومَنْ شاء فَلْيَكْفر) . وجزمها فعلَ الغائب كثير، نحو: (فَلْتَقُمْ طائفةٌ منهم معكَ وليَأخذوا أسلحتَهم) . (فليكونوا من وَرَائكم ولتأت طائفةٌ) . فلْيُصَلوا معك) . وفعل المخاطب قليل، ومنه: (فبذلك فلْتَفْرَحوا) - في قراءة التاء. وفعل التكلم أقل، ومنه: (ولنَحْمِلْ خطاياكم) . *** وغير العاملة أربع: لام الابتداء، وفائدنها أمران: توكيد مضمون الجملة، ولهذا زَحْلقوها في باب إن من صدر الجملة كراهة توالي مؤكَدين. وتخليص المضارع للحال. وتدخل في المبتدأ، نحو: (لأنْتمْ أشدُّ رَهْبَةً في صدورهم من الله) . وفي خبر إن، نحو: (إنّ رَبي لسميع الدعاءَ) . (إنّ ربك ليَحْكم بينهم) . (وإنّكَ لعَلَى خلق عظيم) . واسمها المؤخر، نحو: (إنّ علينا لَلْهدَى وإن لنا للآخِرَة) . واللام الزائدة في خبر أن المفتوحة، كقراءة سعيد بن جبير: (إلاَّ أنهم ليَأكلونَ الطعامَ) . والمفعول، كقوله تعالى: (يَدْعو لمن ضرَّه أقْرَبُ مِنْ نَفْعِه) . ولام الجواب للقسم أو "لو" أو لولا، نحو: (تَاللَهِ لَقَدْ آثركَ الله عَلَيْنَا) . (تَاللهِ لأكِيدَنّ أصنامَكم) . (لو تَزَيَّلوا لعذَّبْنَا) (ولولا دفْع اللهِ الناسَ بعضَهم ببعض لفسدت الأرْض) .

стр. 675

وال لا م الموطّئة، وتسمى المؤذِنة، وهي الداخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبنيّ على قَسم مقدَّر، نحو: (لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ) . وخرّج عليه قراءة قوله تعالى: (لَمَا آتيْتُكمْ مِنْ كتابٍ وحِكمة) . (لا) : على أوجه: أحدها أن تكون نافية، وهي أنواع: أحدها: أن تعمل عمل إنَّ، وذلك إذا أريد بها الجنس على سبيل التنصيص، وتسمى حينئذ تبرئة، وإنما يظهر نصبها إذا كان اسمها مضافاً أو شبهه، وإلا فيركّب معها، نحو، لا إله إلّا الله. (لا ريب فيه) . فإن تكرّرَتْ جاز التركيب والرفع، نحو: (فلا رَفَثَ ولا فُسوقَ ولا جدَال) . (لا بيْعٌ فيه ولا خُلّة ولا شَفَاعة) . (لا لغْو فيها ولا تاثيم) . ثانيها: أن تعمل عمل ليس، نحو: (ولا أصغر من ذلك ولا أكبْرَ إلّا في كتابٍ مُبِين) . ثالثها ورابعها: أن تكون عاطفة أو جوابية. ولم يقَعَا في القرآن. خامسها: أن تكون على غير ذلك، فإن كان ما بعدها جملة اسمية صدرها معرفةٌ أو نكرة ولم تعمل فيها، أو فعلاً ماضياً لفظا أو تقديرا وجب تكرارها، نحو: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) . (لا فيها غَوْل ولا هُمْ عنها يُنزَفون) . (فلا صَدَّقَ ولا صَلَّى) . أو مضارعا لم يجب، نحو: (لا يُحِبّ الله الجَهْرَ بالسّوءَ مِنَ القَوْلِ إلَّا منْ ظلم) . (قُلْ لا أسالُكم عليه أجراً) .

стр. 676

وتعترض (لا) هذه بين الناصب والمنصوب، نحو: (لئلا يكون للناس) . والجازم والمجزوم، نحو: (إلّا تَفْعَلوه) . والوجه الثاني: أن تكون لطلب التّرْك، فتختص بالمضارع، وتقتضي جَزْمه واستقباله، سواء كان نهياً، نحو: (لا تتّخذوا عَدوي) . (لا يَتّخِذِ المؤمنون الكافرين) . (ولا تَنْسَوا الفَضْلَ بينكم) . أو دعاء، نحو: (لا تؤاخِذنا) . الثالث: التأكيد، وهي الزائدة، نحو: (ما مَنعكَ ألاَّ تسجد) . (ما منعكَ إذ رأيتَهم ضَلُّوا ألَّا تَتّبِعَنِ) . (لئلاّ يعْلم أهْل الكتاب) ، أي ليعلموا. قال ابن جني: لا هنا مؤكّدة قائمة مقام إعادة الجملة مرة أخرى. واختلف في قوله: (لا أقسِم بيَوْم القيامة) ، فقيل زائدة، فائدتها مع التوكيد التمهيد لنفي الجواب، والتقدير: لا أقسم بيوم القيامة لا تتركون سدى. ومثله: (فَلاَ وَربّكَ لا يؤمنون حتى يحَكَموك) ، ويؤيده قراءة "لأقسم". وقيل: لا نافية لا تقدم عنهم من إنكار البعث، فقيل لهم: ليس الأمر كذلك، ثم استؤنف القسم. قالوا: وإنما صح ذلك لأن القرآن كله كالسورة الواحدة، ولذا يذْكر الشيء في سورة وجوابه في سورة أخرى نحو: : (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) . (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) . وقيل: منفيّها أقسم على أنه إخبار لا إنشاء. واختاره الزمخشري، قال: والمعنى في ذلك أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاماً له، بدليل: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) . فكأنه قيل: إن إعظامه بالإقسام به كلا إعظام، أي أنه يستحق إعظاماً فوق ذلك. واختلف في قوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ، فقيل نافية. وقيل ناهية. وقيل زائدة.

стр. 677

وفي قوله: (وحَرَامٌ على قَرْيةٍ أهلكناها أنّهم لا يرجعون) ، فقيل: زائدة. وقيل نافية والمعنى ممتنع عدم رجوعهم إلى الآخرة. تنبيه: تَرِد (لا) اسماً بمعنى غير، فيظهر إعرابُها فيما بعدها، نحو: (غَيْرِ المغضوب عليهم ولا الضالّين) ، (لا مقطوعة ولا ممنوعةٍ) ، (لاَ فَارِضٌ ولا بِكرٌ) . فائدة قد تحذف ألفُها، وخرَّج عليه ابنُ جني: (واتقُوا فِتْنَةً لَتُصِيبَنّ الذين ظَلَمُوا منكم خَاصة) . (لات) : اختلف فيها، فقال قوم: فعل ماض بمعنى نقص. وقيل أصلها ليس، تركت الياء فقُلبت ألفاً لانفتاح ما قبلها، وأبدلت السين تاء. وقيل هي كلمتان: لا النافية زيدت عليها التاء لتأنيث الكلمة، وحركت لالتقاء الساكنين، وعليه الجمهور. وقيل هي لا النافية والتاء زائدة في أول الحين. واستدل له أبو عبيدة بأنه وجدها في مصحف عثمان مختلطة بحين في الخط. واختُلف في عملها، فقال الأخفش: لا تعمل شيئاً، فإن تلاها مرفوع فمبتدأ وخبر، أو منصوب فبِفِعْل محذوف، فقوله تعالى: (ولاتَ حينُ) - بالرفع، أي كائن لهم. وبالنصب أى لا أرى حيْنَ مناص. وقيل تعمل عمل إن. وقال الجمهور: تعمل عمل ليس، وعلى كل قول لا يُذكر بعدها إلا أحد المعمولين، ولا تعمل إلا في لفظ الحين. قيل: أو ما رَادَفَهُ. قال الفراء: وقد تستعمل حرف جر لأسماء الزمان خاصة. وخرّج عليه - قراءة: ولات حينٍ - بالجر.

стр. 678

(لا جَرَم) : وردت في القرآن في خمسة مواضع: الأول في هود، وثلاثة في النحل، والخامس في غافر، متلوّة بأنّ واسمها ولم يجئ بعدها فعلٌ. واختلف فيها، فقيل: لا نافية لما تقدّم، و" جَرَم " فعل معناه حق، وأن مع ما في حَيّزها فاعله. وقيل: زائدة، و " جرم " معناه كسب، أي كسب لهم عملهم الندامة، وما في حيّزها في موضع نصب. وقيل: هما كلمتان، رُكِّبتَا وصار معناها حقاً. وقيل معناها لا بد، وما بعدها في موضع نصب بها بإسقاط حرف الجرّ. (لكنَّ) - مشدّدة النون: حرف ينصب الاسم ويرفع الخبر. ومعناه الاستدراك، وفُسِّرَ بأن ينسب لما بعدها حكماً مخالفا لحكم ما قبلها، ولذلك لا بد أن يتقدمها كلامٌ مخالف لما بعدها أو مناقض له، نحو: (وما كفر سُلَيْمان ولكنَّ الشياطينَ كفَروا) . وقد ترد للتوكيد مجرداً عن الاستدراك، قاله صاحب البسيط، وفسر الاستدراك برفع ما توهّم ثبوته، نحو: ما زيد شُجاع، لكنه كريم، لأن الشجاعة والكرم لا يكادان يفترقان، فَنفي أحدهما يوهم نَفْي الآخر. ومثَّل للتوكيد بنحو: لو جاءني أكرمته، لكنه لم يجئ، فأكدت ما أفادته (لو) من الامتناع. واختار ابن عصفور أنها لهما معاً، وهو المختار، كما أن كأنَّ للتشبيه المؤكد، ولهذا قال بعضهم: إنها مركبة من لكن أن فطُرِحَت الهمزة للتخفيف ونون لكن للساكنين. (لكنْ) - مخففة: ضربان: أحدهما: مخفَّفة من الثقيلة، وهي حرف ابتداء لا تعمل، بل لمجرد إفادة الاستدراك، وليست عاطفة لاقترانها بالعاطف في قوله: (ولكنْ كانُوا هُم الظالمين) .

стр. 679

والثاني: عاطفة إذا تلاها مُفرد، وهي أيضاً للاستدراك، نحو: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ) النساء: ١١٦٦. (لكنِ الرسولُ) . (لكنِ الذين اتَقوْا ربَّهم) . ويأتي لدي، ولدن، عند حرف العين في (عند) . (لَعلَّ) حرف ينصب الاسم ويرفع الخبر. وله معان، أشهرها التوقع، وهي الترجي في المحبوب، نحو: (لعَلَّكم تفْلحون) . والإشفاق في المكروه، نحو: (لعلّ الساعةَ قَرِيب) . وذكر التَّنوخي أنها تفيد توكيد ذلك. الثاني: التعليل، وخرّج عليه: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) . الثالث: الاستفهام، وخرّج عليه: (لا تدْرِي لعلَّ اللهَ يحْدِث بَعْدَ ذلك أمْراً) . (وما يُدْرِيكَ لعلهُ يزَّكى) ؛ ولذا علق (يدري) . قال في البرهان: وحكى البغوي عن الواقدي أن جميع ما في القرآن من (لعلَّ) فإنها للتعليل، إلا قوله تعالى: (لعلكم تَخْلُدون) . قال: وكونها للتشبيه غريب لم يذكره النحاة، ووقع في صحيح البخاري في قوله: (لعلكم تَخْلُدون) - أن لعل للتشبيه. وذكر غيره أنها للرجاء المحض، وهو بالنسبة إليهم. قلت: أخرج ابن أبي حاتم من طريق السديّ عن أبي مالك، قال: (لعلكم) في القرآن بمعنى (كي) ، غير آية في الشعراء: (لعلكم تخْلُدون) ، بمعنى كأنكم تَخْلُدون. وأخرج عن قتادة قال: كان في بعض القراءة: "وتَتخِذونَ مصانعَ كأنكم خالدون".

стр. 680

(لم) : حرف جزم لنفي المضارع وقلْبه ماضياً، نحو: (لم يَلِدْ ولم يُولَدْ) . والنصب بها لغة - حكاه اللحياني. وخرَّج عليه قراءة: ألم نشرحَ. (لمَّا) : على أوجه: أحدها: أن تكون حرف جزم، فتختصّ بالمضارع وتنفيه وتقلبه ماضياً، كـ لم، لكن يفترقان من أوجه: أحدها: أنها لا تقترن بأداة شرط، ونفيها مستمر إلى الحال أو قريب منه. ومتوقع ثبوته. قال ابن مالك في: (لما يَذُوقُوا عَذَاب) : المعنى لم يذوقوه، وذَوْقه لهم متوقع. وقال الزمخشري في: (ولَمَّا يَدْخُل الإيمانُ في قلوبكم) ، - ما في (لَمَّا) بمعنى التوقع، دالٌّ على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعدُ، وأن نفيها آكد من نفي لم، فهي لنفي قد فُعل، ولم لنفي فَعَل، ولهذا قال الزمخشري في الفائق تبعاً لابن جني: إنها مركبة من (لم) و (ما) ، وإنهم لما زادوا في الإثبات (قد) زادوا في النفي (ما) ، وإن منفيّ لما جائز الحذف اختياراً. بخلاف لم، وهي أحسنُ ما يخرج عليه: (وإنْ كُلاًّ لمَا ليُوَفيَنَّهُم ربك أعمالهم) ، أي لما يُهملوا أو يتركوا، قاله ابن الحاجب. قال ابن هشام: ولا أعرف وجهاً في الآية أشبه من هذا، وإن كانت النفوسُ تستبعده، لأن مثله لم يقع في التنزيل. قال: والحق لا يُستبعد، لكن الأولى أن يقدر لما يوفوا أعمالهم، أي أنهم إلى الآن لم يوفوها وسيوفّوها. الثاني: أن تدخل على الماضي، فتقتضي جملتين، وُجدت الثانية عن وجود الأولى، نحو: (فلما نَجّاكُمْ إلى البر أعْرَضْتُم) . ويقال فيها حرف وجود لوجود. وذهب جماعة إلى أنها حينئذ ظرف بمعنى حين. وقال ابن مالك: بمعنى إذْ، لأنها مختصة بالماضي وبالإضافة إلى الجملة.

стр. 681

وجواب هذه يكون ماضياً كما تقدم، وجلة اسمية بالفاء أو بإذا الفجائية، نحو: (فلما نَجَّاهُمْ إلى الْبَرِّ فمنهم مُقْتَصِد) . (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) . وجوّز ابن عصفور كونه مضارعاً، نحو: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِ لُنَ ا) . وأوّله غَيْره بـ (جادَلَنَا) . الثالث: أن تكون حرف استثناء، فتدخل على الاسمية والماضية، نحو: (إنْ كُلّ نَفْسٍ لمَا عَلَيْهَا حافِظٌ) - بالتشديد، أي (إلَّا) . (وإنْ كلّ ذلك لما متَاع الحياة الدنيا) . (لن) : حرف نصب ونفْي واستقبال. والنفي بها أبلغُ من النفي بلا، فهي ْلتأكيد النفي، كما ذكره الزمخشري وابن الخباز، حتى قال بعضهم: إن منعه مكابرة، فهي لنفي (إني أفعل) ، و (لا) لنفي (أفعل) ، كما في (لم) ، و (لا) . قال بعضهم: العرب تنفي المظنون بِلن والمشكوك بلا. ذكره ابن الزَّملكانيّ في التبيان، وادّعى الزمخشري أيضاً أنها لتأبيد النفي، كقوله تعالى: (لن يخْلُفوا ذُبَابا) ، (ولن تَفْعَلوا) . قال ابن مالك: وحمله على ذلك اعتقاده في (لن تَرَاني) أنَّ الله لا يُرى. وردّه غيره بأنها لو كانت للتأبيد لم يقيّد منفيها باليوم في: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) ، ولم يصح التوقيت في: (لن أبْرحَ الأرض حتى يأذن لي أبي) . (لن نَبْرَح عليه عَاكِفين حتى يرجعَ إلينا موسى) . ولكان ذكر الأبد في: (لن يتمنَوْه أبداً) - تكرار. والأصل عدمه. واستفادة التأبيد في: (لن يخْلُفوا ذُبَابا) . ونحوه، من خارج. ووافقه على إفادة التأبيد ابن عطية. وقال في قوله: (لن تراني) : لو أبقينا على هذا النفي لتضمن أن موسى لا يراه أبداً ولا في الآخرة، لكن ثبت في الحديث المتواتر أن أهل الجنة يرونه.

стр. 682

وعكس ابن الزملكاني مقالة الزمخشري، فقال إن (لن) لنفي ما قرب وعدم امتداد النفي، و (لا) يمتد معها النفي. قال: وسِرّ ذلك أن الألفاظ مشاكلةٌْ للمعاني، ولأن آخرها الألف فاللام يمكن امتداد الصوت بها بخلاف النون، فطابق كلّ لفظ معناه. قال: ولذلك أتى بلن حيث لم يرد به النفي مطلقاً، بل في الدنيا حيث قال: (لن تراني) ، وبلا في قوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) حيث أراد نفي الإدراك على الإطلاق. وهو مغَاير للرؤية. وتَرِد للدعاء، وخرج عليه: (ربِّ بما أنعمْتَ عليَّ فَلَنْ أكونَ ظَهيراً للمجْرِمين) . (لو) : حرف شرط في المضي تصْرِف المضارعَ إليه، بعكس (إن) الشرطية. واختلف في إفادتها الامتناع، وكيفية إفادتها إياه على أقوال: أحدها: أنها لا تفيده بوجه، ولا تدل على امتناع الشرط ولا امتناع الجواب، بل هي لمجرد رَبْطِ الجواب بالشرط دالة على التعليق في الماضي، كما دلت إن على التعليق في المستقبل، ولم تدل بالإجماع على امتناع ولا ثبوت. قال ابن هشام: وهذا القول كإنكار الضروريات: إذ فَهْم الامتناع منها كالبديهي، فإن كل من سمع " لو فعل " فَهمَ عدم وقوع الفعل من غير تردد، ولهذا جاز استدراكه، فتقول: لو جاء زيد لأكرمته لكنه لم يجئ. الثاني: وهو لسيبويه، قال: إنها حرف لِمَا سيقع لوقوع غيره، أي تقتضي فعلاً ماضياً كان يتوع ثبوته لثبوت غيره، والمتوقع غير واقع، فكأنه قال: حرف يقتضي فعلاً امتنع لامتناع ما كان يثبت لثبوته. الثالث: وهو المشهور على ألسنة النحاة ومشى عليه المعربون - أنها حرف امتناع لامتناع، أي يدل على امتناع الجواب لامتناع الشرط، فقولك: " لو جئت لأكرمتك " دالٌّ على امتناع الإكرام لامتناع المجيء.

стр. 683

واعترض بعدم امتناع الجواب في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) . (ولو أسمعهم لتَولَّوْا وهم معْرِضون) ، فإن عدم النفاد عند فَقْد ما ذكر، والتولِّي عند عدم الإسماع أولى. الرابع: وهو لابن مالك - أنها حرف يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه من غير تعرّض لنفي التالي، قال: فقيام زيد في قولك: لو قام زيد لقام عمرو محكوم بانتفائه، وبكونه مستلزماً ثبوته لثبوت قيام عَمْرو. وهل لعمرو قيام آخر غير اللازم عن قيام زيد أو ليس له، لا تعرّض لذلك. قال ابن هشام: وهذه أجود العبارات. فوائد الأولى: أخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحّاك عن ابن عباس، قال: كل شيء في القرآن (لو) فإنه لا يكون أبداً. الثانية: تختص (لو) المذكورة بالفعل. وأما نحو: (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ) ، فعلى تقديره. قال الزمخشري: وإذا أوقعت أن بعدها وجب كَوْن خبرها فعلاً، ليكون عوضاً عن الفعل المحذوف. وردّه ابن الحاجب بآية: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ) . وقال: إنما ذلك إذا كان مشتقاً لا جامداً. ورده ابن مالك بقوله: لو أنَّ حيّاً مدرك الفلاح ... أدركه ملاعِب الرّماح قال ابن هشام: وقد وجدث آيةً في التنزيل وقع فيها الخبر اسماً مشتقاً ولم ينتبه لها الزمخشري، كما لم ينتبه لآية لقمان، ولا ابن الحاجب، وإلا لما منع ذلك، ولا ابن مالك وإلّا لما استدل بالشعر، وهي قوله تعالى: (يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ) .

стр. 684

ووجدث آيةً الخبر فيها ظرف، وهي: لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ) . وردّ ذلك الزركشي في البرهان وابن الدماميني - بأنّ (لو) في الآية الأولى للتمني، والكلام في الامتناعية. وأعجب من ذلك أن مقالة الزمخشري سبقه إليها السِّيرافيّ. وهذا الاستدراك وما استدرك به منقول قديما في شرح الإيضاح لابن الخباز، لكن في غير مظنته، فقال في باب " إنَّ وأخواتها ": قال السِّيرافي تقول: لو أن زيدا قام لأكرمته. ولا يجوز لو أن زيداً حاضر لأكرمته، لأنك لم تلفظ بفعل يسد مسدَّ ذلك الفعل. هذا كلامه. وقد قال الله تعالى: (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ) . فأوقع خبرها صفة، ولهم أن يفرقوا بأن هذه للتمني فأجريت مجرى ليت، كما تقول ليتهم بادون. انتهى كلامه. وجواب لو إما مضارع منفي، أو ماض مثبت أو منفي بما. والغالب على المثبت دخول اللام عليه، نحو: (لو نشاء لجعلناه حُطَاماً) . ومِنْ تجرده: (لو نَشاء جعلناه أجَاجاً) . والغالب على المنفي تجرّده، نحو: (ولو شاء رَبُّكَ ما فَعَلوه) . الثالثة: قال الزمخشري: الفرق بين قولك: لو جاءني زيد أكرمته. ولو زيد جاءني لكسوته، ولو أن زيداً جاءني لكسوته - أن القصد في الأول مجرد ربط الفعلين وتعليق أحدهما بصاحبه لا غير، مِنْ غَيْرِ تعرض لمعنى زائد على التعلق الساذج. وفي الثاني انضم إلى التعلق أحد معنَيين، إما نَفي الشك والشبهة، وأن المذكور مكسو لا محالة. وإما بيان أنه هو المختص بذلك دون غيره. ويخرّج عليه آية: (قل لو أنتم تملِكون) . وفي الثالث مع ما في الثاني زيادة التأكيد الذي تعطيه (أن) ، وإشعار بأن زيدا كان حقه أن يجيء وأنه بتركه المجيء قد أغفل حظّه. ويخرج عليه: (ولو أنهم صَبَروا) . ونحوه، فتأمل ذلك. وخرج عليه ما وقع في القرآن من أحد الثلاثة.

стр. 685

تنبيه: ترد (لو) شرطية في المستقبل، وهي التي يصلح موضعها إنْ، نحو: (ولو كَرِهَ المشركون) . (ولو أعجبكَ حُسنُهُنَّ) . ومصدرية، وهي التي يصلح موضعها أنَّ المفتوحة، وأكثر وقوعها بعد (ودَّ) ونحوه، نحو: (وَدّ كثير من أهل الكتاب لو يردّونكم) ، (يود أحَدهم لو يعَمَّرُ ألْفَ سنة) . (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ) . أي يود التعمير والافتداء. وللتمني، وهي التي يصلح موضعها ليْت، نحو: (فلو أنَّ لنا كَرَّه فنكونَ) . ولهذا نصب الفعل في جوابها. والتعليل، وخرج عليه: (ولَوْ عَلَى أنفسكم) . (لولا) على أوجه: أحدها: أن تكون حرف امتناع لوجود، فتدخل على الجملة الاسمية ويكون جوابها فعلاً مقروناً باللام إن كان مثبتأ، نحو: (فلولا أنّه كان من المسَبِّحِين. للبث) . ومجرداً منها إنْ كان منفياً، نحو: (لولا فَضْل اللَهِ عليكم ورَحْمَته ما زَكَى منكم من أحدٍ أبداً) . وإن وليها ضمير فحقّه أن يكون ضمير رَفْع، نحو: (لولا أنْتُم لكنّا مؤمنين) . الثاني: أن تكون بمعنى هلاّ، فهي للتحضيض والعَرْض في المضارع أو ما في تأويله، نحو: (لولا تستغفِرونَ اللهَ لعلّكم ترْحَفون) . (لولا أخَّرْتَني إلى أجَلٍ قَرِيب) . وللتوبيخ والتنديم في الماضي، نحو: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) ، (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً) .

стр. 686

(ولولا إذ سمِعْتُموه قلْتُم) . (فلولا إذ جاءهم بَأْسنَا تَضَرَّعوا) . (فلولا إذا بلغَت الحلْقوم) . (فلولا إنْ كُنْتُم غَيْرَ مَدِينين) . الثالث: أن تكون للاستفهام، ذكره الهروي، وجعل منه: (لولا أخَّرْتَني) ، (لولا أُنْزِلَ عليه مَلَك) . والظاهر أنها فيهما بمعنى هلاّ. الرابع: أن تكون للنفي، ذكره الهروي أيضاً، وجعل منه: (فلولا كانت قريةٌ آمنَتْ فنفَعها إيمانُها) ، أي فما آمنت قرية، أي أهلها عند مجيء العذاب فنفَعَها إيمانها. والجمهور لم يُثبتوا ذلك، وقالوا: المراد في الآية التوبيخ على ترك الإيمان قبل مجيء العذاب. ويؤيِّده قراءة أبيّ: فَهَلاَّ. والاستثناء حينئذ منقطع. فائدة نقِل عن الخليل أن جميع ما في القرآن من (لولا) فهي بمعنى هلا، إلا: (فلولا أَنه كانَ مِنَ المسَبِّحين) . وفيه نظر لما تقدّم من الآيات. وكذا قوله: (لولا أنْ رأى برْهَانَ رَبّه) ، (لولا) فيه امتناعية جوابها محذوف، أي لهَمَّ بها، أو لواقعها. وقوله: (لولا أنْ مَنَّ اللَّهُ علينا لخسفَ بنا) . وقوله: (لولا أنْ رَبطْنَا على قَلْبِها) ، أي لأبْدَتْ به، في آيات أخرى. قال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى الْخَطْمِي، حدثنا هارون بن أبي حاتم، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، قال: كل ما في القرآن (فلولا) فهو: (فهلاَّ) ، إلا حَرْفَين: في يونس: (فلولا كانَتْ قريةٌ آمنَتْ فنفَعَها إيمانها) ، يقول: فما كانت قرية. وقوله: (فلولا أنَّه كان من المسبِّحين) .

стр. 687

وبهذا يتضح مراد الخليل، وهو أن مراده (لولا) المقرونة بالفاء. (لَوْمَا) : بمنزلة لولا. قال تعالى: (لَوْمَا تَأتينا بالملائكة) . المالقي: لم ترد إلاَّ للتحضيض. (ليت) : حرف ينصب الاسم ويرفع الخبر، معناه التمني. وقال التنوخي: إنها تفيد تأكيده. (ليس) : فعل جامد، ومن ثَمَّ ادَّعى قوم حرفيته، ومعناه نفي مضمون الجملة في الحال، وينفي غيره بالقرينة. وقيل: هي لنفي الحال وغيره. وقَوَّاة ابن الحاجب بقوله تعالى: (أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ) ، فإنه نفي للمستقبل. قال ابن مالك: وترد للنفي العامّ المستغرق المراد به الجنس، كلا التبرئة. وهو مما يُغفل عنه، وخرَّج عليه: (ليس لهم طعامٌ إلاَّ مِنْ ضَرِيع) .

стр. 688

(حرف الميم) نبينا ومولانا (محمد ﷺ -) : سمَّاه الله في القرآن بأسماء كثيرة، وقد قدمنا أن تعالى اشتق له من اسمه سبحانه نحو السبعين، واختلف هل تُحْصَى أسماؤه. والصحيح: لا تحصى أسماء الله وأسماء رسوله، لأن كمالاتهما لا حَصْرَ لها. ومِنْ أعظم معجزاته ﷺ القرآن الْمعْجِز للخلْق عن الإتيان بمثله، فعلومه منه أجمع، ورثت أمته من علومه ما هو أوفر وأسطع، فأجورهم وأنوارهم مِنْ بركته ﷺ لامعة، وقد ستر الله عليهم ما لم يقبل من عملها، ولم تُعَاجل عصاتُها، فهم خير أمة وأقل عملاً، وصفوتهم كالملائكة، وهم ثلثا أهل الجنة، ويدخل الجنة منهم سبعون ألفاً بغير حساب، ومع كل واحد منهم سبعون ألفا وثلاثة حثَيَاتٍ تفضّلاً منه وامتناناً، وهذه لا يدْرَى ما عددها، وهم أوَّلُ مَنْ يقضى لهم، ويدخل الجنة، نسأل الله بجاهه أن يهب لنا الحياة بسنته والوفاة على مِلَّته. واعلم أن كل كمال في الخلق ظاهرًا أو باطناً فقد جمعه ﷺ بأكمل مزيد مع ما تفرَّد به، ورؤيته ﷺ بمنام تعريف منه تعالى بمثال له شكلٌ ولَوْنٌ وصورةٌ، والروح منزَّه عن ذلك. وكل من تراه في المنام إنما هو مثال محسوس لا رُوحه وجسده، وقوله ﷺ : من رآني في المنام فقد رآني، أي كأنه. وفي رواية في الصحيح: فكأنما رآني. فالرؤيا واسطة بينه وبين أمَّته تعريفاً منه تعالى. قيل للأرواح قوة التشكل كالملائكة والجن بما لا يخفى، نحو: (فتمَثَّلَ لها بَشَرًا سَوِيّا) . وكتمثّل جبريل ﵇ بصورة دِحْية الكلبي، وهذا للخاصة ولغيرهم تعريف بمثال، ولا يجب العمل بمنام لعدم ضبط الرائي، ومتى

стр. 689

صدقت الرؤيا فحقّ، وحقيقة تعبيرها هو نظر في المناسبات، كتمثيل السلطان في المنام بالشمس والسبع، والوزير بالقمر لنوع مناسبة، فافهم. فإن قلت: أين تكون روح جبريل حين يَلْقَى نبيّنا ومولانا محمد ﷺ ، هل في الجسد الذي يشبه دِحْيَة، أو في الجسد الذي خُلق عليه، وله ستمائة جناح، فإن كانت في الجسد الأعظم فمن الذي أتى إلى النبي ﷺ ، أمن جهة روحه أو من جهة جسده، وإن كانت في الجسد المشبّه بجسد دِحْية فهل يموت الجسد الذي له ستمائة جناح كموت الأجساد التي فارقتها الأرواح، أم يبقى خالياً من الروح المنتقل منه إلى الجسد المشبه بجسد دِحْية الكلبي؟ قلت: لا يبعد أن يكون انتقالها من الجسد الأول غير موجب لموته، فيبقى. لأن موت الأجسام بمفارقة الأرواح ليس واجباً عَقْلاً كذلك الجسد، حتى لا ينقص من معارفه وطاعاته شيء، ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح المؤمنين إلى أجْوَافِ الطير الخضر، إذ ليس موتُ الأجساد بمفارقة الأرواح واجباً في العقل، وإنما هو بعَادة مُطَّرِدة أجراها اللهُ تعالى في أرواح بني آدم، وانتقالُ أرواح الشهداء إلى أَجواف الطير الْخُضْر مشتبه بما يقوله أهل التناسخ. والأرواح كلّها تنتقل يوم القيامة إلى هذه الأجساد، لكنها تعظم حتى يصير ضِرْسُ الكافر مثل أحُد، وغِلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام، ومقعده كما بين مكة إلى المدينة، وأجساد المؤمنين على هيئة جسد آدم ستون ذراعاً في السماء، فما الديار الديار، ولا الخيام الخيام. (موسى ﵇ : هو ابن عِمْران بن يصْهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب ﵇، لا خلاف في نسبه، وهو اسم سُرْياني. وأخرج أبو الشيخ، من طريق عكرمة، عن ابن عباس، قال: إنما سمي موسى لأنه ألْقِي بين شجر وماء، فالماء بالقبطية مُو، والشجر سا. وفي الصحيح أنه وصف بأنه آدم طوال، كأنه مِنْ رجال شنوءة. قال الثعلبى: عاش مائة وعشرين سنة.

стр. 690

(الْمَغضُوبِ عليهم) : هم اليهود. (ولا الضالين) : النصارى. بهذا فسّره ﷺ . وسيأتي ذِكْرُ ذلك. وتكرار (لا) في قوله: (ولا الضالين) - دليل على تغاير الطائفتين. وإن الغضبَ صفة اليهود في مواضع من القرآن، كقوله تعالى: (وَبَاؤوا بغَضب مِنَ اللهِ) . والضلال صفة النصارى، لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى ابن مريم ﵉، ولقول الله فيهم: (قد ضَلَّوا من قَبْلُ وأضَلوا كثيراً وضَلّوا عن سَواء السبيل) . (مرض) : يحتمل أن يكون حقيقة، وهو الألم الذي يجدونه من الخوف وغيره، وأن يكون مجازاً للشكّ أو الحسد. ويقال أصل المرض الفتور، فالمرض في القَلْبِ فُتُورٌ عن الحق. وفي الأبدان فتورُ الأعضاء. وفي العيون فُتور عن النَّظَر. (مَنّ) : شِبْه العَسَل. وقيل خُبْز النَّقِيّ. والسلوى طائر. وقيل: إنه كان يسقط في السحر على شجَرِهم فيَجْتَنونه ويَأْكلونه. وقيل: المن التَّرَنْجَبِين. والمنّ أيضاً ذِكْرُ الإنعام والعطية. ومنه: (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) . والمنّ أيضاً: القطع. ومنه: (لهم أجْر غَيْرُ مَمْنُون) . (مَسْكنَة) : الفاقة، وقيل الجزية. وقيل: المسكنة فَقْرُ النَّفْسِ، لا يوجد يهودي مُوسِر ولا فقير غنيّ النفس أبداً، وإن تعمل لإزالة ذلك عنه (مَجُوس) : هم الذين يعبدون النارَ، ويقولون: إن الخير من النور والشرّ من الظلمة، تعالى الله عن قولهم. وذكر الجواليقي أنه أعجمي. (مَتَ ﷺ : أي ما يتمتَّع به إلى حين الموت.

стр. 691

(مَثُوبَة) : من الثواب، وهو جواب (لو أنهم) ، وإنما جاء جوابها بجملة اسمية، وعدل عن الفعلية لما في ذلك من الدلالة على إثبات الثواب واستقراره. وقيل الجواب محذوف. (مَثَابة) : اسم مكان، من قولك: ثاب، إذا رجع، لأنَّ الناس يرجعون إليه عاماً بعد عام. ويقال: ثاب جسم فلان إذا رجع بعد نحولِه. (مَنَاسِكَنَا) : أي شعائرنا، واحدها مَنْسِك، ومَنْسَك. وأصل المنسك من الذّبح، ويقال: نسكت، أي ذبحت. والنسيكة الذَّبيحة الْمتَقَرَّبُ بها إلى الله تعالى، ثم اتسعوا فيه حتى جعلوه لموضع العبادة والطاعة. ومنه قيل للعابد: ناسك. (مَشْعَر) : مَعْلم لتعبّد من متعبداته، وجمعه مشاعر. والْمَشْعَر الحرام: هو مزْدلفة، ويسمى أيضاً جمع، والوقوف بها سنّة. (مَيْسر) .: قمار، وكان ميسر العرب بالقِدَاح في لحم الْجَزُور، ثم يدخل في ذلك النَّرْد، والشِّطْرَنْج، وغيرهما. وروي أن السائل عنه حمزة بن عبد الطلب. (مَحِلَّه) : مَنْحره، يعني الوضع الذي يحلّ فيه نَحره. (مَحِيض) ، وحيض واحد. والسائل عن ذلك عبّاد بن بشر وأسَيْد بن حضَير، قَالا لرسول الله ﷺ : ألاَ نجامِع نساءَنا في الْمَحِيض خلافاً لليهود، فأخبر الله رسوله بأنه أذًى يجْتَنَب، وعليهم اجتنابه، وقد فسر ذلك في الحديث بقوله: لتشدّ عليها إزارها وشأنك بأعلاها. (مَنْ ذَا الذِي يقْرِضُ اللهَ) : استفهام يرادُ به الطَّلَب والحضّ على الإنفاق. وذكر لفظ القرض تقريبا للأفهام، لأن المنفق ينتظر الثواب كما ينتظِر المسلف ردَّ ما أسلف. وروي أن الآية نزلت في أبي الدَّحْدَاح حين تصدق بحائط لم يكن له غيره.

стр. 692

(مَلَأ) : اشتقاقه من ملأت الشيء، وفلان مليء إذا كان متكثرا. ومعنى الملأ حيثما ورد في القرآن هم الأشراف والوجوه الذين يملأون العيْن والقَلْب. ومنه الحديث: أولئك الملَأ من قُريش. وأما قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) - فالمراد بها رؤية قلب، وكانوا قوماً قَدْ نَالَتْهم الذِّلة من أعدائهم، فطلبوا الإذن في القتال، فلما أمروا به كرهوه. (مَسّ) : جنون. يقال رجل ممسوس، أي مجنون. والمسُّ باليد أيضاً. (موعظة) : تخويف سوء العاقبة. والمعنى أن من أخذ الربا قبل نزول التحريم فانتهى وتاب فله ما سلف، وأمره إلى الله. ، والضمير عائد على صاحب الربا، يعني أن الله يحكم فيه يوم القيامة فلا يؤاخذ به في الدنيا. وقيل الضمير عائد على الربا، والمعنى أمر الربا أتى الله في تحريمه أو غير ذلك. (مَوْلانا) : وَلِيُّنَا وناصرنا. والولى على ثمانية أوجه: المعتِق، والْمعْتَق، والوليّ، والأوْلى بالشيء، وابن العم، والصهر، والجار، والحليف. (أمَانيّ) : جمع أمنية، ولها ثلاثة معان: ما تتمناه النفس، والتلاوة، والكذب. وكذلك تمنَّى لها هذه المعاني الثلاثة. (مَآب) مرجع. (مَفَازة) : مَنْجَاة، مَفْعلة من الفَوْز، يقال: فاز، أي نجا، والفوز أيضاً: الظفر. ومنه: (إنَّ للمتَّقين مَفَازا) ، يعني الجنة، لأنهم يظفرون فيها بما يريدون. (مَثْنَى وثُلاَث ورُبَ ﷺ : لا ينصرف للعدل والوصف، وهي حالٌ من (ما طاب) . وقال ابن عطية: بدل، وهي معدولة عن أعداد مكررة. ومعنى التكرار فيها أنَّ الخطابَ لجماعة، فيجوز لكل واحد منهم أن ينكح ما أراد من تلك الأعداد، فتكررت الأعداد بتكرر الناس. والمعنى انكحوا اثنين

стр. 693

أو ثلاثاً أو أربعاً. وفي ذلك منع لما كان في الجاهلية من تزوّج ما زاد على الأربع. وقال قوم: لا يعبأ بقولهم إنه يجوز الجمع بين تسع، لأن مثنى وثلاث ورباع مجتمع منه تسعة، وهذا خطأ، لأن المراد التخيير بين تلك الأعداد لا الجمع. ولو أراد الجمع لقال " تسع "، ولم يعدل عن ذلك إلى ما هو أطول منه وأقلّ بياناً. وأيضاً قد انعقد الإجماع على تحريم ما زاد على الرابعة. فإن قلت: هل الزيادة لحكمة أم لا؟ فالجواب أن الله تعالى أباح لمن تقدم من اليهود ستا، وأباح للنصارى اثنتين، فجعل الله لهذه الأمة الأربع، لأنهم خيْر الأمم، وخير الأمور أوساطها. هذا لمن قَدَر على العدد، وأما من لم يقدر فالاقتصار على الواحدة، وما ملكت اليمين أولى، رغبة في العدل، كما قال تعالى: (ذَلِكَ أدْنَى ألاَّ تَعولوا) . (مَقْتاً) : بغْضاً. ومنه قوله تعالى: (لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) ، فمقتوا أنفسهم، واعترفوا بذنوبهم. وجعل كل واحد يلوم صاحبه، فتناديهم الملائكة وتقول: "لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ" اليوم، فقوله: لَمَقْتُ اللَّهِ - مصدرٌ مضاف إلى الفاعل، وحذف المفعول لدلالة مفعول مقتكم عليه، وقوله: (إذْ تدْعون) - ظرف للعامل فيه مقت الله من طريق المعنى، ويمتنع أن يعمل فيه من طريق قوانين النحو، لأن مقت الله مصدر، فلا يجوز أن يفصل بينه وبين بعض صلته، فيحتاج أن يقدّر للظرف عامل، وعلى هذا أجاز بعضهم الوقْف على قوله: أنفسكم، والابتداء بالظرف، وهذا ضعيف، لأن المراعى المعنى. وقد جعل الزمخشري مَقْتَ اللهِ عاملاً في الظرف ولم يعتبر الفصل. وأما قوله تعالى: (إنّه كان فاحشةً ومَقْتاً وساءَ سَبِيلاً) . فكانت العرب إذا تزوّج الرجل امرأة أبيهِ فأولدها يقولون للولد مَقْتِيّ، ولذا زاد المقت في هذه الآية، لأن هذا المقت أقْبَح من الزنى. (ما أصابكَ مِنْ حسنَةٍ فَمِنَ اللهِ وما أصابكَ مِنْ سيِّئةٍ فمِنْ نَفْسِك)

стр. 694

هذه الآية خطابٌ للنبي ﷺ ، والمراد به كل مخاطب على الإطلاق، فدخل فيه غيره من الناس، وفيه تأويلان: أحدهما: نسبة الحسنة إلى الله والسيئة إلى النفس تأدباً مع الله، وإن كان كل شيء منه في الحقيقة، وهذا كقوله ﷺ : "والخير كلّه بيدك، والشرّ ليس إليك ". وأيضاً فنسبة السيئة إلى العَبْدِ لأنها بسبب ذنوبه، لقوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) ، فإنها من العبد بتسبّبه فيها، ومن الله بالخلقة والاختراع. والثاني: أن هذا من كلام القوم المذكورين قبل. والتقدير يقولون كذا، فمعناها كمعنى التي قبلها. (ما قَد سلَف) ، المعنى إلا ما فعلتم من ذلك في الجاهلية وانقطع بالإسلام، فقد عفا عنكم، ولا تؤاخذون به. هذا في أرجح الأقوال. (ما مَلكَتْ أيْمَانكم) : يريد السبايا في أشهر الأقوال. والمعنى أن المرأة الكافرة إذا كان لها زَوْجٌ ثم سُبِيَتْ جاز لمن ملكها من المسلمين أن يطأها. وسبب ذلك أن رسول الله ﷺ بعث جيشاً إلى أوْطاس فأصابوا سبياً من العدوّ، ولهنّ أزواج من المشركين، فتأثَّم المسلمون من غشيانهن، فنزلت الآية مبِيحةً لذلك. (مُدخَلاً كَرِيما) : اسم مكان، وهو هنا الجنة. (مَغَانم) ، ومَغْنم، وغنْم: ما أصيب من أمْوَال المحاربين. وفي هذه الآية وَعْد وتزهيد في مال من أعلنوا الإسلام. وأما المحاربون فقد أباح الله لهذه الأمة أخْذَها. وهي من خصائص نبيهم ﵊. (مَوْقوتاً) : أي محدوداً بالأوقات. وقال ابن عباس: فرضاً مفروضاً.

стр. 695

(مَرِيدًا) : يعني إبليس، ومعناه أنه قد عدم من الخير. وظهر شرّه، من قولهم: شجرة مَرْدَاء إذا سقط ورَقها، وظهرت عيدانها. ومنه غلام أمرد، إذا لم يكن في وجهه شَعر. (مَحِيصا) : أي مَعْدَلا ومهرباً. (مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ) . دخلت (من) للتبعيض رِفْقاً بالعباد، لأن الصالحات على الكمال لا يطيقها البشر، واشترط مع فعلها الإيمان، لأنه لا يقبَل عملٌ إلا به. (مَسِيح) - بالحاء الهملة: لقب لعيسى ابن مريم، ومعناه الصديق، وقيل الذي لرجله أخْمَص. وقيل الذي لا يمسح ذا عاهة إلا برئ. وقيل الجميل. وقيل الذي يمسح الأرْضَ، أي يقطعها. وبالخاء المعجمة: الدجّال، لعنه الله. وقيل بالحاء المهملة. (موْقوذة) : هي المضروبة بعصا أو حجر وشبْه ذلك، ثم تترك حتى تموت، وتؤكل بغير ذكاة. (مَخْمَصَةٍ) : مجاعة. (مَكنَّاهمْ في الأَرْض) : ثَبَّتناهم فيها وملكناهم، والضمير عائد على القَرْن، لأنه في معنى الجماعة. (ما المسيح ابْن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسول) : في هذه الآية رَدّ على النصارى الذين غَلوا فيه، وقالوا: إنه ابن الله. فردَّ اللَّهُ عليهم بأنه عبده، وكلمته التي هي كنْ من غير واسطة أبٍ ولا نطفة. (ورُوحٌ منه) ، أي ذو روح منه، فمِنْ هنا لابتداء الغاية. والمعنى من عنده، وجعلَه من عنده، لأنه أرسل به جبريل إلى مريم ﵍. (مائدة) : هي التي عليها طعام، فإن لم يكن عليها طعام فهي خِوَان.

стр. 696

فإن قلت: ظاهر سؤالهم نزول المائدة من عيسى ﵇ يقتضي شكهم في قُدْرةِ اللهِ على إنزالها؟ والجواب أنهم لم يشكُّوا في قُدْرَةِ الله، لكنه بمعنى هل يفعل ربُّك هذا، وهل تقع منه إجابة إلينا، لأن الله أثنى على الحواريّين في مواضع من كتابه، مع أن في اللفظ بشاعةً تُنْكر. وقد قرئ: تستطيعُ ربَّك - بالنصب، أي هل تستطيع سؤال ربّك، وهذه القراءة لا تقتضي أنهم شكّوا، وبها قرأت عائشة ﵂، وقالت: كان الحواريون أعرف بِرَبّهم من أن يقولوا: هل يستطيع ربك أن ينزِّلَ علينا مائدة من السماء، فموضع (أن) مفعول بقوله: يستطيع، على القراءة بالياء، ومفعول بالمصدر وهو السؤال المقدّر على القراءة بالتاء. (وَمَا تأْتيهم مِنْ آيةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهم) : (مِنْ) الأولى زائدة، والثانية للتبعيض أو لبيان الجنس، وهذا الخطاب للكفار. (مَلَكوتَ السَّمَواتِ والأرْضِ) : قال عِكْرِمة: هو الملك، ولكنّه بكلام النبطيّة ملكوت. وقال الواسطي في الإرشاد: هو الملك بلسان القبط، ومعناه أن الله فرج له السماوات والأرض حتى رأى ببصره الملك الأعلى والأسفل، وهذا يفتقر لصحة نَقْل. وقيل: رأى ما يراه الناس من الملكوت، ولكنه وقع له بها من الاعتبار والاستدلال ما لم يقَعْ لأهل زمانه. وقيل إنما ابْتلِي بِذَبْحِ وَلَدِه، لأنه رأى في هذا الكَشْف عاصياً، فدعا الله بهلاكه، وكذلك ثان وثالث، فقال الله: احجبوه. وابتلاه بذبح ولده، فقال: يا ربّ صبِّرْني، فإنك ابتليتني بما لم تبتل به أحداً قبلي، فنزل عليه جبريل، وقال له: يا إبراهيم، أما تذكر يوم كَشفَ الله لك الملكوت، ودعوت على عباد الله بالهلاك، أهلكْتَ له ثلاثاً، وهو طلب منك واحداً، فقال: يا جبريل، وهل تبلغ

стр. 697

رحمته بعباده كرحمتي بولدي، فقال: الله أرحمُ بِعَبْدِه منك بولدك. فبكى إبراهيم ففدَّاه الله بذبح عظيم (١) . والواو والتاء في ملكوت زائدتان مثل الرَحموت من الرحمة، والرَهبوت من الرهبة، تقول العرب رَهَبوت خَيْرٌ من رَحَموت، أي أن ترهب خير من أن ترحم. (مَعْرُوشات) : مرفوعات على دعائم وشِبْهها. وغير معروشات: متروكات على وجه الأرض. وقيل: المعروشات ما غَرسه الناس في العمار. وغير معروشات ما أنْبَتَه الله في الجبال والبراري. (مَنْ تكون لَه عاقِبةُ الدَّارِ) : يحتمل أن تكون من موصولة في موضع نصب على المفعولية، أو استفهامية في مَوْضِعِ رَفْع بالابتداء، والمراد بـ (عاقبة الدارِ) الآخرة، وهو الأصح، لقوله: (عُقْبَى الدَّارِ جنّات عَدْن) . (مَكانَتِكم) : أي تمكنكم. والأمر هنا في قوله: (اعملوا) ، للتهديد. (مَسْفوحاً) : مصبوبا. (مَعَايش) : بغير همز، لأنها مفاعل من العَيْش، واحدها معيشة، والأصل معيشة على مَفْعلة، وهي ما يعَاش به من النبات والحيوان وغير ذلك. (مَذْموماً مَدْحُوراً) : من ذأمه بالهمز إذا ذمّه. والمدحور: المطرود حيث وقع. والمراد به إبليس لعنه الله، لأن الله أبعده. (ما سبَقَكمْ بها مِنْ أحَدٍ مِنَ الْعَالَمين) ، أي لم يفعلها أحد من العالمين قَبْلكم. ومن الأولى زائدة، والثانية للتبعيض أو للجنس -. (وَمَا كان جوابَ قَوْمِه) : يعني أنهم عدلوا عن جوابه على كلامه إلى الأمر بإخراجه وإخراج أهله.

стр. 698

(مَدْين) : اسم أرض قوم شُعيب، كانوا يبْخَسونَ الكيْلَ والوَزْنَ، فبعث الله لهم شعَيباً ليَنْهاهم عن ذلك. فإن قلت: هل المراد به الأيكة المذكورة في الشعراء، ومعناها الغَيْضَة، ولم قال في الأعراف أخوهم كما قال في قصة نوح وحذفه من الشعراء، فدل على أنهم قبيلتان؟ والجواب أنه بُعث إلى مَدْيَن، وكان من قبيلتهم، فنسبه إلى إخوتهم، وبعث أيضاً إلى أصحاب الأيكة، ولم يكن منهم، فلذلك لم يقل أخوهم، فكان شعيب على هذا مبعوثاً إلى القبيلتين. وقيل: إن أصحَاب الأيكة مَدْين، ولكن قال أخوهم حين ذكرهم باسم قبيلهم، ولم يقلْ أخوهم حين نسبَهم إلى الأيكة التي هلكوا فيها، تنزيهاً لشعَيْبِ عن النسبة إليها. وقرئ الأيكةِ بالهمز وخفض التاء مثل الذي في الحِجْرَ، و (ق) ، ومعناه الغَيْضَة كما قدمنا. وقرئ في الشعراء بفتح اللام والتاء، فقيل: إنه مسهَّل من الهمز. وقيل إنه اسمُ بلدهم. ويقَوِّي هذا على القول إن هذه القراءة بفتح التاء غير منصوب، فدلّ ذلك على أنه اسم علم. وضَعَّفَ ذلك الزمخشري، وقال: إنَّ " ليكة " اسم لا يُعْرف. (ما قَدَرُوا اللَهَ حَقَّ قدْرِه) : أي ما عرفوه حقَّ معرفته في اللّطْف بعباده والرحمة لهم، إِذْ أنكروا بعثةَ الرُّسل وإنزاله الكتب. والقائلون: (ما أنْزَلَ اللهُ على بَشَرٍ مِنْ شَيْء) ، هم اليهود، بدليل ما بعده، وإنما قالوا ذلك مبالغة في إنكار نبوءة نبينا ومولانا محمد ﷺ . ورُوِي أنَّ الذي قالها منهم مالك بن الصَّيْف، فرد الله عليهم بأن ألزمهم ما لا بد لهم من الإقرار به، وهو إنزال التوراة على موسى. وقيل القائلون قريش وألزموا ذلك، لأنهم كانوا مقرين بالتوراة.

стр. 699

(مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) : أي أبدلنا البأساء والضراء بالنعيم اختباراً لهم في الحالتين. (ما وَجَدْنَا لأكْثَرِهم مِنْ عَهْد) : الضمير لأهل القرى. والمعنى وجدناهم ناقضين العهود. ومِصْداق ذلك أني سميتهم بشراً فتلا الاسم شر. (مَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا) : أي ما تعيب منا إلا إيماننا بموسى. وهذا قول السحَرة لما شاهدوا ما أعجز البشر. وروي أنهم انطلقو إلى قبور أشياخهم يطلبون منهم تَبْيِين الحال، وقالوا لهم: انظروا إلى العصا، فإن رأيتموها ضامرةً فاعلَموا أنها من عند الله، وإن رأيتموها مجوّفة بعد بلعها لسحركم فليست هي من عند الله (١) . (مَهْمَا تَأْتِنَا به مِنْ آيةٍ) : الضمير عائد على مهما، وإنما قالوا من آية على تسمية موسى لها بآية، أو على وجه التهكم. (مَشارِقَ الأرضِ وَمَغَارِبَها) : المراد بها مصر والشام فقط. (ما كانوا يَعْرِشون) : أي يبنون، وقيل الكروم وشبهها، فهو على الأوّل من العرش وعلى الثاني من العريش. (فمثَله كمَثَلِ الْكلْب) : المثل له أربعة معان: الشبيه والنَّظِير، ومنه المثل الضروب، وأصله من التشبيه. ومثل الشيء حاله وصفته. والمثل الكلام الذي يتمثّل به، ومثل الشيء بكسر الميم شبهه، والضمير عائد على الذي آتاه الله الآيات فانسلخ منها. وقد قدمنا الخلاف فيمن نزلت. وهذا المثل في غاية الخسّة والرداءة، قال ﷺ : "ليس لنا مثل السوء، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ". (مَثَل القَوْمِ الذين كذَّئوا بآيَاتِنَا) ، أي صفة المكذّبين كصفة الكلب في لهثه، أو كصفة الرجل المشبّه به، لأنهم إن أتوها لم يهتدوا.

стр. 700

وإن تركوها لم يهتدوا. وشبّههم بالرجل، في أنهم رأوا الآيات والمعجزات فلم تنفعهم، كما أن الرجل لم ينفعه ما كان عنده من الآيات. (مَتِين) : شديد، وسمى الله فعله بهم كَيْدا، لأنه شبيه بالكيد في أن ظاهره إحسان وباطنه خذلان. (ما يصاحبهم مِنْ جِنَّة) : يعني بالصاحب النبي ﷺ . فنفى عنه ما نسبه المشركون له من الجنون. ويحتمل أن يكون قوله: (ما بصاحبهم مِنْ جِنَّة) معمولاً لقوله: (أوَلمْ يتفَكّروا) ، فيعلموا أن ما بصاحبهم من جِنَّة. ويحتمل أن يكون الكلام قد تَمَّ في قوله: أو لم يتفكروا، ثم ابتدأ إخباراً. مستأنفاً بقوله: (ما بصاحبكم من جِنّة) . والأول أحسن. (ما خلَقَ اللَّهُ) .: عطف على الملكوت، ويعني بقوله: (مِنْ شيء) . جميع المخلوقات، إذ جميعها دليل على وَحْدَانيَّة خالقها. (ما رَمَيْتَ إذ رَمَيْتَ) : الخطاب بهذا لنبيّنا ومولانا محمد ﷺ ، وذلك أنه أخذ يوم بَدْرٍ قبضةً من ترَابٍ أو حصا، ورمى بها في وجوه الكفار، فانهزموا. وفي الآية إخبار أن ذلك من الله في الحقيقة، وأنه ليس في قدرة البشر قَتْل من قتل، كما قال: (فَلَمْ تَقتلوهم ولكنَّ اللهَ قَتَلهم) . (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) . في هذه الآية إكرام لنبينا ومولانا محمد ﷺ ، وإخبار بأنهم لو آمنوا واستَغْفَروا لأمِنوا من العذاب. قال بعض السلف: كان لنا أمانان من العذاب، وهما وجوده ﷺ ، والاستغفار. فلما مات ذهب الأمان الواحد، وبقي الآخر.

стр. 701

وقيل الضمير في ليعذبهم للكفار، وفي: وهم يستغفرون للمؤمنين الذين كانوا بين أظْهرِهم. فعليك بكثرة الاستغفار تُمَحَى صحيفتك من الأوزار. قال ﷺ : طُوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً. وفي الأحاديث القدسية: يقول الله تعالى فيمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا: امْحوا لعَبْدِي ما بين طرفي الصحيفة. (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) : المعنى أي شيء يمنعهم من العذاب وهم يصدّون المؤمنين عن المسجد الحرام، والجملة في موضع الحال. (مَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ) : الضمير للمسجد الحرام، أو لله. (ما كانَ صَلاَتُهم عِنْدَ البيت) : قد قدمنا في حرف التاء معنى هذه الآية، والضمير عائد على قريش. (مَضَتْ سنَّة الأوّلين) : تهديد بما جرى لهم يوم بدر، أو بما جرى للأمم السالفة. (غَنِمْتم مِنْ شَيْءٍ) : لفظه عام، يراد به الخصوص، لأن الأموال التي تؤخذ من الكفَّار منها ما يخْمَس، وهو ما أخذ على وجه الغَلَبة بعد القتال، ومنها ما لا يخْمس، بل يكون جميعه لمن أخذه، وهو ما أخذه مَنْ كان ببلاد الحرب من غير إيجاف، وما طرحه العدوّ خوف الغرق، ومنها ما يكون جميعه للإمام يأخذ منه حاجته ويصرف سائره في مصالح المسلمين، وهو الفيء الذي لم يوجف عليه بِخَيْلٍ ولا رِكاب. (ما أنزلنا على عَبْدِنا يوم الفرْقَان يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَان) . يعني بالعبد نبينا ومولانا محمداً ﷺ ، وَالذي أنْزِل عليه: القرآن والنصر. والمراد بالفرقان التفرقة بين الحقّ والباطل. والجَمْعَان يعني به المسلمين والكفار. (مَنَامِكَ) : نومك، كقوله: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا) . والخطاب بها لنبينا ومولانا محمد ﷺ ، لأنه قد رأى

стр. 702

الكفارَ في نومه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه، فقويت نفوسهم. ويقال منامك عيْنك، لأن العيْنَ موضع النوم. (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) : لما أخذ ﷺ الأَسرى يوم بَدْر أشار أبو بكر الصديق بحياتهم، وأشار عمر بقَتْلهم، فنزلت الآية، فقال ﷺ : لو نزل عذاب ما نجا منه غيرك يا عمر. (ما كان للمشركين أنْ يَعْمُروا مساجدَ اللهِ) : أي ليس لهم ذلك بالحق الواجب، وإن كانوا قد عمروها تغليباً وظلْماً. ومن قرأ مساجد - بالجمع - أراد جميع المساجد. ومن قرأ مسجد - بالإفراد - أراد المسجد الحرام. (ما لكم إذا قيل لكم انْفِرُوا في سبيل الله) : هذه الآية عتاب لمن تخلَّفَ عن غَزْوَة تَبوك. (مَرْصَد) : طريق، والجمع مَرَاصد. (ما زادوكم إلاَّ خَبَالاً) : أي شَرّاً وفساداً. والضمير راجع لعبد الله بن أبيّ بن سَلُول، والجدّ بن قيس، وأصحابهما. (مع الْقَاعِدِين) : مع النساء والصبيان وأهل الأعذار، وفي ذلك ذمّ لهم لاختلاطهم في القعود مع هؤلاء. (ما منَعهم أنْ تقْبَلَ منهم نَفَقَاتهم إلاَّ أنهم كَفَرُوا باللهِ وبرسوله) ، تعليل لعدم قَبُول نفقاتهم بكفرهم. ويحتمل أن يكون (أنهم كفروا) فاعل ما منعهم، أو في موضع المفعول من أجله، والعامل (الله) . (مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا) : أي ما يلجأون إليه من المواضع، ومغارات في الجبال، ووَزْن مدّخل مفتعل من الدخول، ومعناه (سَرَباً في الأرض. (ما على المحسنين مِنْ سَبِيل) : وصفهم بالمحسنين، لأنهم نصحوا الله ورسوله، ورفع عنهم العقوبة والتعنيف واللوم.

стр. 703

(مَرَدوا على النفَاق) : أي أقاموا عليه. (ما كان للنبي والذِين آمَنوا أن يَستَغْفِرُوا للمشركين) . نزلت في شأن أبي طالب لا امتنع من الإيمان عند موته. قال ﷺ : والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنْهَ عنك، فكان يستغفر له حتى نزلت هذه الآية. وقيل: إن رسول الله ﷺ استأذن ربَّه في أن يستغفر لأمِّه، فنزلت الآية. وهذا القول يردّه حكاية السهيلي في أن الله أحيا له أباه وأمه، فأسلما. وأما أبو طالب فالاعتقاد أن الله خفَّف عنه العذاب، كما صح أنه في ضَحْضَاح من نارٍ لِذبهِ عنه ﷺ وبرِّه به. (ما كان الله ليضِلَّ قَوْماً تعْدَ إذْ هَدَاهم) . نزلت في قوم من المسلمين استغفروا للمشركين من غير إذن، فخافوا على أنفسهم من ذلك، فنزلت الآية تَأنيساً لهم، أي ما كان ليؤاخذكم بذلك قبل أن يبين لكم المنع من ذلك. (مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) : يعني تزيغ من الثبات على الإيمان، أو عن الخروج في تلك الغَزْوَة، لما رأوْا من الضيق والمشقّة. وفي كاد ضمير الأمر والشأن، أو ترتفع به القلوب. (مَغْرَما) : أي تثقل عليهم الزكاة والنفقة في سبيل الله ثقلَ المغْرم الذي ليس بحقٍّ عليه. (مع الصادقين) : يحتمل أن يريد صِدْقَ اللسان، إذ كان هؤلاء الثلاثة الذي تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ قد صدقوا ولم يعتذروا بالكذب، فنفعهم الله بذلك. ويحتمل أن يكون أعلم من صدق اللسان، وهو الصدق في الأقوال والأفعال والمقاصد والعزم، والمراد بالصادقين المهاجرين، لقول الله في الحشر: (للفقَراء المهاجرين ... إلى قوله: (أولئك هم الصادقون) . وقد احتجَّ بها أبو بكر الصديق على الأنصار يوم السَّقِيفة، فقال: نحن الصادقون. وقد أمرم الله أن تكونوا معنا، أي تابعين لنا.

стр. 704

(مع الذين أنْعم اللَّهُ عليهم ... ) الآية هذه مفسِّرة لقوله: (صِرَاط الذين أنْعَمْتَ عليهم) . والصدّيق فعّيل من الصدق أو من التصديق. والمراد بها المبالغة. والصدّيقون أرْفَع الناس درجة بعد الأنبياء. كالغريق وصاحب الهدْم، حسبما ورد في الحديث أنهم سبعة. (وما لكم لا تقَاتِلون في سبيل الله) : تحريض على القتال. وما مبتدأ والجار والمجرور خبره، ولا تقاتلون في موضع الحال. (متاعُ الدّنْيَا قَلِيل) : هذه الآية تحقير للدنيا، وفيها الردّ على من يكرَة الموتَ، ولا يبذل نفسه في مرضاة الله وفاءً بالعهد الذي عاهد عليه الله. (مَا لِهؤلاءِ الْقَوم) : توبيخ على قلةِ فَهْمهم. (ما أرسلناك عليهم حَفِيظاً) : أي من أعرض عن طاعتك يا محمد، فما أنت عَلَيْهِ حفيظ، تحفظ أعماله، بل حسابه وجزاؤه على الله. (إنْ عليكَ إلاَّ البلاغ) . وفي هذا متاركة وموَادعة منسوخة بالقتال. (ما كان لأهْلِ المدينة ... ) ، الآية: عتاب لمن تخلَّف عن غَزْوَة تَبوك من أهل يَثْرب، ومَنْ جاورها من قبائل العرب. (ما كان المؤمنون ليَنْفِروا كافَّة) . قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في التفاوت في الخروج إلى الغَزْوِ والسرايا، أي لا ينبغي خروج جميع المؤمنين في السرايا، وإنما يجب ذلك إذا خرج رسول الله ﷺ بنفسه، ولذلك عاتبهم في الآية المتقدمة على التخلف عنه، فالآية الأولى في الخروج معه ﷺ ، وهذه في السرايا التي كان يبعثها. وقيل هى ناسخة لكل ما ورد من الأمر بخروج الجميع، فهو دليل على أن الجهاد فَرْض كفايةٍ لا فرض عَيْن.

стр. 705

وقيل: هي في طلب العلم على البعض، لأنه فرض كفاية. (ما مِنْ شَفِيِع إلاَّ مِن بعد إذْنِه) : أي لا يشفع إليه أحد إلا مِنْ بعد أنْ يأذن له في الشفاعة. وفي هذا ردّ على المشركين الذين يزعمون أن الأصنام تشفَع لهم. (ما خلق الله ذلك إلا بالحقّ) ، أي بدء الخلق، وضياء الشمس، ونور القمر، وسيره في المنازل، وجميع ما خلق إنما هو لحكلمة لا لعَبَث. (ما تَلَوْتُهُ عليكم) ، أي ما تلوْته إلا بمشيئة الله، لأنه من عنده لا من عندي. (ما لهم مِنَ اللهِ من عَاصِم) : الضمير يعود على من كسب السيئات، يعني أنه لا يعصمهم أحد من عذاب الله. (ما جِئْتم به السِّحْر) : ما موصولة مرفوعة بالابتداء والسحر الخبر - وقرئ آلسِّحْر - بالاستفهام، فما على هذا استفهامية والسحر خبر ابتداء مضمَر. (ما آمَنَ لموسَى إلا ذرّيةٌ مِنْ قَوْمِه) : الضمير عائد على موسى، ومعنى الذرية شبّان وفتيان من بني إسرائيل آمنوا به على خوفهم من فرعون. وقيل: إن الضمير عائد على فرعون. وروي في هذا أنها امرأة فرعون، وخازنه، وامرأة خازنه. وهذا بعيد، لأن هؤلاء لا يقال لهم ذرية، ولأن الضمير ينبغي أن يعود على أقرب مذكور. (ما اختَلَفوا حتّى جاءهم العِلْم) : قيل يريد اختلافَهم في دينهم. وقيل اختلافهم في أمر محمد ﷺ . (وما تغْنِي الآياتُ والنّذر عن قَوْم لا يؤمِنون) ، يعني مَنْ قضى الله عليه أنه لا يؤمن. وما نافية أو استفهامية يراد بها النفي.
следующие страницы →