← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وقيل الضمير في ليعذبهم للكفار، وفي: وهم يستغفرون للمؤمنين الذين كانوا بين أظْهرِهم. فعليك بكثرة الاستغفار تُمَحَى صحيفتك من الأوزار. قال ﷺ : طُوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً. وفي الأحاديث القدسية: يقول الله تعالى فيمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا: امْحوا لعَبْدِي ما بين طرفي الصحيفة. (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) : المعنى أي شيء يمنعهم من العذاب وهم يصدّون المؤمنين عن المسجد الحرام، والجملة في موضع الحال. (مَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ) : الضمير للمسجد الحرام، أو لله. (ما كانَ صَلاَتُهم عِنْدَ البيت) : قد قدمنا في حرف التاء معنى هذه الآية، والضمير عائد على قريش. (مَضَتْ سنَّة الأوّلين) : تهديد بما جرى لهم يوم بدر، أو بما جرى للأمم السالفة. (غَنِمْتم مِنْ شَيْءٍ) : لفظه عام، يراد به الخصوص، لأن الأموال التي تؤخذ من الكفَّار منها ما يخْمَس، وهو ما أخذ على وجه الغَلَبة بعد القتال، ومنها ما لا يخْمس، بل يكون جميعه لمن أخذه، وهو ما أخذه مَنْ كان ببلاد الحرب من غير إيجاف، وما طرحه العدوّ خوف الغرق، ومنها ما يكون جميعه للإمام يأخذ منه حاجته ويصرف سائره في مصالح المسلمين، وهو الفيء الذي لم يوجف عليه بِخَيْلٍ ولا رِكاب. (ما أنزلنا على عَبْدِنا يوم الفرْقَان يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَان) . يعني بالعبد نبينا ومولانا محمداً ﷺ ، وَالذي أنْزِل عليه: القرآن والنصر. والمراد بالفرقان التفرقة بين الحقّ والباطل. والجَمْعَان يعني به المسلمين والكفار. (مَنَامِكَ) : نومك، كقوله: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا) . والخطاب بها لنبينا ومولانا محمد ﷺ ، لأنه قد رأى

стр. 702

الكفارَ في نومه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه، فقويت نفوسهم. ويقال منامك عيْنك، لأن العيْنَ موضع النوم. (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) : لما أخذ ﷺ الأَسرى يوم بَدْر أشار أبو بكر الصديق بحياتهم، وأشار عمر بقَتْلهم، فنزلت الآية، فقال ﷺ : لو نزل عذاب ما نجا منه غيرك يا عمر. (ما كان للمشركين أنْ يَعْمُروا مساجدَ اللهِ) : أي ليس لهم ذلك بالحق الواجب، وإن كانوا قد عمروها تغليباً وظلْماً. ومن قرأ مساجد - بالجمع - أراد جميع المساجد. ومن قرأ مسجد - بالإفراد - أراد المسجد الحرام. (ما لكم إذا قيل لكم انْفِرُوا في سبيل الله) : هذه الآية عتاب لمن تخلَّفَ عن غَزْوَة تَبوك. (مَرْصَد) : طريق، والجمع مَرَاصد. (ما زادوكم إلاَّ خَبَالاً) : أي شَرّاً وفساداً. والضمير راجع لعبد الله بن أبيّ بن سَلُول، والجدّ بن قيس، وأصحابهما. (مع الْقَاعِدِين) : مع النساء والصبيان وأهل الأعذار، وفي ذلك ذمّ لهم لاختلاطهم في القعود مع هؤلاء. (ما منَعهم أنْ تقْبَلَ منهم نَفَقَاتهم إلاَّ أنهم كَفَرُوا باللهِ وبرسوله) ، تعليل لعدم قَبُول نفقاتهم بكفرهم. ويحتمل أن يكون (أنهم كفروا) فاعل ما منعهم، أو في موضع المفعول من أجله، والعامل (الله) . (مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا) : أي ما يلجأون إليه من المواضع، ومغارات في الجبال، ووَزْن مدّخل مفتعل من الدخول، ومعناه (سَرَباً في الأرض. (ما على المحسنين مِنْ سَبِيل) : وصفهم بالمحسنين، لأنهم نصحوا الله ورسوله، ورفع عنهم العقوبة والتعنيف واللوم.

стр. 703

(مَرَدوا على النفَاق) : أي أقاموا عليه. (ما كان للنبي والذِين آمَنوا أن يَستَغْفِرُوا للمشركين) . نزلت في شأن أبي طالب لا امتنع من الإيمان عند موته. قال ﷺ : والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنْهَ عنك، فكان يستغفر له حتى نزلت هذه الآية. وقيل: إن رسول الله ﷺ استأذن ربَّه في أن يستغفر لأمِّه، فنزلت الآية. وهذا القول يردّه حكاية السهيلي في أن الله أحيا له أباه وأمه، فأسلما. وأما أبو طالب فالاعتقاد أن الله خفَّف عنه العذاب، كما صح أنه في ضَحْضَاح من نارٍ لِذبهِ عنه ﷺ وبرِّه به. (ما كان الله ليضِلَّ قَوْماً تعْدَ إذْ هَدَاهم) . نزلت في قوم من المسلمين استغفروا للمشركين من غير إذن، فخافوا على أنفسهم من ذلك، فنزلت الآية تَأنيساً لهم، أي ما كان ليؤاخذكم بذلك قبل أن يبين لكم المنع من ذلك. (مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) : يعني تزيغ من الثبات على الإيمان، أو عن الخروج في تلك الغَزْوَة، لما رأوْا من الضيق والمشقّة. وفي كاد ضمير الأمر والشأن، أو ترتفع به القلوب. (مَغْرَما) : أي تثقل عليهم الزكاة والنفقة في سبيل الله ثقلَ المغْرم الذي ليس بحقٍّ عليه. (مع الصادقين) : يحتمل أن يريد صِدْقَ اللسان، إذ كان هؤلاء الثلاثة الذي تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ قد صدقوا ولم يعتذروا بالكذب، فنفعهم الله بذلك. ويحتمل أن يكون أعلم من صدق اللسان، وهو الصدق في الأقوال والأفعال والمقاصد والعزم، والمراد بالصادقين المهاجرين، لقول الله في الحشر: (للفقَراء المهاجرين ... إلى قوله: (أولئك هم الصادقون) . وقد احتجَّ بها أبو بكر الصديق على الأنصار يوم السَّقِيفة، فقال: نحن الصادقون. وقد أمرم الله أن تكونوا معنا، أي تابعين لنا.

стр. 704

(مع الذين أنْعم اللَّهُ عليهم ... ) الآية هذه مفسِّرة لقوله: (صِرَاط الذين أنْعَمْتَ عليهم) . والصدّيق فعّيل من الصدق أو من التصديق. والمراد بها المبالغة. والصدّيقون أرْفَع الناس درجة بعد الأنبياء. كالغريق وصاحب الهدْم، حسبما ورد في الحديث أنهم سبعة. (وما لكم لا تقَاتِلون في سبيل الله) : تحريض على القتال. وما مبتدأ والجار والمجرور خبره، ولا تقاتلون في موضع الحال. (متاعُ الدّنْيَا قَلِيل) : هذه الآية تحقير للدنيا، وفيها الردّ على من يكرَة الموتَ، ولا يبذل نفسه في مرضاة الله وفاءً بالعهد الذي عاهد عليه الله. (مَا لِهؤلاءِ الْقَوم) : توبيخ على قلةِ فَهْمهم. (ما أرسلناك عليهم حَفِيظاً) : أي من أعرض عن طاعتك يا محمد، فما أنت عَلَيْهِ حفيظ، تحفظ أعماله، بل حسابه وجزاؤه على الله. (إنْ عليكَ إلاَّ البلاغ) . وفي هذا متاركة وموَادعة منسوخة بالقتال. (ما كان لأهْلِ المدينة ... ) ، الآية: عتاب لمن تخلَّف عن غَزْوَة تَبوك من أهل يَثْرب، ومَنْ جاورها من قبائل العرب. (ما كان المؤمنون ليَنْفِروا كافَّة) . قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في التفاوت في الخروج إلى الغَزْوِ والسرايا، أي لا ينبغي خروج جميع المؤمنين في السرايا، وإنما يجب ذلك إذا خرج رسول الله ﷺ بنفسه، ولذلك عاتبهم في الآية المتقدمة على التخلف عنه، فالآية الأولى في الخروج معه ﷺ ، وهذه في السرايا التي كان يبعثها. وقيل هى ناسخة لكل ما ورد من الأمر بخروج الجميع، فهو دليل على أن الجهاد فَرْض كفايةٍ لا فرض عَيْن.

стр. 705

وقيل: هي في طلب العلم على البعض، لأنه فرض كفاية. (ما مِنْ شَفِيِع إلاَّ مِن بعد إذْنِه) : أي لا يشفع إليه أحد إلا مِنْ بعد أنْ يأذن له في الشفاعة. وفي هذا ردّ على المشركين الذين يزعمون أن الأصنام تشفَع لهم. (ما خلق الله ذلك إلا بالحقّ) ، أي بدء الخلق، وضياء الشمس، ونور القمر، وسيره في المنازل، وجميع ما خلق إنما هو لحكلمة لا لعَبَث. (ما تَلَوْتُهُ عليكم) ، أي ما تلوْته إلا بمشيئة الله، لأنه من عنده لا من عندي. (ما لهم مِنَ اللهِ من عَاصِم) : الضمير يعود على من كسب السيئات، يعني أنه لا يعصمهم أحد من عذاب الله. (ما جِئْتم به السِّحْر) : ما موصولة مرفوعة بالابتداء والسحر الخبر - وقرئ آلسِّحْر - بالاستفهام، فما على هذا استفهامية والسحر خبر ابتداء مضمَر. (ما آمَنَ لموسَى إلا ذرّيةٌ مِنْ قَوْمِه) : الضمير عائد على موسى، ومعنى الذرية شبّان وفتيان من بني إسرائيل آمنوا به على خوفهم من فرعون. وقيل: إن الضمير عائد على فرعون. وروي في هذا أنها امرأة فرعون، وخازنه، وامرأة خازنه. وهذا بعيد، لأن هؤلاء لا يقال لهم ذرية، ولأن الضمير ينبغي أن يعود على أقرب مذكور. (ما اختَلَفوا حتّى جاءهم العِلْم) : قيل يريد اختلافَهم في دينهم. وقيل اختلافهم في أمر محمد ﷺ . (وما تغْنِي الآياتُ والنّذر عن قَوْم لا يؤمِنون) ، يعني مَنْ قضى الله عليه أنه لا يؤمن. وما نافية أو استفهامية يراد بها النفي.

стр. 706

(مَنْ كان يريد الحياةَ الدّنْيَا وزِينَتَها) الآية. نزلت في الكفار الذين يريدون الدنيا ولا يريدون الآخرة، إذ هم لا يصدقون بها. وقيل نزلت في أهل الرِّبا من المؤمنين الذين يُريدون بأعمالهم الدنيا حسبما ورد في الحديث: في الغازي والمنفق والمجاهد الذين أرادوا أن يقال ذلك لهم: أوَّل مَن تسعّر به النار. والأول أوضح، لتقدم ذكر الكفَّار المناقضين للقرآن. وإنما قصد بهذه الآية أولئك. (ما كانوا يَسْتَطِيعونَ السَّمْعَ ... ) الآية. ما نافية، والضمير للكفّار. والمعنى وصفهم بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون، كقوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) . وقيل غير ذلك، وهو بعيد. (مَثَل الذين ينْفِقون أموالَهم في سَبِيلِ الله) : ظاهره الجهاد. وقد يُحْمل على جميع وجوه البِرِّ، فمثّل الله بهذه الآية أنَّ الحسنة بسبعمائة، كما جاء في الحديث: إن رجلاً جاء بناقة فقال: هذه في سبيل الله، فقال ﷺ : "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة" (وما أنْفَقْتمْ مِنْ نَفَقَةٍ أو نذَرْتم مِنْ نَذْرٍ فإنَّ اللهَ يَعْلَمُه) : ذكر نوعين، وهما ما يفعله الإنسان تبرّعاً، وما يفعله بعد إلزامه لنفسه بالنذر. وفي قوله: (فإن اللهَ يَعْلَمه) وعْد بالثواب. وفي قوله: (وما للظالمين مِنْ أنصار) . وعِيد لمن يمنع الزكاة، أو ينْفِق لغير الله. (وما تنْفِقوا مِنْ خَيْرٍ فلأنْفسكم) الآية: يعني منفعته لكم. وقيل: إنه خبر عن الصحابة، أي أنهم لا ينفقون إلا ابتغاء وجه الله، ففيه تزكيةٌ لهم، وشهادة بفضلهم. وقيل: ما تنفقون نفقةً تقبل منكم إلا ابتغاء وجه الله، ففي ذلك حَضّ على الإخلاص.

стр. 707

(مَثَلُ الفَرِيقين كالأعمى والأصَمّ والبصِير والسَّمِيع) : شبَّه الكافر في هذه الآية بالأعمى وبالأصم. وشبه المؤمن بالسميع وبالبصير، فهو على هذا تمثيل للمؤمنين بمثلين. وقيل: التقدير كالأعمى والأصم والبصير والسميع. قالوا: ولعطف الصفات فهو على هذا تمثيل للمؤمن بمثال واحد، وهو مَنْ جمع بين السمع والبصر، وتمثيل للكافر بمثال واحد وهو من جمع بين العمى والصَّمَم. (ما آمَنَ مَعَه إلا قليل) : قيل كانوا ثمانين. وقيل عشرة. وقيل ثمانية. والضمير لنوح. فتأمّل الفعل الربّاني في طول بقائه معهم، وقلّة مَنْ آمن منهم. (مَوْجٍ كالجِبَال) : روِي أن الماء طبق ما بين السماء والأرض، فصار الكلُّ كالبحر. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، وأين كان الموج كالجبال قبل التطبيق، وقبل أن يغمر الماء الجبال. (مَعْزِلٍ) : أي في ناحية، فناداه نوح: يا بنيّ، اركَب معنا ولا تكن مع الكافرين، فلم يلتفت له، فنادى نوح ربه إن ابني من أهلي، وإنَّ وَعْدَك الحق، وأنت أحكم الحاكمين. فقال: فلا تسْألْنِ ما ليس لكَ به عِلْم. هل هو صواب أو غير صواب حتى تقف على كُنْهه. فإن قلت: لِمَ سمّي نداؤه سؤالاً ولا سؤال فيه؟ فالجواب أنه تضمَّن السؤال، وإن لم يصرّح به، ولما أجابه الله بقوله: إني أعظك أن تكون من الجاهلين - بكى أربعين سنة على هذه الكلمة (١) . فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين قوله لنبينا محمد ﷺ : (فلا تكُونَنَّ مِن الْجَاهلين) . فالجواب أنَّ نوحا كان كبيراً ونَبِيُّنا كان شابّاً، فقال له ذلك لحداثة سنّه. وأيضاً فنوح كان صفيّاً ومحمد حبيباً، ولإفراط المحبة فيه تكون الغيرة عليه أعظم، ولا أحد أعظم غيرة من الله. وينبغي أن يكون الحبيب أكثر اجتهاداً وحِرْصاً على طاعة محبوبه. وعلى ذلك جرى الخطاب معه في القرآن (٢) .

стр. 708

(ما جئْتَنا ببيًنةٍ) ، أي بمعجزة، وذلك كذبٌ من قول قوم هود وجحودٌ. أو يكون معناه تضطرنا إلى الإيمان بك، وإن كان قد أتاهم بآية. (ما مِن دابةٍ إلاَّ هو آخِذٌ بنَاصيتها) ، أي في قبضته، وتحت قَهْرِه، والأخْذ بالناصية تمثيل لذلك. وهذه الجملة تعليل لقوله: (توكَّلْتُ على الله ربي وربكم) . (مَجِيدٌ) : هو من المجد، وهو العلو، أو الشرف، من قولك: امْجِدْ الدابة علفاً، أي أكثر وزد. (مَالَنَا في بنَاتِك مِن حَقّ) : هذا من قول قَوْم لوط لما عرض بناته للزواج عليهم لِيَقِيَ أضْيافه بهنّ، فأعرضوا عنه، وقالوا لهَ: لا أرب لنا إلا في إتْيَان الرجال. (مَنْضُود) : أي مضموم بعضه فوق بعض. (ما هِيَ من الظالمين بِبَعِيد) : الضمير للحجارة، والمراد بالظالمين كفَّارُ قريش، فهذا تهديد لهم، أي ليس الرَّمْيُ بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم. وقيل الضمير للمدائن، فالمعنى ليست ببعيد منهم، فلا يعتبرون بها، كقوله تعالى: (ولقد أتَوْا عَلَى القَرْيَةِ التي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْء) . وقيل: أراد الظالمين على العموم. (مَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) : يقال: خالفني فلان إلى كذا، إذا قصده وأنت مُوَلّ عنه، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده. (فما لكم في المنافقين فِئَتَيْن) : ما استفهامية بمعنى التوبيخ،

стр. 709

والخطاب للمسلمين. ومعنى فئتين أي طائفتين مختلفتين، وهو منصوب على الحال. والمراد بالمنافقين هنا ما قال ابن عباس إنها نزلت في قوم كانوا بمكة مع المشركين، فزعموا أنهم آمنوا ولم يهاجروا، ثم سافر قوم منهم إلى الشام بتجارات، فاختلف المسلمون هل يقاتلونهم ليغْنَمُوا تجارتهم، لأنهم لم يهاجروا، أو هل يتركونهم لأنهم مؤمنون. وقال زيد بن ثابت: نزلت في المنافقين الذين رجعوا عن القتال يوم أحُد. فاختلف الصحابة في أمرهم. ويرد هذا: حتى يهاجروا. (مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) ، أي لا تكسبنّكم عَدَاوتي أن يصيبكم مثل عذابِ الأمم المتقدمة، وإنما قَرُب قوم لوط منهم لأنهم كانوا أقرب الأمم الهالكة إليهم. ويحتمل أن يريد في البلاد. (ما أغْنَتْ عنهم آلِهتهم التي يَدْعُون من دونِ الله مِنْ شي) . حجة على التوحيد، ونفي للشرك، لو عقلوا. (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) : فيه وجهان: أحدهما - أن يُراد بها سموات الآخرة وأرضها، وهي دائمة أبدًا. والآخر أن يكون عبارة عن "التأبيد، كقول العرب: ما لاح كوكب، وما ناح الحمام، وشبه ذلك، مما يُقصد به الدوام. وفي هذا الاستثناء ثلاثة أقوال: قيل: إنه على طريق التأدّب مع الله، كقولك: إن شاء الله، وإن كان الأمر واجباً. وقيل المراد زمان خروج المذْنبين من النار، ويكون (الذين شَقُوا) ، على هذا يعُمُّ الكفار والمذنبين.

стр. 710

وقيل استثني مدة كونه في الدنيا وفي البرزخ. وأما الاستثناء في أهل الجنة فيصح فيه القول الأول والثالث دون الثاني. (مَجْذُوذ) : مقطوع. يقال جذذت وحذَذْتُ، أي قطعت. (ما يَعْبُدونَ إلاَّ كما يَعْبُدُ آباؤهم من قَبْلُ) ، أي هم متَّبِعون لآبائهم تقليداً من غير برهان، كقوله: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) . (مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ) : أي لِمَ تخاف عليه منا. وقرأ السبعة تَأمنّا بالإدغام والإشمام، لأن أصله بضم النون الأولى. (ما أنْتَ بمُؤْمن لَنا) : أي بمُصَدِّق لمقالنا، ولو كنّا صادقين، فكيف وأنت تتهمنا. وقيل: معناه لا تصدقنا ولو كُنَّا صادقين في هذه المقالة، فذلك على وجه المغالطة منهم. والأول أظهر. (مَثْوَاهُ) : مقامه. (مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا) : هذا من قول زليخا لما رأت الفضيحة عكست القضية وادّعَتْ أنَّ يوسف راوَدها عن نفسها، فذكرت جزاء مَنْ فعل ذلك على العموم، ولم تصرح بذكر يوسف لدخوله في العموم، وبناء على أن الذّنْبَ ثابت عليه بدعواها لصدقها عنده. ويحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية. (مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) : هذا من قول النسوة اللواتي عظَّمْنَ شأنَه وجماله حتى قطَّعن أيديهن، وهن لا يشعرن، كما يقطع الطعام. (رَأوُا الآياتِ) : أي الأدلة على براءته من شهادة الصبي وغير ذلك. وضمير الجمع يعود على الزوْج والمرأة ومن تشاور معهما على ذلك.

стр. 711

(مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً) . وقع الأسماء هنا موقع المسميات. والمعنى سميتم آلهةً ما لا يستحق الإلهية ثم عبدتموها. (ما نَحْن بِتَأْوِيل الأحلام بعالمين) : إما أن يريد تأويل الأحلام الباطلة، أو تأويل الأحَلام على الإطلاق، وهو أظهر. (ما قَدَّمْتُم لَهنَّ) ، أي يأكن فيها ما اختزنتم من الطعام في سنْبله، وإسناد الأكل إلى السنين على جهة المجاز. (ما عَلِمْنا عليه مِنْ سوء) : هذا كلام النسوة اللاتي نزَهْنَ يوسف عن مراودته لهن، أو لامرأة العزيز. (مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي) : اختلف هل هذا من كلام امرأة العزيز، أو من كلام يوسف، فإن كان من كلامها فهو اعتراف بعد الاعتراف، وإن كان من كلامه فهو اعتراف بما همّ به على وجه خطوره على قلبه، لا على وجه العزم والقصد. أو قاله في عموم الأقوال على وجه التواضع. (ما رَحِمَ ربي) : استثناء من النفْس، إذ هي بمعنى النفوس، أي إلا النفس المرحومة، وهي المطمئنة، فما على هذا بمعنى الذي. ويحتمل أن تكون ظرفية، أي إلى حين رحمة الله. (مَكين أمِين) : تأمّل حسْن السياسةِ من هذا الملك في قوله: (أَستَخْلِصه لنفسي) . فلما كلّمه وظهَر له وفور عقله، وحسن كلامه قال له: إنّكْ لَدَيْنَا مَكين أمين، مَكين من التمكن، والأمين من الأمانة، فهكذا ينبغي ألاَّ يصطفي الإنسان لنفسه صاحباً إلاَّ بعد الاختبار والامتحان، إذ بعدهما يعزّ المرء أو يهان. يشهد لذلك الحديث: هل سافرت معه، هل بايعته، هل شاريته. (مَكنَّا ليوسفَ في الأرض) : إشارة بذلك إلى ما تقدم من جميل صنْع الله به. ورُوي أن الملكَ أسند إليه جميع الأمور حتى تغلّب على جميع

стр. 712

الأمور، وأن امرأة العزيز شابت وافتقرت فتزوَّجها يوسف. ورد الله عليها جمالها وشبابها، وأنه باع من أهل مصر في أعوام القَحْط في السنة الأولى بالدنانير والدراهم حتى لم يَبْقَ لهم شيء منها، ثم بالحلي ثم بالدوابّ ثم بالضياع والعقار، ثم برقابهم حتى تملَّكهم جميعا، ثم أعتقهم ورد أملاكهم عليهم. تنبيه: على قدر النعمة تكون النِّقْمة، لم يصل يوسفُ ﵇ إلى هذا حتى امتحن بفراق أبَوَيْه، وبالجُبِّ وبالسجن، واللوم والتعيير، فكيف تطمع باللحوق إلى منزل الكرامة الباقية دون امتحان رسول الله: بقي في السجن بقوله: اذكرني عند ربك - سبع سنين، فكيف حال مَنْ عصى مولاه سبعين سنة، فإن لم تمتحن نفسك بطاعة مولاك فلا بد لك أن تخرج من سجن الدنيا إلى ظُلمة القبر وهول المحشر وتطاير الصحف والحساب والميزان والجواز على الصراط - على مَتْنِ النار، وعليه كلاليب مثل شَوْك السَّعْدان، وكلّ مارّ عليه يذهل عن الأهل والإخوان، وكيف لا والأنبياء يقولون اللهم سلِّم سلِّم، فإن عفا عنك مولاك جعل دار كرامته مَأوَاك، وإلاَّ فتسقط فيها لأنها مَثْوَاك، وبئْس مَثْوَى المتكبرين. اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين. (مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا) : ما استفهامية، ونبغي بمعنى نطلب. والمعنى أي شيء نطلب بعد هذه الكرامة، وهي رد البضاعة مع الطعام. ويحتمل أن تكون ما نافية، ونبغي من البغي، أي لا نتعدى على أخينا ولا نكذب على الملك. (ما كان يُغْنِي عنهم مِنَ اللهِ من شيء) : جواب (لما) . والمعنى أن ذلك لا يدفع ما قضى الله. (ما جِئْنَا لِنُفْسِدَ في الأرض) : استشهدوا بعلمهم لما ظهر

стр. 713

من ديانتهم في دخولهم أرضهم حين كانوا يجعلون الأكمّة في أفواه إبلهم لئلا تنال زروع الناس. (ما كان لِيَأخُذَ أخاهُ في دِين الملِك) : في شرعه وعادته. (مَعَاذ الله) : وعَوْذه وعياذه بمعنى واحد، أي أستجير بالله. (ما شهدْنَا إلا بما عَلِمْنَا وما كنّا للغَيْبِ حافظين) : أي قولنا لك إنَّ ابْنَكَ سرق إنما هي شهادة بما علمنا من ظاهر ما جرى، ولا نعلم الغيب هل ذلك حقّ في نفس الأمر أم لا، إذ يمكن أن دسُّ الصاعُ في رحله من غير علمه. وقال الزمخشري: المعنى ما شهدنا إلا بما علمنا من سرقته وتيقنّاه، لأن الصاع استخرج من وعائه. (وما كُنّا للغَيْبِ حافظين) : أي ما علمنا أنه يسرق حين أعطيناك الميثاق. وقراءة سرق بالفتح تعضد قول الزمخشري، والقراءة بالضم تعضد القول الأول. (ما فَعَلْتُم بيوسفَ وأخيه) : لما شكلوا إليه رَقَّ لهم وعرَّفهم بنفسه. ورُوي أنه كان يكلمهم وعلى وجهه لِثَام، ثم أزال اللثام ليعرفوه، وأراد بقوله: (ما فَعَلْتم بيوسف وأخيه) التفريق بينهما في الصغر، ومضرتهم ليوسف، وإذاية أخيه من بعده، فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه. (فلما دخلوا على يوسف) : هنا محذوفات يدل عليها الكلام، وهي فرحل يعقوب، وترك أهله حين بلغه أمر يوسف ... (ما كنْتَ لدَيْهم) : الخطاب للنبي ﷺ تأكيداً لمحبته. والضمير لإخوة يوسف. (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤) .

стр. 714

أي لا يؤمن أكثر الناس ولو حرصْتَ على إيمانهم. ولست تسألهم أجراً على الإيمان فيثقل عليهم بحسب ذلك. وهكذا معناه حيث وقع. (ما يؤْمِن أكثرهم إلاَّ وهم مُشْرِكُون) : نزلت في كفار العرب الذين يقِرّونَ بالله ويعبدون معه غيره. وقيل في أهل الكتاب لقولهم: (عُزَير ابن الله) . (ما أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلاَّ رِجَالا) : رد على من أنكر أن يكون النبي من البشر. وقيل فيه إشارة إلىْ أنه لم يبعث رسولاً من النساء. واختلف في مريم والصحيح أنها صدّيقة. (ما كان حديثاً يُفْتَرى) : يعني القرآن، وهذا أحد أسمائه. قال الجاحظ: سَمَّى اللَّهُ كتابَه اسماً مخالفا لما سمى العرب كلامهم على الجملة والتفصيل، سمى جملته قرآناً كما سموا ديواناً، وبعضه سورة كقصيدة، وبعضها آية كالبيت، وآخرها فاصلة كقافية. وقال أبو المعالي عَزِيزي بن عبد الملك المعروف بشَيْذَلة في كتاب البرهان: إن الله سمى القرآن بخمسة وخمسين اسماً: كتاباً، ومبيناً في قوله: (حم والكتابِ المبِين) . وقرآناً وكريماً في قوله: (إنه لقرآنٌ كَرِيم) . وكلاماً: (حتى يَسْمَعَ كلاَمَ الله) . ونوراً: (وأنزلنَا إليكم نوراً مبِينا) . وهدى ورحمة في قوله: (وهدًى ورَحْمةً للمحْسنين) . وفرْقاناً: (نَزَّلَ الفرْقَان على عَبْده) .

стр. 715

وشفاء: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ) . وموعظة: (قد جاءَتْكم موعظةٌ من رَبكم وشِفَاء لِمَا في الصّدور) . وذِكْراً ومباركا: (وهذا ذكْرٌ مُبَارَك أنزلناه) . وعَلِيًّا: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) . وحكمة: (حِكْمَة بالغة) . وحكيما: (تلك آيات الكتابِ الحكيمِ) . ومهَيْمِناً ومصدّقاً: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) . وحبْلاً: (واعتَصِموا بحَبْلِ اللهِ جميعا) . وصِرَاطاَ مستقيما: (وَأَنّ هذا صِرَاطِي مستقيما) . وقَيِّماً: (قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا) . وقَوْلاً وفصلاً: (إنّة لقَوْل فَصْل) . ونَبَأ عظيما: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) . وأحسن الحديث، ومَثَاني، ومتَشابهاً: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ) . وتنزيلاً: (وإنّه لتَنْزِيل رَبِّ العالَمِين) . ورُوحاً: (أوْحَيْنَا إليك رُوحاً مِنْ أمْرِنا) . ووَحْياً: (إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ) . وعربيّاً: (قرآناً عَربيّاً) . وبصائر: (هذا بَصَائر للناس) . وبياناً: (هذا بيان للناس) . وعِلماً: (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) . وحقًّا: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) .

стр. 716

وهادياً: (إنَّ هذا القرآن يَهْدِي) . وعجباً: (قرآنا عَجَبا) . وتذكرة: (وإنّه لَتَذْكرةٌ) . والعروة الوثقى: (فقد استَمْسكَ بالعُرْوَةِ الؤثْقى) . وصدقاً: (والذى جاء بالصدْق) . وعدلاً: (تَمَّتْ كَلِمة ربِّك صِدقا وعَدْلاً) . وأمْراً: (ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ) . ومنادياً: (إنَّنَا سَمِعْنَا منادياً للإيمان) . وبشرى: (هدًى وبشْرَى) . ومَجِيداً: (بل هو قرْآنٌ مَجيد) . وزَبوراً: (ولقَدْ كتَبْنَا في الزَّبور مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) . وبشيراً ونذيراً: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا) . وعزيزاً: (وإنه لَكتَابٌ عَزِيز) . وبلاغاً: (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ) . وقَصصاً: (أحسن القصص) . وسماه أربعةَ أسماء في آية واحدة: (في صحفٍ مكرَّمَةٍ. مرفوعة مطَهَّرة) . فأما تسميته كتاباً فلِجَمْعِه أنواع العلوم والقصص والأخبار على أبلغ وجه. والكتاب لغة الجمع. والمبين، لأنه أبان الحق من الباطل، أي أظهره. وأما القرآن فاختلف فيه، فقال جماعة: هو اسم علَم غير مشتقّ خاصّ بكلام اللَه، فهو غير مهموز، وبه قرأ ابن كثير. وهو مرويّ عن الشافعي.

стр. 717

وأخرج الخطيب والبيهقي وغيرهما عنه أنه كان يهمز قرأت ولا يهمز القرآن. ويقول: القرآن اسم، وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت، ولكنه اسمٌ لكتاب الله مثل التوراة والإنجيل. وقال قوم منهم الأشعري: هو مشتقّ من قرنت الشيء بالشيء، إذا ضممت أحدهما إلى الآخر، وسمي به لقران السور والآيات والحروف فيه. وقال الفراء: هو مشتق من القرائن، لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضاً. وهي قرائن. وعلى القولين هو بلا همز ونونه أصلية. وقال الزجاج: هذا القول سهو. والصحيح أن ترك الهمز فيه من باب التخفيف. ونَقْل حركة الهمز إلى الساكن قبلها. واختلف القائلون بأنه مهموز، فقال قوم منهم الجياني: هو مصدر لقرأت. كالرّجْحَان والغفْران، سمي به الكتاب المقروء، من باب تسمية المفعول بالمصدر. وقال آخرون منهم الزجاج: هو وصف على فُعْلان، وهو مشتقّ من القَرْء بمعنى الجمع، ومنه قرأت الماء في الحوض أي جمعته. قال أبو عبيدة: وسمي بذلك لأنه جمع السور بعضها إلى بعض. وقال الراغب: لا يُقال لكل جَمْع قرآن، ولا لجَمْعِ كلِّ كلام قرآن، قال: وإنما سمي قرآنا لكونه جمع ثمرات الكتب السالفة المنزلة. وقيل: لأنه جمع أنواع العلوم كلها. وحكى قطْرب قولاً: إنه سمِّي قرآناً لأن القارئ يظهره ويبَيِّنُه من فيه أخْذا من قول العرب: ما قرأت الناقةُ سلّى قطّ، أي ما أسقطت ولداً، أي ما حملت. والقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه فسمي قرآناً. قلت: المختار عندي في هذه المسألة ما نص عليه الشافعي.

стр. 718

وأما الكلام فمشتق من الكلْم بمعنى التأثير، لأنه يؤثر في ذهن السامع فائدة لم تكن عنده. وأما النور فلأنه يدرك به غوامض الحلال والحرام. وأما الهدى فلأن فيه الدلالة على الحق، وهو من باب إطلاق المصدر على الفاعل مبالغة. وأما الفرقان فلأنه فرق بين الحق والباطل. وجّهه بذلك مجاهد، كما أخرجه ابن أبي حاتم. وأما الشفاء فلأنه يشفي من الأمراض القلبية، كالكُفْر والجهل والغل. والبدنية أيضاً. وأما الذكْر فَلِمَا فيه من المواعظ وأخبار الأمم الماضية. والذكر أيضاً الشرف، قال الله تعالى: (وإنَّه لَذِكْرٌ لَكَ ولقَوْمِك) ، أي شرف، لأنه بلغتهم. وأما الحكمة فلأنه نزل على القانون المعتبر من وَضعْ كل شيء في محله، أو لأنه مشتمل على الحكمة. وأما الحكيم فلأنه أحكمت آياته بعجيب النظم وبديع المعاني، وأحكمت عن تطرّق التحريف والتبديل، والاختلاف والتباين. وأما المهيمن فلأنه شاهدٌ على جميع الكتب والأمم السالفة. وأما الحَبْل فلأنه مَنْ تمسك به وصل إلى الجنة أو الهدى. والحبل: السبب. وأما الصراط المستقيم فلأنه طريق إلى الجنّة قويم لا عوج فيه. وأما المثاني فلأن فيه بيان قصص الأمم الماضية، فهو ثان لما تقدمه. وقيل لتكرار القصص والمواعظ فيه. وقيل: لأنه نزل مرة بالمعنى ومرة باللفظ والمعنى: لقوله: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩) . حكاه الكرماني في عجائبه.

стр. 719

وأما المتشابه فلأنه يشبه بعضه بعضاً في الصدق. وأما الرّوح فلأنه تحيى به القلوب والأنفس. وأما الجيد فلِشَرفه. وأما العزيز فلأنه يعزّ على مَنْ يروم معارضته. وأما البلاغ فلأنه أبلغ به الناس ما أمروا به ونهوا عنه، أو لأن فيه بلاغاً وكفاية عن غيره. قال السّلَفِيّ في بعض أجزائه: سمعت أبا الكرم النحوي، سمعت أبا القاسم التنوخي يقول، سمعت أبا الحسن الرماني يقول - وقد سئل: كل كتاب له ترجمة، فما ترجمة كتاب الله، فقال: هذا بلاغ للناس، ولِيُنْذِزوا به. وذكر أبو شامة وغيره في قوله تعالى: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) - أنه القرآن. فائدة حكى المظفري في تاريخه، قال: لما جمع أبو بكر القرآن قال: سمّوه. فقال بعضهم: سموه إنجيلاً، فكرهوه. وقال بعضهم: سموه السِّفْر، فكرهوه من اليهود. فقال ابن مسعود: رأيت بالحبشة كتاباً يدعونه المصحف، فسموه بذلك. قلت: أخرج ابن أشْتَه في كتاب المصاحف من طريق عيسى بن عقبة عن ابن شهاب، قال: لما جعوا القرآن فكتبوه في الورق قال أبو بكر: التمسوا له اسماً. فقال بعضهم: السِّفْر. وقال بعضهم: المصحف، فإن الحبشة يسمونه المصحف. وكان أبو بكر أوّل من جمع كتاب الله وسماه المصحف. ثم أورده من طريق آخر عن ابن بريدة. وذكر ابن الضُّرَيس وغيره، عن كعب، قال: في التوراة: يا محمد، إني منزّل عليك توراةً حديثة، تفتح أعيناً عُمْياً، وآذاناً صمًّا، وقلوباً غلْفاً.

стр. 720

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة، قال: لما أخذ موسى الألواح قال: يا رب. إني أجِد في الألواح أمَّة أناجِيلُهم في صدورهم، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. ففي هذين الأثرين تسمية القرآن توراة وإنجيلاً. ومع هذا لا يجوز الآن أن يطلق عليه ذلك. وهذا كما سميت التوراة فرقاناً في قوله: (وإذ آتيْتَا موسى الكتابَ والفرقان) ، وسمى ﷺ الزبور قرآناً في قوله: خفَّف على داود القرآن. (مَدَّ الأرض) : يقتضي أنها بسيطة لا كرة، وهو ظاهر الشريعة، وقد يرتب لفظ المد والبسط مع التكوير، لأن كل قطعة من الأرض ممدودة على حدتها، وإنما التكوير لجملة الأرض. وقال الشيخ عبد الخالق: وكنت أسمع من الشيوخ أن في الأرض خمسة أقوال: قيل كروية. وقيل بسيطة. وقيل: إنها شبه مكب. وقيل بمنزلة - حَمِيلة السيف الذي يتقلد به، وإنها شبه حلقة محيطة بهذا العالم، كإحاطة الحميلة. وقيل شبه سمكة. ومن أجل ذلك وضعوا الاصطرلاب الحوتي الجنوبي. قال: والصحيح عندهم أنها كورية، وأن السماء كورية. وقال ابن عرفة: استدلّ بعضهم بهذه الآية على أنَّ الأرض بسيطة ولا دليل له في ذلك، لأن إقليدس الهندسي قال الكرة الحقيقية لا يمكن إقامة الزوايا والخطوط عليها بوجه، ونحن نجد الأرض تقام عليها الخطوط وغير ذلك. ونراها مستوية، وذلك من أدل دليل على أنها وإن كانت كروية فليست كالكرة الحقيقية، بل أعلاها مستو كبعض الكُوَر التي أعلاها يكون بسيطاً مستوياً. (مَثلاَت) : جمع مثلة، على وزن سمرة، وهي العقوبةُ العظيمة التي تجعل الإنسان يضرب به المثل، ولذلك وقعت الأمثال في القرآن، لأنه بالمثال يتبين الحال، أفلا يخاف الإنسان أن يحل به ما حل بمن قبله إذا فعل مثل فعله.

стр. 721

(من أسَرّ القَوْلَ وَمَنْ جَهر به) : المعنى أن الله يسمع كل شيء، فالجهر والإسرار عنده سواء، ولذلك أتى به بعد قوله: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ) . فإن قلت: قوله تغيض الأرحام قرينة في الخصوص؟ فالجواب أنَّ الفخر والآمدي قالا: إن العامَّ إذا عقب بصنف من أصنافه فمذهب مالك والشافعي بقاؤه على عمومه. وقال الثوري: هو مقصور على ذلك الصنف، فقوله: (وما تغيض الأرحام) - وإن كان لا يصدق إلا من الآدميات لا يخصِّصه. وذكر المؤرخون أنه كان في بلد " سَلاَ " عشرة ملوك ولِدوا من بطن واحدة. قال ابن عطية: وقع لمالك ما يدلُّ على أنَّ الحامل عنده لا تحيض. ومذهب ابن القاسم أنها تحيض. قيل لابن عرفة: يلزم من قولكم إنها تحيض ألا يكون الحيض دليلاً على براءة الرَّحم، فكيف جعلتموه دليلاً على براءة الرحم في العدّة والاستبراء، فقال: إنما حكمنا بالمظنة. فقلنا: هو مظنة لبراءة الرحم، فتخلفه في بعض الأحيان لا يقدح، كما أن الغَيْمَ وزمن الشتاء مظنّة لنزول المطر. وقد يتخلَّف. فإن قلت: لم قدم النقص على الزيادة؟ فالجواب لأن الأصل عدم الزيادة. فإن قلت: (سواء) ، مصدر في الأصل، وهو خبر عن قوله: مَنْ أسَّر القول، والمصادر لا تكون أخباراً عن الجثة، فهل هو كقولك: زيد عدل. قال الكوفيون: أي ذو عدل، وجعله البصريون نفس العدالة مبالغة ومجازاً. والجواب أنه ليس مثله، وإنما جاز الإخبار هنا لأنّه ليس خبراً عن الذات. بل عن المجموع. قيل لابن عرفة: هلاَّ قال سواءٌ عنده ولم يقل منكم، ليعمَّ الكلام الإنسان والجن. بل ذكر الجن كان يكون أوْلى، لأنهم أجهل وأشد مكراً

стр. 722

واختفاء، أو الشياطين منهم. فقال: الجن أجسام لطيفة والإناء اللطيف الشفاف يُرَى ما في باطنه من ظاهره بخلاف الناس، فإن أجسامهم كثيفة، فكان العلم بما في قلوبهم أبلغ، فلذلك ذكرهم ليدل ذلك على العلم بأسرار الجن من باب أحْرى. (مسْتَخْفٍ بالليْلِ وسَارِبٌ بالنهار) .: المسْتَخْفِي بالليل هو الذي لا يظهر. والسارب: المنصرف في سَرْبه - بفتح السين، وقصد في هذه الآية التسوية بينهما في اطِّلاَع الله عليهما مع تَبَاين حالهما. وقيل: إنهما صفتان لموصوف واحد، يستخفي بالليل ويظهر بالنهار. ويعضد هذا كونه قال: وسارب بالنهار - بعطفه عطف الصفات، ولم يقل ومَنْ هو ساربٌ بتكرار مَنْ، كما قال: (من أسَّر القول ومَنْ جهر به) ، إلا أنَّ جعلهما اثنين أرجح ليقابل من أسر القول ومن جهر به، فيكمل التقسيم إلى أربعة. وعلى هذا يكون قوله: (وسَارِبٌ) عطف على قوله: مَنْ هو مستَخْفٍ، لا على مستخف وَحْدَه. (معَقَبَاتٌ مِنْ بيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفه) : أي جماعات تعتقب في حفظه وكلاءته. وقيل: أذكار وتسبيحات ودعوات. وردَّه ابن عرفة بأن المجموع بالألف والتاء إذا كان مكسرا يشترط فيه العقل إذا لم تكسِّرْه الرب كجماعات، ولهذا حكى الزمخشريّ فيه معاقيب. فإن قلت: الوارد في الحديث أن الحفظة مَلك عن اليمين وملك عن الشمال فكيف قال: من بين يديه ومن خلفه؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن من لابتداء الغاية، فينزلون من أمامه ومن خلفه لعمارة يمينه وشماله بالحفظة الأول، ثم تصعد الحفظة الأوَل ويستقرّون هم عن يمينه وشماله. الثاني: أن الضرر اللاحق للإنسان من أمامه وخلفه أصعب عليه وأشقُّ، فما هو من أمامه يأتيه مصادرة وإليه يهرب. ألا ترى قوله تعالى:

стр. 723

(قل إنَّ الْمَوْتَ الذي تَفِرّونَ منه فإنّه ملاَقِيكم) . وما هو من خلفه يأتيه من حيث لا يشعر فحِفْظُ هاتين الجهتين آكد من غيرهما. فإن قلت: هل هؤلاء المعقّبات للجنّ والإنس أو للإنْس خاصة؟ فالجواب أن الضمير يعود على من أسرَّ القولَ ومَنْ جهر، ومن استَخْفَى وظهر، يحفظونه من عقوبة الله إذا أذنب بدعائهم واستغفارهم. (مَنْ في السماواتِ والأرْض) : لا تقع (مَنْ) إلَّا عَلَى مَنْ يعقل، فهي هنا يراد بها الملائكة والإنس والجن. (ما لهم مِن دونه مِنْ وَال) : أي من شفيع في رفع العذاب عنهم، فهو تأسيس. وقوله: (فلا مردّ له) ، أي لا دافع عنه ابتداء قبل وقوعه بهم، ولا ناصر لهم يرفعه عنهم بعد وقوعه. (مَنْ رَبّ السماواتِ والأرض) : أمره الله أن يقول لهم هذا القول، لأنهم لا يجدون بدًّا من قولهم: الله، كما قال تعالى: (ولئن سألْتَهُمْ مَن خلقهم ليقولُنَّ الله) ، ولذا حصل تبْكِيتهم بقوله تعالى: (قل أفاتَّخَذْتم مِن دونِه أوْلياءَ) . والمعطوف عليه مقدَّر، أي كفَرْتم فاتخذتم. فإن قلت: لِمَ قال من دونه، وهم اتخذوهم شركاء مع الله؟ والجواب: إنا إن نظرنا إلى نفس اتخاذهم وليًّا وناصراً بالنوع فلا شك أنهم شركاء في وصف النصرة والولاية بين الله وغيره، وإن نظرنا إلى اتخاذهم وليّا وناصرا بالشخص فلا شك أن هذا لا يصحّ فيه الشركة. وقد ذكر ابن التلمساني في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة أن الواحد بالشخص لا يصح انقسامه إلى مأمور ومنهيّ، والواحد بالجنس أو النوع يصح فيه ذلك. ومثّلَه بالسجود للهِ والسجود للصنم. فإن قلت: لِمَ قدم المجرور على أولياء، والأصلُ تقديم المرفوع ثم المنصوب ثم المجرور؟ والجواب لأنه أضِيفَ إلى ضمير الله.

стр. 724

فإن قلت: لم قال: (أولياء) ، ولم يقل أرباباً؟ والجواب أن الأولياء أعمُّ من الأرباب، لأن الولي والناصر قد يكون ربًّا وقد لا يكون، فهم وُبِّخوا على الوصف الأعم، وهو طلبهم النصرة من غير الله، فيلزم منه الذمّ على الوصف الأخص، وهو اتخاذهم أرباباً من دون الله من باب أحرى. ولو قال اتخذتم من دونه أرباباً لأفاد التوبيخ على هذا الوصف الأخص، لا على ما دونه، وهو مطلق النصرة " (ماء فسالَتْ أودِيةٌ بِقَدَرِها فاحتمل السَّيْل زَبَداً رَابِيا) : هذا مثل ضربه الله للحقّ وأهله، والباطل وحزبه، فمثل الحقً كالماء الذي ينزل من السماء فتَسِيل به الأوْدِية، وتنتفع به الأرض، وبالذهب والفضة والحديد والصُّفْر وغيرها من المعادن التي ينتفع بها الناس. وشبَّه الباطل في سرعة اضْمِحْلَالِه وزَواله بالزّبد. الذي يرمي به السيْل وبزبد تلك المعادن التي يطفو فوقها إذا اذيبت، وليس في الزَّبد منفعة، وليس له دوام. وقال ابن العربي في قانون التأويل: ضربه الله مثلاً للحق والباطل، فإنه خلق الماء لحياة الأبدان، كما أنزل القرآن لحياة القلوب، وضرب امتلاء الأودية بالماء مثالاً لامتلاء القلوب بالعلم، وضرب الأودية الجامعة للماء مثالاً للقلوب الجامعة للعلم. وضرب قدر الأودية في احتمال الماء، بسعتها وضيقها، وصغرها وكبرها. مثالاً لقَدْرِ القلوب في انشراحها وضيقها. بالحرج، وضرب حمل السيلِ الحصيدَ والهشيم، وما يجري به ويدفعه مثلا لما يدفعه القرآن من الجهالة والزَّيْغ والشكوك ووَساوِس الشيطان، وضرب استقرار الماء ومكثَه لانتفاع الناس به في السَّقْيِ والزراعة مثلاً لمكث العلم واستقراره في القلوب للانتفاع به. قال: هذا المثل الأول. وأما الثاني فضرب المثل فما يوقد عليه النار بما في القرآن من فائدة العلم المنتَفع به كالانتفاع بالمتاع، وكما أن النار تميّز الخبيث في هذه من الطيّب، كذلك القرآن إذا عرضت عليه العلوم يميز النافع فيها من الضار.

стр. 725

(مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) : القرابات والأرحام. (مَنْ صَلَح مِنْ آبائهم وأزواجهم) : ترتيب المعطوفات على حسبها في الوجود الخارجي، فوجود الأب سابق على وجود زوجك، وزَوْجك سابق على ولدك، ودخول الأنبياء الجنَّة إما لصلاحهم أو صلاح آبائهم، كما قال تعالى: (وكان أبوهمَا صالِحاً) . وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) . أو العكس وهو أن دخول الآباء بسبب الأبناء، كما في الحديث: من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والِده يوم القيامة تاجاً أحسن من ضَوْءِ الشمس، ولذلك قال الشاطبي: هنيئآَ مريئاً والداك عليهما ... ملابس أنوار من التاج والحلي. (مَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) : أي لشيء يتَمتَّغ به وينفصل عنه. وهذه الآية إشارة إلى من يعمل للدنيا ويعمل للآخرة، وإلا فالآخرة ليست ظرفًا للدنيا بوجه. فإذا تذكَّرَ الإنسان أيامه التي قطعها في الشهوات ندم عليها، لأنها انقضت واضمحلّت بخلاف التي قطعها في الطاعات، فإنه يفرح بها ويتنعم إذا تذكّرها، فانظر من أي الفريقين تعدّ نفسك. (مَثَل الجنة) : الظاهر أن " الخبر مقدَّر، وفي الآية حذف مضافين، والتقدير مَثل الجنَّة التي وعِدَ المتَّقُون مثَل جنة تجري من تحتها الأنهار. ورُدَّ على قائل هذا بأنه إن أراد بالثانية جنَّة الآخرة فقد شبَّه الشيء بنفسه. ولا يصح أنها جنة الدنيا، لأن المشبه بالشيء لا يقوى قوَّته، وهنا شبه الأقْوَى بالأضعف. وأجيب بأنه قد يكون الفَرْع أقوى من الأصل، وهو نوع من القياس. وعند الفراء أن الخبر متأخِّر، وهو: (تجري من تحتها الأنهار) . (مِنَ الأحزابِ مَنْ ينكر بَعْضَه) : ذكر الإمام الفخر عن المفسرين إما أن تكون بعضا على بابها، وأن من ينكر بعضه فهو كافر.

стр. 726

وبقي عليهم أن المنطقيين قالوا إن سور القضية إن كان بعضاً ولم كان منفياً فقد يراد به العموم، ويكون بمعنى أحد، فمعناه من ينكره كله. وقالوا: إن السالبة الكلية تناقضها موجبة جزئية. (مآب) : مفعل، من الأوْب وهو الرجوع، أي مرجعي في الآخرة، أو مرجعي في التوبة. ووجه مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه قال له: قل لهم لست مكلّفاً بإيمانكم، وإنما كلّفت بالتبليغ. فإن قلت: أمره أولاً بالعبادة، ونفي الشرك مقدم عليها، إذ لا يَعْبد إلا مَنْ لم يشرِكْ، وقد لا يشرك ولا يعبد؟ فالجواب أن المراد بالشرك الرياء والكبر، فالمعنى أمرت أن أعبد الله عبادة خالصة من الرياء، ولكن هذا لا يناسب السياق. قيل: وعلى هذا يكون قوله: ولا أشرك به - حالاً، لكن نص الأكثرون على أن (لا) تخلِّص الفعل للاستقبال. فقال تكون هذه حالاً مقدرة، كقولهم: مررت برجل معه صقر صائداً به غدا. وقيل في الجواب: أمرت أن أعبده عبادة لا يتخلَّلها، أو لا يعقبها، إشراك. وقيل: قدمت العبادة لتدل على نفي الإشراك باللزوم ثم بالمطابقة، فيدل اللفط دلالتين. (مِنْ أطرافها) . أي من خيارها، يعنى أن الله يقبض الخيار منها. (مَنْ عِنْدَه عِلْم الكتابِ) : المراد به القرآن أو اللوح المحفوظ. واختلف مَنِ المراد به، فقيل: المراد به من أسلم من اليهود والنصارى على العموم. وقيل: الصحابة. وقيل عبد اللَه بن سلام. وردَّ بأنه أسلم بالمدينة والسورة مكية، فكيف يشهد حينئذ وهو كافر.

стр. 727

وأجيب باحتمال أن تكون هذه الآية خاصة مدنية. وقيل المراد الله تعالى، فهو الذي عنده علم الكتاب. ويضعف هذا، لأنه عطف صفة على موصوف. ويقوِّيه قراءة: ومِنْ عنده علم الكتاب بمن الجارّة وخَفْض عند. (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) . فيها دليل على أن واضع اللغة هوَ الله تعالى. وفيها دليل على أن حصول العلم عقيب النظر عاديّ، وليس بعقلي، إذ لو كان عقلياً للزم من البيان الهداية. ويحتمل عدم لزومه، لأن المخاطب قد لا ينظر النَّظَرَ الموصّل للعلم. (ما لَنَا ألاَّ نتوكَّلَ عَلَى اللهِ) ، المعنى أيّ شيء يمنعنا من التوكّل على الله وقد هدانا سبلنا. فإن قلت: كيف جمعه وقد تقرر غير ما مرة أن طريق الهدى واحدة حسبما أشار إليه الزمخشري في قوله: (وجعلَ الظلماتِ والنور) ؟ والجواب أنه على التوزيع، قال تعالى: (لكلٍّ جعلنا مِنْكمْ شِرْعَةً ومِنْهَاجاً) ، فلكل رسول طريق باعتبار شريعته وأحكامه. فإن قلت: لم كرر الأمر بالتوكل؟ والجواب أن قوله: (وعلى الله فليتوكّلِ المؤْمنون) ، راجع إلى ما تقديم من طلب الكفَّار (بسلْطَان مبين) . أي حجة ظاهرة، فتوكّل الرسل في ورودها على الله. وأما قوله: (وعلى الله فليتوكل المتوكّلون) ، فهو راجع إلى قولهم: (ولنَصْبِرَنّ على ما آذَيْتمونَا) ، أي نتوكل على الله في دفع أذاكم. وقال الزمخشري: إن هذا الثاني بمعنى الثبوت على التوكل. (ما هُوَ بميّت) : لا يراح بالموت، لأنه ذبح بين الجنة والنار.

стр. 728

(مثلُ الَّذِين كفَروا برَبِّهم أعْمالُهم) : مذهب سيبويه والفراء كقولهما في: (مثل الجنة) المتقدم آنفاً. والمثل هنا بمعنى الشّبَه. وقال ابن عطية: بمعنى الصفة. ورُدَّ بأنه ليس مطلقاً، بل التي فيها غرابة، ولذلك جعلوا: لأمْرٍ مَا جدعَ قَصِير أنْفَه - مثلاً. وذِكْر الرب تشنيع عليهم، يعني كفروا بمن أنعم عليهم ورحمهم، وشبّه أعمالهم بالرماد لخفته وسرعة تفرقه بالريح، ولأنه لا ينبت شيئاً بخلاف التراب، وجمع الرياح ليفيد شدة التفرق من جميع الجهات. (ما لنا مِنْ مَحِيص) : أي مهرب حيث وقع. ويحتمل أن يكون مصدراً أو اسم مكان. (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) : أي ما أنا بمغِيثكم وما أنتم بمغيثين لي، وإنما يقول هذا الشيطان حين يتعلّقون به ويقولون له: أنت أَغوَيْتَنا. (مثَلاً كلمةً طيّبةً) : ابن عباس وغيره: هي لا إله إلا الله، والشجرة الطيِّبَة هي النخلة في قول الجمهور. واختار ابن عطية أنها شجرةٌ غير معيَّنة، إلا أنها كلّ ما اتصف بتلك الصفات. والكلمة الخبيثة كلمة الكفر، أو كلّ كلمة قبيحة. والشجرة الخبيثة هي الحنظلة لمرارتها. فإن قلت: لم عبَّرَ هنا بالاسم فرفع، وقال في المؤمن: (ضرب الله مَثَلاً) ، فعَبّر بالفعل ونصب؟ فالجواب أن المؤمن له حالتان، لأنه انتقل من الكفر إلى الإيمان، والكافر له حالة واحدة ثبت عليها، ولم ينتقل عنها، فلذلك عبّر عن مثله بالاسم. فإن قلت: هل الشجرة الخبيثة مقصورة على الحنظل أو تطلق على كل ما ليس لها ساق كالقثاء والثوم، وفيها منافع جَمَّة، فكيف يشبّه بها الكافر، وهو لا منفعة فيه بوجه؟

стр. 729

والجواب إنما شبّه بها من حيث أنها لا تثبت، إذ ليس لها ساق، فالتشبيه في اضمحلال العمل الخبيث وذهابه يوم القيامة ولا يبقى إلا العمل الصالح. (مَنْ عَصَانِي فإنّكَ غَفُورٌ رَحِيم) : هو من قول الخليل ﵇، دعاء لمن عصاه بغير الكفْر، أو لمن عصاه بالكفر ثم تاب منه، وهو الذي يصح أن يدْعى له بالمغفرة، لكنه ذكر اللفظ بالعموم لما كان فيه ﵇ من الرحمة للخَلْق وحُسْن الْخُلق. فإن قلت: كيف يدعو بما هو مستحيل عقلاً وشرعاً، لأن النبي معصوم عن عبادة الأصنام؟ فالجواب أنه دعا على سبيل الخضوع والتذلل والخوف، ألا ترى شعيباً لما قالوا له: (أو لَتَعودُنَّ في مِلّتنا) ، قال (ما يكون لنا أنْ نعودَ فيها إلا أنْ يشَاءَ الله) ، فالمقام مقام خَوْف، ولو ثبتت عصمتهم فهم أولى الناس بالخوف ممن اصطفاهم. (ما لكم مِنْ زَوَال) : هو المقسم عليه، يعني أنهم حلفوا أنهم لا يبعثون. (مَكْرهم لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال) : يراد بالجبال هنا الشرائع والنبوات، شبّهت بالجبال في ثبوتها. والمعنى تحقير مكرهم، لأنها لا تزول منه تلك الجبالُ الثابتةُ الراسخة. وقرأ الكسائي: لَتَزُول - بفتح اللام ورفع تزول. و (إنْ) على هذه القراءة مخفّفة من الثقيلة، واللام للتأكيد. والمعنى تعظيم مكرهم، أي أن مكرهم من شدته بحيث تزول منه الجبال، ولكنَّ الله عَصم ووَقَى منه. (ما نُنَزِّلُ الملائكةَ إلا بالحق) : الآية ردّت عليهم فيما اقترحوا عليه ﷺ أن يأتيهم بالملائكة معه. والمعنى أن الملائكة لا تنزل إلا بالحق من الوحي والمصالح التي يريدها الله،

стр. 730

لا باقتراح مقْترح واختيار كافر معترض. وقيل الحق هنا العذاب. ولو أنزل اللَه الملائكة لم يؤخر عذابَ هؤلاء الكفار الذين اقترحوا نزولهم، لأن عادة الله أن مَنِ اقترح آيةً فرآها ولم يؤمن - أنه يعجَّل له العذاب، وقد علم اللَّهُ أن هؤلاء القوم يؤمن كثير منهم ويؤمن أعقابهم، فلم يفعل بهم ذلك. (مَنْ لسْتمْ لهُ بِرَازِقين) : يعني البهائم والحيوانات، و (مَنْ) معطوف على معايش. وقيل على الضمير في لكم. وهذا ضعيف في النحو، لأنه عطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، وهو قويّ في المعنى، أي جعلنا في الأرض معايش لكم وللحيوانات. (ما ننَزّلُه إلا بقَدَرٍ مَعْلوم) : الضمير عائد على الشيء وهو المطر، واللفظ أعمُّ من ذلك. والمعنى أنه ما من شيء إلا نحن قادرون على إيجاده وتكوينه بمقدار محدود. (مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) : دليل على تحريم القنوط. وقرئ يقنَط - بفتح النون وكسرها، وهما لغتان. (ما خَطْبكم أيّها الْمُرْسَلون) ، أي ما شأنكم، أو بأي شيء جئتم، والخطاب مع الملائكة الذين جاؤوا لإبراهيم ﵇ بالبشرى. (كما أنْزَلنَا على الْمقْتَسِمين) : الكاف متعلقة بقوله: (أنا النًذِير الْمبين) ، أي أنْذِر قريشاً عذاباً مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقد قدمنا في حرف الهمزة معنى المقتسمين. (مَنَافِع) : يعني شرب ألبان الأنعام، والحرث بها، وغير ذلك، وهذا فيه ترقّ وتدريج، لأن الدِّفْءَ متيسًر قريب، إذ ليس فيه إلا إزالة صوفها ووبرها والانتفاع به، فليس عليها فيه مضَرَّة، ثم الامتنان بالمنافع أقوى منه، لأن فيه تسخيرها والحمل عليها، وهذا مما لا يقدر الإنسان على فعله لولا ما أبيح له، إذ فيه تكليف ومشقة عليها، ثم الامتنان بالأكل منها أقوى من ذلك

стр. 731

وأشد، لأن فيه ذبْحَها، وهذا لا يقدر الإنسان عليه، لأنها محترمة، فكيف تُذْبح لولا ما أباح الله لنا ذلك. (ما لا تعْلَمُون) : يعني أن مخلوقات الله لا يحيط البشر بعلمها، وكل من ذكر في هذه الآية شيئاً مخصوصا، فهو على وجه المثال. قال بعض العلماء: كنت يوماً أتصيَّد في البرية، فقامت بين يديّ هائشة عظيمة كالرحا، ولها أرجل كثيرة. قال: فشددت عليها حتى كدت أن أدركها فانفتلت إليَّ، وقالت بلسان طَلْق: ما تريد؟ ، ما تريد؟ فقلت لها: من أنت، فقالت: من الذين قال الله فيهم: (ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمون) ، فولّيْت عنها. (مخْتَلِفاً ألوانُه) : قال الزمخشري: مختلف الهيئات والمناظر. وقال ابن عطية: أي أصنافه، كقولك: ألوان من التمر، لأن المذكورات أصناف عدّت في النعمة والانتفاع بها على وجوه، ولا يظهر إلا من حيث تلوّنها حمرةً وصفرة وغير ذلك. ويحتمل أن يكون تنبيهاً على اختلاف ألوانها حمرة وصفرة. قال: والأول أبين. وفي الآية رد على الطبائعيين، لأن أفعال الطبيعة لا تختلف، فبطل كَوْن الأرض تفعل بطبعها. (ماءً لكم) : يحتمل أن يتعلق بأنزل، أو يكون في موضع خبر لشراب، أو صفة لماء، فسبحان اللطيف بعباده. وانظر كيف قدم المجرور لشرف خَلْقها وعظمها، وقدم الزرع لعموم الحاجة إليه من الحيوان العاقل وغيره، وقدم الزيتون على التمر، لأنه مما يؤْتدَم به، فهو مكمل للقوت، والتمر مما يتفكه به، فهو تزييني، فكان أدون، لأنه زائد على القوت غير مكمل به. وقدم التمر على العنب لأن الخطاب لأهل الحجاز، وليس بأرضهم إلا التمر، فهو عندهم أشرف من العنب، لأن محبة الإنسان لما تعاهد ورُبِّي عليه أقوى من محبته لغيره، فالترتيبُ في هذه على هذا جهة العدل. فإن قلت: لم جمع العنب وأفرد التمر، وأفرد في الآية الأولى والأخيرة وجمع الوسطى، وختم الأولى بالتفكير والثانية بالعقل والثالثة بالتذكير؟

стр. 732

فالجواب إنما جمع العنب لظهور الاختلاف في أنواعه، لأن منه الأبيض والأكحل والأحمر، فالاختلافُ في أنواعه بالطعم واللَّوْن والجرم، والتمر إنما الاختلاف في أنواعه بالطعم والجرم فقط. وأفرد الآية الأولى لأنها تقدمتها آياتٌ سماوية، وهي أكثر من الآيات الأرضية، لخَلْق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، ويقال: إنما جمع الثانية إشارة إلى أنها هي والأولى آيات. ويحتمل أن يقَال لما كانت الثانية نعمةً سماوية وهي أشرف وأجْلَى وأظهر من النعمة الأرضية جعل كل واحد على انفراده آيات لشهرته وظهوره، أو لأن المذكورات أولاً راجعة إما لمجرد القوت أو لوصف النبات، وكلاهما شيء واحد، بخلاف الثانية. وقال في الأولى: يتفكرون، لأنها أمور عادية، إذ حصول الشراب والشجر عن الماء أمر عادي، وقد لا يكون عنه شيء. وتسخير الليل والنهار والشمس والقمر أمر عقلي، وليس بعادي. والثالث يقال لمن آمَنَ بالحجة والدليل بعد أن كان نسيه فهو أمر تذكري، فلذلك قال: لقوم يذكرون. فإن قلت: هل التذكّر والتفكر بمعنى واحد أم لا؟ والجواب أن التذكّرَ ثَانٍ عن التفكر، ولهذا اختلفوا، فذهب بعض الحكماء إلى أن العلوم كلها تذكرية، وأن النفوس كانت عالمة لكل علم، فلما خالطت الأبدان ذهب عنها ذلك، فكل ما تعلمه إنما هو تذكر لما كان وذهب. ومذهب الجمهور أن أكثرها تفكر، وبعضها تذكّر، فالتفكر لما لم يكن يَعْلمه، والتذكر لما علمه ونسِيَه، فلذلك جعله ثالثاً. وقال ابن الخطيب: التفكر إعمال الفكر لطلب الفائدة، والمذكوراتُ معه راجعةٌ لباب القوت، وكل الناس محتاج إليه، فعند ذلك يتفكرون النعم بها فيشكرونه. وأما الثانية فتدبرها أعْلَى رتْبَة إذ منافعها أخفى وأغمض، فيستحق صاحبها الوصف بما هو أعلى وأغمض وهو العقل. (مَوَاخِرَ فيه) : جمع ماخرة: يقال مَخَرت السفينة،

стр. 733

والْمَخْر: شقّ الماء. وقيل صَوْت جَرْي الفلك بالريح، ويترتب على هذا أن يكون الخر من الريح. وأن يكون من السفينة ونحوها، وهو في هذه الآية من السفن. ويقال للسحاب بنات مَخْر تشبيهاً، إذ في جريها ذلك الصوت الذي هو عن الريح والماء الذي في السحاب، وأمرها يشبه أمر البحر، على أن الزّجّاج قد قال: بنات الْمَخْرِ: سحائب بيضى لا ماء فيها. وقال بعض اللغويين الْمَخْر في كلام العرب الشق، يقال مخر الماء الأرض. قال ابن عطية: فهذا بَيِّن أن يقال فيه للفلك مَوَاخر. وقال قوم: مَوَاخِر معناه تجيء وتذهب بريح واحدة، وهذه الأقوال ليست تفسيرا لِلَّفْظة، وإنما أرادوا أنها مواخر بهذه الأحوال، فنصّوا على هذه الأحوال، إذ هي موضع النعمة المعددة، إذ نفس كون الفلك ماخرة لا نعمة فيها، وإنما النعمة في مخرها بهذه الأحوال في التجارة والسفر فيها، وما يمنح الله فيها من الأرباح والمِنَن. فإن قلت: ما فائدة تقديم المواخر في هذه الآية على آية فاطر؟ والجواب لما كان الفلك المفعول الأول لترى، ومواخرَ المفعول الثاني. و" فيه " ظرف وحقه التأخير، والواو في ولتبتغوا للعطف على لام العلَّة في قوله: (لتأكلوا منه) - أخَّرَه ليجيء على القياس في هذه السورة. وأما في فاطر فقدّم (فيه) لما قبله وهو قوله: (ومِنْ كلٍّ تأكلون لحما طرياً) . فقدّم الجارّ على الفعل والفاعل والمفعول جميعاً ولم يزد الواو في (لتبتغوا) لأن اللام في (لتبتغوا) ها هنا لام العلة، وليس بعطف على شيء قبله. وقيل في الجواب غير هذا مما يطول ذكره. (أفَمَنْ يخْلق كمَنْ لا يَخْلق) : تقرير يقتضي الرد على مَنْ عبد غير الله، وإنما عبَّر عنهم بمن لأن فيهم مَنْ يعقل ومَنْ لا يعقل، أو مشاكلة لقوله: (أفمن يخْلق) . وأورد الزمخشري هنا سؤالين: أحدهما أن الأصنام لا تعقل، فهَلاَّ قيل: كما لا يخلق؟ وأجاب ابن عرفة بأنه لو عبَّر بـ (ما) لكان الإنكار عليهم بأمرين: من حيث كونها غير عاقلة، وكونها لا تخلق، وما المقصود في الآية إلا إنكار عبادتها من حيث كونها لا تخلق فقط.

стр. 734

وأجاب الزمخشري بأمرين: أحدهما أمَّا أنهم سموها آلهة وعبدوها، فهو على نحو ما كانوا يعتقدون. وردَّة ابن عرفة بأنه إقرار لهم على معتقدهم. وأما أنهم عاملوها معاملة من يعقل فروعي فيه المشاكلة بينه وبين من يخلق. ورَدَّه ابن عرفة بأن المشاكلة إنما تكون حيث التساوى، كقوله: (ومَكروا وَمَكَرَ الله) . وقوله: قالوا اقترح شيئاً نجِدْ لك طَبْخَه ... قلت اطبخوا لي جُبَّةً وقَمِيصا فالأول مثبت، والثاني منفي. السؤال الثاني: أنه إنما أنكر عليهم تشبيههم من لا يخلق بمن يخلق، فكان الأصل أن يُقال، أفمن لا يخلق كمن يخلق، لأن همزة الاستفهام إنما تدخل على المنكَر والمسؤول عنه. وأجاب الزمخشري بجواب لا ينهض. وأجاب ابن عرفة بجواب: إن عادتهم يجيبون بأن الإنكار إنما يكون بإفهام الخصم نقيض دَعْواه، أما إذا كان الإنكار بإلزامه عَيْنَ الدعوى فلا يصح. وهنا لو قيل لهم: أفمن لا يخلق كمن يخلق لكان التشبيه راجعاً إلى نفي المساواة بينهما، وهم موافقون على ذلك، ويقولون. (ما نعْبدهم إلاَّ ليقَرِّبونَا إلى الله زلْفَى) . ولما قيل: (أفمن يخلق كمن لا يخلق) لم يكن الإنكار راجعاً لنفي المساواة، فلم يَبْق إلا أن يراد أنَّ الله تعالى مُصِفٌ بنقيض ما اتَّصفَ به معبودهم وهو الْخَلق، فيكون المراد الإشعار بتنقيص مقصودهم، والتنقيص موجب لعدم الألوهية، فليس المراد نفي مساواة الناقص للكامل، بل إنما المراد الإشعار بتنقيص الناقص، لأنه إذا قيل لهم: (أفمن يخلق كمن لا يخلق) كان الإنكار راجعا لتشبيه الخالق بمن لم يخلق، لأن تشبيهه به يوجب تنقيص البارئ جلّ وعلا، والتنقيص موجِبٌ لعدم الألوهية. وقد قال: (ولئن سألْتَهمْ مَنْ خلقَهمْ لَيَقولنَّ الله) ، فيستلزم نقيض دعواهم. (مَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) : الضمير في (يشعرون) للأصنام،

стр. 735

وفي (يُبْعَثُونَ) للكفار الذين عبدوهم، وعلى أنّه للكفّار يكون وعيداً، أي وما يشعر الكفار أيان يبعثون للعذاب. ولو اختصر هذا المعنى لم يكن في وصفهم بعدم الشعور فائدة، لأنَّ الملائكة والأنبياء والصالحين كذلك هم في الجهل بوقت البعث، فهو أمر استأثر الله به، كما قال: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) . وإنما نفى عنهم الشعور به. والأنبياء قد حصل لهم الشعور به، وأعلموا بإشعار الساعة وعلامتها. (ما كنّا نَعْمَل مِنْ سوءٍ) : قاله الكفار على حسب اعتقادهم في أنفسهم، فلم يقصدوا الكذب، ولكنه كذِبٌ في نفس الأمر، أو قصدوا الكذب اعتصاماً به، كقولهم: (واللهِ رَبنَا ما كنّا مشركين) . (مِن أوْزَارِ الَّذِينَ يضِلونَهم بغير عِلْم) : قيل: إنَّ (من) للتبعيض. ورُدَّ بالحديث: من عمل حسنة فله أجرها ... الخ. وأجيب بأن الْمفضلين ترتّب على كفرهم وِزْرَان: أحدهما متَعَلّق بهم. والآخر متعلق بمن أضلّهم. ورده ابن عرفة بأنه إنما يتم هذا لو كانت التِّلاَوَة ومن أوزار إضلال من اتبعهم، فتضاف الأوزار للضلال لا لهم. والظاهر أن من للسبب، وثَمَّ معطَوف مقدَّر، هو مفعول، أي ليحملوا أوزارهم ووزراً آخر بسبب أوزار الذين يضلونهم. وقال أبو حيان: إن " من " تكون بمعنى مثل، ولكنه شاذّ. وكذلك قال: (بغير علم) حال من المفعول في يضلونهم. وردّ بأنه حال من الفاعل، لأن العلم إنما يطلب ممن نصب نفسه منصب المفيد، لا ممن نصبها منصب المستفيد. قيل للقائل: الأصوب أن يكون متعلّقاً بـ يضلونهم، فقال: والباء حينئذ للمصاحبة، فلا بدّ من الحال.

стр. 736

(مِنَ القَوَاعِد) : ما كان تحت الأرض فهو أساس، وما فوقها فهو أعمدة، وجموعهما هي القواعد. (مِنْ فوقهم) . يقال لما كان أعْلى فوق، ومعلوم أن السقف أعْلى، ولكن ذكر ليزِيلَ الاحتمال الذي في الخَرِّ، وأن يكون عن يمين وشمال. أو أنهم كلما رأوا علاماتِ السقوط خرجوا، فحينئذ خَرّ عليهم، فقال: (من فوقهم) ، ليفيد أنهم تربَّصوا حتى هلكوا. (ماذا أنزل ربّكم قالوا خَيْرا) : لما وصف مقالةَ الكفار الذين قالوا (أساطير الأولين) ، قابل ذلك بمقالة المؤمنين، وهو قولهم، (خيرا) . قال الزمخشري: ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ للقائلين. يريد أنه يحتمل أن يكون من كلام المحكيّ عنه. ونظير ذلك أن يقول زيد أقول خيراً، الحمد للهِ، فتقول أنت حاكياً لكلامه: قال زيد خيراً، الحمد للَه، فهذا من كلام الحاكي، والقول محكى به الجمل والمفرد المؤدِّي معناها. فإن قلت: لم رُفِع جواب الكافرين وهو أساطير الأولين، ونُصب جواب المؤمنين؟ فالجواب أن قولهم خيراً منصوب بفعل مضْمَرٍ، تقديره أنزل خيراً، ففي ذلك اعتراف بأن الله أنزله، وأساطير الأولين هو خبر ابتداء مضمر، تقديره: هو أساطير الأولين، فلم يعترفوا بأن الله أنزله، فلا وَجْهَ للنصب. ولو كان منصوباً لكان الكلام متناقضاً، لأن قولهم أساطير الأولين يقتضي التكذيب بأن الله أنزله، والنصب بفعل مضمر يقتضي التصديق بأن الله أنزله، لأن تقديره أنزل. فإن قلت: يلزم مثل هذا في الرفع، لأن تقديره هو أساطير الأولين، فهو غيْرُ مطاْبق للسؤال الذي هو ماذا أنزل ربكم؟

стр. 737

فالجواب أنهم عدلوا بالجواب عن السؤال، فقالوا: هو أساطير الأولين، ولم ينزله الله. (ما كانوا به يَسْتهزِئون) : معناه حيث وقع في القرآن إحاطة العذاب بمن استهزأ به، وعلى هذا فيجب التحفّظ مِنْ أسبابه. (ما عبدنا مِنْ دونه مِنْ شيء) : يحتمل أنهم يقولونه في الدنيا، لأنهم قالوا: لو شاء الله ما عبدنا غيره، فردّ الله عليهم بأنه نهى عن الشرك، ولكنه قضاه على مَنْ شاء من عباده، إذْ لا يكون في ملكه إلا ما يريد. أو يقولون ذلك في الآخرة على وجه التمني، فإن (لو) تكون للتمني، فإنهم إذا عاينوا العذاب تمنَّوْا أنْ لو عبدوه ولم يحرموا ما أحلّ الله مِنَ البَحِيرة والسائبة. (وما أرسلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلاَّ رِجَالا) : يدلّ على تخصيص الرسالة بالرجال، وأما النبوءة فليست خاصة بهم، بل هي عامّة. (ما هم بمعْجِزِين) : التقدير أو يأخذهم في تقلبِهم، فهم بسبب ذلك غير معجزين، أي بمفْلِتين، لأن أخذه لهم حالةَ التقلب والتحرك مظنَّةٌ لفرارهم وهروبهم، فدخل حرف النفي، فنفي ذلك السبب المترتب على تقلبهم، أي فما يكون تقلبهم سبباً في تعجيزهم له، لأن الفاء دخلت على معنى النفي، لأنه لا يصحّ فيها السببية إلا على هذا التأويل. (مِنْ دَابة) : يحتمل أن يكون بيانا لما في السماوات والأرض، أو لما في الأرض. ويراد بما في السماوات الخلْق الذي يقال له الروح غير جبريل، وهو أعظم المخلوقات المراد به في قوله تعالى: (يوم يقوم الرُّوحُ) . (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا) . وأمّا جبريل فيقال له الروح الأمين. وانظر هل الملائكة من الدوابّ أم لا، لكونهم ذَوِي أجنحةٍ يطيرون. والظاهر أنهم منهم للآية: (وما مِنْ دَابةٍ في الأَرْضِ ولا طَائرٍ يَطِير) ، وعلى كل حال فالكل ساجدون

стр. 738

من عاقل وغيره، لكن سجود العاقل حقيقة وغير العاقل بمعنى التذّلّل والانقياد، فيكون لفظ السجود للقدر المشترك بينهما وهو الخضوع والانقياد، أو يكون من باب استعمال اللفظ المشترك في مفهومَيْهِ معاً، أو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه. ولو قال من في السماوات لم يدخل في ذلك غير العُقَلاء. (مَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) . نكرَ النعمةَ ليدخلَ تنعيمُ الكافر، لا للتقليل، لأن عطاء الله لا يوصف بالقلَّةِ. وقيل الكافر غير منْعَم عليه. وقيل منعَم عليه في الدنيا، لقول عمر: أولئك قوم عجّلت لهم طيباتُهم في الدنيا ولا يُنعَم عليهم في الآخرة، فالنعم الدنيوية والأخروية عامة للمؤمنين، لأن الضر نعمة من الله عليه لصبره، كما أن النعمة نعمة عليه لشكره، لكنه يتأدّبُ فلا يصرِّح بِنِسْبَةِ الشرّ إلى ربِّه، وإن علم أن الكل من عنده، ويعتقد أن نعمه فضلٌ من الله، ونقمه عدل منه، ألا تراه كيف ذكر النعمة بأنها من الله، ثم سكت عن الضر، بل وصف الإنسان بالاستغاثة والتضرّع عنده. وفي هاتين الآيتين عتابٌ في ضمنه نَهْيٌ لمن يدعو الله عند الضرّاء برَفْعِ الصوت ويَغْفُل عنه عند العافية. (ما يشتَهُون) : يعني أنهم جعلوا الذُّكُورَ من الأولاد لأنفسهم، لأنهم يشتهونهم، والبنات اللائي يكرهونهنّ لربهم حيث قالوا الملائكة بنات الله. أو كرهوا التوحيد وجعلوا له سبحانه شريكاً، وهم يكرهون المشارك لهم في خططهم ومنازلهم وأموالهم، أو احتقروا الرسل وهم يكرهون ذلك فيمن يرسلونه إلى أحد أن يحتقر، وعلى كلَ وقع اللوم. وإذا كانوا هم لا يحتملون شيئاً من ذلك ولا يحبونه لأنفسهم فكيف ينسبونه لربهم، وهم مع ذلك يدَّعون أن الجنة لهم. والعجبُ منهم ينكرون البعث رأساً. (ما أنْزَلْنَا عليكَ الكِتَابَ إلاَّ لِتُبَيِّنَ لهم الذي اخْتَلَفُوا فيه) : دخلت اللام على تبيّن لأنه ليس لفاعل الفعل المعلّل، لأن الإنزال من اللَه

стр. 739

والبيان من النبي ﷺ . وألزمه أبو حيان التناقض، لأن الزمخشري جعل (هدًى ورحمة) ، معطوفين على لتبيّن، ومحلّه عنده النصب، فكيف يمنع كونه مفعولاً من أجله في اللفظ، ويجعله كذلك في المعنى، وأجاب بعضهم بأنه إنما منع نَصْبَه فقط، ولا يلزم أنه لا يصحّ في المعنى إلا ما جاز النطْق به. وابن خروف لم يشترط في المفعول من أجله أن يكون مفعولاً لفاعل الفعل المعلل. (مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ) : قال أبو حيان: حال من ضمير (نسْقيكم) ، أي خارجاً من بين فرث ودم. وقيل متعلق بـ (نسْقيكم) المقدر، إذ لا يتعلق مجروران بفعل واحد. وجوّز هنا لاختلاف معناهما، لأن من الأولى للتبعيض، والثانية لابتداء الغاية. قال الزمخشري: إذا استقر العلف في كرش البهيمة طبَخْته، فكان أسفله فَرْثاً، وأوسطه لبنا، وأعلاه دماً، والكبد مسلطة على ذلك تقسمه، فيجري الدم في العروق، واللبن في الضروع، ويبقى الفرث في الكرش. وردّه ابن الخطيب بأنا ما رأينا قط في كرش البهيمة المذبوحة لبناً ولا دماً. وأجاب بعضهم عنه بأن حالة الحياة لها زيادة، ألا ترى أن الميت إذا قطع منه لم يخرج منه دم بوجهٍ، بخلاف الحيّ، ولذلك كان الفلاسفة يشقّون جوفَ الإنسان وهو حيّ لينظروا ما يتحرك في بطنه. والصحيح أن الغذاء يطبخه الكرش، فيخرج منه أولاً الأجزاء الكثيفة، وهي الفرث، ويبقى دماً فيطبخه ثانية، ويخرج منه إلى الضروع الأجزاء اللطيفة وهي اللبن، ويصير الباقي دَماً صِرْفاً، فيجعله في العروق، وإنما وقع الامتنان بلبن الأنعام المنفصل عنها دون لبن المرأة المتصل بها وبعيشنا، لأن تغذي الإنسان بلبن أمِّه حالة صغره وعدم عقله، ولبن الأنعام يتغذى به صغيراً وكبيراً ويدرك منفعته. (ما تركَ عليها من دَابّة) : الضمير للأرض، يعني لو عاف الله عباده في الدنيا بكفرهم ومعاصيهم لأهلك الحيوانات.

стр. 740

وهذا يقتضي مؤاخذتَها بذنوب بني آدم. وقد صح ذلك في الحديث: إن الفأرة لتهلك في جحْرها من ذنوب بني آدم. (ما يكرهون) : يعني البنات، وذلك أنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله، فَتَبًّا لقوم كرهوا البنات وجعلوهن أرضاً والذكور سموات، جعلهم الله في كتابه سود الوجوه، وتوعدهم لما كرهوا قضاءَة بالجحيم. (مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ) : انتصب رزقاً، لأنه مفعول لـ (يملك) . ويحتمل أن يكون مصدرا أو اسماً لما يرزق، فإن كان مصدراً فإعراب " شيئاً " مفعول به، لأن الصدر ينصب المفعول. وإن كان اسماً فإعراب "شيئاً" بدل منه. وفي هذه الآية توبيخٌ للكفّار، وردّ عليهم في عبادتهم مَنْ لا يملِك لهم رزقاً من السماوات والأرض شيئاً ولا يستطيعون، فَنَفْى الاستطاعة بعد نفي الملك أبلغ في الذم. والضمير عائد على (ما) لأن المراد به الآلهة. (مَثلاً عَبْداً مَمْلوكاً لا يَقْدِر على شَيء ومَنْ رَزَقْنَاه) : مَنْ: هنا نكرة موصوفة، والمراد بها من هو حر قادر، كأنه قال: وحُرًّا رزقناه، ليطابِقَ عبدا - ويحتمل أن تكون موصولة، وهذه الآية مثَل لله تعالى وللأصنام، فالأصنام كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، واللَه تعالى له الملك وبيده الرزق، ويتصرف فيه كيف يشاء، فكيف يسوَّى بينه وبين الأصنام. وإنما قال لا يقدر على شيء، لأن بعض العبيد يقدرون على بعض الأمور. كالْمُكاتَب والمأذون له. (مثَلاً رَجُلَيْن أحدُهُما أبْكمْ) : هذه الآية كالتي قبلها في ضرب المثل، لبطلان مذاهب المشركين وإثبات التوحيد. وقيل: إن الرجل الأبكم هو أبو جهل، والذي يأمر بالعدل عَمّار بن ياسر. والأظهرُ عدم التعيين.
следующие страницы →