← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

(مِنَ القَوَاعِد) : ما كان تحت الأرض فهو أساس، وما فوقها فهو أعمدة، وجموعهما هي القواعد. (مِنْ فوقهم) . يقال لما كان أعْلى فوق، ومعلوم أن السقف أعْلى، ولكن ذكر ليزِيلَ الاحتمال الذي في الخَرِّ، وأن يكون عن يمين وشمال. أو أنهم كلما رأوا علاماتِ السقوط خرجوا، فحينئذ خَرّ عليهم، فقال: (من فوقهم) ، ليفيد أنهم تربَّصوا حتى هلكوا. (ماذا أنزل ربّكم قالوا خَيْرا) : لما وصف مقالةَ الكفار الذين قالوا (أساطير الأولين) ، قابل ذلك بمقالة المؤمنين، وهو قولهم، (خيرا) . قال الزمخشري: ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ للقائلين. يريد أنه يحتمل أن يكون من كلام المحكيّ عنه. ونظير ذلك أن يقول زيد أقول خيراً، الحمد للهِ، فتقول أنت حاكياً لكلامه: قال زيد خيراً، الحمد للَه، فهذا من كلام الحاكي، والقول محكى به الجمل والمفرد المؤدِّي معناها. فإن قلت: لم رُفِع جواب الكافرين وهو أساطير الأولين، ونُصب جواب المؤمنين؟ فالجواب أن قولهم خيراً منصوب بفعل مضْمَرٍ، تقديره أنزل خيراً، ففي ذلك اعتراف بأن الله أنزله، وأساطير الأولين هو خبر ابتداء مضمر، تقديره: هو أساطير الأولين، فلم يعترفوا بأن الله أنزله، فلا وَجْهَ للنصب. ولو كان منصوباً لكان الكلام متناقضاً، لأن قولهم أساطير الأولين يقتضي التكذيب بأن الله أنزله، والنصب بفعل مضمر يقتضي التصديق بأن الله أنزله، لأن تقديره أنزل. فإن قلت: يلزم مثل هذا في الرفع، لأن تقديره هو أساطير الأولين، فهو غيْرُ مطاْبق للسؤال الذي هو ماذا أنزل ربكم؟

стр. 737

فالجواب أنهم عدلوا بالجواب عن السؤال، فقالوا: هو أساطير الأولين، ولم ينزله الله. (ما كانوا به يَسْتهزِئون) : معناه حيث وقع في القرآن إحاطة العذاب بمن استهزأ به، وعلى هذا فيجب التحفّظ مِنْ أسبابه. (ما عبدنا مِنْ دونه مِنْ شيء) : يحتمل أنهم يقولونه في الدنيا، لأنهم قالوا: لو شاء الله ما عبدنا غيره، فردّ الله عليهم بأنه نهى عن الشرك، ولكنه قضاه على مَنْ شاء من عباده، إذْ لا يكون في ملكه إلا ما يريد. أو يقولون ذلك في الآخرة على وجه التمني، فإن (لو) تكون للتمني، فإنهم إذا عاينوا العذاب تمنَّوْا أنْ لو عبدوه ولم يحرموا ما أحلّ الله مِنَ البَحِيرة والسائبة. (وما أرسلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلاَّ رِجَالا) : يدلّ على تخصيص الرسالة بالرجال، وأما النبوءة فليست خاصة بهم، بل هي عامّة. (ما هم بمعْجِزِين) : التقدير أو يأخذهم في تقلبِهم، فهم بسبب ذلك غير معجزين، أي بمفْلِتين، لأن أخذه لهم حالةَ التقلب والتحرك مظنَّةٌ لفرارهم وهروبهم، فدخل حرف النفي، فنفي ذلك السبب المترتب على تقلبهم، أي فما يكون تقلبهم سبباً في تعجيزهم له، لأن الفاء دخلت على معنى النفي، لأنه لا يصحّ فيها السببية إلا على هذا التأويل. (مِنْ دَابة) : يحتمل أن يكون بيانا لما في السماوات والأرض، أو لما في الأرض. ويراد بما في السماوات الخلْق الذي يقال له الروح غير جبريل، وهو أعظم المخلوقات المراد به في قوله تعالى: (يوم يقوم الرُّوحُ) . (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا) . وأمّا جبريل فيقال له الروح الأمين. وانظر هل الملائكة من الدوابّ أم لا، لكونهم ذَوِي أجنحةٍ يطيرون. والظاهر أنهم منهم للآية: (وما مِنْ دَابةٍ في الأَرْضِ ولا طَائرٍ يَطِير) ، وعلى كل حال فالكل ساجدون

стр. 738

من عاقل وغيره، لكن سجود العاقل حقيقة وغير العاقل بمعنى التذّلّل والانقياد، فيكون لفظ السجود للقدر المشترك بينهما وهو الخضوع والانقياد، أو يكون من باب استعمال اللفظ المشترك في مفهومَيْهِ معاً، أو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه. ولو قال من في السماوات لم يدخل في ذلك غير العُقَلاء. (مَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) . نكرَ النعمةَ ليدخلَ تنعيمُ الكافر، لا للتقليل، لأن عطاء الله لا يوصف بالقلَّةِ. وقيل الكافر غير منْعَم عليه. وقيل منعَم عليه في الدنيا، لقول عمر: أولئك قوم عجّلت لهم طيباتُهم في الدنيا ولا يُنعَم عليهم في الآخرة، فالنعم الدنيوية والأخروية عامة للمؤمنين، لأن الضر نعمة من الله عليه لصبره، كما أن النعمة نعمة عليه لشكره، لكنه يتأدّبُ فلا يصرِّح بِنِسْبَةِ الشرّ إلى ربِّه، وإن علم أن الكل من عنده، ويعتقد أن نعمه فضلٌ من الله، ونقمه عدل منه، ألا تراه كيف ذكر النعمة بأنها من الله، ثم سكت عن الضر، بل وصف الإنسان بالاستغاثة والتضرّع عنده. وفي هاتين الآيتين عتابٌ في ضمنه نَهْيٌ لمن يدعو الله عند الضرّاء برَفْعِ الصوت ويَغْفُل عنه عند العافية. (ما يشتَهُون) : يعني أنهم جعلوا الذُّكُورَ من الأولاد لأنفسهم، لأنهم يشتهونهم، والبنات اللائي يكرهونهنّ لربهم حيث قالوا الملائكة بنات الله. أو كرهوا التوحيد وجعلوا له سبحانه شريكاً، وهم يكرهون المشارك لهم في خططهم ومنازلهم وأموالهم، أو احتقروا الرسل وهم يكرهون ذلك فيمن يرسلونه إلى أحد أن يحتقر، وعلى كلَ وقع اللوم. وإذا كانوا هم لا يحتملون شيئاً من ذلك ولا يحبونه لأنفسهم فكيف ينسبونه لربهم، وهم مع ذلك يدَّعون أن الجنة لهم. والعجبُ منهم ينكرون البعث رأساً. (ما أنْزَلْنَا عليكَ الكِتَابَ إلاَّ لِتُبَيِّنَ لهم الذي اخْتَلَفُوا فيه) : دخلت اللام على تبيّن لأنه ليس لفاعل الفعل المعلّل، لأن الإنزال من اللَه

стр. 739

والبيان من النبي ﷺ . وألزمه أبو حيان التناقض، لأن الزمخشري جعل (هدًى ورحمة) ، معطوفين على لتبيّن، ومحلّه عنده النصب، فكيف يمنع كونه مفعولاً من أجله في اللفظ، ويجعله كذلك في المعنى، وأجاب بعضهم بأنه إنما منع نَصْبَه فقط، ولا يلزم أنه لا يصحّ في المعنى إلا ما جاز النطْق به. وابن خروف لم يشترط في المفعول من أجله أن يكون مفعولاً لفاعل الفعل المعلل. (مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ) : قال أبو حيان: حال من ضمير (نسْقيكم) ، أي خارجاً من بين فرث ودم. وقيل متعلق بـ (نسْقيكم) المقدر، إذ لا يتعلق مجروران بفعل واحد. وجوّز هنا لاختلاف معناهما، لأن من الأولى للتبعيض، والثانية لابتداء الغاية. قال الزمخشري: إذا استقر العلف في كرش البهيمة طبَخْته، فكان أسفله فَرْثاً، وأوسطه لبنا، وأعلاه دماً، والكبد مسلطة على ذلك تقسمه، فيجري الدم في العروق، واللبن في الضروع، ويبقى الفرث في الكرش. وردّه ابن الخطيب بأنا ما رأينا قط في كرش البهيمة المذبوحة لبناً ولا دماً. وأجاب بعضهم عنه بأن حالة الحياة لها زيادة، ألا ترى أن الميت إذا قطع منه لم يخرج منه دم بوجهٍ، بخلاف الحيّ، ولذلك كان الفلاسفة يشقّون جوفَ الإنسان وهو حيّ لينظروا ما يتحرك في بطنه. والصحيح أن الغذاء يطبخه الكرش، فيخرج منه أولاً الأجزاء الكثيفة، وهي الفرث، ويبقى دماً فيطبخه ثانية، ويخرج منه إلى الضروع الأجزاء اللطيفة وهي اللبن، ويصير الباقي دَماً صِرْفاً، فيجعله في العروق، وإنما وقع الامتنان بلبن الأنعام المنفصل عنها دون لبن المرأة المتصل بها وبعيشنا، لأن تغذي الإنسان بلبن أمِّه حالة صغره وعدم عقله، ولبن الأنعام يتغذى به صغيراً وكبيراً ويدرك منفعته. (ما تركَ عليها من دَابّة) : الضمير للأرض، يعني لو عاف الله عباده في الدنيا بكفرهم ومعاصيهم لأهلك الحيوانات.

стр. 740

وهذا يقتضي مؤاخذتَها بذنوب بني آدم. وقد صح ذلك في الحديث: إن الفأرة لتهلك في جحْرها من ذنوب بني آدم. (ما يكرهون) : يعني البنات، وذلك أنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله، فَتَبًّا لقوم كرهوا البنات وجعلوهن أرضاً والذكور سموات، جعلهم الله في كتابه سود الوجوه، وتوعدهم لما كرهوا قضاءَة بالجحيم. (مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ) : انتصب رزقاً، لأنه مفعول لـ (يملك) . ويحتمل أن يكون مصدرا أو اسماً لما يرزق، فإن كان مصدراً فإعراب " شيئاً " مفعول به، لأن الصدر ينصب المفعول. وإن كان اسماً فإعراب "شيئاً" بدل منه. وفي هذه الآية توبيخٌ للكفّار، وردّ عليهم في عبادتهم مَنْ لا يملِك لهم رزقاً من السماوات والأرض شيئاً ولا يستطيعون، فَنَفْى الاستطاعة بعد نفي الملك أبلغ في الذم. والضمير عائد على (ما) لأن المراد به الآلهة. (مَثلاً عَبْداً مَمْلوكاً لا يَقْدِر على شَيء ومَنْ رَزَقْنَاه) : مَنْ: هنا نكرة موصوفة، والمراد بها من هو حر قادر، كأنه قال: وحُرًّا رزقناه، ليطابِقَ عبدا - ويحتمل أن تكون موصولة، وهذه الآية مثَل لله تعالى وللأصنام، فالأصنام كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، واللَه تعالى له الملك وبيده الرزق، ويتصرف فيه كيف يشاء، فكيف يسوَّى بينه وبين الأصنام. وإنما قال لا يقدر على شيء، لأن بعض العبيد يقدرون على بعض الأمور. كالْمُكاتَب والمأذون له. (مثَلاً رَجُلَيْن أحدُهُما أبْكمْ) : هذه الآية كالتي قبلها في ضرب المثل، لبطلان مذاهب المشركين وإثبات التوحيد. وقيل: إن الرجل الأبكم هو أبو جهل، والذي يأمر بالعدل عَمّار بن ياسر. والأظهرُ عدم التعيين.

стр. 741

(ما أمْرُ الساعَةِ إلا كلَمْحِ البَصَر أو هو أقْرَب) : بيان لقدرة الله تعالى على إقامتها، وأن ذلك يسير عليه، كقوله تعالى: (ما خَلْقُكمْ ولا بَعْثكم إلاَّ كنَفْس وَاحِدَةٍ) . وإنما أجرى الله الأطوار، وخلق السماوات والأرض في ستة أيام للاعتبار، وأن عادته التدرج في الأمور. (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ) . (مَنْ) شرطية في موضع رفع بالابتداء، وكذلك (مَنْ) في قوله: (مَنْ شَرَحَ) ، لأنه تخصيص من الأولى. وقوله: (فعليهم غضب) - جواب عن الأولى والثانية، لأنهما بمعنى واحد، أو يكون جواباً للثانية، وجواب الأولى محذوف يدل عليه جواب الثانية. وقيل (مَنْ كفر) بدل من الذين لا يؤمنون، أو من المبتدأ في قوله: (أولئك هم الكاذبون) . أو من الخبر. (ومَنْ أُكْرهَ) ، استثناء من قوله: (مَنْ كفر) ، وذلك أنَّ قوماً ارتدُّوا عن الإسلام، فنزلت فيهم الآية، وكان فيهم مَنْ أكْرِهَ على الكفر، فنطق بكلمة الكفر، وهو يعتقد الإيمان، منهم عَمّار، وصهيب، وبلال، فعذرهم الله. ورُوِي أن عمار بن ياسر شكا إلى رسول الله ﷺ ما صُنع به من العذاب، وما سامح به من القول، فقال له ﷺ : كيف تجد قَلْبك، قال: أجده مطمئنا بالإيمان. قال: فإجابتهم بلسانك لا تضرّك. وهذا الحكم فيمن أكره على النطق بالكفر. وأما الإكراه على كفر كالسجود لصنم، فاختلف، هل تجوز الإجابة إليه أم لا، فأجازه الجمهور، ومنعه قوم. وأما الإكراه على اليمين والعِتْق والطلاق فلا شيء عليه فيما بينه وبين الله، ويلزمه ما كان من حقوق الناس. وأما الإكراه على قتل أحد وأخذ ماله فلا تجوز الإجابة إليه. (ما فتِنوا) - بضم الفاء قراءة الجمهور، أي عذبوا، فالآية على هذا في عمّار وشبهه من المعذَّبين على الإسلام. وقرأ ابنُ عامر بفتح

стр. 742

الفاء، أي عذّبوا المسلمين، فالآية على هذا فيمن عذب المسلمين ثم هاجر وجاهد كالحضرمي وأشباهه. (مَتاعٌ قَلِيل) : يعني عيشهم في الدنيا وانتفاعهم بما فعلوه من التحليل والتحريم. (ما قصَصْنا عليكَ مِنْ قَبْل) : الخطاب لنبينا ومولانا محمد ﷺ ، ذكر له ما حرّم على المسلمين وماحرّم على اليهود، ليعلم أن تحريم ما عدا ذلك افتراء على الله، كما فعلت العرب. والذي حرم على اليهود ما نصّ الله عليه في سورة الأنعام،: (حَرَّمْنَا كلَّ ذِي ظُفُر) . (ما عُوقِبْتُم بِهِ) : المعنى إنْ صنِعَ بكم صَنِيع سوء فافعلوا مثله، ولا تزيدوا عليه، والعقوبة إنما هي الثانية، وسميت الأولى عقوبة لمشاكلة اللفظ. ويحتمل أن يكون عاقبتم بمعنى أصبتم عُقْبى، كقوله في الممتحنة: (فعاقَبْتُم) ، بمعنى غنمتم، فيكون في الكلام تجنيس. وقال الجمهور: إن الآية نزلت في شأن حمزة بن عبد المطلب لما بَقَر المشركون بطنَه يوم أحُد، قال النبي ﷺ : لئن أظفرني الله بهم لأمثلَنَّ بسبعين منهم، فنزلت الآية، فكفَّر ﷺ عن يمينه، وترك ما أراد من المثْلة. ولا خلاف أن المثْلَة حرام، وقد وردت الأحاديث بذلك، ويقتضي ذلك أنها مدنية. ويحتمل أن تكون الآية عامة، ويكون ذكرهم لحمزة على وجه المثال. وتكون على هذا مكية كسائر السورة. واختلف العلماء فيمن ظلمه رجلٌ في مال ثم ائتمن الظالم المظلومَ على مال. هل يجوز له خيانتُه في القَدْر الذي ظلمه، فأجاز ذلك قومٌ لظاهر الآية، ومنعه قوم للحديث: أدِّ الأمانة إلى من أئتمنك ولا تَخُنْ مَن خانك. قلت: هذا في المال، وأما عقوبة البدن فلا خلاف أنَّ العفو أفضل للآيات

стр. 743

الكثيرة، كقوله: (ولئن صبَرْتم لهو خَيْر للصابرين) . وقوله: (فمَنْ عَفَا وأصْلَح فأجْرهُ على الله) . والحديث: ما ازداد رجل بالعفو إلا عزا. وفي حديث: فيقوم العافون عن الناس. والتحريض على العفو لا يحْصى ذكره. ويحكى عن الشيخ أبي الحسن الزبيدي ﵀ أنه كان يوماً ببيت الأشياخ في زاويته، وإذا به خارج هارب فارًّا بنفسه، فسئل عن ذلك، فقال: خطر لي أني لا أحلل أحداً ممن ظلمني، فتذكرت أن النبي ﷺ أشد الناس حرصا على إنقاذ رجل من أمته من النار. قلت: وأنا أتسبب في دخولهم إليها! فخفت سقوط البيت عليَّ، فهربت. (مع الذين اتَّقوا) : معناه مع الذين اتقوا بمعونته ونصْرته، وهو مصدر مشتق من الوقاية، فالتاء بدل من واو، ومعناه الخوف والتزام طاعة الله، وترك معاصيه، فهو جِمَاع كل خير. وقد ضمن الله للْمتَمَسك به الهدى، لقوله: هدًى للمتقين، والولاية لقوله: (واللَه وليّ المتقين) . والمحبة لقوله: (إن الله يحبّ المتّقين) والمعرفة لقوله: (إنْ تَتَّقوا الله يَجْعَلْ لكم فرْقَانا) ، والمخرج من الغَمّ، والرزق من حيث لا يحتسب، لقوله: (ومَنْ يَتَّقِ الله يجعل له مَخْرجاً. ويَرْزُقْه من حيث لا يَحْتَسب) . وتيسير الأمور لقوله: (ومَنْ يَتَّق اللَهَ يَجْعَلْ له مِنْ أمْره يسْراً) . وغفران الذنوب وإعظامَ الأجور، لقوله تعالى: (ومن يَتّقِ اللهَ يُكَفِّر عنه سيئاته ويعْظِمْ له أجرا) . وتقبل الأعمال، لقوله تعالى: (إنما يتَقَبَّل اللهُ مِنَ المتقين) . والفَلاَح لقوله تعالى: (واتقوا الله لعلكم تفْلحون) . والبشرى لقوله: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) . ودخول الجنة لقوله تعالى: (إنَّ للمتقين عند ربهم جنَّاتِ النَّعيم) . والنجاة من النار، لقوله: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) .

стр. 744

والباعث على التقوى عشرة: خوف العقاب الدنْيَوِي، وخوف العقاب الأخْرَوِيّ، ورجاء، الثواب الدنيوي، ورجاء الثواب الأخروي، وخوفُ الحساب، والحياء من نظر الله، وهو مقام المراقبة، والشكر على نعمه بطاعته، والعلم لقوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) . وتعظيم جلال الله، وهو مقام الهيْبة. ودرجات التقوى خمسة: أن يتّقي العبد الكفر، وذلك مقام الإسلام. وأن يتَّقي المعاصي والمحرّمات، وهو مقام التوبة. وأن يتقي الشبهات، وهو مقام الورعَ. وأن يتقي المباحات، وهو مقام الزهد. وأن يتقي حضورَ غير الله على قلبه، وهو مقام المشاهدة. (ما صَبْرُكَ إلا بِاللَه) : هذا عزْم على النبي ﷺ في خاصة نفسه على الصبر. ويروى أنه قال لأصحابه: أمَّا أنا فأصبر كما أمِرت، فماذا تصنعون، قالوا: نصبر كما ندبنا. ثم أخبره أنه لا يصبر إلاَّ بمعونة الله. وقد قيل إن ما في هذه الآية من الأمر بالصبْر منسوخ، وهذا إذا كان الصبر يُرادُ به تركُ القتال، وأما إن كان الصبر يرادُ به ترك المثْلة التي فُعل مثلها بحمزة فذاك غير منسوخ. قلت: وبالجملة فقد ورد ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعاً. وذلك لعظم موقعه في الدين. قال بعض العلماء: كل الحسنات لها أجر محصور في عشرة أمثالها إلى سبعمائة إلا الصبر فإنه لا يحصر أجره، لقوله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) . وقال بعضهم: الأعمال البدنية الحسنة بعشر، والمالية الحسنة بسبعين، والقلبية - وهي الصبر ونحوه - إلى غير حد. وقد ذكر الله للصابرين ثمانية أنواع من الكرامة: أولها: المحبة، لقوله: (واللَه يُحِبُّ الصابِرين) . والثاني: النصرة، لقوله: (إن الله مع الصابرين) .

стр. 745

والثالث غرفات الجنة، لقوله: (يجْزَوْن الغرْفةَ بِما صَبَروا) . والأجر الجزيل، لقوله: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) . والأربعة الأخر المذكورة في هذه الآية: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) . والصبر على أربعة أوجه: صبر على البلاء، وهو منع النفس عن التسخّط والهلع والجزَع. وصبر على النعم، وهو تقييدها بالشكر وعدم الطغيان والتكبر بها. وصبر على الطاعات بالمحافظة عليها. وصبر عن المعاصي بكفِّ النفس عنها. وفوق الصبر التسليم، وهو ترك الاعتراض والتسخط ظاهراً وباطناً. وفوق التسليم الرضا بالقضاء وهو سرور النفس بفعل الله، وهو صادر عن المحبة، إذ كل ما يفعل المحبوب محبوب. وعَيْن الرضا عن كلّ عَيْبٍ كليلة. (ما أنْزِل مِن قَبْلِك) : التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله . (ما همْ بمؤْمنين) : هم المنافقون، وكانوا جماعة من الأوْس والخزرج، ورأْسهم عبد الله بن أبيّ، يظهرون الإسلام ويسِرُّون الكفر، ويسمى الآن من كان كذلك زِنْديقاً، وهم في الآخرة مخلَّدون في النار. وأما الدنيا فإن لم تَقم عليهم بيِّنة فحكمهم كالمسلمين في دمائهم وأموالهم، وإن شهد على معتقدهم شاهدان عدلان فمذهب الشافعي الاستِتَابَة وترك القتل. ومذهب الإمام القتل دون استتابة. فإن قلت: كيف جاء قولهم آمَنَّا جملة فعلية، و (ما هم بمؤمنين) جملة اسمية. فهلاَّ طابقتها؟ فالجواب أن قوله: (ما هم بمؤمنين) أبلغ وأوكد ونفي الإيمان عنهم من أن لو قال: وما آمَنوا. فإن قيل: لم جاء قولهم (آمنا) مقيّداً بالله واليوم الآخر، وما هم بمؤمنين مطلقاً؟

стр. 746

فالجواب أنه يحتمل الوجهين: التقييد، وترك لدلالة الأول عليه. والإطلاق، وهو أعلم في سَلْبهم عن الإيمان. (ما رَبِحَتْ تِجَارَتهم وما كانوا مهْتَدين) : لما ذكر الشراء على الإطلاق ذكر ما يتبعه من الربح والخسران، وإسناد عدم الربح إلى التجارة مجاز، لأن الرابح والخاسر هو المتاجر. قال الزمخشري: نَفَى الربح في قوله: فما ربحت، ونفى سلامة رأس المال في قوله: (وما كانوا مهْتَدِين) . (مَثَلُهم كمَثَلِ الَّذِي اسْتَوقَد تاراً) : أي أوقد. وقيل طَلَب الوقود، وإن كان المثل هنا بمعنى حالهم وصفتهم فالكاف للتشبيه، وإن كان المثل بمعنى الشبه فالكاف زائدة. فإن قيل: ما وَجْه تشبيه المنافقين بصاحب النار التي أضاءت ثم أظلمَتْ؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن منفعتهم في الدنيا بدعوى الإيمان شبيه بالنور، وعذابهم في الآخرة شبيه بالظلمة بعده. الثاني: أنَّ اختفاء نورِ كفرهم كالنور وفضيحتهم بعده كالظلمة. الثالث: أن ذلك فيمن آمن منهم، ثم كفر، فإيمانه نورٌ وكفْره بعده ظلمة. ويرجِّح هذا قوله: ذلك بأنهم آمنوا ثم كَفَروا. فإن قيل: لم قال: (ذهب الله بِنُورهم) ، ولم يقل ذهب اللَه بضوئهم، مشاكلةً لقوله: فلما أضاءت؟ فالجواب أن ذهاب النور أبلغ، لأنه إذهابٌ للقليل والكثير، بخلاف الضوء فإنما يطلق على الكثير. (مَحَوْنَا آيةَ الليلِ وجَعَلْنَا آيةَ النّهَارِ مُبْصِرَةً) : فيه وجهان:

стр. 747

أحدهما: أن يراد أنَّ الليل والنهار آيتان في أنفسهما، فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار كقولك مسجد الجامع، أي الآية التي هي الليل، والآية التي هي النهار، ومَحْوُ آيةِ الليل على هذا كون الفَجْر لم يجْعَل له ضوء كضوء الشمس. ومعي مبصرة: تبصر فيه الأشياء. (ما عَلَوْا) : (ما) مفعول (لِيُتَبِّروا) ، أي ليهلكوا ما غلبوا عليه من البلاد. وقيل إن ما ظرفية، أي ليفسدوا مدة عُلوِّهم. (مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) : قيل: إنَّ هذا في حكم الدنيا، يعني أن الله لا يهلك أمةً إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال رسول إليهم. وقيل: هو عامّ في الدنيا والآخرة، وإن الله لا يعذّب في الآخرة قوماً إلا وقد أرسل إليهم رسولاً فكفروا به وعصَوه. ويدل على ذلك قوله: (كُلَّمَا ألْقِيَ فيها فَوْجٌ سألهم خزَنَتها ألَمْ يَأتِكمْ نَذِير قالوا بَلَى) . ومن هذا يؤخذ حكم أهل الفترات. واستدل أهل السنّةِ بهذه الآية على أنَّ التكليف لا يلزم العباد إلا من الشرع لا من مجرد العقل. (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) . الآية في الكفار الذين يريدون الدنيا، ولا يؤمنون بالآخرة، على أن لفظها أعم من ذلك. والمعنى أن الله يعجًل لهم حظا من الدنيا بقيدين: أحدهما تقييد المقدار المعجّل بمشيئة الله. والآخر تقييد الشخص المعجل له بإرادة الله و (لمن نرِيد) بدل من (له) ، وهو بدل بعض من كل. (مَدحورا) .: مُبْعَداً مُهَاناً. (محظوراً) : ممنوعا. (مذموماً) ، أي يذمّه اللهُ وخيارُ عباده.

стр. 748

(مَخْذُولاً) ، أي غير منصور. ومنه: (وإنْ يخذلكم فمَنْ ذَا الذي يَنْصُرُكم من بَعْده) . (مَلُوما مَحْسوراً) : أي يلومك صديقك على كثرة عطائك وإضرارك بنفسك، أو يلومك مَنْ يستحق العطاء، لأنك لا تترك ما تعطيه، أو يلومك سائر الناس على التبذير في العطاء. والمحسور: من قولهم: حسره السفَر البعيد فذهب بلحمه وقُوَّته بلا انبعاث ولا نهضة، يعني أن كثرة العطاء تقطع بك حتى لايبقى بيدك شيء. وفي هذه الآية إشارة ٌ إلى الرفق في الأمور. وخيْرُ الأمور أوساطها. وما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا انتزع من شيء إلا شانه. (مَنْ قُتِل مظلوماً فقد جعَلْنَا لِوَليِّه سُلْطانا) : يعني من قتل بغير حق فلوليِّه - وهو ولي المقتول من سائر العصبة وليس النساء من الأولياء - القصاص من القاتل أو العفو عنه. (مَنْصوراً) : الضمير للمقتول أو لوليه، ونصره هو بالقصاص. (مالَ اليتيم) : كل متموّل، فلا يجوز الأخذ منه، وقد ورد النهي عن قربه في مواضع من كتابه. (مسئولاً) : يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من الطلب، أي يُطلب منه الوفاء بالعهد. والثاني: أن يكون المعنى يُسأل عنه يوم القيامة، هل وفَّى به أم لا. (مَعَة آلِهَةٌ كما يَقُولون) : الضمير يعود على كفّار العرب الذين جعلوا مع الله آلهة، فاحتجّ تعالى على وحدانيته بأنه لو كان كما يقولون لابْتَغَوْا سبيلاً إلى التقرّب إليه بعبادته وطاعته، فيكونون من جملة عباده أو لابْتَغوْا سبيلاً إلى إفساد ملكه ومعاندته في قدرته. ومعلوم أن ذلك كله لم يكن، فلا إله إلا هو.

стр. 749

(مكروهاً) : الإشارة إلى ما تقدم من المنهيات، من قتل النفس وغيره. والمكروه هنا بمعنى الحرام، لا على اصطلاح الفقهاء في أن المكروه دون الحرام. وإعراب (مكروها) نعت لسيئة، أو بدل منها، أو خبر ثان لكان. (مَنْ فِيهنَ) . الضمير يعود على السماوات والأرض، ومعناها أن جميع من في السماوات والأرض يسبِّح له، من صامت وناطق. واختلف في كيفية هذا التسبيح، فقيل: بما تدل عليه صنعتها من قدرته وحكمته. وقيل: إنه تسبيح حقيقة. وهذا أرجح لقوله: (ولكن لا تفقهون تَسْبِيحَهم) . (مَسْحُوراً) : قيل معناه جُنَّ فسحر. وقيل معناه ساحر. وقيل هو من السَّحر بفتح السين، أي بشراً ذا سَحْر مثلكم، وهذا بعيد. (مَحْذوراً) : من الحذر، وهو الخوف. (مَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) : الآيات هنا المراد بها ما يقترحها الكفار. وسبب نزولها أن قريشا اقترحوا على رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصَّفَا ذهباً، فأخبره الله أنه لم يفعل ذلك لئلا يكذِّبوا بها فيهلكوا. وعبّر بالمنع عن ترك ذلك، (وأنْ نرْسِل) في موضع نصب. (وأنْ كذّب) في موضع رفع. ثم ذكر ناقة ثمود تنبيهاً على ذلك، لأنهم اقترحوها، وكانت سبب هلاكهم. ومعنى (مبْصرةً) واضحة الدلالة. (ما نرْسِلُ بالآياتِ إلا تَخْوِيفاً) : إن أراد بالآيات هنا المقترحة فالمعنى أنه يُرْسل بها تخويفاً من العذاب العاجل، وهو الإهلاك، وإن أراد المعجزات غير المقترحة فالمعنى أنه يرسل بها تخويفاً من عذاب الآخرة ليراها الكافر فيؤمن. وقيل المراد بالآيات هنا الزلازل والرعد والكسوف، وغير ذلك من المخاوف.

стр. 750

(ما جعَلْنَا الرّؤْيَا التي أرَيْنَاك إلاَّ فِتْنةً للنَّاسِ) : اختلف فيها، فقيل: إنها الإسراء، فمَنْ قال إنه كان في اليقظة فالرؤيا بمعنى الرؤية بالعيْن. ومن قال: إنه كان في المنام فالرؤيا منامه. والفتنة على هذا تكذيب الكفار بذلك، وارتداد بعض المسلمين حينئذٍ. وقيل: إنها رؤياالنبي ﷺ في منامه هزيمة الكفَّارِ وقتلهم ببَدْر. والفتنة على هذا تكذيب قريش بذلك وسخريتهم به. وقيل إنها رؤياه أنه يدخل مكة فعجل في سنَةِ الحديبية فرُدَّ عنها، فافتَتَن بعض المسلمين بذلك. وقيل: رأى في المنام أنَّ بني أمية يصعدون على منبره ﷺ فاغتَتمَ لذلك. (مَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا) . كان الأصل أن يقال: جزاؤهم - بصيغة الغيبة، ليرجع إلى مَنْ تَبِعك، ولكنه ذكره بلفظ الخطاب تغليبا للمخاطب على الغائب، وليدخل إبليس معهم، لأنه المخاطب بقوله: (اذهبْ) ، بصيغة الأمر على وجه التهديد. قال الزمخشري: ليس المراد الذهاب الذي هو ضد المجيء، وإنما معناه امض لشأنك الذي اخترته خذلاناً له وتخلية. ويحتمل أن يكون معناه الطرد والإبعاد. (موفوراً) . مكملاً، وهو مصدر في موضع الحال. (ما يعِدهم الشيطان إلا غرورا) : من المواعدة بشفاعة الأصنام وغير ذلك. (مَنْ كانَ في هذه أعْمَى فهو في الآخرة أعْمَى وأضَلّ سَبِيلا) . الإشارة بهذه إلى الدنيا، والعمى يراد به عمى القلب، يعني من كان في الدنيا أعمى عن الهدى والصواب فهو في يوم القيامة أعمى، أي حَيْران، يئس من الخير.

стр. 751

ويحتمل أن يريد بالعمَى في الآخرة عمى البصر، كقوله: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) . وإنما جعل الأعمى في الآخرة أضلّ سبيلاً، لأنه حينئذٍ لا ينفعه الاهتداء. ويجوز في العمى الثاني أن يكون صفة كالأول، وأن يكون من أفعل التي للتفضيل، وهذا أقوى لقوله: (وأضلُّ سبيلا) ، فعطف أضلّ الذي هو أفعل من كذا على ما هو شبيهه. وقال سيبويه: لا يجوز أن يقال هو أعمى من كذا، ولكن إنما يمتنع ذلك في عمى البصر لا عمى القلب. (ما أُوتيتمْ من العِلْمِ إلا قَليلا) : خطاب عام لجميع الناس، لأن عِلْمَهم قليل بالنظر إلى علم الله. وقيل خطاب لليهود خاصة. والأول أرجح، لأن فيه إشارة إلى أنهم لا يصلون إلى العلم بالروح. (ما منع الناسَ أنْ يُؤمنوا) .: يعني أنه ما منع الناس من الإيمان إلا إنكارهم لبعث الرسول من البشر. وقد قدمنا معارضة هذه الآية للتي بعدها في سورة الكهف. (ماكِثينَ فيه أبداً) . أي دائمين، وانتصابه على الحال من الضمير في (لهم) . (ما لَهمْ بهِ مِنْ عِلْم) : الضمير عائد على قولهم: (اتخذ الله ولَداً) . (ما على الأرضِ زِينةً لَها) : يعني ما يصلح للتزيّن، كالملابس، والمطاعم، والأ/شجار، والأنهار، وغير ذلك. (ما يعْبدونَ إلاَّ الله) : عطف على المفعول في " اعتزلتموهم "، أي تركتموهم وتركتم ما يعبدون من دون الله. وهذا الاستثناء متصل إن كان قومهم يعبدون الله ويعبدون معه غيره. ومنقطع إن كانوا لا يعبدون الله.

стр. 752

وفي مصحف ابن مسعود: وما يعبدون من دون الله. (ما يَعْلَمهم إلا قَليلٌ) : أكد عدة أصحاب الكهف. وقد قدمنا أن ابن عباس من ذلك القليل. (مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) . الضمير لجميع الخلق، أو للمعاصرين النبي ﷺ . وقرئ تشرك - بالتاء والجَزْم على النهي. وهو خَبَرٌ على القراءة بالياء والرفع. (ما أشْهَدْتهمْ) : الضمير للشياطين على وجه التحقير لهم، أو للكفار، أو لجميع الخلق، فيكون فيه رد المنجّمين وأهل الطبائع وسائر الطوائف المتَخَرِّصَة. (مَوْبِقاً: مهلكاً، وهو اسم موضع، أو مصدر من وَبَقَ الرجل إذا هلك، وقيل إنه من أودية جهنم. والضمير في (بينهم) للمشركين وشركائهم. (مَا أُنْذِرُوا هُزُوًا) : يعني العذاب، وما موصولة، والضمير محذوف تقديره: أنذروه، أو مصدرية. (مَوْعِدا) : قيل هو الموت. وقيل عذاب الآخرة. وقيل يوم بَدْر. (مَوْئِلاً) : أي مَنْجى، ويقال وَأل الرجل إذا نجا. ومنه قول علي ﵁ - وكانت درعه صَدراً بلا ظَهْر، فقيل له: لو أحرزت ظهرك. فقال: إذا وليْتُ فلا وألْتُ، أي إذا أمكنْتُ من ظهري فلا نَجْوت. (مَوْعِداً) . أي وقتاً معلوماً لهلاكهم. والمهْلَك - بضم الميم وفتح اللام: اسم مصدر من أهلك، فالمصدر على هذا مضاف للمفعول، لأن الفعل متعد. وقرئ بفتح اليم من هلك، فالمصدر على هذا مضاف للفاعل. (مَصْرِفاً) ، أي معدلاً ينصرفون إليه.

стр. 753

(مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ) : قيل: بحر فارس وبحر الروم بالمشرق. وقيل عند طنجة حيث يجتمع البحر المحيط والبحر الخارج منه، وهو الأندلس. وقيل العَذْب المالح. (ما كُنَّا نَبْغ) . أي نطلب فَقْدَ الحوت، لأنه أمارة على وجدان الخضْر ﵇. (ما فَعَلْتُه عن أمْرِي) : هذا دليل على نبوءة الخضر، لأن المعنى أنه لم يفعل ما فعل إلا بأمر من الله ووحيهِ. (مَكنّا لهُ في الأرْض) : يعني أنه ملك الدنيا ودانت له الملوك كلهم. (ما مَكنِّي فيه رَبّي خَيْر) . أي ما بسط الله لي من الملك خَير مِنْ خَرَاجكم، فلا حاجة لي به، ولكن أعينوني بقوة الأبدان وعمل الأيدي. (مَنْ كان يرْجُو لقَاءَ رَبِّه) : إن كان الرجاء هنا على بابه فالمعنى يرجو حُسْنَ لقاء ربه، وأن يلقاه لقاء رِضاً وقبول. وإن كان الرجاء بمعنى الخوف فالمعنى يخاف سوء لقاء ربه. (مَوَالِي) . أقاربي، وقد قدمنا أن الولى له سبعة معان. (مَرْيم) بنت عمران، ولم يذكر في القرآن من النساء إلا مريم لنكتة تقدمت في الكناية ومعناها بالعبرانية الخادم. وقيل المرأة التي تغازل الفتيان، حكاهما الكرماني في عجائبه. (مكانا قَصِيًّا) ، أي بعيداً، وإنما بعدت من قومها حياء منهم أن يظنوا بها الشر. (مَخَاض) : نفاس، وسمي مخاضا، لأن الولد يتحرك فيه للخروج.

стр. 754

(مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ) : لما رأت الآيات علمت أن الله سيُبَرِّئها فجاءت به من المكان القصي إلى قومها فعاتبوها بهذا الكلام. (مَهْد) : هو المعروف. وقيل المهد هنا حِجْرها. (مُبَاركاً) : من البركة. وقيل نَفَّاع، وقيل معلم للخير. واللفظ أعمُّ من ذلك. (ما تَدْعُون مِنْ دُونِ الله) : أي ما تعبدون. (مكانا عَلِيًّا) : قال ابن عباس: رفعه الله إلى السماء، وهناك مات. وفي حديث الإسراء أنه في السماء الرابعة. وقيل: يعني رفعة النبوءة وتشريف منزلته. والأول أشهر، ويرجِّحه الحديث. (مَلِيًّا) ، أي حيناً طويلاً، وعطف اهجرني على محذوف تقديره: احذر رجمي لك. (مَأتِيًّا) : وزنه مفعول، فقيل إنه بمعنى فاعل، لأن الوعد هو الذي يأتي. وقيل إنه على بابه، لأن الوعد هو الجنة، وهم يأتونها. (ما نَتَنَزَّلُ إلاَّ بِأمْرِ رَبِّك) : هذا حكاية قول جبريل حين غاب عن النبي ﷺ ، فقال له: أبطَأتَ عني، وقد اشتقتُك. فقال: إني أشوق إليك ولكني عَبْدٌ مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست، فنزلت هذه الآية. (ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَين ذلك وما كان ربك نَسِيّا) . هو فعيل من النسيان بمعنى الذهول. وقيل بمعنى الترك. ومعنى الآية: له ما قدامنا وما خلْفنا وما نحن فيها من الجهات والأماكن، فليس لنا الانتقال من مكان إلى مكان إلا بأمر الله. وقيل: ما بين أيدينا الدنيا إلى النفخة الأولى في الصور. وما خَلْفنا الآخرة، وما بين ذلك ما بين النفختين. وقيل: ما مضى من أعمارنا، وما بَقي منها، والحال التي نحن فيها، والأول أكثر مناسبة لسبب الآية.

стр. 755

(مَقَاما) : اسم مكان، مِنْ قام، وقرئ بالضم من أقام. ومعنى الآية: إن الكفار قالوا للمؤمنين: نحن خير منكم مقاماً أي أحسن حالاً في الدنيا، وأجل مجلساً، فنحن أكرم على الله منكم. (مَدًّا) ، أي إمهالاً. (مَرَدًّا) : أي مرجعا وعاقبة. (مَالاً ووَلَداً) : قائل هذه المقالة العاص بن وائل، قال: لئن بعثت، كما يزعم محمد، ليكونن لي هناك مال وولد. (ما أنزلنا عَلَيْكَ القرآنَ لتَشْقَى) : قيل: إن النبي ﷺ قام في الصلاة حتى تورَّمت قدماه، فنزلت الآية، تخفيفاً عنه. والشقاء على هذا: إفراط التعب في العبادة. وقيل: المراد به التأسّف على كفْر الكفار. واللفظ أعمّ من ذلك كله. والمعنى أنه نفى عنه جميع، أنواع الشقاء في الدنيا والآخرة، لأنه أنزل عليه القرآن الذي هو من أسباب السعادة. (مَآرِبُ أُخْرَى) . أي حوائج، واحدها مَأربة، وكانت عصاه تحادثه، وتؤانسه، وتضيء له بالليل، وتطعمه إذا جاع، ويركب عليها إذا أعياه الطريق (١) . (ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا موسى) : إنما سأله ليريه عِظَم ما يفعل في العصا مِنْ قَلْبها حيّة، فمعنى السؤال تقرير على أنها عصاً، ليتبين له الفرق بين حالها قبل أن يقلبها وبعد أن يقلبها. وقيل: إنما سأله ليؤنسه في الكلام. فإن قلت: لم سأله عن العصا وهو عالم بها، ولم يقل ما في يدك؟ والجواب تعليما للمعلم مع المتعلم، يسأله عن الشيء وهو عالم به، ولما تحيَّر موسى من هَيْبَةِ كلامِ خالقه آنسه، وانبسط معه، وتأدب موسى معه في إجمال الخطاب. ولعله اختصر له في الكلام رجاء أن يسمعه مرةً أخرى، وأعطاه الله العصا في يمينه، وسأله عنها، إشارة لك يا محمدي أن الله شرف موسى بالعصا.

стр. 756

(مَا يُوحَى) : إبهام يراد به تعظيم الأمر. (محبّةً مِنِّي) ، أي أحببتك. وقيل أراد محبة الناس حتى كان إبليس يحبّه (١) ، وكان لا يراه أحد إلا أحبه. وقيل أراد محبة امرأة فرعون ورحمتها له. وقوله: (مِنِّي) يحتمل أن يتعلق بقوله: (ألقيت) ، أو يكون صفة لـ (محبة) ، فيتعلق بمحذوف. (مَنْ يَكفلْه) : يعني يرَبِّيه، لأنه كان لا يقبل ثَدْي امرأةٍ، فطلبوا له مرضعةً، فقالت أخته ذلك ليرَدَّ إلى أمه. (معَنَا بني إسرائيل) : هذا من كلام موسى، طلب من فرعون أن يسرحهم، لأنهم كانوا تحت يده في المهنة، فكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله تعالى، وبتسريح بني إسرائيل. (مَنِ اتَّبَع الهدَى) : يعني به التحية أو السلامة. (ما بالُ القرون الأولى) : يحتمل أن يكون سؤال فرعون عن القرون الأولى محاجَّةَ ومناقضة لموسى، أي ما بالها لم تبْعَث كما زعم موسى، أو ما بالها لم تكن على دين موسى، أو ما بالها كذبت ولم يصبها عذاب كما زعم موسى في قوله: (إنَّ العذاب على مَن كذّب وتَولَّى) . ويحتمل أن يكون ذلك قطعاً للكلام الأول، وروغاناً عنه، وحيرة لما رأى أنه مغلوب بالحجة، ولذلك أضرب موسى عن الكلام في شأنها: (قال عِلْمها عند رَبّي في كتابٍ) ، يعني اللوح المحفوظ. (مَوْعِداً لا نخْلِفه) : يحتمل أن يكون اسم مصدر، أو اسم زمان، أو اسم مكان، ويدل على أنه اسم مكان قوله: (مَكاناً سُوًى) ، ولكن يضعّف بقوله: (موعدكُم يومُ الزّينة) ، لأنه أجاب بظرف الزمان. ويدل على أن الموعد اسم زمان قوله: يوم الزينة، ولكن يضعّف بقوله: (مكاناً سوًى) . ويدل على أنه اسم مصدر بمعنى الوعد قوله: لا نخلفه، لأن

стр. 757

الإخلاف إنما يوصف به الوعد لا الزمان ولا المكان، ولكن يضعّف ذلك بقوله: مكاناً، وبقوله يوم الزينة، فلا بد على كل وجه من تأويل أو إضمار. ويختلف قوله مكاناً باختلاف تلك الوجوه، فأما إن كان الوعد اسم مكان فيكون قوله موعداً ومكاناً مفعولين لقوله: اجعل، ويطابقه قوله يوم الزينة، من طريق المعنى لا من اللفظ، وذلك أن الاجماع في المكان يقتضي الزمان ضرورة، وإن كان الموعد اسم زمان فينتصب قوله مكاناً على أنه ظرف مكان، والتقدير كائناً في مكان. وإن كان الوعد اسم مصدر فينتصب مكاناً على أنه مفعول بالمصدر وهو الوعد، أو بالفعل من معناه، ويطابقه قوله: يوم الزينة على حذف مضاف. تقديره موعدكم وعد يوم الزينة. وقرأ الحسن يوم الزينة بالنصب، وذلك يطابق أن يكون الوعد اسم مصدر من غير تقدير محذوف. (مكاناً سُوًى) : معناه مُسْتَوِي القُرب منا ومنكم. وقيل معناه مستَوٍ في الأرض ليس فيه انخفاض ولا ارتفاع. وقرئ بكسر السين وضمها، والمعنى متفق. (ما غَشِيَهم) : إبهام لقصد التهويل، والضمير راجع إلى قوم فرعون حين تبعوا موسى في ألف ألف مرتين، فلما رآهم قوم موسى خافوا، وقالوا لموسى: (إنا لمدْرَكون) . فقال موسى: (إنَّ مَعِي رَبي سيَهْدِين) . وكذلك قال ﷺ لأبي بكر في الغار: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) . وكذلك قال الله لهذه الأمة: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) . فالذي قال: (إن الله معنا) ، نجا من شر الكفار، فكيف لا ينجو مَنْ قال الله لهم: إن الله معكم - من عذاب النار. فأوحى الله إلى موسى: (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) ، فمرّ موسى مع قومه، وجاء فرعون، ودخل البحر مع جنوده فأغرقهم الله أجمعين. وقيل: إن فرعون لما عاين العذاب أراد الإيمان في حال الغرق، فرفع جبريل الطين وجعله في فِيه حتى استغاث بجبريل سبعين مرة، فلم يُغِثه، فعاتبه الله، وقال

стр. 758

لجبريل: استغاث بك فرعون سبعين مرة فلم تغثه، وعِزَّتي وجلالي لو استغاث بي لأَغثته، وكذلك عاتب موسى لما استغاث به قارون فلم يغثه، فهنيئاً لك يا محمدى في استغاثتك بمولاك إن رجَعْتَ إليه أفَتَرَاه لا يغيثك؟!! ، وهو يقول: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) . (ما هَدَى) : الضمير يعود على فرعون لتقدّم الذكر له. فإن قيل: إن قوله: (وأضلَّ فرعون قومَه) ، يُغْنِي عن قوله: (وما هَدَى) . فالجواب أنه مبالغة وتأكيد. وقال الزمخشري: إنه تهكّم بفرعون في قوله: (وما أهْدِيكم إلَّا سبِيلَ الرَّشاد) . (ما أعْجَلَكَ عن قومك يا موسى) . قصص هذه الآية أن الله لما أمر موسى أن يسير ببني إسرائيل إلى الطور تقدم وحده مبادرة إلى أمر الله وطلباً لرضاه، وأمر بني إسرائيل أن يسيروا بعده، واستخلف عليهم أخاه هارون، فأمرهم السامريّ حينئذ بعبادة العجل، فلما وصل موسى إلى الطور دون قومه قال الله له: (وما أعجلك) ، الآية، فهذا السؤال على وجه الإنكار لتقدمه على قومه. وقيل: ليخبره بما صنعوا بعده من عبادة العجل، فاعتذر موسى بعذْرَين: أحدهما: أن قومه على أثره، أي قريب منه، فلم يتقدم عليهم بكثير يوجِبُ العتاب. والثاني: أنه إنما تقدم طلباً لرضاه، وغلبة المحبة، ولذلك لم يطق الصبر مع قومه. وهذا كان سبب مراجعته لرسول الله ﷺ حين قال له: ارجع إلى ربك، واسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك. ورحم الله القائل: "لعلّي أراهم أو أرى مَنْ يَراهم " (ما مَنَعَكَ إذ رأيْتَهم ضَلوا ألاَّ تَتّبِعَنِ) . هذا خطاب موسى

стр. 759

لهارون ﵉ لما رجع من الطور بعد كمال الأربعين يوماً التي كلّمه الله فيها، و (لا) زائدة للتأكيد. والمعنى ما منعك أن تتّبعني في المشي إلى الطور، أو تتَّبعتي في الغضب للَه وشدة الزّجْرِ لمَنْ عبدوا العجل وقتالهم بمن لم يعبده. (ما قَدْ سبَقَ) : يعني أخبار الأمم المتقدمين. (ما بَيْنَ أيدهم وما خَلْفَهم) : الضمير للخَلْق. والمعنى يعلم ما كان قبلهم، وما يكون بعدهم. وقال مجاهد: ما بين أيديهم الدنيا وما خلفهم الآخرة. (مَنْ أذِن له الرحْمَن ورَضِيَ له قَوْلاً) : مَنْ واقعة على الشافع، والمعنى لكن مَنْ أذن له الرحمن يشفع. (مَعيشة ضَنْكًا) ، أي ضيقة، فقيل إن ذلك في الدنيا، فإن الكافر ضيق المعيشة لشدة حِرْصه، وإن كان واسع الحال. وقال بعض الصوفية: لا يعرْض أحد عن ذكر الله إلا أظلم عليه وقْته وتكدّر عليه عيشه. وقيل ذلك في البَرْزَخ. وقيل في جهنم يأكل الزّقَّوم، وهذا ضعيف، لأنه ذكر بعد هذا يوم القيامة وعذاب الآخرة. (ما يَأتِيهم مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبّهم مُحْدَث) : الضمير عائد على المشركين من قريش، ويعني بالذكر القرآن، ومحدث: أي محدث النزول. (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) : لما قالوا: (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) الآيات. أخبرهم أن الذين من قبلهم طلبوا الآيات، فلما رأوها ولم يؤمنوا أهلكوا. ثم قال: (أفهم يُؤمنون) ، أي إن حالهم في عدم الإيمان وفي الهلاك كحال مَنْ قبلهم. ويحتمل أن يكون المعنى أن كل قرية هلكت لم تؤمن، فهؤلاء كذلك ولا يكون على هذا جواباً لقولهم: (فليَأتِنا بآيةٍ) ، بل يكون إخبارا مستأنفاً على وجه التهديد. وأهلكنا في موضع الصفة لقرية، والمراد أهل القرية.

стр. 760

(ما جَعَلنَاهم جَسداً لا يأكلون الطَّعَام) ، أي ما جعلنا الرسل أجسادا غير طاعمين، ووحّد الجسد لإرادة الجنس. ولا يأكلون الطعام صفة لجسد. وفي الآية ردّ على قولهم: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ) . (مَن نَشَاء) : يعني المؤمنين. (ما أرسلنا ... ) . الأنبياء: ٢٥، الآية رد على المشركين. والمعنى أنَّ كلَّ رسول إنما أتى بلا إله إلا الله، فكلمتهم واحدة، وفيها تصديق للحديث: "الأنبياء أولادُ عَلاّت أبوهم واحد وأمهاتهم مختلفة". (متَى هذا الوَعدُ إن كنْتُم صادِقين) : مرادهم القيامة أو نزول العذاب بهم. (مَنْ فَعلَ هَذَا) : هذا من قول قوم إبراهيم، وقبله محذوف تقديره: فرجعوا من عيدهم فرأوُا الأصنام مكسورة فقالوا: مَنْ فعل هذا. (ما هؤلاء يَنْطِقُون) : لما رجعوا إلى أنفسهم بالفكرة والنظر، قالوا لإبراهيم: لقد علمتَ عدم نُطْقهم، فكيف تأمرنا بسؤالهم، فقد اعترفوا بأنهم لا ينطقون، وهم مع ذلك يعبدونهم، فهذا غاية الضلال في فعلهم، وغايةُ المعاندة والمكابرة في جِدَالهم. (مَسَّنِيَ الضّر) : هذا من كلام في الله أيوب حين سلط الله عليه البلاء، فخاف على ذهاب قَلْبِه، إذ هو موضع المعرفة. فإن قلت: قد وصفه اللهُ بالصبر في قوله تعالى: (إنا وجَدْنَاهُ صابِراً) ، وقَرَنه بنون العظمة فما بال قوله: (مَسَّنِيَ الضرُّ) ؟ فالجواب أن قوله: (مَسَّنِيَ) ليس تصريحا بالدعاء، ولكنه ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، ووصف ربه بغاية الرحمة ليرحمه، فكان في ذلك من حسن التلطّف مما ليس في التصريح بالطلب.

стр. 761

وقيل غير هذا من الجواب أعرضنا عنه لطوله. وفي الآية إشارة إلى الرجوع إلى الله في رَفْعِ المحن والشدائد، ولذا طلب موسى لغيره (جَذْوةً لعلهم يصطلون) ، فأوصله الله بالوادي القدس، وطلب الخَضر لغيره فأوصله الله لعَيْن الحياة، فلا تنس أيها الناظر في هذا الكتاب الدعاء لموصّله إليك من غير كلفة، ولك مثله، كما ورد في الحديث، وأسأله سبحانه أن يفرّج عنّا كربَ الآخرة، إذ لا يفرجها غيره سبحانه، وتأمل إلى نداء أيوب ربَّه بما يوافق حاله ويقتضيه مقامه وهو الرحمة، فاستجاب له ورحمه. روي أن الله أنبع له عينا من ماء، وأمره بالشرب منها، فبرئ باطنه واغتسل منها فبرئ ظاهِره، ورُدَّ إلى أكمل جماله، وأتي بأحسن الثياب. وكانت امرأته غائبة عنه في بعض شأنها، فلم تره في موضعه الذي تركته فيه. فجزعت وظنت أنه نقل منه، وجعلت تتولّه، فقال لها: ما شأنك أيتها المرأة فهابته لحسْن هيئته وجمال منظره، وقالت: فقدتُ مريضاً كان لي هنا، ومعالِم المكان قد تغيرت، وتأملت إلى مقاله فعرفته، وقالت: أنت أيوب! قال: نعم، واعتنقها وبكى، ولم يفارقها حتى أراه الله جميع ماله حاضرا بين يديه بعدما فقده. وروي أن امرأته ولدت بعْد ستة وعشرين ابنا، وإلى هذه الإشارة بقوله تعالى: (وآتيْنَا أهْلَه ومثْلَهمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا) . وإنما وصف الرحمة بالعِنْدية في هذه الآية لأنه بالغ في التضرع والدعاء، فقابله سبحانه بالمبالغة، لأن لفظ " عندنا " حيث جاء يدل على أنه سبحانه يتولَّى ذلك من غير واسطة. ولما بدأ القصة في (ص) بقوله تعالى: (واذكر عَبْدَنا) ، ختم بقوله: (مِنَّا) ، ليكون آخر الآية مطابقاً لأول الآية. (ما همْ بِسُكَارَى) : نَفْيٌ لحقيقة السكر، وقرئ سَكْرى، والمعنى متفق.

стр. 762

(مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) . نزلت - في قوم من الأعراب كان أحدهم إذا أسلم فاتفّق له ما يعجبه في ماله وولده قال: هذا دين حسن، وإذا اتفق له خلاف ذلك تشاءم به وارتد عن الإسلام، فالحرف هنا كناية عن القلق والاضطراب. وأصله من الانحراف عن الشيء، أو من الحرف بمعنى الطرف. أي أنه في طرف من الدين لا في وسطه. (ما لا يَضرّه) : يعني الأصنام، و (يَدْعو) بمعنى يعبد في الموضعين. فإن قلت: قد وصف الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، ثم وصفها بأن ضرها أقرب من نفعها، فنفى الضر ثم أثبته؟ والجواب أن الضرّ المنفي أوّلاً يراد به ما يكون من فعلها، وهي لا تفعل شيئاً. والضر الثاني يراد به ما كان يكون بسببها من العذاب وغيره. فإن قلت: ما بال اللام دخلت على (مَنْ) في قوله: (لمن ضَرّه) ، وهي في الظاهر مفعول، واللام لا تدخل على المفعول؟ وأجاب الناس عن ذلك بثلاثة أوجه: أحدها أن اللام مقدمة على موضعها، كأن الأصل أن يقول: يدْعو لَمَنْ ضَرّه أقرب من نَفْعه، فموضعها الدخول على المبتدأ. وثانيها أنَّ (يدعو) هنا كرر تأكيداً ليدعو الأول، وتم الكلام، ثم ابتدأ قوله: لمن مبتدأ وخبره لبئس المولى. وثالثها أنَّ معنى يدعو: يقول يوم القيامة إذا رأى مضرَّة الأصنام، فدخلت اللام على مبتدأ في أول الكلام. (مَا يَغِيظ) : يعني إذا خنق نفسه فلينظر هل يذهب به ما يغيظه من الأمر، أو ليس يذهب،

стр. 763

(مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرضِ) : دخل في هذا مَنْ في السموات من الملائكة ومَنْ في الأرض من الملائكة والجنّ، ولم يدخل الناس في ذلك، لأنه ذكرهم في آخرها على وجه التحديد. وليس المراد بالسجود في هذه الآية السجود المعروف، لأنه لا يصح في حق الشمس والقمر وما ذكِر بعدهما، وإنما المراد به الانقياد. ثم إن الانقياد يكون على وجهين: أحدهما: الانقياد لطاعة الله طَوْعاً، والآخر الانقياد لما يُجرِي الله على المخلوقات من أفعاله وتدبيره شاءوا أو أبَوا. (مَنْ يهنِ الله فما له مِنْ مكرِم) ، لأنه المعز المذِلّ الذي يفعل الأشياءَ لغير غرض، فلو اجتمع الثّقَلانِ على رَفْع عبدٍ أراد الله وَضْعه لم يقدروا، وبالعكس، والعيان يشهد لذلك. (مكان البَيتِ) : موضعه، وذلك أنَّ الله دَرَس البيتَ الحرام في الطوفان، فدل الله إبراهيم على مكانه، وأمره ببنائه، كما قدمنا. (مَنَافِعَ لهم) : التجارة. وقيل أعمال الحج وثوابه، واللفظ أعمّ من ذلك. (ما يُتْلَى عَلَيْكمْ) : يعني ما حرّمه في غير هذا الموضع، كالميتة. (مَنَافِع) : من قال إن شعائر الله هي الهدايا، فالمنافع بها شرب لبنها، وركوبها لمن اضطر إليها، والأجل المسمى نَحْرُها، ومَنْ قال إن شعائر الله مواضع الحج فالمنافع التجارة فيها أو الأجر، والأجل المسمَّى الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة. (مَحِلّها إلى البيت العَتِيق) : من قال إن الشعائر الهدايا فمحلّها موضع نحرها وهو منى، ومكة، وخص البيت بالذكر، لأنه أشرف الحرم، وهو المقصود بالهَدْي، و (ثمَّ) على هذا القول ليست للترتيب في الزمان، لأن محلها قبل نحْرها، وإنما هي لترتيب الجمل.

стр. 764

ومن قال إن الشعائر مواضع الحج فمحلّها مأخوذ من إحلال المحْرِم، أي آخر ذلك كله الطواف بالبيت، يعني طواف الإفاضة، إذ به يحِلّ الحرم من إحرامه. (مَنْسَكًا) ، أي موضعاً للعبادة. ويحتمل أن يكون اسم مصدر، بمعنى عبادة. والمراد بذلك الذبائح، لقوله تعالى: (ليَذْكُروا اسْمَ اللهِ على ما رزَقَهمْ مِنْ بهيمةِ الأنْعَام) ، بخلاف ما يفعل الكفار من الذبائح تقرباً إلى الأصنام. (مَنْ يَنْصُرُه) : الضمير عائد على الله. والمعنى إنَّ اللهَ ينصر من ينصر دينَه وأولياءه، وهو وعْدٌ تضمَّن الحض على القتال. (مَشِيد) : أي مبنيّ بالشِّيد وهو الجص. وقيل المشيد المرفوع البنيان، وكان هذا القصر بقيةً من بقايا ثمود. (مَكنَّاهم في الأرض) ، المراد بهم أمةُ محمد ﷺ ، مكنَهم اللَه في أرضه. وقيل الصحابة. وقيل الخلفاء الأربعة، لأنهم الذين مكنوا في الأرض بالخلافة، وفعلوا ما وصفهم الله به في الآية. (مَنْ عاقَب بمثْلِ ما عُوقِبَ به) : قد قدمنا في آية النحل: أن هذا من معنى التجوّز، ولكن وعد في هذه الآية بالنصر لمن بغي عليه. فإن قلت: أي مناسبة لختم هذه الآية بالعفو والمغفرة؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن في ذكر هذين الوصفين إشعاراً بأن العفو أفضل من المعاقبة. كما قدمنا، فهو حضّ عليه. والثاني: أن في ذكرهما إعلاماً بعَفْوٍ عن المعاقب حين عاقب، ولم يأخذ بالعفو الذي هو أولى.

стр. 765

(مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ) : يعني علماً ضرورياً، فنفى أولاً البرهان النظري، وهو المراد بالسلطان، ثم العلم الضروري، وليس اللفظ بظاهر في هذا المعنى، بل الأحسن نفي العلم الضروري والنظريّ معاً. (مَوْلاَكم) ، أي وليُّكم وناصركم بدلالة ما بعد ذلك. (مَكِين) : متمكّن، والمراد به رحم المرأة. (ما كنَّا عن الخَلْقِ غافِلين) : يحتمل أن يريد بالخلق المخلوقين، أو المصدر. (ماءً بقَدَرٍ) : يعني المطر الذي ينزل من السماء، فتكون منه العيون والأنهار. وقيل يعني أنهاراً، وهي النيل والفرات ودجْلَة وسيْحَان. ولا دليل على هذا التخصيص. ومعنى بقَدَر: بمقدار معلوم لا يزيد عليه ولا ينقص عنه. (ما هذا إلا بَشَرٌ مِثْلكم) المؤمنون: هذا الكلام من قوم نوح لما قال لهم: إني رسول الله إليكم - استبعدوا أن تكون النبوءة لبشر، وأثبتوا الربوبية لحَجَر. (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) . أي بمثل ما دعَوْتم إليه من عبادة الله، وهذا يدل على أنه كان قبل نوح فترة طويلة بينه وبين إدريس ﵉. (ما اسْتَكَانوا لرَبِّهم وما يَتَضرَّعون) : قال بعض النحاة: استكان مشتق من السكون ووَزْنه افتعلوا مطّت فتحة الكاف فحدث عن مطها ألف، وذلك كالإشباع. وقيل إنه من كان يكون فوزْنُه استفعلوا. ومعنى الآية نفي التضرّع والتذلل. فإن قلت: هَلاَّ قال: فما استكانوا وما تضرعوا، أو ما يستكينون وما يتضرعون، باتفاق الفعلين في الماضي أو في الاستقبال؟

стр. 766

فالجواب أن ما استكانوا عند العذاب الذي أصابهم، وما يتضرعون حتى يفتح عليهم بابَ عذاب شديد، فَنْفى الاستكانة فيما مضى ونفي التضرع في الحال والاستقبال. (ما تَشْكرون) : ما زائدة، وقليلاً: صفة لمصدر محذوف، تقديره شكراً قليلاً تشكرون، وذكر السمع والأبصار والأفئدة وهي القلوب، لعظيم المنافع التي فيها، فيجب شكر خالقها، ومِنْ شُكره توحيدُه واتباعُ رسوله ﵇، ففي ذكرها تعديد نعمه. (ما قَال الأوَّلون) : أي قالت قريش مثل قول الأمم المتقدمة، ثم فَسّر قولهم بإنكارهم للبعث بقولهم: (لقد وُعِدْنَا نحن وآباؤنا) . (مَنْ فيها) : الضمير يعود على الأرض المتقدمة الذِّكر، وأمر الله في هذه الآية رسولَه أن يوقفهم على أمورٍ لا يمكنهم إلا الإقرار بها، وإذا أقَرّوا بها لزمهم توحيدُ خالقها والإيمان بالدار الآخرة. (مَلَكوتُ) : مصدر في بنائه مبالغة، وقد قدمنا أنه الملك بلسان القبط. (ما مَلَكَتْ أيْمانُهنَ) : دخل في ذلك الإماء المسلمات والكتابيات. وأما العبيد ففيهم ثلاثة أقوال: مَنْعُهم لرؤية سيدتهم، وهو قول الشافعي. والجَوَاز، وهو قول ابن عباس وعائشة. والجواز بشرط أن يكون العبْد وَغْداً، وهو مذهب مالك. (مثَلاً مِنَ الذين خَلَوْا مِنْ قبلكم) : يعني ضرب لكم الأمثال بمَنْ كان قبلكم في تحريم الزنى، لأنه حرام في كل مِلّة، أو في براءة عائشة كما برّأ يوسف ومريم. (مَثَل نُورِه) : الضمير عائد على نور مولانا ﷻ .

стр. 767

والنور يطلق حقيقة على الضوء الذي يدرك بالأبصار، ومجازاً على المعاني التي تُدرك بالقلوب، والله ليس كمثله شيء. وقيل الضمير عائد على المؤمن. وقيل على القرآن. وهذه الأقوال كلها ضعيفة، لأنه لم يتقدم ما يعود عليه الضمير. فإن قلت: كيف يصح أن يُقال (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، فأخبر أنه هو النور، ثم أضاف النورَ إليه في قوله: (مَثَلُ نوره) ، والمضاف غير المضاف إليه؟ فالجواب أن ذلك يصح مع التأويل الذي قدمناه: أي الله مُنوِّر السماوات والأرض. أو كما تقول: زيد كريم، ثم تقول يعيش الناس بكرمه، فإن كان معنى نور السماوات والأرض النور المدرك بالأبصار فمعناه أن الله خلق النورَ فيهما من الشمس والقمر والنجوم. أو أنه خلقهما وأخرجهما من العدم إلى الوجود، فإنما ظهرت به كما تظهر الأشياء بالضوء. ومن هذا المعنى قرأ علي بن أبي طالب "نَوَّرَ السماوات والأرض" - بفتح النون والواو والراء مع تشديد الواو، أي جعل فيهما النور. وإن أراد بالنور المدرك بالقلوب، فمعنى (نور السماوات والأرض) : أي جاعل النورِ في قلوب أهل السماوات والأرض، ولذلك قال ابن عباس: معناه هادِي أهْلِ السماوات والأرض. (مَنْ يُطِعِ اللهَ ورسولَه) الآية. قال ابن عباس: معناه منِ يطع الله في فرائضه، ورسولَه في سُننه، ويخشى الله فيما مضى من ذنوبه، ويتّقِيه فيما يستقبل. وسأل بعض الملوك عن آية كافية جامعة فذكرت له هذه الآية، وسمعها بعض بَطَارِقة الروم فأسلم، وقال: إنها جمعَتْ كل ما في التوراة والإنجيل. (ما مَلَكتُم مَفَاتِحه) : يعني أن الله أباح للوكلاء والأجراء والعَبيد الذين يمسكون خزائن الأموال. وقيل المراد ما ملك الإنسان من خَزائن نفسِه، وهذا ضعيف.

стр. 768

(ما أنْتم عَلَيْه) : هذا خطاب لجميع المنافقين خاصة، وفيه معنى الوعيد والتهديد لدخول (قد) عليه. وقيل معناها التقليل على وجه التهكم. (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ) : هذا من كلام قريش طعناً على نبينا ومولانا محمد ﷺ ، كما قيل لنوح، فرد الله عليهم بقوله: (وما أَرْسلْنا قَبْلَك مِنَ المرسلين) . وإقرارهم برسالته بلسانهم دون قلوبهم على وجه التهكم، كقول فرعون: (إن رَسُولَكم الَّذِي أرْسِلَ إليكم لمجنون) . أو يعنون الرسول بزَعْمِه. (مَكَانا ضيِّقًا) : يضيّق عليهم زيادة في عقابهم، ولهذا كان ضرس الكافر أو نابه مثل أحُد، فانظر كيف يكون حال من ضيّق عليه، وعظم جرمه! نسأل الله العافية. (مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ) . يعني نعمك التي أنعمت عليهم كانت سببا لنسيانهم لذكرك وعبادتك. والقائلُ لذلك هم المعبودون، قالوا على وجه التبرّي ممن عبدهم، كقولهم: أنْتَ وليّنا. والمراد بذلك توبيخ الكفار يومئذ، وإقامة الحجة عليهم. (مَنْ يَظْلِمْ منكم) : الخطاب للكفار. وقيل للمؤمنين. وقيل على العموم. (ما عَمِلُوا مِنْ عَمَل) : الخطاب للمجرمين، يعني أن الله قصد إلى أعمالهم التي عملوها من إطعام مسكين أو صِلَة رَحِم أو غير ذلك فنثرها ولم يقبلها، فلفظُ القدوم في الآية مجاز. وقيل هو قدوم الملائكة، أسنده إلى نفسه، لأنه عن أمره. (مَحْجوراً) : قد قدمنا أن معناه حراماً محرماً، يعني

стр. 769

الملائكة يقولون للمجرمين: لا بشْرى لكم، وإنما هو حراماً محرماً عليكم، وإن كان الضمير للمجرمين فالمعنى أنهم يقولون حِجْراً بمعنى عوذاً، لأن العرب كانت تتعوّذ بهذه الكلمة إذا رأت ما تكره. وانتصابه بفعل متروك ظاهرهُ، نحو: معاذ الله. (مَقِيلاً) : هو " مفْعلاً "، من النوم في القائلة، وإن كانت الجنة لا نوم فيها، ولكن جاء على ما تتعارفه العرب من الاستراحة وقت القائلة في الأمكنة الباردة. وقيل إنَّ حساب الخلق يكمل في وقت ارتفاع النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. (مع الرسول سَبِيلاً) : يحتمل أن يكون نبينا ومولانا محمداً ﷺ أو اسم جنس على العموم. (مَهْجُوراً) : من الهجْر، بمعنى البعد والتَّرْك، وقيل: من الهُجْر - بضم الهاء، أي قالوا فيه الهُجْر حين قالوا إنه شاعر وساحر، والأول أظهر. (مَدَّ الظِّلَّ) : قيل مدّة من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لأن الظل حينئذ على الأرض كلها، واعترضه ابنُ عطية بأن ذلك الوقت من الليل ولا يُقال ظل بالليل. واختار أن مَدّ الظل ما بين أول الإسفار إلى طلوع الشمس وبعد مغيبها بيسير. وقيل مدّ الظل، أي جعله يمتدّ وينبسط. (مَرَجَ البَحْرَينِ) : اضطرب الناس في هذه الآية، لأنه لا يعلم في الدنيا بحر ملح وبحر عَذْب، وإنما البحار المعروفة ماؤها ملح، فقال ابن عباس: أراد بالبحر الملح الأجَاج بح الأرض، وبالبحر العذب: الفرات. وقيل بحر السحاب، وقيل البحر المالح المعروف، والبحر العذب مياه الأرض من الأنهار والعيون، ومعنى الفرات البالغ العذوبة، حتى يقرب إلى الحلاوة. والأجاج نقيضه.

стр. 770

واختلف في معنى مرجِهما، فقيل جعلهما متجاورين متلاصقين. وقيل: سال أحدهما في الآخر. وأما قوله تعالى: (وخلق الجانَّ مِنْ مَارجٍ مِن نار) . فمعناه أنه خلق إبليس من اللهب المضطرب من النار. (ما الرَّحْمَنُ) : لما ذكر الرحمن في القرآن أنكرَتْه قريش، وقالوا: لا نعرف الرحمن. وكان مسَيْلمة الكذَّاب قد تسمى بالرحمن، فقالوا على وجه المغالطة: إنما الرحمن الرجل الذي باليمامة. (مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ يلْقَ أثَاماً) : أي عقاباً، وقيل الأثام الإثم، فمعناهُ يلْقَ جزاء أثام. وقيل الأثام وادٍ في جهنم. والإشارة بقوله ذلك إلى ما ذُكر من الشرك باللهِ، وقَتْل النفس بغير حق، والزنى. (من تاب) : إن قلنا إن الآية في الكفار فلا إشكال فيها، لأن الكافر إذا أسلم صحَّت توبَتُهُ من الكفر والقَتْل والزنى. وإن قلنا: إنها في المؤمنين فلا خلافَ أنَّ التوبةَ من الزنى تصح. واختلف هل تصح توبة المسلم من القتل أم لا. (مَتَاباً) : مقبولاً مرضيّاً عند الله، كما تقول: لقد قلت يا فلان قولاً، أي قولاً حسناً. (مَرّوا باللَّغْوِ مَرّوا كِرَاما) : اللغْوُ هو الكلام القبيح على اختلاف أنواعه، ومعنى مَرّوا كراماً: أعرضوا عنه واستحيوا، ولم يدخلوا مع أهله، تنزيهاً لأنفسهم عن ذلك. (مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) : يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية، وفي معنى الدعاء هنا ثلاثة أقوال: أحدها: لا يُبَالي الله بكم لولا عبادتكم له، فالدعاء بمعنى العبادة، وهذا قريب من معنى قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) .

стр. 771

وقال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) . الثاني: أنَّ الدعاء بمعنى الاستغاثة والسؤال، والمعنى لا يُبَالي الله بكم، ولكن يرحمكم إذا استغَثْتم به ودعوتموه، ويكون على هذين القولين خطاباً لجميع الناس من المؤمنين والكافرين، لأن فيهم من يعبد الله ويدعوه. أو خطاباً للمؤمنين خاصة، لأنهم هم الذين يعبدون الله ويدعونه، ولكن يضعف هذا بقوله: (فقد كذَّبْتم) . الثالث: أنه خطاب للكفار خاصة. والمعنى على هذا: ما يَعْبَأ بكم رَبي لولا أنه يدعوكم إلى دِينه، والدعاء على هذا - بمعنى الأمر بالدخول في الدين. وهو مصدر مضاف إلى الفاعل. (مَعَكمْ) : خطاب لموسى وأخيه ومن كان معهما، أو على جعل الاثنين جماعة. (مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا) : إنما سألهم الخليل ﷺ مع علمه أنهم يعبدون الأصنام ليبَيِّن لهم أن ما يعبدونه ليس بشيء، ويُقيم عليهم الحجة. فإن قلت: لم صرّحوا بقولهم نعبد مع أن السؤال يُغني عن التصريح بذلك. وقياس مثل هذا الاستغناء بدلالة السؤال كقوله: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) ؟ فالجواب أنهم صرحوا بذلك على وجه الافتخار والابتهاج بعبادة الأصنام. ثم زادوا قولهم: (فنظلّ لها عَاكِفين) - مبالغة في ذلك. (مَنْ أتى اللهَ بقَلْبٍ سَلِيم) . أي من الشرك والمعاصي. وقيل الذي يلقى به ربه وليس في قلبه شيء غيره. وقيل بقلبْ لديغ من خشيته، والسليمُ اللديغ لغة. وقال الزمخشري: هذا من بدع التفاسير، وهذا الاستثناء

стр. 772

يحتمل أن يكون متصلاً فيكون من أتى الله مفعولاً بقوله لا ينفع. والمعنى على هذا: المال لا ينفع إلا من أنفقه في طاعة الله، وإن البنين لا ينفعون إلا مَنْ علمهم الدين، وأوصاهم بالحق. ويحتمل أيضاً أن يكون متصلاً ويكون قوله: (من أتى الله) بدلاً من قوله: (مالٌ وبنون) ، على حذف مضاف تقديره إلا مال مَنْ أتى الله وبنوه. ويحتمل أن يكون منقطعاً بمعنى لكن. (ما أضَلَّنَا إلاَّ المجرِمون) : يعنون كبراءهم وأهل الحَزْم والجرْأة منهم. (ما أنا بِطَارِدِ المؤمنين) . لما طلب قوم نوح منه أن يطرد الأراذل في زَعْمهم أعرض عنهم، وجاوبهم بهذا، وكذلك قريش طلبوا من رسول الله ﷺ أن يطرد الضعفاء من مجالسته كبلال، وعمَّار، وصهيب. (مَرْجومين) : إما بالحجارة، أو بالقول والشتم. والأول أظهر، لأنه صح عنهم أنهم كانوا يرجونه حتى أن صبياً كان على عاتق والده، فلما رأى نوحاً قال له ألقني، فأخذ حجراً من الأرض ورماه به، فحينئذٍ دعا عليهم، وقال: (رَبِّ لا تذَرْ على الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً) . والرجم بمعنى القتل أيضاً. (مَشْحون) : مملوء. ومعناه أن الله تعالى لما أراد هلاك قوم نوح جاءه جبريل، وأمره أن يتَّخذ الفلك قال: كيف أصنعه، قال: انحت مائة ألف وأربعة وعشرين ألف لوح، فصار ينحتهم ويجدُ على كل لوح اسم نبيء. فقال نوح: يا رب، ما هؤلاء، فقال الله له: انحتها وأظهر أسماءهم عليها. فنحتها وظهر له على كل لوح اسم نبيء من آدم إلى نبينا ومولانا محمد ﷺ ، ثم أمره أن يتَّخذ على عددهم دسُرًا، ويضم الألواح بعضها إلى بعض، ففعل، فكلما مرّ عليه مَلأ من قومه سخروا منه. فلما ضم الألواح قالوا له: ما هذا، قال: سفينة النجاة. فقالوا: وأين البحر، فقال: يأتي الله به (١) .

стр. 773

وفي الخبر أنه احتاج إلى أربعة ألواح، فقال له جبريل: انحتها فنحتها وظهر على الأول أبو بكر، وعلى الثاني عمر، وعلى الثالث عثمان، وعلى الرابع عليٌّ، فقال نوح: مَنْ هؤلاء، قال الله له: هم أصحاب حبيبي وصَفِييِّ وخيرتي من خلقي، ينصرونه ويبذلون مهجهم دون مهجته، فهم عندي بمنزلة الأنبياء (١) . فلما ظهرت هذه الأسماء الكرام أنجى الله بها أصحاب نوح ﵇. فالذي يحبهم ويصلي عليهم أولى بالنجاة من الآلام. (مَصَانِع) : جمع مصنع، وهو ما أتقن صنعه من المباني. وقيل: مآخذ الماء. (مَتَّعْنَاهمْ سنِين) : يراد به عمر الدنيا. والمعنى أن مدةَ إمهالهم لا تغْني مع نزول العذاب بعدها وإن طالت مدةَ سنين، لأن كل ما هو آت قريب. (مَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ) . الضمير للقرآن، وهذا ردّ على مَنْ قال إنه كهانة نزلت الشياطين به على نبينا ومولانا محمد ﷺ . وأنى لهم بالوصول إلى ذلك!. ولفظة (ما ينبغي) تارة تستعمل بمعنى لا يمكن، وبمعنى لا يليق. وإذا منعوا من استراق السمع عند مبعثه ﷺ فكيف يستطيعون الكهانة. (ما ظُلِموا) : في هذا إشارة إلى ما قاله حسّان بن ثابت وغيره من الشعراء في هَجْو الكفار بعد هجوهم لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، فأباح الله لهم الانتصار، حتى قال ﷺ لحسان: كيف تهجو قريشاً وأنا منهم. فقال: لأسلَّنَّكَ منهم سلَّ الشَّعْرةِ من العَجِين. (مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) . يعني في مكان النار ومَنْ حول مكانها، يريد الملائكة الحاضرين وموسى ﵇. قال الزمخشري: الظاهر أنه عام في كل مَنْ كان في تلك الأرض وفي ذلك الوادي وما حوله من أرض الشام.

стр. 774

(مَنْ ظَلَم) ، تقديره: لكن مَنْ ظلم مِنْ سائر الناس لا من المرسلين. وقيل متصل على القول بتجويز الذنوب على الأنبياء، وهذا بعيد، لأن الصحيح عصْمتهم من الذنوب. وأيضاً تسميتهم ظالمين شنيع على القول بتجويز الذنوب عليهم. (مَكثَ غَيْرَ بَعِيد) ، أي أقام زماناً قريباً. ويجوز فتح الكاف وضمها، وبالفتح قرأ عاصم. ويحتمل أن يكون مسنداً إلى سليمان أو إلى الهدْهد، وهو أظهر. (ماذا يَرْجِعون) : من قوله: (يَرْجع بعضُهم إلى بَعْض الْقَولَ) . (ما شَهدْنا مَهْلِكَ أهْله) : الضمير راجع إلى قوم صالح، وذلك أنهم اجتمعوا وتشاوروا في قتله، فقالوا نسافر إلى أرضٍ، ثم نرجع خفية من الناس، ونقتل صالحاً، ثم نحلف مائة عند أقربائه إنا ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلاً. (مكروا مَكْرا ومَكَرْنَا مَكْراً) : هذا على جهة المشاكلة كما قدمنا مراراً، وذلك أنهم أرادوا المكر بصالح، والله أراد المكر بهم والنجاة بصالح. روِي أنهم لما قتلوا الناقة قال لهم صالح: (تمتّعُوا في داركم ثلاثة أيام) ، وعلامةُ ذلك أن تكون وجوهكم في اليوم الأول حمر، وفي الثاني صفر، وفي الثالث سود، فلما رأوا هذه العلامة قالوا نقتل صالحاً كما قتلْنَا الناقة، فقصدوا إلى داره في اليوم الرابع، وكان يومٍ الأربعاء، فأخذ جبريل ﵇ بسور البلد وزَلْزَلَه، وصاح عليهم صيْحة ماتوا منها بأجمعهم. وقيل: إن الرهط الذين تقاسموا على قَتْله اختفوا ليلاً في دارٍ قريبة من داره

стр. 775

ليخرجوا منها لقَتْله بالليل، فوقعت عليهم صخرة أهلكتهم، ثم هلك قومهم بالصَيْحَة، ولم يعلم بعضهم بهلاك بعض، ونجا صالح ومن آمن به. فإن قلت: عذَّب الله من قتل الناقة ولم يعذب من قتل الحسين؟ فالجواب كانت الناقة سببَ الفتنة لقوم صالح، لأنهم طلبوها، وعادة الله سبحانه هلاكهم من طلب آية ولم يؤمن العذاب. والحسين وَلد مَنْ أرسل رحمة للعالمين، وفي ذلك الزمان كانت أبواب العذابِ مفتوحةً، وفي زمان الحسين مغلوقة، ألا ترى أن قوم صالح لم ينْفَعْهم الندم على قتلها، وهذه الأمّة مرحومة بمن هو رحمة للعالمين، اللهم كما أرسلته لنا رحمة، فرفعتَ به العذاب عن جميع الخلائق، لا تحرمنا منها، أقسمت عليك بجاهه عندك، فإنه قال: إذا سألتم اللَه فاسألوه بجاهي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كلما ذكرك وذكره الذاكرون، وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون صلاة وسلاماً دائمين بدوامك باقيين ببقائك، لا منتهى لهما دون علمك، إنك على كل شيء قدير. (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) : سبب نزول هذه الآية أنَّ قريشاً سألوه ﷺ متى الساعة، فأخبره الله بعدم علمها، ولذلك قالت عائشة ﵂: مَنْ زعم أنَّ محمداً يعلم الغيب فقد أعظم الفِرْية على الله. فإن قلت: قد أخبر بكثير من المغيّبات، فوقعت على حسب ما أخبر به. وذلك معدود في معجزاته؟ والجواب أنه ﷺ بيّن ذلك بقوله، إني لا أعلم الغيب إلا ما علمني الله، اقرؤوا إن شئتم: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) . فإن قلت: قد ظهر من أخبار الكهّان والمنجمين ما وقع وصدقهم؟ والجواب أن إخبارهم بذلك عن ظن ضعيف، أو عن وَهْم، لا عن علم،
следующие страницы →