وقال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) .
الثاني: أنَّ الدعاء بمعنى الاستغاثة والسؤال، والمعنى لا يُبَالي الله بكم، ولكن
يرحمكم إذا استغَثْتم به ودعوتموه، ويكون على هذين القولين خطاباً لجميع الناس من المؤمنين والكافرين، لأن فيهم من يعبد الله ويدعوه.
أو خطاباً للمؤمنين خاصة، لأنهم هم الذين يعبدون الله ويدعونه، ولكن يضعف هذا بقوله: (فقد كذَّبْتم) .
الثالث: أنه خطاب للكفار خاصة.
والمعنى على هذا: ما يَعْبَأ بكم رَبي لولا أنه يدعوكم إلى دِينه، والدعاء على هذا - بمعنى الأمر بالدخول في الدين.
وهو مصدر مضاف إلى الفاعل.
(مَعَكمْ) :
خطاب لموسى وأخيه ومن كان معهما، أو على جعل الاثنين جماعة.
(مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا) :
إنما سألهم الخليل ﷺ مع علمه أنهم يعبدون الأصنام ليبَيِّن لهم أن ما يعبدونه ليس بشيء، ويُقيم عليهم الحجة.
فإن قلت: لم صرّحوا بقولهم نعبد مع أن السؤال يُغني عن التصريح بذلك.
وقياس مثل هذا الاستغناء بدلالة السؤال كقوله: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) ؟
فالجواب أنهم صرحوا بذلك على وجه الافتخار والابتهاج بعبادة الأصنام.
ثم زادوا قولهم: (فنظلّ لها عَاكِفين) - مبالغة في ذلك.
(مَنْ أتى اللهَ بقَلْبٍ سَلِيم) .
أي من الشرك والمعاصي.
وقيل الذي يلقى به ربه وليس في قلبه شيء غيره.
وقيل بقلبْ لديغ من خشيته، والسليمُ اللديغ لغة.
وقال الزمخشري: هذا من بدع التفاسير، وهذا الاستثناء
стр. 772
يحتمل أن يكون متصلاً فيكون من أتى الله مفعولاً بقوله لا ينفع.
والمعنى على هذا: المال لا ينفع إلا من أنفقه في طاعة الله، وإن البنين لا ينفعون إلا مَنْ علمهم الدين، وأوصاهم بالحق.
ويحتمل أيضاً أن يكون متصلاً ويكون قوله: (من أتى الله) بدلاً من قوله: (مالٌ وبنون) ، على حذف مضاف تقديره إلا مال مَنْ أتى الله وبنوه.
ويحتمل أن يكون منقطعاً بمعنى لكن.
(ما أضَلَّنَا إلاَّ المجرِمون) :
يعنون كبراءهم وأهل الحَزْم والجرْأة منهم.
(ما أنا بِطَارِدِ المؤمنين) .
لما طلب قوم نوح منه أن يطرد الأراذل في زَعْمهم أعرض عنهم، وجاوبهم بهذا، وكذلك قريش طلبوا من رسول الله ﷺ أن يطرد الضعفاء من مجالسته كبلال، وعمَّار، وصهيب.
(مَرْجومين) :
إما بالحجارة، أو بالقول والشتم.
والأول أظهر، لأنه صح عنهم أنهم كانوا يرجونه حتى أن صبياً كان على عاتق والده، فلما رأى نوحاً قال له ألقني، فأخذ حجراً من الأرض ورماه به، فحينئذٍ دعا عليهم، وقال: (رَبِّ لا تذَرْ على الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً) .
والرجم بمعنى القتل أيضاً.
(مَشْحون) : مملوء.
ومعناه أن الله تعالى لما أراد هلاك قوم نوح جاءه جبريل، وأمره أن يتَّخذ الفلك قال: كيف أصنعه، قال: انحت مائة ألف وأربعة وعشرين ألف لوح، فصار ينحتهم ويجدُ على كل لوح اسم نبيء.
فقال نوح: يا رب، ما هؤلاء، فقال الله له: انحتها وأظهر أسماءهم عليها.
فنحتها وظهر له على كل لوح اسم نبيء من آدم إلى نبينا ومولانا محمد ﷺ ، ثم أمره أن يتَّخذ على عددهم دسُرًا، ويضم الألواح بعضها إلى بعض، ففعل، فكلما مرّ عليه مَلأ من قومه سخروا منه.
فلما ضم الألواح قالوا له: ما هذا، قال: سفينة النجاة.
فقالوا: وأين البحر، فقال: يأتي الله به (١) .
стр. 773
وفي الخبر أنه احتاج إلى أربعة ألواح، فقال له جبريل: انحتها فنحتها وظهر
على الأول أبو بكر، وعلى الثاني عمر، وعلى الثالث عثمان، وعلى الرابع عليٌّ، فقال نوح: مَنْ هؤلاء، قال الله له: هم أصحاب حبيبي وصَفِييِّ وخيرتي من خلقي، ينصرونه ويبذلون مهجهم دون مهجته، فهم عندي بمنزلة الأنبياء (١) .
فلما ظهرت هذه الأسماء الكرام أنجى الله بها أصحاب نوح ﵇.
فالذي يحبهم ويصلي عليهم أولى بالنجاة من الآلام.
(مَصَانِع) :
جمع مصنع، وهو ما أتقن صنعه من المباني.
وقيل: مآخذ الماء.
(مَتَّعْنَاهمْ سنِين) :
يراد به عمر الدنيا.
والمعنى أن مدةَ إمهالهم لا تغْني مع نزول العذاب بعدها وإن طالت مدةَ سنين، لأن كل ما هو آت قريب.
(مَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ) .
الضمير للقرآن، وهذا ردّ على مَنْ قال إنه كهانة نزلت الشياطين به على
نبينا ومولانا محمد ﷺ .
وأنى لهم بالوصول إلى ذلك!.
ولفظة (ما ينبغي) تارة تستعمل بمعنى لا يمكن، وبمعنى لا يليق.
وإذا منعوا من استراق السمع عند مبعثه ﷺ فكيف يستطيعون الكهانة.
(ما ظُلِموا) :
في هذا إشارة إلى ما قاله حسّان بن ثابت
وغيره من الشعراء في هَجْو الكفار بعد هجوهم لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، فأباح الله لهم الانتصار، حتى قال ﷺ لحسان: كيف تهجو قريشاً وأنا منهم.
فقال: لأسلَّنَّكَ منهم سلَّ الشَّعْرةِ من العَجِين.
(مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) .
يعني في مكان النار ومَنْ حول مكانها، يريد الملائكة الحاضرين وموسى ﵇.
قال الزمخشري: الظاهر أنه عام في كل مَنْ كان في تلك الأرض وفي ذلك
الوادي وما حوله من أرض الشام.
стр. 774
(مَنْ ظَلَم) ، تقديره: لكن مَنْ ظلم مِنْ سائر الناس لا من
المرسلين.
وقيل متصل على القول بتجويز الذنوب على الأنبياء، وهذا بعيد، لأن
الصحيح عصْمتهم من الذنوب.
وأيضاً تسميتهم ظالمين شنيع على القول بتجويز الذنوب عليهم.
(مَكثَ غَيْرَ بَعِيد) ، أي أقام زماناً قريباً.
ويجوز فتح الكاف وضمها، وبالفتح قرأ عاصم.
ويحتمل أن يكون مسنداً إلى سليمان أو إلى الهدْهد، وهو أظهر.
(ماذا يَرْجِعون) : من قوله: (يَرْجع بعضُهم إلى بَعْض الْقَولَ) .
(ما شَهدْنا مَهْلِكَ أهْله) :
الضمير راجع إلى قوم صالح، وذلك أنهم اجتمعوا وتشاوروا في قتله، فقالوا نسافر إلى أرضٍ، ثم نرجع خفية من الناس، ونقتل صالحاً، ثم نحلف مائة عند أقربائه إنا ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلاً.
(مكروا مَكْرا ومَكَرْنَا مَكْراً) :
هذا على جهة المشاكلة كما قدمنا مراراً، وذلك أنهم أرادوا المكر بصالح، والله أراد المكر بهم والنجاة بصالح.
روِي أنهم لما قتلوا الناقة قال لهم صالح: (تمتّعُوا في داركم ثلاثة أيام) ، وعلامةُ ذلك أن تكون وجوهكم في اليوم الأول حمر، وفي الثاني صفر، وفي الثالث سود، فلما رأوا هذه العلامة قالوا نقتل صالحاً كما قتلْنَا الناقة، فقصدوا إلى داره في اليوم الرابع، وكان يومٍ الأربعاء، فأخذ جبريل ﵇ بسور البلد وزَلْزَلَه، وصاح عليهم صيْحة ماتوا منها بأجمعهم.
وقيل: إن الرهط الذين تقاسموا على قَتْله اختفوا ليلاً في دارٍ قريبة من داره
стр. 775
ليخرجوا منها لقَتْله بالليل، فوقعت عليهم صخرة أهلكتهم، ثم هلك قومهم
بالصَيْحَة، ولم يعلم بعضهم بهلاك بعض، ونجا صالح ومن آمن به.
فإن قلت: عذَّب الله من قتل الناقة ولم يعذب من قتل الحسين؟
فالجواب كانت الناقة سببَ الفتنة لقوم صالح، لأنهم طلبوها، وعادة الله
سبحانه هلاكهم من طلب آية ولم يؤمن العذاب.
والحسين وَلد مَنْ أرسل رحمة للعالمين، وفي ذلك الزمان كانت أبواب العذابِ مفتوحةً، وفي زمان الحسين مغلوقة، ألا ترى أن قوم صالح لم ينْفَعْهم الندم على قتلها، وهذه الأمّة مرحومة بمن هو رحمة للعالمين، اللهم كما أرسلته لنا رحمة، فرفعتَ به العذاب عن جميع الخلائق، لا تحرمنا منها، أقسمت عليك بجاهه عندك، فإنه قال: إذا سألتم اللَه فاسألوه بجاهي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كلما ذكرك وذكره الذاكرون، وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون صلاة وسلاماً دائمين بدوامك باقيين ببقائك، لا منتهى لهما دون علمك، إنك على كل شيء قدير.
(مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) :
سبب نزول هذه الآية أنَّ قريشاً سألوه ﷺ متى الساعة، فأخبره الله بعدم علمها، ولذلك قالت عائشة ﵂: مَنْ زعم أنَّ محمداً يعلم الغيب فقد أعظم الفِرْية على الله.
فإن قلت: قد أخبر بكثير من المغيّبات، فوقعت على حسب ما أخبر به.
وذلك معدود في معجزاته؟
والجواب أنه ﷺ بيّن ذلك بقوله، إني لا أعلم الغيب إلا ما علمني الله، اقرؤوا إن شئتم: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) .
فإن قلت: قد ظهر من أخبار الكهّان والمنجمين ما وقع وصدقهم؟
والجواب أن إخبارهم بذلك عن ظن ضعيف، أو عن وَهْم، لا عن علم،
стр. 776
ولا يجب تصديقهم، لأن الآية نَفَتْ علمهم، وإنما يجب علينا تصديق الرسل، لأنه علم إلهي.
وقيل: إن الغيب في هذه الآية يراد به متى تقوم الساعة.
ولذلك قال: (وما يَشْعرونَ أيَّانَ ئبْعَثون) .
وقد قدمنا في النحل من هذا المعنى.
ورضي الله عن بعض العلماء لما دخل على بعض الملوك ووجده متحيّراً، فقال له: مالك، فقال له الأمير: رأيت البارحة ملك الموت في المنام، وسألته: كم بقي من عمري، فأشار لي بأصابعه الخمس، ولا أدري هل هي خمس ساعات أو أيام أو جمعات أو أشهر أو سنين، فقال له: إنما أشار لك بالخمس إلى الحديث في: "خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم قرأ: إنَّ الله عنده علم الساعة) .
فهدأ روعه.
وإذا كان ملك الموت الموكل بقبض الأرواح لا يدري عمر العبد حتى يؤمر
بقبض روحه، فما بالك بمن افترى على الله، ورحم الله القائل:
لعمرك ما تَدْرِي الضَّوَارِبِ بالحصا ... ولا زاجراتُ الطير ما اللَّهُ صانِع
فإن قلت: كيف قال: (إلا اللَّهُ) بالرفع على البدل، والبدل لا يصح إلا إذا
كان الاستثناء متصلاً، ويكون ما بعد إلا من جنس ما قبلها، والله تعالى ليس
ممّن في السماوات والأرض باتفاق، فإن القائلين بالجهة والمكان يقولون: إنه فوق السماوات والأرض، والقائلين بنفي الجهة يقولون: إنه تعالى لا فيهما ولا داخلا فيهما ولا خارجاً عنهما، فهو على هذا استثناء منقطع، فكان يجب أن يكون منصوباً؟
فالجواب من أربعة أوجه:
الأول: أن البدل هنا جاء على لغة بني تميم في البدل، وإن كان منقطعاً.
كقولهم: ما في الدار أحد إلا حمار بالرفع، والحمار ليس من الأحدين، وهذا
ضعيف، لأن القرآن نزل بلغة أهل الحجاز لا بلغة بني تميم.
والثاني: أن الله تعالى في السماوات والأرض بعلمه.
، كما قال تعالى: (وهو معكم أيْنَ ما كنتم) ، فجاء البدل على هذا المعنى للظرفية
стр. 777
المجازية، ولا يجوز استعمال لفظة واحدة في الحقيقة والمجاز في حالة واحدة عند
المحققين.
والثالث: أن قوله (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) يراد به كلّ موجود، فكأنه قال: مَنْ في الوجود، فيكون الاستثناء على هذا متصلاً، فيصحّ الرّفْعُ على البدل، وإنما قالَ (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) جَرْياً على منهاج كلام العرب، فهو لفط خاص يراد به ما هو أعمّ منه.
والرابع: أن يكون الاستثناء متَّصلاً على أن يتأوَّل من في السماوات في حق
اللَه كما يتأول قوله: (أَأمِنْتم من في السماء) .
وحديث السوء أو شبه ذلك.
(مَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ) ، أي إنما عليَّ الإنذاز والتبليغ.
والمعنى إن زللتم عن طريق الرشاد، وأضلَّكم الله عن رؤية
السداد فلا يضرني ذلك (ومَنْ يُضلِلِ اللَّهُ فما له مِنْ هَاد) .
وفي هذه الآية دلالةٌ على أن الله هو المضلُّ والهادي.
(مَنْ جاءَ بالحسنَةِ فله خَيْر منها) .
أي عشر إلى سبعمائة، أو من قال: لا إله إلا الله فَلَة الجنّة، بدليل: (ومن جاء بالسيئة فكبَّتْ وجوهُهم في النار) .
والسيئة هنا الكفر والمعاصي التي قضى الله بتعذيب فاعلها.
(مَراضِع) :
جمع - مُرضع، وهي المرأة التي ترضع، أو جمع مَرْضَع بفتح الميم والضاد، وهو موضع الرضاع، يعني الثَّدْي.
(ماءَ مَدْيَن) ، أى بئره، وكانت مدينة شعيب ﵇، وذلك حين قدم موسى من مصر، وسقى غَنَم شُعيب، فرأى نفسه غريباً
فقيرًا جائعاً تعبانَ، فقال: أنا الغريب، أنا الفقير، أنا الضعيف، - أنا الحقير، فنودي في سره: يا موسى المريض الذي ليس له مثلي طبيب، والضعيف الذي
стр. 778
ليس له مثلي رقيب، والفقير الذي ليس له مثلي نصيب، والغريب الذي ليس له مثلي حبيب.
كان لموسى سبعة أسفار، فوجد فيها سبعة أشياء: سفر الخوف:
قوله لأمه: (فإذا خِفتِ عليه فألْقِيه في اليَمّ) ، فوجد:
(وأَلْقيْت عليكَ محبةً مِنِّي) .
وسفر الهروب، فوجد الأنس: (ولما وردَ ماءَ مَدْين) .
وسفر الطلب لما سار بأهله فوجد الرسالة: (يا موسى إني أنا الله) .
والسفر ببني إسرائيل لما قال: (أن أسْرِ بعبادِي) .
فوجد فيه النجاة: (فأنجينا موسى) .
وسفر النصَب: (لقد لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبا) ، فوجد الخضر.
وسفر المقاتلة لا قالوا له: (اذهَبْ أنْتَ وربُّكَ) .
فوجد فيه الحجَر: (أنِ اضْرِبْ بعَصَاك الحجَر) .
وسفر الطور: (ولما جاء موسَى لمِيقَاتِنا) ، فوجد فيه الكلام: (وكلَّمه
ربُّه) .
فإن قلت: بأي شيء عرف موسى الكلام (١) ؟
فالجواب: لما علم أن كلام المخلوقين ينقطع وهو بسماع الآذان ومن جانب
واحد، ووجد له هيبة ولذة، ولما سمعه غير منقطع، ومن غير جارحة، ومن
جميع الجوانب، علم أنه كلام خالقه، ولذلك لما قال له الشيطان: مع مَن تتكلم، فقال له: مع الله.
قال: ومن أين علمت، قال: بهذه الأشياء، فلم يزل في قلب
موسى من هذا حتى سأله الرؤية، فلم يعْطَها، لأنها لم تكن وقتها.
وكيف يُرى الباقي بالفاني، وكيف يَرى الرحمن من رأى الشيطان، ولما ذهب إلى الجبل جعل هارون واسطة بينه وبين قومه، فقال له: انظر إلى الجبل، فلما تجلَّى الربّ إلى الجبل صار سبعين ألف قطعة، وخرج من كل قطعة عارف يقول: أرني أنظر إليك، فقال الله لموسى: أتظنّ أنك مشتاق إليّ، انظر إلى هؤلاء تطلب مطلبك، فخر موسى صعِقاً من جزَعهم (٢) .
وأيضاً لو أعطي الرؤية بسؤاله كان مكافأةَ لسؤاله، كالمائدة لعيسى، وإحياء الطيور لإبراهيم، مكافأة لسؤالهما، ولم تكن الرؤية مكافأة لشيء، لأنها ليس مثلها شيء.
وأيضاً لما طلب رؤيةَ الحبيب قال
стр. 779
تعالى: (وما كنْتَ بِجَانبِ الطّورِ إذْ نادَيْنَا) .
ولم يكن وجد رؤيته فكيف يعطيه رؤيته، ولا وجد له لذة، كأنه قال له: لن تراني بعين الحبيب وأمَّتِه حتى تكون معهم، ثم تراني، وأيضاً قد أعطاه الله رؤية القلب من غير سؤال، فلا يجوز في الحكمة أن يعطيه رؤيةَ البصر بالسؤال، وكأنَّ رؤية القلب أعظم وأفضل من رؤية البصر، لأنَّ رؤيةَ البصر مؤقتة، ورؤية القلب دائمة.
قال المخزومي: إنما لم يعطه الرؤية، لأنه قال في أزله: (لا تدْرِكه الأبصار) .
يعني في الدنيا، فمنعه الرؤية حتى يتحقَّق ما قال، كما أنَّ آدم
﵇ لما قال الله: (إنّي جاعلٌ في الأرض خليفة) - قضي عليه بالمعصية والخروج من الجنة، حتى يتحقق قوله.
وأيضا لما كان نوره يغلب الأبصار حفظ بَصَره، وكيف يستطيع النور الضعيف الثبات مع القوي، ونحن نشاهد بعض البصر يذهب بنورِ البرق.
فإن قلت: لِمَ لَمْ تَصِرْ قلوب العارفين دَكًّا كالجبل وهو يتجلَّى لهم في كل
ساعة؟
والجواب: لما تعوّدت القلوب جمالَه ونورَه مّنذ خلقها فاطمأنّت وسكنت.
ولو كانت ساعة لدكَّت القلوب كالجبل، فمن ادَّعَى رؤيته بالقلب يصدق قوله بخلاف البصر.
(مَن استَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِين) :
هذا من قول صفورا لأبيها، فقال لها: ما رأيتِ من قوّته وأمانته، فقالت: رفع الحجر الذي على رأس البئر وحده، ولا يرفعه إلا أربعون رجلاً، وكنت أمشي أمامه، فقال: تأخَرِي حتى لا يقع بصري على أعضائك، وجعلت هذه المخاطبة رغبة فيه، لكنها كتمت محبته كزليْخا، قالت: (عسى أنْ ينفَعنا أو نتخذه وَلدا) .
وكذلك خديجة بنت خويلد جعلت خدمة سيدنا ومولانا محمد ﷺ سبباً للاتصال به، وكذلك أنت يا محمدي، جعل الله لك امتثالَ الأوامر واجتناب النواهي سبباً لإقباله عليك ومواعدتك الجنة إكراماً لك ومحبة فيك، فلما سمع شعيب مقالة ابنته ركب فيه وقال: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ)
стр. 780
فقال موسى: ليس لي قدرة على المهر.
قال شعيب: (عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) ، فرضي موسى.
وجمع شعيب أهْل بلده وعقد النكاح، وسلمها إليه.
قال السدِّي: أتى ملك إلى شعيب بعصا موسى، وكانت من سِدْرةِ المنتهى.
نزلنها آدم من الجنة.
وقيل مِنْ آس فورثها شيث، ثم إدريس، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم إبراهيم، ثم يعقوب، ثم الأسباط، ثم إلى شعيب.
فقال لموسى: ادخل البيت، وخذ عصا من بين العصيّ، واذهب نحو الغنم، فدخل موسى وخرج بعصاه، فرآه شعيب، وقال هذه أمانة، ردّها إلى موضعها، وخذ الأخرى، فرجع ووضعها، وأراد أخْذَ الأخرى.
فدخلت هذه العصا في يده، وكلما جهد أن يأخذ الأخرى لم يقدر، فأخذ تلك العصا، وذهب نحو الغنم، فقال شعيب: قد ذهب بأمانة الغير، فألحَقه واستردها منه، فأدرك موسى وقال: أعطني العصا، فأبى موسى من إعطائه، فتنازعا واتفقا على أن يحكم بينهما مَنْ لقيهما أولاً، فلقيهما ملك على صورة آدمي، فقال: احكم بيننا.
فقال: يا موسى، ضع العصا على الأرض، فإن قدرْتَ أن ترفعها فهي لك، وإن قدر على رَفْعها هو فهي له، فوضع العصا على الأرض، فجهد شعيب على رَفْعها فلم يقدر ألبتَّة، فتناولها موسى بيده ورفعها من وقته، وظهرت منها معجزات كثيرة قدمناها (١) .
وكذلك بالخاتم الذي جعله الله العهْد بينه وبين خَلْقه.
وخمس أوراق من التين التي كانت تستره: الواحدة أكلتها الظِّباء فصارت
مِسْكا، والثانية أكلتها الحوت فصارت في بطنها عنبراً، والثالثة أكلتها النحل
فصارت عسلاً.
والرابعة الدود فصارت في بطنها إبريسماً.
والخامسة جميع الأشجار التي في العالم.
والمقام جعله الله آية بيّنة ومصلّى للمسلمين.
فتأمل يا محمدّي من اتَّصف بالأمانة من عند الله، وعند خلقه، فإن اتصفتَ
بها كم لك من تشريف! ألا تراه يقول: (ألست بربكم) ، وقال: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) .
стр. 781
كأنه يقول: عبدي ليس لي حاجةٌ لطاعتك وخِدْمتك، ولكن أمرتك بالطاعة والعبادة، وحملت عليك البلاءَ والمشقة، وطلبت منك النفس والمال والطاعة في جميع الأحوال، لتعلم أنَّ مرادي منك الوصال، وإنما جعلت الأعمال لقطع تهمة الكفار وطعْنهم.
فإن قلت: يشتري أنفسهم وهي له، ولم يقل قلوبهم؟
والجواب إنما قال ذلك على طريق الانبساط، كسيّد يقول لعبده: أقرضني
كذا وكذا، واشتر منّي كذا، والمال والنفس له، وإنما أراد أن يريه كمال لطافته بتمام محبته، وأيّ حاجة له في ثمن ببيعك، ولكن ليكون فخرك أكبر، وتعلم أنه يحبُّك ويرضاك، لأن السيد لا يشتري العبد إلا لمحبته فيه، ولا يرضاه عبداً لغيره، ولا يطلب حوائجه إلا منه، وقال أنفسهم، لأن أنفسهم معيوبة، والقلوب نقية، فاشتراء العيوب يدل على أنه لا يرده لعلمه بالعَيب، فاشتراؤه لك يا محمدي، دليل على أنه يريد إصلاح عَيْبك، ومَنْ كان قادراً على إصلاح عيْب السلعة لا يردها في الشاهد، (وَمَنْ أَوفَى بِعَهدِه من الله) .
فأوف بعهده، كما قال: (أَوْفوا بعَهْدِي أوفِ بِعَهدِكم) .
فلو أراد إبليس أنْ يغْوِيك ويدعو ما ليس فيك لم يقدر، لأن المشتري الأول هو اللَه، والثمن هو الجنّة، والدال على هذا البيع هو رسولنا وحبيبنا، ولذلك دخل الجنة ليلةَ المعراج ليصف لنا الثمن وكيفيته، فأبشروا يا أمة محمد، فأنتم خير أمة، سمّاكم الله أمّة الهداية والدعوة والفضيلة والخير، وسماكم بأسماء الخليل، وأعطاكم خِصَال الكليم، وأكرمكم بإكرام نبيكم الحبيب، قال تعالى في الخليل: (إنّ إبراهيم كان أُمَّةً) .
وقال: (كنتم خَيْرَ أمّة) .
وقال: (إن إبراهيم كان أمّةً قانِتا لله) .
ولكم: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ) .
وقال للخليل: (حَنِيفاً) ، ولكم (حنَفَاء ويقِيموا الصلاة) .
وقال في إبراهيم: (شاكرا) . مسلماً. وفياً.
وفيكم: الصابرين. والمسلمين. والشاكرين. و (يوفون بالنَّذْر) .
وقال في إبراهيم: (صدّيقاً نبيًّا) .
وفيكم: (أولئك هم الصديقون) .
وقال في إبراهيم: رحيما،
стр. 782
حليما، أوَّاهاً، منيباً.
وقال فيكم (رحماء بينهم) .
(إنه كان للأوَّابين غفوراً) . (منيبين)
وقال للكليم: إني اصطفَيْتكَ.
ولا تَخَفْ.
ولقد منَنَّا عليكَ مرةً أخرى.
ونجَّيْنَاهما وقومهما.
وكتبنا له في الألواح من كل شيء.
قد أوتيت سؤْلك يا موسى.
قد أجيبت دعوتكما.
وقرّبناه نجيًّا.
وقال لكم: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) .
لا تخف.
ولا تحزن.
ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا.
إني معكم.
لئن أقمتم الصلاة.
بل الله يمنُّ عليكم أنْ هداكم للإيمان.
وننجِّي الذين اتقوا.
ثم أورثْنَا الكتاب الذين اصْطَفَيْنَا من عبادنا.
وآتاكم من كلِّ ما سألتموه.
وقال ربّكم ادْعوني أستَجِبْ لكم.
واسجدْ واقترب.
ما يكون من نَجْوَى ثلاثة إلا هو رابعهم.
وأما إكراام الحبيب فعشرة: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) .
(وجئْنَا بكَ على هؤلاء شَهيدا) .
(أليس الله بكاف عَبْده) .
(ألَمْ نشْرح لكَ صَدْرك) .
(إنّ الله وملائكتَه يصلّون على النبي) .
(يومَ لا يخْزِي الله النبي والذين آمنوا معه) .
وقال لكم يا أمّته: (ما يفتح الله للناس مِنْ رَحْمةٍ) .
(إن الله يغفِر الذنوب جَميعاً) .
(وأتممْتُ عليكم نِعْمَتي) .
(وإنّ الله لَهادِ الذين آمنوا) .
(إن ينْصرْكم الله فلا غالِبَ لكم) .
(لتكونوا شهَدَاءَ على الناس) .
(وكفى الله المؤمنين القِتَال) ، (أفَمَنْ شرح الله صَدْره للإسلام) .
(هو الذي يصَلِّي عليكم ومَلاَئكته) .
(والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله) .
стр. 783
اللهم اغفر لنا ولا تؤاخذنا بجاه نبينا وشفيعنا ﷺ .
(ما كنْتَ بجانبِ الغَرْبي) :
هذا خطاب لنبينا ومولانا محمد ﷺ ، والمراد به إقامة الحجة، لإخباره بحال موسى وهو لم يحضره.
والغربيّ: المكان الذي في غرب الطور، وهو الذي كلَّم الله فيه موسى، والأمر المقضيّ إليه هو النبوءة.
(ما كنْت من الشاهدين) :
يعني من الحاضرين هناك على
هذه الغيوب التي أخبرناك بها، ولكنها صارت إليك بوَحينا، فكان الواجب على الناس المسارعة إلى الإيمان بك وامتثال أمرك، (ولكنا أنشأنا قرونا)
، بعد زمان موسى، فتطاول عليهم العمر، وطالت الفَتْرة.
فأرسلْناك على فترة من الرسل، فغلبت عقولهم، واستحكمت جهالتهم، فكفروا بك.
(مَقْبوحين) : مطرودين مبعدين.
وقيل قبحت وجوههم لسوادها وزردة أعينهم.
يقال قبح الله وجهه - بتشديد الباء وتخفيفها.
(مَنْ أحببت) :
الخطاب لنبينا ومولانا محمد ﷺ .
وسبب نزولها إعراض عمِّه عن الإسلام لما قال له: يا عمّ، قل لا إله إلا الله.
كلمة أحاجّ لك بها عند الله.
فقال: أخاف أن تعيِّرني قريش، ومات على الكفر، فأنزل الله عليه: (إنك لا تهدي مَنْ أحبَبْت) .
ولفظ الآية مع ذلك على عمومه.
(مَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا) .
أمُّ القرى: مكة، لأنها أول ما خلق من الأرض، ولأن فيها بيت الله.
والمعنى أن الله أقام الحجة على أهل القرى ببعث محمد ﷺ في أمّها، فإن كفروا أهلكهم الله بظلمهم بعد البيان لهم وإقامة الحجة عليهم.
(وما أوتيتمْ مِنْ شيء) :
تحقير للدنيا وتزهيد فيها، وأنها لا قيمة لها، وما عند الله خير وأبقى.
стр. 784
(أَفَمَنْ وَعَدْنَاه وَعْداً حَسَناً) :
هذه الآية إيضاح لما قبلها
من البَوْنِ بين الدنيا والآخرة.
والمراد بمن وعدناه المؤمنون، وبمن متعناه الكافرون.
وقيل محمد ﷺ ، وأبو جهل.
وقيل حمزة، وأبو جهل.
والعموم أحسن لفظاً.
(ماذا أَجَبْتئم المرْسَلِين) :
أي هل صدقتموهم أو كذبتموهم، فلا يدرون جواباً، لما يرون من الأهوال، ولا يسأل بعضهم بعضاً لتساويهم في الحيرة.
(ما يشاء ويختار) ، أي يخلق ما يشاء من الأمور على
الإطلاق، لأنه أعلم بمصالحها، لا يسأل عما يفعل.
وقيل سببها استغراب قريش لاختصاص نبينا ومولانا محمد ﷺ بالنبوّة.
(ما كان لهم الخِيرَة) : (ما) نافية.
والمعنى ما كان للعباد اختيار، إنما الاختيار والإرادة للهِ وحده، فالوقفِ على قوله: ويختار.
وقيل: إن (ما) مفعول لـ (يختار) .
ومعنى (الخِيَرة) على هذا الخير والمصلحة.
وهذا يجري على قول المعتزلة، وذلك ضعيف لرفع (الخِيَرة) على أنها اسم كان، ولو كانت (ما) مفعولة لكان اسمها مضمراً يعود على (ما) وكانت.
(الخِيَرة) منصوبة على أنها خبر كان.
وقد اعتذر عن هذا مَنْ قال إن (ما) مفعولة بأنْ قال: تقدير الكلام يختار ما كان لهم (الخِيَرة) فيه، ثم حذف الجار والمجرور، وهذا ضعيف.
وقال ابن عطية: يتجه أن تكون (ما) مفعولة إذا قدرت كان تامة، ويوقف
على قوله. (ما كان) ، أي يختار كل كائن، ويكون لهم الخيرة جملة مستأنفة، وهذا بعيد جدا.
(ما إنَّ مَفَاتِحَه) :
هي التي يفتح بها.
وقيل هي الخزائن.
والأول أظهر.
وكانت مفاتيح خزائنه حمل مائة بعير.
وفي رواية سبعين بعيراً (١) .
стр. 785
قال مجاهد: وكان وزن كل مفتاح درهما.
وفي رواية وزن نصف درهم.
ويفتح بكل مفتاح سبعون باباً.
فلما جمع المال ترك النوافلَ من العبادات، فأمر
الله تعالى موسى أن يطلب منه زكاةَ أمواله، فحسب مقدارَ زكاته فرآه كثيراً، فلم يؤدّه، وكان يركب عنده ألف غلام وألف جارية بسروج من ذهب، وثيابهم من ذهب (١) .
(مكانَه بالأمْسِ) :
تمنّى بنو إسرائيل مكانَ قارون لما رأوا من مركبه، وما أعطاه اللَّهُ من الزينة والحشم، فلما امتنع قارون من الزكاة
ألحَّ عليه موسى، فقال له: اجمع أهل مصر غداً، فإن غلبتني بالحجة أعطيتك
زكاة المال.
فدعا قارون امرأةً ذات حسن وجمال، وقال لها: إني أجمع بني
إسرائيل، فإن شهدت على موسى بالفسق، وقلتِ أنا حاملة منه أعطيتك ما
أغنيك، فقبلت.
ثم جمع قارون بني إسرائيل في داره، ودعا موسى، فقالت بنو إسرائيل: عِظْنَا موعظةً.
فوعظهم، وقال: من سرق مالاً قطِعت يده، ومن زنى بامرأة قتل.
فقال قارون: إن فعلتَ ما قلت فكيف الحكم عليك، فقال موسى:
إن فعلتُ وجب عليَّ الحكم.
فقال قارون: لي شاهد بأنك زنيت بهذه المرأة وهي حامل منك.
فأشار إليها وقامت، وأوقع الله الرعْبَ في قلبها، وحوَّل لسانها من
الكذب إلى الصدق، وقالت: إن موسى بريء مما يقوله قارون - وأقرَّتْ بقول قارون لها، وإني أخاف الله من ذلك، هو رسوله وكليمه.
فغضب موسى عليه وناجى واشتكى من قارون، فجاءه جبريل وقال: يا
موسى، إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: جعلت الأرض في أمرك فأي شيء تأمرها فهي مطيعة لك في إهلاك قارون.
فرجع موسى إليه وهو جالس على السرير متّكئاً على فراش من ديباج، فضرب موسى عصاه على الأرض، وقال لها: خذِيه، فأخذَتْه إلى ركبتيه، فتضرع إلى موسى فلم يلتفت إلى قوله، وهو يستغيث إليه مراراً، ويعرض عنه، فقال الله له: يا موسى، استغاث بك أربع مرات فلم تغثه، وعِزَّتي وجلالي لو استغاث بي مرةً واحدة لأغَثْته، فحينئذ قام
стр. 786
الذين تَمَنَّوْا مكانه بالأمس يقولون: (ويكأن الله يبْسط الرزْقَ لمن يشاء) .
وخسف الله به وبداره الأرض، لأنه لو لم يخسف بداره
لقالت بنو إسرائيل: دعا عليه موسى ليأخذ ماله، فانظر هذه الرحمة الشاملة
حيث عاتب كليمَه على عدوه وقوله لو: لو استغاث بي لأغثته، وإن لم تعمل على هذا فاقرأ قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسْرَفوا على أنفسهم..) .
وإضافته إليك في قوله: (وإلهكم إله واحد) .
فما أشرفها من إضافة!
وما أحسنه من تشريف! ولذلك يقول تعالى: خلقت الأشياء كلَّها لك، وخلقتك من أجْلِي، فكلهم لك، وأنا لك، فإذا كنتَ لي فأيّ شيء يبقى لإبليس معك.
وسمّى العبد عبدا، لأنه محل العَصا، ومسلكه العيوب، ولما أضاف العبد إلى نفسه خاف أن يسلبه إبليس من الله فقال: (وهو معكم) ، فأضافه إلى نفسه حتى لا يقدر إبليس أن يسلبه منه، وليس لك الفخر أيها العبد بنسبتك لسيدك، بل الفخر لك لأنه إلهك والإله يرزقك، وإن عملت عملاً قَبِله منك، وإن أذنبت ذنوبا غفرها لك، وأنت تشاهد العبد يسمِّي عَبْدَه باسم لا يقدر أحد أن يرفعه ما دام سيده حيًّا، وهو تعالى أضافك إليه شئت أو أبيت، ويكفيك من محبته لك ولطفه بك أنه قال: (أسرفُوا على أنفسهم) ، ولم يقل أسرفتم، لئلا يخجل العاصي، ويفتضح، وتستُّراً عليه حتى لا
يهتك ستره ما لم يشرك به، فإنْ رجع بعد الشرك قَبِله وأقبل عليه، ولذلك قال تعالى: (إنّ اللهَ يَغْفِرُ الذنوبَ جميعاً) ، ومعاصيك أيها العبد بين
اثنين، في الله وفي الرسول، فأما التي في الرسول فقد شفع الله فيك، وقال له: (فاعْفُ عنهم واستَغْفِر لهم) .
والتي في الله يأمر الرسول أن يشفع فيك إلى الله.
وذنوبك أيضاً لا تخرج من اثنين: إما صغيرة فهي مغفورة باجتناب الكبائر، قال تعالى: (إن تجْتَنِبوا كبَائِرَ مَا تُنْهَوْن عنه نُكفّرْ عنكم سيًئَاتِكم) .
وإما كبيرة فقد ادَّخر لكَ الرسولُ الشفاعة فيها، قال ﷺ : "ادخرْتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي".
قال الحسن البصري: كنتُ مارًّا بمكة فسمعتُ امرأةً تقول لزوجها: كل إساءةٍ
стр. 787
فعلتها بي فلا بَأسَ عليك إذا لم تبدّل بي غيري ولم تشرك غيري معي.
فقلت: هذه مثل قوله تعالى: (إنَّ اللهَ لا يَغْفِر أن يشْرَك به) .
وسمع نصراني امرأة تقول لزوجها: أنا ومالي لك ما لم تشرك معي ضرة.
فقال: هذا مخلوق لا يرضى بشريك معه، فكيف بالخالق، فأسلم من الشرك.
وقال يحيى بن معاذ الرازي: إلهي، كاد رجائي قبل المعصية يقارب رجائي
قبل الطاعة، لأنه بطاعة العبد يظهَر من الله العدل وهو الثواب، وبمعصيته يظهر منه الفضل وهو الرحمة.
وقال أيضاً: مثل المؤمن طاعة واحدة بعشرة أمثالها ومعصيته بين ثلاث: طاعة الندامة والخوف والرجاء، وكان من دعائه: إلهي، إنْ تعذِّبني يفرح إبليس ويحزن محمد ﷺ ، وإن تعْفُ عني يفرح نَبييِّ ويحزن عدوِّي، وأنا أعلم أنك لا تريد شماتةَ العدوّ وحزْنَ الحبيب، وقد قلت: (أني أنا الغَفور الرَّحيم) .
فإن قلت: هل بين هذين الاسمين فرق، وهل الغفار والغافر بمعنى الغفور.
وَلِمَ لَمْ يَقُلْ في العذاب: أنا المعذّب، بل قال: (وأْنَّ عذَابي هو العذاب الأليم) ؟
فالجواب أن الغفور للعصاة يغفر لهم جمع معاصيهم، والرحيم للمطيعين يقبل
جميعَ طاعاتهم مع التقصير.
والغافر للذنب والغفّار مبالغة للذنوب الكثيرة.
قال تعالى: (وإني لغَفَّارٌ) ، والغفور لتعجيل المغفرة، قال تعالى: (إنه كان للأوَّابين غفورا) .
وبالجملة فله سبحانه مائة اسم، التسعة والتسعون أخبرك بها نبيك، فكلما ذكرته بها ذكرك بتسعة وتسعين رحمة من عنده، وإنما قال عذابي، لأن المغفرة صفة والعذاب فعل، والفعل يجوز أن يكون وألاَّ يكون، والصفة لا تجوز إلا أن تكون ألبتة.
(مَعَادٍ) :
المعاد: الموضع الذي يعاد إليه، يعني مكة.
стр. 788
ونزلت الآية حين الهجرة، ففيها وَعْدٌ بالرجوع إلى مكة وفَتْحها، وفيها خاصية لمن أراد من المسافرين الرجوعَ إلى وطنه فليقرأها حين خروجه يعدْ إليه.
وقيل يعني الآخرة، ففيها الإعلام بالحشر.
وقيل يعني الجنة.
(مَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ) ، أي ما كنت
تطمع أن تنالَ النبوءة، ولا أن ينزل عليك الكتاب، ولكن الله رحمك بذلك، ورحم الناس بنبوءَتكَ.
والاستثناء بمعنى لكن هو منقطع.
ويحتمل أن يكون متصلاً، والمعنى ما أنزلنا عليك الكتاب إلا رحمة من ربك لكَ أو للناس، ورحمة على هذا مفعول من أجله، أو حال.
وعلى الأول منصوب على الاستثناء.
(مَنْ كان يَرْجو لِقَاءَ اللهِ ... ) .، الآية، تسلية للمؤمنين، ووَعْد لهم بالخير في الآخرة، والرجاء هنا على بابه.
وقيل هو بمعنى الخوف.
(مَنْ جاهد فإنما يجَاهِد لنَفْسِه) ، أي منفعة جهاده إنما
هي لنفسه، فإن اللَهَ لا تنفعه طاعة العباد.
والمراد بالجهاد هنا إمّا جهاد النفس، وهو أعظم من جهاد العدو، لقول عمر ﵁: رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.
(مَنْ يقول آمَنّا بالله) :
نزلت في قوم كانوا مؤمنين بألسنتهم، فإذا عذَّبهم الكفار رجعوا عن الإيمان، فإذا نصر الله المؤمنين قالوا: إنا كنَّا معكم.
(مَوَدَّةَ بيْنِكم) :
بنصب مودة: على أنه مفعول من أجله، أو مفعول ثان لاتخذتم، ورفعها على أنه خبر ابتداء مضمر، أو خبر إن وتكون (ما) موصولة.
ونصب بينكم على الظرفية وخفضه بالإضافة.
(ما كانوا سابِقين) .
رأى لم يفوتوا مَنْ أرسلنا عليه حاصباً، إن أراد بالحاصب الريح، فيعود على قوم عاد، وإن أراد به الحجارة فيعود على قوم لوط، وإن حملناه على المعنى الواحد نقص ذكر الآخر.
стр. 789
واستعمال اللفظ الواحد في معنيين جائز للآية: إن الله وملائكته يصلّون على النبي.
ويقرب ذلك هنا، لأن المراد ذكر أحد أصناف الكفَّار.
(مَنْ أخذَتْه الصَّيْحة) : كثمود، ومَدْين.
(مَنْ خَسَفْنَا به الأرْضَ) : كقارون وأصحابه.
(مَنْ أغرقنا) : قوم فرعون وقوم نوح.
(مثَل الذين اتَّخَذوا مِنْ دون اللَهِ أوْلياءَ كمثَلِ العَنْكَبوتِ) .
شبّه الله الكفارَ في عبادتهم الأصنام بالعنكبوت في بنائها بيتا ضعيفاً.
فكما أنَّ ما اعتمدت عليه العنكبوت من بيتها ليس بشيء كذلك ما اعتمدت
عليه الكفَّار من آلهتهم ليس بشيء، لأنهم لا ينفعون ولا يضرون.
(ما يَدْعونَ مِنْ دونه مِنْ شيء) :
(ما) موصولة بمعنى الذي مفعولة للفعل الذىِ قبلها، أو هي نافية والفعل معلّق عنها، والمعنى على هذا: ألستم تدعون من دونه شيئاً له بالٌ، فيصح أن يسمى شيئاً.
(مَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) .
في هذه الآية احتجاج على أنَّ القرآن من عند الله، لأنه ﷺ كان لا يقرأ ولا يكتب، ثم جاء بالقرآن.
واختلف هل كتب بيده ﷺ ، والصحيح أنه
كتب في عمرة الْحدَيْبية اسمه ﷺ لما طلب منه عمر أن يغيِّر محمد رسول اللَه
فأَبى عليٌّ من تغييره وقال: والله لا أغيِّر اسمك لأجل قريش.
وقد ألف الباجي فيه تأليفاً.
فإن قلت: ما فائدة قوله: (بيمينك) ؟
فالجواب أنَّ ذلك تأكيد للكلام وتصوير للمعنى المراد.
(مَوَدةً ورحمةً) : يعني الجماع، ورحمة: الولد.
والعموم أحسن وأبلغ.
стр. 790
(مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ) .
قد قدمنا في غير ما موضع أن هذا إنعاء على المشركين، لأنهم يدعون الله في الشدائد، ويشركون به في الرخاء.
(مَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ) .
هذه الآية معناها كالذي تقدم في قوله: (يَمْحَق اللَّهُ الرِّبَا ويربِي الصَّدَقَاتِ) ، ومعناها ما أعطيتم من أموالكم على وجه الربا فلا يَزْكُو عند الله، وما آتيتم من الصدقات فهو الذي يزكو عند الله وينفعكم به.
وقيل المراد أن يهب الرجل أو يُهْدي له ليعوضه أكثر من ذلك، وإن كان
جائزاً فإنه لا ثواب فيه.
وقرئ: وما آتيتم بالمد بمعنى أعطيتم.
وبالقصر بمعنى جئتم به، أي فعلتموه.
وقرئ لتُربوا - بضم التاء.
وليربوَ - بالياء مفتوحة ونصب الواو.
(من يُسْلِمْ وَجْهَة إلى الله) : الوجه هنا عبارة عن القصد.
يعني يستسلم وينقاد لربوييّته.
(ما في الأرض مِنْ شَجَرةٍ أقْلام..) .
إخبار بكثرة كلمة الله، والمرادُ اتساع عِلْمِه، ويعني أنه لو كانت شجرة الأرض أقلاماً والبحور مِدَاداً تصبّ فيه صَبّاً دائماً، وكتبت بذلك كلمات الله لنفدت الأشجار والبحار ولم تنفد كلمات الله، لأن الأشجار والبحار متناهيةٌ، وكلمات الله غير متناهية.
فإن قلت: لِمَ لَمْ يقل: (والبحر مداداً) ، كما قال في الكهف؟
فالجواب أنه أغنى عن ذلك قوله: "يَمدّه"، لأنه من قوله مدّ الدواة
وأَمدها.
فإن قلت: لِمَ قال من شجرة ولم يقل من شجر - باسم الجنس الذي يقتضي العموم؟
стр. 791
فالجواب أنه أراد تفصيلَ الشجر إلى شجرة شجرة حتى لا يبقى منها واحدة.
فإن قلت: لم قال: (كلمات الله) ولم يقل كلم الله. بجمع الكثرة؟
فالجواب أن هذا أبلغ، لأنه إذا لم تنفد الكلمات مع أنها جَمْع قلةٍ فكيف
ينفد الجمع الكثير.
وروي أن سبب نزول الآية قول اليهود قد أوتينا التوراة وفيها العِلْم كله.
فنزلت الآية، لتدلَّ على أنَّ ما عندهم قليل من كثير، والآية على هذا مدنية.
وقيل سببها أنَّ قريشاً قالوا: إن القرآن سينفد.
(مولودٌ هو جَازٍ عن وَالدِهِ شَيْئاً) :
يعني أنَّ الوالد لا ينفع ولده، والولد لا ينفع والده، لأن كلَّ واحد مشغول بنفسه.
فإن قلت: ما فائدة إبراز الضمير في الولد دون الوالد؟
قلت: لِمَا جُبل عليه الوالد من المحبة والشفقة لولده، بخلاف الولد، فإنه لا
يصل لتلك المحبة والشفقة، ولو كان في غاية البر.
(مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا) :
أي من خير أو من شر، أو طاعة أو معصية، أو عافية أو بلية، وفيه الإشارة إلى أنَّ العاقل ينظر ما يفعل الله به، فيسلّم له أموره، ويشكره على النعم، ويتوب إليه من المعاصي، ويصبر للنقم.
(مَلَك الْمَوْتِ) :
اسمه عزرائيل، تحت يده ملائكة، وبهذا يجمع بين قوله: (قل يتوَفَّاكمْ مَلَكُ الموت) .
وبين قوله: (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) ، وسبب توليته لقَبْض أرواح بني آدم:
استغاثة القَبْضَة من التراب التي خلق الله منها آدم، فقال لها: امتثال أمر الله أولى من رحمتك، فلما ولاه على قبض الأرواح قال: يا رب، يسبونني ويبغضونني.
فقال الله له: سأجعل لموتهم أسباباً من مرَضٍ وغَرَق، وحرق وقَتْل، حتى لا
يذكروك.
(مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) : يعني أنه لا يعلم أحد مقدار
стр. 792
ما يعطيهم الله من النعيم، ورضوان الله أكبر من ذلك.
وقرئ بإسكان الياء، على أن يكون فعل المتكلم، وهو الله تعالى.
(أفمَنْ كان مؤْمِنا كمن كان فاسقاً لا يَسْتَوون) :
يعني المؤمنين والفاسقين على العموم.
وقيل المؤمن علي بن أبي طالب، والفاسق عقبة ابن أبي معيط.
(ماءٍ مَهين) ، أي ضعيف.
وفيه إشارة إلى الاعتبار بهذه الخلقة من نطفة مذرة، ويحمل في جوفه العذرة، ويرجع جيفة قذرة، فيعرف نفسه، وينزلها منزلتها من الضعف والافتقار، ويدع العزةَ والاستكبار.
(ما جعَلَ اللَّهُ لرجل مِنْ قَلْبَيْن في جَوْفِهِ) ، لأنه كالإناء
إذا ملأته بشيء لم يكن لشيء آخر فيه مجَال، وهذا هو السبب في زهد أهل
الصفوة في الدنيا لئلا تشغلهم عن محبوبهم.
قال ابن عباس: كان في قريش رجل يقال له ذو قَلْبين لشدة فهْمه، فنزلت
الآية، نفَتْ ذلك.
ويقال إنه ابن خَطَل، وقيل جميل بن معمر.
وقيل: إنما جاء هذا اللفظ توطئةً لما بعده من النفي، أي كما لم يجعل الله لرجل من قلبين في جوفه كذلك لم يجعل أزواجكم أمهاتكم ولا أدعياءكم أبناءكم.
فإن قلت: قد قال الله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) .
وفي قراءة أبي: وهو أبٌ لهم - فما فائدة هذا النهي؟
فالجواب أنه أولى بهم من أنفسهم في شفقته عليهم وإنقاذهم من النار.
ألا ترى أنه في الدنيا قال: أمَّتي أمَّتي.
وفي الحشر: لا أسألكَ فاطمةَ ابنتي ولا نفسي، وإنما أسألك أمتي.
وفي الصراط: اللهم سلِّم أمتي.
وفي الحساب: لا تفضح أمتي.
وفي الميزان يا إسرافيل أرجح لأمتي.
ولا يرضى ﷺ أنْ يبقى أحد من
أمته في النار.
فيجب علينا حبّه أكثر من أنفسنا، وننصر دينه، ونترك حمية
أنفسنا، ونجعل لأزواجه الرضا والمبرة أكثر من أمهاتنا، وإن أوجب الله عليهم حَجْبهن عنا فلعظيم حرمتهنّ.
стр. 793
وأما كونه أباً لنا فالأَوْلَى نسبتنا لآبائنا، كما قال تعالى: (ادْعوهم
لآبائهم ... ) ، الآية، وسيأتي سِرُّ نسبتنا إلى أبينا إبراهيم، وذلك
أنه أمر بذَبْح ولده، فقال: (إني أرى في المنَامِ أني أذْبَحُك) ، فقال الله: يا إبراهيم أرسلتك بالمشاورة، فبعزّتي إن نظرت إليَّ دون الولد، وقطعت عنه قلبك، وسلّمت لأمري لأجعلن أمة محمد أولادك.
قال تعالى: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) .
وأما محمد ﷺ فلم ينظر إلى شيء دون الله ألبتة: ليلة المعراج عرض عليه جميع الأشياء فلم يلتفت إلى شيء دونه، وهذا قوله: (ما زَاغَ البَصَر وما طَغَى) ، فلما لم ينظر ﵇ إلى شيء دونه قطع عنه نسب المخلوقين، قال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) ، ولو كان النبي أبانا انقطع عنا لجُرْمِنا، كما أن يعقوب قطع عن أولاده بالجرم، بل كان نبيّاً، فلا يقطع عنا بالْجرم.
ولما كان الأب لا تقبل شهادته لابنه وهو ﷺ شهيداً علينا ومزكياً لأعمالنا فتقْبل تَزْكيته.
(معروفاً) ، أي إحساناً، يعني أن نَفْع الأولياء الذين
ليسوا بقرابة الوصية لهم عند الموت مندوب إليه، وأما الميراث فللقرابة خاصة.
واختلف هل المراد بالأولياء المؤمنون أو الكفار، واللفظ أعمّ من ذلك.
(مسطورا) : مكتوباً.
(ما تَلَبَّثوا بها إلاَّ يسيرا) : الضمير للمدينة.
(ما وعدَنا اللَّهُ ورسوله إلا غرورا) :
قيل إن هذا الوعد ما أعلمهم رسول الله ﷺ حين أمر بحَفْر الخندق من أنَّ الكفار ينزلون عليهم، وأنهم ينصرفون خائبين.
وقيل: إنه قول الله تعالى: (أم حَسِبْتم أن تَدْخلُوا الجنّةَ ولمَّا يَأْتِكم مَثَل الذين خَلَوْا مِنْ قَبْلكم ... ) .
فعلموا أنهم يبتلون ثم ينصرفون.
(مَنْ قَضَى نَحْبَه) : يعني من قتل شهيداً
стр. 794
كأنس بن النضر، وحمزة بن عبد المطلب.
وقيل قضى نحبه: وَفَى للعهد الذي عاهد الله عليه.
ويدل غلى هذا قوله عليه إلصلاة والسلام: طلحة ممَّنْ قَضَى نَحْبَه ولم يقتل
يومئذ.
(مَنْ يَنْتَظِر) : المفعول محذوف، أي ينتظر أن يقضي نحبه، وهو انتظار الشهادة على قول ابن عباس، أو ينتظر الحصولَ على أعلى
مراتب الإيمان والصلاح على القول الآخر.
(مَنْ يقْنُتْ مِنكُنَّ) :
الضمير عائد على أزواج نبينا ومولانا محمد ﷺ ، أي من يأْتِ منهن بعمل صالح يُضاعف لها ثوابه، لفضلهن
على الله، كما أن من أتى منهن بعمل سيئ يُضاعف على البناء للمفعول، وبالنون ونصب العذاب على البناء للفاعل.
وقرئ أيضاً من تقنت - بالتاء - حملاً على المعنى، وبالياء حملاً على لفظ مَنْ.
(ما كان لمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ ... ) :
معناها أنه ليس لمؤمن ولا مؤمنة اختيار مع الله ورسوله، بل يجب عليهم التسليم والانقياد لأمر الله ورسوله.
والضمير من قوله: (مِنْ أمرهم) - راجع إلى الجَمْع الذي
يقتضيه قوله: لمؤمن ولا مؤمنة، لأن معناه العموم في جميع المؤمنين والمؤمنات.
وهذه الآية موطّئة للقضية المذكورة بعدها.
وقيل: سببها أن رسول الله ﷺ خطب امرأة فزوَّجها لمولاه زيد بن حارثة.
فكرهت هي وأهلها ذلك، فلما نزلمت الآية قالوا رَضينا يا رسول الله.
وهذه الآية كقوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) .
وكقوله: (فلْيَحْذَرِ الذين يُخَالفون عَن امرِه أنْ تُصيبَهم فِتنة) .
(إنما كان قولَ المؤمنين إذا دُعُوا إلى اللهِ ورسولهِ ليَحْكُمَ بينهم أنْ يَقُولوا
سمِعْنَا وأطَعْنَا) .
(ما كان مُحَمّد أبا أحدٍ مِنْ رِجالكم) :
هذا ردّ على
стр. 795
مَنْ قَال في زيد بن حارثة زيد ابن محمد، فاعترض على النبي ﷺ ، حين تزوّج امرأة زيد.
وعموم الآية في النفي لا يعارضه وجود الحسن والحسين.
لأنه ﷺ لهما أب في الحقيقة، وإنما كانا ابني ابنته.
وأما ذكور أولاده فماتوا صغاراً فليسوا من الرجال.
(ما ملكَتْ يمينك مِمّا أفاء اللهُ عليكَ) :
في هذه الآية إباحة السَّرارِي لمولانا محمد ﷺ ولم يملك منهن غير مارية وريحانة.
وما أفاء الله عليه: الغنائم، ومنهن صفية، لكنه أعتقها، وجعل عتقها صداقها.
(ما الله مُبْدِيه) :
روي أنه ﷺ ذهب يوماً لزيارة
زَيْد، فخرجت زينب كالشمس الضاحية، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فلما جاء زيد أخبرته بقوله ﷺ ، ففهم أنها أعجبته، ومِنْ خصائصه ﷺ إذا وقع بصره على امرأة وأعجبته وجب على زوجها طلاقها رِضاً له ﷺ ، فأتى إلى
رسول الله ﷺ ، وقال له: قد طلقتُ زينب يا رسول الله (١) .
فقال له: أمْسِكْ عليك زوْجك واتق الله، فأبْدَى الله ذلك بأن قَضَى الله بتزويجها.
قالت عائشة ﵂: لوَ كان رسول الله ﷺ يخفي شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية
لشدتها عليه.
فإن قلت: قد حرم الله عليه خائنةَ الأعين، فكيف أخفى في نفسه حبَّه
طلاقها من زيد؟
فالجواب أن الذي أخفى إنما هو أمر مباح لا إثم فيه ولا عَيب، أشفق على
أمّته من التسلُّط عليه بألسنتهم، فيكون فيه هلاكهم، وتأمَّل قولَه في أم سلمة لما أتته في معتكفه، وانطلق معها بغَلس ولقيه الصحابة وهو معها، فقال: إنها أمّكم أمّ سلمة.
فقالوا: أو تحدثنا أنفسنا بذلك، وأنتَ رسول الله، فقال: إن الشيطان
يجري من ابن آدم مجرى الدم، فأبدى الله زواجَها منه، وبهذا كانت تفخر على نساء رسول الله ﷺ ، وتقول: إن الله زوَّجني من فوق سبع سموات.
стр. 796
وقيل: إن الله كان أوحى إلى رسول الله ﷺ أن يتزوج زينب بعد طلاق زيد، فأخفاه، فأعلمه الله في كتابه.
(ما فَرضْنَا عليهم في أزْوَاجِهم) :
يعني أحكام النكاح، والصداق، والوليّ، والاقتصار على أربع، وغير ذلك.
(مَنِ ابْتغَيْتَ مِمَّنْ عزَلْتَ فلا جُنَاحَ عَلَيْكَ) :
في معناه قولان:
أحدها: من عزلْتَه من نسائك فلا جناح عليك في ردّه بعد عزْله.
والآخر: مَن ابتغيت ومَنْ عزلت سواء في إباحة ذلك لك.
فمن للتبعيض على القول الأول، وأما على الثاني فنحو قولك: مَنْ لقيته ممن يلقاك سواء.
(ما ملكتْ يمِينك) : المعنى أنَّ الله أباح الإماء، فالاستثناء في موضع رفع على البدل من النساء، أو في موضع نصب على الاستثناء من
الضمير في حسْنُهُنّ.
(مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) . تكرير الآيات القرآنية في إذايته ﷺ إشارةٌ لعظيم
ذلك، وإذا نهى الله عن الجلوس في بيته للحديث والاستئناس فما بالك بمن
تنَقَّصه أوْ عَابَه أو آذاه، وهذا لا يشكّ أحدٌ في كفره.
وقد ألف الناس في هذا المعنى تواليف، ومن أوكد احترامه الاستماعُ لحديثه
والصلاةُ عليه عند ذكره.
وأما تحريم أزواجه فسببه أنَّ بعضهم قال: لو مات رسولُ الله ﷺ لتزوجتُ عائشة، فحرّم الله على الناس تزوجهن، وهذا في مدخولته، وأما غير المدخول بها فجائز.
وقد تزوج عكرمة بن أبي جهل إحداهن، فلم ينكر عليه الخلفاء رضي
اللَه عنهم.
(ما اكْتَسَبوا) : يعني اجترحوا.
وفي الآية تنبيه على أنَّ ذلك هو البهتان، وهو ذِكْر الإنسان بما ليس فيه، وهو أشد من الغيبة مع أنها
стр. 797
محرَّمة، وهي ذِكْره بما فيه مما يَكْرَه، وإذا أردت أن ترف عظيم مرتكبها فقِسْ ما بين قوله ﷺ : " الربا اثنان وسبعون باباً أدناها مثل أن يطأ الرجل أمّه ".
وقوله ﷺ : " مِن أرْبَى الرِّبا استطالة المسلم في عِرْض أخيه بغير حق " - يظهر لك عظيم ما نحن فيه من الهلاك إن لم يعْف عنا مولانا، فعليك بدعاء آدم ﵇: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .
فسمع نداءه فتاب عليه وهَدَى.
(مَلْعونين) : نصب على الذم، أو بدل من قليل، أو حال من ضمير الفاعل في: (يجاورونك) ، تقديره: سيقفون ملعونين.
(ما يَلِج في الأرض) :
أي ما يدخل فيها من المطر والأموات وغير ذلك، وما يخرج منها من النبات وغيره.
(وما ينْزِل من السماء) :
من المطر والملائكة والرحمة والعذاب.
(وما يَعرجُ فيها) : أي يصعد ويرتفع من الأعمال وغيرها.
(ما بَيْنَ أيْدِيهم وما خَلْفَهم من السماء والأرض) :
قد قدمنا معناه.
والمعنى هنا أو لم يروا إلى السماء والأرض فيعلموا أن الذي خلقهما قادر
على بعْثِ الناس بعد موتهم.
ويحتمل أن يكون المعنى تهديداً لهم لقوله: (إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ) .
(مَسْكنِهم) :
الإشارة إلى قوم سبأ، وقد قدمنا أن مساكنهم
كانت بين الشام واليمن، وكان الرجل منهم لا يتزود ويمشي في ظل الشجر، ولا يخاف من أحد، فكفروا بأنْغم الله، وقالوا باعِدْ بَيْنَ أسفارنا ليتزّودوا للأسفار ويمشوا في المفاوِز، فجعل الله إجابتهم كما قال: (مَزّقناهم كل ممَزَّق) ، أي فرّقناهم في البلاد حتى ضرب المثل بفرقتهم، فقيل: تفرّقوا أيْدي
سبأ.
وفي الحديث: إن سبأ أبو عشرة من القبائل، فلما جاء السيل على بلدهم
تفرّقوا فتيامَنَ منهم ستة، وتشاءم أربعة.
стр. 798
(ماذا قال ربُّكم) :
تظاهرت الأحاديث عن رسول الله ﷺ
أنّ هذه الآية في الملائكة ﵈، وقد قدمنا معنى ذلك.
(مَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا) .
معناها يحتمل وجهين:
أحدهما ليس عندهم كتاب يدل على صحة أقوالهم، ولا جاءهم نذير
يشهد بما قالوه، فأقوالهم باطلة، إذ لا حجة لهم عليها، فالقصد على هذا الرد عليهم.
والآخر أنه ليس عندهم كتاب ولا جاءهم نذير، فهم محتاجون إلى مَنْ
يعلمهم وينذرهم، فلذلك بعث الله إليهم محمداً ﷺ ، فالقصد على هذا إثبات نبوءته.
(ما بلَغوا مِعْشَارَ ما آتَيْنَاهم) :
المعشار: العشر، والضمير في بلغوا لكفّار قريش، وفي آتيناهم للكفار المتقدمين، أي أن هؤلاء لم يبلغوا عشر ما أعطى الله المتقدمين من القوة والأموال.
وقيل الضمير في (بلغوا) للمتقدمين، وفي آتيناهم لقريش، أي ما بلغ المتقدمين عشر ما أعطى الله هؤلاء من البراهين والأدلة.
والأول أصح -، وهو نظير قوله: (كانوا أشدَّ منهم قوة) .
(ما بِصاحِبِكم مِنْ جِنَّة) :
الضمير لنبينا ومولانا محمد ﷺ ، لأنهم إذا تفكروا في أقواله وأفعاله دلَّهم ذلك على رَجَاحة عقله، ومتانة علمه، وأنه ليس بمجنون ولا مفْتَرٍ على الله.
(ما سألْتُكم مِنْ أجْر فهو لكمْ) :
هذا كما يقول الرجل لصاحبه إن أعطيتني شيئاً فخذه، وهو يعلم أنه لم يعطه شيئاً، ولكنه يريد البراءة من عطائه، فكذلك معنى هذا، فهو كقوله: (قل ما أسألكم عليه مِنْ أجْر) .
وقيل معناه: ما سألتكم من الصلاة فهو لكم.
(ما يَشْتَهون) :
الضمير للكفار، يعني أنهم يريدون الرجوع
стр. 799
إلى الدنيا، أو دخول الجنة، أو الانتفاع بالإيمان حينئذ، فئحَال بينهم وبين
شهوتهم.
(ما يفْتَح اللَّهُ للناسِ مِنْ رَحمة) .
الفتح في هذه الآية: عبارة عن العطاء، والإمساك عبارة عن الْمَنْع، والإرسال والإطلاق بعد المنع، والرحمة كل ما يمنّ الله به على عباده من خير الدنيا والآخرة.
فمعنى الآية لا مانع لما أعطى الله، ولا معْطي لما منع.
فإن قيل: لم أَنّث الضمير في قوله: (فلا ممسك لها) ، وذكّره في قوله (فلا مرسل له) ، وكلاهما يعود على ما الشرطية؟
فالجواب أنه لما فَسَّر الأول بقوله: (من رحمة) - أنث لتأنيث الرحمة، وترك
الآخر على الأصل من التذكير.
(أفمنْ زُيِّنَ له سوءُ عَملِه) :
توقيف، وجوابه محذوف، تقديره أفمن زيِّنَ له سوءُ عمله كمن لم يزَيّن له.
ثم بنى على ذلك ما بعده، فالذي زين له سوءُ عمله هو الذي أضلَّه الله، والذي لم يزينّ له سوء عمله هو الذي هداه.
(مَكْر أولئكَ هو يَبور) .
قد قدمْنَا في حرف الباء أنَّ البَوارَ معناه الهلاك، ومعناه هنا أنَّ مكرهم يبطل ولا ينفعهم.
(ما يعَمَّر مِنْ معَمَّر) .
معناها أنَّ التعمير - وهو طول العمر، والنقص وهو قصره - مكتوب في اللوح المحفوظ.
فإن قيل: إن التعمير والنقص لا يجتمعان في شخص واحد، فكيف أعاد
الضمير في قوله: (ولا ينْقَص من عمره) على الشخص المعمر؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: وهو الصحيح - أن المعنى لا يزاد في عمر إنسان، ولا ينقص من
عمره إلا في كتاب، فوضع من معمر في موضع من أحد، وليس المراد شخصاً واحدا، وإنما ذلك كقولك: لا يعاقب الله عبدا ولا يثيبه إلا بحق.
стр. 800
والثاني: أن المعنى لا يزَاد في عمر إنسان ولا ينقص من عمره إلا في
كتاب، وذلك أن يكتبه في اللوح المحفوظ إن تصدَّق فلانٌ فعمره ستّون سنة، وإن لم يتصدق فعمره أربعون، وهذا ظاهر قول رسول الله ﷺ : صلَة الرحم تزيد في العمر، إلا أن ذلك مذهب المعتزلة القائلين بالأجلين، وليس مذهب الأشعرية.
وقد قال كعب حين طعن عمر: لو دعا الله فزاد في أجله، فأنكر
الناس ذلك عليه، فاحتج بهذه الآية.
والثالث: أن التعمير هو كَتْب ما يستقبل من العمر، والنقص هو كتب ما
مضى منه في اللوح المحفوظ، وذلك في حق كل شخص.
(ما يَسْتَوِي البَحْرَان) :
قد قدمنا معنى البحرين، والقَصْد في هذه الآية التنبيه على قدرة الله ووحدانيته وإنعامه على عباده.
وقال الزمخشري: إن الله ضرب البحرين الملح والعذب مثلين للمؤمن والكافر، وهذا بعيد
(مَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ) :
الآية تمثيل لمن آمن، فهو كالحيّ، ومن لم يؤمن فهو كالميت.
وقوله: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) ، عبارة عن عدم سمع الكفَّار للبراهين والمواعظ، فشبّههم بالموتى في عدم إحساسهم.
وقيل المعنى أنَّ أهل القبور وهم الموتى حقيقة لا يسمعون، فليس عليك أن
تسمعهم، وإنما بعثت إلى الأحياء.
وقد استدلت عائشة بالآية على أنَّ الموتى لا يسمعون، وأنكرت ما ورد من
خطاب النبي ﷺ لِقَتْلى بَدْر حين جعلوا في القَلِيب، وقوله: ما أنت بأسمع لما أقول لهم منهم، ولكن يمكن الجَمْع بين قولها وبين الحديث بأن الموتى في القبور إذا رُدَّت إليهم أرواحهم سمعوا، وإن لم ترد إلى أجسادهم لم يسمعوا، فردَّ اللَه إلى أهل القليب أرواحهم ليسمعوا خطابه ﷺ تهويلاً لهم وحسرةً في قلوبهم.
(ما أُنْذِرَ آباؤهم) : (ما) نافية.
والمعنى لم يرسَل إليهم
стр. 801
ولا لآبائهم رسول ينذرهم.
وقيل المعنى لتنذر قوماً مثل ما أنذر آباؤهم، فما على هذا
موصولة بمعنى الذي أو مصدرية، والأول أرجح، لقوله: (فهم غافلون) .
يعني أنَّ غفلتهم بسبب عدم إنذارهم، ويكون بمعنى قوله: (ما أتاهم مِنْ نذير) .
ولا يعارض هذا بعث الأنبياء المتقدمين، فإن هؤلاء القوم لم يدركوهم ولا آباؤهم الأقدمون.
(مَنِ اتّبعَ الذكرَ وخَشِيَ الرحْمنَ بالغَيْبِ) .
أي غير مشاهِدٍ له، إنما يصدّق رسوله ويسمع كتابه.
فإن قلت: كيف قرن بالخشية الاسم الدالَّ على الرحمة في يس وق، وفي فاطر، أضافه للربوبية؟
وجوابك: معناه في فاطر أن الإنذار لا ينفع إلا الذين يخشَوْن ربَّهم وهم
غائبون عن عذابه وغائبون عن الناس، فخشيتهم حقّ لا رياء، وليس المعنى
اختصاصهم بالإنذار.
بالغيب في موضع الحال من الفاعل في " يخشون "، وإنما
ذكر الرحمة مع الخشية لقصد المبالغة في الثناء على من يخشى الله، لأنه يخشاه مع علمه بحلمه ورحمته.
قال الزمخشري: ويحتمل أن يكون الجواب عن ذلك أن
الرحمن قد صار يستعمل استعمال الاسم، كقولنا الله.
(مَنْ لا يَسْألكم أجْراً) :
هذا من قول حبيب النجار لقومه، يعني أن هؤلاء المرسلين لا يسألونكم أجرة على الإيمان فتخسرون معهم ويثقل عليكم، وإنما يطلبونكم لمنفعتكيم الأخروية، والذي يطلبك لنفسك من غير طمع
في دنياك أوْلى باتباعه لتمحض نصحه، ثم دلّهم على اتباعه.
(مالي لا أَعْبدُ الذي فَطَرنِي) : معناه أي شيء يمنعني عن
عبادة ربي، وهذا توقيف وإخبار عن نفسه قصد به البيان لقومه ولذلك قال
لهم: (وإليه ترجعون) ، فخاطبهم بخطاب من يشاهدون رجوعَ
قومهم واحدا بعد واحد.
стр. 802
(ما أنزلْنَا على قَوْمه مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جنْدٍ من السماء) :
المعنى أن الله أهلكهم بصيْحَةٍ صاحها جبريل، ولم يحتَجْ في تعذيبهم إلى إنزال جنْد من السماء، لأنهم أهون من ذلك.
وقيل المعنى ما أنزل الله على قومه ملائكة رسلاً كما قالت قريش: (لولا
أنزلَ إليه مَلَكٌ فيكونَ معه نذيراً) .
وقالوا أيضاً: (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) .
فردَّ اللَّهُ عليهم بقوله: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ) ، يعني أنَّ نزول الملائكة ِ لغير النبي إنما هو للانتقام منه أو لقَبْض روحه.
وقد جرت حكمة الله أن إيمان خَلْقه إنما يكون نظرياً بالدليل والبرهان، ولو نزلت الملائكة لاضطر خلقه إلى الإيمان به، لأنهم رأوا الحق عياناً، ورأوا المعجزات التي آمن بها الصحابة ولم يروها، فطوبي
لمن رأى صحفاً تُتْلى سوادا في بياض، وآمن بها وصدقها، وكيف لا وقد قال
فيهم ﷺ : " أولئك إخواني حقا".
(ما كُنّا مُنْزِلِين) .
أي ما كُنَّا لننزل جنْدا من السماء على أحد، وبهذا يتبين لك أن لفظ الجند أليق بالمعنى الأول، وكذلك ذكر الصيحة بَعْد ذلك.
فإن قلت: قوله تعالى في الأحزاب: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) ، وقد أنزل الله خمسة آلاف ملك يوم بَدْر وحنين لنُصْرة رسول الله ﷺ ؟
فالجواب أن معناه ما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب
جنْداً من السماء، وذلك أن الله أجرى هلاك قوم بالريح، وقوم
بالصيحة، وقوم بالغَرَق، بحسب حكمته السابقة.
ولما كان إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يستأهِلها الكفرة أخذَهم الله بأقلّ الأمور.
ولما جعل الله الملائكة خدّاماً لهؤلاء الأمة المحمدية يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم، ليحظوا بحظ الردّ لحرمة حبيبهم وصفيهم محمد ﷺ ، وجعلهم
стр. 803
يستغفرون لهم، حتى إن جبريل طلب منه ﷺ أن تجوز أمّته على جناحه ليقيهم من حَرّ نار جهنم، وطلبت الملائكة يوم بَدْر وحنين ربها في نصرتهم إكراما وتشريفاً لنبيهم، ألا تراهم ليلة القدر يطلبون النزول إليهم للسلام عليهم، والحضور معهم، يرغبون في غفران ذنوبهم والتشفّع فيهم، فمَنْ أولى منك يا محمدي بالتشريف إن كنتَ من أمة النبي الشريف، اللهم بحرمته عندك، ومكانته لديك، لا تحرمنا من رؤيته وجِوَاره في مستقرّ رحمتك، واغفر لنا ما جنيناه، إنك أنت الغفور الرحيم.
(ما عملَتْه أيديهم) :
(ما) معطوفة على ثمره، أي ليأكلوا من ثمره وممَّا عملت أيديهم بالحَرْث والزراعة والغراسة.
وقيل: (ما) نافية.
وقرئ: "وما عملت" بغير هاء، وما على هذا معطوفة.
(مَنَازل) :
مساكن ومواطن، ومنازل القمر ثمانية وعشرون
ينزل القمر كلّ ليلة واحدةً منها مِنْ أول الشهر ثم يستتر في آخره ليلة أو ليلتين.
قال الزمخشري: وهذه المنازل هي مواقع النجوم.
(ما يَنْطرون إلاَّ صَيْحةً واحِدةً تأخذهم) :
يعني النفخة الأولى في الصور، وهي نفخة الصعق تأخذهم بغتة.
(مَنْ بَعثَنا مِنْ مَرْقَدِنا) .
المرقد يحتمل أن يكونَ اسم مصدر، أو اسم مكان، قال أبي بن كعب ومجاهد: إن البشر ينامون نومة قبل الحشر.
ابن عطية: وهذا غير صحيح الإسناد، وإنما الوجه في معنى قولهم: (مِنْ
مرقدنا) أنها استعارة وتشبيه، يعني أنَّ قبورهم شبِّهت بالمضاجع، لكونهم فيها على هيئة الراقد، وإن لم يكن رقاد في الحقيقة.
(ما وَعدَ الرحمن وصدَق الْمرْسَلون) :
هذا مبتدأ محذوف الخبر، ويحتمل أن يكون هذا الكلام مِنْ بقية كلامهم، أو يكون من كلام الله تعالى، والمؤمنون يقولونها للكفار على وَجْهِ التقريع.
стр. 804
(مَكَانَتِهم) : مكانهم.
والمعنى لو نشاء لمسخناهم مَسْخاً يقعدهم في مكانهم، فلا يقدرون على الذهاب ولا على الرجوع.
(مَنْ نعَمِّرْه ننَكسْه في الخَلْق) .
أي نحوّل خلقته من القوة إلى الضعف، ومن الفهم إلى البله، ومن الشباب إلى الهرم، وشِبْه ذلك، كما قال تعالى: (ثم جعل مِنْ قوّةٍ ضَعْفاً وشَيْبَة) .
واختلف في حد التعمير الذي يصل الإنسان فيه إلى هذا.
والصحيح أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وقد قدمنا الحديث:
"مَنْ صدق في صغره حفظه الله في كبره".
فالذي تراه صادقَ اللهجة يحفظه في كبره من ذهاب عقله.
ومقصود الآية الاستدلال على قدرة الله - في مشاهدتهم - على تنكيس الإنسان إذا هرم فالذي يقدر على هذا يقدر على مسخكم لولا رحمته بكم، ولذلك ختم الآية بالعقل الذي هو أسّ الأمور.
(ما عَلَّمْنَاه الشِّعْرَ وما ينْبَغِي لَه) .
هذه الضمائر راجعةٌ لنبيِّنا ومولانا محمد ﷺ ، لأنهم قالوا له شاعر، فرد الله عليهم بهذه الآية، واعجبا
منهم! وهم يرونه لا يزن شعراً ولا يذكره، وإذا ذَكَر بيتاً منه كسره، ويقولون فيه شاعر! تَبًّا لهم!
فإن قلت: قد تكلّم بكلام على وزْن الشعر، كقوله ﷺ : هل أنت إلا أصبع دميت. وفي سبيل الله ما لقيت.
وقال: أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبد الطلب.
فالجواب أن هذا ليس بشعر، ولم يقصده، وإنما جاء بالاتفاق لا بالقصد.
كالكلام المنثور.
ومثل هذا يقال فيما جاء في القرآن من الكلام الموزون الذي
تحدَّاهم الله بسورة منه فلم يقدروا، مع أنهم طبعوا على الفصاحة والشعر، فهو من أعظم المعجزات.
كأنه قال لهم: إن قلتم فيه إنه شاعر فأتوا بشعر مثله، مع أنه
ليس بشعر، ولا ينبغي له الشعر لصدقه وأمانته، (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) .
стр. 805
ولهذا ذمّ الله الشعراء، لإفراط التجوّز فيه، وإنْ ورد
في الحديث: إنَّ من الشعر لحكمة - فإنما يصدق على ما هو عَرِيّ عن الأوصاف الذميمة، ورحم الله الشافعي في قوله: الشعر كلام، والكلام منه حسن ومنه قبيح.
(مَنَافِعُ وَمَشَارِب) :
قد قدمنا في النحل معناه.
(مَثَلاً ونَسِيَ خَلْقَه) .
يعني أن العاصي بن وائل أو أمية بن خلف، أو أبي بن خلف، على اختلاف الروايات أتى إلى رسول اللَه ﷺ بعظم
رميم، فقال له: يا محمد، مَنْ يُحْيى هذا؟ فقال له: الله يحييه، ويميتك ثم يحييك، ويدخلك جهنم، فانظر كيف نَسِي خلقته الأولى، واستعظم وجودَ الثانية، هل هذا إلا من المعاندة في المحسوس، فكيف يطلق اسم الخالق على من لم يخلق جميع الناس، ولقد أنزل الله خمس آيات على نبيه لو لم يكن منها إلا واحدة لمنعَتْنَا من التمتع بهذه الدنيا: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) .
(أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
(أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) .
(سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) .
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) .
فجميعُ المخلوقات على أصنافها لم يخلقها الله إلا لحكمة: الملائكة لخدمته.
وما منّا إلا مقَام معلوم.
والأرض للعبرة بها، قل سيروا في الأرض.
وفي الأرض آياتٌ للمُوقنين.
والأنعام للمنفعة، لتركبوا منها ومنها تأكلون.
والعارف لعبادته، وما خلقْتُ الجن والإنْسَ إلا ليَعْبدون.
والعالم للرحمة، قال تعالى: (ولا يزالون مختلفين إلا مَنْ رحم رَبُّك) .
فهنيئاً لمن فتح الله بصيرته وتَبًّا لمَنْ أعماها له.
(ما كانوا يَعْبُدون) :
يعني الأصنام والآدميين الذين كانوا يرضون بذلك.
وقد قدمنا أن فائدةَ دخول الأصنام والمعبودات النار
زيادةُ نَكالهم.
стр. 806
(مَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) .
أيْ أيّ شيء تظنون برب العالمين أن يعاقبكم وقد عبدتم غيره، فالقَصْد بهذا التأويل التهديد.
أو أي شيء تظنون أنه هو حتى عبدتم غيره.
والقصد بهذا تعظيم الله وتوبيخ لهم، كما تقول:
ما ظنّك بفلان! إذا قصدت تعظيمه.
(متَّعناهم إلى حِين) :
الضمير يعود على قوم يونس لما آمنوا وخرجوا بالأطفال والبهائم، وفرّقوا بينها وبين أولادها، وتضرعوا إلى الله، وأخلصوا بالبكاء، وتابوا إلى الله توبةً، وعهدوا أن من كذب أو سرق أو زنى أقاموا عليه الحد، وأنهم مشاركون في علومهم وأموالهم، فرفع الله عنهم العذاب ومتعهم إلى حين.
واختلف ما المراد بالْحِين، وقد قدمناه في حرف الحاء.
وأما قوله تعالى (تؤْتي أكلَها كلَّ حِين) ، فقيل: سنة، أو ستة أشهر، أو
شهران، ولما دخل عليهم ذو القرنين وجدهم تائبين، لا باب لبيت، ولا غنيّ
فيهم ولا فقير، ولا عالم ولا جاهل، كل واحد منهم جادَ على جاره بما عنده من علم ومال، فطلب أن يدْفَن معهم.
وقد ذكر الناس في قصصهم طولاً تركناه لعدم صحته.
وقد صح أنه ﷺ مرّ بهم ليلة الإسراء، فآمنوا به وصدقوه، وقد لقي غلاماً في مسيره إلى الطائف فأخبره أنه منهم، فانظر يا محمدي مَنْ رجع إلى الله كيف يقبله، وكيف لا يقبله، وهو يقول: (وهو الذي يَقْبَل التوبةَ عن عباده ويَعْفُو عن السيئات) .
فإن قلت، قد قال في آية أخرى: (غافر الذَّنْبِ وقَابِل التَّوْبِ) ، فهل بين العفو والمغفرة فرق؟
قلنا: العفو عنها يستلزم مغفرتها، فسبحان مَنْ لم يَرْضَ بغفرانها حتى بدّلها
لهم حسنات مكافأة لتوبتهم.
стр. 807
فإن قلت: الاعتقاد أنَّ طائفة من هذه الأمة لا بدّ لهم من دخول النار.
قلنا: إن لم يتوبوا، وفيه إشارة إلى عدم الأمْن من مَكرِ الله، ولذلك ورد
الحديث: المؤمن بين مخافتين: بين أجَل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه.
وأيضاً من لم يذق الشدة لم يجد حلاوة النعمة، فقوم يستغيثون من النار، وقوم تستغيث النار منهم، وقوم تقول لهم النار: أجر يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي، وقوم يمكثون فيها ما شاء الله ثم يخرجون منها ويتحسر مَنْ فيها، (ربمَا يَوَدّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين) ، فالمؤمن الذي يدخلها تكون عليه بَرْداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم، وذلك أنهم تعجبوا منه من عدم حَرْقها له، فأراد الله أن يرِيهم يوم القيامة ليعلموا أنَّ صانع النار والنور واحد، فتحرق من يشاء خالقُها، وتهرب ممن يطيعه.
قال تعالى: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) .
(ما لكم كيف تَحْكُمون) :
(ما) استفهامية معناها التوبيخ، وهي في موضع رفع بالابتداء، والمجرور بعدها خبرها ينبغي الوقْفُ على قوله: (ما لكم) ، ثم يقرأ: (كيف تحكمون) .
(ما مِنّا إلاَّ لَهُ مَقَامٌ معلوم) :
هذا حكاية كلام الملائكة ﵈، وتقديره: ما منّا ملك إلاَّ ولهُ مقام معلوم، فحذف الموصوف لحذف الكلام، والمقام المعلوم يحتمل أن يراد به الموضع الذي يقومون فيه، لأن منهم مَنْ هو في سماء الدنيا وكذلك في كل سماء، أو المنزلة من العبادة والتقريب والتشريف، ولذلك فخروا بصفوفهم وتسبيحهم، ومنهم قيام لا يركعون، ومنهم سجود لا يرفعون، ومنهم قعود لا يقومون، فجمع الله لهذه الأمة المحمدية في الصلاة عبادة الملائكة من قيام وقعود، وركوع وسجود، وتسبيح وتكبير، وزادهم من التحيات الذي كان من الرسول ليلة الإسراء حين قال: التحيات للَه ... الخ، فقال الله تعالى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
стр. 808
وبركاته، فطِبْ نفسا وقَرّ عيناً يا محمدي بما خوّلك مولاك، وأعلم أنكَ تقِفُ بين يديه، فانظر وقوفك بمَ يكون، هلا وهبت نفسك له وأسلمتها موافقة لقولك: وَجَّهْت وجهي هذا بلسانك، فأين وجهتك.
فإن قلت: لم كان الدخول فيها بتكبيرة والخروج منها بتسليمتين، والركوع
واحدٌ والسجود اثنين؟
والجواب لأن الواحد يقبل الواحد، فإذا قلت الله أكبر فكأنك أقبلت عليه
وعظّمته على كل شيء، فرضي منك هذه الكلمة المشرفة، وأقبل عليك، وإن اشتغلت بغيره فلم تُفْرِدْه وقطعت نفسك عنه، ألا ترى أنَّ التسليمتين قطعت عنه وانفصلت عن مناجاته، كرمضان تدخل فيه بشاهد واحد وتخرج منه بشاهدين، ولما كان السجودُ أقربَ إلى الله من جميع أفعال الصلاة أمرك بسجدتين، أو لأنَّ السجود للأصنام كان عندهم مرة واحدة فزادك أخرى لتفرّق بين السجود لله والسجود لغيره، أو لأن الملائكة كانوا سجوداً وطلبوا من الله ليلةَ الإسراء بحبيبه أَن يروه فأذِن لهم ورفعوا رؤوسهم لرؤيته فسجدوا مرةً لله شكرا لرؤيته، فأمر الله بذلك: الأولى امتثالاً لأمر الله، والثانية شكرا له بأن أهَّلك لطاعته.
فإن قلت: لما كان السجود بهذه الْمَثَابة فهلاَّ أمر به المصلِّي على الميت، لأنه
يشفيع، والشفيع لا يجد قربة إلى الله أفضل منه؟
والجواب: لما كان في السجود للمصلِّي على الميت إيهام بالسجود له أمره اللهُ
بعدم السجود، كأنه يقول: لا أريد أن تسجد لي حتى يرتفع الحجاب بيني
وبينك.
(مَناص) :
مَفَرّ ونجاة، من قولك: ناص يَنوص إذا فرَّ، التقدير وليس الحين الذي دعوا فيه حين مناص.
قال أبو القاسم: معناه فرار بالنبطية.
(مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ) :
هذا من كلام الملأ الذين، خرجوا من عند أبي طالب وتفرقوا في طرق مكة، ومرادهم بالملة الآخرة
стр. 809
ما أدركوا عليه آباءهم، أو الملَّة المنتظرة، لأنهم كانوا يسمعون من الأحبار والكهان أن رسولا يبعث يكون آخر الأنبياء، فلما جاءهم جحدوا، واستيقنتها أنفسهم ظلماً.
(ما هنَالكَ مهزوم مِنَ الأحزاب) :
هذا وعيد بهزيمتهم في القتال، وقد هزموا يوم بَدْر وغيره، و (ما) هنا صفة لجند، وفيها معنى التحقير لهم، والإشارة بهنالك إلى حيث وَضَعوا أنفسهم من الكفر والاستهزاء.
وقيل: الإشارة إلى الارتقاء في الأسباب، وهذا بعيد.
وقيل الإشارة إلى موضع بدْر.
ومن الأحزاب معناه من جملة الأحزاب الذين تعصَّبوا للباطل فهلكوا.
(ما يَنْطر هؤلاء إلا صَيْحةً واحدة) :
المراد بهؤلاء قريش ومَنْ تبعهم.
والصيحة الواحدة: النفخ في الصُّور.
وقيل: ما أصابهم من قَتل وشدائد، وهو أظهر، لأن من مات فقد قامت قيامته، وقد ورد في الحديث.
(مَسّنِيَ الشيطان بنصْبٍ وعَذَابٍ) :
بضم النون وإسكان الصاد، وبفتحها وإسكان الصاد، وبضمَ النون والصاد، وبفتحهما، بمعنى المشقة.
وهذا من كلام أيوب لما سلَّط الله عليه الشيطان ليَفْتِنَه (١) ، وأهلك ماله وولده، ووسوس قلبه، استغاث ودعا الله بتفريج كَرْبه خوفاً من فِتْنَته.
فإن قلت: أين هذا من قوله تعالى: (إنّا وَجَدْنَاه صَابِراً نعم العَبْدُ) ، وأَيّ قدرة للشيطان حتى ينسب ما أصابه من البلاء إليه؟
فالجواب أنه صبر على ما أصابه في المال والولد والنفس، فلما وصل إلى
الوسوسة استغاث، ويكفيك من صبره أن الله قَرنه بنون العظمة وهاء الضمير، فلا يعتقد في رسول الله غير ذلك، ونسبة الفعل للشيطان على جهة نسبة الشر إليه، كقول موسى: (وما أنْسَانِيه إلاَّ الشيطان) .
(هذا من عَمَلَ الشيطان) .
وقوله ﷺ لما نام ليلة الْوَادِي: إن بهذا الوادي شيطاناً.
فهو تنسب إليه الشرور.
ولذلك يتبرأ يوم القيامة ممن أطاعه، ويقول: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) .
стр. 810
فالنسبة إليه نسبة مجازية، كما أن نسبة الخير إلى الله حقيقة.
وقد صحّ أنَّ التائبين يمرون يوم القيامة تحت لواء آدم، والشاكرين تحت لواء
نوح، والْموفين بالعهود تحت لواء إبراهيم، والمحزونين تحت لواء يعقوب.
والمحبوسين تحت لواء يوسف، والصابرين تحت لواء أيوب، والمخلصين تحت
لواء موسى، والزاهدين تحت لواء عيسى، والصادقين تحت لواء يحيى، والمحبين تحت لواء الحبيب على جيعهم الصلاة والسلام، والمؤذنين تحت لواء بلال، والصالحين تحت لواء عمر، والصدّيقين تحت لواء أبي بكر، والمتقين تحت لواء عثمان، والراكعين تحت لواء علي ﵃ أجمعين.
(ما لَه مِنْ نفاد) :
الضمير يعود على نعيم الجنة، لتقدم ذكره، أو لرزق الدنيا (١) .
(مَنْ قَدّم لنا هذا فزِدْه عذاباً ضِعْفاً في النار) :
هذا كلام الأتباع، دعوا إلى الله تعالى أن يضاعف العذاب لرؤسائهم الذين أوجبوا لهم العذاب، فهو كقولهم: (رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ) .
(ما لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كنَّا نَعدّهم من الأشرار) :
قيل إن القائلين لهذه المقالة أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأمثالهم.
والرجال المذكورون هم عمّار، وبلال، وصهَيب، وأمثالهم.
واللفظ أعمّ من ذلك.
والمعنى أنهم قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنّا نعدهم في الدنيا من
الأشرار.
(مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ) :
القصد بهذه الآية الاحتجاج على نبوءة نبينا ومولانا محمد ﷺ ، لأنه أخبر بأمور لم يكن يعلمها.
والملأ الأعلى هم الملائكة، وعليهم يعود الضمير في يختصمون.
واختصامهم هو في قصة آدم حين قال الله لهم: إني جاعل في الأرض خليفة.
حسبما تضمنته قصته في مواضع من القرآن.