(مَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) .
أيْ أيّ شيء تظنون برب العالمين أن يعاقبكم وقد عبدتم غيره، فالقَصْد بهذا التأويل التهديد.
أو أي شيء تظنون أنه هو حتى عبدتم غيره.
والقصد بهذا تعظيم الله وتوبيخ لهم، كما تقول:
ما ظنّك بفلان! إذا قصدت تعظيمه.
(متَّعناهم إلى حِين) :
الضمير يعود على قوم يونس لما آمنوا وخرجوا بالأطفال والبهائم، وفرّقوا بينها وبين أولادها، وتضرعوا إلى الله، وأخلصوا بالبكاء، وتابوا إلى الله توبةً، وعهدوا أن من كذب أو سرق أو زنى أقاموا عليه الحد، وأنهم مشاركون في علومهم وأموالهم، فرفع الله عنهم العذاب ومتعهم إلى حين.
واختلف ما المراد بالْحِين، وقد قدمناه في حرف الحاء.
وأما قوله تعالى (تؤْتي أكلَها كلَّ حِين) ، فقيل: سنة، أو ستة أشهر، أو
شهران، ولما دخل عليهم ذو القرنين وجدهم تائبين، لا باب لبيت، ولا غنيّ
فيهم ولا فقير، ولا عالم ولا جاهل، كل واحد منهم جادَ على جاره بما عنده من علم ومال، فطلب أن يدْفَن معهم.
وقد ذكر الناس في قصصهم طولاً تركناه لعدم صحته.
وقد صح أنه ﷺ مرّ بهم ليلة الإسراء، فآمنوا به وصدقوه، وقد لقي غلاماً في مسيره إلى الطائف فأخبره أنه منهم، فانظر يا محمدي مَنْ رجع إلى الله كيف يقبله، وكيف لا يقبله، وهو يقول: (وهو الذي يَقْبَل التوبةَ عن عباده ويَعْفُو عن السيئات) .
فإن قلت، قد قال في آية أخرى: (غافر الذَّنْبِ وقَابِل التَّوْبِ) ، فهل بين العفو والمغفرة فرق؟
قلنا: العفو عنها يستلزم مغفرتها، فسبحان مَنْ لم يَرْضَ بغفرانها حتى بدّلها
لهم حسنات مكافأة لتوبتهم.
стр. 807
فإن قلت: الاعتقاد أنَّ طائفة من هذه الأمة لا بدّ لهم من دخول النار.
قلنا: إن لم يتوبوا، وفيه إشارة إلى عدم الأمْن من مَكرِ الله، ولذلك ورد
الحديث: المؤمن بين مخافتين: بين أجَل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه.
وأيضاً من لم يذق الشدة لم يجد حلاوة النعمة، فقوم يستغيثون من النار، وقوم تستغيث النار منهم، وقوم تقول لهم النار: أجر يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي، وقوم يمكثون فيها ما شاء الله ثم يخرجون منها ويتحسر مَنْ فيها، (ربمَا يَوَدّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين) ، فالمؤمن الذي يدخلها تكون عليه بَرْداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم، وذلك أنهم تعجبوا منه من عدم حَرْقها له، فأراد الله أن يرِيهم يوم القيامة ليعلموا أنَّ صانع النار والنور واحد، فتحرق من يشاء خالقُها، وتهرب ممن يطيعه.
قال تعالى: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) .
(ما لكم كيف تَحْكُمون) :
(ما) استفهامية معناها التوبيخ، وهي في موضع رفع بالابتداء، والمجرور بعدها خبرها ينبغي الوقْفُ على قوله: (ما لكم) ، ثم يقرأ: (كيف تحكمون) .
(ما مِنّا إلاَّ لَهُ مَقَامٌ معلوم) :
هذا حكاية كلام الملائكة ﵈، وتقديره: ما منّا ملك إلاَّ ولهُ مقام معلوم، فحذف الموصوف لحذف الكلام، والمقام المعلوم يحتمل أن يراد به الموضع الذي يقومون فيه، لأن منهم مَنْ هو في سماء الدنيا وكذلك في كل سماء، أو المنزلة من العبادة والتقريب والتشريف، ولذلك فخروا بصفوفهم وتسبيحهم، ومنهم قيام لا يركعون، ومنهم سجود لا يرفعون، ومنهم قعود لا يقومون، فجمع الله لهذه الأمة المحمدية في الصلاة عبادة الملائكة من قيام وقعود، وركوع وسجود، وتسبيح وتكبير، وزادهم من التحيات الذي كان من الرسول ليلة الإسراء حين قال: التحيات للَه ... الخ، فقال الله تعالى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
стр. 808
وبركاته، فطِبْ نفسا وقَرّ عيناً يا محمدي بما خوّلك مولاك، وأعلم أنكَ تقِفُ بين يديه، فانظر وقوفك بمَ يكون، هلا وهبت نفسك له وأسلمتها موافقة لقولك: وَجَّهْت وجهي هذا بلسانك، فأين وجهتك.
فإن قلت: لم كان الدخول فيها بتكبيرة والخروج منها بتسليمتين، والركوع
واحدٌ والسجود اثنين؟
والجواب لأن الواحد يقبل الواحد، فإذا قلت الله أكبر فكأنك أقبلت عليه
وعظّمته على كل شيء، فرضي منك هذه الكلمة المشرفة، وأقبل عليك، وإن اشتغلت بغيره فلم تُفْرِدْه وقطعت نفسك عنه، ألا ترى أنَّ التسليمتين قطعت عنه وانفصلت عن مناجاته، كرمضان تدخل فيه بشاهد واحد وتخرج منه بشاهدين، ولما كان السجودُ أقربَ إلى الله من جميع أفعال الصلاة أمرك بسجدتين، أو لأنَّ السجود للأصنام كان عندهم مرة واحدة فزادك أخرى لتفرّق بين السجود لله والسجود لغيره، أو لأن الملائكة كانوا سجوداً وطلبوا من الله ليلةَ الإسراء بحبيبه أَن يروه فأذِن لهم ورفعوا رؤوسهم لرؤيته فسجدوا مرةً لله شكرا لرؤيته، فأمر الله بذلك: الأولى امتثالاً لأمر الله، والثانية شكرا له بأن أهَّلك لطاعته.
فإن قلت: لما كان السجود بهذه الْمَثَابة فهلاَّ أمر به المصلِّي على الميت، لأنه
يشفيع، والشفيع لا يجد قربة إلى الله أفضل منه؟
والجواب: لما كان في السجود للمصلِّي على الميت إيهام بالسجود له أمره اللهُ
بعدم السجود، كأنه يقول: لا أريد أن تسجد لي حتى يرتفع الحجاب بيني
وبينك.
(مَناص) :
مَفَرّ ونجاة، من قولك: ناص يَنوص إذا فرَّ، التقدير وليس الحين الذي دعوا فيه حين مناص.
قال أبو القاسم: معناه فرار بالنبطية.
(مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ) :
هذا من كلام الملأ الذين، خرجوا من عند أبي طالب وتفرقوا في طرق مكة، ومرادهم بالملة الآخرة
стр. 809
ما أدركوا عليه آباءهم، أو الملَّة المنتظرة، لأنهم كانوا يسمعون من الأحبار والكهان أن رسولا يبعث يكون آخر الأنبياء، فلما جاءهم جحدوا، واستيقنتها أنفسهم ظلماً.
(ما هنَالكَ مهزوم مِنَ الأحزاب) :
هذا وعيد بهزيمتهم في القتال، وقد هزموا يوم بَدْر وغيره، و (ما) هنا صفة لجند، وفيها معنى التحقير لهم، والإشارة بهنالك إلى حيث وَضَعوا أنفسهم من الكفر والاستهزاء.
وقيل: الإشارة إلى الارتقاء في الأسباب، وهذا بعيد.
وقيل الإشارة إلى موضع بدْر.
ومن الأحزاب معناه من جملة الأحزاب الذين تعصَّبوا للباطل فهلكوا.
(ما يَنْطر هؤلاء إلا صَيْحةً واحدة) :
المراد بهؤلاء قريش ومَنْ تبعهم.
والصيحة الواحدة: النفخ في الصُّور.
وقيل: ما أصابهم من قَتل وشدائد، وهو أظهر، لأن من مات فقد قامت قيامته، وقد ورد في الحديث.
(مَسّنِيَ الشيطان بنصْبٍ وعَذَابٍ) :
بضم النون وإسكان الصاد، وبفتحها وإسكان الصاد، وبضمَ النون والصاد، وبفتحهما، بمعنى المشقة.
وهذا من كلام أيوب لما سلَّط الله عليه الشيطان ليَفْتِنَه (١) ، وأهلك ماله وولده، ووسوس قلبه، استغاث ودعا الله بتفريج كَرْبه خوفاً من فِتْنَته.
فإن قلت: أين هذا من قوله تعالى: (إنّا وَجَدْنَاه صَابِراً نعم العَبْدُ) ، وأَيّ قدرة للشيطان حتى ينسب ما أصابه من البلاء إليه؟
فالجواب أنه صبر على ما أصابه في المال والولد والنفس، فلما وصل إلى
الوسوسة استغاث، ويكفيك من صبره أن الله قَرنه بنون العظمة وهاء الضمير، فلا يعتقد في رسول الله غير ذلك، ونسبة الفعل للشيطان على جهة نسبة الشر إليه، كقول موسى: (وما أنْسَانِيه إلاَّ الشيطان) .
(هذا من عَمَلَ الشيطان) .
وقوله ﷺ لما نام ليلة الْوَادِي: إن بهذا الوادي شيطاناً.
فهو تنسب إليه الشرور.
ولذلك يتبرأ يوم القيامة ممن أطاعه، ويقول: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) .
стр. 810
فالنسبة إليه نسبة مجازية، كما أن نسبة الخير إلى الله حقيقة.
وقد صحّ أنَّ التائبين يمرون يوم القيامة تحت لواء آدم، والشاكرين تحت لواء
نوح، والْموفين بالعهود تحت لواء إبراهيم، والمحزونين تحت لواء يعقوب.
والمحبوسين تحت لواء يوسف، والصابرين تحت لواء أيوب، والمخلصين تحت
لواء موسى، والزاهدين تحت لواء عيسى، والصادقين تحت لواء يحيى، والمحبين تحت لواء الحبيب على جيعهم الصلاة والسلام، والمؤذنين تحت لواء بلال، والصالحين تحت لواء عمر، والصدّيقين تحت لواء أبي بكر، والمتقين تحت لواء عثمان، والراكعين تحت لواء علي ﵃ أجمعين.
(ما لَه مِنْ نفاد) :
الضمير يعود على نعيم الجنة، لتقدم ذكره، أو لرزق الدنيا (١) .
(مَنْ قَدّم لنا هذا فزِدْه عذاباً ضِعْفاً في النار) :
هذا كلام الأتباع، دعوا إلى الله تعالى أن يضاعف العذاب لرؤسائهم الذين أوجبوا لهم العذاب، فهو كقولهم: (رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ) .
(ما لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كنَّا نَعدّهم من الأشرار) :
قيل إن القائلين لهذه المقالة أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأمثالهم.
والرجال المذكورون هم عمّار، وبلال، وصهَيب، وأمثالهم.
واللفظ أعمّ من ذلك.
والمعنى أنهم قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنّا نعدهم في الدنيا من
الأشرار.
(مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ) :
القصد بهذه الآية الاحتجاج على نبوءة نبينا ومولانا محمد ﷺ ، لأنه أخبر بأمور لم يكن يعلمها.
والملأ الأعلى هم الملائكة، وعليهم يعود الضمير في يختصمون.
واختصامهم هو في قصة آدم حين قال الله لهم: إني جاعل في الأرض خليفة.
حسبما تضمنته قصته في مواضع من القرآن.
стр. 811
وقيل: إن الملائكة تقول: هؤلاء بنو آدم الذين اخترتهم وفضّلتهم وجعلتهم
خلفاء، وأمرتنا بالسجود لأبيهم قد عصوك، وتركوا خِدْمتك وأمْرَك (١) .
فيقول اللَه لهمْ: دعوهم فإنما استزلَّهم الشيطان وأغواهم هو وأولاده، ولو ابتليتكم بما ابتليتهم به لوقعتم فيما وقعوا فيه.
وفي الحديث أنه ﷺ رأى ربَّه فقال: يا محمد.
فيم يختصم الملأ الأعلى، قال: لا أدري.
قال: في الكفّارات، وهي إسباغ الوضوء على المكاره.
وفي رواية في المسرات، والمشي بالأقدام إلى الجماعات، وانتظار
الصلاة بعد الصلاة.
وقيل الضمير في يختصمون للكفار، أي يختصمون في الملأ الأعلى، فيقول
بعضهم: هم بنات الله، ويقول آخرون: هم آلهة تعْبد، وهذا بعيد.
(ما أنا من المتَكلِّفين) :
أي الذين يتصنعون ويتخيّلون بما ليسوا من أهله.
(ما نعْبدهم إلا ليقرِّبونا إلى الله زلْفَى) :
أي يقول الكفار: ما نعبد هؤلاء الاَلهة إلاَ ليقرِّبونا إلى الله ويشفعوا لنا عنده.
ويعني بذلك الكفار الذين عبدوا الملائكة، أو الذين عبدوا الأصنام، أو الذين عبدوا عيسى أو عزَيراً، فإن جميعهم قالوا هذه المقالة.
(مَنْ هوَ كاذبٌ كَفّار) :
هذا إشارة إلى كذبهم في قولهم: (ليقرِّبونا إلى اللهَ) .
(ما شِئْتم مِنْ دونه) :
هذا تهديد ومبالغة في الخذلان والتّخْلِية لهم على ما هم عليه.
(مَثَانِي) :
جمع مثى، أي تثنَّى في القصص.
ويحتمل أن يكون مشتقاً من الثناء، لأنه يثني فيه على الله.
فإن قيل: مثاني جَمْع، فكيف يوصف به المفرد؟
فالجواب أن القرآن ينقسم إلى سور وآيات كثيرة، فهو جمع بهذا الاعتبار.
стр. 812
ويجوز أن يكون كقولهم: برْمَة أعشار، وثوب أخلاق.
أو يكون تمييزاً من متشابه، كقولك: حسن شمائل.
(ما كنْتم تَكسِبون) ، أي يقال للكفار والعصاة: ذوقوا ما
كسبتم من الكفر والمعصية.
(مَيِّتون) :
في هذا وعيد للكفار، لأنهم إذا ماتوا ظهر لهم
مَنْ كان على الحق ومَنْ كان على الباطل.
وفيه إخبار أيضا أنه ﷺ يموت لئلا
يختلف الناس في موته، كما اختلفت الأمم في غيره.
(فَمَنْ أظلم مِمَّن كذَب على الله) :
أي لا أحد أظلم مِمَّنْ كذب على الله بأنه اتخذ صاحبةً وولدا.
وفي آية أخرى: (ومَنْ أظْلَم مِمَّن منَعَ مساجدَ اللَهِ) .
وفي أخرى: (ومن أظلم مِمّن افْتَرى على الله كذِباً) .
وفي أخرى: (ومَنْ أظْلَم مِمن ذُكِّرَ بآيات ربِّه) .
وهذه الأظلمية تختلف باختلاف الأنواع، وتطلق كلُّ آية على
ما يليق بها من الكذب وغيره، حسبما بيناه في غير هذا الموضع.
(مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) ،: من الأوامِر واجتناب نواهيه.
(مَقَالِيد) : بالفارسية مفاتيح.
وقيل خزائن.
واحدها إقْليد، وقيل مِقْليد.
وقيل لا واحد لها من لفظها.
ومعناها مالك السماوات ومدبِّر أمرها وحفظها، وهي من باب الكناية، لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدَها، كما أن الخزائن أيضاً تجيء في جهة الله إنما تجيء استعارة بمعنى اتساع قدْرته، وأنه المبتدع المخترع.
ويشبه أن يقال فما قد أوجد من المخلوقات، وهذا يتجوّز به على جهة التقريب والتفهيم للسامعين.
وقد ورد القرآن بذكر الخزائن، ووقعت في الحديث الصحيح: ماذا فتح الليلة من الخزائن.
والحقيقة في هذا غير بعيدة، لكنه ليس باختزان حاجة ولا قلة قدرة، كما هو اختزان الشيء.
стр. 813
قال عثمان بن عفان: فسألت رسولَ الله ﷺ عن مقاليد السماوات والأرض، فقال: هي لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير يحْيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
فإن صح هذا الحديث فمعناه أنَّ مَنْ قال هذه الكلمات صادقا مخلصاً نال
الخيراتِ والبركات من السماء والأرض، لأن هذه الكلمات توصل إلى ذلك، فكأنها مفاتح له، وللَه سبحانه سبع خزائن: خزانة المطر في السماء، وخزانة النبات في الأرض، وخزانة اللؤلؤ والمرجان في البحر، وخزانة الموزونة في الجبال، وخزانة الأفكار للكفار، وخزانة الرضوان للأبرار، وخزانة المعرفة في القلوب.
وفي الحديث: إن بعضَ الأنبياء قال: يا رب، لكلّ ملك خزانة، فما
خزانتك، قال: خزانة أوسع من الكرسي، وأعظم من العرش، وأطيب من
الجنة، وأَزين من الملكوت، أرضها المعرفة، وسماؤها الإيمان، وشمسها الشوق، وقمرها المحبة، ونجومها الخواطر، وترابها الهمّة، وجدارها اليقين، وسحابها العقل، ومطرها الرحمة، وأشجارها الطاعة، وثمرها الحكمة، ولها أربعة أركان: التوكل، والتفكر، والأنس، والذكر.
ولها أربعة أبواب: العلم، والحلم، والرضا، والصبر، ألاَ وهي القلب (١) .
(مَنْ شاء الله) :
يعني أَن جميع من في السماوات والأرض يموت عند نَفْخَةِ الصعق، إلاَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ثم يميتهم الله بعد ذلك.
(مَا مَكروا) :
الضمير يعود على قوم فرعون، يعني أن الله وقى مؤمنهم مِنْ مكرهم، كما هو عادته سبحانه في وقاية مَنْ فَوَّض أمره إليه.
(ما للظَالمين مِنْ حَمِيم) :
المراد بهم الكفَّار، يعني أنهم ليس لهم من يشفع فيهم.
стр. 814
(وما دعَاء الكافرين إلاَّ في ضَلاَل) :
يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى استئنافاً.
(مَعْذِرتهم) : يحتمل أنهم لا يعتذرون.
ويحتمل أنهم يعتذرون، ولكن لا تنفعهم المعذرة.
(ما همْ بِبَالغِيه) :
أي لا يبلغون ما يقتضيه كبرهم من الظهور عليك، أو من نيل النبوءة.
(مَثْوَى المتَكبِّرين) : أي جهنم.
فإن قيل: قياس النظم أن يقول: فبئس مدخل الكافرين، لأنه تقدم قبله:
ادخلوا؟
والجواب أن الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثَّوَاء.
(مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ) :
هم الذين ذْكر الله في كتابه من الرسل، وقد قدمنا أنهم خمس وعشرون، وجملة الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر، هذا في حديث أبي ذَرّ.
وفي حديث غيره: إن الله بعث ثمانية آلاف رسول.
وفي حديث آخر أربعة آلاف.
(مَنْ أحْسَنُ قولاً مِمَّن دعَا إلى اللهِ) :
يدخل في هذا كلّ من دعا إلى عبادة الله وطاعته على العموم.
وقيل: المراد محمد ﷺ .
وقيل المراد المؤذِّنون.
وهذا بعيد، لأنها مكية، وإنما شُرع الأذان بالمدينة، ولكن المؤذّنون
يدخلون في العموم.
والدعوة من الله على أربعة أوجه: دعوة الضيافة: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ، ودعوة المغفرة: (يَدْعوكمِ ليَغْفِرَ مِنْ ذنوبكم) .
ودعوة الحمد والإجابة: (يوم يدعوكم فتَسْتَجِيبون بحمده) .
ودعوة المحاسبة: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) .
وفيه خمسة أقوال:
стр. 815
بصحائف أعمالهم، قال تعالى: (وكلَّ إنسانٍ ألزَمْنَاه طائِرَه في عنقهِ) .
أو بأعمالهم المتقدمة، قال تعالى: (علِمَتْ نَفْسٌ ما قدَّمت وأخَّرَتْ) .
أو بإمامهم في المذهب، قال تعالى: (وجعلناهم أئمَّةً يدعون إلى النار) .
أو برسولهم، أو بدعائهم إلى الخير والشر، أو بمعبودهم، أو بإمامهم في الأعمال الصالحات.
وأما الدعوة إلى الخلق فالدعوة إلى دين الرب.
قال تعالى: (ادع إلى سبيلِ رَبِّك بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة) .
أو الدعوة إلى بيت الله تعالى: (وأَذِّنْ في الناس بالحجِّ يأْتوك رجالاً) .
أو الدعوة إلى عبادة الله.
فالدعوة عامة، والهداية خاصة، قال تعالى: (ويهدي من يشاء إلى
صراط مستقيم) .
(ما يُقَال لكَ إلاَّ ماقَدْ قِيلَ للرّسلِ مِنْ قَبْلك) :
في معناها قولان:
أحدهما: ما يقول لك الله من الوحي والشرائع إلا مثل ما قال للرسل من
قبلك.
أو ما يقول لك الكفَّار من التكذيب والإيذاء إلا مثل قول الأمم المكذّبين
لرسلهم، فالمراد في هذا تسلية النبي ﷺ بالتأسّي، وعلى القول الأول أنه ﷺ أتى بما جاءت به الرسل فلا تنْكر رسالته.
(ما مِنَّا مِنْ شَهيد) :
هذا قول المشركين حين يناديهم يوم القيامة، أين شركائي، فيقولون: أعلمناك ما مِنّا مَنْ يشهد لك اليوم بأن لك شريكاً، لأنهم كفروا ذلك اليوم بشركائهم.
(ما كانوا يدعون من قَبْل) :
أي لم يروا حينئذ
стр. 816
شركاءهم، فما على هذا موصولة.
أوْ ضلَّ عنهم قولهم الذي كانوا يقولون من
الشرك، فما على هذا مصدريّة.
(ما لَهمْ مِنْ مَحِيص) ، أي علموا أنهم لا مهرب لهم من
العذاب.
وقيل يوقف على (ظَنوا) ، ويكون (ما لهم) استئنافاً، وذلك ضعيف.
(ما تفرَّقُوا إلا مِنْ بعد ما جاءهُم العِلْمُ بَغْياً بينهم) :
يعني أَهل الأديان المختلفة من اليهود والنصارى وغيرهم.
(مَنْ كان يُريد حَرْثَ الآخرة نَزِدْ له في حَرْثهِ) :
عبارة عن العمل لها، وكذلك حرث الدنيا، وهو مستعار من حَرْث الأرض، لأن الحارث يعمل وينتظر المنفعةَ بما عَمِل.
(ما قَنَطوا) ، أي يئسوا.
(مَنْ عَفَا وأصلح فأجْرُه على الله) :
في هذه الآية إشارة إلى فعل الحسن بن علي حين بايع معاوية، وأسقط حقَّ نفسه، ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم، ولهذا قال فيه ﷺ : " إن ابني هذا سيد، ولعل الله يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ".
وفيها دليل على أن العفو عن المظلمة أفضل من الانتصار، لأنه ضمن الأجر
في العفو، وذكر الانتصار بلفظ الإباحة في قوله: (ولَمَنِ انتصر) .
فإن قيل: كيف ذكر الانتصار في صفات المدح في قوله: (والذين إذا
أصابهم البَغْيُ هم يَنْتَصِرون) ، والمباحُ لا مَدْحَ فيه ولا ذم؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ المباحَ قد يُمْدَح، لأنه قيام بحق لا بباطل.
стр. 817
والثاني: أن مدح الانتصار لكونه كان بعد الظلم تحرّزاً ممن بدأ بالظلم، فكان
المدح إنما هو بترك الابتداء بالظلم.
والثالث: أنه إن كانت الإشارة بذلك إلى علي بن أبي طالب فانتصاره ﷺ محمود، لأن قتال أهل البغي واجب، لقوله تعالى: (فقاتلوا التي تَبْغي) .
وقد سمَّى ﷺ المقاتلين لعليٍّ بالفئة الباغية، وقال لعمار تقتلك الفئة الباغية.
(مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) :
القصد بهذه الآية شئان:
أحدهما: تعداد النعمة عليه ﷺ ، بأن علّمه الله ما لم يكن يعلم.
والآخر احتجاج على نبوءته، لكونه أتى بما لم يكن يعْلَمه ولا تعلّمه من
أحد.
فإن قلت: أما عدم درايته للكتب فلا إشكال.
وأما الإيمان فلا إشكال أن الأنبياء مؤمنون بالله قبل مبعثهم، لكنه وقع الخلاف في نبينا، هل كان متديّنا بشريعة مَنْ قَبْله أو بشريعته؟
والجواب الإيمان يحتوي على معارف كثيرة، وإنما كمل له معرفتها بعد
بعثه.
وقد كان مؤمنأ بالله قبل ذلك، فالإيمانُ هنا يعني به كمال المعرفة، وهي
التي حصلت له بالنبوة، ولهذا أشار ﷺ بقوله: " كلّ يوم لا أزْدَاد فيه علماً لا بورِك في صبيحة ذلك اليوم "، فكان ﷺ يزداد كل يوم من المعارف ما لا يُحصى ذِكره.
وأما في الجنة، فلا تسأل عما تنكشف له من المعارف اللدنيَّة
والأسرار الربانية، ويفيض منها على هذه الأمة المحمدية، لكل واحد منهم
نصيب بقدر ما اتّبعه واقتدى به، فهم يزدادون معارفَ وجمالاً وبهجة وسروراً، ما لا يحيط بها إلا واهبها، جعل الله لنا منها أوْفَر نصيب بجاه النبي الحبيب.
(مَضَى مَثَل الأَوَّلين) .
أي تقدم لك يا محمد كيف أهلكنا
стр. 818
القرون السالفة، والأمم الماضية، لما كفروا وتمرَّدوا، وهكذا من عاندك، ففيه تسليةٌ له ﷺ .
(ما كنّا له مقْرِنِين) :
أي مطيقين وغالبين.
(ما أرْسَلْنَا من قَبْلك) :
معنى الآية: كما اتَّبَع هؤلاء الكفار آباءهم بغير حجة كذلك اتبع كلّ من قبلهم من الكفار آباءهم بغير حجة، بل بمجرد التقليد المذموم.
(مَعَارِجَ عليها يَظْهَرُون) ، أي أدراجاً وسلالم.
والمعنى لولا أن يكفر الناس كلّهم لجعلنا للكفار كلَّ ما يتمتعون به ذهباً وفضة لهوان الدنيا علينا.
ومعنى يظهرون: يرتفعون.
ومنه: (فما اسْطَاعوا أنْ يَظْهَروه) .
(مَنْ يَعْشُ عن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّض له شيطاناً) :
من قولك: عَشِيَ الرجل إذا أظلم بَصَرُه.
والمراد به هنا ظلمة القلب والبصيرة.
وقال الزمخشري: يعش - بفتح الشين، إذا حصلت الآفة في عينه، ويعشو - بالضم - إذا نظر نظر الأعشى، وليس به آفة، فالفرق بينهما كالفرق بين قولك: عمي وتعامى، فمعنى القراءة بالضم يتجاهل ويجحد مع معرفته بالحق.
والأظهر أن ذلك عبارةٌ عن الغفلة وإهمال النظر.
والمراد بذكر الرحمن هنا القرآن عند الزمخشري، وعند ابن عطية ما ذكّر الله عباده من المواعظ، فالمصدر مضاف إلى الفاعل.
ويحتمل عندي أن يريد ذكر العبد للَه.
ومعنى الآية أنَ مَنْ غفل عن ذكر الله يسَّرَ اللهُ له شيطاناً يكون له قرينا.
فتلك عقوبة عن الغفلة عن الذكر بتسليط الشيطان، كما أن من دَاوَمَ على الذكر تباعد عنه الشيطان.
مصداقُه الحديث: إن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، واضع خرطومه عليه، فإن ذكر العبدُ الله خَنَس، وإن غفل عنه وَسْوَس.
(ما نُرِيهم مِنْ آيةٍ إلاَّ هي أكبَرُ مِنْ أُخْتِها) .
стр. 819
الآيات هنا المعجزات، كقلب العصا حيَّة، وإخراج اليد بيضاء.
وقيل البراهين والحجج العقلية، والأول أظهر.
ومعنى أكبر من أختها: أنها في غاية الكبر والظهور، ولم يرد تفضيلها على
غيرها من آياته، إنما المعنى أنك إذا نظرت وجدتَ كبيرة، وإذا نظرت غيرها
وجدت كبيرة، فهو كقول الشاعر:
" مَنْ تَلْقَ منهم تَقلْ لقيت سَيِّدهم "
هكذا قال الزمخشري.
ويحتمل عندي أن يريد: ما نريهم من آية إلا هي أكبر مما تقدمها، فالمراد
أكبر من أختها المتقدمة عليها.
(مَهين) : المراد بذلك موسى، ووصفه فرعون بالضعيف الحقير.
(ملائكة في الأرْضِ يَخْلُفون) :
في معناها قولان:
أحدهما: لو نشاء لجعلنا بدلاً منكم ملائكةً يسكنون الأرضَ ويخلفون فيها بني
آدم، فقوله: (منكم) متعلق ببدل المحذوف: أو ب (يخلفون) .
والآخر: لو نشاء لجعلنا منكم ملائكة، أي لولدنا منكم أولادا ملائكة
يخلفون أولادكم، فإنا قادرون على أن نخلف من أولاد الناس ملائكة، أفلاْ
تذكرون خَلْقَنا عيسى من غير والد وأنتم مقِرّون به.
(ماكِثُون) : دائمون.
(مَنْ شهد بالحقِّ وهم يَعْلَمُون) :
اختلف هل يعني بمن شهد بالحق الشافع أو المشفوع فيه، فإن أراد المشفوع فيه فالاستثناء منقطع.
والمعنى لا يملك المعبودون شفاعة، لكن من شهد بالحق وهو عالم به فهو الذي يشفع فيه.
ويحتمل على هذا أن يكون (من شهد) مفعولا بالشفاعة على إسقاط
حرف الجر، تقديره: الشفاعة فيمن شهد بالحق، وإن أراد بمن شهد بالحق الشافع
стр. 820
فيحتمل أن يكونَ الاستثناء منقطعاً، وأن يكون متصلاً، لأنها فيمَنْ عبد عيسى والملائكة.
والمعنى على هذا لا يملك المعبودون شفاعة إلا مَنْ شهد منهم بالحق.
(مَقَامٍ كَرِيم) :
فيه قولان: المنابر، والمساكن الحسان.
(ما كانوا منْظَرِين) ، أي مؤخرين.
(مولى عن مَوْلى) :
المولى هنا يعلم الوليّ والقريب وغير ذلك من الموالي الذين تقدم ذكْرهم.
(ما يهْلِكنَا إلا الدَّهْر) :
هؤلاء هم الدهرية، ومقصودهم إنكار الآخرة.
(مَنْ أَضَلّ) .
معناها لا أحد أضلّ مِمّن يَدْعو إلهاً لا يستجيب له وهي الأصنام، فإنها لا تسمع ولا تعقل، ولذلك وصفها بالغفلة عن دعائهم، لأنها لا تسمعه.
(ما كنْتُ بِدْعاً من الرُّسُل) :
البدع، والبديع من الأشياء: ما لم يُرَ مثله، أي ما كنت أوَّلَ رسول، ولا جئت بأمر لم يجئ به أحد قبلي، بل جئت بما جاء به قبلي ناسٌ كثيرون، فلأيّ شيء تنكرون ذلك.
(ما أدْرِي ما يُفْعَل بي ولا بِكمْ) :
فيها أربعة أقوال:
الأول: أنها في أمْر الآخرة، وكان ذلك قبل أن يعلم أنَّ المؤمنين في الجنة
والكفار في النار، وهذا بعيد، لأنه لم يزل يعلم ذلك من أول ما بعثه الله.
والثاني: في أمر الدنيا، أي لا أدري بما يقضي الله عليَّ وعليكم، فإن مقادير
الله مغيّبة، وهذا هو الأظهر.
الثالث: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم من الأوامر والنواهي، وما تلْزِمه
الشريعة.
الرابع: أن هذا كان في الهجرة، إذ كان النبي ﷺ قد رأى في النوم أنه يهاجِرُ إلى أرض نخل، فقلق المسلمون لتأخّر ذلك، فنزلت هذه الآية.
стр. 821
(ما حَوْلَكُمْ مِنَ القُرَى) :
يعني بلادَ عادٍ وثمود وغيرها.
والمراد إهلاك أهلها.
(مَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ) .
يحتمل أن تكون من كلام الله تعالى.
والمعنى: ليس بمعجز في الأرض، لا يفوت.
(مَوْلى الَّذينَ آمَنوا) .
أي وليّهم وناصرهم، وكذلك: (وأَنّ الكافرين لا مَوْلَى لهم) .
ولا يصح أن يكون الولى هنا بمعنى السيد، لأن الله تعالى مولى المؤمنين والكافرين بهذا المعنى، ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله: (ورُدُّوا إلى الله مولاهم الحقِّ) ، لأن معنى الولى مختلف في الموضعين، فمعنى مولاهم الحقّ ربهم، وهذا على العموم في جميع الخلق، بخلاف قوله: (مَوْلَى الذِين آمَنوا) ، فإنه خاص بالمؤمنين، لأنه بمعنى الولي الناصر.
(مَنْ يَبْخَلْ فإنما يبْخَل عن نَفْسه) .
أي إنما ضرر بخْله على نفسه، فكأنه بخل على نفسه بالثواب الذي يستحقه بالإنفاق.
(فَمَنْ نكثَ فإنما يَنْكثُ عَلَى نَفْسِه) ، أي نقض البيعة.
(مَعَرّةٌ بغير عِلْم) .
أي تصيبكم مِنْ قتلهم كراهةٌ ومشقّة.
واختلف هل يعني الإثم في قتلهم، أو الدية، أو الكفارة، أو الْمَلاَمة، أو عَيْب الكفار لهم بأن يقولوا: قتلوا أهل دينهم، أو تألم نفوسهم من قَتْل المؤمنين، وهذا أظهر، لأنَّ قَتْلَ المؤمن الذي لا يُعلم إيمانه - وهو بين أهل الحرب - لا إثم فيه ولا دية ولا ملامة ولا عيب.
(مَعْكوفاً أنْ يَبْلغَ مَحِلَّه) :
كان ﷺ قد ساق عام الْحديبية مائة بَدَنَةٍ فقَلّده.
وقيل سبعين، ومنعه المشركون من الوصول إلى مكة
(ومَحِلّه) موضع نَحْرِه، يعني مكة والبيت.
ومعكوفاً حال من الْهَدْي.
وأن يبلغ مفعول بالعكفِ.
والمعنى صدّوكم عن المسجد الحرام، وصدّوا الْهَدْي عن أن
يبلغ محله، أو حبس المسلمين للهَدْي بينما ينظرون في أمرهم.
стр. 822
(مَثَلُهم في التّوراة) :
أي وصفهم فيها، وتمَّ الكلام هنا، ثم ابتدأ قوله: (وَمثَلهم في الإنجيل كزَرْع) .
وقيل: إن مَثَلهم في الإنجيل عطف على مثلهم في التوراة، ثم ابتدأ قوله: كزرع، وتقديره هم كزرع.
والأول أظهر، ليكون وصفهم في التوراة بما تقدم من الأوصاف الحسان.
وتمثيلهم في الإنجيل بالزرع المذكور بعد ذلك.
وعلى هذا يكون المثل في الإنجيل بمعنى التشبيه والتمثيل، وعلى القول الآخر يكون المثل بمعنى الوصف، كمثلهم في التوراة.
(مَغْفِرة وأجْراً عظيما) .:
وعد يعمّ جميعَ الصحابة رضوان الله عليهم، وفي هذا تشريف لهم، وكيف لا وقَدْ ذكر الله مؤمنَ آلِ فرعون بكلمة قالها ينصر بها موسى إلى آخر الدهر، فما بالك بمن شَّ الله بهم الدِّين وأعلاه
حتى عمّ جميع الأرضين، وأغاظ اللَّهُ بهم الكافرين، اللهم بحرْمَتِهم لديك اغْفِرْ لنا ولجميع المذنبين وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين.
(ما تَنْقصُ الأرْضُ مِنْهم) :
هذا ردّ على الكفَّار في إنكارهم البعث.
ومعناه قد علمنا ما تنقص الأرض من لحومهم وعظامهم، فلا يصعب
علينا بعثهم.
وفي الحديث: كلّ جسد ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب.
منه خلق، وفيه يركب، إشارة لكم أنها العبيد في بقائه وتركيب الجسد منه.
وقيل: المعنى قد علمنا ما يحصل في بطن الأرض من موتاهم، والأول قول
ابن عباس والجمهور، وهو أظهر.
(مَرِيج) ، أي مختلط، فتارة يقولون ساحر، ومرة كاهن، فاختلط أمرهم واضطرب.
(ماء مباركاً) : يعني المطر كله.
وقيل الماء المبارك مطر مخصوص.
وقيل مطر النيسان، وليس كلّ مطر يتّصف بالبركة، وهذا ضعيف.
(ما كنْتَ مِنْه تَحِيد) ، أي تهرب.
والخطاب للإنسان.
(مَنَّاعٍ للخير) ، أي للزكاة المفروضة.
والصحيح العموم.
стр. 823
(مَزِيد) : يعني النظر إلى الله، كقوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) .
وقيل يعني ما لم يخطر في قلوبهم، كما ورد في الحديث:
إن الله قال: "أعْدَدْت لعبادي الصالحين ما لا عَيْن رأتْ، ولا أذن سمعَتْ، ولا خطر على قَلْب بشر".
(مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) :
هذا كقوله تعالى: (إنما تنذر الذين يَخْشَوْن ربّهم بالغيب) ، لأنه لا ينفع التذكير إلا فيمن يخاف.
(ما يهْجَعون) ، أي ينامون، بل كانوا يقطعون أكثر
الليل بالصلاة والتضرع والدعاء.
(المحروم) :
اختلف الناس في معناه حتى قال الشعبي:
أعياني أن أعلم ما الحروم.
والمعنى الجامع للأقوال كلها أن المحروم الذي حرمه
الله المال بأيّ وجْهٍ كان، والمحروم والمحارف بمعنى واحد، لأن المحارف الذي
انحرف عنه الرزق.
(ما خَطْبكم) ، أي ما شَأنكم وخَبَركم، والخطْب أكثر
ما يقال في الشدائد.
(مَنْ كان فيها من الْمؤْمنين) : الضمير المجرور لقرية
قوم لوط، لأن الكلام يدل عليها، وإن لم يتقدم ذكرها.
والمراد بالمؤمنين لوط وأهله، أمرهم الله بالخروج من القرية لينجوا من العذاب الذي أصاب أهلها.
فإن قلت: قد وصفهم أولاً بالمؤمنين، ثم قال بعد: (فما وجَدْنَا فيها غَيْرَ
بَيْت من المسلمين) ، فهل جمعوا الوصفين، وهل هما بمعنى واحد؟
فالجواب أنهم جمعوهما، ومعنى الإسلام الانقياد.
والإيمان هو التصديق، ثم إنهما يطلقان بثلاثة أوجه باجتماعهما كهذه الآية، وباختلاف المعنى، كقوله: (قالت الأَعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) .
فالإيمان والإسلام في هذا الموضع متباينان في المعنى.
стр. 824
وبالعموم كقوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات) ، فيكون الإسلام أعمّ، لأنه بالقلب والجوارح، والإيمان أخصّ لأنه بالقلب خاصة.
(الماهِدون) : موطئ للموضع.
(ما أنْتَ بِملوم) ، أي قد بلَّغتَ الرسالة فلا لوم عليك.
(ما خَلَقْتُ الجنَ والإنْسَ إلاَّ ليَعْبدون) .
أي خلقتهم لكي آمرهم بعبادتي.
وقيل ليتذللوا لي، فإنَّ جميع الإنس والجن متذلّل لربوبيتي.
فإن قلت: ما فائدة ذكر الصنفين، ولم لم يذكر الملائكة وهم أكثر عبادة
منهما، وما فائدة تقديم الجن على الإنس؟
فالجواب أنه لم يذكر الملائكة لأنه لا تقع منهم معصية لعصمتهم، وأيضاً لم
يكلَّفوا بالعبادة غير السجود لآدم.
وإنما قدم الجن لثقله، ومن عادة العرب تقديم الأثقل في كلامهم إذا جامعه الأخفّ، لنشاط المتكلم، وأيضاً فإن المطيعين
من الإنس أكثر، فأخَّرهم ليختم بهم، وليرهب الجن من ذلك.
وقيل غير هذا من الأجوبة حذفناه لطوله.
(مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) .
أي ما أريد أنَ يرزقوا أنفسهَم ولا غيرهم، ولا أريد أنَ يطعموني، لأني منَزَّه عن الأكل وعن صفات البشر، وأنا غنيّ عن العالمين.
وقيل المعنى: ما أريد أن يطعموا عبيدي، فحذف المضاف تجوّزا.
وقيل معناه: ما أريد أن ينفعوني، لأني غنيّ عنهم، وعبَّر عن النفع العام بالإطعام.
والأول أظهر.
(مَسْجور) ، أي مملوءآَ، وهو بحر الدنيا.
وقيل: بحر في السماء تحت العرش.
والأول أظهر.
وقيل: المسجور الفارغ من الماء.
ويروى أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة.
واللغة تقتضي الوجهين، لأن اللفظ من الأضداد.
وقيل في معناه: الموقد ناراً،
стр. 825
من قولك: سُجِّرت القبور.
واللغة أيضاً تقتضي هذا.
وروي أن جهنم في البحر.
(ما ألَتْنَاهمْ مِنْ عَملِهم مِنْ شيء) .
أي ما نَقَصْنَاهم شيئاً من ثواب أعمالهم، بل وفّيناهم أجورهم.
وقيل المعنى: ألحقنا ذرياتهم بهم، وما نقصناهم شيئاً من ثواب أعمالهم بسبب ذلك، بل فعلنا ذلك تفضَّلاً زيادة إلى ثواب أعمالهم.
والضمير على القولين يعود على الذين آمنوا.
وقيل إنه يعود على الذرية.
وفي الحديث: إن رسول الله ﷺ قال: " إن الله يرفع ذرية المؤمنْ في درجته، وإن كانوا دُونه في العمل لتقرَّ بهم عيْنهُ ".
وكذلك كرامة الأبناء بسبب الآباء، فقيل: إن ذلك في الأولاد الذين ماتوا صغارا.
وقيل على الإطلاق في أولاد المؤمنين.
فإن قلت: لم قال: بإيمان بالتنكير؟
فالجواب أن المعنى بشيء من الإيمان لم يكونوا به أهلاً لدرجة آبائهم.
ولكنهم لحقوا بهم كرامة للآباء، فالمراد تقليل إيمان الذرية، ولكنه رفع
درجتهم، فكِيف إذا كان إيمانا عظيما.
(ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوَى) :
هذا جواب القسم.
والخطاب لقريش عن النبي ﷺ .
الضلال والغي، والفرق بينهما أنَّ الضلال بغير قصد والغي بقصد وتكسّب.
(ما يَنطِق عن الهوَى) ، أي ليس يتكلم بهواه وشهوته، وإنما
يتكلم بما يوحى إليه.
وفي هذا دليل على أن السنن بِوَحْي من الله، ويشهد لهذا
الرجل الذي سأله وقد تناثر رأسه من القمل.
(ما أَوْحَى) : إبهام يقتضي التفخيم والتعظيم.
وفي معناه أقوال:
الأول: أن المعنى أوحى إلى عبده محمد ما أوحى.
الثاني: أوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى، وعاد الضمير على الله في
стр. 826
القولين، لأن سِيَاقَ الكلام يقتضي ذلك وإن لم يتقدم ذكره، فهو كقوله: (إنا أنزلناه في ليلة القَدْر) .
الثالث: أوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى.
والأول أظهر بدليل سؤال عائشة له ﷺ : ما أوحى إليك ربك، فأبى أن يخبرها، فألَحّتْ عليه وأقسمت له باللهِ، فقال: يا عائشة، أوحى إليّ أنه لا يحاسب أمتي غيره لما سألته أن يجعل حسابَهم إليَّ وقال: لا أريد أن يطَّلع على مساويهم أَنتَ ولا غيرك.
وفي رواية: أنت شفيع لهم وأنا رحيمهم، فكيف
تضيع أمةٌ بين شفيع ورحيم.
(ما كذَبَ الفؤاد ما رَأى) ، أي ما كذب فؤاد محمد ﷺ ما رأى بعينه، بل صدق بقلبه أن الذي رأى بعينه حق، والذي رأى هو
جبريل، يعني حين رآه قد ملأ الأفق.
وقيل: الذي رأى ملكوت السماوات.
والأول أرجح: (ولقد رآه نزلة أخرى) .
وقيل الذي رأى هو اللَه تعالى، وقد قدمنا إنكار عائشة ﵂ لذلك.
وسئل ﷺ : " هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: نوراني نراه!
(ما يَغشَى) :
فيه إبهابم لقصد التعظيم.
وفي الحديث قال: "فغشيها ألوان لا أرى ما هي"، وهذا أولى ما تفَسَّر به الآية.
(ما زَاغَ الْبَصَرُ وما طَغَى) .
أي بَصَرُ محمد ﷺ ، أي ما تجاوز مما رأى إلى غيره، بل أثبتها وتيقَّنها.
(مَنَاْة الثالثةَ الأخرى) :
صخرة كانت لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة، وكانت أعظم الأوثان عندهم، لأنه تعالى أكدها بهاتين الصفتين، قاله ابن عطية.
وقال الزمخشري: الأخرى ذمّ وتحقير، أي المتأخرة الوضيعة القدر.
ومنه: (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ) .
(ما تمَنَّى) :
يعني ليس للإنسان ما تمنّى من الأمور، لأنها
стр. 827
بيد الله يعطي ما يشاء ويمنع ما شاء، وفيه إشارة إلى ما طمع فيه الكفار من
شفاعة الأصنام فيهم.
وقيل: هو تمنِّي بعضهم أن يكون نبيئاً.
وقيل غير هذا.
والأحسن حمل اللفظ على إطلاقه.
(مَبْلَغهم مِنَ العِلْم) ، أي انتهاء علمهم، لأنهم علموا
منفعتهم في الدنيا ولم يعلموا ما ينفع الآخرة.
(ما فِيه مزْدَجَر) :
اسم مصدر بمعنى ازدجار، بمعنى أنه مظنة أن يزجر به، يعني قد جاء قريشاً من القصص والبراهين والمواعظ - لو عقلوها - ما يصدقونك به يا محمد.
(ما تغْنِي النّذر) :
يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية بمعنى الاستبعاد والإنكار.
(مَغْفولبٌ فانْتَصِر) :
أي قد غلبني الكفار فانتصر لي أو انتصر لنفسك.
وقالت التصوفة: معناه قد غلبتني نفسك حين دعوت على قومي فانتصر مني.
وهذا ضعيف، لأن قوم نوح مكروا به وأرادوا إهلاكه، ومكر الله بخروجهم
من وجه الأرض، فأخرج الله منها ماء حارًّا، وأنزل من السماء ماء باردا، وأظهر من بينهما طوفاناً مبيداً، فأهلك عدوَّه، وأنْجَى حبيبه، كذلك يقول الله تعالى: يا إسرافيل، انفخ في الصور، ويا أهل القبور والنشور ويا سماء انفطري، ويا كواكب انتثري.
ويا شمس انكدري، (ثم ننَجِّي الذين اتقوا ونَذَر الظالمين فيها جِثِيًّا) .
(ما أمْرُنا إلاَّ واحدةٌ) :
عبارة عن سرعة نفوذ أمر الله، ويراد بالواحدة الكلمة التي هي: كنْ.
(مَقْعَدِ صِدْق) : مكان رضا.
стр. 828
(مَرْجَان) : صغار اللؤلؤ عند بعضهم.
قال ابن عطية:المرجان حَجر أحمر.
وذكر الجواليقي عن بعض أئمة اللغة أنه أعجمي.
فإن قلت: لا يخرج المرجان إلا من البحر الملح، فما معنى قوله تعالى:
(يَخْرُجُ مِنْهُمَا) ، وكذلك قوله: (وتستخرجون حلية تلبسونها) .
وهي لا تخرج إلا من البحر الملح؟
والجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: إن ذلك تجوّز في العبارة، كما قال: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم) ، والرسل إنما هي من الإنس.
والثاني: أن المرجان إنما يوجد في البحر الملح، حيث تنصبّ أنهار الماء
العذب، وينزل المطر، فلما كانت الأنهار والمطر وهي البحر العذب تنصبّ في البحر الملح كان الإخراج منهما جميعاً.
الثالث: زعم قوم أنه قد يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان من الملح والعذب.
وهذا قول يبطله الحسّ.
(مَنْ عليها فَانٍ) :
الضمير للأرض، يدلُّ على ذلك سياق الكلام وإن لم يتقدم لها ذكر، ويعني بمن عليها بني آدم وغيرهم من الحيوان، ولكنه غلب العقلاء.
(مَقْصورَاتٌ في الخِيَام) :
أي محجوبات، لأن النساء يمْدَحن بملازمة البيوت ويذممن بكثرة الخروج منها، ولا تقام الخيام من الخشب والحشيش، وإنما هو لؤلؤ مجوَّف فلا الديار الديار، ولا الخيام الخيام.
وفي الحديث: إن جبريل ينغمس كلّ يوم في عين الحياة، وينتفض، فكلما سقطت قطرة من ريشه سقطت منه حوراء عليها خيمة لؤلؤ لا يراها ملك ولا غيره، غيرة منه سبحانه على وليّه المطيع له أنْ يَرَاها غيره، فكيف لنا بالوصول إلى هذا النعيم المقيم، وأكبر من هذا التلذذ برؤية المولى العظيم - إلا باطِّراح أنفسنا بين
стр. 829
يديه، وقولنا له: أنتَ أنتَ، ونحن نحن، ولا بد لنا من الوصول إليك، فعامِلْنَا بما يعامل به المولى الكريم لعبده اللئيم، فلا فضيحة إلا ونحن أهلها، ولا ستْر إلا وهو أهله، فاسترنا بما نحن أهله بما أنت أهله يا رحيم.
(ما أصحابُ الْمَيْمَنَة) :
هذا ابتداء خبر، وفيه معنى التعظيم، كقولك: زيد ما زيد.
والْمَيْمَنَة يحتمل أن تكون مشتقّة من اليمن، وهو ضدّ الشؤم، وتكون
الْمَشْأمة مشتقة من الشؤم.
أو تكون الميمنة من ناحية اليمين والمشأمة من ناحية
الشمال واليَدُ الشّؤْمَى هي الشمال، وذلك لأن العربَ تجعل الخير من اليمين والشرَّ من الشمال.
أو لأن أهل الجنة يحملون إلى جهة اليمين، وأهل النار يحملون إلى
جهة الشمال.
أو يكون من أخذ الكتاب باليمين أو الشمال.
أو يقال أصحاب الميمنة أصحاب اليمين على أنفسهم، أي كانوا ميامين على أنفسهم، وأصحاب الشمال مشائيم على أنفسهم.
(مَوْضونة) : منسوجة.
وقيل المشتبكة بالدرّ والياقوت.
وقيل معناه متواصلة قد أُدْني بعضها إلى بعض.
(ما أصحابُ اليَمين) :
هذا مبتدأ وخبر، وقصِد به التعظيم، فيوقف عليه ويبتدأ بما بعده.
ويحتمل أن يكون الخبر في صدر الآية، ويكون (ما أصحاب اليمين) اعتراضاً.
والأول أحسن.
وكذلك إعراب (ما أصحاب الشمال) .
(مَنْضود) .
أي نضّد بالتمر من أعلاه إلى أسفله حتى لا يظهر له ساق.
(مخضود) :
يعني لا شوك فيه، وذلك أن سدر الدنيا له
شوك، فوُصِف سِدْر الجنة بضدّ ذلك.
وقيل المخضود هو الموقر الذي انثنت
أَغصانه من كثرة حمله، فهو على هذا من خضد الغصْنَ إذا ثناه.
стр. 830
(مَاءٍ مَسْكُوبٍ) .
أي مصبوب، وذلك عبارة عن كثرته.
وقيل المعنى أنه جارِ في غير أخاديد ولا ساقية ولا دلو ولا تعب.
(مَحْرومون) : ممنوعون من الرزق، يعني يقولون ذلك لو
جعل الله زَرْعَهم حُطاماً.
(مَتَاعاً للمقْوِين) : أي الذين دخلوا في الْقِوَاء، وهي
الفيافي، ولذلك عبر عنه ابن عباس بالمسافرين.
ويحتمل أن يكون من قولهم:
أقوى المنزل إذا خلا، فمعناه الذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام.
ولذلك عبر عنه بعضهم بالجائعين.
(مَوَاقِع النجوم) :
فيه قولان:
أحدهما قول ابن عباس أنها نجوم القرآن، لأنه نزل على نبينا ومولانا محمد
ﷺ منجّماً، كما قدمناه في عشرين سنة أو أكثر، فكل قطعة منه نَجْم.
والآخر، وهو قول كثيرٍ من المفسرين أنها النجوم الكواكب، ومَوَاقعها
مغاربها ومساقطها.
وقيل مواضعها من السماء.
وقيل انكدارها يوم القيامة.
(مَدِينين) : أذلاء من قولك: دِنْتُ له بالطاعة.
ومعنى الكلام: فلولا ترجعون النفس إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فارجعوها إن كنتم صادقين، أي مربوبين ومقهورين.
(ما لكم لا تُؤْمِنُون باللَهِ والرَّسول) : استفهام يراد به الإنكار.
ولا تؤمنون في موضع الحال من معنى الفعل الذي يقتضيه ما لكم.
والواو في قوله: والرسول يدعوكم - واو الحال، ومعناه أيّ شيء يمنعكم من الإيمان، والرسول يدعوكم إليه بالبراهين القاطعة والمعجزات الظاهرة.
(ما لكم ألاَّ تنْفِقُوا في سبيل الله) : فيه تحريض على الإنفاق وتزهيد في الدنيا.
ومعناه أيُّ شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله.
واللة يرِث ما في السماوات وما في الأرض إذا أفنى أهلها.
стр. 831
(ما أصاب مِنْ مصِيبةٍ في الأرض ولا في أنْفُسكم) .
معناها أنَّ الأمور كلها مقدَّرة مكتوبة في اللوح المحفوظ من قبل أن
تكون.
قال ﷺ : إنَّ الله كتب مقادير الأشياء قبل أن يخلق السماوات بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء.
والمصيبة هنا عبارة عن كل ما يُصيب من خير أو شر.
وقيل أَراد به المصيبة في العُرْف، وهو ما يصيب من الشر، وخص ذلك
بالذكر، لأنه أهم على الناس.
فانظر هذا اللطف العظيم من هذا الرب الكريم في
دعاء عباده بهذه الآية إلى إراحة أنفسهم شفقةً عليهم وهي قطب دائرة العبادة
عليه، ومدارها، وهو ثبات الباعث عليها، ألا ترى ما وعدهم به من الأجر على الصبر على المصائب مع ما في الرضا بها من الراحة والسلامة، وما في الجزع من الهمِّ والغمِّ والعقوبة، وكيف يسخطُ الجاهل بعواقب الأمور، وإنما أجهلك بها لتسأله أَنْ يختارَ لك ما لا تختاره لنفسك، إذ هو عالم بما يصلح لك، والكلام على هذه الآية طويل تكفّل بجمعه علماء أجلة كالغزالي وابن عطاء الله والقشيري وغيرهم، جزاهم الله عنَّا ما هو أهله.
فإن قلت: قد فصل في هذه الآية مصائب الأرض، كالزلازل والقحوط.
وفي أنفسكم بالمرض والموت والفقر، وأجمل في التغابن، فما الحكمة؟
فالجواب إنما فصل فيها موافقة لما قبلها، لأنه فصَّل في سورة الحديد أحوال
الدنيا والآخرة بقوله: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو) .
فناسب ذلك التفصيلُ التفصيلَ في الآية.
وأما سورة التغابن، فناسب الإجمال الوارد فيها من ذلك المشترك، وتحصَّل نظم السورتين على أَتَمِّ مناسبة.
فإن قلت: ما لنا نفرح بالخير ونجزع من الشر، وقد قال تعالى: (لكيلا تَأسوْا على ما فاتَكمْ ولا تَفْرَحوا بما آتاكم) .
وقد قال أبو بكر ﵁ لما أوتي بمال كثير: اللهم لا نستطيع أن نفرح إلاَّ بما زيَّنت لنا.
وقد حثى أيوب من الجراد الذي سقط عليه، فقال الله له: ألم يكن فيما أبليتك - أي أعطيتك - غِنًى عن هذا، فقال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركاتك.
стр. 832
فالجواب أن النهي إنما هو عن الفرح الذي يعود إلى الكبر والطغيان، وعن
الحزن الذي يخرج عن الصبر والتسليم.
وقد ذكر القرافي فرقاً بين الرضا بالقضاء وبين الرضا بالمقضيِّ.
وضرب له مثلاً بالطبيب إذا وصف للعليل دواءً مرًّا، أو قطع يده المتآكلة.
فإن قال بئس ترتيب الطبيب ومعالجته، وكان غير هذا يقوم
مقامه بما هو أيسر فهو تسخّط بقضاء الطبيب، وإذاية له، وجناية عليه، بحيث لو سمعه الطبيب كره ذلك، وشقَّ عليه.
وإن قال: هذا، لدواء مرٌّ قاسيْتُ منه شدائد، وقطع اليد لي منها آلام عظيمة مبرّحة فهذا سخْطٌ بالمقضي الذي هو الدواء والقَطْع لا بالقضاء الذي هو ترتيب الطبيب ومعالجته، فهذا ليس يقدح في الطبيب، ولا يؤلمه إذا سمع بذلك، بل يقول له: صدقت، الأمر كذلك، فعلى هذا إذا ابتلي الإنسان بمرض فتألم من المرض بمقتضى طبعه فهذا ليس عدم رضا بالقضاء، بل عدم رضاً بالمقضيِّ.
وإن قال: أي لشيء عملته حتى أصابني مثل هذا، أو ما ذَنْبي، أو ما كنت استَأهِل مثل هذا، فهذا عدم رضا بالقضاء، فنحن مأمورون بالرضا بالقضاء، ولا نتعرض لجهة ربنا إلا بالإجلال والتعظيم، ولا نعترض عليه في ملكه.
وأما أنَّا أُمِرْنا أن تطيب لنا البلايا والرزايا ومؤلمات الحوادث فليس كذلك، ولم ترد الشريعة بتكليف أحد ما ليس في طبعه، ولم يُؤمر الرَّمِدُ باستطابة الرمد المؤلم، ولا غيره من المرض، بل ذمَّ اللهُ قوماً لا يتألّمون ولا يجدون للبأساء وقْعاً بقوله: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما اسْتَكَانوا لربِّهم وما يتَضَرَّعون) ، فمن لم يتمسكن، ويذل للمؤلمات، ويظهر الجزع منها، ويسأل ربه إقالة العثرة - فهو جبار عَنِيد، وشيطان مَرِيد.
فإن قلت: يفهم من هذا أن من قدر الله عليه بمعصيته يجب عليه الرضا بها.
وليس كذلك؟
فالجواب أن الرضا بالمقضيّ قد يكون واجباً كالإيمان بالله والواجباتِ إذا
قدرها الله للإنسان، وقد يكون مندوباً في المندوبات، وحراماً في المحرمات.
والرضا بالكفر كفر، ومباحاً في المباحات.
وأما بالقضاء فواجب على الإطلاق
стр. 833
من غير تفضيل، فمن قضي عليه بالمعصية أو الكفر - والعياذ باللهِ - فالواجبُ عليه أن يلاحظ جهةَ المعصية والكفر فيكرههما.
وأما إنْ قدر الله فيهما فالرضا ليس إلا.
ومتى تسخّطه وسفه الربوبية في ذلك كان ذلك معصية، وكفراً
منضمّاً إلى معصيته وكفره على حسب حاله في ذلك.
أما إذا تاب ورجع إلى الله من ذلك فلا شكّ أنَّ المعصية في حقه نعمةٌ من الله عليه، لأن الذنبَ يورث الافتقار، والطاعة تورث الاستكبار، والمعصية ُ تورِث ذلاً وافتقاراً خير من طاعة تورث عزا واستكباراً.
قال ﷺ : " لولا أنَّ الذنب خير للمؤمن من العُجْب ما
خَلّى الله بين عَبْدٍ وبين ذَنْب أبدًا ".
وفي الحديث: "إن إبليس ليوقع العبد في معصية فلا يزال هذا العبد نادماً عليه وخائفاً من عقوبته، فيقول إبليس: يا ليتني لم أوقعه فيه".
والكلام هنا طويل تركناه لذلك.
(مَنْ ذَا الذي يقْرِض الله قَرْضاً حَسَنًا) :
ندب الله عبادَة في هذه الآية إلى الإنفاق في سبيل الله، وهذا من لطْفِ اللَهِ بهم، تارة يدعوهم إلى الزّهد في الدنيا والخروج عنها بالإقراض، وتارة بلفظ المضاعفة، فهنيئاً لكم أيتها الأمة بما خوّلكم مولاكم.
وسبب نزول هذه الآية أنه لما نزل قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذَرَّةٍ خيراً
يَرَه) - شَقّ ذلك على النبي ﷺ لأجل الأمة، ولم يرض بذلك، فأنزل اللَّهُ: (أولئك يؤتَوْن أجرهم مرتين) ، فلم يَرْضَ بذلك، فأنزل الله: (مَنْ جاء بالحسنة فله عَشْرُ أمثالها) ، فلم يرض بذلك، وقال: " رب زد أمتي "، فأنزل الله: (واللَه يضاعف لمن يشاء) ، فقال: " رب، زِدْ أمتي "، فأنزل الله: (مَنْ ذَا الذي يقْرِض الله قَرْضاً حَسَنًا) .
والكثير لا يكون أقلَّ من ثلاثة، والدنيا كلّها قليل، والإضعاف لا يكون
أقل من ثلاث مرات مثل الدنيا.
فقال: رب، زد أمتي، فأنزل الله: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) .
فإن قلت: هلا أعطاهم بغير قَرْض ولا مجيء حسنة في قوله تعالى:
стр. 834
(مَنْ جاء بالحسنة) .
وما الحكمة في أنَّ الله ذكر الصدقةَ بلفظ القرض، وما الحكمة في
الإضعاف؟.
فالجواب أن الله تعالى لو أعطى الثواب بغير شيء لكان يجب أن يعطي
الكفّار مثلَ ما يعطي المؤمنين، فجعل الحسنات إلى المؤمنين لتمنع الثواب عن
الكفار بها، ولا تكون حجة عند الله.
وذكر الصدقة بلفظ القرض، لأن المقرض محتاج، فذكر أنك محتاج إليه مضطر، فلا يمنعك لاحتياجك، ولتعلم أنه يخْلفه لك.
والقرض ليس فيه مذلّة، بخلاف الصدقة.
ومن أقرضته لا يمنُّ عليك.
ولما كان للأمم الخالية عمر طويل وطاعات كثيرة بخلاف هذه الأمة، فخصَّها الله بتضعيف الطاعات، وتفصيل الأوقات، لتكون أعمالهم زاكيةً عليهم.
ولما كان في الطاعات تقصيرٌ جعل لهم الإضعاف، إذ هو بغير تقصير، وبه تنال الجنة، لأنها من فضله ورحمته لا بعملهم وسعْيهم وإن ظلموا بعضهم بعضا تؤخذ حسناتهم بقدر مظلمتهم حتى تفنى ولا يبقى إلا التضعيف، فيقولون: يا ربنا، أعطنا من أضعاف عملنا.
فيقول الله لهم: ذلك ليس منْ الفعل، وإنما هو من فضلي ورحمتي، فلا نصيب لكم فيها، فلا تؤخذ منهم.
(مَنَافِعُ لِلنَّاسِ) :
يعني أنَّْ الحديد فيه منافع لسكك الحرث والمسامير، وذلك أن كلَّ صنعة لهم مفتقرة إليه، فلا يستغنى عنه.
(مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) : يعني أنَّ الله أنزل الحديد
ليعمل منه السلاخ لقتال أعْداءَ الله، وليعلم الله مَنْ ينصره، أي ليعلمه موجوداً فالمتغير ليس في علم الله، بل في هذا الحديث الذي خرج من العدم إلى الوجود.
ومعنى (بالغيب) بما سمع من الأوصاف الغائبة عنه، فآمن به لقيام الأدلة
عليها، فأى عذر لتاركِ الجهاد في سبيل الله، وقد أخبر أنه أرسل رسلاً، وأنزل كتباً، وعدلاً مشروعا، وسلاحاً يقاتل به من عاند، ولم يهتد بهَدْي الله.
(ما كتَبْنَاهَا عليهم إلاَّ ابتغاءَ رِضْوَان الله) :
أي فرضنا وشرعنا.
وفي هذا قولان:
стр. 835
أحدهما أن الاستثناء منقطع.
والمعنى ما كتبنا على الذين اتّبعوا عيسى الرهبانية من الاعتزال عن الناس، ورَفْض النساء، وتَرْك الدنيا، ولكنهم فعلوها من تِلْقَاء أنفسهم ابتغاء رضوان الله.
والآخر أنَّ الاستثناء متصل: والمعنى كتبناها عليهم ابتغاء رضوان الله.
والأول أرجح، لقوله: ابتدعوها، ولقراءة عبد الله بن مسعود ما كتبناها
عليهم، لكن ابتدعوها.
والمعتزلة يعربون (رهبانية) مفعولاً بفعل مضمر يفسره ابتدعوها، لأن مذهبهم أنً الإنسانَ يخلق أفعاله، فأعربوها على مذهبهم الفاسد.
(ما رَعَوْهَا حقَّ رِعَايَتِها) ..
أي لم يدوموا عليها، ولم يحافظوا على الوفاء بها.
والضمير في (رعَوْها) للذين ابتدعوها لرهبانيةٍ، وكان
يجب عليهم إتمامها، وإن لم يكتبها الله عليهم، لأن من دخل في شيء من النوافل وجب عليه إتمامُه، ولهذا أشار ﷺ بقوله لعبد الله بن عمر: إنك لا تطيق ذلك، أحب العمل إلى الله أدْوَمه وإن قل.
حتى قال: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ .
وكان أحبَّ العمل إليه ما كان ديمةً.
(ما هُن أُمهاتِهم) :
ردّ الله بهذا على من كان يوقع الظهار ويعتقده حقيقة، وأخبر تعالى أنَّ تصيير الزوجة أُمًّا باطل، لأن الأم في الحقيقة الوالدة التي ولدت.
(ما يكون مِنْ نَجْوَى ثلاثةٍ إلا هو رَابِعُهم) المجادلة: ٧.
يحتمل أن تكون النجوى هنا بمعنى الكلام الخفي، فيكون ثلاثة مضافاً إليه، أو بمعنى الجماعة من الناس، فيكون ثلاثة بدلاً أو صفة، والأول أحسن.
(ما هم مِنْكُمْ ولا مِنْهُم) :
يعني أنَّ المنافقين ليسوا من المسلمين ولا من اليهود، فهو كقوله تعالى فيهم: (مُذَبْذَبين بين ذلك) .
وإذا عُوتبوا على سوء قولهم وأفعالهم حلفوا أنهم ما قالوا ولا فعلوا.
وقد صدر ذلك منهم مراراً كثيرة مذكورة في السير وغيرها.
стр. 836
(مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ) .
ضمير الغيبة يعود على بني النضير، وذلك لكثرة عدتهم ومَنَعة حصونهم.
فأخذهم الله ولم تغْنِ عنهم من الله شيئاً.
(مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) .
نزلت بسبب الفيء.
يعني ما آتاكم من الفيء فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، فكأنها أمر للمهاجرين بأخذ الفَيْءَ، ونهي للأنصار عنه، ولفط الآية مع ذلك عامّ في أوامره ونواهيه ﷺ ولذلك استدل بها عبد الله بن مسعود على المنع مِنْ لبْس المخيط على الحُرُمِ، ولعن الله الواشمَة وغيرها لوروده عنه ﷺ .
(كَمَثَلِ الذين مِنْ قَبلهم قَرِيباً ذَاقوا وَبَالَ أمْرِهم) .
أي هؤلاء اليهود كمَثَلِ الذين مِنْ قَبْلهم - يعني اليهود من بني قَيْنقاع، فإن رسول الله ﷺ أَجلاهم عن المدينة قبل بني النضير، فكانوا مثلاً لهم.
وقيل يعني أهلَ بَدْر الكفار، فإنهم قبلهم، ومثَلٌ لهم في أن غلبوا وقهروا.
والأول أرجح، لأنَّ قوله: (قريباً) - يقتضي أنهم كانوا قبلهم بمدة يسيرة.
وذلك أوقع على بني قَيْنقاع.
وأيضاً فإن تمثيل بني النضير ببني قينقاع ألْيق لأنّهم
يهود مثلهم، وأخرجوا من ديارهم، كما فعل بهم، وذلك هو المراد بقوله: (ذاقوا وبال أمرهم) .
(كمثل الشيطان ... ) .
مثَّل الله المنافقين الذين أغْووا اليهود من بني النضير تم خذلوهم بعد ذلك بالشيطان، فإنه يَغْوِي ابن آدم ثم يتبرأ منه، والمراد بالشيطان والإنسان هنا الجنس.
وقيل: أراد الشيطان الذي أغوى قريشاً يوم بدر، وقال لهم: (إني جاز لكم) .
وقيل المراد بالإنسان برصيص العابد، فإنه استودع امرأة فزيَّن له الشيطان
الوقوع عليها، فحملت فخاف الفضيحة، فزيَّن له الشيطان قَتْلها، فلما وُجِدتْ مقتولة تَبَيَّن فعله، فتعرّض له الشيطان، وقال له: اسجد لي وأنجيك، فسجد له وتبرَّأ منه.
وهذا ضعيف في النقل.
والأول أرجح.
стр. 837
(موَدَّة) : أي محبّة، وقد كمُلَت في فَتْح مكة، فإنه أسلم
حينئذٍ سائر قريش.
وقيل المودة تزوّج النبي ﷺ أمّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب.
وردَّ ابن عطية هذا القول بأن تزوج أم حبيبة كان قبل نزول هذه الآية.
وبالجملة لما أمر الله المسلمين بمعاداة الكفار ومقاتلتهم امتثلوا ذلك على ما
كان بينهم وبين الكفار من القرابة، فعلم الله صدقهم، فآنسهم بهذه الآية.
ووعدهم أن يجعل بينهم مودة.
(مِثْلَ ما أنْفَقوا) ، أي اطلبوا من الكفار ما أنفقْتُم من
الصدقة على أزواجكم اللاتي فررن إلى الكفار، وليطلب الكفار ُ منكم ما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين.
فإن قلت: يفْهَم من تكرر هذه الآية بقاء حكمها؟
والجواب أنه لما قال الله: (واسألوا ما أنْفَقْتُم ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا) .
قال الكفار: لا نرضى بهذا الحكم، ولا نُعْطي صداق مَنْ
فَرَّتْ زوجتُه إلينا من المسلمين، فأنزل الله هذه الآية الأخرى.
وأمر المسلمين أن يدفعوا الصداقَ لمن فرَّت زوجته إلى الكفار من المسلمين، ويكون هذا النوع من مال الغنائم على قول مَنْ قال: إنَّ معنى فعاقبتم: غنمتم.
وقيل من مال الفيء.
وقيل من الصدقات التي كانت تُدْفع للكفار إذا فرَّ أزواجُهم إلى المسلمين، فأزال الله دَفْعَها إليهم حين لم يرضوا حكمه.
وهذه الأحكام التي تضمنتها هذه الآيات قد ارتفعت، لأنها نزلت في قضايا
معينة، وهي مهادَنةُ النبي ﷺ مع مشركي العرب، ثم زالت هذه الأحكام بارتفاع الهدنة، إذ لا يجوز لنا مهادنة المشركين من العرب، إنما هو في حقهم الإسلام أو السيف، وإنما تجوز مهادنةُ أهلِ الكتاب والمجوس، لأن الله تعالى قال في المشركين: (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) .
وقال في أهل الكتاب: (حتى يُعْطُوا الجِزْيَةَ) .
وقال ﷺ في المجوس: "سنّوا بهم سنَّةَ أهل الكتاب".
(مَرْصوص) :
هو الذى يُضَمّ بعضُه إلى بعض.
стр. 838
وقيل: هو المعقود بالرصاص، ولا يبعد أن يكون هذا أصل اللفظة، وفيها إشارةٌ إلى الثبات في القتال والجِدّ فيه.
(مثَل الذين حُمِّلوا التوراةَ) .
أي كلِّفوا العمل بها والقيام بأوامرها ونواهيها، فلما لم يطيقوا أمْرَها ولم يعملوا بها شبّههم الله بالحمار الذي يحمل الأسفار على ظهره، ولا يدري ما فيها، وهم أيضاً حملوا التوراة ولم يحملوها، لأنها تنطِقُ بنبوءة نبينا ومولانا محمد ﷺ ، فمن قرأها ولم يؤمِنْ بها
فقد خالف التوراة.
(ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التجارة) :
سبب هذه الآية أنَّ رسول الله ﷺ كان قائماً يخطب على منبره يوم الجمعةْ، فأقبلت عِير من الشام
بطعام وصاحِبُ أمرها دحية بن خليفة الكلبي، وكانت عادتهم أن تدخل العِير
المدينةَ بالطبل والصياح سروراً بها، فلما دخلت العير كذلك انفضَّ أهلُ المسجد إليها، وتركوه ﷺ قائماً على المنبر، ولم يَبْقَ معه إلا اثنا عشر رجلا.
قال جابر بن عبد الله: أنا أحدهم، وذكر بعضهم أن منهم العشرة المشهود لهم بالجنة.
واختلف في الثاني عشر فقيل عبد الله بن مسعود.
وقيل عَمّار بن ياسر، وقيل: إنما بقي معه ﷺ ثمانية.
وروي أنه ﷺ قال: " لولا هؤلاء لقد كانت
الحجارة مسوَّمةً في السماء على الناقضين ".
فإن قلت: ما بالُ الصحابة الموصوفين بالصلاح والعفاف يُهرعون للعِير
ويَدَعون أشرفَ الخلق على منبره يعظُهم ويذكرهم؟
فالجواب أنَّ ذلك منهم كان عند هجرته ﷺ إليهم، ولم يوقر الإيمان في صدورهم، وكانت مَسْغَبة عظيمة، ولهم عيالٌ يطلبونهم، فلكثرة فرحهم بسرور عيالهم وعلمهم بحسن خلق نبيهم وأنه بعثه الله رحمةً لهم وميسِّراً لدينهم، خرجوا لنظر العير، هل أتى بطعام كثير يفرحون بهم أهاليهم، ولأنهم كانوا قد صلّوا
معه ﷺ الصلاة المفروضة، وظنهم أنَّ الخطبة ليست من شرط الصلاة، وأنهم سيرجعون إليه ﷺ بعد نظرهم، وإلاَّ لو علموا وجوبَ ذلك عليهم لآثروه على
стр. 839
أنفسهم وأولادهم، ألم تسمع إلى قولهم - في غَزْوَة بدر لما استشارهم ﷺ في القتال: نحن أسيافك القاطعة، ودروعك المانعة، إنْ خُضْتَ بحراً خضناه معك، وإن قاتلت ندفع عنك، ولسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهَبْ أنْتَ ورَبّك فقَاتِلا، ولكن نقول لك: اذهَبْ أنْتَ وربك فقاتلا إنَّا معكما مقاتلون.
فإن قلت: لِمَ قال: (انفضّوا إليها) - بضمير الفرد، وقد
ذكر التجارة واللهو؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه أراد انفضّوا إلى اللهو وانفضوا إلى التجارة، ثم حذف أحدهما
لدلالة الآخر عليه، قاله الزمخشري.
والآخر: أنه قال ذلك تهمُّماً بالتجارة، إذ كانت أهَمَّ، وكانت هي سبب
اللهو، ولم يكن اللهو سببها، قاله ابن عطية.
فإن قلت: لم قدّم في هذه الآية اللهو على التجارة، وقدم التجارة قبل هذا
على اللهو؟
فالجواب أنَّ كلّ واحدٍ من الموضعين جاء على ما ينبغي فيه، وذلك أنَّ
العرب تارة يبدأون بالأكثر، ثم ينزلون إلى الأقل، كقولك: فلان يخون في
الكثير والقليل، فبدأت بالكثير، ثم أردفت عليه القليل، وهي دونه.
وتارة يبدأون بالأقل، ثم يرتَقُون إلى الأكثر، كقولك: فلان أمين على القليل والكثير، فبدأت بالقليل ثم أردفت عليه الكثير.
ولو عكس في كل واحد من المثالين لم يكن حسناً، فإنك لو قدمت في الخيانة ذكر القليل لعلم أنه يخون في الكثير من باب أحرى وأولى، ولو قدمت في الأمانة ذكر الكثير لعلم أنه أمين في القليل من باب أولى وأحرى، فلم يكن لذكره بعد ذلك فائدة، وكذلك قوله: (إذا رَأوْا تجارة أو لَهْوا انفضّوا إليها) - قدم التجارة هنا ليبيِّن أنهم ينفضّون إليها من باب
أولى، انفضاضهم إلى اللهو الذي هو دونها.
стр. 840
وقوله: (خَيْر من اللَّهْوِ ومن التجارة) قدم اْللَّهوْ، ليبين أنَّ ما عند الله خير
من اللهو، وأنه أيضاً خير من التجارة التي هي أعظم منه، ولو عكس كل واحد من الموضعين لم يحسن.
فإن قلت: لِمَ قال ﷺ في المتخلفين والمنفضّين: لولا هؤلاء لعذبوا بالحجارة، وهل ذلك خاصّ بالجمعة أو بسائر الصلوات لو تخلفوا عنه، ولِمَ قال في الجمعة: (فاسعوا إلى ذكر الله) .
وقال ﷺ في الصلاة ائتوها وعليكم السكينة
والوقار بغير سرعة؟
فالجواب لما جهلوا قَدْرَ هذا الرسول ﷺ عذبوا لولا أنَّ الله دفع عنهم بمن عرف حقَّ الله وحق رسوله، كما قال تعالى: (ولولا دَفْعُ الله الناسَ بعضهم ببعض) ، وهذا خاصّ بالجمعة، لأنها عملٌ وذكر، وهو الخطبة، وسائر الصلوات عمل، ولذلك تُسمَّى يوم الجمعة عند أهل الجنة يوم المزيد، يزدادون فيه جمالاً وحسناً كما يزدادُ أهلُ الدنيا هرماً وضعفاً، وتُعْرَفُ عند أهل السماء بيوم الخير، وعند أهل الكتاب يوم التوبة، وعند أهل الزَّبُور بسيِّد الأيام، وفي الفرقان يوم الجمعة، قال ﷺ : يوم الجمعة حَجّ المساكين، لأنه يشبه الحج لإتيان المكلَّف
إليها بعد النداء، كالحج: وأذِّن في الناس، وإذا نُودي للصلاة.
وفي الغسل لها، كما يغتسل للحج، وزادت الجمعة بإباحة الطيب والتزيُّن والخطبة التي كانت في الحج يوم عَرفة.
ولما حرم الصيد في الإحرام وأبِيح بعده حرّم البيع والشراء عند
صلاة الجمعة، وأبيح بعدها، وابتغاء الفضل كما في مريد الحج، قال تعالى: (ليس عليكم جُنَاح أن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ ربكم) ، ويسعى إليها من بعيد، كما يسعى إلى الحج من كل فَجّ عَمِيق، وأمِر المكلف بالذكر بعد الفراغ منها، كما أمر الحاج به في قوله: (فاذكُروا الله كذِكْرِكم آباءَكم) .
وقال في الحج: (فإن خَيْرَ الزَّادِ التقوى) .
وقال في الجمعة: (قُلْ ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة) .
والإجماعُ على أنَّ يوم الجمعة أفضلُ من يوم عرفة للحديث: "خَيْرُ يوم
طلعت عليه الشمسُ يوم الجمعة، فيه تقوم الساعة، وفيه - خُلق آدم.
.. الحديث.
(مَنْ يُؤْمِن بالله يهْدِ قَلْبَه) :
قيل معناه من يؤمن بأنّ كل
стр. 841
شيء بإذن الله يهْدِ الله قلْبَه للتسليم والرضا بقضاء الله، وهذا حسن، إلاَّ أنّ
العمومَ أحسن مضه.
(ما استَطَعْتم) :
(ما) ظرفية، وهذا ناسخ لقوله: (اتقوا اللهَ حَقَ تُقَاته) .
وروي أنه لما نزلت هذه الآية شقّ ذلك على الناس حتى نزل: (ما استطعتم) .
وقيل: لا نسخ بينهما، لأن (حق تقاته) معناه فيما استطعتم، إذ لا يمكن أن يفعل أحدٌ إلاَّ ما يستطيع.
فهذه الآية على هذا مُبَيِّنَة لتلك، وتحرَّز بالاستطاعة من الإكراه والنسيان، وما يؤاخذ به العبيد.
(مَنْ يُوقَ شحَّ نَفْسِه) : هو بخْلها وطمعها، فمن وقِيها
وُقِي شرَّ الدنيا والآخرة.
وقيل: إنها نزلت في الطلاق.
ومعناها من يتَّقِ الله فليطلق طلقة واحدة حسبما تقتضيه السنَّة.
(يجعل له مَخْرَجاً) ، بجواز الرجعة متى ندم على الطلاق.
وفي هذا المعنى روي عن ابن عباس أنه قال لمن طلَّق ثلاثاً: إنك لم تتَّق اللهِ
فبانت منك امرأتك، ولا أرى لك مخرجاً، أي لا رَجعة لك.
والصحيح أنها على العموم، وأنَّ من يتَّق الله في أفعاله وأقواله يجعل له مخرجاً، فيدخل في ذلك الطلاق وغيره.
وروي أنها نزلت في عَوْف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه أُسِر ولده وضيّق
عليه رزقه، فشكَا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأمره بالتقوى، فلم يلبث إلا يسيراً وانطلق ولده ووسّع الله عليه رزقه.
وروي عنه ﷺ أنه قال - حين قرأ هذه الآية: مَخْرَجاً من شبهات الدنيا، وغمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة.
وقال ﷺ إني لأعلم آوية لو أخذ الناس بها لكفتهم: ومن يَتّقِ الله ... ) الآية.
فإن قلت: إن الله تعالى تكفّل بأرزاق العباد على الجملة، فما فائدة قوله:
(ويَرْزقْه من حيث لا يَحْتَسِب) .
فالجواب أن الرزق مضمون لكل حيّ طولَ عمره، وهو الغذاء الذي به تقوم
стр. 842
الحياة، قال تعالى: (ومَا مِنْ دَابّةٍ في الأرض إلا على الله رِزْقها) .
وأما رزق المتقين فوعْدُ الله لهم أن يأتيهم بسهولة من غير تَعب، كما قال ﷺ : "تكفّل اللَّهُ لطالب العلم برزقه".
وفي حديث آخر: "استنزلوا الرزق بالصدق".
مصداقه قوله تعالى: (ولو أنَّ أهْلَ الكتاب آمَنوا واتّقَوا لكفَّرْنا عنهم
سيئاتهم) .
فبيَّن لك سبحانه أنهم لو عملوا بما في التوراة والإنجيل لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، أي لَوَسَّعْنا عليهم أرزاقنا، وأغدقنا عليهم إنفاقَنا، لكنهم لم يفعلوا ما نحبّ، فلذلك لم نفعل ما يحبون.
وانظر كيف تكفّل الله سبحانه بالرزق لعباده تعريفا بوداده، ولم يكن ذلك
واجباً عليه، بل أوجبه على نفسه إيجاب كرم وتفضّل، كأنه يقول: أيها العبد ليست كفالتي ورزقي خاصّاً بك، بل كلّ دابة في الأرض أنا كافِلها ورازقها، وموصِّل إليها قوتَها، فاعلَمْ بذلك سعةَ كفالتي، وغناء ربوبيّتي، وأنَّ شيئاً لا يخرج عن إحاطتي ورعايتي، فثِقْ بي كفيلاً، واتخذني وكيلاً، فإذا رأيتَ ذكري لأصناف الحيوان، ورعايتي إياها، وقيامي بحسن الكفالة لها وأنت أشرف هذا النوع، فأنت أولى بأن تكون لكفالتي واثقاً، ولفضلي رامقاً، ألا تراني قلت: (ولقد كرَّمْنَا بَني آدَم) ، أي على سائر أجناس الحيوان إذ دعونِاهم إلى خدمتنا، ووعدناهم دخول جنتنا، وخطبناهم إلى حضرتنا، ومما يوضَح لك كرامة الآدمي على غيره من المكونات أن المكونات مخلوقات من أجله، وهو مخلوق من أجل حضرة الله، فإذا علمت أن الأكوان مخلوقة من أجلك إمّا انتفاعا وإما اعتباراً، وهو نفع أيضاً، فينبغي لك أن تعلم أن الله سبحانه إذا رزق مَنْ هو مخلوق من أجلك كيف لا يكون لك رازقاً، فاستَحْييِ منه أن تكون بعدما كساك حُلّةَ الإيمان، وزَيّنَك بزينة العرفان، أن تستَوْلِيَ عليك الغفلة والنسيان، حتى تميل إلى الأكوان، أو تطلب من غيره وجوهَ امتنان.
وقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمَنوا أوْفوا بالعقود) .
ومن العقود التي عاقدْتَه عليها ألا ترفع حوائجك إلا إليه ولا تتوكل إلا عليه، ولازِم
стр. 843
إقرارك له بالربوبية يوم (أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) فرضيت به ربّاً واحدا رازقاً، فكيف
توَحده هنالك وتجهله ها هنا، وقد تواتر عليك إحسانه، وغمرك فضله
وامتنانه.
فإن قلت: ما فائدة تكرير ذِكْر التقوى في هذه السورة في مواطن ثلاث؟
فالجواب أن أوامرها دارت على الأمر بالمحافظة على إيقاع الطلاق إذا دعت
إليه الضرورة في وَقْتِه لاستقبال العدة حتى لا يقع الضرار بالمطلقة في تطويل
عِدّتها، والأمر بإحصاء العدة والمحافظة عليها، وأن تخرج المعتدة من بيتها حيث وقع عليها الطلاق، والأمر بإنفاذ ما يقع الاعتماد عليه من إمساك أو مفارقة، ومن حسن الصحبة وجميل العشرة: إن اعتمد الإمساك، أو بالإمتاع أو التلطف رَعْياً لما تقدم من الصحبة إن عَوَّل على المفارقة فلرَعْي هذه الأوامر أكّد سبحانه بالتزام التقوى فيما ذكر، فتأمله جارياً على أوضح تناسب.
(ما أحَلَّ الله لَكَ) .
الخطاب للنبي ﷺ ، نهاه الله أن يطلبَ
رضا أزواجه بتحريم ما أحل الله له من تحريمه للجارية، ابتغاء رِضَا حَفْصة.
وهذا يدل على أنها نزلت في تحريم الجارية.
وأما تحريمه للعَسل فلم يقصد به رِضَا أزواجه، وإنما تركه لرائحته، وكان يكره أن توجد منه رائحة كريهة.
(ما يُؤْمَرون) :
وصف للملائكة بأنهم لا يعصون، وتأكيد لعدم عصيانهم.
وقيل: إن معنى (لا يعصون) ، امتثال الأمر، (ويفعلون ما يؤمرون) جدّهم ونشاطهم فيما يؤمرون به من عذاب الناس.
(ما تَرَى في خَلْقِ الرَّحْمن) : بيان وتكميل لما قَبْله.
والخطاب بقوله: (ما تَرى) و (وارْجع البَصر) ، وما بعده للنبي ﷺ ، أو لكل مخاطب ليعتبر.
(مَنَاكِبها) :
قال ابن عباس: هي الجبال.
وقيل الجوانب والنواحي.
وقيل الطرق.
стр. 844
والمعنى تعديد النعمة في تسهيل المشي على الأرض، فاستعار لها الذّلَّ
والمناكب تشبيهاً بالدّوَابّ
(مَنْ يمْشِي مكِبًّا على وَجْهه) .
توقيف على الحالتين أيهما أَهدى.
والمراد بها توبيخ الكفار، وفي معناها قولان:
أحدهما أن المشْيَ استعارة في سلوك طريق الهُدَى والضلال في الدنيا.
والآخر أنه حقيقة في المشي في الآخرة، لأن الكافر يحْمَل إلى جهنم على
وجهه.
فأما على القول الأول فقيل: إن الذي يمشي مكبًّا أبو جهل، والذي يمشي
سَوِيّاً سيدنا ومولانا محمد ﷺ ، وقيل حمزة.
وقيل هي على العموم في كل مؤمن وكافر.
وقد تمشي هذهْ الأقوال أيضاً على القول الثاني.
والمكِبّ هو الذي يقع على وجهه، يقال أكبَّ الرجل وكبَّه غيره، فالمتعدي
دون همزة، والقاصر بالهمزة بخلاف سائر الأفعال.
(ماؤُكم غَوراً) :
مصدر وُصف به بمعنى غائرا، أي ذاهباً في
الأرض، وهذا احتجاج على المشركين.
والمعنى إنْ غار ماؤكم الذي تشربون منه هل يأتيكم إله غير الله بماءٍ معِين.
واختلف هل وزنه فعيل أو مفعول.
وقوله: (وكأس من مَعِين) ، أي من خمر تجري من العيون.
(ما أنْتَ بنعمةِ رَبكَ بمَجْنون) : هذا جواب القسم، وهو
خطاب لنبينا ومولانا محمد ﷺ ، معناه نفي ما نسبه الكفار له من الجنون.
وبنعمة ربك - اعتراض بين (ما) وخبرها، كما تقول: أنْت - بحمد الله - فاضل.
والجار والمجرور في موضع الحال.
وقال الزمخشري: إن العامل فيه بمجنون.
(مَشَّاءٍ بنَمِيم) ، أي كثير المشي بالنميمة، يقال نميم ونميمة
بمعنى واحد.
قال ﷺ : "لا يدخل الجنة نَمّام منّاع للخير".
أي شحيح، لأن الخير
стр. 845
هنا هو المال.
وقيل معناه منّاع من الخير، أي يمنع الناس من الإسلام والعمل الصالح.
(ما لكم كيف تحكمون) .
(ما) مبتدأ و (لكم) خبره، وتَمَّ الكلام هنا، فينبغي أن يوقف عليه.
وفي الآية توبيخ للكفار، أي كيف تحكمون
بأهوائكم، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم.
(مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ) :
مفعول معه، أو معطوف، وفيه تهديد للمكذبين بالقرآن.
(مَذْموم) :
هذا جواب لولا، والنفي هو الذم لا نبذه بالعراء، فإنه قال في الصافات: (فَنَبَذْنَاه بالعَرَاءَ وهو سَقِيم) ، فالمعنى لولا رحمة الله لنبِذَ بالعَرَاء وهو مذموم، لكنّه نبذ وهو غير مذموم.
(ما هو إلا ذِكْرٌ للعالَمِين) :
الضمير يعود على القرآن، يعني
أنه موعظة وتذكير للخلق.
(ما الحاقّة) :
(ما) استفهامية يراد بها التعظيم، وهي مبتدأ وخبرها ما بعده، والجملة خبر الحاقّة.
وكان الأصل الحاقة ما هي، ثم وضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم والتهويل، وكذلك (ما أدْرَاك ما الحاقّة) ، لفظه الاستفهام، والمراد به التهويل والتعظيم.
(مَنْ قَبْلَه) : أي قبل فرعون من الأمم الكافرة، وأقربهم
إليه قوم شعيب.
والظاهر أنهم هم المراد، لأن عاداً وثمود قد ذكرا، وقوم لوط
هم " المؤتفكات "، وقوم نوح قد أشير إليهم في قوله: (لما طَغَا الماءُ) .
وقرئ " قِبَله " - بكسر القاف وفَتْح الباء، ومعناه جنده وأتباعه.
(مَفْتون) :
قيل إن المفتون المجنون، ويحتمل غير ذلك مِنْ معاني الفتنة.
واختلف في الباء التي في قوله (بأيكم) ، قيل زائدة، وقيل هي غير زائدة.