ثمانية عشر عامًا، فحصل علومًا كثيرة واعتنى بلقاء الصالحين، وجال بلادها فلقي بها الشريف أبا القاسم السبتي وأخذ عنه، وقال في وفياته، بعد الثناء عليه: وبالجملة فهو ممن يحصل الفخر بلقائه- اهـ.
وألف تآليف عدة في فنون منها: شرح الرسالة في أسفار وشرح الخونجي في سفر صغير، وشرح أصلي ابن الحاجب، وشرح تلخيص ابن البنا، وشرح ألفية ابن مالك، وأنوار السعادة في أصول العبادة في شرح بني الإسلام على خمس، و (تيسير الطالب في تعديل الكواكب) وذكر أنه لم يهتد أحد من المتقدمين إلى مثله، وكتاب بغية الفارض من الحساب والفرائض، وتحفة الوارد في اختصاص الشرف من قبل الوالد، ووسيلة الإسلام بالنبي ﵇ وقال: إنه من أجل الموضوعات في السير، مع اختصاره، و (أنس الفقير وعز الحقير) في ترجمة الشيخ أبي مدين وأصحابه.
وروى عنه الإمام ابن مرزوق الحفيد وغيره، مولده في حدود الأربعين وسبعمائة، وتوفي عام عشرة وثمانمائة، ذكره الونشريسي في وفياته (١)، ونقل عنه المازري في نوازله، والقلشاني في شرح الرسالة، ومن شعره:
الفَقْرُ إنْ فَكَّرْتَ فيهِ رأيتَهُ ... قد دَارَ بينَ قواعد مُتتاليهْ
فاطلبْهُ في القرآنِ أو في سُنَّةٍ ... واعقِدْهُ بالإجماعِ واتْرُكْ قَالِيَهْ
وله أيضًا:
مضتْ ستونَ عامًا من وجودي ... وما أمسكتُ عن لعبٍ ولهوِ
وقد أصبحتُ يومَ حلولِ إحدى ... وثامنةٍ على كسلٍ وسهوِ
فكم لابنِ الخطيبِ من الخطايا ... وفضلُ اللَّه يشملُهُ بعفوٍ
٨٥ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد اللَّه الشريف الحسني السبتي ثم الغرناطي القاضي أبو جعفر وأبو العباس (٢)
الشيخ الفقيه العالم الأبرع ابن الإمام العلامة أبي القاسم الشريف،
стр. 107
شارح المقصورة. أخذ عن شيخ الشيوخ أبي سعيد فرج بن لب وغيره. وأخذ عنه الإمام أبو يحيى بن عاصم شارح التحفة، وله أخ عالم فقيه يسمى محمدًا ويكنى أبا المعالي، قال صاحب الكوكب الوقاد فيمن دفن بسبتة من العلماء والزهاد: لقيت هذين الشيخين وأجازاني، أولهما وأكبرهما ذكره الوزير ابن الخطيب في شعراء الكتيبة الكامنة، وذكر له قصيدة لزومية- اهـ (١).
ولم أقف على تاريخ وفاته، ووقع النقل عنه في المعيار.
٨٦ - أحمد بن موسى الصديق .
من متأخري المغاربة، أظنه أهل المائة التاسعة، واللَّه أعلم.
٨٧ - أحمد بن محمد الهنتاني أبو العباس (٢).
شهر بالشماع، أحد تلامذة ابن عرفة. أخذ عنه الشيخ أبو زيد عبد الرحمن الثعالبي، وولي قضاء محلة السلطان أبي فارس، ووقع بينه وبين الحافظ البرزلي نزاع كبير في مسألة العقوبة بالمال هل هي جائزة باق حكمها أو منسوخة؟ ألّف كل واحد على صاحبه ووقع بينهما في ذلك هجو، عفا اللَّه عن الجميع، ونقل عنه في المعيار، ولم أقف على وفاته.
٨٨ - أحمد بن العباس (٣).
شهر بالمريض من أصحاب بن عرفة، شرح رجز الضرير في العقائد، ولم أقف على ترجمة.
٨٩ - أحمد النقاوسي البجاني العلامة .
قال تلميذه أبو زيد عبد الرحمن الثعالبي: هو شيخنا الإمام المحقق الجامع بين علمي المنقول والمعقول، ذو الأخلاق المرضية والأحوال الصالحة السنية- اهـ.
стр. 108
لا أعرف من حاله أزيد من هذا.
قلت: تقدم لنا نقاوسي آخر وهو غير هذا، كما لا يخفى واللَّه أعلم.
٩٠ - أحمد بن عبد الرحمن النحريري (١).
كان من فقهاء المالكية كان له اشتغال قديم، تولى قضاء طرابلس بإعانة الشمس الركراكي، وعزله منطاش مدبر المملكة، فلما عزل منطاش سعى في قضاء الاسكندرية فوليه قليلًا ثم عاد وولي يوم الاثنين سابع عشر المحرم سنة أربع وتسعين وسبعمائة، وتوفي في رجب سنة ثلاث وثمانمائة، صح من رفع الاصر لابن حجر.
٩١ - أحمد بن عبد الخالق بن علي بن الحسن بن عبد العزيز بن محمد بن الفرات، وبه اشتهر (٢).
قال ابن حجر في أنباء الغمر: اشتغل بالعلم والفقه والعربية والأصول والأدب، ومهر في الفنون ونظم الشعر، وكانت بيننا مودة، وهو القائل:
إذا شئت أن تحيا حياة سعيدة .... وتستحسن الأقوام منك القبائحا
تزيّ بزيّ الترك واحفظ لسانهم ... وإلّا فجانبهم وكن متصولحًا
توفي سنة أربع وثمانمائة.
٩٢ - أحمد بن علي بن محمد بن عبد الرحمن الفاسي المالكي الحسني والد قاضي المالكية بمكة تقي الدين (٣).
قال [في] أنباء الغمر: ولد سنة أربع وخمسين وسبعمائة وعني بالعلم فحمد في عدة خصوصًا الأدباء، فقال الشعر الرائق وفاق في معرفة الوثائق ودرس وأفتى وحدث قليلًا، سمع عز الدين بن جماعة وأبا البقاء السبكي
стр. 109
وغيرهما، وتوفي في حادي عشر شوال سنة سبع عشرة وثمانمائة (١).
٩٣ - أحمد القصار الأندلسي الغرناطي أبو جعفر .
أخذ عن الإمام أبي إسحاق الشاطبي، قال ابن الأزرق: وكان أستاذًا محققًا، أخذ عنه شيخنا العلامة أبو إسحاق ابن فتوح وحدثني أن الإمام أبا إسحاق الشاطبي كان يطالعه ببعض المسائل حين تصنيفه الموافقات، ويباحثه فيها، وبعد ذلك يضعها في الكتاب على عادة الفضلاء ذوي الإنصاف- اهـ.
ولم أقف له على ترجمة.
٩٤ - أحمد بن محمد بن عبد اللَّه الشهاب المغراوي (٢).
قال السخاوي في الضوء اللامع: كان عالمًا بالفقه وأصوله والنحو. قال ابن قاضي شهبة: لم يُترك بمصر والشام في المالكية مثله، ووقع بينه وبين البساطي مشاجرة ومشاتمة بسبب مسألة علمية تجادلا فيها، وكان يعارض ابن خلدون في أحكامه ويفتي عليه ويناظره، وكان العز بن جماعة يعظمه كثيرًا. توفي سنة عشرين وثمانمائة وقد قارب السبعين- اهـ.
٩٥ - أحمد بن محمد بن أحمد الشيخ شهاب الدين والد عبد القادر الآتي وابن أخت القاضي تاج الدين بهرام، ويعرف بابن تقي، بفتح الفوقية وكسر ما بعدها (٣).
نسب للقب بعض أجداده، ولد بقرية من قرى مصر، حفظ القرآن العظيم والموطأ والعمدة وابن الحاجب الأصلي والفرعي وألفية النحو والتلخيص وغيرها، وقرأ عليه الشهاب القرافي (٤) وتفقه هو بخاله والشمس بن مكين
стр. 110
وعبد المجيد الطرابلسي المغربي، واشتهر بقوة الحافظة، وكان من نوادر القاهرة (١) يحفظ الورقة بتمامها من مختصر ابن الحاجب مرتين أو ثلاثة بدون درس على عادة الأذكياء، بل بلغني أنه حفظ سورة النساء في لوحتين (٢)، والعمدة في ستة أيام، والألفية في أسبوع، وأن السراج الأسواني أنشد قصيدة مطولة من إنشائه وكررها مرة أو مرتين فأحب صاحب الترجمة إخجاله فقال له إنها قديمة فأنكر السراج ذلك وبادر صاحب الترجمة وسردها، وكانت نادرة، واتفق أن بعض شيوخه سأله في عيد: هل تحفظ خطبة؟ رجاء استنابته، فقال له: لا لكن إن كان عندك نسخة خطبة فأرنيها حتى أمر عليها، فأخرج له خطبة في كراسة بأحاديثها ومواعظها، على جاري خطب العيد، فتأملها دون ساعة ثم خطب بها.
وتقدم في استحضار الفقه وأصوله والعربية والمعاني في جميعها، مع الفصاحة وجودة الخط والنظر (٣) الوسط، ولم يشغل نفسه بتصنيف، نعم شرع في تعليق على كل من الموطأ والبخاري، وصار من جمع المالكية خصوصًا بعد موت البساطي، بل عين في حياته للقضاء بمصر فلم يتفق له، لكن استخلفه بمرسوم السلطان حين جاور مكة، وحج هو مرتين، وأول ما ناب عن ابن خلدون سنة أربع وثمانمائة، واستمر ينوب عمن بعده، ولي تدريس الشيخونية والفاضلية والقمحية وغيرها، وممن أخذ عنه الفقه محمد بن عامر (٤)، وكان يكتب في فتاويه وغيرها، ويقول في نسبه: أحمد بن أخت بهرام. ووصفه ابن حجر بأنه من فضلاء العصر، ومن فوائده كما أخبر به ولده عبد القادر أنه سئل عن جواز الاستنجاء بالتوراة والإنجيل اللذين بيد الكفّار، فقال: التوراة
стр. 111
والإنجيل الموجودان الآن بين أظهرنا صغيران مبدّلان في الخط والمعنى لا يجوز مطالعتهما ولا النظر فيهما، ولقد رأى النبي ﷺ بيد عمر بن الخطاب قطعة من التوراة فغضب ﷺ وقال: يا عمر لو كان موسى حَيًّا لما وسعه إلا اتباعي، وأما قول من قال بجواز الاستنجاء بهما فغير سديد، فإنّ نفس الحروف لها حرمة.
قلت: وما ذهب إليه حكى [عن] الزركشي فيه الإجماع، وسبقه إلى نحوه المتقي السبكي، ولد سنة خمس وثمانين وسبعمائة -اهـ- من ذيل القضاة، والضوء اللامع للسخاوي -رحمه اللَّه تعالى.
قلت: ومسألة النقل عن التوراة والإنجيل من المسائل الواقعة بين البرهان البقاعي والحافظ السخاوي، وألّفا فيها وقد ألمّ بشئ منها الحافظ ابن حجر في آخر شرح البخاري، واللَّه أعلم.
٩٦ - أحمد بن محمد بن أحمد البسيلي (١).
الشيخ العالم المفسر، أخذ عن الإمام ابن عرفة وأبي الحسن البطروني (٢)، والولي ابن خلدون وأبي مهدي عيسى الغبريني وغيرهم. له تقييد جليل في التفسير قيّده عن ابن عرفة فيه فوائد وزوائد ونكت، ووقع له فيه قصة، وذلك أنه لما ألفه سمع بذلك الأمير الفقيه الحسين ابن السلطان أبي العباس الحفصي، فراسله فيه وطلبه منه فامتنع وماطله أيامًا، ثمَّ أرسل إليه وأمر رسله أن لا يفارقوه حتى يسلّمه لهم، فلما رأى الشيخ صاحب الترجمة الجدّ في الأمر أخذ منه من سورة الرعد إلى الكهف ودفع لهم الباقي، فمشوا به ثم مات ومات الأمير أيضًا وبيع التقييد في تركته، فسافر به مشتريه إلى بلاد السودان، فبقي أهل تونس لا شعور لهم به، فلذلك كان أصل نُسَخِه من نسخة السودان، ومن هناك انتشر، وقد كان الشيخ لما طولب به اختصر منه تقييدًا صغيرًا جدًا، وهو موجود بيد الناس. ولم أقف على مولده ووفاته، وذكر في
стр. 112
التقييد المذكور أنه ولي (١) ما حضر عند ابن عرفة عام خمس وثمانين وسبعمائة، واللَّه أعلم.
٩٧ - أحمد بن عبد اللَّه بن أبي موسى بن محمد الفيلالي .
الأستاذ النحوي، أخذ عنه الأستاذ أبو عبد اللَّه الصغير وغيره، أكثر ابن غازي من النقل عنه في تعليقه على ألفيته، وسماه شيخ شيوخنا. لم أقف على ترجمته.
٩٨ - أحمد بن عيسى البطوي الفقيه العدل الموثق أبو العباس التلمساني (٢)
كان حيًا سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة، هكذا وقع في العيار للونشريسي، وليس والد أبي مهدي عيسى المواسي المفتي فذلك هو.
٩٩ - أحمد بن محمد بن ماواس البطوي (٣).
الشيخ الفقيه الصالح أبو العباس، توفي بفاس عام اثنين وأربعين وثمانمائة، وستأتي ترجمة ولده العلامة أبي مهدي.
١٠٠ - أحمد بن عبد اللَّه القلشاني أبو العباس عم أحمد شارح الرسالة .
وهو الفقيه الصالح العدل الحاج الرُّحْلَة، أخذ عن أبيه عبد اللَّه وعن ابن عرفة، ارتحل من بلده تونس للأخذ عنه، هكذا ذكر ولد أخيه أبو العباس القلشاني شارح الرسالة، ونقل عنه في غير موضع من تآليفه، وأما شارح الرسالة فهو.
١٠١ - أحمد بن محمد بن عبد اللَّه القلشاني التونسي (٤).
فقيهها وعالمها العلامة الحافظ المحقق الحجة قاضي الجماعة، أخذ عن
стр. 113
شيخ الجماعة أبي مهدي عيسى الغبريني ووالده أبي عبد اللَّه، بل أدرك ابن عرفة وحضر عنده، قال السخاوي: وتقدم بحيث شرح ابن الحاجب والرسالة، وولي قضاء الجماعة بتونس بعد موت محمد بن عقاب، وهو تولاه بعد موت القاضي عمر أخي أبي العباس أحمد المذكور، ثمَّ صرف بابن أخيه محمد بن عمر ولازم الإمامة بجامع الزيتونة. قال ابن عوام: توفي سنة ثلاث وستين وثمانمائة- اهـ.
قلت: وكان تولى قبل توليته قضاء الجماعة بتونس قضاء قسنطينة سنة اثنين وعشرين وثمانمائة وأبوه حي فبقى عليه زمانًا طويلًا، وفي ذلك شرح ابن الحاجب، وشرحه في سبعة أسفار وقفت عليه كله إلا سفرًا منه، وهو حسن مفيد جدًا، فيه أبحاث مع ابن عرفة وغيره إلا أنه اختصر في أوائله جدًا، وله أيضًا شرح المدونة.
وممن أخذ عنه الشيخ أبو الحسن القلصادي الأندلسي وذكره في رحلته فقال: شيخنا وبركتنا الفقيه الإمام المفتي المدرس المصنف القاضي أبو العباس، لم أر أعرف منه بمذهب مالك، ولا من يستحضر النوازل والأحكام مثله، له تآليف في المذهب معتبرة، كشرح الرسالة وابن الحاجب وغيرهما، حضرت عليه بعض تفسير القرآن، وجميع صحيح البخاري، وبعض مسلم، والرسالة، والجلاب، والتهذيب، وابن الحاجب وقرأته عليه مع التهذيب، وأجازني جميعها. ومن نظمه:
إدا مَا اعتزَّ ذو عِلْمٍ بِعلمٍ ... فَعِلْمُ الفقهِ أشْرَفُ في اعتزازِ
فَكَمْ طِيبٍ يفوحُ وَلا كَمِسْكٍ ... وَكَمْ طَيْرٍ يَطيرُ ولا كَبَازِ
انتهى ملخصًا من رحلته.
قلت: والبيتان ليسا له بل لبعض القدماء أنشدهما في كتاب الأدب للمتعلم، وهو قبل القلشاني بزمن طويل، واللَّه أعلم.
стр. 114
١٠٢ - أحمد بن محمد بن عيسى اللجائي أبو العباس (١).
أحد فقهاء فاس في طبقة الإمام عبد اللَّه العبدوسي، أخذ عنه الإمام محمد بن محمد بن مرزوق الكفيف، ونقل عنه ابن غازي في تكميله والونشريسي في معياره.
١٠٣ - أحمد بن أحمد بن محمد المصمودي الماجري التلمساني الشيخ الفقيه الحاج الرحلة أبو العباس (٢).
روى بالمدينة عن الجمال الكازروني المدني الشافعي، وعن أبي الفرج ابن الإمام أبي بكر العثماني، هكذا وقع في فهرست ابن غازي، وذكر أن شيخه أبا عبد اللَّه محمد بن يحيى بن جابر الغساني أخذ عنه- اهـ.
١٠٤ - أحمد بن قاسم بن سعيد العقبافي قاضي تلمسان، والد الحفيد العقباني وولد شيخ الإسلام قاسم الآتيين (٣).
توفي سنة أربعين وثمانمائة بتلمسان.
١٠٥ - أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد الاخنائي (٤).
الإمام العالم أقضى القضاة بمصر أبو الفضل علم الدين ابن سعد الاخنائي، ولد قبل سنة تسعين وسبعمائة ومات مطعونًا خامس عشر رمضان سنة اثنين وأربعين وثمانمائة، صح من العنوان للبرهان البقاعي.
١٠٦ - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الشهير بابن زاغو المغراوي التلمساني (٥).
الإمام العالم الفاضل الولي الصالح الصوفي الزاهد العلامة المحقق المتفنن القدوة، المصنف الناسك العابد. أخذ عن إمام الغرب أبي عثمان سعيد
стр. 115
العقباني وعن السيد العارف المفسر ابن يحيى الشريف وغيرهما، له تآليف منها: تفسير الفاتحة في غاية الحسن كثير الفوائد، وشرح التلمسانية في الفرائض، وله فتاوى عدة في أنواع العلوم، نقل منه جملة في المازونية والمعيار، توفي سنة خمس وأربعين وثمانمائة، وأخذ عنه جماعة كالشيخ العالم يحيى بن بدير، والعالم المصنف ابن زكرياء يحيى المازوني، والحافظ التنسي وابن زكري، والشيخ العالم أبي الحسن القلصادي وذكره في رحلته فقال:
شيخنا وبركتنا الفقيه الإمام المصنف المدرس المؤلف أعلم الناس في وقته بالتفسير وأفصحهم، فاق نظراءه وأقرانه في دلائل السبل والمسالك، ذي سبق في الحديث والأصول والمنطق وقدم راسخة في التصوف مع الذوق السليم والفهم المستقيم، وبه يضرب المثل في الزهد والعبادة، وعند كلامه يقف الفتى في الأذكار والإرادة، مقبل على الآخرة معرض عن الدنيا عار عن زخرفها إلا ما يتخذه من ثوب حسن أو هيئة فيها جمال أكرمه الولى بقراءة القرآن وشرفه بملازمة قراءة العلم والتصنيف والتدريس والتأليف، له نسب أشهر من الشمس في السماء وحسب كاتساق عقد النجوم في بحر الظلماء، وخلق أندى من الزهر وأسوغ من الاء، ونزاهة الهمة العالية والمشاركة والمباركة للخاصة والعامة من هذه الأمة مع إيثار الخلوة وإجابة الدعوة، ولما رأيت نجاح دعوته وصلاح حالي بالتماس بركاته لازمته وترددت إليه، فكنت أجد في مجالسته فوائد تنسي الأوطان وأرد من بحر فيضه ما يحيا به الظمآن فسرت إلى خدمته مسرعًا فصيرني كبعض أولاده وأنزلني منزلة أصدقائه فقرأت عليه صحيح البخاري كله، ومن أول مسلم إلى أثناء الوصايا.
ومن تآليفه: مقدمة في التفسير وتفسير الفاتحة والتذييل عليه في ختم التفسير، ومنتهى التوضيح في عمل الفرائض ومن الواحد الصحيح غير مرة، وشرح التلخيص لوالده، وحكم ابن عطاء اللَّه وشرحها لابن عباد، ولطائف المنن، وتأليف أبي يحيى الشريف على المغفرة، والاحياء ومختصره للبلالي، وأقضية مختصر خليل لآخره، وابن الحاجب الفرعي وبعض الأصلي، ولزمته مع الجماعة في المدرسة اليعقوبية للتفسير والحديث والفقه شتاء، والأصول
стр. 116
والعربية والبيان والحساب والفرائض والهندسة صيفًا، وفي الخميس والجمعة التصوف وتصحيح تآليفه، وأوقاته معمورة وأفعاله مرضية وسجاياه محمودة لولا عجائب صنعه تعالى ما ثبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب ولا أعلم منه أنَّه كان يأمر بفعل وخالفه اقتداء بالسلف الصالح، أنشدنا لبعضهم:
رأيتُ الانقباضَ أجلَّ شيءٍ ... وأدْعَى في الأمورِ إلى السَّلامَهْ
فهذا الخلقُ سالمهُمْ ودعهُمْ ... فَخُلْطَتُهمْ تقودُ إلى النَّدامهْ
وَلا تُعْنىَ بشيءٍ غيرَ شيءٍ ... يقودُ إلى خَلاصِكَ في القِيَامهْ
وأنشد لبعضهم وكان يستحسنه:
أَنسْتُ لوحْدَتي ولزمتُ بيتي ... فدامَ الأنْسُ لي ونما السُّرورُ
وأدبني زماني (١) فما أبالي ... هُجرْتُ فلا أزارُ ولا أزُورُ
ولستُ بسائل ما دمتُ حَيًّا ... أسَارَ الجندُ أم رَكبَ الأميرُ
وأنشدني يوم الجمعة:
تَمَتَّعْ من شَميمِ عَرارِ نَجْدٍ ... فَما بَعْدَ العَشِية من عَرَارِ
فلم يشهد بعدها جمعة أخرى، وآخر ما قرئ عليه كتاب لطائف المنن، ويشير إلينا بأحوال تدل على موته، وكان يتأهب لذلك وتوفي يوم الخميس وقت العصر رابع عشر ربيع الأول عام خمسة وأربعين وثمانمائة في الوباء، وصلَّى عليه يوم الجمعة وشهد جنازته العام والخاص وأسف الناس لفقده وعمره ثلاث وستين سنة -اهـ- ملخصًا. ومولده على هذا في حدود سنة اثنين وثمانين وسبعمائة، واللَّه أعلم.
١٠٧ - أحمد المنستيري التونسي (٢).
قال القلصادي في رحلته: هو الشيخ الفقيه الإمام النحوي اللغوي المقريء، أدرك ابن عرفة، وكان لا يعتني بأهل الدنيا ولا يعظمهم، وبه انتفع طلبة تونس ومن يرد عليها في النحو في زمنه، قرأت عليه المقرب والتسهيل
стр. 117
وجمل الخونجي وعله الرجراجي والمقرب ومقدمة ابن بابشاد والألفية والتسهيل وأصلي ابن الحاجب، وتنقيح القرافي والمعالم الفقهية، لم أر أحفظ منه لكلام ابن عصفور ولا من يستحضر نصوص متقدمي النحاة مثله.
١٠٨ - أحمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن الأستاذ الندرومي التلمساني، أحد تلاميذ الإمام ابن مرزوق الحفيد (١).
رحل للقاهرة وتصدر هناك للإقراء، له اختصار شرح جمل الخونجي لشيخه ابن مرزوق، وكان حيًا بعد الثلاثين وثمانمائة.
١٠٩ - أحمد العماني أبو العباس يعرف بابن القطانية .
من أهل المائة التاسعة، نقل عنه ابن ناجي في شرح المدونة.
١١٠ - أحمد بن محمد ذا قال الجزائري (٢)
من أهل المائة التاسعة من طبقة قاسم العقباني، نقل عنه في المازونية والمعيار.
١١١ - أحمد بن محمد بن يعقوب العجيسبي شهر بالعبادي يكنى أبا العباس (٣)
توفي بتلمسان سنة ثمان وستين وثمانمائة.
١١٢ - أحمد بن الحسن الغماري التلمساني (٤).
الولي الكبير الشأن ذو الكرامات الظاهرة والآيات الباهرة، أبو العباس، توفي بتلمسان ثاني عشر شوال سنة أربع وسبعين وثمانمائة ودفن بخلوته شرقي الجامع الأعظم منها أخذ عنه الإمام أحمد زروق.
стр. 118
١١٣ - أحمد بن العجل الوزر والي قاضي مدينة الجديدة (١).
قال الإمام أحمد زروق في كناشته: هو زوج جدتي تزوجته سنة خمس أو ست وخمسين فأقامت معه ثلاثة أشهر ثم توفي بالوباء، حدثتني أنه كان يختم القرآن كل أسبوع، وكان يعيد صلاته التي صلاها حين كان قاضي المحلة احتياطًا للنجاسة والعزوبة، وذكرت عنه أمورًا من الخير، والغالب عليه النحو وكان متصوفًا، وكتب له عبد اللَّه بن أحمد في كتاب: أقلل من علم الظاهر فإنه يقسي القلب.
قلت: يعني بما يعرض فيه لا بذاته. توفي سنة ست وخمسين وثمانمائة -اهـ- كلام زروق، ونقل عنه في المعيار.
١١٤ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن علي الشهير بابن المحب (٢).
الشيخ محب الدين الآتي ابنه، ولد ليلة الثلاثاء من ربيع الأول سنة اثني عشر وثمانمائة بالقاهرة ونشأ بها وحفظ القرآن، وأخذ الفقه عن الزين طاهر وأبي القاسم النويري وعن الزين عبادة وكذا العربية، وحضر درس البساطي والقياتي ولازم النواجي في العربية واللغة والعروض وصار أحد الفضلاء، وحمدت فصاحته واتقانه حتى أن ابن حجر وصفه في ثبته بالشيخ الفاضل الأصيل الباهر الماهر العلامة الخطيب، وكان الزين الطاهر يقول له فيما بلغني أنت تزين المجالس التي تحضرها، وكذا غير واحد من شيوخه يعظمونه، وكتب يسيرًا على مختصر خليل وأقبل بآخرة على الذكر والتلاوة والملازمة لبعض التصوف، مات يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرم سنة سبع وخمسين عن نيف وأربعين عامًا ودفن بين الصوفيين.
стр. 119
١١٥ - أحمد بن أبي يحيى بن محمد الشريف العالم العلامة قاضي الجماعة بغرناطة أبو جعفر ابن الإمام العلامة المحقق المفسر أبي يحيى ابن الإمام الأوحد العلامة الشريف التلمساني (١).
أخذ عن الإمام الحفيد ابن مرزوق، وله مراجعة وبحث بها مسألة المتيمم يدخل بها الصلاة ثم يطلع عليه رجل بالماء، كما نقل ذلك في المعيار. ولم أقف على وفاته، ثم رأيت في وفاة الونشريسي ما نصه: وفي سنة خمس وتسعين وثمانمائة توفِى الفقيه الإمام أبو العباس أحمد بن سيدي أبي يحيى الشريف -اهـ- فتأمله.
١١٦ - أحمد بن علي بن صالح الفيدالي السجلماسي أبو العباس .
الفقيه الصالح المقريء المجود الصوفي، وكان نزل بموضع قريب من فاسِ على أميال منه، قال سيدي الإمام أحمد زروق في كناشته: كان شيخنا فقيهًا صوفيًا عالًا صالحًا قدوة متبركًا به عند الكافة ذا دين متين ويقين ثابت، توفِى سنة ستين أو إحدى وستين، وقال: وحدثنا شيخنا أبو عبد اللَّه القوري أن سيدي أحمد -يعني صاحب الترجمة- اجتمع بالشيخ الصالح عمر الرجراجي وتكلم معه في أمر فقال له صاحب الترجمة: يلطف اللَّه فقال له سيدي: من قال لك يلطف اللَّه، فقال له سيدي: حسن الظن باللَّه تعالى أولى من إساءة الظن به- اهـ.
قال وحدثني عن والده أنه كان يصلي لركن جامع القرويين فعمل الناس عقدًا بذلك ثم أحضره القاضي فكلمه فقال: أنا مقر بهذا العقد قال: ولم تفعل؟ قال: أنا عارف بعلم القوم وقد أداني اجتهادي بأن القبلة في الموضع الذي أصلي له، وإن كان ثم من يعرف شيئًا نتكلم معه فإما أن يرجع إلى أو أرجع إليه.
стр. 120
١١٧ - أحمد بن عمر المزجلدي الفاسي (١).
قال ابن غازي في فهرسته: وقال شيخنا الفقيه الحافظ المحقق المحصل المتفنن النظار المشاور الحجة الأكمل أبو العباس: ما أدركنا بفاس أعلم منه بالمدونة، كانت نصب عينيه يستحضر نصوصها ويمليها عند الحاجة سردًا، وإذا أقرأها تسمع السحر الحلال ينقل كلام شراحها بألفاظهم بلا تكلف ثمَّ يكرّ على أبحاثهم فيبين من أين أخذوها فيقول إنهم فهموها وفسروا بعضها ببعض وكل الصيد في جوف الفرا، ولم يكن يقرر في مجلسه غير ساذج الفقه، وما سمعه قط يلحن ولا سمعت من يقرأ الفقه مثل قراءته ولا من يقرره مثل تقريره أو يحرر كتحريره:
* هَكَذا هَكَذا وإلَّا فَلَا [لا] ... طُرُقُ الجدِّ غيرُ طُرقٍ المزاحِ
* لَيْسَ التْكَحُّلُ في العينينِ كالكَحَلِ ... في طلعةِ البَدْرِ ما يغنيكَ عن زُحَلِ
لازمته بمدرسة مصباح وسمعت منه بعض رزمة البيوع. أدرك من الشيوخ الشيخ الصالح عمر الرجراجي والفقيه الصالح الحاج أبا يعقوب الأغصاوي والشيخ الحاجة المشاور أبا مهدي عيسى بن هلال سأله كثيرًا، والعلامة الأوحد أبا القاسم التازغدري وبه تفقه وغيرهم. وكان زاهدًا مهيبًا صلبًا في الحق، لا تأخذه في اللَّه لومة لائم لا يبالي بأهل الدنيا ولا يعدهم شيئًا، ولد قبل القرن التاسع وتوفي بفاس عام أربعة وستين- اهـ.
وقال البدر القرافي: قال ابن الرئيس بعد أن وصفه بأنه محقق المدونة، حكي عنه. أنه يذكر عن بعض شيوخه أنه قال: ما من حكم نزل من السماء إلا وهو في المدونة قال وكذا سمعته من شيخنا الفقيه الحافظ أبي الحسن علي بن منديل المغيلي- اهـ.
ومَزْجَلَد، بميم مفتوحة وزاي ساكنة ثم جيم مفتوحة ثم لام، وضبطه السخاوي بزايين بينهما جيم ولام على صورة مزجزلدي- اهـ.
стр. 121
قلت: والجيم في ذلك معقود قريب من الكاف ولذلك ينقط بعضهم تحته ثلاث نقاط تنبيهًا على ذلك، واللَّه أعلم.
١١٨ - أحمد بن سعيد القيخمسي المكناسي الخطيب شهر بالحباك (١).
خطيب جامع القرويين بعد العبدوسي، كان فقيهًا متصوفًا شاعرًا فصيحًا ظريفًا علامة، نظم مسائل ابن جماعة في البيوع وقال الشعر النفيس في التصوف وغيره عزل هو والفقيه القوري القاضي الجنياري في يوم واحد ثم طلب لإمامة الأندلس فأبى وقال: إن كان عزلي بجرحة فلا يحل لكم تقديمي وإن كان عن غير جرحة فقبولي من قلة الهمة، وكان يدرس بالمدرسة المتوكلية المعروفة بأبي عنان وكان أخوه محمد بن سعيد مشهورًا بالصلاح وكان قد تلمذ وهو صغير لسيدي سليمان الذي قال فيه ابن عباد: ما أعلم أحدًا في هذا الوقت أعلم منه بمواجيد القلوب، ولم يفارقه حتى توفي ومولده سنة أربع وثمانمائة وتوفي في حدود سبعين وثمانمائة، فسنه نيف وستون، صح من كناشة سيدي أحمد زروق ﵀ قال ابن غازي في فهرسته: كان من آيات اللَّه في النبل والإدراك مع حفظ وافر من الأدب، وله ذوق في التصوف، وكان صنو شيخنا القوري نشأ معه على أشياخه المكناسيين الآتي ذكرهم في ترجمته وأيضًا عن أخيه لأبيه وعن أخيه الشيخ الفقيه الصالح الرباني أبي عبد اللَّه محمد ابن سعيد لازمته واستفدت منه كثيرًا ونظم بيوع ابن جماعة محررة بما وضع عليه الإمام القباب في رجز عذب بليغ أجادته وغاية، قرأته عليه وأصلح أشياء وأجازنيه، وإنشاداته وإفاداته كثيرة، ولد بمكناسة في أوائل هذا القرن وتوفي في حدود سبعين منه بفاس اهـ.
قلت: والقيجميسي -بفتح القاف والجيم بينهما ياء مثناة تحتية ساكنة فميم مكسورة فياء ساكنة فسين بعدها ياء النسبة، هكذا قرأته بخطه.
стр. 122
١١٩ - أحمد بن محمد بن عبد اللَّه التجاني (١).
بكسر الفوقانية والجيم المشددة، نسبة إلى قبيلة بالمغرب، كذا ذكر البقاعي، ويعرف بابن كحيل التونسي أخذ النحو عن أبي الحسن المعروف بابن سمعت والنطق والكلام عن الآبي والفقه عن القلشاني وأبي القاسم العبدوسي وأبي يوسف يعقوب الزغبي وأبي عبد اللَّه ابن مرزوق العجيسي وغيرهم، وألف في الفقه كتابًا سماه المقدمات في مجلد لطيف، وآخر في الوثائق العصرية، وفي التصوف سماه عون السائرين إلى الحق. ولد في ربيع الأول سنة اثنين وثمانمائة وتوفي سنة تسع وستين وثمانمائة -اهـ- من السخاوي. قال البقاعي: ولد بتونس.
١٢٠ - أحمد بن يونس بن سعيد القسنطيني عرف بأبيه (٢)
تفقه بمحمد بن محمد بن عيسى الزيلدوي وأبي القاسم البرزلي ابن غلام اللَّه القسنطيني وقاسم الهزميري، أخذ عن الأول الحديث والعربية والأصلين والبيان والنطق والطب، وأخذ شرح البردة وغيرها من مؤلفها أبي عبد اللَّه بن مرزوق الحفيد لما قدم عليهم وأخذ عن البساطي شيئًا من العقليات، وله من المؤلفات رسالة في ترجيح ذكر السيادة في الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة وغيرها، وله أجوبة عن أسئلة وردت من صنعاء شملها ورد "المغالطات الصنعانية" وقصيدة في مدحه ﷺ مطلعها:
يا أعظم الخلق عند اللَّه منزلة ... ومن عليه الثنا في سائر الكتب
ولد سنة ثلاث عشر وثمانمائة وتوفي في شوال سنة ثمان وسبعين وثمانمائة، صح من الضوء اللامع للسخاوي.
قلت: وهو أخذ عنه السيد الشريف نور الدين السمهودي الشافعي،
стр. 123
والإمام أحمد زروق، والشمس التتاني ونقل عنه في باب الحج من شرح المختصر وغيرهم.
١٢١ - أحمد المرجولي .
قال الشيخ أبو العباس زروق في كناشته: كان من المدريين يقال إنه يحفظ المدونة عن ظهر قلب ويستحضر شراحها- اهـ.
١٢٢ - أحمد بن عبد اللَّه الجزائري الزواوي (١).
الشيخ الفقيه الولي الصالح أبو العباس ظريف العارفين، صاحب العقيدة المنظومة اللامية المشهورة، قال فيه بعض العلماء: وقد ذكر أبا زيد عبد الرحمن الثعالبي هو نظيره علمًا وعملًا، وقال الشيخ زروق: كان شيخنا أبو العباس أحمد الجزائري من أعظم العلماء اتباعًا للسنة وأكبرهم حالًا في الورع، وكان يشير علينا بأن ينبغي لمن وسع اللَّه عليه من الدنيا أن يظهر عليه أثر نعمة اللَّه عليه باستعمالها على وجه يباح ولا يخل بالحق ولا بالحقيقة بأن يلبس أحسن لباس جنسه أو وسطه ويتخذ مرفعة إن أمكن يجعلها عدته وأصل لباسه فما دام غنيًا عنها استغنى وإلا فهو المرجع عنده- اهـ.
وقد شرح الإمام السوسي المنظومة المذكورة شرحًا حسنًا وأثنى فيه على ناظمها بالعلم والصلاح. وتوفي سنة أربع وثمانين وثمانمائة بعد الشريف التلمساني.
١٢٣ - أحمد بن عبد الرحمن بن موسى بن عبد الحق اليزلتني عرف بحلولو القروي (٢).
قال السخاوي: ذكر تلميذه أحمد بن حاتم المغربي أنه شرح مختصر خليل وجمع الجوامع لابن السبكي وتنقيح القرافي والإشارات للباجي وعقيدة
стр. 124
الرسالة، وأنه في سنة خمس وسبعين في قيد الحياة لا يقصر سنه عن الثمانين، ولي قضاء طرابلس سنين ثم عزل عنها ورجع لتونس فتولى مشيخة مدارس أعظمها المنسوبة لقائد ينيل عوضًا عن إبراهيم الأخضري وهو أحد الأئمة الحافظين لفروع المذهب- اهـ.
قلت: له شرحان على المختصر كبير في ستة أسفار وقفت على أجزاء منه حسن مفيد فيه أبحاث وتحرير، يعتني بنقل التوضيح وابن عبد السلام وابن عرفة ويبحث معهم وينقل الفقه المتين. وشرح آخر مختصر في سفرين، وله أيضًا شرحان على أصول السبكي وقفت على الصغير في سفر حسن مفيد، ومختصر نوازل البرزلي في سفر، أخذ عن الحافظ البرزلى والإمام عمر القلشاني والإمام قاسم العقباني والفقيه أبي القاسم ابن ناجي وغيرهم، وأخذ عن الإمام زروق وغيره.
فائدة:
لا بأس بذكرها هنا لا ذكر خليل في مختصره أنه لا يقبل شهادة عالم على مثله جريًا على ما حكاه ابن عات عن الشعباني لأنهم يتحاسدون كالضرائر والحسود ظالم لا تقبل شهادته على من ظلمه، قال صاحب الترجمة: هذا كلام ساقط ويكفي في إبطاله تناقض بعضه لبعض لأنه أثبت لهم وصف الظلم ومن ثبت ظلمه لا يشهد على أحد ولا تجوز روايته لأن الظلم فسق، وهو مانع من الشهادة وذلك يناقض قوله أولًا تجوز شهادته في كل شيء وَرَدُّ شهادتهم على الإطلاق لم يقل به أحد، وقد نقل هذا القول المتيطي عن الثوري ومالك بن دينار، وهذا الكلام إن أريد به من ثبت ذلك بينهم فغير مختص بهم وإن أريد بذلك العموم فقول معارض لأدلة الشرع، وما أحسبه يصدر من عالم ولعله وهم من النقلة، وبماذا يخرج نفسه منهم لأن قائله إن كان عالمًا فقد دخل في ذلك فقوله غير مقبول، وإن كان غير عالم فلا عبرة بقوله، وكيف يصح أن يقال يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله وقد قال ﵇: العلماء ورثة الأنبياء، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ الآية.
стр. 125
وأدلة الشرع طافحة بشرف أهل العلم فكيف تنسب هذه الأقبوحة إليهم على الإجمال؟ أو لم يزل الأشياخ قديمًا وحديثًا ينكرون ذلك، ومنهم من يتأولها على من ثبت ذلك بينهم وهو تأويل بعيد لعدم اختصاصه بهم، ولولا أن المصنف، يعني خليلًا، ذكر ذلك ما كتبته وليته لم يذكره، وفي مختصر ابن عرفة العمل خلافه، وفي أسئلة شيخنا البرزلي كان شيخنا الغبريني ينكر هذا القول- اهـ.
قلت: قوله: وهو تأويل بعيد لعدم اختصاصه بهم. . الخ يقال: لا استبعاد فإنه وإن لم يختص بهم لكن نصوا عليه لئلا يتوهم أن قيام وصف العلم بهم يوجب أخذ قولهم وإن ثبت تحاسدهم، أخذًا بظاهر الأحاديث والآيات، فنصوا على طرح شهادة من ثبت ذلك بينهم وإن أنصفوا بالعلم دفعًا لما سبق تأمله على أنه جاء في حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا: "يأتي على الناس زمان يحسد الفقهاء بعضهم بعضًا ويغار بعضهم على بعض كتغاير التيوس بعضهم على بعض" رواه الحاكم في تاريخه والخطيب، كما في الجامع الكبير للسيوطي، وذكره أيضًا في كتاب الترغيب والترهيب في ذم الحاسد. وأمَّا ما ذُكر من حديث يحمل هذا العلم. . . الخ فكأنه نحا فيه منحى ابن عبد البرّ في حمله الحديث على الخبر، وقد رُدَّ عليه ذلك بما هو معلوم وأن الحديث إنما هو أمر أي ليحمل، وسيأتي في ترجمة القاضي الفشتالي كلام له في هذه المسألة خلاف ما قال صاحب الترجمة، إن شاء اللَّه تعالى.
١٢٤ - أحمد بن محمد بن زكري المانوي التلمساني (١).
علّامتها ومفتيها العالم الحافظ المتفنن الإمام الأصولي الفروعي الفسر الأبرع المؤلف الناظم الناثر، أخذ عن الإمام ابن مرزوق والمفتي الحجة قاسم العقباني، والعلامة الصالح أحمد زاغو والعالم الأعرف المفتي محمد بن العباس وغيرهم، ويذكر أنه كان في أول أمره حائكًا فدفع له شيخه ابن زاغو غزلًا ينسجه له، ثم إنه حضر عند ابن زاغو يطلب منه غزلًا يكمل به فوجده
стр. 126
يدرس ويقرر قول ابن الحاجب، وخرج في الجميع قولان فأشكل معناه على الطلبة وعسر عليهم فهمه، فقال له ابن زكري: أنا فهمته ثم قرره أحسن ما ينبغي فقال له الشيخ مثلك يشتغل بالعلم لا بالحياكة، وكانت أم زكري أيمًا فذهب إليها الشيخ ابن زاغو وحضها أن تحرض ولدها على طلب العلم فاشتغل حينئذ بالعلم فكان منه ما كان، وله تآليف كتأليفه في مسائل القضاء والفتيا وبغية الطالب في شرح عقيدة ابن الحاجب والمنظومة الكبرى في علم الكلام تنيف على ألف وخمسمائة بيت وغيرها، وله فتاوى كثيرة منقولة في المعيار وغيره.
توفي في صفر سنة تسع وتسعين وثمانمائة، قاله الونشريسي في وفياته، وقال تلميذه أحمد بن أطاع اللَّه: توفي سنة تسعمائة وأخذ عنه خلق من أجلهم الإمام أحمد زروق والخطيب العلامة محمد بن مرزوق حفيد الحفيد، والشيخ العالم أبو عبد اللَّه الإمام محمد بن العباس وغيرهم، ووقع له منازعة ومشاحة مع الإمام السنوسي في مسائل كل يرد على الآخر، لولا خوف الطول لذكرنا بعضها.
١٢٥ - أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي الشهير بزروق (١).
الإمام العالم الفقيه المحدث الصوفي الولي الصالح الزاهد القطب الغوث العارف باللَّه الحاج الرحلة المشهورة شرقًا وغربًا ذو التصانيف العديدة والمناقب الحميدة والفوائد العتيدة، قد عرف بنفسه وأحواله وشيوخه في كناشته وغيرها، فقال: ولدت يوم الخميس طلوع الشمس ثامن وعشرين من المحرم سنة ست وأربعين وثمانمائة، وتوفيت أمي يوم السبت بعده وأبي يوم الثلاثاء بعده كلاهما في سابعي، فبقيت بعين اللَّه بين جدتي الفقيهة أم البنين فكفلتني حتى بلغت العشر وحفظت القرآن وتعلمت صناعة الخرز ثم نقلني اللَّه بعد بلوغي سادس عشر إلى القراءة فقرأت الرسالة على الشيخين: على السطي وعبد اللَّه الفخار
стр. 127
قراءة بحث وتحقيق والقرآن على جماعة منهم: القوري والزرهوني وكان رجلًا صالحًا، والمجاصي والأستاذ الصغير بحرف نافع واشتغلت بالتصوف والتوحيد فأخذت الرسالة القدسية وعقائد الطوسي على الشيخ عبد الرحمن المجدولي وهو من تلاميذ الآبي وبعض التنوير على القوري وسمعت عليه البخاري كثيرًا وتفقهت عليه في كل أحكام عبد الحق الصغرى وجامع الترمذي، وصحبت جماعة من المباركين لا تحصى كثرة بين فقيه وفقير -اهـ- ملخصًا.
وقال فيه الشيخ ابن غازي: صاحبنا الأود الخلاصة الصفي الفقيه المحدث الفقير الصوفي البرنسي، وبرنس، بنون مضمومة بعد الراء، نسبة إلى عرب بالمغرب، انتهت فهرسته. وقال الحافظ السخاوي: أخذ على القوري وكتب على حكم ابن عطاء اللَّه وعلى القرطبية في الفقه ونظم فصول السلمي- اهـ.
قلت: ومن شيوخه، كما ذكره هو، الشيخ الإمام عبد الرحمن الثعالبي والولي إبراهيم التازي والمشذالي والشيخ حلولو والسراج الصغير والرصاع وأحمد بن سعيد الحباك والحافظ التنسي والإمام السنوسي وابن زكري وأبو مهدي عيسى المواسي، وبالمشرق عن جماعة كالنور السنهوري والحافظ الدميري والحافظ السخاوي والقطب أبي العباس أحمد بن عقبة الحضرمي، وولي اللَّه الشهاب الأنشيطي في جماعة آخرين. وأما تآليفه فكثيرة يميل إلى الاختصار مع التحرير ولا يخلو شيء منها عن فوائد غزيرة وتحقيقات مفيدة سيما في التصوف، فقد انفرد بمعرفته وجودة التأليف فيه، فمنها شرحان على الرسالة وشرح إرشاد ابن عسكر وشرح مختصر خليل رأيت مواضع منه بخطه عن الأنكحة والبيوع وغيرها، وشرح الوغليسية وشرح القرطبية وشرح الغافقية، وشرح العقيدة القدسية للغزالي، ونيف وعشرون شرحًا على الحكم وقفت على الخامس عشر والسابع عشر منها، وأخبرني والدي -رحمه اللَّه تعالى- أن بعض المكيين أخبره أن له عليها أربعًا وعشرين شرحًا وشرحان على حزب البحر وشرح الحزب الكبير لأبي الحسن الشاذلي وشرح مشكلاته، وشرح الحقائق والدقائق للمقري، وشرح قطع الششتري وشرح الأسماء الحسنى وشرح المراصد في
стр. 128
التصوف لشيخه ابن عقبة، والنصحية الكافية لمن خصه اللَّه بالعافية ومختصره، وإعانة التوجه المسكين على طريق الفتح والتمكين، وكتاب القواعد في التصوف وهذه الثلاثة في غاية النبل والحسن سيما الأخير لا نظير له وكتاب النصح الأنفع والجنة للمعتصم من البدع بالسنة، وكتاب عدة المريد الصادق من أسباب المقت في بيان الطريق و"ذكر حوادث الوقت" كتاب جليل فيه مائة فصل بين فيه البدع التي يفعلها فقراء الصوفية، وله تعليق لطيف على البخاري قدر عشرين كراسًا اقتصر فيه على ضبط الألفاظ وتفسيرها، وجزء صغير في علم الحديث، وله رسائل كثيرة لأصحابه مشتملة على حكم ومواعظ وآداب ولطائف الخصوف مع الاختصار قلّ أن توجد لغيره، وبالجملة فقدره فوق ما يذكر ومن تفرغ فذكر حاله وفوائده وحكمه ورسائله جمع منها مجلدًا، ولعلنا نفردها بتأليف إن يسره اللَّه تعالى.
وهو آخر أئمة الصوفية المحققين الجامعين لعلمي الحقيقة والشريعة له كرامات عديدة وحج مرات، وأخذ عنه جماعة من الأئمة كالشمس اللقاني والعالم محمد بن عبد الرحمن الحطاب والزين طاهر القسنطيني وغيرهم، وقد أجازني سيدي الشيخ الصوفي أحمد بن أبي القاسم الهروي التادلي ما أجازه شيخه التعريف الخروبي تلميذ زروق عنه. توفي بتكرين من عمل طرابلس في صفر عام تسعة وتسعين وثمانمائة ووجدت منسوبًا إليه من نظمه قوله (١):
ألا قَدْ هجرتُ الخلقَ طُرًا بأسرِهمْ ... لعلِّي أرى محبوبَ قَلْبي بمقلتي
وخلَّفْتُ أصحابي وأهلي وجيرتي ... وَيَتَّمْتُ نَجْلي واعتزلتُ عشيرتي
ووجهتُ وجهي للذي فَطرَ السَّما .... وأعرضتُ عن أفلاكها المستنيرة
وعلقتُ قلبي بالمعالي تَهَمُّمًا ... وكوشفثُ بالتحقيق من غير مريةٍ
وقُلَّدتُ سيفَ العزِّ في مجمع الوغى ... وصرتُ إمامَ الوقتِ صاحبَ رفعةٍ
ومُلِّكتُ أرض الغربِ طُرًا بأسْرِها ... وكلُّ بلاد الشَّرق في طيِّ قبضتي
فملكنيها بعضُ من كانَ عارفًا ... وخلفني فيها بأحسنِ سيرةِ
стр. 129
فأرفعُ قدرًا ثمّ أخفضُ رتبةً ... لأرفعَ مقدارًا بأرفعِ حكمتي
وأعزلُ قومًا ثم أودي سواهم ... وأُعلي منارَ البعضِ فوقَ المنصةِ
وأَجبُرُ مكسورًا وأشهرُ خاملًا ... وأرفعُ مقدارًا بأرفعِ همتي
وأقْهَرُ جَبَّارًا وأدْحَضُ ظالما ... وأنظرُ مظلومًا بسلطانِ سطوتي
وألهمتُ أسرارًا وأُعطيتُ حكمةً ... وحزتُ مقاماتِ العُلَا المستنيرةِ
أنا لمريدي جامعٌ لشتاتِهِ ... إذا ما سَطَا جورُ الزمانِ بنكبةِ
وإن كنتَ في كربٍ وضيقٍ ووحشةٍ ... فنادِ أيا زروقُ، آتِ بسرعةِ
فكم كربةٍ تُجلى بمكنونِ عِزِّنَا ... وَكَمْ طرفةٍ تُجنى بأفرادِ صحبتي
ومن كلامه ﵀ في بعض رسائله: طفت مشارق الأرض ومغاربها في طلب الحق واستعملت جميع الأسباب المذكورة في معالجة النفس بقدر الإمكان في مرضاة الحق، فما طلبت قرب الحق بشيء إلا كان مبعدي ولا عملت في معالجتها بشيء إلا كان لها معينًا، ولا توجهت لإرضاء الخلق إلا كان غير موف بالمقصود، ففزعت إلى اللجأ إليه في الجميع فخرجت بفضل ذلك علة رؤية الأسباب ففزعت إلى الاستسلام فخرج لي منه رؤية وجودي وهو رأس العلل فطرحت نفسي بين يدي الحق -سبحانه- طرحًا لا يصحبه حول ولا قوة فصح عندي أن السلامة من كل شيء بالتبري من كل شيء، والغنيمة من كل شيء بالرجوع إلى اللَّه في كل شيء اعتبارًا بالحكمة والقدرة وقيامًا مع الطباع بشواهد الانطباع، ولما يرد منه تعالى أمرًا ونهيًا وخيرًا وقهرًا وعبودية لا تصحبها رؤية، ورؤية لا يصحبها اعتماد واتساعًا لا يصحبه ضيق، وضيقًا لا يصحبه اتساع ممتثلًا في ذلك قول القائل:
قَدْ كُنتُ أحسبُ أنَّ وصلَكَ يُشْتَرَى ... بنفائِسِ الأموالِ والأرباحِ
وظننتُ جهلًا أن حبِّك هيِّنٌ ... تُفنى عليه كرائمُ الأرواحِ
حتى رأيتُكَ تجتبي وتخصُّ من ... تختارُهُ بلطائفِ الأمناحِ
فعلمتُ أنك لا تُنالُ بحيلةٍ ... فلويتُ رأسي تحت طيِّ جناحِي
وجعلتُ في عشِّ الغرام إقامتي ... فيهِ غدوِّي دائمًا ورواحي
стр. 130
ويذكر عن شيخه العارف باللَّه سيدي زيتون أنه قال فيه: إنه رأس السبعة الأبدال نفعنا اللَّه به.
١٢٦ - أحمد بن حاتم السطي نزيل القاهرة (١).
أخذ بتلمسان عن جماعة كالعلامة محمد بن أحمد بن قاسم العقباني ومحمد بن الجلاب، وحضر بتونس مع إبراهيم الحضرمي وقرأ بطرابلس الغرب على أحمد حلولو المغراوي وإبراهيم الباجي، مولده في جمادى الثانية سنة إحدى وخمسين وثمانمائة -اهـ- من السخاوي.
١٢٧ - أحمد بن يوسف بن علي البرلسي .
نسبة لقرية من قرى مصر عرف بالأقطع، ولد بالبرلس ونشأ بها فقرأ على الفقيه علي المنطرح وكان رجلًا صالحًا وحفظ أصلي ابن الحاجب وألفية ابن مالك والشذور، وأخذ عن محمد الرياحي المغربي تلميذ ابن مرزوق نزيل برلس ثم قدم القاهرة بعد وفاته في أواخر أيام البساطي، فأخذ عن عبادة وطاهرة وتصدر في بلده وغيرها للإقراء وانتفع به الطلبة وتخرج به فضلاء، قال السخاوي: وأخبرني أنه جمع كتاب الوعظ سماه نزهة النظار في المواعظ والأذكار في مجلدين وأنه شرح مقدمة العقائد للشيخ عبد العزيز الديريني والأجرومية وقواعد القاضي عياض لكنه لم يكمل، ومنظومة في الفرائض أولها:
الحمد للَّه العلي ذي الكرم ... حمدًا يوافي ما لنا من النعم
وشرحها ولد سنة تسع عشرة وثمانمائة- اهـ.
قال الداودي توفي سابع شوال سنة إحدى وتسعمائة.
١٢٨ - أحمد بن عيسى الماواسي البطوي الفقيه أبو العباس (٢).
توفي سنة إحدى عشرة وتسعمائة.
стр. 131
١٢٩ - أحمد بن محمد الطرطوشي القاضي أبو العباس (١).
توفي عام عشرة وتسعمائة.
١٣٠ - أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن علي الونشريسي (٢).
العالم العلامة حامل لواء المذهب على رأس المائة التاسعة، أخذ عن شيوخ بلده تلمسان كالإمام أبي الفضل قاسم العقباني وولده القاضي العالم أبي سالم العقباني وحفيد الإمام العلامة محمد بن أحمد بن قاسم العقباني والإمام محمد بن العباس والعالم أبي عبد اللَّه الجلاب والعالم الخطيب الصالح ابن مرزوق الكفيف والغرابلي والمزي وغيرهم، ثم حصلت له كائنة من جهة السلطان في أول محرم عام أربع وسبعين فانتهبت داره وفرّ إلى مدينة فاس فاستوطنها. قال أحمد المنجوِر في فهرسته: وأكب على تدريس المدونة وفرعي ابن الحاجب، وكان مشاركًا في فنون العلم إلا أنه لما لازم تدريس الفقه يقول من لا يعرفه أنه لا يعرف غيره، وكان فصيح اللسان والقلم حتى كان بعض من يحضره يقول: لو حضر سيبويه لأخذ النحو من فيه، وتخرج به جماعة من الفقهاء كالفقيه أبي عباد بن مليح اللمطي قرأ عليه ابن الحاجب، والشيخ المتفنن الأستاذ أبي زكرياء السوسي، والفقيه المحدث محمد بن عبد الجبار الورتد غيري، والفقيه عبد السميع المصمودي، والفقيه العلامة القاضي محمد بن الغرديسي التغلبي وبخزانة هذا الرجل انتفع لاحتوائها على تصانيف الفنون بها استعان في تصنيف كتابه المعيار سيما فتاوى فاس والأندلس فإنما تيسرت له من هذه الخزانة وأخذ عنه ولده عبد الواحد أيضًا- اهـ.
قلت: أما فتاوى افريقيا وتلمسان فاعتمد في ذلك على نوازل البرزلي والمازوني فيما يظهر لمن طالعهما، وله تآليف كثيرة منها المعيار المغرب عن فتاوى علماء افريقيا والأندلس والمغرب في ستة أسفار جمع فأوعى وحصل فوعى، وتعليق على ابن الحاجب الفرعي في ثلاثة أسفار، ووقفت على بعضها، وغنية
стр. 132
المعاصر والتالي على وثائق الفشتالي، وكتاب القواعد في الفقه صغير محرر ووثائقه المسماة بالفائق في أحكام الوثائق ولم يكمل، وتأليف له في الفروق في مسائل الفقه وقفت عليه وغيرها.
توفي عام أربعة عشر وتسعمائة، وفي هذه السنة استولى الفرنج على مدينة وهران، فكّ اللَّه أسرها، وعمره نحو ثمانين سنة، أخبرنا بذلك صاحبنا الشيخ المسن مفتي فاس محمد بن قاسم القصار الفاسي. زادني بعض أصحابنا أن وفاته يوم الثلاثاء موفى عشرين من صفر وأنجب ولده عبد الواحد، وسيأتي في حرف العين.
١٣١ - أحمد بن محمد بن يوسف الصنهاجي (١).
شهر بالدفون الفقيه الأستاذ الراوية الشاعر الخطيب بجامع القرويين بفاس، أخذ عن الأستاذ الصغير قرأ عليه بالسبع وقارب الختم فمات الشيخ فكمّل على ابن غازي وروى عن الإمام المواق فهرسته، وكان مقرئًا كثير المزح، روى عنه أبو القاسم بن إبراهيم وغيره، توفي مهل شعبان عام إحدى وعشرين وتسعمائة، كذا كتبه لي صاحبنا المؤرخ محمد بن يعقوب الأديب.
١٣٢ - أحمد بن محمد بن الحاج البيدري التلمساني (٢).
علامتها بلا مدافع أخذ العلم عن ابن ذكري والتنسي والسنوسي وطبقتهم، وكان إمامًا فاضلًا علامة متفننًا له تآليف ومسائل وتعاليق في فنون وكلام محقق على الرسالة، وأنت خير منزول به على ماذا يعود ضمير به حققه غاية. لم أقف على ولادته ووفاته.
١٣٣ - أحمد بن محمد بن محمد بن مرزوق الكفيف ولد العالم ابن مرزوق ابن الإمام الشهير الحفيد ابن مرزوق (٣).
كان نجيبًا صالحًا من أهل تلمسان، أخذ عن والده الكفيف وعن
стр. 133
السنوسي والتنسي وابن زكري ومات مغبوطًا به، وقع اسمه في فهرست ابن غازي، ووصفه بالفقيه أبي العباس ونقل عنه صاحب أبي عبد اللَّه بن العباس في مسائله، وتوهم الشيخ بدر الدين القرافي هذا المصري العصري أنه ولد الإمام الحفيد ابن مرزوق وليس كذلك بل هو حفيده ولد ولده الكفيف، كما علمت واللَّه أعلم.
١٣٤ - أحمد بن محمد بن علي الشيخ شهاب الدين الفيشي الأزهري (١).
لازم السنهوري حتى برع وأشير إليه بالفضيلة في فنون، أخذ عن عبد الحق السنباطي قرأ عليه ألفية العراقي وغيرها، أقرأ الطلبة فقهًا وغيره مع تعفف وقناعة، وأقبل عليه البرهان اللقاني، (صح من السخاوي). زاد بعضهم أنه ناب في الحكم بمصر واشتهر بالمهارة فيه وصار مرجع المالكية في الفقه وتلمذ له أعيانه، ثم لما استولى السلطان سليم بن عثمان المملكة على مصر مريدًا سلطانها الغوري الجمريشي أخذه وأمثاله ممن له وجاهة بمصر إلى طرف الروم وبها توفي، أخذ عنه الشيخ الأجهوري، له تقييد على توضيح خليل الخ.
١٣٥ - أحمد بن عمر بن محمد أقيت بن عمر بن علي بن يحيى التكروري التنبكتي عرف بالحاج أحمد (٢).
أكبر الأخوة الثلاثة المعروفين في قطرهم بالعلم والدين والد والدي ﵀ كان ﵀ خيرًا فاضلًا صالحًا متورعًا محافظًا على السنة والمروءة والصيانة والتحري محبًا في النبي ﷺ وصحبه ملازمًا لقراءة قصائد مدحه مشبعًا لذلك ولقراءة الشفاء لعياض على الدوام، معتنيًا به فقيهًا نحويًا لغويًا عروضيًا محصلًا بارعًا، حافظًا معتنيًا بتحصيل العلم ونسخ كتبه، كتب بخطه عدة دواوين كثيرة وجمع كثيرًا من الفوائد والتعاليق.
أخذ العلم عن جده لأمه، وكان قاضي تنبكتو وعلى أهل ولاتن،
стр. 134
والنحو عن خاله الفقيه مختار، ثم ارتحل للشرق فحج عام تسعين وثمانمائة ولقي السيوطي وخالد الأزهري شارح التوضيح وغيرهم، ثمَّ آب لبلاده في زمن فتنة سنين عالي الخارجي فجلس للتعليم فأخذ عنه جماعة منهم أخوه الفقيه القاضي محمود بن عمر قرأ عليه المدونة وغيرها، ولم يزل دؤوبًا مجتهدًا في تعليم العلم وتحصيله حتى توفي ليلة الجمعة من ربيع الثاني عام اثنين وأربعين وتسعمائة عن نحو ثمانين سنة، وطلب للإمامة فامتنع فضلًا عن غيرها وترك أولادًا نجباء، رحمهم اللَّه تعالى.
ومن كراماته، كما اشتهر عند الناس، أنه لما زار القبر الشريف طلب الدخول في داخله فمنعه القيمون منه فجلس على الباب يمدحه ﷺ فانفتح الباب وحده بلا تسبب من أحد فتبادر الحاضرون بتقبيل يده، هكذا سمعت الحكاية من والدي وغيره، وهي مشهورة عند الناس، وحدثني والدي ﵀ أنَّه سأله عنها فسكت فلم يجبه.
١٣٦ - أحمد بن علي بن أحمد بن علي بن أحمد بن داود البلوي أبو جعفر (١).
وصفه الشيخ ابن غازي في فهرسته بالفقيه المتفنن المشارك الحجة الجامع الضابط الناظم الناثر البليغ الأكمل الأدري- اهـ.
قلت: أخذ عن والده العالم أبي الحسن وعن العالم الصالح أبي الحسن القلصادي وعن أبي محمد عبد اللَّه بن إبراهيم الجابري الغرناطي، وعن الإمام المواق، وبتلمسان عن الكفيف ابن مرزوق وأجازه ابن غازي. وستأتي ترجمة أبيه في حرف العين، ارتحل مع أبيه واخوته من غرناطة بعد التسعين وثمانمائة فنزلوا بتلمسان، وأخذ عمن أدرك من شيوخها حينئذ، ثم ارتحل إلى بلاد المشرق، وله شرح الخزرجية في العروض وغيره، ولم أقف على وفاته.
стр. 135
١٣٧ - أحمد بن محمد الحباك (١).
الأستاذ الفقيه الصالح الفاسي، روى عن الأستاذ الفقيه أبي الرفيع سليمان بن أبي يعرس اليزناسني والإمام ابن غازي وغيرهما، وأخذ عنه الشيخ الصالح أبو شامة بن إبراهيم وأجازه وغيره، وكان قوامًا بالحق مغيِّرًا للنكر، آية من الآيات لا تأخذه لومة لائم، توفي مسمومًا سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة، كذا بخط صاحبنا المؤرخ محمد بن يعقوب الأديب ﵀ وكذا قال تلميذه أبو عبد اللَّه الدقاق وزاد في المحرم أو صفر- اهـ.
١٣٨ - أحمد بن علي بن قاسم الزقاق (٢).
التجيبي الفاسي أبو العباس الفقيه الحافظ، أخذ عن أبيه أبي الحسن وغيره وتفقه عليه جماعة من أهل فاس، ونوظر عليه وألف شرحًا على منظومة أبيه وشرح بعض الرسالة والمدونة ومختصر خليل، أخبرني صاحبنا الحاج الرحلة قاضي سلا أحمد بن أبي العافية شهر بابن القاضي -حفظه اللَّه تعالى- أنه رأى قطعة منه في سبع عشرة كراسًا من القالب الكبير وفيه كتاب الطهارة فقط- اهـ.
ورحل صاحب الترجمة وحج ولقي الناس، قال الشيخ المنجور في فهرسته: شرح أبو العباس الزقاق منظومة والده المسماة "المنهج المنتخب في قواعد المذهب" شرحًا مختصرًا رشيقًا وصل منه نحو النصف ومات ولم يكمله، وأخذ عنه ابن أخيه الحافظ عبد الوهاب الزقاق ولازمه وتوفي سنة اثنين وثلاثين وتسعمائة أو في التي قبلها- اهـ.
١٣٩ - أحمد بن موسى بن عبد الغفار (٣).
عرف بجده الشيخ شرف الدين العلامة الفهامة نادرة الزمان في فنون،
стр. 136
ولد بمصر وتوطن طيبة عاكفًا صلى الطاعة ميترددًا إلى مكة، أقرأ العلوم وصار إليه المرجع في تلك الأماكن المطهرة، له من المصنفات شرحان على لمع ابن الهائم في الحساب مشهورهما الصغير ووسيلة الوسيلة فيه، ونظم الدرر المنثور في عمل المناسخة في الصحيح والكسور وسلك الدارين في حل النيرين ومختصره وشرح موشح السيوطي في النحو ورسالة في رفع القنطرات لم تكمل، ورسالة في تركيب الأنعام ومؤلف في عدم منع النساء من صلاة العشاء سماه كشف الغشاء -اهـ- من ذيل القرافي.
قلت: أخذ عنه العلامة محمد الحطاب نقل عنه أبحاثًا نفيسة في شرح المختصر في الأنكحة وغيرها.
١٤٠ - أحمد بن محمد بن محمد بن محمد المعروف بابن حرة المديوني الوهراني (١).
أخذ عن الإمام السنوسي مقدمته الصغرى، وعن الكفيف ابن مرزوق، وهو الذي يطالع له، وأخذ التصوف عن ابن تازغدرت، وهو أحد تلاميذ إبراهيم التازي، وأخذ أيضًا عن الشيخ محمد بن موسى تلميذ السنوسي. وتوفي سنة إحدى وخمسين وتسعمائة، وأخذ عنه الشيخ المنجور وذكره في فهرسته.
١٤١ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد (٢).
عرف بابن المحب المصري الشيخ أصيل الدين ابن الشيخ بدر الدين ابن الشيخ أحمد محب الدين المتقدم جده قريبًا، قال البدر القرافي: أخذ الفقه عن الأخوين الشقيقين العلامتين الشمس اللقاني والناصر اللقاني، وأخذ عن الأخير تهذيب البراذعي بتمامه والعربية والمعقولات عن الشيخ شقير نزيل البرقوقية، وكتب الخط الحسن وناب في الحكم بمصر وباشر بشهامة وعفة
стр. 137
وتصلب في الحق وبعد صيته وأمعن في التعزير وأقام الحدود وصار من أعيان مصر مع تثبت في الدين وإحاطة بالعلوم العقلية، أكثر من الفقه، ثم ترك القضاء واستمر على الخير والدين إلى أن توفي سنة نيف وستين وتسعمائة، ومولده في حدود السبعين وثمانمائة- اهـ.
١٤٢ - أحمد العيسى (١).
أحد علماء هذا القرن العاشر، أخذ العلم عن أبي عبد اللَّه ماغوش عالم تونس وغيره، وتوفي عام اثنين وسبعين مسجونًا.
١٤٣ - أحمد بن الحسن بن عبد الرحمن بن عبد العزيز التسولي، الفقيه الأستاذ النحوي (٢).
روى عن الدقون وابن غازي وعنه صاحبنا الشيخ محمد القصار مفتي فاس وغيره، وقال صاحبنا محمد يعقوب: توفي بفاس في رجب عام تسعة وستين وتسعمائة.
١٤٤ - أحمد بن أحمد بن عمر بن محمد أقيت بن عمر بن علي بن يحيى (٣).
والدي الفقيه العالم ابن الفقيه العالم ابن أحمد الفقيه أبي حفص، كان ﵀ علّامة فهامة ذكيًا دراكًا محصلًا متفننًا محدثًا أصوليًا بيانيًا منطقيًا مشاركًا، أخذ عن إمام بلده وبركة عصره عمه محمود بن عمر وغيره، ورحل سنة ست وخمسين للشرق فحج وزار ولقي هناك جماعة كالناصر اللقاني والشريف يوسف الأميوطي تلميذ السيوطي وجمال الدين ابن الشيخ زكرياء والشيخ التاجوري والأجهري وتلك الطبقة واستفاد منهم خلق كأمين الدين الميموني وابن حجر المكي والملائي وبركات الحطاب وعبد العزيز اللمطي وعبد المعطي السخاوي وعبد القادر الفاكهاني وغيرهم، وأجازه بعضهم ولازم
стр. 138
أبا المكارم محمد البكري وتبرك به وقيد عنه فوائد ثم رجع لبلاده فقعد للتدريس والإفادة قليلًا وألف شرح تخميسات العشرينيات الفازازية لابن مهيب في مدحه ﷺ ولم يكمل وشرح منظومة المغيلي في المنطق شرحًا جامعًا حسنًا، وكتب حاشية على شرح التتائي علي خليل نبه فيه على مواضع السهو منه، وقطعًا على مواضع من خليل وشرحًاً يسيرًا جدًا على جمل الخونجي وفي الأصول وغيرها، وعلى الصغرى للسنوسي والقرطبية، وجلس لإسماع البخاري في رجب وتالييه نحو خمسٍ وعشرين سنة ثم مسلم كذلك حتى توفي في شعبان عام إحدى وتسعين وتسعمائة، ثقل عليه لسانه وهو يقرأ صحيح مسلم في الجامع يوم الخميس ثالث عشر منه فأشار عليه شيخنا العلامة محمد بغيع فقطع القراءة وكان جالسًا بحذائه، ثم توفي ليلة الاثنين بعده سابع عشر من الشهر.
أخذ عنه جماعة منهم العلامتان الصالحان الفقيهان الاخوان شيخنا محمد وأخوه أحمد ابنا الفقيه محمود بغيع قرآ عليه الأصول والبيان والمنطق وغيرها، والفقيهان الاخوان القرينان عبد اللَّه وعبد الرحمن ابنا الفقيه محمد بن عمرت، وحضرت أنا عليه أشياء عدة وأجازني جميع ما يجوز له وعنه وكتب لي بخطه وسمعت بقراءته الصحيحين والموطأ والشفاء.
مولده في الحرم فاتح تسعة وعشرين وتسعمائة، ورأيت بعد وفاته بمدة بعض معارفي ممن مات بعده في عالم النوم وسألته عن حال جماعة ماتوا من أهل بيتنا وغيرهم فأخبرني بحالهم وقلت ما حال والدي فقال: أُعطي والدك أفضل مما أعطي الفقيه أحمد بن سعيد حفيد الفقيه محمد، فرآني كأني أتعجب من ذلك فقال لي: كذلك كان- اهـ.
ثم بعد ذلك أخبرني بعض الناس أنه رأى تلك الرؤية قالها لي ابتداء من غير أن أخبره برؤيتي، فقوي ظني بذلك والمواهب بيد اللَّه سبحانه.
١٤٥ - أحمد بن سعيد سبط سيدي البركة محمود بن عمر .
كان عالمًا ﵀ بالفقه مطلعًا عليه حافظًا مدرسًا، حضر على جده
стр. 139
لامه في الرسالة وخليل مدة، ثم أخذ عن غيره المختصر والمدونة وقعد وجلس للتدريس من عام ستين إلى وفاته في المحرم فاتح ست وسبعين وتسعمائة، وتزاحم عليه الناس وانتفعوا به أخذ عنه الاخوان الشقيقان الفقيهان شيخنا العلامة محمد وأخوه أحمد قرآ عليه الموطأ والمدونة ومختصر خليل وغيرها، وله استدراكات في الفقه وحاشية لطيفة على خليل اعتنى فيها بالنقل واعتمد على نقل البيان والتحصيل. مولده عام أحد وثلاثين، أدركته وحضرت درسه وأنا صغير ﵀.
١٤٦ - أحمد بن علي بن عبد اللَّه المنجور (١)
عرف بالمنجور الفاسي آخر فقهاء المغرب ومشاركيهم في الفنون فقهًا وأصولًا وبيانًا وقراءة وعربية وفرائض وحسابًا ومنطقًا وعروضًا، إلى مطالعة التواريخ والحديث، خدم العلم عمره حتى صار بآخرة شيخ الجماعة، قال تلميذه الشريف عبد الواحد الفيلالي في فهرسته بعد ذكره كثيرًا مما قرأ عليه وسمعت منه من غرر الفوائد ودرر الفرائد ما لو تعرضت لكتبه لخرجت عن حد الإكثار وهو نهاية في تحقيق ما ينقل ويقول، مشارك في فنون العلم له في كل منها الحظ الأوفر والنصيب الأكبر إلى مزيد تحقيق وتدقيق في كل ما يتعاطاه من ذلك ما ليس لغيره، وله عناية عظيمة بالمطالعة والإقراء لا يمل ولا يضجر، منصفًا في المراجعة جنوحًا إلى الصواب مهما تعين وعند من تعين، صدوقًا في النقل متثبتًا في الإملاء قوي الإدراك ثابت الذهن صافي الفهم، وهو وإن كان معه في بعض الأوقات حدة تمنع المتعلم من مراجعته والإكثار من مباحثته فهو مغتفر في جانب محاسنه، استفدنا منه فوائد جمة وفتح بصائرنا وسمعنا منه علمًا غزيرًا في الأدب والتاريخ والعروض وغيرها بمراكش وفاس، ألف مراقي المجد في آيات السعد وشرح المطول ومختصرًا على قصيدة عقيدة العالم الحجة أحمد بن ذكري في الكلام، وشرحًا ظريفًا لقواعد الزقاق المنظومة
стр. 140
في الفقه وحاشية لطيفة على شرح الإمام السنوسي لكبراه في علم الأصول- اهـ.
قلت: له حاشيتان وشرح على القواعد الصغرى للزقاق وشرح على منظومة الونشريسي لقواعد أبيه وفهرست شيوخه، أخذ عنه طلبة العصر وفقهاؤه ممن لقيناهم وغيرهم كصاحبنا قاضي الجماعة الفقيه الفهامة أبي عبد اللَّه الرجراجي وصاحبنا قاضي تأمسنا إبراهيم الشاوي وصاحبنا قاضي الجماعة بفاس بلقاسم ابن النعيم وصاحبنا قاضي سلا ومكناسة أحمد بن أبي العافية وغيرهم، فهو آخر الناس بفاس لم يخلف بعده مثله ﵀. مولده عام ستة وعشرين وتوفي نصف ذي القعدة ليلة الاثنين سنة خمس وتسعين وتسعمائة. من نظمه، جوابًا عن سؤال بعض السنوسيين سأل عنها قاضي الجماعة بفاس عبد الواحد الحميدي:
إلىَ عِلْمِكَ العَالي المسائلُ تَرْتَقي ... تَفَطَّنْ لها يا أحمديُّ وأَصْدقِ
فَما الحكمُ في الأوزاغِ هَلْ سَاغَ أكْلُهَا ... وَمَا الحكمُ في مَوْتِ المجانينِ فانْطِقِ
وَهَلْ جَازَ للمسبوقِ بَعْدَ تشَهُّدٍ ... دُعَاءٌ إذا مَا رامَ إكْمَالَ ما بَقي
وَمَا وَزْنُ لَيْسَ يا حَبيبُ وَأصْلُهُ ... وَمَا جَمْعُ [تَقليل] (١) لصاع فحقق
وَما وَزْنُهُ شَمِّرْ ولا تَأْنِ وأتِنا ... بجمعٍ سَواءٍ والمُقَيدَ أطْلقِ
وبيَّنْ لَنَا (مِنْ) في أعوذ بِرَبِّنَا ... مِن ابليسَ والتخمينَ في الكلِّ فاتَّقِ
فأجاب صاحب الترجمة:
جَوابُكَ في الأولى إباحَةُ أكْلِهَا ... ومستقذرٌ كُلٌ (٢) يُباحُ فَصَدِّق
وأنْكَرَ في التنبيهِ نجلُ بشيرِهمْ ... إضافةَ ذا للمذهب افهم ودقق (٣)
وقد قيلَ في الأوزاغِ يحرمُ أكْلُها ... وذلك في الكافي ليوسفَ فارتقِ
وَمَيّتُ مجنونٍ جَرَى خلفُ حُكْمِهِ ... بعلمِ كلامٍ لا تكنْ غيرَ مُتَّقِ
وتحقيقُها أنَّ الجنونَ الذي طَرا ... يصيرُ كموتٍ فَصِّلِ الحقَّ تعبقِ
стр. 141
فآونةً بعدَ البلوغ طُرُوُّهُ ... وحينًا يُرَى قبلَ البلوغِ فَطَبِّقِ
وآونة إثرَ الصَّلاحِ وقوعُهُ ... وحينًا بعصيانِ الكبيرةِ يَلْتَقي
وحينًا يدوم [لِلْمُلِمِّ] (١) وتارةً ... يفيقُ فَخُذْ حكمَ الجميعِ ووَثِّقِ
ويندبُ للمسبوقِ دعوى تشهد ... وفاتَ إمامٌ في الثلاثةِ فارتقِ
وليسَ لهُ فعلٌ بحالٍ وأصلُهُ ... بكسر ليَاءٍ فاكسرِ العَيْنَ ترتَقِ
وَجَمْعُكَ صاعًا في القليلِ بأصْوُع ... وسَوِّغْ لهمزِ الواوِ نَهْجًا ونَمِّقِ
وإن شثتَ فاقلبهُ فيرجعُ آصُعًا ... لضابطِ تصريفٍ فللعلمِ شَوِّقِ
وصاعٌ كعامٍ عينُهُ فرعُ ضمةٍ ... وتحريكُهُ فتحٌ فَزِنْهُ وَحَقِّقِ
ومقصودُ مِنْ في العَودِ بدءٌ لغايةٍ ... فإبليسُ مبدأ العوْدِ عِنْدَ الموفقِ
وجَمْعُ سواء فالذي منه جامدٌ ... بأفعلةٍ فاعلمْ يقاسُ فَفَرِّقِ
ومشتقّهُ وزنُ الخطايا قياسُهُ ... (سوائيه نقل فللمدح فانطقِ) (٢)
يعني أن المشتق جمعه مسموع، وأمَّا الجامد فلم يسمع له جمع لكن قياسه أفعلة كأقبية، وهذه الأبيات أرويها عن صاحبنا قاضي تأمسنا إبراهيم الشاوي عنه.
١٤٧ - إسماعيل بن الأمير يوسف ابن السلطان محمد بن الرئيس الأمير أبي سعد فرج أمير مالقة ابن الأمير إسماعيل بن يوسف المعروف بابن الأحمر من ذرية سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي (٣).
كان في بني مرين في جندهم أخذ عن جماعة ابن رضوان وأبي سعيد بن عبد المهيمن الحضرمي وابنه عبد المهيمن وأبي المكارم منديل ابن آجروم وأبي الحسن بن عطية وأبي زيد المكودي والفقيه انقشابو وغيرهم، ذكرهم في برنامجه. له تآليف أدبية كمستودع العلامة ومستبدع العلامة ذكر فيه من تولى
стр. 142
العلامة من الكتاب عن الملوك، وحديقة النسرين في دولة بني مرين وآخر سماه روضة النسرين في أخبار بني عبد الوادي وبني مرين، ونظم وشرحه على منهاج رقم الحلل لابن الخطيب وعرائس الأمراء ونفائس الوزراء، وشرح البردة وتأنيس النفوس في إكمال نقط العروس ونثير الجمان فيمن ضمه وإياه الزمان من أهل النظم، كان معتنيًا بالتقييد. توفي بفاس عام عشر وثمانمائة، قاله صاحبنا محمد بن يعقوب الأديب.
١٤٨ - إسحاق بن إبراهيم بن يعمور السعيدي الغماري أبو إبراهيم .
سمع بسبتة من ابن عبد اللَّه وتفقه بمرسية عند ابن عبد الرحيم، ولي قضاء فاس وسبتة وشلب، وكان قائمًا على المدونة يقال: إنه كان يستظهرها، ولي آخر عمره قضاء بلنسية سنة ست وستمائة. قال ابن الأبار: لم تطل ولايته لأشياء نُقمت عليه وصرف بابن مناصب، ثم ولي قضاء جيان، تفقه بأبيه وغيره وذكره ابن خليل في شيوخه وأثنى عليه بالحفظ، فقد في كائنة العقاب يوم الاثنين رابع عشر صفر سنة تسع وستمائة. قلت: وكائنة العقاب هي الواقعة المبيرة حصلت على المسلمين بالأندلس مع الناصر بن المنصور الموحدي.
١٤٩ - إسحاق بن يحيى بن مطر الورياغلي أبو إبراهيم الأعرج (١).
أخذ عنه الشيخ أبو الحسن الصغير وغيره، وله طرر على المدونة، وكان آية فيها. توفي بفاس، والدعاء عند قبره مستجاب، سنة ثلاث وثمانين وستمائة، صح من خط صاحبنا المؤرخ ابن يعقوب الأديب.
стр. 143
حرف الباء الموحدة
١٥٠ - بركات الباروني الجزائري يكنى أبا الخير، شارح ابن الحاجب (١).
قال الونشريسي: سمعت شيخنا الحاج القاضي أبا عبد اللَّه العقباني يحكي أن الشيخ أبا الخير بركات الباروني الجزائري كان من العلماء الجلة الأعلام، وممن وضع على فروع ابن الحاجب شرحًا في سبعة أسفار وأنه كان يأخذ الأجرة على الفتوى بتلمسان حين نقله سلطانها أبو حمو موسى بن يوسف من بلده لتلمسان ثم غفل عنه- اهـ. ونقل عنه المازوني وفي المعيار فتاوى، وزعم بعض من اختصر الديباج أنه هو محمد بن محمد اليحصبي الباروني التلمساني المذكور في آخر المحمديين من الديباج، وعندي أنهما رجلان شرحا ابن الحاجب فأبو عبد اللَّه اليحصبي التلمساني استقر آخرًا بالجزائر، وصاحب الترجمة أبو الخير جزائري نقل منها لتلمسان، هذا ما يظهر لي، واللَّه أعلم.
١٥١ - بهرام بن عبد اللَّه بن عبد العزيز بن عمر بن عوض (٢).
قاضي القضاة بمصر الشيخ تاج الدين أبو البقاء الدميري الإمام الحافظ العلامة، اشتغل كثيرًا وأخذ عن شيوخ عصره كالشيخ خليل والشرف الرهوني
стр. 144
وإبراهيم القبيلي وغيرهم، قال ابن حجر في أنباء الغمر: كان فاضلًا في مذهبه برع فيه وأفتى ودرس بالشيخونية وولي قضاء المالكية سنة إحدى وتسعين وتوجه مع القضاء إلى الشام بجواب الظاهر، فلما عاد الظاهر عزله وقد جاوز السبعين إذ مولده سنة أربع وثلاثين، ممن سمع النهاني وتفقه على الرهوني، وله نظم وكان محمود السيرة- اهـ. زاد السيوطي في تاريخ مصر: صنف الشامل في الفقه وشرح المختصر وأصول ابن الحاجب والألفية وغيرها، مات سنة خمس وثمانمائة- اهـ.
قال الشيخ زروق: شرح الإرشاد في ست مجلدات وجمع كل ما حصله في شامله- اهـ. قال الشيخ أبو البركات النالي: هو أجل من تكلم على مختصر خليل علمًا ودينًا وتأدبًا وتفننًا، مستحضرًا المدونة وشراحها، معتمدًا على ابن عبد السلام وخليل، سهل العبارة حسن التعبير والإشارات، فاضل في المذهب محقق ثبت صحيح النقل تخرج بخليل وتفقه به، فشرحه الكبير كافل بتحصيل المطالب مغن عن غيره، وهو والصغير من الكتب المعتمد عليها في الفتوى، وقال الشيخ أبو الجود المصري: لما روى قاسم العقباني الشرح الصغير بالقاهرة قال أعجبني بهرام ثلاث مرات وكان ممن سهل له التأليف فصنف الشامل من أجل تصانيفه جمعًا وتحصيلًا وشرحه في عشرة أجزاء ضاع منه جزء في أثنائه وأوراق من مواضع شتى، وله عمر مبارك غير أنه -كما قال بعض الفضلاء- إنما عرف بحسن الاطلاع لا بقوة النظر والانزاع كما يظهر من كتبه، ورأيته بخطه أنه ما كتب الشرح الكبير إلا عن رؤية قال رأيت الشيخ في المنام ناولني ورقة وقال لي يا بهرام اكتب شرحًا على المختصر ينتفع به الناس فانتبهت واستخرتِ اللَّه تعالى فشرح صدري لذلك- اهـ. ولذا انتفع به الناس شرقًا وغربًا غير أنه لم يصحح شرحيه.
قال لي أبو الجودانة بلي بحسد المغاربة لأنه شيخ الشيخونية في موضع شيخه وكان فيها فضلاء مغاربة مصاعدة مرتبين فطلب منهم أن يصحح الشرحين بين يديه على عادة المشايخ قال لأنه شرح ظريف يرغب فيه فأبوا عليه وقالوا: لا تقرأ كتبك ولا كتب شيخك ولا ابن عرفة بين أيدينا ولا
стр. 145
نسمع إلا كتاب ابن عبد السلام فما فوقه، فصرف همته لتصفيف الشامل وشرحه ولم يعاود النظر في الشرحين -اهـ- كلام أبي البركات.
قال شيخ شيوخنا محمد بن محمد الحطاب: ألَّف بهرام على المختصر ثلاثة شروح وصار بها غالبه في غاية البيان والوضوح واشتهر الأوسط منها، غاية في جميع الأقطار مع أن الصغير أكثرُ تحقيقًا- اهـ. وذكر أبو الحسن الشاذلي المنوفي في شرح خطبة خليل: إن الشرح الأصغر طرر على نسخة خليل جمعها الإسحاقي فجاء شرحًا مستقلًا- اهـ.
قال ابن حجر: وصنف المناسك مجلدًا وشرحها ثلاثة أسفار وكانت ولايته بعد برقوق وإرساله للكرك فلما عاد للسلطنة عزله وولى الركراكي ثم ولاه منطاش بعد وفاة ابن خير سنة إحدى وتسعين في سلطنة المنصور حاجي بن شعبان فلما خرج لقتال برقوق لما ظهر من الكرك استصحب معه الخليفة وقضاة القضاة فأصاب القاضي بهرام طعنة في صدره وأخرى في شدقه، فلما استولى برقوق على الخليفة والقضاة صحبوه إلى القاهرة وبهرام في غاية الضرر من الطعنتين فاستمر عليلًا وصرف في ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين فاستمر معزولًا عن الحكم متفرغًا للاشتغال بالعلم وشغل الطلبة إلى أن مات نصف جمادى الأخيرة سنة خمس وثمانمائة، كذا أرخه البشبيشي، وقال المقريزي: في سابع ربيع الأول.
وكان لين الجانب عديم الشر كثير الخير قل أن يمنع سائلًا يسأله في شيء يقدر عليه- اهـ. قال السخاوي: وله الدرة الثمينة نحو ثلاثة آلاف بيت وشرحها بخطه عليها- اهـ. قال البدر القرافي: أخبرت أن بعض شيوخ شيوخنا [كان] له التفات إلى تعقب عبارته فرأى في النوم قائلًا يقول له: لا تعترض على بهرام فإنه رجل صالح- اهـ. أخذ عنه جماعة كالشمس البساطي وغيره.