فآونةً بعدَ البلوغ طُرُوُّهُ ... وحينًا يُرَى قبلَ البلوغِ فَطَبِّقِ
وآونة إثرَ الصَّلاحِ وقوعُهُ ... وحينًا بعصيانِ الكبيرةِ يَلْتَقي
وحينًا يدوم [لِلْمُلِمِّ] (١) وتارةً ... يفيقُ فَخُذْ حكمَ الجميعِ ووَثِّقِ
ويندبُ للمسبوقِ دعوى تشهد ... وفاتَ إمامٌ في الثلاثةِ فارتقِ
وليسَ لهُ فعلٌ بحالٍ وأصلُهُ ... بكسر ليَاءٍ فاكسرِ العَيْنَ ترتَقِ
وَجَمْعُكَ صاعًا في القليلِ بأصْوُع ... وسَوِّغْ لهمزِ الواوِ نَهْجًا ونَمِّقِ
وإن شثتَ فاقلبهُ فيرجعُ آصُعًا ... لضابطِ تصريفٍ فللعلمِ شَوِّقِ
وصاعٌ كعامٍ عينُهُ فرعُ ضمةٍ ... وتحريكُهُ فتحٌ فَزِنْهُ وَحَقِّقِ
ومقصودُ مِنْ في العَودِ بدءٌ لغايةٍ ... فإبليسُ مبدأ العوْدِ عِنْدَ الموفقِ
وجَمْعُ سواء فالذي منه جامدٌ ... بأفعلةٍ فاعلمْ يقاسُ فَفَرِّقِ
ومشتقّهُ وزنُ الخطايا قياسُهُ ... (سوائيه نقل فللمدح فانطقِ) (٢)
يعني أن المشتق جمعه مسموع، وأمَّا الجامد فلم يسمع له جمع لكن قياسه أفعلة كأقبية، وهذه الأبيات أرويها عن صاحبنا قاضي تأمسنا إبراهيم الشاوي عنه.
١٤٧ - إسماعيل بن الأمير يوسف ابن السلطان محمد بن الرئيس الأمير أبي سعد فرج أمير مالقة ابن الأمير إسماعيل بن يوسف المعروف بابن الأحمر من ذرية سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي (٣).
كان في بني مرين في جندهم أخذ عن جماعة ابن رضوان وأبي سعيد بن عبد المهيمن الحضرمي وابنه عبد المهيمن وأبي المكارم منديل ابن آجروم وأبي الحسن بن عطية وأبي زيد المكودي والفقيه انقشابو وغيرهم، ذكرهم في برنامجه. له تآليف أدبية كمستودع العلامة ومستبدع العلامة ذكر فيه من تولى
стр. 142
العلامة من الكتاب عن الملوك، وحديقة النسرين في دولة بني مرين وآخر سماه روضة النسرين في أخبار بني عبد الوادي وبني مرين، ونظم وشرحه على منهاج رقم الحلل لابن الخطيب وعرائس الأمراء ونفائس الوزراء، وشرح البردة وتأنيس النفوس في إكمال نقط العروس ونثير الجمان فيمن ضمه وإياه الزمان من أهل النظم، كان معتنيًا بالتقييد. توفي بفاس عام عشر وثمانمائة، قاله صاحبنا محمد بن يعقوب الأديب.
١٤٨ - إسحاق بن إبراهيم بن يعمور السعيدي الغماري أبو إبراهيم .
سمع بسبتة من ابن عبد اللَّه وتفقه بمرسية عند ابن عبد الرحيم، ولي قضاء فاس وسبتة وشلب، وكان قائمًا على المدونة يقال: إنه كان يستظهرها، ولي آخر عمره قضاء بلنسية سنة ست وستمائة. قال ابن الأبار: لم تطل ولايته لأشياء نُقمت عليه وصرف بابن مناصب، ثم ولي قضاء جيان، تفقه بأبيه وغيره وذكره ابن خليل في شيوخه وأثنى عليه بالحفظ، فقد في كائنة العقاب يوم الاثنين رابع عشر صفر سنة تسع وستمائة. قلت: وكائنة العقاب هي الواقعة المبيرة حصلت على المسلمين بالأندلس مع الناصر بن المنصور الموحدي.
١٤٩ - إسحاق بن يحيى بن مطر الورياغلي أبو إبراهيم الأعرج (١).
أخذ عنه الشيخ أبو الحسن الصغير وغيره، وله طرر على المدونة، وكان آية فيها. توفي بفاس، والدعاء عند قبره مستجاب، سنة ثلاث وثمانين وستمائة، صح من خط صاحبنا المؤرخ ابن يعقوب الأديب.
стр. 143
حرف الباء الموحدة
١٥٠ - بركات الباروني الجزائري يكنى أبا الخير، شارح ابن الحاجب (١).
قال الونشريسي: سمعت شيخنا الحاج القاضي أبا عبد اللَّه العقباني يحكي أن الشيخ أبا الخير بركات الباروني الجزائري كان من العلماء الجلة الأعلام، وممن وضع على فروع ابن الحاجب شرحًا في سبعة أسفار وأنه كان يأخذ الأجرة على الفتوى بتلمسان حين نقله سلطانها أبو حمو موسى بن يوسف من بلده لتلمسان ثم غفل عنه- اهـ. ونقل عنه المازوني وفي المعيار فتاوى، وزعم بعض من اختصر الديباج أنه هو محمد بن محمد اليحصبي الباروني التلمساني المذكور في آخر المحمديين من الديباج، وعندي أنهما رجلان شرحا ابن الحاجب فأبو عبد اللَّه اليحصبي التلمساني استقر آخرًا بالجزائر، وصاحب الترجمة أبو الخير جزائري نقل منها لتلمسان، هذا ما يظهر لي، واللَّه أعلم.
١٥١ - بهرام بن عبد اللَّه بن عبد العزيز بن عمر بن عوض (٢).
قاضي القضاة بمصر الشيخ تاج الدين أبو البقاء الدميري الإمام الحافظ العلامة، اشتغل كثيرًا وأخذ عن شيوخ عصره كالشيخ خليل والشرف الرهوني
стр. 144
وإبراهيم القبيلي وغيرهم، قال ابن حجر في أنباء الغمر: كان فاضلًا في مذهبه برع فيه وأفتى ودرس بالشيخونية وولي قضاء المالكية سنة إحدى وتسعين وتوجه مع القضاء إلى الشام بجواب الظاهر، فلما عاد الظاهر عزله وقد جاوز السبعين إذ مولده سنة أربع وثلاثين، ممن سمع النهاني وتفقه على الرهوني، وله نظم وكان محمود السيرة- اهـ. زاد السيوطي في تاريخ مصر: صنف الشامل في الفقه وشرح المختصر وأصول ابن الحاجب والألفية وغيرها، مات سنة خمس وثمانمائة- اهـ.
قال الشيخ زروق: شرح الإرشاد في ست مجلدات وجمع كل ما حصله في شامله- اهـ. قال الشيخ أبو البركات النالي: هو أجل من تكلم على مختصر خليل علمًا ودينًا وتأدبًا وتفننًا، مستحضرًا المدونة وشراحها، معتمدًا على ابن عبد السلام وخليل، سهل العبارة حسن التعبير والإشارات، فاضل في المذهب محقق ثبت صحيح النقل تخرج بخليل وتفقه به، فشرحه الكبير كافل بتحصيل المطالب مغن عن غيره، وهو والصغير من الكتب المعتمد عليها في الفتوى، وقال الشيخ أبو الجود المصري: لما روى قاسم العقباني الشرح الصغير بالقاهرة قال أعجبني بهرام ثلاث مرات وكان ممن سهل له التأليف فصنف الشامل من أجل تصانيفه جمعًا وتحصيلًا وشرحه في عشرة أجزاء ضاع منه جزء في أثنائه وأوراق من مواضع شتى، وله عمر مبارك غير أنه -كما قال بعض الفضلاء- إنما عرف بحسن الاطلاع لا بقوة النظر والانزاع كما يظهر من كتبه، ورأيته بخطه أنه ما كتب الشرح الكبير إلا عن رؤية قال رأيت الشيخ في المنام ناولني ورقة وقال لي يا بهرام اكتب شرحًا على المختصر ينتفع به الناس فانتبهت واستخرتِ اللَّه تعالى فشرح صدري لذلك- اهـ. ولذا انتفع به الناس شرقًا وغربًا غير أنه لم يصحح شرحيه.
قال لي أبو الجودانة بلي بحسد المغاربة لأنه شيخ الشيخونية في موضع شيخه وكان فيها فضلاء مغاربة مصاعدة مرتبين فطلب منهم أن يصحح الشرحين بين يديه على عادة المشايخ قال لأنه شرح ظريف يرغب فيه فأبوا عليه وقالوا: لا تقرأ كتبك ولا كتب شيخك ولا ابن عرفة بين أيدينا ولا
стр. 145
نسمع إلا كتاب ابن عبد السلام فما فوقه، فصرف همته لتصفيف الشامل وشرحه ولم يعاود النظر في الشرحين -اهـ- كلام أبي البركات.
قال شيخ شيوخنا محمد بن محمد الحطاب: ألَّف بهرام على المختصر ثلاثة شروح وصار بها غالبه في غاية البيان والوضوح واشتهر الأوسط منها، غاية في جميع الأقطار مع أن الصغير أكثرُ تحقيقًا- اهـ. وذكر أبو الحسن الشاذلي المنوفي في شرح خطبة خليل: إن الشرح الأصغر طرر على نسخة خليل جمعها الإسحاقي فجاء شرحًا مستقلًا- اهـ.
قال ابن حجر: وصنف المناسك مجلدًا وشرحها ثلاثة أسفار وكانت ولايته بعد برقوق وإرساله للكرك فلما عاد للسلطنة عزله وولى الركراكي ثم ولاه منطاش بعد وفاة ابن خير سنة إحدى وتسعين في سلطنة المنصور حاجي بن شعبان فلما خرج لقتال برقوق لما ظهر من الكرك استصحب معه الخليفة وقضاة القضاة فأصاب القاضي بهرام طعنة في صدره وأخرى في شدقه، فلما استولى برقوق على الخليفة والقضاة صحبوه إلى القاهرة وبهرام في غاية الضرر من الطعنتين فاستمر عليلًا وصرف في ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين فاستمر معزولًا عن الحكم متفرغًا للاشتغال بالعلم وشغل الطلبة إلى أن مات نصف جمادى الأخيرة سنة خمس وثمانمائة، كذا أرخه البشبيشي، وقال المقريزي: في سابع ربيع الأول.
وكان لين الجانب عديم الشر كثير الخير قل أن يمنع سائلًا يسأله في شيء يقدر عليه- اهـ. قال السخاوي: وله الدرة الثمينة نحو ثلاثة آلاف بيت وشرحها بخطه عليها- اهـ. قال البدر القرافي: أخبرت أن بعض شيوخ شيوخنا [كان] له التفات إلى تعقب عبارته فرأى في النوم قائلًا يقول له: لا تعترض على بهرام فإنه رجل صالح- اهـ. أخذ عنه جماعة كالشمس البساطي وغيره.
стр. 146
١٥٢ - بلقاسم بن محمد بن عبد الصمد الزواوي المشذالي البجائي، والد العلامة محمد بن بلقاسم صاحب تكملة حاشية المدونة للوانوعي الآتي .
أخذ صاحب الترجمة عن العالمين أحمد بن عيسى وعبد الرحمن الوغليسي وغيرهما، وأخذ عنه الإمام أبو زيد الثعالبي وغيره، وكان موصوفًا بحفظ المذهب وهو في بجاية كالبرزلي بتونس، انتفع به جماعة منهم ولده الإمام العلامة محمد بن بلقاسم الآتي.
١٥٣ - بلقاسم بن محمد الزواوي (١).
من أكابر أصحاب الإمام السنوسي وقدمائهم، أخذ عنه محمد بن عمر الملالي أبو البركات بن أبي يحيى بن أبي البركات التالي التلمساني شارح خطبة خليل، أخذ عن الإمام ابن مرزوق الحفيد والحجة قاسم العقباني والفقيه المحقق سليمان البوزيدي الشريف وغيرهم، رحل للشرق ودرس هناك خليلًا واعتنى به أي بالشرح الكبير لبهرام وتصحيحه ولقي جماعة كالشيخ أبي الجود الفرضي وأبي القاسم النويري وغيرهما، ألَّف شرحًا على الرجز للضريري المراكشي في علم البيان، ولم أقف على وفاته وأنجب ولده محمد وسيأتي.
١٥٤ - بركات بن محمد بن عبد الرحمن الحطاب (٢).
الطرابلسي الأصل المكي المولد الفقيه الصالح العالم العلامة المفتي المعمر، أخذ عن والده وغيره لقيه والدي وغيره من أصحابنا وأجازهم، وألف المنهج الجليل في شرح مختصر خليل في أسفار أربعة، توفي بعد الثمانين وتسعمائة عن عمر عال، أخذ عنه ابن أخيه العالم يحيى الحطاب شيخنا بالإجازة.
стр. 147
الكنى
١٥٥ - أبو بكر بن عبد الودود الحاناتي .
من حفاظ المدونة القائمين عليها، توفي بعد السبعمائة. من خط بعض أصحابنا.
١٥٦ - أبو بكر بن أحمد بن عمر بن محمد أقيت التنبكتي الأصل (١).
نزيل المدينة الشريفة، عمي الرجل الصالح الزاهد الورع المتقي الأواه الولي المبارك، نشأ ﵀ ونفعنا به- خيّرًا صينًا ورعًا متواضعًا معروف الصلاح متين الدين مبرزًا فيه، لم يزل عن حاله ولا مال عن الاستقامة بل استمر على حالته المرضية من نشأته إلى وفاته، ارتحل للشرق وحج وجاور ثم رجع لبلاده فبقي نحو أربعة أشهر ثم رحل بأولاده وعياله للمدينة الشريفة فجاور هناك حتى مات فاتح إحدى وتسعين وتسعمائة، مولده عام اثنين وثلاثين، وهو أول من قرأت عليه علم العربية فنلت بركته ففتح لي فيه في مدة قريبة بلا عناء، وكانت له أحوال جليلة كثير الخوف والمراقبة للَّه والنصح لعباده يردف الزفرات بعضها بعضًا وطلب اللسان بالتهليل على الدوام، من خيار عباد اللَّه الصالحين ذوي المقامات العلية، مال إلى الزهد ورفض الدنيا والرغبة عن زهرتها مع ما أوتي أهل بيته حينئذ من الرئاسة والدولة، ما رأيت قط مثله ولا من يقرب منه في معناه، له تآليف صغار في التصوف وغيره منها: معين الضعفاء في القناعة وغيره.
стр. 148
حرف الجيم
١٥٧ - جعفر بن عبد اللَّه بن محمد بن سيدبونة الخزاعي أبو أحمد الأندلسي (١)
الولي الشهير أحد الأعلام المنقطعين المقربين أولي الهداية، كثير الأتباع يعيد الصيت فذ شهير، وقال الزبير: أحد الأعلام المشاهير فضلًا وصلاحًا، قرأ ببلنسية وتفقه وحفظ نصف المدونة وأقرأها، يؤثر التفسير والحديث والفقه على غيرها، أخذ عن أبوي الحسن بن النعمة وابن هذيل، حج ولقي جلة أكبرهم الولي الجليل أبو مدين شعيب وانتفع به ورجع عنه بعجائب فشهر بالعبادة وتبرك الناس به فظهرت عليهم بركته. توفي في شوال عام أربعة وعشرين وستمائة عن نيف وثمانين سنة. صح عن الإحاطة لابن الخطيب.
١٥٨ - جعفر ابن أبي يحيى أبو أحمد بن يحيى أبو أحمد الأندلسي (٢).
قال القلصادي في رحلته: شيخنا وبركتنا الفقيه الإمام الصدر العلم الخطيب الكبير الشهير، له اعتناء بحفظ الفروع والفرائض والعدد ومشاركة في علم الحديث والقراءة والعربية، قرأت عليه مقالات ابن البناء وتلخيصه والتلمسانية غير مرة وأبعاضًا من الحوفي وفرائض عبد الغافر والتلقين ومختصر خليل إلى النكاح والمواريث منه -اهـ- ملخصًا.
стр. 149
حرف الحاء المهملة
١٥٩ - حسن بن بلقاسم بن باديس أبو علي (١).
ذكره العبدري في رحلته وقال: شيخ من أهل العلم يذكر فقهًا ومسائل، ذا سمت وهيئة ووقار، بقسنطينة سمعته يقول: وقع الكلام بين يدي الإمام أبي الحسن اللخمي في حكم السفر إلى الحج مع فساد الطريق هل الأولى تركه احتياطًا على النفس أو الاستسلام في التوجه إليه؟ ومال اللخمي إلى ترجيح الترك، قال وفي المجلس رجل واعظ فقال يا فقيه تسمع ما أقول؟ فقال نعم فأنشده:
إن كان سفك دمي أقصى مرادكم ... فما غلت نظرة منكم بسفك دمي
فاستحسن كل من حضر منزعه وانفصل المجلس على أن الأولى تحمل الخطر في التوجه والإعراض عن العوائق- اهـ.
وكان ملاقاة العبدري لصاحب الترجمة في أواخر السابع.
١٦٠ - حسن بن علي المسيلي (٢).
الشيخ الفقيه القاضي العالم العابد المتفنن المحصل المجتهد الإمام أبو
стр. 150
علي، كان يسمى أبا حامد الصغير، جمع بين العلم والعمل والورع، له المصنفات الحسنة والقصص العجيبة منها التذكرة في علم أصول الدين كتاب حمسن من أجلّ الموضوعات في فنه، ومنها النبراس في الرد على منكر القياس كتاب حسن ما ريء في الكتب الموضوعة في هذا الشأن مثله وكتاب في علم التذكير سماه التفكر فيما تشتمل عليه السور والآيات من المبادئ في الغايات، كتاب جليل سلك فيه مسلك إحياء الغزالي وكانت الجن تقرأ عليه، ولي قضاء بجاية.
ودخل عليه الموارقة وهو قاضيها فألجأوه لبيعتهم وأكرهوه مع غيره عليها، وكانوا يتلثمون ولا يبدون وجوههم فامتنع من البيعة فقال لا نبايع من لا نعرف هل هو رجل أو امرأة فكشف له المورقي، وهذا منتهى ما بلغ من توقفه، وهو أمر كبير عند مطالبته بالبيعة لولا علو منصبه.
وتأخر عن القضاء وبقي على دراسة العلم والاشتغال واحتاج إليه الناس في أمر دينهم فمالوا إليه وعولوا في أمرهم عليه، وكان يقول إذا أشير إليه بالتفرد في العلم والتوحد في الفهم: أدركت ببجاية سبعين مفتيًا ما منهم من يعرف الحسن بن علي المسيلي.
ومرض في زمن ولايته القضاء فاستناب حفيده على الأحكام، وكان له نبل فتحاكمت عنده يومًا امرأتان ادعت إحداهما على الأخرى أنها أعارتها حليًا وأنها لم تعده إليها وأنكرت الأخرى، فشدّد على المنكرة وأوهمها حتى اعترفت وأعادت الحلى، وكان من سيرة هذا الحفيد أنه إذا انفصل عن مجلس الحكم يدخل لجده الفقيه أبي علي ويعرض عليه ما يلقي من المسائل، فدخل عليه فرحًا وعرض عليه هذه المسألة، فاشتد نكير الفقيه ﵁ وجعل يعتب على نفسه تقديمه وقال له: إنما قال النبي ﷺ البينة على المدعي واليمين على من أنكر، واستدعى شاهدين وأشهد بتأخيره، وهذا من ورعه ووقوفه مع ظاهر الشرع، وعلى هذا يجب أن يكون العمل، وهو مذهب مالك، وظاهر مذهب الشافعي تجوبز مثل هذا فإنه يرى أن القصد إنما هو الوصول إلى حقيقة الأمر بأي شيء وصل إليه حصل المقصد، ولأجل هذا
стр. 151
يجيزون قضاء الحكام بعلمهم والحق خلافه لحديث "فإنما أقضي له على نحو ما أسمع".
وقريب من هذا ما يحكى أن واليًا كان بالاسكندرية يسمى فراجة وكان بها إذ ذاك الفقيه أبو القاسم بن جارة وكان عالمًا رفيع القدر والهيبة معرضًا عن أبناء الدنيا لا يخاف في اللَّه لومة لائم، فاتفق أن عامل بها رجلًا بياعًا ورفع له درهمًا جعله الرجل في قبضته، ثم لم تتم بينهما المعاملة، فقال له الرجل: اصرف علي درهمي فقال له البياع: لا أعرف الدرهم ولكن هذا مكانه، فحلف الرجل بطلاق زوجته لا يأخذ إلا درهمه بعينه وكثرت بينهما المراجعة إلى أن تداعيا إلى هذا الولي فراجة فوصفا له قصتهما فأطرق ساعة ثم قال للبائع: ادفع للرجل جميع ما في قبضتك من الدراهم ويدفع لك مكانها دراهم من عنده ليتحلل ذلك من يمينه وكانت فتوى مرضية صحبها ذكاء فنهي المجلس بحاله إلى الفقيه أبي القاسم ابن جارة فاستحسن فتواه وصوبها، ثم خاف أن يحمله العجب على أن يفتي في غيرها من المسائل بغير علم ولا موافقة شرعية، فتوجه إلى الولي حتى وصل إلى باب داره فقال له: أنت المفتي بين الرجلين في كذا فقال نعم، فقال له: من أباح لك التسور على فتاوى العلماء والدخول في أحكام الشرع إياك أن تتعرض لما لست له أهلًا، فقال له يا فقيه أنا تائب فقال: أما إذا تبت فانصرف واحتفل بالجد فيما كلفت به ولا تتعرض فيما ليس من شأنك. توفي ببجاية ودفن بباب أنيسون.
١٦١ - حسن بن محمد بن باضة أبو علي الغرناطي رئيس المؤقتين بها (١)
كان فقيهًا إمامًا في الحساب والهيئة، أخذ عنه الجملة والنبهاء قائمًا على ذلك الفن مع التزام السنة والوقوف عند حدود العلماء، نسيج وحده ورحلة فنه، توفى بغرناطة عام ستة عشر وسبعمائة. صح من الإحاطة.
стр. 152
١٦٢ - حسن بن حسن البجائي أبو علي الإمام المشهور (١).
قال ابن الخطيب القسنطيني: الفقيه العالم المحصل المحقق الشهير شارح المعالم الدينية- اهـ.
أخذ عن الإمام ناصر الدين المشذالي، ولما وردت فتوى ابن عبد الرفيع في مسألة ثبوت الشرف من جهة الأم أمره الإمام ناصر الدين بالجواب عنه فألف فيه رسالة رد فيها على ابن عبد الرفيع. توفي سنة أربع وخمسين وسبعمائة، قاله ابن الخطيب القسنطيني.
١٦٣ - الحسن بن أبي بكر بن أبي الحسين الكندي الإسكندري (٢)
ذكره في الأصل في آخر حرف الألف، قال خالد البلوي في رحلته في حقه: العالم الكبير.
١٦٤ - الحسن بن عطية التجاني المكناسي المعروف بالونشريسي (٣).
قال ابن الأحمر في فهرسته: شيخنا الفقيه المفتي المدرس القاضي أبو علي ابن الشيخ الصالح عطية، توفي عام أحد وثمانين وسبعمائة، أجازني الموطأ رواية يحيى بن يحيى، أخذ عن الفقيه الإمام العالم المحصل المتكلم النظار المفتي المدرس البحر أبي عبد اللَّه محمد بن أبي الفضل بن الصباغ الخزرجي المكناسي، انتهى.
١٦٥ - الحسن بن عثمان بن عطية (٤).
ابن أخي الذي قبله، قال ابن الخطيب السلماني في نفاضة الجراب: كان فقيهًا عدلًا من أهل الحساب والقيام على الفرائض والعناية بفروع الفقه،
стр. 153
من ذوي السذاجة والفضل، يقرض الشعر وله أرجوزة في الفرائض مبسوطة العبارة مستوفية المعنى- اهـ.
قال ابن الأحمر: شيخنا الفقيه المفتي المدرس القاضي الفرضي الأدبب الحاج أبو علي بن الفقيه الصالح أبي سعيد عثمان التجاني المنعوت بالونشريسي، أجازني عامة، أخذ عن الفقيه المفتي الخطيب المعمر القاضي المحدث الرواية خاتمة محدثي الغرب أبي البركات بن الحاج البلقيني- اهـ.
قلت: ومولده في حدود أربع وعشرين وسبعمائة، وكان حيًا قرب التسعين وسبعمائة. ذكر الونشريسي في المعيار جملة من فتاويه وفتاوى عمه السابق وقال في وثائقه: القاضي العلامة يعني صاحب الترجمة، وقع له قضية مع عدول مكناسة وذلك أن السلطان أبا عنان فارسًا أبر بالاقتصار على عشرة من الشهود بمدينة مكناسة كتب فيهم اسم الشيخ أبي علي هذا فشق ذلك على بعض شيوخ العدول المؤرخين لحداثة سن أبي علي، فلما علم تشنيعهم صنع رجزًا ورفعه إلى مقام السلطان ونصه:
نَبْدَأُ أولًا بِحَمْدِ اللَّه ... وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى الدَّوَاهي
ثُمَّ نُوَالي بالصَّلاةِ والسَّلامْ ... عَلَى النَّبي دُونَهُ كُلُّ الأنَامْ
وَبَعْدَ ذَا نَسْألُ رَبَّ العالمينْ ... أَنْ يَهَبَ النَّصْرَ أميرَ المؤمنينْ
خَليفَةَ اللَّه أبَا عِنَان ... لَا زالَ في خَيرِ مَعَ الأمَانِ
مَلَّكَهُ اللَّهُ مِنَ البِلادِ ... مِنْ سَوس الأقصَا إلى بَغْدَادِ
وَيَسَّرَ المَجَازَ والجِهَادَا ... وَجَعَلَ الكُلَّ لَهُ مِهَادَا
يَا أيُّهَا الخليفةُ المظفَّرُ ... دُونَكَ أَمْرًا إنَّهُ مُفَسَّر
عَبْدُكُمُ نَجْل عَطِيَّةَ الحَسَنْ ... قَدْ قِيلَ لا يَشْهَدُ إلا أنْ يَسِنْ (١)
وَهُوَ في أَمْرِكُمْ الْمَعْهُودِ ... مِنْ جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ الشُّهُودِ
نَصَّ عَلَيْهِ أَمْرُكُمْ تَعْيينَا ... وَسنُّهُ قَارَبَ أرْبَعيِنَ (٢)
مَعَ الذي ينتسبُ العبدُ إليهْ ... مِنْ طَلَبِ العِلْمِ وَبَحْثِهِ عَلَيْهِ
عَلى الفَرائِضِ لَهُ أرْجُوزَهْ ... أَبْرَزَ في نظَامِها إبْريزهْ
стр. 154
وَمَجْلِسٌ لَهُ عَلَى الرِّسالهْ ... فَكَيْفَ يَرجُو حَاسِدٌ زَوَالَهْ
حَاشَا أميرَ المؤمنينَ ذَاكَ ... وعَدْلُهُ قَدْ بَلَغَ السِّمَاكَ
وَعلْمُهُ قَدْ طَبَّقَ الآفَاقَا ... وَحِلْمُهُ قَدْ جَاوَزَ العرَاقَا
وَجُودُهُ مُشْتَهَرٌ في كُلِّ حَيْ ... قَصَّرَ عَنْ إدْراكِهِ حَاتِمُ طَيْ
قلت: ويقال إنه لما وصلت الأبيات للسلطان أمر بإقراره على ذلك، وقد وقفت على رجزه في الفرائض وهو حسن سلس، ورأيت في بعض التقاييد عن ابن غازي ما نصه: حج صاحب الترجمة مع خلق كثير ورجع لفاس وهمَّ أن يتفرغ للعبادة حتى يموت، فقالت له امرأته: إما أن ترجع للقضاء وإما أن تطلقني فإني استأنست أن يخدمني النساء فرجع إلى القضاء فباقي خمسة عشر يومًا ثم مات- اهـ. فنعوذ باللَّه من كيدهن وشرهن.
١٦٦ - حسن بن أبي القاسم بن باديس (١).
قال ابن الخطيب القسنطيني: شيخنا الفقيه القاضى الشهير المحدث أبو علي، روى عن ناصر الدين المشذالي وابن غريون البجائي وابن عبد الرفيع القاضي وغيرهم وفي الأخير عن صلاح الدين العلائي وخليل المكي وابن هشام النحوي، وأخبرني عن ابن هشام هذا أنه ختمت عليه ألفية ابن مالك ألف مرة، على ما أخبره، وكانت ولادته سنة إحدى وسبعمائة، له تقاييد منها: شرح مختصر ابن فارس في السير وأدرك في حداثته من المعارف العلمية ما لم يدركه غيره في سنه، ولغلبة الانقباض عليه قل النفع به لمن أدرك حياته. توفي سنة سبع وثمانين وسبعمائة- اهـ.
١٦٧ - حسن بن خلف اللَّه بن حسن بن أبي القاسم بن ميمون بن باديس القيسي القسنطيني (٢).
قال ابن الخطيب القسنطيتي: هو ابن عم السابق وابن خالته شيخنا الفقيه القاضي العدل الخطيب الحاج المرحوم أبو علي، روينا عنه الحديث وغيره، ولد في حدود سبعة وسبعمائة، روى عن ابن غريون وغيره وأخذ عن
стр. 155
ابن عبد السلام وغيره، وتوفي وهو قاض بقسنطينة عام أربعة وثمانين وسبعمائة -اهـ- من رحلته ووفياته.
وقال أبو زكرياء السراج الكبير في فهرسته: شيخنا الفقيه الخطيب المدرس الراوية الحاج الفاضل ابن الشيخ الأجل خلف اللَّه، كان ذا سمت حسن وحال مستحسن، له اعتناء بالعلوم ومشاركة، لقي في رحلته للحجاز أعلامًا كثيرة وأخذ عنهم وأجازوه كأثير الدين أبي حيان والراوية الرحلة ابن جابر القيسي الوادي آشي وابن غريون، ومن المغاربة القاضي الخطيب ابن عبد الرزاق الجزولي والخطيب البليغ الحدث محمد بن أحمد بن مرزوق والخطيب القاضي الأعدل الراوية أبو البركات ابن الحاج البلفيقي والفقيه الحاج الصالح أبو عبد اللَّه بن سعيد الرعيني، والفقيه الحاج الخطيب أبو علي عمر بن محمد عرف بابن البحر، توفي ببلده قسنطينة -اهـ- ملخصًا.
١٦٨ - الحسن بن مخلوف بن مسعود بن سعيد المزيلي الراشدي أبو علي .
شهر بأبركان ومعناه بلسان البربرية الأسود، الشيخ الفقيه الإمام العالم العلم الولي الصالح القطب الغوث الشهير الكبير، أخذ عن الإمام سيدي إبراهيم المصموري والإمام الحفيد ابن مرزوق وعنه الحافظ التنسي وسيدي علي التالوتي وأخوه لأمه الإمام السنوسي ولازمه كثيرًا وانتفع به.
وكان يقول: رأيت المشايخ والأولياء فما رأيت مثل سيدي الحسن أبركان كان لا يخاف في اللَّه لومة لائم، ولا يضحك إلا تبسمًا وكان رحيمًا شفيقًا بالمؤمنين يفرح لفرحهم ويتأسف على ما يسوءهم، له سبعة لا تفارقه، لا يفتر من ذكر اللَّه تعالى طرفة عين، وله قبول عظيم من العامة والخاصة وكان مثابرًا على رسالة ابن أبي زيد وكان إذا دخل عليه السنوسي تبسم له وفاتحه بالكلام ويقول له: جعلك اللَّه من الأئمة المتقين، وله مكاشفات كثيرة وكرامات، منها: ما ذكره السنوسي وأخوه علي قالا: كان يتوضأ في صحراء يومًا فإذا بأسد عظيم قد أقبل فبرك على بساطه فلما فرغ من وضوئه التفت إلى الأسد فقال له: (تبارك اللَّه أحسن الخالقين) ثلاثًا فأطرق الأسد برأسه إلى الأرض كالمستحي ثم قام ومضى.
стр. 156
وذكر السنوسي أيضًا قال: حدثني السيد العلامة الولي سعيد بن عبد الحميد العصنوني بمنزله من ونشريس، وكان من أصحابه القدماء قال: دخلت في يوم حار عليه فوجدته في تعب عظيم والعرق يسيل عليه فقال: أتدري مم هذا التعب الذي أنا فيه؟ قلت: لا يا سيدي فقال: إني كنت آنفًا جالسًا بهذا الموضع فدخل عليّ الشيطان في صورته التي هو عليها فقمت إليه فهرب أمامي فتبعته وأنا أؤذن فما زال يهرب بين يدي ويضرط كما ذكر في الحديث إلى أن غاب عني والآن رجعت من اتباعه.
قال السنوسي: ولما قدم من الشرق وجد قرية الجمعة قد خربت وكانت سكنى أسلافه فنزل تلمسان ثم تردد خاطره في الرجوع للقرية لتجديد ما دثر منها قال: فخرجت إليها وجلست معتبرًا في آثارها كيف أخذها الخراب واستولى على أهلها الجلاء وإذا بكلب أقبل وجلس بالقرب مني وحاله في انكسار الخاطر وتغير الظاهر كحالي فقلت في نفسي هل تعود هذه القرية عامرة أم لا؟ فرفع الكلب رأسه وقال لي بلسان فصيح إلى يوم يبعثون أي لا تعود عامرة أبدًا، فلما سمعت نطقه إليّ بذلك رجعت لتلمسان- اهـ.
قال القلصادي في رحلته: وحضرت مجلس الولي الصالح الحسن أبركان وشهرته تغني عن تعريفه- اهـ.
وذكر الشيخ بن صعد جملة من كراماته في تأليفه روضة النسرين. توفي آخر شوال سنة سبع وخمسين وثمانمائة.
١٦٩ - الحسن بن منديل المغيلي أبو علي .
قال تلميذه ابن غازي في فهرسته: شيخنا الفقيه الحافظ المكثر الخطيب المدرس العلم العلامة، كان آية في حفظ النقول وسرد نصوص المذهب وأقاويل الشيوخ على رسالة أبي محمد، إذا حرك الكلام في العلم أتى الفيض بالمد، وكان عامة فارس يستفتونه كثيرًا ويقلدونه في دينهم ويصدرون عن رأيه ولا يبدلونه بغيره.
والناس أكيس من أن يمدحوا رجلًا ... من غير أن يجدوا آثار إحسان
стр. 157
بيد أنه نسخ في صغره تأليف الجزولي وصحّفه كثيرًا لصغر سنه ثم حبسه بالخزانة فنُقم عليه وعذره ما ذكر. لازمته بجامع القرويين واستفدت منه، وممن أدركه من شيوخ فاس أبو وكيل ميمون والحافظ الفقيه أبو مهدي عيسى بن علال وأبو زيد عبد الرحمن به تفقه- اهـ.
قال الشيخ زروق في كناشته: هو الفقيه الحافظ العلم كان إمامًا بالمدرسة العنانية، صليت خلفه وحضرت مجلسه بجامع القرويين فحزرته بنحو ثلاثة آلاف رجل وسمعته يقول: من سنة ثلاث في هذه المائة وأنا أقرأ حضرته بمسجد آمنة بنت السلطان في تفسير "والليل إذا يغشى" ولم أحفظ مما سمعت منه غير شيء يسير منه حديث أن اللَّه خلق ملكًا الجنة في إحدى منخريه وملكًا يرفع الخلق على زغبة من ريشة من جناحه قالوا: وكان يحفظ الجزولي المسبع على رسالة عن ظهر قلب وكان يغلب نقله حتى يظن أنه يزيد عليه، وكان بينه وبين القوري والمزجلدي منافرة. توفي ﵀ عام أربعة وستين وثمانمائة وقد كبرت سنه- اهـ.
١٧٠ - حسن بن علي الرجراجي الشوشاوي رفيق عبد الواحد بن حسين الرجراجي (١).
له شرح على مورد الظمآن ونوازل في الفقه وشرح تنقيح القرافي. توفي أواخر التاسعة بتاردنت من سوس. صح من خط بعض أصحابنا.
١٧١ - حسن الزنديوي التنسي الخطيب الصالح أبو محمد (٢).
في طبقة ماغوش، موصوف بالعلم والصلاح، أخذ عنه اليسيتني الفاسي وأحمد العيسى وغيرهما، وكان حيًا في حدود الأربعين وتسعمائة.
١٧٢ - حمزة بن محمد بن حسن البجائي المغربي نزيل الشيخونية (٣)
ولد تقريبا عام تسعة وثمانمائة ببجايه وأخذ عن أبي القاسم المشذالي
стр. 158
وولده أبي عبد اللَّه، وفد تونس في سنة ثمانية وخمسن وثمانمائة وتمهر في الأصلين والعربية والصرف والمعاني والبيان والمنطق، قدم القاهرة في شعبان سنة تسع وخمسين وثمانمائة وحج ورجع ونزل في الخانقاه الشيخونية ثم حج ثانيًا رفيقًا للسيد عبد اللَّه عفيف الدين وجاور أيضًا وأقرأ بها يسيرًا واجتمع بالكافيجي واجتمع به الفضلاء فكان من أعيان من اجتمع به المحبي ابن تقيّ والخطيب الوزيري. صح من السخاوي. وقال الداودي: توفي في المحرم سنة اثنتين وتسعمائة. صح من ذيل القرافي.
стр. 159
حرف الخاء المعجمة
١٧٣ - خلف اللَّه المجاصى (١).
الفقيه الحافظ من علماء فاس وشيوخها واحد الحفاظ بها، كان يحفظ المقدمات والبيان والتحصيل لابن رشد، أخذ عن أبي الربيع سليمان الونشريسي. توفي سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. صح من خط بعض أصحابنا.
١٧٤ - الخضر بن أحمد بن الخضر بن علي بن عمر بن أبي العافية الأنصاري الغرناطي (٢).
ذكره في الأصل وأخذ ترجمته من الإحاطة، وقال الحضرمي في مشيخته: الشيخ الفقيه الجليل الفاضي الأعدل النزيه الأديب الأبرع البليغ العارف المتفنن الفاضل أبو القاسم، كان حسن العهد فاضل الصحبة كريم العشرة جميل المودّة، منصفًا في المناظرة، متصفًا بكل فضيلة، عاكفًا على الطلب والنظر والتقييد، صدرًا من صدور القضاة، نسخ بيده كثيرًا، بصيرًا بالشروط ظريف
стр. 160
الخط، مجموع الأدب، شاعرا مكثرا، تصرف أولًا في الكتابة، ثم قضاء وادي آشي وسبطة وبرجة وشوور في النوازل الحكمية والمسائل الأدبية وجرت بيني وبينه مباحث وانظار في مسائل القضاء والأحكام وتراسلنا مرارًا.
وثم الخضر بن أحمد المعافري من أهل المرية أبو العباس، روى عن عباد بن سرحان الشاطبي، ومات ابن سرحان عام ستة وخمسمائة، ذكره أبو العباس بن فرتون، وتوفي شيخنا أبو القاسم بن أبي العافية المذكور ببرجة وهو قاض بها آخر ربيع الأول عام خمسة وأربعين وسبعمائة وأنشدني لنفسه:
لَا تَرْجُ زَيْدًا وَعَمْرًا ... وَارْجُ الْعَمِيمَ الإفَادَهْ
فَزَيْدٌ رَهْنُ اعتلالٍ ... وَوَاوُ عَمْروٍ زِيَادَهْ
وفي المعنى قول بعضهم:
لا تَرْجُ سَعْدَ المُشْتَري ... وَلا تَخَفْ شُؤْمَ زُحَلْ
وارْجُ وَخَفْ رَبَّهُمَا ... فَهُوَ الَّذي مَا شَا فَعَلْ
انتهى ملخصًا.
١٧٥ - خضر زين الدين البحيري الفقيه الفهامة:
كان فاضلًا صالحًا، أخذ عن قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن قاسم الآتي، وعن بلديه الشيخ سليمان البحيري، وكان علّامة زمانه الناصر اللقاني يصفه بمعرفة دقائق مختصر خليل، وكان منجمعًا عن الناس طارحًا للتكلف متعففًا غير مكترث بالدنيا وأهلها، وبالجملة فهو أحسن وإن كان غيره أشعر، له حاشية على المختصر جمعها من شرح التتائي وغيره، وطرر حسنة على نسخته من المختصر، وتلك الطرر غاية في الدلالة على إحاطته بالكتاب، مع وجازة اللفظ والاعتناء بالنقول، وهي أحسن من حاشيته، هكذا عرّفه بدر الدين القرافي، ورأيت حاشيته بمراكش وكان طلبتها لا يشكرونها، واللَّه أعلم.
стр. 161
١٧٦ - خليل بن عبد الرحمن بن محمد بن عمر المالقي ثم المكي مفتيها (١).
اسمه محمد واشتهر بخليل، قال الشيخ خالد البلوي في رحلته: من أعظم من لقيته بمكة قَدْرًا وأرفعهم خطرًا وأشرفهم مكانة وذكرًا الشيخ الفقيه خطيب الحرم الشريف وصاحب الصلاة فارس المنابر إمام الأئمة ومقتدي فرق الأمة ولي اللَّه أبو عبد اللَّه المشتهر بخليل، نفع اللَّه به، أحد السبعة الأبدال ورب المآثر المبرأة عن الخلاف والجدال، الموجود من بركاته ما يخجل الغيث في الانسحاب والانسدال، الموطأة أكنافه للخاصة والعامة معتدلة الكمال، كاملة الاعتدال، فالأعناق معتدلة إليه منثالة عليه، سامعون لأمره، متبركون بمساس طمره، معترفون بفضله، متصرفون من قوله وفعله، يردون من إحسانه مناهل الكرم، ويردون من فضله مواقع الديم، ويبتدئون من علمه ما هو أوضح من نار على علم، أنحلته مواصلة العبادة وأكله قشف الزهادة، فلم تبق منه إلا رسوم على سجادة، ومع ذلك فهو أصبر خلق اللَّه على إلحاح السائرين (٢)، واختلاف القاصدين والسالكين. تكفّل بحوائج الأغنياء والفقراء في أمور الدين والدنيا، لقيته بمكة واستفدت منه المناسك تفقهًا ومعاينة فانتفعت به أعظم انتفاع وسمعت عليه وأجازني عامة- اهـ.
وقال الشيخ أبو محمد عبد اللَّه بن فرحون في تاريخ المدينة: كان من أئمة الدين والمتسمين باليقين، مكة دار إقامته وبلده، وقيل ما ترد على المدينة قافلة إلّا وهو معهم، وكان جاور بها وقرأ على والدي العربية ولازمه وانتفع به، وكان يسألني عما عند والدي من كتب العربية فأقول له: ما عنده إلا شيء من شرح الجمل فيقول لي: ما هذه من حوائج ابن عصفور هذا الذكر العظيم والإلقاء والتفهيم لا يكون إلا عن إلهام أو كثرة اشتغال أو كثرة كتب يلتقط محاسنها ويرتب قوانينها، وكان خليل معلوم البر مشهور الصدقة يواسي الفقراء ويتداين دينًا عظيمًا لأجلهم حتى يكون عليه من الدين ما يقارب مائة ألف
стр. 162
درهم في بعض السنن ثم يقضيها اللَّه تعالى على أبر ما يكون، وحاله فوق ما يوصف، ومن العلم مثل ذلك ومن الورع والتمسك بالسنة فوق ذلك قل عن البحر فالبحر يقف دونه، وكان له من الوسوسة في طهارته ما اشتهر مثلًا في الأقطار. توفي ليلة الاثنين لعشر بقين من شوال سنة ست وسبعمائة- اهـ (١).
فائدة:
قال الإمام أبو عبد اللَّه المقري كان خليل إمام الوقفة بعرفات أعلم من لقيت بالمناسك دراية ورواية ومشاهدة، ولما انصرفت من المسجد الحرام أرسلت من سأله عن بطن محسر لنحرك فيه الإبل فقال: إن الموضع تنوسي بالتمالؤ على ترك السنة المشروعة فيه وهي التحريك، ثم قال: الظاهر أنه هذا وأشار إلى ما يحاذي الجامع الذي على يسار المتوجه من المشعر إلى منًى من الطريق إلى منتهى المنحدر من جهة مِنًى، قال المقري: قلت: فينبغي أن يعمل على هذا قبل أن يفوت هذا، الظاهر فوت النقل عن هذا القدوة كما فات اليقين، فإنّا للَّه وإنا إليه راجعون. قال: وسألته عن حدود المسجد الحرام في زمن النبي ﷺ فأشار إلى الخشب المطيفة بالبيت والمقام وزمزم من جميع الجهات فقلت: ولم تصل خارج عنها وأنت تعلم ما في إلحاق الزيادة في الفضيلة بالأصل من الخلاف فقال: أهل مكة يقولون الحرم كله مسجد قال المقري: وهو مذهب ابن عباس، بيد أنه لم يعجبني هذا من الشيخ وقد كنت أصلي خلف إمام المقام إيثارًا للبقعة لا للإمام وإن كان الرجلان أعني خليلًا وإمام المقام ممن تقرّ بهما عين الإسلام. كما وقفت ساعة عند الصخرات ثم رجعت إلى موقف الإمام بعرفات -اهـ- كلام الإمام المقري.
١٧٧ - خليل بن إسحاق بن موسى بن شعيب (٢).
المعروف بالجندي ضياء الدين أبو المودة الإمام العلامة العالم العامل
стр. 163
القدوة الحجة الفهامة، حامل لواء المذهب بزمانه بمصر، ذكره ابن فرحون في الأصل وقال: إنه من أجناد الحلقة المنصورة يلبس زيهم متقشفًا منقبضًا عن أهل الدنيا، جامع بين العلم والعمل مقبلًا على نشر العلم والعمل، حضرت بالقاهرة مجلس إقرائه الفقه والحديث والعربية، كان صدرًا في علماء القاهرة مجمعًا على فضله وديانته أستاذًا ممتعًا من أهل التحقيق، ثاقب الذهن أصيل البحث مشاركًا في فنون من فقه وعربية وفرائض فاضلًا في مذهبه، صحيح النقل نفع اللَّه به المسلمين.
ألّف شرح ابن الحاجب شرحًا حسنًا وضع اللَّه عليه القبول وعكف الناس على تحصيله، ومختصرًا في المذهب بيّن فيه المشهور مجردًا عن خلاف، فيه فروع كثيرة جدًا مع الإيجاز البليغ، أقبل عليه الطلبة ودرسوه، وكانت مقاصده جميلة، حج وجاور وله منسك وتقاييد مفيدة -اهـ- ملخصًا.
قال ابن حجر في الدرر الكامنة: سمع من ابن عبد الهادي، وقرأ على الرشيدي في العربية والأصول وعلى الشيخ المنوفي في فقه المالكية وشرح في الاشتغال بعد شيخه وتخرج به جماعة، ثم درس بالشيخونية وأفتى وأفاد، ولم يغير زي الجند، وكان صينًا عفيفًا نزيهًا، شرح ابن الحاجب في ست مجلدات انتقاه من ابن عبد السلام وزاد فيه عزو الأقوال وإيضاح ما فيه من الأشكال، وله مختصر في الفقه نسج فيه على منوال الحاوي، وجمع ترجمة لشيخه المنوفي تدل على معرفته بالأصول، وكان أبوه حنفيًا يلازم الشيخ أبا عبد اللَّه بن الحاج ويعتقده فشغل (١) ولده مالكيًا بسببه- اهـ.
وقال أبو الفضل بن مرزوق الحفيد: تلقيت من غير واحد ممن لقيته بالديار المصرية وغيرها أن خليلًا من أهل الدين والصلاح والاجتهاد في العلم إلى الغاية حتى إنه لا ينام في بعض الأوقات إلا زمنًا يسيرًا بعد طلوع الفجر ليريح النفس من جهد المطالعة والكتب، وكان مدرّس المالكية بالشيخونية
стр. 164
وهي أكبر مدرسة بمصر وبيده وظائف أخر تتبعها، وكان يرتزق على الجندية لأن سلفه منهم.
وحدثني الإمام العلامة المحقق الفاضل قاضي القضاة بمصر والاسكندرية الناصر التنسي أنه اجتمع به حين أخذت الاسكندرية في عشر السبعين وسبعمائة وكان نزل من القاهرة مع الجيش لاستخلاصها من أيدي العدو قال التنسي: واختبر فهمي بقول ابن الحاجب: "والصرف في الذمة والصرف في الدين الحال يصح خلافًا لأشهب- اهـ".
ومن تصانيفه شرحه على ابن الحاجب، شرح مبارك لين تلقاه الناس بالقبول، وهو دليل على حسن طويته، يجتهد في عزو الأنقال (١)، ويعتمد كثيرًا على اختيارات ابن عبد السلام وأنقاله وأبحاثه، وهو دليل على علمه بمكانة الرجل، وإنما يعرف الفضل من الناس ذووه. ورأيت شيئًا من شرح ألفية ابن مالك قيل إنه من موضوعاته -اهـ- كلام ابن مرزوق.
قلت: وله شرح على المدونة ولم يكمل وصل فيه إلى كتاب الحج.
قال ابن غازي: كان عالمًا مشتغلًا بما يعنيه، حتى حكى أنه أقام عشرين سنة لم ير النيل بمصر، وحكي عنه أنه جاء يومًا لمنزله بعض شيوخه فوجد كنيف المنزل مفتوحًا ولم يجد الشيخ هناك فسأل عنه فقيل له: إنه يشوشه أمر هذا الكنيف فذهب يطلب من يستأجر له على تنقيته فقال خليل: أنا أولى بتنقيته فشمّر ونزل ينقيه وجاء الشيخ فوجده على تلك الحال والناس قد حلقوا عليه ينظرون إليه تعجبًا من فعله، فقال الشيخ من هذا؟ قالوا خليل، فاستعظم الشيخ ذلك وبالغ في الدعاء له عن قريحة ونية صادقة فنال بركة دعائة ووضع اللَّه تعالى البركة في عمره. وحدثنا شيخنا أبو زيد الكاواني عمن رأى خليلًا بمصر عليه ثياب قصيرة أظنه قال يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
وسمعت شيخنا القوري يقول: إنه من المكاشفين وأنه مر بطباخ دلس
стр. 165
يبيع لحم الميتة فكاشفه فأقرّ وتاب على يده- اهـ.
قلت: وغالب ظني أن مسألة الطباخ ذكرها الشيخ خليل في ترجمة المنوفي من كرامات شيخه واللَّه أعلم. وذكر التتائي عن ابن الفرات أن خليلًا ريء بعد موته فقيل له: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: غفر لي ولكل من صلّى علي- اهـ.
قلت: ولقد وضع اللَّه تعالى القبول على مختصره وتوضيحه من زمنه إلى الآن، فعكف الناس عليهما شرقًا وغربًا حتى لقد آل الحال في هذه الأزمنة المتأخرة إلى الاقتصار على المختصر في هذه البلاد المغربية مراكش وفاس وغيرهما، فقلّ أن ترى أحدًا يعتني بابن الحاجب فضلًا عن المدونة بل قصاراهم الرسالة وخليل، وذلك علامة دروس الفقه وذهابه، وأما التوضيح فهو كتاب الناس شرقًا وغربًا ليس من شروحه على كثرتها ما هو أنفع منه ولا أشهر، اعتمد عليه الناس بل وأئمة المغرب من أصحاب ابن عرفة وغيرهم مع حفظهم للمذهب، وكفى بذلك حجة على إمامته، ولقد حكي عن العلامة شيخ شيوخنا ناصر الدين اللقاني أنه حيث عورض كلام خليل بكلام غيره كان يقول: نحن أناس خليليون إن ضلّ ضللنا، مبالغة في الحرص على متابعته. ومدح مختصره الشيخ ابن غازي فقال: إنه من أفضل نفائس الأعلاق، وأحق ما رتق بالأحداق، وصرفت له همم الحذاق، عظيم الجدوى، بليغ الفحوى، بين ما به الفتوى. وجمع مع الاختصار شدة الضبط والتهذيب، واقتدر على حسن المساق والترتيب، فما نسج على منواله، ولا سمح أحد بمثاله- اهـ.
ولذلك كثر عليه الشروح والتعاليق حتى وضع عليه أكثر من ستين تعليقًا ما بين شرح وحاشية، وقد يسرّ اللَّه تعالى لي في وضع شرح عليه جمعت فيها لباب كلام من وقفت عليه من شراحه وهم أزيد من عشرة، مع الاختصار والاعتناء بتقرير ألفاظه منطوقًا ومفهومًا وتنزيله على النقول بحيث لو كمل لما احتح -غالبًا- إلى غيره، ثم وقعت علينا محنة وشتت شملنا وذهبت
стр. 166
نفائس كتبنا، جعلها اللَّه تعالى كفارة وتمحيصًا، ولما جبر اللَّه عليّ بعضها بعد دخولنا لمراكش أصبت منها ذلك التعليق فأعطيته للفقيه إبراهيم الشاوي، وكان من أكبر فقهائها حينئذ وأكثرهم خدمة للفقه فأعجب به وصار يعتمد عليه وينقل منه في درسه ويثني عليه في مجلسه بين أصحابه، يسّر اللَّه في إكماله آمين. وكتبت أيضًا تحريرات ونكتًا على كثير من مشكلاته.
وأما وفاة الشيخ خليل فذكر الشيخ زروق أنه توفي سنة تسع وستين، وقال ابن مرزوق: حدثني الشيخ الفقيه القاضي ناصر الدين الإسحاقي، وكان من أصحابه ومن حفاظ مختصره أنه توفي ثالث عشر ربيع الأول سنة ست وسبعين وسبعمائة، وأن مختصره إنما لخّص منه في حياته إلى النكاح وباقيه وجد في تركته في أوراق مسودة فجمعه أصحابه وضموه لما لخص فكمل الكتاب -اهـ- ونحوه لابن غازي وغيره.
وذكر ابن حجر أن وفاته في ربيع الأول سنة سبع وستين وسبعمائة، وقال الإمام العلامة محمد بن محمد الحطاب شيخ شيوخنا: الصواب ما ذكره ابن حجر- اهـ.
قلت: بل الأشبه ما ذكره ابن مرزوق وابن غازي لإسناده إلى بعض تلاميذ خليل وهو أعلم به من غيره لكونه ممن حضره وصاحبه في حياته، وأيضًا فقد ذكر أن الشرف الرهوني وقع بينه وبين خليل منازعة في مسألة فدعا عليه خليل فتوفي الرهوني بعد أيام، ووفاة الرهوني، على ما ذكره ابن فرحون وغيره، سنة خمس وسبعين أو ثلاث وسبعين، على ما ذكره ابن حجر، فخليل في ذلك الوقت حيّ على مقتضى هذه الحكاية. وقد سمعت شيخنا العلامة محمد بن محمود بغيع يذكر عن بعضهم أي بعض شيوخ مصر أن خليلًا بقي في تصنيف مختصره خمسًا وعشرين سنة، وقد ذكر خليل في ترجمة شيخه المتوفى أن وفاته سنة تسع وأربعين وأنه حينئذ لا يعرف الرسالة يعني المعرفة التامة ولا يمكن بقاؤه في تصنيفه المدة المذكورة إن صح إلا أن يكون اشتغل به بعد الخمسين، وتكون وفاته عام ستة وسبعين فتأمله واللَّه أعلم.
стр. 167
وقد قرأت مختصره مرارًا عديدة وختمته بقراءتي وقراءة غيري قراءة بحث وتحقيق وتحرير على علامة وقته شيخنا الفقيه محمد بن محمود بغيع وأجازنيه سيدي والدي في عميم إجازاته، وقرأه شيخنا المذكور على والده وعلى سيدي أحمد بن سعيد ووالده، وسيدي أحمد بن سعيد ووالدي، ﵏ كلهم، أخذوه عن بركة الوقت سيدي محمود بن عمر عم والدي وهو عن الشيخ عثمان المغربي، وهو على النور السنهوري، وهو على الشمس البساطي عن تلاميذ خليل عنه، والحمد للَّه.
١٧٨ - خالد بن عيسى بن أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد (١)
البلوي القتوري (٢) أبو البقاء علم الدين الإمام القاضي الفاضل.
قال في الإحاطة: من أهل الفضل كثير التواضع والخلق الحسن وجميل العشرة، محب (في) (٣) الأدب، تقضى ببلده وغيرها، حج وقيّد رحلته في سفره، وصف فيها البلاد ومن لقي بها وكتب بتونس عن أميرها قليلًا، وهو الآن قاض ببعض الجهات الشرقية من الأندلس- اهـ.
وقال غيره: ارتسم بديوان الكتابة بتونس عن أميرها زمنًا يسيرًا، وكان يتشبه بالمشارقة شكلًا ولسانًا، ويصبغ لحيته بالحناء والكتم- اهـ.
وقال الحضرمي: هو صاحبنا الفقيه الأجل القاضي العدل الحاج المتخلق الحسيب الأديب المتفنن العالم الفاضل- اهـ.
أخذ بفاس عن الشيخ عبد العزيز القروي (٤) وأبي العباس بن شعيب الجزنائي، وعبد المؤمن الجناتي (٥) وأبي عبد الرحمن الجزولي وأبي عبد اللَّه ابن
стр. 168
عبد الكريم. سمع على الجزولي كثيرا من الرسالة والتهذيب وعلى ابنه العالم أبي عبد اللَّه محمد الجزولي، وبتلمسان عن أبي موسى ابن الإمام وقاضي الجماعة أبي علي منصور بن هدية وأبي عمران موسى المشذالي، والقاضي أبي عبد النور، وبغرناطة عن محمد بن محمد بن عاصم القيسي وغيره من خلق كثيرين.
قلت: وقد وقفت على رحلته في سفر وفيها فوائد ونقلت منها تراجم.
١٧٩ - خلف بن أبي بكر النحريري (١).
أخذ عن الشيخ خليل وبرع في الفقه وناب في الحكم وأفتى ودرس، ثم توجه للمدينة فجاور بها معتنيًا بالتدريس والإفتاء والإفادة والإنجماع والعبادة إلى أن مات بها عام ثمانية عشر وثمانمائة، كذا قال ابن حجر. وقال السخاوي: بحث على الشيخ خليل من مختصره وله أجوبة مسائل النجم بن فهد، وسمع من القلانسي الموطأ بفوت، وحدّث وسمع منه الفضلاء، ولد تقريبًا سنة أربع وأربعين وثمانمائة (٢).
стр. 169
حرف الدال المهملة
١٨٠ - دراس بن إسماعيل الفاسي (١).
أبو ميمونة قال ابن الفارضي: (٢) كان فقيهًا حافظًا للرأي، له رحلة حج فيها ولقي بالاسكندرية علي بن عبد اللَّه بن مطر وسمع منه الموازية وحدث به بالقيروان، وسمع منه أبو الحسن القابسي وكان يقرأ عليه بالقيروان، ودخل الأندلس وتكرر فيها مجاهدًا وتردد في الثغر، سمع منه غير واحد، توفي في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وثلاثمائة بفاس ودفن عند باب الجيزيين- اهـ.
قلت: وهو خارج باب الفتوح مشهور عند أهل فاس، زرته مرارًا، واللَّه أعلم.
١٨١ - داود بن عمر بن إبراهيم الشاذلي الإسكندري (٣).
من الأئمة الراسخين، فقيه مالكي له فنون عديدة وتصانيف مفيدة صحب التاج ابن عطاء اللَّه وأخذ عنه التصوف، ألف شرحي مختصر التلقين لعبد الوهاب وجمل الزجاجي، وله تأليف في المعاني والبيان، مات بالاسكندرية
стр. 170
سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. صح من تاريخ النحاة.
١٨٢ - داود بن سليمان بن حسن الفنبي (١).
الإمام العلامة الصالح أبو الجود الفرضي الحاسب، وفنب، بفتح الفاء الموحدة وسكون النون ثم الموحدة، قرية من قرى مصر، قال الشيخ أبو البركات ابن أبي يحيى: كان الشيخ أبو الجود شيخنا ثقة مسنا انتهى.
وقال السخاوي: ولد سنة اثنين وتسعين وسبعمائة ونشأ بها وحفظ القرآن والعمدة والرسالة والمختصر الفرعي وألفية ابن مالك، ومن شيوخه قاسم العقباني والجمال الأقفهسي والبساطي والزين عبادة، وبرع في الفرائض وشارك في العربية وغيرها، وتصدى للتدريس والإفتاء فانتفع به الطلبة خصوصًا في الفرائض بحيث أخذ عنه جمع الأكابر وأملى على مجموع الكلاعي شرحًا مطولًا فيه فوائد، وكتب على الرسالة، فيما أخبرني به جماعة ودرس بالمنكوتمرية والبدرية والرقوقية للمالكية وغيرها، مات في ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثمانمائة- اهـ.
١٨٣ - داود بن علي بن محمد القلتاوي الأزهري (٢).
نسبة إلى الجامع الأزهر بمصر، أخذ عن أبي القاسم النويري والزين طاهر وأبي الجود، وأكثر من المطالعة والتحصيل وتمهر في الفقه والعربية وتصدى للإقراء قديمًا وكذا كتب على الفتيا وتكلم في البرقوقية وسعيد السعداء وصار أحد شيوخ المالكية حتى إن قاضي المذهب رد على قاضي الجماعة يوم مجلس الطلبة حين ذكر ما ينقضه بقوله بل هو من مدرسي الجامع الأزهر من نحو عشرين عامًا، كذا قال السخاوي. وقال الداودي: كان من أفراد الدهر
стр. 171
علمًا ودينًا واعتزالًا عن الخلق وإقبالًا على ما يهمه من أمر آخرته، ألف مختصر شرح خليل وابن الحاجب الفرعي والرسالة. استمر ذكره في الآفاق وعم النفع به وشرح تنقيح القرافي وألفية النحو والجرومية ومناسك الحج وغيرها. مات ليلة الجمعة ثاني عشر رجب سنة اثنين وتسعمائة- اهـ.
стр. 172
حرف الراء المهملة
١٨٤ - راشد بن أبي راشد الوليدي أبو الفضل (١).
صاحب كتاب الحلال والحرام وحاشية المدونة، أخذ عن أبي محمد صالح الهشكوري، وأخذ عنه الإمام أبو الحسن الصغير وعبد الرحمن الجزولي وأبو الحسن بن سليمان وغيرهم، لا تأخذه في اللَّه لومة لائم ولم يكن في وقته من هو أتبع منه للحق. صح من خط بعض أصحابنا.
فائدة (٢):
ذكر في كتاب الحلال والحرام له أنه سمع من أبي محمد عبد اللَّه ابن موسى الفشتالي أن التائب إذا اقتصر على ما عند علماء الظاهر أولى وأسلم، بل لا يجوز اليوم اتخاذ شيخ لسلوك طريق المتصوفة أصلًا لأنهم يخوضون في فروعها ويهملون شروط صحتها وهو باب التوبة إذ لا يصح بناء فرع قبل تأسيس أصله، قال وسمعته يقول: لو وجدت تآليف القشيري لجمعتها وألقيتها في البحر قال: وكذلك كتب الغزالي قال: وسمعته يقول: إني لأتمنى على اللَّه أن أكون يوم الحشر مع أبي محمد بن أبي زيد لا مع الغزالي بل مع
стр. 173
أبي محمد يسكر، فذلك أكثر أمنًا لي على نفسي- اهـ ملخصًا منه. توفي بمدينة فاس، على ما قيل، سنة خمس وسبعين وستمائة.
١٨٥ - الرماح (١).
قال أبو القاسم البرزلي: هو الشيخ الفقيه أبو عبد اللَّه القيسي، فقيه القيروان المتأخر، وكان عالمًا صالحًا متعبدًا زاهدًا أقام ستين سنة مواظبًا بجامع القيروان للتدريس والعبادة إلى أن توفي في وباء عام تسعة وأربعين وسبعمائة، أدرك طبقة ابن زيتون ومن في زمن المستنصر الحفصي، أدركته ولم آخذ عنه- اهـ.
وأكثر النقل عنه في نوازله.
١٨٦ - الرماح الشيخ أبو القاسم (٢).
قال الشيخ زروق: هو أحد عدول طرابلس كان رجلًا صالحًا حسن النية جميل الحالة، له شرح على حكم ابن عطاء اللَّه وضع فيه لكل حكمة خطبة، مع ذكر كثير من كلام الحاتمي وابن الفارض وغيرهما بلا مناسبة، نفعه اللَّه بنيّته، توفي سنة سبع وثمانين وثمانمائة عن نيف ومائة سنة.
стр. 174
حرف الزاي المعجمة
١٨٧ - زين بن أحمد بن يونس الجيزي (١).
بجيم مكسورة ثم تحتية فزاي مكسورة ثم تحتية، نسبة لبلدة بمصر. قال البدر القرافي: شيخنا العلامة العمدة الفهامة عمدة الخلف بقية السلف، ذو الفضائل البهية في العلوم العقلية، أخذ عن الأخوين الجليلين شمس الدين وناصر الدين اللقانيين عن الأول الموطأ والمختصر ثم لازم الثاني نحو أربعين عامًا بحيث اختص به وأخذ عنه بعض الكشاف والبيضاوي والعضد وشرح العقائد والتهذيب ومختصر خليل والمطول وحاشيته ومختصر السعد وشرح المحلى على السبكي والمغني والتوضيح لابن هشام، وغيرهم من المعقولات وأذن له في الإفتاء وحضه عليه بقوله: اكتب أنا أكتب خطي معك، مع اشتهار كمال توقفه عنها، وأخذ أيضًا عن سليمان الجربي (٢) وغيره، وله اليد الطولى في العربية، انفرد بمعرفة شرح الرضى على الكافية مستحضرًا له وصار مرجع المالكية بمصر في الإفتاء والمعول عليه، مع لا ما له من تفكيك عبارة مختصر خليل، بل انفرد واشتهر بتحقيق كل ما يقرئه (٣) يوضح حقائقه ودقائقه لا يكاد فهمه يقبل الخطأ، مع التواضع وحمل الأذى على طريقة السلف. وبالجملة فهو
стр. 175
من حسنات دهره، مولده في أوائل القرن وكان يلح في الدعاء أن يختم عمره بحجة فتوفي منصرفه من الحج والزيارة سنة سبع وسبعين وتسعمائة، وأخبرني بعض من سمعه أنه كان ينشد بعد هذه الحجة كثيرًا:
أَصْبَحَتْ نَفْسِي رَهِينَهْ ... بينَ مكَّةَ والمدينهْ
- اهـ.
قلت: ولقيه شيخنا العلامة محمد بن محمود وحضر درسه، ولقيه أيضًا والدي ﵀.
стр. 176
حرف السين المهملة
١٨٨ - سليمان بن حكم بن محمد بن أحمد بن علي الغافقي القرطبي أبو الربيع (١).
قال ابن الأبار: روى عن أبي القاسم بن الشراط وأبي حفص بن عمر وجماعة وسع على الخطيب بن جعفر بن يحيى وقرأ بمدينة غافق على خطيبها أبي عبد اللَّه البكري، وأجازه جماعة وكان ثقة عدلًا أديبًا ناظمًا، له أرجوزة في الفقه حسنة رويت عنه، تتبع فيها كتاب الخصال الصغير للعبدي وأبوابه مع الضبط وحسن الخط والتقدم في الشروط. توفي في ربيع الأخير عام ثمانية عشر وستمائة وقد راهق ستين، ذكره ابن الطيلسان. ومن شعره:
يَفْرَحُ الإنسانُ لأيَّامِهِ ... تَمْضِي (٢) لِما يَرجُو مِنَ آمَالِهِ
وَهُوَ عَلَى الدِّرْهَمِ يَبْكِي دَمًا ... إنْ خَالَهُ يَذْهَبُ مِنْ مَالِهِ
١٨٩ - سليمان الونشريسي (٣).
يسمى أبا الربيع الإمام المقريء بفاس، أخذ عنه الفقيه أبو سالم اليزناسني، وقرأ عليه الأستاذ أبو عبد اللَّه الرندي كتاب الجلاب وكان قائمًا
стр. 177
عليه وعلى المدونة، نقل يومًا مسألة في مسح الخفين عن ابن رشد فقال له خلف اللَّه المجاصي: واللَّه ما قال هذا ابن رشد قط وكان خلف يستحضر المقدمات والبيان، فغضب الشيخ ونزل عن كرسيه وهو يقول: أستغفر اللَّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وترك الاقراء يومين ففي الثالث اجتمع به طلبته وكانوا يجتمعون به قبل ذلك ولا يكلمونه إعظامًا له، فقال لخلف اللَّه: يا أبا سعد تكذبني في النقل وقد نصحتك أعوامًا كثيرة فما كان جزائي منك إلا هذا فقال: يا سيدي ذكرت أن ابن رشد لم يتكلم على مسح الخفين في مقدماته ولا ذكر ذلك في بيانه، فجبذ الشيخ كتاب التقييد والتقسيم لابن رشد ودفعه إليه، فقبّل عند ذلك يده واعتذر له ورجع، وعلم الشيخ أنه لم يقصد إلا خيرًا وإنما حمله على خشونة اللفظ انزعاجه. توفي بفاس سنة خمس وسبعمائة. صح من تاريخ فاس لصاحبنا ابن القاضي.
١٩٠ - سليمان بن خالد بن مقدم بن محمد بن حسن بن غانم الطائي (١).
علم الدين البساطي نسبة إلى بساط، بالباء الموحد فسين وطاء آخره نسبة بلد، اشتهر بمعرفة المذهب وشارك في الفنون، كان كثير التكتشف تاركًا للتكلف كثير الطعام لمن يرد عليه، وكان يقرر الألفية تقريرًا حسنًا ويشغل الناس حين نيابة القضاء ويقرر أحسن تقرير، ثم ولي القضاء بعد صرف البدر بعناية الأمير قرطاني (٢) سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة فباشرها بمهابة وعفة فاستمر ثمانين يومًا ثم صرف في صفر سنة تسع وأعيد البدر إلى أن مات في سنة ثمانين وسبعمائة، واستمر البساطي إلى أن وقع بينه وبين القاضي برهان الدين بن جماعة فصرف في جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين فاستمر معطلًا حتى مات ليلة الجمعة ثالث عشر صفر سنة ست وثمانين.
وكان يعارض البرهان في كثير من الأمور، فاتفق أنه عرض عليه وصية
стр. 178
فأثبت قبل أن تعرض على ابن جماعة، فبلغه ذلك فغضب واستعان عليه بأكمل الدين، وكان البساطي لا يلتفت إلى رسائله، مع ماله من الجاه وتعظيم الملوك، فقام الأكمل في نصرة ابن جماعة حتى عزل البساطي واستقر جمال الدين بن خير -اهـ- من الدرر الكامنة لابن حجر.
١٩١ - سليمان بن الحسن البوزيدي الشريف التلمساني أبو الربيع (١).
الإمام العالم المحصل السيد، قال الشيخ أبو البركات التالي: شيخنا الفقيه المحقق، كان قائمًا على المدونة وابن الحاجب، مستحضرًا لفقه ابن عبد السلام، وأبحاثه نصب عينيه- اهـ.
قال القلصادي في رحلته: حضرت مجلس سيدي سليمان البوزيدي وكان فقيهًا إمامًا عالمًا بمذهب مالك- اهـ.
وذكر ابن غازي في ترجمة شيخه أبي محمد الورياغلي أن من شيوخه صاحب الترجمة، وأنه وصف بالشريف الحسيب النسيب الفقيه العالم المحقق الأفضل- اهـ.
قال الونشريسي: شيخ شيوخنا الفقيه المحصل المحقق، له إشكالات وجهها لعالم تونس أبي عبد اللَّه بن عقاب فأجابه عنها- اهـ.
وقال في وفياته: توفي شيخ شيوخنا الحافظ الذاكر شيخ الفروع أبو الربيع سليمان الشريف عام خمسة وأربعين وثمانمائة- اهـ.
١٩٢ - سليمان الحميدي الوهراني أبو الربيع (٢).
قال القلصادي في رحلته: اجتمعت به فيها، وكان فقيهًا إمامًا.
١٩٣ - سليمان بن يوسف بن إبراهيم الحسناوي البجائي (٣).
قال السخاوي: أخذ عن عمه أبي الحسين علي بن إبراهيم ومحمد بن
стр. 179
بلقاسم المشذالي، وتقدم في الفقه والأصلين والفرائض والحساب والمنطق، كتب شرحًا للمدونة وصنف في الفرائض والحساب والمنطق، وأشير إليه بالجلالة، وأكره على قضاء الجماعة فأقام به أزيد من سنتين فأعرض عنه ولازم التدريس والإفتاء إلى أن مات سنة سبع وثمانين وثمانمائة تقريبًا، وكان يصرح ببلوغ رتبة الاجتهاد ومخالفة إمامه في كثير من الفروع- اهـ.
وقال الشيخ زروق في حقه: الشيخ الفقيه الإمام الصدر العالم أبو الربيع مفتي بجاية من صدور الإسلام في وقته علمًا وديانة.
١٩٤ - سليمان الورنيدي المدعو بابن يعربين
الشيخ العالم النحوي، أخذ عن الأستاذ الصغير وتقدم في النحو والقراءات وتصدر لإقرائهما، أخذ عنه موسى الزواوي، وتوفي حادي عشر شعبان عام أحد وتسعين وثمانمائة، هكذا نقل من خط أبي القاسم بن إبراهيم الفاسي- اهـ.
وقال الشيخ زروق في كناشته: (١) الأستاذ أبو الربيع عرف بابن يعربين أحد نجباء تلامذة الأستاذ الصغير، جلس مجلسه بعده لإفادة الأداء في السبع وانتفع به، كان قيمًا على ما هو به، توفي سنة اثنتين وتسعين بعد الأستاذ المصيمدي- اهـ.
١٩٥ - سليمان بن شعيب بن خضر البحيري القاهري (٢).
ولد، تقريبًا، سنة ست وثلاثين وثمانمائة (٣)، وقدم القاهرة وهو كبير يقرأ القرآن وتلا برواية أبي عمرو وانتفع بالسنهوري في الفقه لمزيد ملازمته له فيه، وأخذ أيضًا عن العلمي وغيره، وأصول الدين والمنطق على التقي الحصني، والمنطق مع العربية والمعاني والبيان عن الجمال عبد اللَّه الكوراني، وأصول
стр. 180
الفقه على العلاء الحصني، وشرح نظم التحفة (١) عن مؤلفه، وبرع في الفقه وقعد للإفادة بالجامع الأزهر عن السراج بن حريز، وعن شيخه السنهوري بالبرقوقية وحفظ الرسالة وألفية النحو، كل ذلك مع سكون وتواضع وديانة وتقلل وتنفع -اهـ- من الضوء اللامع.
فقال البدر القرافي: من مؤلفاته شرح إرشاد ابن عسكر اعتمد فيه على ابن عبد السلام وخليل وبهرام وشرح اللمع وشرح الإرشاد أمثل، وحاشية على مختصر الجلاب بين فيها المشهور، أجاد فيها على طريقة خليل- اهـ.
وقد وقفت على الأخير في جزء لطيف أخذ عن الشرف الطخيخي.
من اسمه سعد
١٩٦ - سعد بن أحمد بن إبراهيم بن ليون التجيبي أبو عثمان من أهل المرية (٢).
قال الحضرمي في مشيخته: شيخنا الفقيه الجليل الأستاذ المصنف الطيب الأعرف الماهر العالم المتفنن الصالح الزاهد الفاضل، من أجل علماء الأندلس وأبرعهم تأليفًا، له تصانيف عدة في فنون نظمًا ونثرًا نحو ثلاثين تأليفًا، له قدرة على نظم العلوم ليس في بلده في زمنه أحد أكثر منه كتبًا أو أعلى اخطارًا يتنافس في اقتنائها ويهتم بها مع الاعتناء بمقابلتها وضبطها وإجادة تصحيحها، مع زهادة وورع وشدة انقباض عن الناس وزهد فيما عندهم، لم يتزوج قط ولم يزل مدة حياته يقصده فضلاء الناس وخيارهم وأشرافهم للانتفاع به في الطلب والقراءة عليه استنابة قضاة بلده في الأحكام الشرعية والنوازل الحكمية فظهرت عدالته وشكرت سيرته، واشتهرت نزاهته ولد بالمرية ونشأ بها لم يخرج منها لغيرها، كثير الصدقة لازمته ثلاثين سنة تباعًا وحفظت بعض منظوماته في الحديث والفرائض والطلب والعروض والمساحة وغيرها، وسمعت معظمها