بفتى خرج من الباب على دابة معه رزمة ثياب، فلما رأيته نزلت إليه، وقال: أين الفقيه أبو العباس؟ فقلت: ها هو في الساقية عريان، فقال لي: امسك الدابة، فسمعت الفقيه يقول له: أين تلك الثياب؟ فأخذها منه وخرج، فلما رآني قال لي: ما لك هنا؟ قلت: يا سيدي خفت عليك فلم أقدر على الانصراف ونتركك، فقال لي: أفترى الذي فعلت ما فعلت يتركني؟ ثم سأل الفتى عن سبب وصوله إليه، فذكر له أن إحدى الكرائم أمرته أن يحمل إليه تلك الثياب وقالت له: لا تدفعها إلا للفقيه ولا يلبسها إلا هو، فهذه قصة صحيحة مشهورة- اهـ.
قال ابن الخطيب السماني: روضته بباب تاغزوت بمراكش غير حافلة البناء، ربما يتبرع متبرع باحتفالها فلا تساعده الأقدار، وزرتها فشاهدت داخلها أشياخًا من أهل التعفف والتصوف يسارقون خفي النظر إلى مساقط رحمات اللَّه عليها، لكثرة زائريها، فيلج ذو الحاجة بابها خالعًا نعليه مستحضرًا آنيته، ويقعد بإزاء القبر قعدة لذلك، ومن عجز عن النقدين تصدق بالطعام ونحوه، فإذا خف الزائر آخر النهار عمد القائم على التربة إلى ما أودع في تلك الأواني فقسمه على المحاويج الحافّين بها، ويحصون كل عشية ويعمهم الرزق المودع فيها، وإن قصر عنهم كملوه بها غده.
قال: وترافع خدام الروضة لقاضي البلد وتخاصموا في أمر ذلك الرزق المودع هناك، فسألهم القاضي عن خراج اليوم فقالوا: يحصل هذه الأيام بها اليوم الواحد ثمانمائة مثقال ذهب عين، وربما وصل في بعض الأيام ألف دينار فما فوق، فروضة هذا الولي ديوان اللَّه بالمغرب لا يحيى دخله ولا تحصى جباياته، فالتبر يسيل واللجن يفيض، وذو الحاجة كالطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا، يختص برحمته من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم. قال: وأنا ممن جرب المنقول عن القبر فاطّرد القياس وتزيف الشبهة، وتعرفت من بدء زياراته ما تحققت به من بركته، وشهد على برهان دعوته- اهـ.
قلت: وإلى الآن ما زال الحال على ما كان عليه بها روضته من ازدحام الخلق عليها، وقضاء حوائجهم ولكن قل ذلك العطاء لفساد الزمان، وتقاصر
стр. 72
أهله وبخلهم، ومع ذلك فما زالت بركته تعم قاصديه، من الفقراء والقاصدين، فلله الحمد. وقد زرته ما يزيد على نحو خمسمائة مرة، وبت هناك ما ينيف على ثلاثين ليلة، وشاهدت بركته في الأمور، فلله الحمد على ما يسر.
وقال الشيخ ابن الخطيب القسنطيني في رحلته: حضرت عند الحاج الورع الزاهد أبي العباس أحمد بن عاشر بسلا، وقد سأله أحد الفقراء عن كرامة الأولياء، فقال له: لا تنقطع الكرامة بالموت انظر إلى السبتي، يشير للشيني الفقيه العالم المحقق أبي العباس الدفون بمراكش، يلجأ بركته وما ظهر عند قبره من البركات في قضاء الحاجات بعقب الصدقات، قال: سمعت يهوديًا بمراكش يلجأ ببركته، وينادي باسمه في أمر أصابه، لا مع المسلمين. فسألته عن سببه فأخبر أنه وجد بركته في غير موطن، فسأله عمّ رأى له في وقت، فقال: وحق ما أنزل على موسى ما أذكر لك إلا ما اتفق لي، سرت ليلة مع قافلة في مفازة، فعرجت دابتي فما شككت في قتلي وسلبي، فجلست وبكيت وبيني وبين الناس بعد، وقلت يا سيدي أبا العباس خاطرك، قال لي: فواللَّه ما أتممت الكلام إلا وأهل القافلة وقفوا لأمر أصابهم، وجرت دابتي وخفّ عرجها ثم زال، واتصلت بالناس، فقلت له: لم لا تسلم؟ فقال: حتى يريد اللَّه تعالى، وعجبت من كون ذلك يهوديًا فهي شهادة من عدو في الدين.
ولقد سألت اللَّه في أشياء عند قبره منها أن أكون ممن يشتغل بالعلم ويوصف به، وأن ييسر عليّ فهم كتب عينتها فيسر اللَّه عليّ ذلك في أقرب مدة، وقبره له بركات وأنوار، وكان أهل مذهبه الحض على الصدقة، وكان أمره عجبًا من إجابة الدعاء، ونزول المطر، واختصاصه بمكان دون آخر، وقال لأصحابه: أنا القطب، تفقه على أبي عبد اللَّه الفخار، وكان آية في الناظرة، وأوذي باللسان كثيرًا جدًا، فيصفح ويتجاوز.
ورأى عبد الرحمن بن يوسف الحسني الشريف النبي ﷺ في النوم قال: فقلت: يا رسول اللَّه ما تقول في السبتي؟ وكنت سيئ الاعتقاد فيه، فقال لي بعد أن تبسم: هو من السباق. وقلت: بيّن لي يا رسول اللَّه، قال:
стр. 73
هو ممن يمر على الصراط كالبرق. قال فخرجت بعد الصبح فلقيت أبا العباس فقال لي: ما رأيت وما سمعت؟ واللَّه لا تركتك حتى تعرفني، فعرفته فصاح: لكلمة الصفا من المصطفى. وتوفى سنة إحدى وستمائة، وولادته بسبتة عام أربعة وعشرين وخمسمائة- اهـ. وكذا ذكر التادلي ولادته وموته -نفعنا اللَّه به آمين.
٣٩ - أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن مخلد بن بقي بن مخلد القرطبي أبو القاسم (١).
ذكره في الأصل. قال أبو القاسم بن الشاط في فهرسته التي عملها لشيخه لابن (٢) أبي الربيع: وهو الفقيه الكاتب المحدث الفاضل الحسب العلم الأوحد قاضي الجماعة، روى عن أبيه وجده، وأجازه أبو الحسن بن شريح وابن قزمان وابن بشكوال وابن مضاء والسهيلي في جماعة كثيرة، مولده يوم السبت ثاني عشر ذي القعدة عام سبعة وثلاثين وخمسمائة، وتوفي بقرطبة عام خمسة وعشرين وستمائة في رمضان- اهـ.
٤٠ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي عرفة (٣).
اللخمي العزفي السبتي أبو العباس، قال ابن الشاط في الجزء المذكور: هو الفقيه العالم العامل العلم الأوحد الأورع الضابط الناقد المسند بقية المحدّثين، روى عن أبيه القاضي أبي عبد اللَّه، وعن الزاهد أبي محمد الحجري، والقاضي ابن زرقون، والخطيب أبي القاسم بن حبيش، وابن بشكوال، وأبي بكر بن خير، وأبي عبد اللَّه بن حميد، والسهيلي، وأبي محمد بن
стр. 74
الفرس، وأبي الحسن بن كوثر، والقاسم بن دحمان، وعبد الحق ابن بونة وغيرهم. وأجازه جماعة من المشارقة.
مولده سابع عشر رمضان عام سبعة وخمسين وخمسمائة، وتوفي في رمضان عام ثلاثة وثلاثين وستمائة، وأجاز لابن أبي الربيع في جميع مروياته عن شيوخه.
٤١ - أحمد بن علي القسطلاني ثم المصري أبو العباس كمال الدين الفقيه الزاهد تلميذ أبي عبد اللَّه القرشي (١).
قال الذهبي في العبر: درس وأفتى ثم جاور بمكة ومات بها في جمادى الأخيرة سنة ست وثلاثين وستمائة عن بضع وسبعين سنة، وولده تاج الدين، على ما قاله في العبر، مفتٍ مدرس، سمع من زاهر بن رستم وولي مشيخة المالكية، مات في شوال سنة خمس وستين وستمائة عن بضع وسبعين سنة، صح من تاريخ مصر للسيوطي.
٤٢ - أحمد بن عثمان بن عبد الجبار التونسي الملتاني أبو العباس (٢).
الشيخ الجليل الفاضل الكامل المتقن المحصل المجتهد، رحل للمشرق ولقي فضلاء أجلّة، ثم رجع فسكن بجّاية وأقرأ بها، وأسمع. له علم بالعربية والفقه وأصوله وأصول الدين، وحظ من التصوف ونصيب من العبادة، وكان موقَّرًا محترمًا مهيبًا.
له تقدم في التلقين، ونظر لم يكن لغيره ولم يكن له مثله في غيره من الكتب، وهو وإن كان إمامًا في الفقه لكنه في هذا الكتاب أصل من غيره، وله
стр. 75
عليه تقييد فيه تنبيهات خفية، وسمعت أنه كمّل بعض ما فات المازري على التلقين.
استدعاه الإمام أبو زكريا إلى حضرة افريقيا وحضر مجلسه وجعل بعض الحاضرين يلقي بعض مسائل المبادئ (١) فرأى أن الكلام في المبادئ لا تظهر فيه فضيلة الفاضل ولا جهل الجاهل. توفي عام أربعة وأربعين وستمائة.
٤٣ - أحمد بن عيسى بن عبد الرحمن الغماري (٢).
الفقيه القاضي الجليل النبيه أبو العباس، رحل للمشرق وقرأ هناك، وجدّ واجتهد وحصّل وأتقن، ولقي جملة مشايخ كعز الدين بن عبد السلام. له علم بالفقه وأصوله وحظ من أصول الدين ومشاركة في علم الأدب، وكان ممن يستفاد بالنظر إليه والمثول بين يديه.
وكانت دروسه منقّحة الأفراد (٣)، يبدأ بين يديه بالرقائق ثم بالفقه وأصوله، والتهذيب والجلّاب (٤)، فيكثر البحث، وَتُجْلَبُ المسألة الخلافية فيرتضي أحد وجهيها فيبحث عنه إلا أن يترجح ويسلم، ثم يأخذ الطرف الآخر، ويلزم أصحابه ما كان هو يناكر عليه، فلا يزال حتى يترجح ذلك الطرف ويسلم أيضًا. ذلك من جودة نظره وَحِدّة فكره. توفي بتونس عام اثنين وثمانين وستمائة. صح من عنوان الدراية للغبريني.
٤٤ - أحمد بن فرتون السلمي أو العباس (٥).
من أهل فاس، من بيت مسلم، أخذ عن ابن زانيف. روى عن جمع عظيم من أهل العدوتين، وأخذ الناس عنه كثيرًا كأبي جعفر بن الزبير، وهو
стр. 76
صاحب الذيل على الصلة، وكان عالمًا جليلًا، ومحدّثًا كبيرًا. توفي بسبتة، وقد انتقل إليها قبل وفاته عام ستين وستمائة، وقد نيف على الثمانين.
٤٥ - أحمد بن محمد بن حسين بن علي اللواتي، من أهل فاس (١).
أبو العباس بن تامنتيت، سكن اشبيلية وتوجه لافريقيا، ثم لحق بالمشرق وحدّث بمصر وغيرها عن أبي الحسين بن الضائع (٢)، وكان فقيهًا متصوفًا، روى عنه أبو بكر ابن سيد الناس وأثنى عليه ابن الزبير (*).
٤٦ - أحمد بن محمد القرشي الغرناطي (٣).
وبه يعرف الشيخ الفقيه الحافظ المتفنن التاريخي المدرس المحدّث من الحفاظ يحفظ تاريخ الطبري وتفسير الثعلبي، وهو على طريقة جمهور المعتبرين، اعتنى بالرواية والبحث عن الأخبار ومعرفة الرجال، وله تصانيف على القرآن، وله اعتناء بأهل العصر، شرع في تأليفٍ ذَكَرَهم فيه شرقًا وغربًا، وكتب إلى الشرق التطلع على ذلك. صح من عنوان الدراية.
٤٧ - أحمد بن محمد بن حسن بن الغماز الأنصاري (٤).
ذكره ابن فرحون في الأصل وأحسن في ترجمته. قال الغبريني في عنوان الدراية: كان فقيهًا فاضلًا جليلًا وقاضيًا كبيرًا شهيرًا، عدلًا رضيًّا، اشتهر، ولي قضاء بجاية وإمامة الفريضة والخطابة بجامعها الأعظم، فظهر مِنْ قِبَلِه في القضاء ما عجز عنه من تقدّمه، ثم قدم للقضاء بحضرة تونس، فما زال يخلع
стр. 77
ولاية القضاء بحاضرة افريقيا ويلبسها خلعًا أحسن من لبس، ولبسًا أحسن من خلع.- اهـ.
٤٨ - أحمد بن عمر الأندلسي الأنصاري (١).
أبو العباس المرسي خليفة الشيخ أبي الحسن الشاذلي، الإمام العارف القطب. له مجلس عظيم في المعارف والحقائق والرقائق، وكان يقول: هذا الأمر لا يكون إلّا لواحدٍ بعد واحدٍ، ولا يكون اثنان في الزمان، وكتابه في الفقه (التهذيب) وفي العقائد (الإرشاد) وفي الحديث (المصابيح) وفي التفسير (ابن عطية والهدي) وفي التصوف (الاحياء والقوت ونوادر الترمذي الحكيم)، ومن عجيب حاله أنه ما تسبب في الدنيا بشيء حتى خرج منها فقيل له فيه فقال: سببنا الإيمان والتقؤى قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ (سورة الأعراف، الآية ٩٦). وله كرامات عدة، وكان يقول: واللَّه ما نطالع كتب القوم إلّا لنرى فضل اللَّه علينا. توفي عام خمسة وثمانين وستمائة. أخذ عنه أبو العباس ابن عطاء اللَّه ونقل عنه فوائد.
٤٩ - أحمد بن عثمان بن عجلان. إمام أئمة المسلمين (٢).
من مشايخ التقوى والورع، وكان متقنًا يحمل على (٣) الفقه والحديث والعربية والقراءة وطرق الصالحين كثيرًا، يحب الخمول على طريقة السلف الصالح، وطُلِبَ للقضاء فامتنع، هكذا ذكره أبو العباس الغبريني في عنوانه قال: ولما وقع بصري عليه أدركني من الوقار والخشية للَّه ما أقدره ورمقت عيناي ووجدت في نفسي نشاطًا وسرورًا قال: وسألته عن اختيارات أصحابنا الفقهاء المتأخرين كاللخمي وابن بشير وغيرهما هل نحكي أقوالًا على المذهب فيقال في المذهب قولان (٤)، قال اللخمي: كذا وفلان كذا فيعزى إليه، قال: لا، وسألت عن هذه القضية شيخنا الفقيه أبا القاسم بن زيتون فقال لي: نعم
стр. 78
يحكي قول اللخمي وغيره إلّا قولًا واحدًا في المذهب، كما يحكي قول من تقدّمه من الفقهاء قولًا في المذهب، وجوابهما معًا جيّد لكنّ الجوابَ الأولَ مبنيٌّ على سبيل التوقف والورع، والثاني على سبيل النظر، لأنه يرى إن (١) كان جوابًا مبنيًا على أصول المذهب وطريقه لأنه إنما أفتى على مذهبه فتصح إضافة هذه الأقوال إلى المذهب وتعد منه. توفي بتونس في عشر التسعين وستمائة.
٥٠ - أحمد بن محمد بن إبراهيم بن هشام القرشي أبو جعفر، يعرف بابن فركون قاضي الجماعة (٢).
قال ابن الخطيب في عائد الصلة: من صدور القضاة بالأندلس في الاطلاع بالمسائل ومعرفة الأحكام، كثير المطالعة والاجتهاد، مشاركًا في فنون من فقه وعربية وقراءة وفرائض، طيب النغمة حسن التلاوة، عظيم الوقار، فائق الأبهة، مسترسلًا عنان النادرة الحارة في مجالس الحكم وغيرها، فيغض منه بسببها من يحمل عليه، ولي قضاءَ رُنْدَة وغرناطة في أكمل جاه وحرمة، ذُكر أنه كان في صغره يقرأ على أبي عبد اللَّه بن سمعون، وكان صالحًا، فوجهه في حاجة في يوم مطر شديد فرجع بحاجته بعد عناء، فعاتبه أخوه الكبير فقال: صبي ضعيف يأتيك لفائدة تعرّضه في مصلحتك لهذه المشقة ما هذا من شيم الصالحين فقال له: دعه لا بد أن يكون قاضي الجماعة بغرناطة فقال: فتذكرت لما توليت صحة فراسته، ولد عام تسعة وأربعين وستمائة- اهـ.
وقال الحضرمي في فهرسته: شيخنا الجليل قاضي القضاة العدل النزيه العارف الصدر الشهير الفضائل، كان بقية الفقهاء المحصلين ذا نظر وبحث، نزيه النفس عالي الهمة، متسع الصدر حسن اللقاء، سهل الأخلاق مليح البادرة، ثاقب الذهن جيد النظر، حافظًا نكت الفقه عارفًا بالأحكام، صدرًا
стр. 79
من صدور قضاة الأندلس، متضلعًا بالمسائل كثير المطالعة والدؤوب عليها، حسن القراءة فائق الأنبهة (١)، عظيم الوقار، ولي قضاء الربذة (٢) ومالقة، ثم قضاء الجماعة بغرناطة عام أربعة وسبعمائة، ثم صُرِف عام ثلاثة عشر عند تَغَلّب السلطان أبي الوليد لكلامٍ نُهي عنه أيام الفتنة نصح به السلطان قبله فناله خمول والتزم داره لمطالعة العلمَ أزيد من عشر سنين، ثم راجع أبو الوليد فيه رأيه فقدمه قاضيًا بالمرية، ثم صرف عنه آخر صفر عام تسعة وعشرين، فعاد لانقباضه وتعففه حتى قبض عن نيّفٍ وثمانين عامًا في ذي القعدة عام تسعة وعشرين وسبعمائة. كتبت من خطه: إذا اجتمعت ثلاثة أمور في هدية القاضي فلا كراهة فيها أن يكون من أهل ولايته وأن تكون من عادته قبل القضاء وعدم الخصومة- اهـ.
وهو على حالته واشتهاره من المقلّين في النظم، ومن شعره بعد عزله عن قضاء الجماعة:
أنَا من الحُكْمِ تَائِبْ ... وعن دَوَاعِيهِ رَاكِبْ (*)
بعدَ التَّفَقُّهِ عُمْري ... ونيلِ أَسْمَى المرَاتِبْ
وبعدَ أَنْ كنتُ أرقى ... على المنابرِ خَاطبْ
أصبَحتُ أُرْمَى بعارٍ ... لِلْحَالِ غير مناسبْ
ما إنْ يليقُ بمثلي ... لأنني غيرُ راقبْ
أشْكُو إلى اللَّه حَالي ... فهو المثيب المعاقبْ
قد آن لي بيعُ كتبي ... أَو اجْعَلَنْهَا السوائبْ
٥١ - أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي أبو العباس المراكشي، عرف بابن البنا (٣).
كان أبوه محترفًا بالبناء وطلب هو العلم، فوصل فيه الغاية القصوى،
стр. 80
حتى قال فيه الإمام ابن رشيد، وهو من هو: لم أر عالمًا بالمغرب إلّا رجلين: ابن البنا العددي المراكشي، وابن الشاط بسبتة- اهـ.
نقله أبو زكريا السراج في فهرسته في ترجمة شيخه الرعيني عنه عن ابن رشيد وقال غيره: كان إمامًا معظمًا عند الملوك، أخذ من علوم الشريعة حظًا وافرًا، وبلغ في العلوم القديمة غاية قصوى ورتبة عليا، قال تلميذه أبو زيد عبد الرحمن اللجاني: كان شيخنا وقورًا حسن السيرة قوي العقل، مهذبًا فاضلًا حسن الهيئة، معتدل القد أبيفض رفيع الثياب، ويأكل طيب المآكل، يديم السلام على من لقيه، ما تحدث معه أحد إلا انصرف عنه راضيًا، محبوبًا عند العلماء والصلحاء، حريصًا على الإفادة بما عنده، قليل الكلام جدًا، لا يتكلم بهذرٍ ولا بما يخرج عن مسائل العلم، وإذا تكلم في مجلس سكت لكلامه جميع من فيه، محققًا في كلامه قليل الخطأ. وقال ابن شاطر: كان ينظر في النجوم وعلوم السنة مشتغلًا بها، أخذ في الطريقتين بالحظ الوافر، يلازم الولي أبا زيد الهزميري، ودخل في طريقته فأعطاه ذكرًا من الأذكار، ودخل به الخلوة نحو سنة ودعا له وقال له: مكّنك اللَّه من علوم السماء كما مكنك من علوم الأرض، فأراه ليلة وهو متيقظ (١) دائرة الفلك مشاهدة حتى عاين مجرى الشمس فوجد في نفسه هولًا عطيمًا فسمع الشيخ أبا زيد يقول: اثبت يا ابن البنا حتى رأى ما رأى مستوفيًا، قال له الهزميري: إن اللَّه تعالى قد فتح لك فيما أراك، فأخذ من وقته في علم الهيئة والنجوم حتى أدرك منه الغاية.
وكان يستعمل الصوم والخلوة طلبًا لتصفح (٢) أمر الفلك يدوم فيها أيامًا فرأى بين يديه في صلاة يصليها صورة قبة نحاس مصنوعة لم ير مثلها في عالم الحس، والقبة محبوسة في الهواء وفي داخلها شخص يتعبد، فهاله ذلك ولم يثبت لما رأى من صور مفزعة حُفَّت بها وأصوات هائلة تناديه: أن ادْنُ مِنّا يا ابن البنا، فلم يقدر على الثبات فأغمي عليه وبلغ خبره الشيخ أبا زيد، فجاء ومسح على صدره ورأسه وأزال عنه ما صنع له من الدواء ورجع في الحين إلى
стр. 81
حسّه، فقال له الشيخ أبو زيد: أنا كنت ذلك الرجل الذي في القبة وأُمِرْتُ أن أخبرَك في ذلك المقام فلم تَقْدِرْ وها أنَا أمرت أن أخبرك به في عالم الحس، ثم أخبره بما طلب، قال ابن شاطر: كنت قاعدًا معه بمراكش فإذا رجل جاء إليه وقال له يا سيدي: توفى والدي وهو متهم (١) بالمال ولم يترك لي شيئًا، وقيل لي: ماله مدفون بداره فنحب (٢) خاطرك معي لوجه اللَّه تعالى، فنظر الشيخ برهة في نفسه فقال للرجل: صوِّر لي صورة الدار في الرمل، فصوَّرَها ثم أمره أن يزيل صورتها فأزالها، فأمره بإعادتها ثانيًا ففعل، ثم هكذا ثلاثًا. فقال له: إنّ مالك في هذا الموضع منها، فانصرف الرجل وبحث في الموضع فوجد به المال كما ذكر.
ويذكر أن السلطان أبا سعيد المريني سأله عن زمن موته فأجابه أن موته عند اشتغاله ببناء موضع في قبلة تازا فكان كذلك. وأخباره في هذا المعنى كثيرة.
قرأ القرآن بمراكش على أبي عبد اللَّه بن يسر (٣)، والعربية على القاضي الشريف محمد بن علي بن يحيى، قرأ عليه بعض الكتب (٤) ولازمه وذاكره مسائل من كتاب الأركان لأوقليوس (٥)، وقرأ جميع كتاب سيبويه، والكراسة (٦) على أبي إسحاق الصنهاجي العطار، وأخذ العرض (٧) والفرائض على أبي بكر القلاوسي، وأخذ الحديث عن أبي عبد اللَّه وأخيه، ولقي محمد بن عبد اللَّه، قرأ عليه الموطأ وعروض ابن السقاط، وتأدّب به في عقود الوثائق، وانتفع به كثيرًا وتفقه على أبي عمران موسى الزناتي قرأ عليه شرحه على الموطأ، وعلى أبي
стр. 82
الحسين المغيلي القاضي (إرشاد أبي المعالي) وعلى أبي الوليد ابن حجاج (المعيار (١) والمستصفى) وهما لأبي حامد، وفرائض الحوفي، وتفقه عليه في التهذيب، وأخذ علم السنن على قاضي الجماعة بفاس أبي الحجاج يوسف التجيبي المكناسي، وأبي يوسف يعقوب الجزولي، وأبي محمد الفشتالي، وأخذ علم الطب عن الحكيم ابن حجلة وعلم النجوم عن أبي عبد اللَّه بن مخلوف السجلماسي.
وألف كثيرًا كتفسير الباء من البسملة وجزء صغير على سورتي إنا أعطيناك الكوثر والعصر (وعنوان الدليل برسوم (٢) خط التنزيل) وحاشية على الكشاف وكتاب آخر في ضحى (٣) (ملاك التأويل) و (الاقتضاب والتقريب للطالب اللبيب) بها أصول الدين، و (منتهى السول في علم الأصول) (وتنبيه الفهوم على مدارك العلوم)، (وشرح تنقيح القرافي)، وكليات (٤) في المنطق وشرحها، وجزء في الجدول وشرحه، ورسالة في الرد على مسائل مختلفة، فقهية ونجومية، وله الرد على من يقول: إن وقتنا يُعلم بوقوع قرص الشمس على بصائر (٥) القائم مقابلًا لها، وبيّن أنه لا يصح في بلد دون بلد ولا زمن دون زمن، وكليات في العربية و (الروض المريع في صناعة البديع) و (مراسم الطريقة في علم الحقيقة) وشرحه، تأليفان لم يسبق بمثلهما، و (عواطف المعارف) وكتاب (علم الفرائض) وكتاب (الفصول بها الفرائض) وشرح مسائل الحوفي، ومقالة في الإقرار والإنكار، ومقالة أخرى في المدبر والتلخيص في الحساب وشرحه (رفع الحجاب) ومقدمة في أوقليوس (٦)، والمقالات الأربع والقوانين والأصول والمقدمات، وجزء في ذوات الأسماء والمنفصلات، وجزء في العمل بالرومي، والاقتضاب، ومقالة في المكاييل
стр. 83
الشرعية، وجزء في الساحات، و (منهاج الطالب في تعديل الكواكب) و (المستطيل)، وتأليف في أحكام النجوم، ومقالة في علم الأسطرلاب، ورسالة العمل بالصفيحة الشكازية وبالزرقالية، ورسالة في الجهات وبيان القبلة والنهي عن تغييرها، وجزء في الأنواء فيه صور الكواكب واختصار في الفلاحة، ومقالة في الحملاء الستة بجدول، وقانون في معرفة الأوقات بالحساب، وقانون في فصول السنة، وقانون في ترحيل الشمس، ومقالة في عيوب الشعر، وقانون في معرفة الشعر (١)، وقانون في الفرق بين الحكمة والشعر، ومقالة شرح فيها لغز عمر بن الفارض، ورسالة في ذكر العلوم الثمانية، وكتاب تسمية الحروف وخاصية وجودها في أوائل سور القرآن، ورسالة في طبائع الحروف، ورسالة في إحصاء أعداد أسماء اللَّه الحسنى، ورسالة في الفرق بين الخوارق الثلاثة: المعجز والكرامة والسحر، وموضوع في صناعة الأوفاق، ورسالة في المناسبات (٢)، وكلام على العزائم والرقي، وكلام في عمل الطلّسمات، وكلام على الزجر والفأل والكهانة، وكلام على خط الرمل.
مولده بمراكش تاسع ذي الحجة عام أربعة وخمسين، وقال ابن زكريا، نقلًا عن شيخه أبي جعفر بن صفوان: وصل شيخنا ابن البنا في علم الهيئة والنجوم غاية لم يلحقها أحد من أهل زمانه، مع اتصافه بطهارة الاعتقاد واعتبار السنة. قال ابن زكريا: مولده عام تسعة وأربعين، توفي سنة أربعة وعشرين وسبعمائة- اهـ.
وذكر ابن الخطيب القسنطيني أن وفاته عام إحدى وعشرين وسبعمائة.
ثم رأيت في فهرست الحضرمي بخطه ما نصه: أبو العباس اثنان متقاربان طبقة هما من شيوخ شيوخنا، أحدهما هذا له تصانيف عديدة في غير فن، والثاني يشاركه اسمًا وكنية وشهرة وطلبًا وسكنى مراكش، وهو القاضي أبو
стр. 84
العباس أحمد بن محمد المالقي قاضي أغمات، توفى بمراكش عام أربعة وعشرين وسبعمائة، ومولده لسبعة وأربعين وستمائة. ورأيت بخط شيخنا أبي البركات أنه رأى في بعض التقاييد أن الأستاذ أبا العباس ابن البنا المراكشي توفى في سادس رجب عام أحد وعشرين وسبعمائة، فلا أدري هو هذا أو مشاركه فيما ذكر، وقيل: مولده عام تسعة وثلاثين، والأول أصح، وكان أبو العباس هذا وقورًا صموتًا متواضعًا فاضلًا متفننًا في العلوم، مصنفًا في أنواعها حسن الإلقاء لها، ولي تقييد في سيره وأخباره.
وثم ابن البناء الكاتب المشهور الوجيه الشبيلي، وهو أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الرحمن العبيدي، له مكان معروف عند ولاة اشبيلية، مع براعة الكتابة وحسن الخط وجودة الضبط، توفي بسبتة خامس شوال سنة ست وأربعين وستمائة- اهـ -كلام الحضرمي ولفظه.
ابن الخطيب القسنطيني: كان شيخ شيوخنا الشيخ الصالح أبو العباس ابن البنا العددي المتوفى عام إحدى وعشرين، يقصد أبا زيد الهزميري في مشكلات السائل من هندسة وغيرها. قال: وأجد الزحام عليه فأسمع جوابي في طرف الحلقة وأنصرف بلا سؤال. وحدثني غير واحد من الأعلام أن انتفاعه في علومه ومنزلته دينًا ودنيًا إنما كان من بركة الهزميري، لأنه بلغ النهاية في دينه.
وحدثني قاضي الجماعة بمراكش أبو زيد المعروف، طالب عافية: أنه أراد قراءة العروض عليه وشك في معرفته إياه قال: فدخلت عليه وهو في الحلقة وأنا قلق من ذلك فسمعته رافعًا صوته وهو يقول مثل قول العروضيين كذا وتكلم في العروض، فعلمت أنه معي.
وحدثني القاضي أبو محمد اللوربي قال: خرج أبو عبد اللَّه الكومي المراكشي وهو من الفضلاء المشهورين بالخير والصلاح بمراكش لزيارة الفقيه البقوري صاحب إكمال الإكمال قال: فوجدته بين كتبه وعليه مرقعة والأعراق (١)
стр. 85
تقطر من جبينه من شدة الحرّ، ثم أخرج لي خبز شعير غير منخول وملحًا جريشًا، ثم خرجت من عنده فتركته جالسًا على التراب إذ لم يكن عنده ما يفترش، ولا ما يتخفف به من فيح الحر، ثم قصدت زيارة ابن البنا بالريحانة أو قال بدرب الريحانة، فلما نقرت الباب وإذا (١) بجارية خماسية قالت لي: من تكون؟ قلت لها: قولي الشيخ الكومي، فأعلمته فأذن لي بالدخول عنده فوجدته في قبة رياضه التي أحدثها بمراكش عليه ثوب كتان من عمل تونس، وفي القبة مخايد (٢) وعليها حجاب حسن، فسلمت عليه وجلست فأشار للخادم فأتى بآنية سكّر وأخرى بطيخ فقال لي: ادنُ فقلت في نفسي سبحان اللَّه كيف تركت البقوري وكيف وجدت هذا؟ فقال لي: اسكت ودع الفضول، لو كان البقوري في مقامي هذا وأنا في مقامه لاختل حال كل واحد منا، وحدثني بهذه الحكاية شيخنا أبو العباس الشماع المراكشي- اهـ -ملخصًا.
وذكر ابن الأحمر أنه توفى سنة إحدى وعشرين، ومن نظمه كما ذكر أبو عبد اللَّه الحضرمي عن شيوخه عنه قوله:
قَصَدْتُ إلى الوَجَازَةِ في كلامي ... لعلمي بالصوابِ في الاختصارِ
ولم أحذر فُهُومًا دونَ فهمي ... ولكنْ خِفْتُ إزراءَ الكِبَارِ
فشأنُ فحولةِ العلماءِ شأني ... وشأنُ البَسْطِ تعليمُ الصغارِ
فائدة:
قال بعض المغربيين: القراءة تصحيح المتن وتبين ما أشكل وتتميم ما نقص، وما زاد عليه فضرره على المتعلم أكثر من نفعه- اهـ.
من الفهرست الحضرمية: رأيت في بعض التقاييد أن من كرامات صاحب الترجمة أن خديمه عدا عليه شرطي فضربه فقتله، فلما رأى ذلك عمل ما عمل من هندسته فإذا بالشرطي مصروعًا قتيلًا. فأُخرجا معًا في ساعةٍ واحدة، وقد بلغ الغاية في دينه ودنياه النهاية، رحمه اللَّه تعالى، ومن تآليفه
стр. 86
-غير ما تقدم- مختصر الاحياء للغزالي، أخبرنا به صاحبنا الحاج الفرضي أحمد بن أبي العافية المكناسي، قاضى سلا -حفظه اللَّه تعالى- وله تأليف في الحساب وغيره.
٥٢ - أحمد بن محمد بن ميمون المالقي، يعرف بابن السكان (١).
قال العبدري في رحلته: صاحبنا أبو العباس ممن يعجب فهمه وذكاؤه، ويبهر فضله وحياؤه، مجريًا على غاية من كَمُل ومؤزَّرًا في حليته (٢) العلم والعمل، عذبت أخلاقه وفاضت زللًا (٣) واستقامت أحواله، فكان (٤) اعتدالًا وفاضت أنامله كالمزن انهمالًا، أدرك مزايا الشيوخ على فتى (٥) سنه، فما يتكلم في علم إلّا قلت هذا من فنه، أَلِفَ الانقباض فما يبسطه إلّا يده، وصحب قصر الأمل فما يؤمل غده. له اعتناء بتصحيح الرواية وإغياء في تنقيح الدراية، سمع من الشيوخ واتسعت روايته.
له تآليف تشوق ومؤلفات تروق، منها: إكمال ذيل أبي بكر بن فتحون على الاستيعاب لابن عبد البر، اعتنى به اعتناءً تامًّا ولم يكمل إلى الآن، وكتاب الاطّلاع على ما يلزم في رفع الأيدي في الصلاة من الاتّباع، وبرنامج جمعه لشيخه أبي بكر بن حبيش، وكان ابن حبيش هذا آية في التواضع والخمول وفرط الانقباض، مع براعته في الفنون وإجادته في النظم والنثر واتّساع الرواية، فحدثني صاحبنا أبو عبد اللَّه بن هريرة أنه إِنْ عُرِفَ موضعُه انتقل عنه لموضعٍ آخرَ لا يُعْرَفُ به، وخمس على الشقراطسية (٦)، ولا قرأها عليه صاحبنا المذكور وخططه (٧) في ذكره بما ينبغي، ثم دفعها إليه ليكتب له عليها قال لي: فأدخلها في الدار وقال لا تستبطأني، ثم خرج وقد بشر كلما (٨)
стр. 87
خططت به من مدائحه في الموضع المبشور، وكذا بشر كلما خطط به والده إلا الشيخ الكاتب فإنه أبقاهما، وقال لي: نعم كان شيخنا مسنًا وكان يكتب، وهذا نهاية التواضع- اهـ.
٥٣ - أحمد بن محمد بن علي التجيبي، شهر بابن القراف السبتي أبو العباس (١).
قال أبو عبد اللَّه الحضري: شيخنا الفقيه الحاج الكاتب الأديب الحافظ الصدر، كان أحد وجوه الأدباء القدماء، كثير النظم في النبويات وغيرها، كتب عن أمراء الأندلس والمغرب، واستظهر بالقاهرة المعزية موطأ الإمام مالك حفظًا من صدره عن ظهر قلب، فاحتفل له شيوخ المالكية وضربوا الطبول والبوقات على رأسه إشادة وتنويهًا، وتوفى أوائل رمضان بفاس عام خمسة وعشرين وسبعمائة.
٥٤ - أحمد بن محمد بن سعيد بن محمد بن علي بن مالك بن أبي عبد اللَّه المعافري الغرناطي أبو جعفر (٢).
قال الحضرمي (٣): شيخنا الفقيه الجليل القاضي الأعدل الأنزه الأعرف الحسيب النحوي المتفنن الفاضل المعظم، كان ذا فضل ودين ووقار وسلامة صدر، حسن الأخلاق لين الجانب، فاضل الطبع، بارع الكتب، مدركًا فيه إدراكًا حسنًا، على هدي صالح، وسمت حسن، لقي جماعة من الفضلاء وأجازوه، وخلقًا من الشرق والغرب، وبرع في علم النحو وغلب عليه، وله حظ في الرواية، مولده بغرناطة في رمضان عام أربعة وستين وستمائة، وصلى عليه أبو القاسم بن جزي.
стр. 88
٥٥ - أحمد بن محمد الزواوي (١).
قال ابن خلدون في التاريخ الكبير: هو شيخ القرّاء بالمغرب، أخذ العلم والعربية عن مشيخة فاس، روى عن ابن رشيد، وكان إمامًا فِى القراءات لا يجارى، وله صوت من مزامير آل داود- اهـ.
٥٦ - أحمد بن شعيب الفاسي (٢).
قال ابن خلدون: برع في اللسان والأدب والعلوم العقلية من فلسفة وتعاليم وطب وغيرها، وله شعر يسابق به فحول المتقدمين والمتأخرين، وله الأمانة في نقد الشعر.
٥٧ - أحمد بن عبد اللَّه البوشي المالكي (٣).
كان حافظًا لفروع الذهب أخذ عنه إبراهيم بن يخلف التنسي، والعلامة الشهير محمد بن أحمد بن محمد بن مرزوق، هكذا ذكره البدر القرافي.
قلت: قوله: أخذ عنه إبراهيم بن يخلف التنسي غير صحيح، وصوابه، واللَّه أعلم، أن يقول: أخذ عن إبراهيم بن يخلف، واللَّه أعلم.
٥٨ - أحمد بن محمد بن حزب اللَّه الخزرجي العبادي السعدي (٤).
من بيت علم بفاس وأصالة، أصلهم من الأندلس، كان فقيهًا خطيبًا مدرسًا مقرئًا، توفى شهيدًا في وقعة طريف سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. صح من خط صاحكبنا محمد بن يعقوب الأديب، حفظه اللَّه تعالى ورحمه.
стр. 89
٥٩ - أحمد بن عتيق بن أحمد بن محمد بن أحمد بن يوسف ابن خيرون الأزدي (١).
المعروف بالشاطبي الغرناطي قاضي برجة، كان يقظًا صدرًا في صنفه من شيوخ الطلبة وقدماء القضاة، ضابطًا للشروط، عالمًا بالوثائق، بصيرًا بعللها وأحكامها، إمامًا متقدمًا فيها، حافظًا للنوازل فقيهًا مشاورًا، مليح الطلب حسن الهيئة جميل الأبهة، ذا حظ بارع يقرض الشعر، ويذكر نبذًا من التاريخ.
توفى ببرجة بعد صرفه عن القضاء عن سن يقارب التسعين أو يزيد عليها سادس وعشرين من ربيع الأول عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة. قال الحضرمي: أنشدني عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير قال أنشدني المدعو الحميد لنفسه:
إذا مَا رُمْتَ أَنْ تُدْعَى حَكِيما ... وتلحقَ بالرِّجالِ ذوي الكَمَالِ
فلا تَغْبِطْ بني الدُّنْيا بشيءٍ ... ولا تخطرْ لكَ الدُّنْيا ببالِ
ويقرب هذا قول الرئيس أبي عثمان حكم المريني:
إذا ما شئتَ أَنْ تَحْيَا ... حياةً حُلْوَةَ المَحْيَا
فلا تغضبْ ولا تَحْسِدْ ... ولا تأْسفْ على الدُّنْيَا
وقال بعض الفضلاء:
اذا ما شئتَ أن تُدعَى حَكِيمًا ... رفيعَ القَدرِ ذَا نَفْسٍ كَرِيمَهْ
فلا تَشْفع الى رَجُل وجيهٍ ... ولا تشهدْ ولا تحضرْ وَليمَهْ
- اهـ.
٦٠ - أحمد بن محمد بن أحمد الرعيني (٢).
يعرف بنسبه، أبو جعفر، من أهل الفضل والظرف، كان عارفًا بالعربية، مشاركًا في الفقه، متدربًا في الأحكام، قرأ على أبي الحسن
стр. 90
القيجاطي، وابن الفخار. تولى القضاء. ولد سنة إحدى وسبعمائة، وتوفي سنة أربع وأربعين.
٦١ - أحمد بن عمران البجائي اليانوي (١).
الإمام العلامة المحقق، أخذ عن ناصر الدين المشذالي، وشرح ابن الحاجب في ثلاثة أسفار. وذكر الإمام الشاطبي عن شيخه منصور الزواوي أن صاحب الترجمة دخل تلمسان تاجرًا وأتى مجلس أبي زيد ابن الإمام في زي التاجر، فجلس حيث انتهى به المجلس فإذا هم يتكلمون في قول ابن الحاجب في حد العلم صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض، فلما أتموا بحثهم، صاحب الترجمة قال: (٢) يا سيدنا هذا الحد غير مانع لانتقاضه بالفصل والخاصة، فقال له أبو زيد: عرّفنا من أنت فقال: صاحبكم أحمد بن عمران فقال: نشتغل بضيافتكم ثم نجيبك، فأكرمه ثم سأله عن حاجته، وسبب قدومه، فأخبره أنه قدم تاجرًا، فأخبر به أبو زيد سلطان تلمسان حينئذ أبا تاشفين وعظمه له فرفع عنه السلطان مغارم وظائف السّلع وأعطاه مع ذلك مائتي دينار ذهبًا. ثم قال له أبو زيد: إن خفّ عليك أن تسلّم على أخي فعلت، قلبى دعوته وأتى معه إلى أخيه أبي موسى، فلما راه قال له: سمعنا عنك أوردت سؤالًا، على الأخ ارتفع بسببه شأنك، وحظي عند السلطان مكانك، فاذكره علينا حق نتكلم، فقرره بين يديه، فقال له: يا فقيه إنما قال أبو الحاجب: توجب تمييزًا والفصل والخاصة إنما يوجب تميزًا لا تمييزًا، فهذا جوابك- اهـ.
٦٢ - أحمد بن عبد الرحمن بن تميم اليفرني المكناسي (٣).
أخو الشيخ أبي الحسن الطنخي (٤) شيخ السطي. كان صاحب الترجمة من الفقهاء والأساتيذ، وأخذ عن الأستاذ أبي عبد اللَّه محمد بن قاسم بن محمد
стр. 91
الأنصاري المالقي، نزيل مكناسة، ورحل إليه الناس من فاس للأخذ عنه، فلما رجع صار يدعى بالمكناسي، روى عن ابن الزبير ابن سليمان الوادي آشي وابن هاني وابن رشيد، وأبي يعقوب البادسي، وتوفي بفاس سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة.
٦٣ - أحمد بن العباس النقارسي (١).
قال الشيخ خالد البلوي في رحلته: هو الشيخ الفقيه العالم، كان حافظًا مُجيدًا وحافلًا مَجيدًا وناقلًا سديدًا وناقدًا شديدًا، وعارفًا مديدًا ومدرسًا مفيدًا، له طبع حلّ فيه الذكاء والنّبل، وقل من كرمه الطل والوبل، رحِل من بلد تلمسان قبل الحصار وتلافى ريحها بالأعصار، فدخل تونس مشمرًا عن الجد وقائدًا بالجد، فطلع في آفاقها كوكبًا وسار في ساحاتها كبكبًا، ولم يزل يفحص عن الكمال ويستسقي من عذبة مناهلها الزلال حتى بلغ المنتهى دخول ما اشتهى، فهو الآن أحد مدرسيها الإمام وأوحد من برع في علمي البيان والكلام، وأوجد الناس للدر إذا خاض بكر العلوم بسوابح الأقلام، أديب العصر ونحويّه وبيانيّه وحكيمه ومنطقيّه، والعروض (٢) إلى الإحاطة بالتفسير والحديث مع المطالعة والمذاكرة في القديم والحديث، وكذا الفروع والأصول.
لم تر عيني قط شرقًا ولا غربًا أسرع منه نسخًا وكتبًا، ولا أقرأ منه لكلّ خط ما عسى أن يكون صعبًا، مع جودة خطه وصحة نقله وضبطه. قرأت عليه تأليفه المسمى (الروض الأريض في علم القريض) وتأليفه في الأدب و (حديقة الناظر في تلخيص المثل السائر) في البيان وشرح (المصباح لابن مالك) و (إيضاح السبيل إلى القصد الجليل) في علم الخليل شرح على عروض ابن الحاجب.
وله تآليف غيرها عُرِفَ قدرها واشتهر ذكرها، وسارت مسيرة الشمس في كل بلدة وهبت هبوب الريح في البر والبحر، أخذ عن الإمامين الأوحدين
стр. 92
ناصر الدين المشذالي وابن راشد القفص- اهـ ملخصًا.
قلت: وسيأتي بها ترجمة أبي العباس النقاوسي شيخ عبد الرحمن الثعالبي، وهو غير هذا فتحققه.
٦٤ - أحمد بن عمر بن محمد بن عاشر الأندلسي (١).
نزيل سلا الولي الزاهد الشهور، صاحب الكرامات والمناقب والأحوال الباهرة، حتى قال ابن عرفة: ما أدركت مبرّزًا في زماننا هذا إلا أبا الحسن المنتصر وأحمد بن عاشر نزيل سلا- اهـ.
قال الشيخ ابن صعد في النجم الثاقب: كان أحد الأولياء الأبدال معدودًا في كبار العلماء، مشهورًا بإجابة الدعاء، معروفًا بالكرامات، مقدَّمًا في صدر الزهاد، منقطعًا عن الدنيا وأهلها ولو كانوا من صالحي العباد، ملازمًا للقبور في الخلاء التصل ببحر مدينة سلا، منفردًا عن الخلق لا يفكر في أمر الرزق، له أخبار جليلة وكرامات عجيبة مشهورة.
ممن جُمِعَ له العلم والعمل وألقى عليه القبول من الخلق، شديد الهيبة عظيم الوقار، كثير الخشية طويل التفكر والاعتبار، قصده السلطان أبو عنان، وارتحل عام سبعة وخمسين فوقف ببابه طويلًا فلم يأذن له، وانصرف وقد امتلأ قلبه من حبه وإجلاله، ثم عاد للوقوف ببابه مرارًا فما وصل إليه، فبعث له بعض أولاده بكتاب كتبه إليه يستعطفه لزيارته ورؤيته، فأجابه بما قطع رجاءه منه وأيس من لقائه واشتدّ حزنه وقال: هذا وليّ من أولياء اللَّه حجبه اللَّه عنّا، وذكره العلامة أبو عبد اللَّه بن الخطيب السلماني بها (نفاضة الجراب) فقال: ولقيت من أولياء اللَّه بسلا الولي الزاهد الكبير المنقطع العزيز فرارًا عن زهرة
стр. 93
الدنيا، وهربًا عنها وأَفْقًا في الورع وشهرة بالكشف وإجابة الدعوة وظهور الكرامة، أبو العباس ابن عاشر، يسّر اللَّه لقاءه، على تعذره لصعوبة تأتيه وكثرة هيبته، قاعدًا بين القبور في الخلاء، رث الهيئة مطرق اللحظ كثير الصمت، مفرط الانقباض والعزلة، قد فرّ من أهل الدنيا وتطارحهم، فهو شديد الاشمئزاز من قاصده، مجد الوثبة من طارقه- اهـ -ملخصًا.
قال الشيخ ابن الخطيب القسنطيني في رحلته: وكان ابن عاشر ﵀ فريدًا في الورع ميسَّرًا عليه في ذلك أتمّ تيسير، محفوظًا من كل ما فيه شبهة، كثير النفور من الناس وخصوصًا أصحاب الولاية في الأعمال. وخرجت على يده تلاميذ نجباء أخيار، وطريقه أنه جعل إحياء علوم الدين بين عينيه، واتبع ما فيه بجدّ واجتهاد وصدق وانقياد، وكان الحجة في ذلك الطريق. وأول اجتماعي به نفر مني فحبسته بيدي وهززته، فتبسم ووقف معي وسألني ودعا لي، وطلبته فيما يطعمتي فاعتذر لي بالإقلال، ثم أمهل ودخل فأخرج لي حبات تين يابسة في يده اليمنى وغطّاها باليسرى ودفعها لي وضحك معي وعجب الحاضرون من انشراحه معي، إذ لا ينبسط إلى أحد، وحصل لي بذلك فخر لا يدري قدره إلا من حاول بعضه معه، وقصدني كثير من الخواص لسؤال عما وقع لي معه.
وقد حاول ملك المغرب لما ارتحل إليه عام سبع وخمسين وسبعمائة على (١) لقائه فلم يقدر عليه بوجه، وحجبه اللَّه تعالى حتى تبعه يوم الجمعة من الجامع الأعظم على قدمه والناس ينظرونه وهو لم يره فرجع عنه.
ولم يكن قوته إلا من نسخ (عمدة الأحكام) في الحديث. وكيف يبيعها؟ ولمن يبيعها؟ ولا يأخذ إلا قيمتها، ولم تزل حالته وبركته في زيادة إلى أن توفى سنة خمس وستين وسبعمائة.
وسأله بعض الأخيار بمحضري عن الفرق بين مكاشفة المسلم ومكاشفة النصراني لوقوع ذلك من بعضهم، فقال له: المسلم الذي هذه الدرجة
стр. 94
يبرئ من العاهة، والنصراني لا، ثم قال: وهل يبرئ الفقير من العاهة؟ فقال له: نعم، ثم نظر يمينًا وشمالًا ليجد صاحب عاهة فيأتي بالعيان فلم يجد أحدًا وكأنه اغتاظ لهذا السؤال، ثم أخرج يده وقال: يأتي لمن يقعد عن الحركة فيحبسه بيده ويقيمه، وقد ذهب ألمه بعد أن حنى إلى الأرض في الصفة- اهـ.
وقال في وفياته: لقيت بسلا الفقيه الولي ابن عاشر وهو على أتم حال في الورع والفرار من الأمراء والتمسك بالسنة- اهـ.
وممن انتفع به الولي القطب أبو عبد اللَّه بن عباد، الآتي في حرف الميم.
فائدة:
قال ابن عباد في رسائله: كنت قِدَمًا خرجت يوم مولده ﷺ صائمًا إلى ساحل البحر فوجدت هناك السيد الحاج ابن عاشر ﵀ وجماعة من أصحابه معهم طعام يأكلونه، فأرادوا مني الأكل فقلت: إني صائم، فنظر إلي السيد الحاج نظرة منكرة، وقال لي: هذا يوم فرح وسرور يستقبح في مثله الصوم كالعيد، فتأملت مقالته فوجدته حقًا وكأنه أيقظني من النوم- اهـ.
٦٥ - أحمد بن محمد بن إبراهيم الأوسي الجنان المكناسي أبو جعفر (١).
قال ابن الخطيب السلماني في نفاضته: كان فقيهًا عَدلًا أديبًا إخباريًا مشاركًا، من أهل الظرف والانطباع والفضيلة، كاتب عاقد و (ناظم) (٢) ناثر، مشارك في فنون من العلم، له تصنيف حسن في ثلاثة أسفار سماه (المنهل المورود في شرح المقصد المحمود) شرح فيه وثائق أبي القاسم الجزيري فأربى على الإجادة بيانًا وإفادة، وناولني إيّاه وأذن في في حمله عنه، وأنشدني كثيرًا من شعره، فمن ذلك ما صدّر به رسالة يهنئ بها ناقهًا من مرض:
الْبِسِ الصِّحَةَ بُرْدًا قَشِيبا ... وَأَرْشفِ النعمةَ ثَغْرًا شَنِيبا
стр. 95
واقْطِفِ الآمالَ زَهْرًا نضيرًا ... واعْطِفِ الإقبالَ غُصْنًا رَطيبا
إنْ يَكُنْ سَاءَكَ وَعْكٌ تَقَضَّى ... تَجدِ الأجْرَ عَظيمًا رَحيبا
فانتعِشْ دَهْرَكَ ذا في سرورٍ ... يُصْبِح الحاسِدُ منهُ كَئيبًا
انتهى من الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون لابن غازي.
٦٦ - أحمد بن إدريس البجائي (١) الإمام العلامة الصالح المحقق كبير علماء بجاية في وقته.
كان ورعًا زاهدًا جليلًا إمامًا علامة بارعًا. أخذ عنه أبو زيد عبد الرحمن الوغليسي وأضرابه، ذكره ابن فرحون في الأصل وأثنى عليه كثيرًا، وأنه توفى بعد الستين وسبعمائة، وأن له تعليقًا على البيوع من مختصر ابن الحاجب- اهـ.
قلت: بل له شرح ابن الحاجب، نقل عنه الناس كالشيخ أبي العباس القلشاني في شرحه، والإمام محمد بن بلقاسم المشذالي في اختصاره لمختصر ابن عرفة، والعلامة أحمد بن زاغو التلمساني وغيرهم، وأخذ عنه يحيى الرهوني وابن خلدون، ونقل عنه ابن فرفة وسماه الفقيه الصالح.
وذكر الشيخ عيسى بن سلامة اليشكري في منافعه أن ثقة حدّثه أن الشيخ الإمام العالم الورع أحمد بن إدريس مرّ بمصاب ومعه بعض الطلبة فقرأ في أذنه فأفاق فقال له الطالب: يا سيدي وماذا قرأت في أذنه فقال. الفاتحة، ففي يوم آخر مَرّ الطالب على مصاب فقرأ الفاتحة في أذنه فتكلم الجان وقصد الطالب وقال له: هذه الفاتحة وأين قلب ابن إدريس؟ - اهـ.
قلت: ويشهد لهذا ما قاله الصفاقسي الشهير بابن التين في شرح البخاري، قال الرقي بالمعوذات وغيرها من أسماء اللَّه هو للطالب الروحاني إذا كان على لسان الأبرار حصل الشفاء بإذن اللَّه، فلعزة هذا النوع فزع الناس
стр. 96
للطالب الجسماني. قال الشيخ السيوطي: ويشير إليه حديث لو أن رجلًا موقنًا قرأها على جبل لزال- انتهى.
ومن فوائد صاحب الترجمة ما ذكره المسيلي وغيره عنه: من نظر إلى جدي بنات نعش وقال: أيها النجم الثاقب "إن كل نفس لا عليها حافظ" "فمنّ اللَّه علينا ووقانا عذاب السموم" "فسيكفيكهم اللَّه وهو السميع العليم"، لم تلدغه عقرب ما بقي من عمره، وإن لدغته لم تضره، وذكر أنه جرّب فصح- اهـ.
٦٧ - أحمد عيسى البجائي (١).
علامتها وفقيهها وصالحها، في طبقة ابن إدريس، أخذ عنه الوغليسي وأبو القاسم المشذالي، وأبو الحسن المانجلاني وغيرهم، وله فتاوى، ولم أقف على وفاته وولادته.
٦٨ - أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن صفوان الفيني بالنون لا بالسين المالقي (٢).
قال الحضرمي: هو الفقيه الجليل الكاتب البارع الأديب البليغ المفنن المصنف العلامة الشهير، كان متفننًا في المعارف أديبًا شاعرًا كاتبًا بليغًا ناظمًا ناثرًا راسخًا في العدد والفرائض، جيد الحظ فصيح اللسان والقلم، بارع الكتابة حسن الإلقاء، ناقدًا بصيرًا نافذ الذهن مدركًا للحقائق، آخذا في المسائل جيد النظم مليح المجالسة جميل المشاركة، فاضلًا. توفي بمالقة في أواخر جمادى الأخيرة عام ثلاثة وستين وسبعمائة عن نحو تسعين سنة أو أزيد- اهـ.
стр. 97
٦٩ - أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن خاتمة الأديب المتفنن الأنصاري أبو جعفر، يعرف بابن خاتمة (١).
قال الحضرمي: صاحبنا الفقيه الجليل الفاضل، كان فاضلًا أستاذًا أديبًا بارعًا كاتبًا بليغًا، صدرًا حافلًا طيبًا ماجدًا فاضلًا، عدلًا بارعًا ناظمًا ناثرًا شاعرًا، بليغًا كاتبًا مجيدًا محصلًا متفننًا، تصدر للإقراء بالجامع الأعظم بالمرية، وعقد مجلسًا للجمهور وقيّد الكثير وصنّف، طيّبًا، طبًّا للأمور حسن الإلقاء، طلق الوجه بارًا بإخوانه وأصحابه، هَشًّا بَشًّا. أخذ عن جماعة وتوفى سابع شعبان عام سبعين وسبعمائة عن نحو ستين عامًا- اهـ.
قال ابن الخطيب في الإحاطة: كان صدرًا مشارًا إليه متفننًا مشاركًا قوي الذهن والإدراك، سديد النظر موفور الأدوات، كثير الاجتهاد معين الطبع، جيد القريحة بارع الخط، ممتع المجلس جميل العشرة، حسن الخلق، من حسنات الأندلس، طبقة في النظم والنثر، بعيد المرقى في درجة الاجتهاد، عقد الشروط، قعد للإقراء ببلده، مشكور السيرة حميد الطريقة (٢) ولم تزل (٣) معارفه تنفسح (٣) آمادها وتحوز خصال السبق جيادها. أخذ عن مولى النعمة على أهل بلده الخطيب أبي الحسن بن أبي العيش، لازمه وانتفع به، والخطيب الصالح أبي إسحاق ابن أبي العاصي، وشيخنا أبي البركات ابن الحاج، سمع منه كثيرًا وأجازه إجازة عامة، والرُّحْلَة المحدث ابن جابر الوادي آشي، والقاضي أبي جعفر ابن فكرون (٤).
وله نظم كثير ومنه قوله:
ملاكُ الأمرِ تقوى اللَّه فاجعل ... تُقَاهُ عُدَّةً لِصَلَاحِ أَمْرِكْ
وَبَارِدْ نَحوَ طاعَتِهِ بعزمٍ ... فما تدري متى يمضي بعُمْرِكْ
стр. 98
وحضر مرة مع شيخه أبي البركات طعامًا فدعى الشيخ للأكل فاعتذر بالصوم، فلما فرغوا أنشد صاحب الترجمة:
دعونَا الخطيبَ أبا البركاتِ ... لأكلِ طَعَامِ الوزيرِ الأجَلْ
وقد ضَمَّنَا في نداهُ جِنَانٌ ... بِهِ احتَفَلَ الحسنُ حتى كَمَلْ
فأعْرضَ عنا لعذرِ الصِّيامِ ... وما كلُّ عذرٍ له مقتبلْ
فإن الجِنانَ محَلُّ الجزاءِ ... وَلَيْسَ الجنانُ محَلَّ العَمَلْ (*)
فلما فرغ من إنشادها قال الشيخ: لو أنشدتنيها وأنتم لم تفرغوا لأكلت معكم لهذه الأبيات، والحوالة في ذلك على اللَّه تعالى -اهـ-ملخصًا. قلت: من تآليفه (تاريخ المدينة) وجزء سماه (إلحاق العقل بالحس في الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس) وغيرهما.
٧٠ - أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن، شهر بالقبّاب (١).
الإمام الحافظ العلامة الصالح الزاهد، أحد محققي المتأخرين من الحفاظ المشهورين بالدين والصلاح والتقدم في العلوم، تولى الفتيا بفاس، وله فتاوى مشهورة مجموعة وقفت عليها، وهو أول من نقل الونشريسي عنه في المعيار، ذكره في الإحاطة ولم يوفه حقه فقال: من صدور عدول فاس فقيه نبيه جيد النظر سديد الفهم، ولي قضاء جبل الفتح، متصفًا بجزالة ودخل غرناطة عام اثنين وستين موجهًا من قبل السلطان أبي القاسم (٢)، ثم رفض التمعش (٣) من الشهادة وتنسك على عادة الفضلاء- اهـ.
وعلى هذا القدر اقتصر في الديباج. وقال ابن الخطيب القسنطيني: شيخنا الفقيه الحافظ الصالح الفتي الحاج أبو العباس، وحضرت مجلسه في
стр. 99
الحديث والفقه وأصول الدين، وتوفى سنة تسع وسبعين وسبعمائة. هكذا في رحلته، وزاد في وفياته شيخنا الفقيه المحقق، له شرح حسن على قواعد عياض وشرح بيوع ابن جماعة، لازمت درسه بفاس في الحديث والفقه والأصولين (١) - اهـ.
أخذ عن الحافظ السطي وأبي الحسن بن فرحون المدني والقاضي الفشتالي، وعنه الإمام الشاطبي، والصالح عمر الرجراجي وغيرهم، وذكره صاحب المنهل في مناقب الأربعين الصلحاء من الطبقة الثانية فقال: الإمام العالم العامل ذو العقل الكامل والطبع الفاضل التائب المتقي ثم الفقيه المفتي، نخبة الأقران والأتراب الحاج المبرور أحمد القبّاب، ممن عرف بالدين والفضل وعدّ في طبقة العلماء العاملين، حسنت توبته وبانت فضيلته، رحل وحجَّ ولقي فضلاء أهل العلم والفضل والصلاح وانتفع بهم، سيرته سيرة أكابر متقدمي الفضلاء من الدأب على العلم قراءة وتكسب الطيب، مع التقشف وترك الدنيا والتواضع للخاصة والعامة، مع خفض جناح الرحمة للضعفاء، لقي سيدي أحمد ابن عاشر وأمثاله وتبرك بهم ومازال على حالته- اهـ.
ومن تأليفه اختصار (أحكام النظر) لابن القطان أسقط فيه الدلائل والاحتجاج وشرحه على القواعد في غاية الإتقان، وله مباحث مشهورة مع الإمام الشاطبي في مسألة مراعاة الخلاف في المذهب أحسن فيها غاية (الإحسان) (٢)، ونقل عنه البرزلي في ديوانه، ووصفه بالعلم والصلاح، ويذكر أنه لما حجّ اجتمع في تونس بابن عرفة، فأوقفه ابن عرفة على ما كتب من مختصره الفقهي وقد شرع في تأليفه، فقال له صاحب الترجمة: ما صنعت شيئًا، فقال له ابن عرفة: ولم؟ قال لأنه لا يفهمه المبتدئ ولا يحتاج إليه المنتهي، فتغير وجه الشيخ ابن عرفة، ثم ألقى على صاحب الترجمة مسائل فأجابه عنها، ويقال: إنّ كلامه هذا هو الحامل لابن عرفة على أن بَسَطَ العبارة في أواخر المختصر ولين الاختصار واللَّه أعلم.
стр. 100
وتقدم في ترجمة الإمام الشاطبي ما نقل عنه أنه كان يقول: إن بشير وابن شاش وابن الحاجب أفسدوا الفقه، وإنما يأمر أصحابه بالتحامي عنهم. قلت: وكأنه يعني بذلك، واللَّه أعلم، أن الأخيرين أدخلا جملة مسائل من وجيز الغزالي في المذهب، مع أنها مخالفة له كما نبّه عليه الناس، والأول بنى فروعًا على قواعد أصولية وأدخلها في المذهب، مع مخالفته لها، كما نبه عليه في الديباجٍ وفي ترجمته. وبالجملة فالقبّاب من أكابر علماء المذهب حفظًا وتحقيقًا وتقدمًا وجلالةً. ووقع بينه وبين الإمام سعيد العقباتي مناظرة بل مناظرات ومراجعات في مسائل جمعها العقباني وسماها (لباب اللباب في مناظرة القبّاب).
٧١ - أحمد بن أحمد بن أحمد الغبريني أبو القاسم التونسي (١).
فقيهها ومفتيها، أخذ عن ابن عبد السلام وطبقته، وتولى الفتيا بتونس، قال البرزلي: هو شيخنا الفقيه الراوية المفتي الصالح المسن أبو القاسم. قال تلميذه أبو الطيب بن علوان: شيخنا الإمام العلامة المشاور الثبت الراوية المدرِّس المفتي الخطيب ذو الخطط الشرعية والعلوم النقلية- اهـ.
وأخذ عنه جماعة من علماء تونس كالقاضي أبي مهدي عيسى الغبريني وأبي عبد اللَّه القلشاني. وصاحب الترجمة وَلَدُ أبي العباس الغبريني صاحب عنوان الدراية وقاضي بجاية، توفي بعد سبعين وسبعمائة.
٧٢ - أخوه شقيقه: أحمد بن أحمد بن أحمد أبو سعيد الغبريني (٢).
قال ابن علوان: هو شيخنا الفقيه الرئيس الإمام الخطيب الموقر المشاور المسند المحدث بقية المشايخ- اهـ. ولم يذكر وفاته.
٧٣ - أحمد بن محمد الزناتي (٣).
عرف بالحصار، توفي سنة تسع وتسعين وسبعمائة.
стр. 101
٧٤ - أحمد بن محمد بن رشيد الفهري .
توفي في سنة تسع وسبعين وسبعمائة.
٧٥ - أحمد بن الحسن بن سعيد المديوني (١).
جد الحفيد الإمام ابن مرزوق لأمه قال: كان (٢) جدي هذا قاضي تلمسان، فقيهًا محدثًا صالحًا قاضيًا عدلًا، أجازه أبو جعفر بن الزبير، ولقى أبا حيان والجلال القزويني وغير واحدٍ من الأكابر، وكان معمّرًا توفي سنة ثمان وستين وسبعمائة- اهـ.
وقال غيره: نشأ بتلمسان وأخذ عن ابني الإمام، استعمله أبو الحسن المريني في الزكاة وسماع الشكاة إلى أن وَلِيَ قضاء تلمسان في زمن أبي عنان، واستمر عليه إلى أن توفي.
٧٦ - أحمد بن محمد بن عبد المعطي الأنصاري (٣).
ولد سنة تسع وسبعمائة واشتغل كثيرًا ومهر في العربية وشارك في الفقه، انتفع به أهل مكة، وكان حسن الأخلاق مواظبًا على العبادة، مات في المحرم عام ثمانية وثمانين وسبعمائة وقد جاوز السبعين، صح من الدرر الكامنة لابن حجر. زاد السيوطي في طبقاته: سافر إلى المغرب ولقي جماعة وانتصب للإقراء في العربية والعروض، وكان بارعًا ثقةً ثَبْتًا، له تآليف ونظم كثير، سمع من عثمان بن الصفي وهو جدّ شيخنا قاضي القضاة نحوي مكة عبد القادر بن أبي القاسم (٤). مولده سنة سبع وسبعمائة- اهـ.
٧٧ - أحمد بن محمد الخزرجي، شهر بابن الشماع المراكشي نزيل فاس (٥).
قال ابن الخطيب القسنطيني: هو شيخنا ومفيدنا كان عالمًا بالمنطق- اهـ.
стр. 102
قال ابن الأحمر في فهرسته: شيخنا الفقيه المعمّر الخطيب الصالح الأصولي المنطقي المعدل، أجازني عامة، أخذ عن الإمام ابن البنا العددي وابن جابر القيسي وغيرهما- اهـ.
٧٨ - أحمد بن مسعود القسنطيني (١).
أبو العباس الشهير بابن الحاجة الإمام المقري المتبتل المتعبد النحوي المجيد، صاحب الأوقات وإمام الحضرة العليّة، أخذ عن ابن بدال (٢) والوادي آشي وأبي العباس الزواوي الحافظ وغيرهم، وأخذ عنه البرزلي وأبو الطيب ابن علوان وغيرهما.
٧٩ - أحمد بن محمد بن حيدرة التونسي (٣).
قاضي الجماعة بها الإمام الحافظ أحد الأوتاد بتونس. معاصر لابن عرفة، وقع بينهما نزل في مسائل، أخذ عن ابن عبد السلام وغيره. قال تلميذه أبو الطيب ابن علوان: سيدنا الإمام العلامة قاضي الجماعة الحافظ لمذهب مالك من التحريف والتبديل، فارس علم التجريح والتعديل، القائم على الأحكام المحررة أبو العباس بن حيدرة- اهـ.
قلت: وغالب ظني أنه الذي عرّفه في الديباج وسماه حيدرة بن محمد، وذكر أنه تولى قضاء الجماعة بتونس بعد ابن عبد السلام فتأمله. وممن أخذ عنه أي عن صاحب (٤) القاضي أبو مهدي الغبريني والحافظ البرزلي، وأكثر النقل عنه في نوازله، والقاضي أبو عبد اللَّه القلشاني والد الأعمر وأوحد القلشانيين وغيرهم.
٨٠ - أحمد بن محمد بن علوان الشهير بالمصري (٥).
أخذ عن الإمام أبي العباس أحمد بن إسماعيل الأنصاري، قال ولده أبو الطيب: كان والدي ممن أعرض عن هذه الدار الدنيّة وعمّر أوقاته بتحصيل
стр. 103
المعيّة، طالبًا للمقامات السنيّة، تخلّص من رقّ العبوديّة واتصف بصفات الحريّة، فصار بعد ذلك من الأحرار لخلوه عن حب الدرهم والدينار وأعظم كراماته استقامة حاله لمماته، رؤي بعد موته فسئل عن حاله فتلا: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ الآية. توفي سابع عشر شوال سنة سبع وثمانين وسبعمائة بثغر الاسكندرية عن قريب من ستين سنة- اهـ.
ومن تآليفه شرح الجلاب سماه (لباب اللباب) و (اقتطاف الأكف من الروض الأنف) و (اجتناء الزهر من كتاب الطرر) و (مختصر المدارك) لعياض وقفت عليه بخطه في سِفْرٍ، واختصار كتاب أنوار القلوب من العلم الموهوب، واختصار كتاب (التشوف إلى أهل التصوف) وغيرها من نحو أربعين تأليفًا ذكره ولده أبو الطيب.
٨١ - أحمد بن محمد بن أحمد بن الحاج الأشبيلي (١).
ولد سنة اثنين وسبعين وسبعمائة بغرناطة، وقدم دمشق وتولى إمامة محراب المالكية متصدرًا للفتوى، سمع منه البرزلي.
٨٢ - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن (٢).
شهر بالقصاري الأزدي التونسي، من علمائها، عاصر ابن عرفة كان، على ما قيل، إمامًا علامة محققًا عارفًا بالنحو وغيره متقدمًا له شرح حسن مختصر على البردة، وشرح شواهد المقرب نفيس جدًا في مجلد، وقيل إن له حاشية على الكشاف. أخذ عنه الإمام ابن مرزوق الحفيد وأبو العباس البسيلي وغيرهما، كان حيًا بعد التسعين وسبعمائة.
٨٣ - أحمد بن محمد بن عطاء اللَّه بن عوض الزبيري الاسكندري قاضي القضاة بمصر (٣).
شهر بابن التنسي، بفتح التاء الفوقية والنون بعدها ثم سين مهملة،
стр. 104
نسبة لجده لأمه ابن التنسي، وينتهي نسبه إلى الزبير بن العوام، ولد سنة أربعين وسبعمائة.
قال الحافظ ابن حجر: كان عارفًا بالأحكام كثير العناية بالتجارة، ولم يكن دخل في المنصب إلّا صيانة لماله، تولى قضاء الاسكندرية بسنة إحدى وثمانين وسبعمائة، وتناوب هو وابن الربيع مدة إلى أن استقر ابن التنسي في قضاء الديار المصرية رابع عشر ذي القعدة سنة أربعة وتسعين وسبعمائة، فتحول بعياله وأسبابه مباشرة بنزاهة وعفة وطهارة وسلامة الباطن وقلة الكلام، حتى كان يقال: لم يسمع منه ذمّ أحد بقول ولا فعل.
من بيت رئاسة ولي أبوه جمال الدين قضاء الاسكندرية، كانت أيامه كالعافية، والرعية في أمان على أنفسهم وأموالهم، ولم يعرف الناس قدره حتى فقد، ولم يدخل عليه في طول ولايته خلل، وبالجملة فهو من محاسن الوجود، مات ليلة الخميس أول يوم من رمضان سنة إحدى وثمانمائة- اهـ.
زاد السيوطي: وكان عاقلًا متوددًا موشعًا عليه في المال سليم الصدر ظاهر النبل قليل الكلام، لم يؤذ أحدًا بقول ولا فعل، عاشر بجميل فأحبوه اهـ.
قال الإمام ابن مرزوق الحفيد: كان شيخنا ناصر الدين يعني صاحب الترجمة إمامًا علّامة محققًا فاضلًا، ولي قضاء المالكية بالقاهرة والاسكندرية دخلت عليه يومًا منزله بالاسكندرية فوجدته ينفض كتبه من الغبار فأخذت سفرًا منها فإذا هو تفسير ابن المنِّير ووافق تفسير آية الكرسي وفيه قال شيخنا: إنما كانت هذه الآية أعظم آية لاشتمالها على سبعة عشر اسمًا من أسمائه تعالى ما بين ظاهر ومضمر، وكان يمتحن باستخراجها فأكثرهم يعد ستة عشر ولا يتمها إلا الحذاق، فذكرت ذلك لناصر الدين فعدها كلها بديهة فقلت: أنت من الحذّاق بشهادة هؤلاء ففرح، والسابع عشر الذي يخفى على الكثير فاعل المصدر من حفظهما- اهـ.
стр. 105
قال البدر الدماميني: حضرت يومًا درس شيخنا قاضي القضاة الناصر التنسي فقرر مباحث حسنة فأنشدته بديهة قولي فيه:
أبْدَيْت يا قاضي القُضَاةِ مباحثًا ... عنها تُقَصِّرُ سائرُ الأفهامِ
ونشرتَ منها في الدروس جواهرًا ... أمستْ تحيِّرُ فكرةَ النِّظام
وأجادَ فكرُكَ في بحارٍ علومِهِ ... غَوْصًا لأنكَ من بني العَّوَّامِ
روى بذلك لكونه من ذرية الزبير بن العوام، قال ابن حجر في أنباء الغمر: وناب عنه القاضي بدر الدين الدماميني، وشرع في شرح التسهيل، وله تعليق على شرح مختصر ابن الحاجب، وقال الحافظ السخاوي: شرح التسهيل إلى باب التصريف، وعمل تعليقًا على ابن الحاجب الفرعي، وشرح الأصل أيضًا والكافية. وممن أخذ عنه الإمام أبو مهدي الوانوغي، صاحب حاشية المدونة.
٨٤ - أحمد بن حسين بن علي بن الخطيب بن قنفذ القسنطيني (١).
أبو العباس الشهير بابن الخطيب وابن قنفذ الإمام العلامة المتفنن الرُّحْلَة القاضي الفاضل المحدث المبارك المصنف، أخذ عن جماعة كأبي علي حسن بن أبي القاسم بن باديس، والإمام الأوحد الشريف أبي القاسم السبتي، والإمام العلامة الشريف أبي عبد اللَّه التلمساني، والشيخ الحافظ أبي عمران موسى العبدوسي، والعلامة الحافظ القبّاب، والإمام المحدث الرُّحْلَة الخطيب ابن مرزوق الجد، والإمام النظّار أبي عبد اللَّه بن عرفة، والحافظ المفتي أبي محمد عبد اللَّه الوانغيلي الضرير، والشيخ أبي زيد اللجائي، والإمام النحوي ابن حياتي في جماعة آخرين من الأعلام، ولقي جماعة كثيرة من الأولياء وتبرك بهم كالسيد الزاهد أحمد بن عاشر وغيره.
ارتحل من بلاد افريقيا عام تسعة وخمسين إلى المغرب الأقصى وبقي هناك
стр. 106
ثمانية عشر عامًا، فحصل علومًا كثيرة واعتنى بلقاء الصالحين، وجال بلادها فلقي بها الشريف أبا القاسم السبتي وأخذ عنه، وقال في وفياته، بعد الثناء عليه: وبالجملة فهو ممن يحصل الفخر بلقائه- اهـ.
وألف تآليف عدة في فنون منها: شرح الرسالة في أسفار وشرح الخونجي في سفر صغير، وشرح أصلي ابن الحاجب، وشرح تلخيص ابن البنا، وشرح ألفية ابن مالك، وأنوار السعادة في أصول العبادة في شرح بني الإسلام على خمس، و (تيسير الطالب في تعديل الكواكب) وذكر أنه لم يهتد أحد من المتقدمين إلى مثله، وكتاب بغية الفارض من الحساب والفرائض، وتحفة الوارد في اختصاص الشرف من قبل الوالد، ووسيلة الإسلام بالنبي ﵇ وقال: إنه من أجل الموضوعات في السير، مع اختصاره، و (أنس الفقير وعز الحقير) في ترجمة الشيخ أبي مدين وأصحابه.
وروى عنه الإمام ابن مرزوق الحفيد وغيره، مولده في حدود الأربعين وسبعمائة، وتوفي عام عشرة وثمانمائة، ذكره الونشريسي في وفياته (١)، ونقل عنه المازري في نوازله، والقلشاني في شرح الرسالة، ومن شعره:
الفَقْرُ إنْ فَكَّرْتَ فيهِ رأيتَهُ ... قد دَارَ بينَ قواعد مُتتاليهْ
فاطلبْهُ في القرآنِ أو في سُنَّةٍ ... واعقِدْهُ بالإجماعِ واتْرُكْ قَالِيَهْ
وله أيضًا:
مضتْ ستونَ عامًا من وجودي ... وما أمسكتُ عن لعبٍ ولهوِ
وقد أصبحتُ يومَ حلولِ إحدى ... وثامنةٍ على كسلٍ وسهوِ
فكم لابنِ الخطيبِ من الخطايا ... وفضلُ اللَّه يشملُهُ بعفوٍ
٨٥ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد اللَّه الشريف الحسني السبتي ثم الغرناطي القاضي أبو جعفر وأبو العباس (٢)
الشيخ الفقيه العالم الأبرع ابن الإمام العلامة أبي القاسم الشريف،
стр. 107
شارح المقصورة. أخذ عن شيخ الشيوخ أبي سعيد فرج بن لب وغيره. وأخذ عنه الإمام أبو يحيى بن عاصم شارح التحفة، وله أخ عالم فقيه يسمى محمدًا ويكنى أبا المعالي، قال صاحب الكوكب الوقاد فيمن دفن بسبتة من العلماء والزهاد: لقيت هذين الشيخين وأجازاني، أولهما وأكبرهما ذكره الوزير ابن الخطيب في شعراء الكتيبة الكامنة، وذكر له قصيدة لزومية- اهـ (١).
ولم أقف على تاريخ وفاته، ووقع النقل عنه في المعيار.
٨٦ - أحمد بن موسى الصديق .
من متأخري المغاربة، أظنه أهل المائة التاسعة، واللَّه أعلم.
٨٧ - أحمد بن محمد الهنتاني أبو العباس (٢).
شهر بالشماع، أحد تلامذة ابن عرفة. أخذ عنه الشيخ أبو زيد عبد الرحمن الثعالبي، وولي قضاء محلة السلطان أبي فارس، ووقع بينه وبين الحافظ البرزلي نزاع كبير في مسألة العقوبة بالمال هل هي جائزة باق حكمها أو منسوخة؟ ألّف كل واحد على صاحبه ووقع بينهما في ذلك هجو، عفا اللَّه عن الجميع، ونقل عنه في المعيار، ولم أقف على وفاته.
٨٨ - أحمد بن العباس (٣).
شهر بالمريض من أصحاب بن عرفة، شرح رجز الضرير في العقائد، ولم أقف على ترجمة.
٨٩ - أحمد النقاوسي البجاني العلامة .
قال تلميذه أبو زيد عبد الرحمن الثعالبي: هو شيخنا الإمام المحقق الجامع بين علمي المنقول والمعقول، ذو الأخلاق المرضية والأحوال الصالحة السنية- اهـ.
стр. 108
لا أعرف من حاله أزيد من هذا.
قلت: تقدم لنا نقاوسي آخر وهو غير هذا، كما لا يخفى واللَّه أعلم.
٩٠ - أحمد بن عبد الرحمن النحريري (١).
كان من فقهاء المالكية كان له اشتغال قديم، تولى قضاء طرابلس بإعانة الشمس الركراكي، وعزله منطاش مدبر المملكة، فلما عزل منطاش سعى في قضاء الاسكندرية فوليه قليلًا ثم عاد وولي يوم الاثنين سابع عشر المحرم سنة أربع وتسعين وسبعمائة، وتوفي في رجب سنة ثلاث وثمانمائة، صح من رفع الاصر لابن حجر.
٩١ - أحمد بن عبد الخالق بن علي بن الحسن بن عبد العزيز بن محمد بن الفرات، وبه اشتهر (٢).
قال ابن حجر في أنباء الغمر: اشتغل بالعلم والفقه والعربية والأصول والأدب، ومهر في الفنون ونظم الشعر، وكانت بيننا مودة، وهو القائل:
إذا شئت أن تحيا حياة سعيدة .... وتستحسن الأقوام منك القبائحا
تزيّ بزيّ الترك واحفظ لسانهم ... وإلّا فجانبهم وكن متصولحًا
توفي سنة أربع وثمانمائة.
٩٢ - أحمد بن علي بن محمد بن عبد الرحمن الفاسي المالكي الحسني والد قاضي المالكية بمكة تقي الدين (٣).
قال [في] أنباء الغمر: ولد سنة أربع وخمسين وسبعمائة وعني بالعلم فحمد في عدة خصوصًا الأدباء، فقال الشعر الرائق وفاق في معرفة الوثائق ودرس وأفتى وحدث قليلًا، سمع عز الدين بن جماعة وأبا البقاء السبكي
стр. 109
وغيرهما، وتوفي في حادي عشر شوال سنة سبع عشرة وثمانمائة (١).
٩٣ - أحمد القصار الأندلسي الغرناطي أبو جعفر .
أخذ عن الإمام أبي إسحاق الشاطبي، قال ابن الأزرق: وكان أستاذًا محققًا، أخذ عنه شيخنا العلامة أبو إسحاق ابن فتوح وحدثني أن الإمام أبا إسحاق الشاطبي كان يطالعه ببعض المسائل حين تصنيفه الموافقات، ويباحثه فيها، وبعد ذلك يضعها في الكتاب على عادة الفضلاء ذوي الإنصاف- اهـ.
ولم أقف له على ترجمة.
٩٤ - أحمد بن محمد بن عبد اللَّه الشهاب المغراوي (٢).
قال السخاوي في الضوء اللامع: كان عالمًا بالفقه وأصوله والنحو. قال ابن قاضي شهبة: لم يُترك بمصر والشام في المالكية مثله، ووقع بينه وبين البساطي مشاجرة ومشاتمة بسبب مسألة علمية تجادلا فيها، وكان يعارض ابن خلدون في أحكامه ويفتي عليه ويناظره، وكان العز بن جماعة يعظمه كثيرًا. توفي سنة عشرين وثمانمائة وقد قارب السبعين- اهـ.
٩٥ - أحمد بن محمد بن أحمد الشيخ شهاب الدين والد عبد القادر الآتي وابن أخت القاضي تاج الدين بهرام، ويعرف بابن تقي، بفتح الفوقية وكسر ما بعدها (٣).
نسب للقب بعض أجداده، ولد بقرية من قرى مصر، حفظ القرآن العظيم والموطأ والعمدة وابن الحاجب الأصلي والفرعي وألفية النحو والتلخيص وغيرها، وقرأ عليه الشهاب القرافي (٤) وتفقه هو بخاله والشمس بن مكين
стр. 110
وعبد المجيد الطرابلسي المغربي، واشتهر بقوة الحافظة، وكان من نوادر القاهرة (١) يحفظ الورقة بتمامها من مختصر ابن الحاجب مرتين أو ثلاثة بدون درس على عادة الأذكياء، بل بلغني أنه حفظ سورة النساء في لوحتين (٢)، والعمدة في ستة أيام، والألفية في أسبوع، وأن السراج الأسواني أنشد قصيدة مطولة من إنشائه وكررها مرة أو مرتين فأحب صاحب الترجمة إخجاله فقال له إنها قديمة فأنكر السراج ذلك وبادر صاحب الترجمة وسردها، وكانت نادرة، واتفق أن بعض شيوخه سأله في عيد: هل تحفظ خطبة؟ رجاء استنابته، فقال له: لا لكن إن كان عندك نسخة خطبة فأرنيها حتى أمر عليها، فأخرج له خطبة في كراسة بأحاديثها ومواعظها، على جاري خطب العيد، فتأملها دون ساعة ثم خطب بها.
وتقدم في استحضار الفقه وأصوله والعربية والمعاني في جميعها، مع الفصاحة وجودة الخط والنظر (٣) الوسط، ولم يشغل نفسه بتصنيف، نعم شرع في تعليق على كل من الموطأ والبخاري، وصار من جمع المالكية خصوصًا بعد موت البساطي، بل عين في حياته للقضاء بمصر فلم يتفق له، لكن استخلفه بمرسوم السلطان حين جاور مكة، وحج هو مرتين، وأول ما ناب عن ابن خلدون سنة أربع وثمانمائة، واستمر ينوب عمن بعده، ولي تدريس الشيخونية والفاضلية والقمحية وغيرها، وممن أخذ عنه الفقه محمد بن عامر (٤)، وكان يكتب في فتاويه وغيرها، ويقول في نسبه: أحمد بن أخت بهرام. ووصفه ابن حجر بأنه من فضلاء العصر، ومن فوائده كما أخبر به ولده عبد القادر أنه سئل عن جواز الاستنجاء بالتوراة والإنجيل اللذين بيد الكفّار، فقال: التوراة