البحور، ويحلي من فرائده النحور، له تآليف وتصانيف فيها من العلوم صنوف؛ وهي من الآذان شنوف تقضي له بالظهور على غيره، وشفوف وقلائد، تتحلى بجمانها الخرائد، وتحسد حسنها نيرات الفراقد، ونثر بل نور، أو أنجم زهر.
كان أول طلبه رئيس الإنشاء بتونس فأحرز قصب السبق، ثم عطف إلى تعليم العلوم وعكف على تدريسها، فأفاد الأفراد، وأمتع جهابذة النقاد، وأسمع الأسماع ما اشتهى كل وأراد، إلا أنه مؤثر للرحلة قلّ ما ينضبط للطالب ولا يغتبط، إلا لذي فهم ثاقب وسهم في العلوم مسدد صائب، فمجلسه مجلس علم وإيناس، وتقريب لأناس وإبعاد لأناس، وكنت من الفريق الأول لا بالشك ولا بالتأويل، فأخذت عنه وأجازني -اهـ- ملخصًا.
قال ابن عرفة: دخلت مرة عليه داره فسألته عن شيء فقال لي: انظر في ذلك الكتاب وأشار لبعض كتبه قال: فجعلت أنظر كتبه فنهاني فقال: لا ينبغي للشيخ أن يطلع تلميذه على جميع أسراره -اهـ- بنقل السلاوي في إكمال الاكمال.
ومن تآليفه تقييد على معرب ابن عصفور نقل عنه فيه الجمال ابن هشام في شرح التسهيل، ويذكر عنه أنه دخل على سلطان وقته بتونس أظنه أبا عصيدة فوجده قد أكل فأنشده:
لقد فاتك الجدي يا بن الحباب ... بخبز سميذ كثير اللباب
ولم يبق منه سوى عظمة ... وذاك لعمري طعام الكلاب
فلما وصل في إنشاده إلى قوله: طعام بادره الفقيه ابن الحباب فقال: به طعامكم طعامكم.
قال بعض أصحابنا ففي كلامه تورية عجيبة ولكن لا ينبغي مثل هذا مع الملوك لقول أهل السياسة: إذا داعبت الملك فأجمل الأدب ووفه حق اللعب- اهـ. توفي عام أحد وأربعين وسبعمائة.
стр. 387
٥٢٧ - محمد بن عمر بن علي بن محمد بن إبراهيم، عرف بابن عمر المليكشي ثم التونسي الجزائري (١).
كذا بخطه نسبة إلى جزائر افريقيا لا إلى بلد جزيرة لأن النسب إليها جزيري، قال الحضرمي في مشيخته: كان صدرًا في الطلبة والكتّاب، فقيهًا كاتبًا أديبًا حاجًا راوية متصوفًا فاضلًا صاحب خطة الإنشاء بتونس، شهيرًا ذا تواضع وإيثار وقبول حسن، رحل وحج، روى عن جماعة بالحجاز ومصر والاسكندرية كالرضي الطبري، سمع عليه الكتب الخمسة والسِّراج محمد بن طراد قاضي المدينة وخطيبها وأبي محمد الدلاصي والنجم الطبري وغيرهم، وله شعر رائق ونثر فائق وكتابة بليغة وتآليف مستطرفة. توفي بتونس غرة المحرم فاتح أربعين وسبعمائة -اهـ- ملخصًا.
وقد ذكره خالد في رحلته فأثنى عليه فانظره.
٥٢٨ - محمد بن أحمد بن علي بن الزيات الكلاعي (٢).
أبو بكر ابن الخطيب أبي جعفر، قال ابن الخطيب في عائد الصلة: يشبه أباه في هديه وسمته ووقاره، حافظًا للرتبة مقيمًا للأبهة بقية أبناء المشايخ ظرفًا وأدبًا ومروءة، إلى رواية كثيرة، مشاركًا في فنون من فقه وقراءة وعربية وأدب وفريضة ومعرفة الوثائق والأحكام. تولى قضاء بلده بلش وإمامته وخطابته وأقرأ بها فانتفع به، قرأ على الأستاذ ابن أبي السداد الباهلي وشيخ الجماعة ابن الزبير، وأخذ عن خال أبيه العارف أبي جعفر بن الخطيب وأبي عبد اللَّه بن رشيد والخطيب الرباني أبي الحسن بن فضيلة- اهـ.
٥٢٩ - محمد بن يحيى الباهلي البجائي عرف بالمسفر (٣).
عالمها (٤) وفقيهها، ذكره ابن فرحون في الأصل وقال: إنه الإمام العلامة
стр. 388
المتفنن المصنف الأوحد نادرة العصر، توفي سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة- اهـ.
وقال أبو العباس بن الخطيب القسنطيني: هو الشيخ الإمام العالم المحقق المدرس المفتي الصالح الشهير قاضي الجماعة ببجاية، شهير الذكر رفيع القدر، رقيق القلب غزير الدمعة، لقي أبا الحسن الصغير المغربي صاحب التقاييد، وتحدث معه في الفقه ورد عليه ملحونه، فلما فارقه أبو الحسن قال لأصحابه: بِمَ يدرك هذا؟ فقالوا له: بمعرفة فصيح ثعلب، قالوا: فحفظه في ليلة واحدة، ومجلس المسفر ببجاية معروف باجتماع الفقهاء والفضلاء والصلحاء، أخذ عن ناصر الدين المشذالي، وله املاء عجيب على بعض فرعي ابن الحاجب، وقصيدة بديعة سماها "فوائد الجواهر في معجزات سيد الأوائل والأواخر" مطلعها:
تبدت فغابت واختفت فتجلتِ ... وشاهدتها حالَيْ حضوري وغيبتي
وشرحُ الأسماء الحسنى، وكلام عجيب في التصوف، وتقاييد في أنواع فنون العلم، وله شعر فائق وخط رائق، من فصحاء الفقهاء، وأجوبته في الفتيا تدل على مكانته العلية وسيادته السنية، يتولى قضاء حوائجه في السوق بيده، ولعلمه بل وأمانته وفصاحته يتوجه في رسائل السلطان. كثير التواضع والملاقاة، وهو على الجملة ممن يفتخر بلقائه. توفي سنة أربع وأربعين وسبعمائة -اهـ- ملخصًا.
أخذ عنه جماعة كمنصور الزواوي والخطيب ابن مرزوق والإمام المقري، باحثته واستفدت منه وسألني عن ضبط صحاح الجوهري، فقلت: منهم من يفتح ومنهم من يكسر فقال لي: إنما هو بالفتح بمعنى الصحيح، كما ذكره في باب الصحيح، وقال بعضهم: يحتمل كونه مصدر صح كجنان- اهـ.
٥٣٠ - محمد بن محمد بن سلامة (١).
الأنصاري التونسي الشيخ الفقيه العالم الصالح العابد، أخذ عنه العلامة
стр. 389
المقري والشيخ ابن عرفة وغيرهما، قال بعض أصحابنا: توفي سنة ست وأربعين وسبعمائة.
٥٣١ - محمد الرندي الفاسي أبو عبد اللَّه الفقيه الحافظ (١).
كان قائمًا على المذهب، إمامًا في العربية مقدمًا في النظر، انتفع به خلق، توجه مع أبي الحسن المريني لافريقية فمات سنة ست وأربعين وسبعمائة، له تأليف حسن في شرح الجلاب أبان فيه عن فضله وتصرفه. صح من خط بعض أصحابنا.
٥٣٢ - محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء اللَّه الجذامي المالكي الاسكندري أبو البركات (٢).
قال خالد البلوي في رحلته: الشيخ الفقيه العدل شرف الدين ابن الشيخ الإمام فخر الدين أبي بكر ابن الإمام العالم المصنف شهاب الدين أبي محمد، كان من العلماء النقاد، له حسب صميم وسلف في العلم قديم ومنهج على ألسنة قويم وبيت له بالعلم تعظيم وتفخيم فهو كريم النجار كبير الكبار خير الأخيار كامل الأدوات عالي الروايات عالم بالشرعيات واقف على الطبيعات سهل العبارة، نبيه التنبيه والإشارات ذاكر للحديث والفروع، سالك سنن المشروع، عارف بعقد الشروط، ناظم لتلك السموط عاقد مجيد، باحث مفيد، إمام مفت عالم عدل مبرر، من معشر أوصافهم كالمسك لذ لمن نشق، فحديثه آخرهم زكاء وحديث أولهم بسبق، أجازني عامة -اهـ- ملخصًا.
٥٣٣ - محمد بن محمد بن المنير الاسكندري (٣).
قال خالد البلوي: الشيخ العالم الأصيل جمال الدين ابن شرف الدين ابن المنير، ممن له البيت الذي بني على قواعد الأديان الصحيحة، وسما على
стр. 390
عمد الأعمال الصالحة والعلم الذي أنارت مفاخره ومآثره في أقطار الآفاق وآفاق الأقطار وطارت نزاهته وعدالته كل مطار وسمرت أمثال علمه كباسمات الأزهار واستدار فلك مجده على قطبي العلم والدين واستدار قمر هديه أشرق من صبح مبين فسعى في العلم راسخ القواعد مشار إليه من كل غائب وشاهد، مشاورًا في النوازل مستفتى في المشكلات تصطفيه الرتب العلية وتنافس الخطط الشرعية فطورًا مقدمًا في أندية الوزراء الأعيان وتارة صدرًا في قضاة العدل والإحسان، فاعترف بإرشاده الخاص والعام خلاله عن طريق المجد حاسده، ومن يساجل صوب العارض الهطل علم وحلم ورأي محصل وذري، سبحان جامع هذا الفضل في رجل، سمعت عليه أكثر تآليف عمه العالم الكبير قاضي القضاة ناصر الدين ابن المنير كأرجوزته الكبرى التي فسر بها القرآن العظيم وتراجم البخاري له، وجزئه في أحكام السماع وشروطه وغيرها -اهـ- ملخصًا.
٥٣٤ - محمد بن يحيى بن علي النجار (١).
التلمساني بادرة الاعطار، قال العلامة الابلي: ما قرأ عليّ أحد حتى قلت له: لم يبق عندي ما أقول لك غير ابن النجار، قال المقري: ذكرت يومًا ما حكاه ابن رشد في الخمر أنها إذا تخللت بنفسها طهرت، واعترضته بما في الإكمال عن ابن وضاح لا تطهر فقال لي: لا تغتر بقول ابن وضاح فإنه يلزم عليه تحريم الخل لأن العنب لا يصير خلًا حتى يكون خمرًا، وذكرت يومًا قول ابن الحاجب فيما يحرم من النساء بالقرابة وهي أصوله وفصوله وفصول أول أصوله وأول فصل من كل أصل وإن علا فقال: إن تركب لفظية النسبية العرفية من الطرفين حلت وإلا حرمت فتأملته فوجدته كما قال لأن أقسام هذا الضابط أربعة التركيب من الطرفين كابن العم وابنة العم مقابله كالأب والبنت
стр. 391
التركيب من قبل الرجل كابنة الأخ والعم مقابله كابن الأخ والخالة -اهـ- بنقل ابن الخطيب في تاريخ غرناطة، ونقله الونشريسي في فوائد المقري أيضًا. ولما أوقفت شيخنا الفهامة محمد بن محمود بغيع على هذه الفائدة أعني قوله إن تركب الخ تأملها وعجب بها كثيرًا، وصار ينقلها في دروسه ﵀ قال المقري: لم يكن ابن النجار بصيرًا بالفقه وإنما عنده ذكاء زائد- اهـ.
قلت: وانما ذكرته في هذا الذيل لهذه الفائدة.
٥٣٥ - محمد الآجمي (١).
أحد فقهاء تونس وقاضي الأنكحة بها، أخذ عنه الإمام المقري، وقال: إنه حافظ فقهائها في وقته- اهـ.
وأخذ عنه أيضًا الخطيب ابن مرزوق وابن عرفة ونقل عنه في مختصره قصة في أجرة الشهادة. توفي سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، أفادنيه بعض أصحابنا.
٥٣٦ - محمد بن عبد اللَّه بن عبد النور الندرومي أبو عبد اللَّه الفقيه (٢).
قاضي فاس وقاضي عسكر أبي الحسن المديني، قال ابن خلدون: كان مبرزًا في الفقه على مذهب مالك، تفقه بالأخوين ابني الإمام، ولما فتح أبو الحسن تلمسان ورفع منزلة ابني الإمام واختصهما بالشورى وكان يستكثر من العلماء ويعمر بهم مجلسه طلب منهما أن يختارا له من أصحابهما من ينطقه في فقهاء مجلسه، فأشارا عليه بابن عبد النور هذا فأدناه وولاه قضاء عسكرة، توفي بتونس في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة- اهـ.
стр. 392
٥٣٧ - محمد بن محمد بن غالب .
أحد أصحاب أبي الحسن الصغير، نقل عنه في المعيار، ولم أقف على ترجمته (١).
٥٣٨ - محمد بن عبد السلام الهواري التونسي، قاضي الجماعة بها وعلّامتها وإمامها شيخ الإسلام الإمام المحقق المشهور (٢).
ذكره في الأصل وأثنى عليه، وقال خالد البلوي في رحلته: البحر المتلاطم الأمواج والنهل الذي يعذبه بقاع الوهاد والتلاع العجاج، نزلت بساحته متفرقات العلوم نزول الماء الثجاج، قاضي القضاة وإمام الفقهاء والنحاة، العالم العلامة قطب الشورى وعماد قدوة علماء الإسلام، نشأ في عفة وصيانة وتبوأ ذروة طهارة وديانة، وصعد من هضبة التقى على أعلا مكانة، لم تعرف له قط صبوة ولا حلت له إلى غير الطاعة حبوة، فالمسهب بها أوصافه سكيت وقاصد وهيهات يضرب في حديد بارد ومن رام بيده لمس الشمس وتعاطى برجله لحاق البرق.
وصرف همته العلية وفكرته الوقادة الزكية لانتحال فنون العلم وفتح مختومها فملك أعنتها وقاد أزمتها وأوضح أشكالها وحل أقفالها فهو وحيد الأوان وعلامة الزمان والمشار إليه بالبنان والبيان ما قرن به فاضل من العلماء إلا رحمه ولا ألقى إليه بسهم من العلوم إلا كشفه وأوضحه، عدلًا في أحكامه جزلًا من إقباله في فعله وكلامه، له صادقات عزائم لا تأخذه معها في اللَّه لومة لائم إلى نزاهة عن الدنيا وهمة نيطت بالثريا، وله فيها ترقرق ماء البشر فأحيا وحيا، سمعت في درسه أنيق الفوائد وأخذت عنه شرحه لابن الحاجب، مولده سنة ست وسبعين وستمائة، سمعت عليه جميع الموطأ، وقرأه هو على أبي العباس
стр. 393
الطبراني والمعمر أبي محمد بن هارون -اهـ- ملخصًا. توفي عام تسعة وأربعين.
٥٣٩ - محمد بن هارون الكناني (١).
التونسي الإمام العلامة الحافظ أحد مجتهدي المذهب، وصفه ابن عرفة ببلوغه درجة الاجتهاد المذهبي، له تآليف كشرح مختصري ابن الحاجب الأصلي والفرعي واختصار المتيطة في قدر ثلثها، أسقط وثائقها وتكرارها وشرح المدونة، وقعت على أسفار من الجميع، ووقع بينه وبين ابن عبد السلام نزاع في مسائل، تولى القضاء بغير تونس، أخذ عنه الأئمة كالمقري والخطيب ابن مرزوق وابن عرفة وخالد البلوي وذكره في رحلته وبالغ في ثنائه فقال: الشيخ الفقيه الإمام أبو عبد اللَّه بن هارون إمام في الفقه وأصوله وعلم الكلام وفصوله، متوصل بالجد والجد لحصوله، علم من أعلام العارف ومعلم لأعلام الحلل الدينية والمطارف، نفع بما وعى في العلم وتنفع فاستفاد من علماء تونس بما استفاد من علماء الشرق وظفر في رحلته بمرزي العلماء، فآب بعد قضاء فرصة وقد كمل فضله واشتمل على الكمال عقله ونقله فانبسط في العلم بنباهته والقبض عن العالم بنزاهته، ولزم مطالعة دواوينه وحدق إليها عيون فهمه ودينه فانتفع به بشر كثير وأودع له في القبول حظ كبير، ولولا زهده وقناعته لتولى قضاء الجماعة.
فقال العباد بحقه وصدقوا إليه الخبر النبوي فلم يتماروا في صدقه فهو السابق في المضمار لا يترشح أحد لسبقه فازدحم عليه الناس واقتبسوا من أنواره التي لا تنقص بكثرة الاقتباس فأقرت له السادات بالتسديد وأحيا اللَّه به سنة الاجتهاد حين وقف غيره مع التقليد فبرز في تدريسه بما برز وأحرز من السبق ما أحرز من جلالة قدر وسعة صدر وحسن خلق واعتدال خلق وسهولة عبادة وصناعة صوغ كلام البداوة والحضارة، وقمع الباحث الملد ومزج الهزل
стр. 394
بالجد إلى تآليف أحكم أصولها وأتقن فصولها مع توفية الأغراض باختصار وإيجاز ومآخذ تكاد ينسب للإعجاز، فإليها يطمح الأمل وبها الاعتماد وعليها العمل، هذا مع حسن إلقاء وملاحة إشارة وإيماء ونبل تنبيه ولطف توجيه وإصابة تنظير وإجادة تنقير، وقل ما ترى العين أو تسمع الأذن بأصل في الأصول وأفرع للفروع وأبرع في نقد الفروع، واعترف بتأليف ابن الحاجب وفتح مقفلاته وحل مشكلاته، قرأت عليه نصف مختصري ابن الحاجب الأصلي والفرعي قراءة بحث وسمعت عليه كثيرًا من التهذيب وغيره من كتب الفقه والأصول والعربية ومن تآليفه كشرح المعالم الفقهية ومختصر التهذيب وشرح في مجلدات عديدة، وشرح الحاصل وغيرها. مولده سنة ثمان وستمائة -اهـ- ملخصًا.
قلت: وتوفي في الوباء العام سنة خمسين وسبعمائة، ذكره ابن الخطيب القسنطيني، والعجب من ابن فرحون حيث لم يذكره في الديباج أصلًا، مع كثرة نقله عنه في تبصرته وشرحه.
٥٤٠ - محمد بن سليمان السطي (١).
الفقيه حافظ المغرب العلّامة الفرضي الجليل، قال ابن خلدون: وسطة بطن من أوربة بنواحي فاس أخذ العلم عن إمام المالكية بالمغرب الطائر الذكر أبي الحسن الصغير وتفقه عليه، وكان أحفظ الناس للمذهب وأفقههم فيه، وأخذ الفرائض عن الشيخ أبي الحسن الطنجي، ختم عليه الحوفية ثمان ختمات، وكانت له في فهمه وإقرائه وحل عقده اليد الطولى، واختاره السلطان أبو الحسن المريني مع جماعة من العلماء لصحبته وكان أبو الحسن لدينه وسرارته وبعد شأوه في الفضل يتشوق لتنويه مجلسه بهم فقدم السطي معه تونس وشهدنا وفور فضائله.
стр. 395
وكان في الفقه نبيهًا لا يجارى حفظًا وفهمًا، وكان أخي محمد (١) يقرأ عليه تبصرة اللخمي ويصححها عليه من املائه وحفظه في مجالس عديدة، وهذا أكثر حاله في أكثر ما يعاني جملة من الكتب، وحضر مع السلطان أبي الحسن واقعة القيروان وخلص معه إلى تونس وأقام معه بها نحو من سنتين ثم غرق في سواحل بجاية مع من غرق من الفضلاء وغيرهم- اهـ.
وقال بعض أصحابنا: كان السطي إمامًا جليلًا حافظًا مقدمًا في الفقه، من أكبر تلامذة أبي الحسن الصغير في الفقه مع المشاركة في الأصلين والعربية مع دين تام، حظي الجاه عند أبي الحسن المريني يؤم به ويخطب ويقرأ مكبًّا على المطالعة والنظر يسرد الصوم لا يتكلم حتى يسأل، أخذ عنه ابن عرفة والعقباني وابن خلدون، توفي غريقًا سنة تسع وأربعين.
قلت: بل في شوال سنة خمسين كما ذكره ابن الخطيب في رقم الحلل، وممن أخذ عنه من الأئمة المقري والعبدوسي الكبير والخطيب ابن مرزوق والقباب وغير واحد، قال بعضهم: كان خزانة المذهب مع مشاركة تامة في علوم وديانة شهيرة وصلاخ متين، كان مدرس حضرة أبي الحسن ومفتيه وخطيبه، مقبلًا على ما يعنيه لا تراه إلا مكبًا على النظر والقراءة والتقييد، حتى في مجلس السلطان- اهـ.
وناهيك من جلالته أنه لما وصل تونس طلب منه ابن عرفة قراءة الحوفية فقال: بلغني أنك قرأته على ابن عبد السلام فقال له نعم ولكن وقف عليه منه مواضع قال ابن عرفة: فقال لي: ليس لي وقت إلا ساعة خروجي من عند السلطان قال: فكنت أنتظره قرب الزوال حتى يخرج من عند السلطان فإذا خرج قرأت عليه حتى إذا وصلنا إلى تلك المواضع التي توقف فيها ابن عبد السلام من المناسخات والإقرارات فقررها لي أقرب ما كان وأحسنه، نقله الرصاع.
стр. 396
ومن تآليفه تعليق صغير على المدونة وشرح جليل على الحوفية وتعليق على ابن شاس فيما خالف فيه المذهب، ذكره تلميذه ابن عرفة عنه قال الأبي: كان السطي ممن يقتدى به وذكر شيخنا ابن عرفة أنه رآه إذا عطس السلطان لا يشمته بشيء لا برحمة ولا دعاء قال ابن عرفة: فكنت أقول سرًا: يرحمك اللَّه لأخرج من عهدة الرد في مثل هذا المحل ومن الضر للسطي، واللَّه أعلم بما يتقي من ذلك- اهـ.
فائدة:
كان السطي يقول في قول ابن الحاجب: والثمن والسدس والثلث من أربعة وعشرين لا يصح هذا، إذ لا يجتمع الثلث والثمن في فريضة، وسبقه لهذا الوهم صاحب المقدمات، قال العلامة المقري: وسألت عنه ابن النجار فقال لي: إنما أراد المقام لأنه يجتمع مع الثلثين والانصاف أنه لا يحسن التعبير بما لا تصح إرادة نفيه عن غيره، فالوجه أن يقول الثلثان أو مقام الثلث إنما يدخل هنا تقدير إلا تحقيقًا كما في الجواهر، وفي باب مدبر الحوفية موافقه لعدد لا يوافقه فهو من باب الفرض وعليه ينبغي حمل كلام ابن الحاجب- اهـ.
٥٤١ - محمد بن الصباغ الخزرجي المكناسي (١).
قال ابن خلدون: وكان مبرزًا في المنقول والمعقول عارفًا بالحديث ورجاله إمامًا في معرفة كتاب الموطأ واقرائه، أخذ العلوم عن مشيخة مكناسة ولقي شيخنا أبا عبد اللَّه الابلي ولازمه وأخذ عنه العلوم العقلية فاستفاد بقية طلبه عليه فبرز آخرًا، واختاره السلطان فاستدعاه ولم يزل معه حتى هلك غريقًا في ذلك الأسطول- اهـ.
يعني أسطول أبي الحسن آخر سنة خمسين وسبعمائة، قال الشيخ ابن غازي في الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون: كان ابن الصباغ المذكور
стр. 397
فقيهًا شهيرًا عالمًا علامة، جاز قصب السبق في المعقول والمنقول قد ذكره ابن مرزوق الجد في كتابه في مناقب أبي الحسن، وابن الخطيب السلماني في بعض فهارسه وابن خلدون.
وكان من كبار العلماء الذين استصحبهم السلطان أبو الحسن في حركة افريقية، واجتمع هناك بالإمامين ابن عبد السلام وابن هارون والإمامين أبي زيد وأبي موسى ابني الإمام أخذ معهم في العلم وأعطى، وحدثني شيخنا أبو الحسن بن منون الحسني أنه بلغه أنه أملى في مجلس درسه بمكناسة على حديث أبي عمير "ما فعل النغير" أربعمائة فائدة زاد ابن غازي في بعض كتبه أن ذلك كان آخر ما أقرأ بها أو من آخر ما أقرأ بها فلم يلبث أن استدعاه السلطان أبو الحسن لصحبته في وجهة افريقية فلم يجد مندوحة، فكان أحد من غرق من العلماء ببحر تونس حينئذ، رحم اللَّه تعالى الجميع- اهـ.
وقال الإمام القوري: لم نزل نسمع من شيخنا محمد بن جابر حكاية ظريفة وقعت لابن عبد السلام التونسي مع الفقيه ابن الصباغ، وذلك أن ابن الصباغ اعترض عليه في أربع عشرة مسألة لم ينفصل عن واحدة منها بل أقر فيها بالخطأ، إذ ليس ينبغي اتصاف بالكمال إلا لربي الكبير المتعال- اهـ.
وفي الروض الهتون حدثني بعض الأعيان أنه بلغه أن الفقيه ابن الصباغ سمع بمقصورة تلمسان ينشد كالمعاتب لنفسه:
يا قلبي كيف وقعت في أشراكلهم ... ولقد عهدتك تحذر الأشراكا
أَرِضًا بذُلٍّ في هوى وصبابة ... هذا لعمر اللَّه قد أشقاكا
وممن مات معه في ذلك الأسطول الفقيه الحافظ السطي والأستاذ الزواوي وغير واحد، وله نظم في علاقات المجاز- اهـ.
٥٤٢ - محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري التلمساني عرف بالابلي (١)
الإمام العلامة المجتمع على إمامته، أعلم خلق اللَّه بفنون المعقول، قال
стр. 398
تلميذه الإمام المقري: هو الإمام نسيج وحده ورحلة وقته في القيام على الفنون العقلية وإدراكه وصحة نظره، قال ابن خلدون: أصله من الأندلس من أهلة ابلة من بلاد الجوف انتقل منها أبوه وعمه فخدما يغمراسن صاحب تلمسان وتزوج أبوه بنت القاضي محمد بن غليون فولدت له شيخنا هذا، ونشأ في كفالة جده القاضي بتلمسان فانتحل العلم فسبق لذهنه محبة التعاليم فبرع فيها وعكف الناس عليه في تعلمها.
فلما أخذ يوسف بن يعقوب تلمسان استخدمه فكره ذلك وسار إلى الحج، قال فلما ركبت البحر من تونس لاسكندرية اشتد على الغلمة في البحر واستحييت من كثرة الغسل، فأشير عليّ بشرب الكافور فشربت منه غرفة فاختلطت فقدمت الديار المصرية وبها ابن دقيق العيد وابن الرافعة والصفي الهندي والتبريزي وغيرهم من فرسان المعقول، فلم يكن قصارى إلّا تمييز أشخاصهم فحججت ورجعت لتلمسان، وقد أفقت من اختلاطي فقرأت المنطق والأصلين على أبي موسى ابن الإمام.
ثم أراد أبو حمو صاحب تلمسان إكراهه على العمل ففر لفاس واختفى هناك عند خلوف اليهودي شيخ التعاليم فأخذ فنونها وحذق، ثم دخل مراكش في حدود عشر وسبعمائة ونزل على شيخ المعقول والمنقول المبرز في التصوف علمًاَ وحالًا الإمام ابن البنا فلازمه وتضلع عليه في المعقول والتعاليم والحكمة، ثم صعد إلى الجبل عند علي بن محمد شيخ الهساكرة فقرأ عليه واجتمع عليه طلبة العلم فكثر إفادته واستفادته ثم رجع لفاس فانثال عليه طلبة العلم من كل ناحية فانتشر علمه واشتهر ذكره.
ولما لقي السلطان أبو الحسن عند فتح تلمسان أبا موسى ابن الإمام أثنى عليه ووصفه بتقدمه في العلوم، وكان يعتني بجمع العلماء لمجلسه فاستدعاه من فاس فنظمه في طبقة العلماء، فعكف على التدريس والتعليم ولازمه وحضر
стр. 399
معه وقعة طريف والقيروان، قال ابن خلدون: لازمته وأخذت عنه فنونًا ثم طلبه أبو عنان بتلمسان فنظمه في طبقة علماء أشياخه، وكان يقرأ عليه حتى مات بفاس سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وأخبرني أن مولده سنة إحدى وثمانين وستمائة- اهـ.
قال تلميذه المقري: أخذ بتلمسان عن أبي الحسن التنسي وابن الإمام ورحل في آخر السابعة للشرق فدخل مصر والشام والحجاز والعراق ثم رجع لتلمسان ثم للغرب فأخذ عن ابن البنا وساءل كثيرًا من علمائه قال لي: قلت لأبي الحسن الصغير ما قولك في المهدي؟ فقال: عالم سلطان ولقيته بعد فتح تلمسان وأخذت عنه- اهـ.
قال المقري: ولما قدم شيخنا ابن المسفر الباهلي فاسًا رسولًا عن صاحب بجاية زاره الطلبة فحدثهم أنهم كانوا في زمن ناصر الدين يستشكلون ما وقع في تفسير الفخر في سورة الفاتحة ويستشكله الشيخ معهم، وهذا نصه ثبت في بعض العلوم العقلية أن المركب مثل البسيط في الجنس، والبسيط مثل المركب في الفصل وأن الجنس أقوى من الفصل، فلما رجعوا إلى الشيخ الابلي أخبروه بذلك فاستشكله ثم تأمله فقال فهمته وهو كلام مصحف وأصله أن المركب قبل البسيط في الحس، والبسيط قبل الركب في العقل وأن الحس أقوى من العقل فرجعوا إلى ابن المسفر فأخبروه فلج فقال لهم الشيخ اطلبوا النسخ فوجدوا في بعضها كما قال الشيخ -اهـ- بنقل ابن الخطيب في الإحاطة.
قال المقري: وحدثني الابلي أن عبد اللَّه بن إبراهيم الزموري أخبره أنه سمع من ابن تيمية ينشد لنفسه محصلًا في أصول الدين حاصله من بعد تحصيله علم بلا دين أصل الضلالة والإفك المبين فما فيه فأكثره وحي الشياطين قال وبيده قضيب فقال: واللَّه لو رأيته لضربته بهذا القضيب كذا ثم رفعه ووضعه- اهـ.
قال المقري: وسمعته يقول: ما في الأمة المحمدية أشعر من ابن الفارض قال وقال طالب له يومًا مفهوم اللقب صحيح، فقال له الشيخ قل
стр. 400
زيد موجود فقال زيد موجود فقال له الشيح: أما أنا فلا أقول شيئًا فعرف الطالب ما وقع فيه فخجل. قال: وقال لي: كنت عند القاسم بن محمد الصنهاجي إذ وردت عليه رقعة من القاضي أبي الحجاج الطرطوشي فيها خيرات ما تحتويه مبذولة، ومطلبي فيها تصحيف مقلوبها فقال لي مطلبه فقلت نارنج- اهـ.
أي فإن مقلوبه تاريخ وتصحيفه نارنج، قال أيضًا: وسمعته يقول: إنما أفسد العلم كثرة التآليف وأذهبه بنيان المدارس وكان ينتصف من المؤلفين والبانين وأنه لكما، قال بيد أن بها شرحه طولًا وذلك أن التأليف نسخ الرحلة التي هي أصل جمع العلم فكان الرجل ينفق فيها مالًا كثيرًا وقد لا يحصل له من العلم إلا نزر يسير، لأن غايته على قدر مشقته في طلبه، ثم يشتري أكبر ديوان بأبخس ثمن فلا يقنع منه أكثر من موقع عوضه فلم يزل الأمر كذلك حتى نسى الأول بالآخر وأفضى الأمر إلى ما يستخرج منه الساخر، وأما البناء فلأنه يجذب الطلبة لما فيه من مرتب الجرايات فيقبل بهم على ما يعنيه أهل الرئاسة للإجراء والإقراء منهم أو من يرضى لنفسه دخوله في حكمهم، ويصرفهم عن أهل العلم حقيقة الذين لا يدعون إلى ذلك وإن دعوا لم يجيبوا وإن أجابوا لم يوفوا لهم بما يطلبون من غيرهم- اهـ.
قلت: ولعمري لقد صدق في ذلك وبرّ فلقد أدى ذلك لذهاب العلم بهذه المدن الغريبة التي هي من بلاد العلم من قديم الزمان كفاس وغيرها حتى صار يتعاطى الإقراء على كراسيها من لا يعرف الرسالة أصلًا، فضلًا عن غيرها بل من لم يفتح كتابًا للقراءة قط فصار ذلك ضحكة، وسبب ذلك أنها صارت بالتوارث والرئاسات، أعاذنا اللَّه حتى خلت هذه الساعة عمن يعتمد عليه في علمه مصداق قوله ما ورد في ذلك.
قال المقري: ولقد استباح الناس النقل من المختصرات الغريبة أربابها ونسبوا ظواهر ما فيها لأمهاتها، وقد نبه عبد الحق في التعقيب على منع ذلك لو كان من يسمع، وذيلت كتابه بمثل عدد مسائله أجمع ثم تركوا الرواية فكثر
стр. 401
التصحيف وانقطعت سلسلة الاتصال فصارت الفتاوى تنقل من كتب لا يدرى ما زيد فيها مما نقص منها، لعدم تصحيحها وقلة الكشف.
كان أهل المائة السادسة وصدر السابعة لا يسوغون الفتيا من تبصرة اللخمي، لأنها لم تصحح على مؤلفها ولم تؤخذ عنه، وأكثر ما يعتمد اليوم هذا النمط ثم انضاف إلى ذلك عدم اعتبار الناقلين فصار يؤخذ من كتب المسخوطين كالأخذ من المرضيين بل لا تكاد تجد من يفرق بين الفريقين، ولم يكن هذا فيمن قبلنا حتى تركوا كتب البراذعي على نبلها ولم يستعمل منها على كره من كثير منهم غير التهذيب وهو المدونة اليوم لشهرة مسائله وموافقته في أكثر ما خالف فيه المدونة لأبي محمد، ثم كلّ أهل هذه المائة عن حال من قبلهم من حفظ المختصرات وشق الشروح والأصول الكبار فاقتصروا على حفظ ما قل لفظه ونزر حظه وأفنوا عمرهم في حل لغوزه وفهم رموزه، ولم يصلوا لرد ما فيه إلى أصوله بالتصحيح فضلًا عن معرفة الضعيف والصحيح، بل حل مقفل وفهم أمر مجمل، ومطالعة تقييدات زعموا أنها تستنهض النفوس، فبينما نستكثر العدول عن كتب الأئمة إلى كتب الشيوخ أتيحت لنا نقييدات للجهلة بل مسودات المنسوخ فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، فهذه جملة تهديك إلى أصل العلم وتريك ما غفل الناس عنه- اهـ.
قال المقري: وسمعت العلامة الابلي أيضًا يقول: لولا انقطاع الوحي لنزل فينا أكثر مما نزل في بني إسرائيل، لأنا أتينا أكثر مما أتوا، يشير إلى افتراق هذه الأمة على أكثر مما افترقت عليه بنو إسرائيل، واشتهار بأسهم بينهم إلى يوم القيامة حتى ضعفوا بذلك عن عدوهم وتعدد ملوكهم لاتساع أقطارهم، واختلاف أنسابهم وعوائدهم حتى غلبوا بذلك على الخلافة فنزعت من أيديهم وساروا فى الملك يسير من قبلهم مع غلبة الهوى واندراس معالم التقوى، لكنا آخر الأمم، أطلعنا اللَّه من غيرنا على أقل مما ستر منا، وهو المرجو أن يتم نعمته علينا ولا يرفع جميل ستره عنا.
فمن أشد ذلك اتلافًا لغرضنا تحريف الكلم عن مواضعه الصحيحة إذ
стр. 402
ذاك لم يكن بتبديل اللفظ إذ لا يمكن ذلك في مشهورات كتب العلماء المستعملة فكيف في الكتب الإلهية، وإنما ذلك بالتأويل كما قال ابن عباس وغيره، وأنت تنظر ما اشتملت عليه كتب التفسير من الخلاف وما حملت الآي والأخبار عليه من ضعاف التأويلات، قيل لمالك لم اختلف الناس في تفسير القرآن فقال قالوا بآرائهم فاختلفوا، أين هذا من قول الصديق: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتابه، ، برأيي"؟ كيف وبعض ذلك قد انحرف عن سبيل العدل إلى بعض الميل، وأقرب ما يحمل عليه معظم خلافهم كون بعضهم علم فقصد إلى تحقيق نزول الآية بسبب أو حكم أو غيرهما، وبعضهم لم يعلموا ذلك تعيينًا فلما طال بحثهم وظنوا عجزهم صوروا المسألة بما يسكّن النفوس إلى فهمها في الجملة ليخرجوا عن حد الابهام المطلق فذكروا ما ذكروا تمثيلًا لا قطعًا بالتعيين، بل منه ما لا يعلم أنه أريد لا عمومًا ولا خصوصًا، لكنه يجوز أن يكون المراد أو قريبًا منه، وما يعلم أنه مراد بحسب الشركة والخصوصية، ثم اختلط الأمران، والحق أن تفسير القرآن من أصعب الأمور، فالإقدام عليه جرأة وقد قال الحسن لابن سيرين: تعبر الرؤيا كأنك من آل يعقوب فقال له: تفسر القرآن كأنك شهدت التنزيل، وقد صح أنه، ﵇، لم يفسر من القرآن إلا آيات معدودة، وكذا أصحابه والتابعون بعدهم، وتكلم أهل النقل في صحة ما نسب لابن عباس من التفسير، إلى غير ذلك، ولا رخصة في تعيين الأسباب والناسخ والمنسوخ لا بتوقيف صحيح أو برهان صريح، وإنما الرخصة في تفهم ما تعرفه العرب بطبائعها من لغة وإعراب وبلاغة وبيان إعجاز ونحوها- اهـ.
قلت: وأخذ عن صاحب الترجمة من لا يعد كثرة من الأئمة كابن الصباغ المكناسي والشريف التلمساني والشرف الرهوني وابن مرزوق الجد وأبي عثمان العقباني وابن عرفة والولي ابن عباد وابن خلدون في خلق أجلاء.
٥٤٣ - محمد بن حيدرة أبو عبد اللَّه التونسي (١).
قال ابن خلدون في رحلته: إمام المعارف وفرع الأصل العزيز المعترف
стр. 403
له في البلاغة والبراعة بالسبق والتبريز، برع في الأدب والتصوف ونبغ في المعقول والمنقول، مع نفس عصامية وفكرة إياسية، انقبض في منزله بعد وفاة أصحابه على عبادة ربه، إلا عن محتاجى إفادته فتراكم الخلق عليه، فمجلسه بتونس مجتمع أصناف أهل العلم أولى التقى والفهم، فهو اليوم كعبة العلوم حببه اللَّه للأنفس، مع صدق مصاحبة وحسن مداعبة وكثرة خشية ومراقبة إلى قريحة وفطنة وقادة نقادة وخوض في العلوم الشرعية والطبيعية والمشارب الذوقية والعطايا الحاتمية، والزهد في الدنيا الدنية وإجابة الدعوة والخلق من الزهد والنخوة، لازمته لما رأيت من نجاح دعوائه، قلت له: يا سيدي علم اللَّه أني أحبك فقال لي: أبشر فإني رأيت رسول اللَّه ﷺ في النوم فقال لي: يا محمد رزقك اللَّه التقوى وحببك إلى خلقه وجعل من يحبك من عباده المؤمنين، قال: فمن علمت أنه يحبني علمت أنه من المؤمنين. مولده في ثاني عشرين ربيع الثاني عام اثنين وثمانين وستمائة -اهـ- ملخصًا.
٥٤٤ - محمد بن أحمد بن شاطر المراكشي (١).
قال المقري: صحب أبا زيد الهزميري كثيرًا وابن البنا وغيرهما ورزق بصحبة الصالحين حلاوة القبول فلا تكاد تجد من يستثقله، وربما سئل عن نفسه فيقول: ولي مفسود، قلت له يومًا: كيف أنت؟ فقال محبوس في الروح وقال: الليل والنهار حرسيان أحدهما أسود والآخر أبيض قد أخذ بمجامع القلوب إلى يوم القيامة، وأن مردها إلى اللَّه، وسئل عن العلة في نضارة الحداثة، فقال: لقرب العهد باللَّه قيل له: ففيم تغير الشيوخ؟ قال من بعد العهد من اللَّه وطول صحبة الشياطبن فيل: ففيم نتن أفواههم؟ قال من كثرة ما تفل الشياطن فيها- اهـ. بنقل ابن الخطيب في الإحاطة، وكان حيًا سنة سبع وخمسين وسبعمائة.
٥٤٥ - محمد بن أحمد بن أبي عفيف المكناسي أبو عبد اللَّه (٢).
قال ابن الخطيب في نفاضة الجراب: كان ففيهًا عدلًا خيرًا متصدرًا
стр. 404
لقراءة الشفاء النبوي، ولديه جملة حسنة من أصول الفقه، أشف بها على كثير من نظرائه، قرأها على الإمام أبي عبد اللَّه بن الصباغ وشاركه في قراءتها على الإمام أبي عبد اللَّه الابلي -اهـ- من الروض الهتون.
٥٤٦ - محمد بن محمد البدوي (١).
الأندلسي الخطيب ببلش أبو عبد اللَّه، قال في الإحاطة: كان حسن التلاوة ذا قدم في الفقه ومعرفة بالأصلين، شاعرًا مجيدًا فصيحًا، بليغ الخطبة حسن الوعظ سريع الدمعة، حج ولقي جلة وأقرأ ببلده بلش وانتفع به ولقي شدائد أصلها الحسد، قرأ على أبي جعفر بن الزيات وبلبلن الكماد وأخذ الأصلين والعربية على الأستاذ أبي عمر بن منظور ولازمه وانتفع به، والفقه على القاضي أبي عبد اللَّه بن عبد السلام بتونس، ومن شعره في النسيب:
خالٌ على خدِّكَ أمْ عنبرُ ... ولؤلؤ ثَغركَ أم جَوهرْ
أوريتَ نارَ الحبِّ في الحَشَا ... فصارتْ النَّاس بِهِ تستعرْ
لَوْ جُدْتَ لي منك برشف اللَّما ... لقلتُ: خمرٌ، عسلٌ، سكرْ
دَعْنيَ في الحُبِّ أذبْ حسرةً ... سفك دَم العاشِقِ لا ينكرْ
توفي عام خمسين وسبعمائة.
٥٤٧ - محمد بن محمد بن محارب الصريحي المالقي (٢).
يعرف بابن أبي الجيش، قال ابن الخطيب في عائد الصلة: كان من صدور المقرئين وأعلام المتصدرين تفننًا واطلاعًا وإدراكًا ونظرًا، إمامًا في الفرائض والحساب، قائمًا على العربية، مشاركًا في الفقه والأصول وكثير من المعقول، قعد للإقراء بمالقة وخطب.
قرأ على الأستاذ القاضي ابن بكر ثم ساء ما بينهما في مسألة وقعت وهي
стр. 405
تجويز الخلف في وعد اللَّه شنع فيها على شيخه المذكور ونسبه إلى أن قال: وعده تعالى ليس بلازم بل يجوز فيه الخلف إذ الأشياء في حقه تعالى متساوية، وكتب فيها أسئلة لعلماء المغرب فقاطعه وهاجره، ولما ولي شيخه القضاء وجه إليه اثر ولايته فلم يشك في الشر، فلما دخل عليه رحب به وأظهر له القبول والعفو عنه واستأنف مودته، فعد ذلك في مآثر القاضي، وأخذ بسبتة على أبي إسحاق الغافقي وغيره، ثم رجع لمالقة فدرس بها حتى توفي في الطاعون آخر ربيع الأخير عام خمسين وسبعمائة بعد أن تصدق بمال كثير وحبس كتبه على الطلبة، شرح التسهيل لابن مالك بشرح في غاية النبل والاستيفاء لم يكمل- اهـ.
٥٤٨ - محمد بن عبد الرزاق الجزولي (١).
قال ابن خلدون: شيخنا شيح وقته جلالة وتربية وعلمًا وخبرة بأهل بلده وعظمة فيهم، نشأ بفاس وأخذ عن مشيختها، ورحل لتونس فلقي القاضيين ابن عبد الرفيع وأبا عبد اللَّه النفزاوي وطبقتهما، أخذ عنهم وتفقه عليهم، ورجع للمغرب ولازم الأكابر والمشائخ إلى أن ولاه السلطان أبو الحسن قضاء فاس فبقي عليه إلى أن عزله بالفقيه المقري، ثم لما جمع شيوخ العلم للتحقيق بمجلسه والإفادة منهم استدعاه معهم فلم يزل كذلك إلى أن هلك قبل مهلك أبي عنان بيسير- اهـ.
قال صاحبنا المؤرخ محمد بن يعقوب الأديب الراكشي: كان فقيهًا قاضيًا معمرًا راوية من الفضلاء، روى عنه ابن مرزوق الخطيب، وتوفي سنة ثمان وخمسين وسبعمائة بفاس.
٥٤٩ - محمد بن علي بن أبي رمانة (٢).
أبو عبد اللَّه المكناسي قاضيها، قال الخطيب ابن مرزوق: قال ابن
стр. 406
الخطيب في نفاضة الجراب: كان شيخنا فقيهًا خيرًا فاضلًا، من أهل الحياء والحشمة وذوي السذاجة والعفة -اهـ- من الروض الهتون لابن غازي.
٥٥٠ - محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن القرشي التلمساني شهر بالمقري (١).
بفتح الميم وتشديد القاف المفتوحة، كذا ضبطه الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في كتابه العلوم الفاخرة، وكذا الونشريسي وزاد أنها قرية من قرى بلاد التراب من افريقية سكنها سلفه ثم تحولوا لتلمسان، وبها ولد ونشأ وأقرأ وقرأ، وضبطه ابن الأحمر في فهرسته والشيخ زروق، بفتح الميم وسكون القاف، الإمام العلامة النظار المحقق القدوة الحجة الجليل أحد مجتهدي المذهب وأكابر فحولة المتأخرين الأثبات قاضي الجماعة بفاس، ذكره ابن فرحون في الأصل وأثنى عليه، ونزيد هنا ما تيسر، قال ابن الخطيب في الإحاطة: كان مشارًا إليه اجتهادًا ودؤبًا وحفظًا وعناية واطلاعًا ونقلًا ونزاهة، يقوم أتم قيام على الفقه والتفسير والعربية، ويحفظ الأخبار والحديث والتاريخ ويشارك مشاركة فاضلة في الأصلين والجدل والمنطق، ويكتب ويشعر، مصيبًا غرض الاجادة ويتكلم في طريق الصوفية ويعتني بالتدوين فيها، شرق وحجّ ولقي أجلاء كأبي حيان والشمس الأصبهاني وابن عدلان وبمكة الرضي إمام المقام، وبدمشق ابن قيم الجوزية، وصنف في الفقه التصوف- اهـ.
قال الخطيب ابن مرزوق الجد: كان صاحبنا المقري معلوم القدر مشهور الذكر ممن وصل إلى الاجتهاد المذهبي ودرجة التخيير والتزييف بين الأقوال، وتبعه بعد موته من حسن الثناء وصالح الدعاء ما يرجى له النفع به يوم اللقاء وعوارفه معروفة عند الفقهاء، مشهورة بين الدهماء- اهـ.
وقال ابن خلدون في تاريخه الكبير: أخذ المقري العلم بتلمسان عن أبي
стр. 407
عبد اللَّه السلوي ثم لازم بعده شيخنا الابلي وابني الإمام واستبحر في العلوم وتفنن، ولما نقض السلطان أبو عنان بيعة أبيه ندبه لكتابة البيعة فكتبها وقرأها على الناس في يوم مشهود، وارتحل معه لفاس فعزل قاضيها الشيخ المعمر ابن عبد الرزاق وولاه، فلم يزل قاضيها بها حتى سخطه لبعض النزغة الملوكية فعزله وولى الفقيه أبا عبد اللَّه الفشتالي آخر ست وخمسين.
ثم بعثه سفير الأندلس فامتنع من الرجوع فأنكر السلطان على صاحب الأندلس ابن الأحمر تمسكه به وبعث إليه يستقدمه منه فلاذ منه ابن الأحمر بالشفاعة فيه واقتفى كتب أمان له لخط السلطان أبي عنان فأوفده مع الجماعة من شيوخ العلم بغرناطة، ومنهم القاضيان بغرناطة شيخنا شيخ الدنيا جلالة وعلمًا ووقارًا ورياسة أبو القاسم الشريف السبتي وشيخنا شيخ المحدثين والفقهاء والأدباء والصوفية والخطباء سيد أهل العلم بإطلاق أبو البركات ابن الحاج البلقيقي فوفدوا به على السلطان شافعين على عظيم نشوبه للقائهما فقبلت الشفاعة وأنجحت الوسيلة وحضرت يوم قدومهما مجلس السلطان سنة سبع وخمسين وكان يومًا مشهودًا فاستقر القاضي المقري في مكانه بباب السلطان عطلًا من الولاية والجراية وامتحنه السلطان بعد ذلك بسبب خصومة وقعت بينه وبين أقاربه امتنع من حضوره معهم عند القاضي الفشتالي فتقدم السلطان لبعض أكابر الورعة ببابه بأن يسحبه لمجلس القاضي حتى أنفذ فيه حكمه، فكان الناس يعدونها محنة، ثم ولاه السلطان بعد ذلك قضاء العساكر في دولته عند ارتحاله إلى قسنطينة، فلما فتحها وعاد إلى ملكه بفاس آخر ثمان وخمسين اعتل القاضي المقري في طريقه ومات عند قدومه لفاس- اهـ.
قال الونشريسي: لما تولى قضاء فاس قام بأعبائه علمًا وعملًا، وحمدت سيرته ولم تأخذه في اللَّه لومة لائم، ولما توفي نقل إلى بلدة تلمسان- اهـ.
وأما شيوخه فذكر هو ما ملخصه من أخذت عنه بتلمسان علماها الشامخان وعالماها الراسخان ابنا الإمام وحافظها ومفتيها عمران المشذالي ومشكاة الأنوار الأستاذ إبراهيم بن حكيم البلوي وعالم الصلحاء وصالح العلماء
стр. 408
أبو محمد المجاصي والقاضي الشريف الرحلة أبو علي حسين السبتي وقاضي الجماعة الكاتب أبو عبد اللَّه بن هدية ومحمد بن حسن الزهري التونسي، وإمام الحديث والعربية عبد المهيمن الحضرمي والفقيه المحقق السطي والقاضي أبو إسحاق بن أبي يحيى والشقيقان أبو عبد اللَّه محمد وأبو العباس أحمد ابنا ولي اللَّه محمد بن محمد بن مرزوق العجيسي في جماعة آخرين.
قلت: أبو العباس بن مرزوق هذا والد الخطيب ابن مرزوق الجد وأبو عبد اللَّه المذكور عمه فاعلمه.
ثم قال: ونسيج وحده أبو عبد اللَّه الابلي وابن المسفر وقاضي بجاية محمد ابن الشيخ أبي يوسف يعقوب الزواوي، فقيه ابن فقيه وإمام المعقولات أبو علي حسن ابن حسن، والخطيب أحمد بن عمران اليانيوسي وبتونس ابن عبد السلام والآجمي وابن هارون وابن الحباب وابن سلامة وأبو الحسن المنتصر، وبمصر فذكر من تقدم كالشيخ الصالح عبد اللَّه المنوفي والتاج التبريزي وخليل المكي وابن تامتيت والقاضي شمس الدين ابن سالم والفقيه ابن عثمان، وغيرهم -اهـ- ملخصًا.
وقد أطال في الإحاطة في ترجمته، فلنذكر هنا بعض فوائده، فمنها قال: تكلم العلامة أبو زيد ابن الإمام في الجلوس على الحرير فقال له الأستاذ ابن حكم: مقتضى حديث أنس المنع لقوله: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فقال أبو زيد: لا نسلم أن مراده الجلوس لاحتمال كون ذلك الحصير يغطي وذكر حديثًا فيه تغطية الحصير، وكان الرجل واعية.
قلت: وللأستاذ أن يقول الغالب خلاف ذلك فيجب العمل عليه حتى ينص على غيره بالدليل، على أنه روى نصًا في صحيح البخاري وغيره الجلوس عليه.
ومنها: شهدت الوقفة سنة أربع وأربعين وسبعمائة وكانت جمعة فذكر الخطيب بالمسجد الحرام للناس أن جمعة وقفتهم هذه خاتمة مائة جمعة وقف بها من الجمعة التي وقف بها النبي ﷺ في حجة الوداع، فشاع في الناس وكان
стр. 409
علم ذلك مما تواتر عندهم، واللَّه أعلم. وهم يزعمون أن الجمعة تدور على خمس سنين وهذا مناف لذلك، لكن كثير منهم نكر اطراد هذا، ويقول: إنها قد تنقل إلى أكثر من ذلك.
ومنها: قال: كنت عند الابلي بتلمسان إذ دخل عليه أبو عبد اللَّه المالقي المتطبب فكان فيما تكلم به أن قال: استجرى أديبًا كريمًا بهذا الشطر ثم جيب فلم ينصف قال لنا ما أراد؟ فجعلنا ندبر الحيلة فيه والشيخ ينظر في الهواء فسبقنا بفضل ذهنه فقال تقولون أو نقول فسألناه التربص علينا، ثم كنت أول من عثر عليه فقلت قضيته ملف شحمي.
ومنها: قال لي أبو القاسم بن محمد اليماني أحد مدرسي دمشق، ونحن يومئذ بها: قال شيخ صالح برباط الخليل ﵇، نزل بي مغربي فمرض مرضًا طويلًا فدعوت اللَّه أن يفرج عني وعنه بموت أو صحة، فرأيت النبي ﷺ فقال لي: أطعمه الكسكسون قال يقوله هكذا بالنون، فصنعته له فكأنما جعلت له فيه الشفاء فكان أبو القاسم يقول بالنون، يخالف الناس في حذفه من هذا الاسم ويقول: لا أعدل عن لفظه ﵇ قال المقري: قلت وجه هذا من الطب أن هذا الطعام معتاد المغاربة ويشتهونه على كثرة استعمالهم له، فربما فيه شهوة أورده إلى عادة، واللَّه ورسوله أعلم.
ومنها: قال: حدثني القاضي الظريف أبو عبد اللَّه بن عبد الرزاق الجزولي عن الشيخ النخبة ابن قطرال أنه سمعه يقول: سمع يهودي بحديث نعم الادام الخل فأنكر ذلك حتى كاد يصرح بالقدح، فبلغ بعض العلماء فأشار على الملك بقطع الخل وأسبابه عن اليهود سنة، فقال: فما تمت سنة حتى ظهر فيهم الجذام.
ومنها: قال: قال صاحبنا عبد اللَّه بن عبد الحق: قال لي عبد اللَّه بن قطرال كنت بالمدينة إذ أقبل رافض بفحمة في يده فكتب بها في جدار هناك:
من كان يعلم أن اللَّه خالقه ... فلا يحب أبا بكر ولا عمرا
стр. 410
فانصرف فألقى عليّ من الفطنة وحسن البديهة ما لم أعهد مثله من نفسي قبل، فجعلت مكان يحب يسب، ورجعت لموضعي فجاء الرافض فوجده كما اصلحته فالتفت يمينًا وشمالًا كأنه يطلب من صنعه ولم يتهمني فأعياه ذلك وانصرف.
ومنها: قال: سمعت الابلي يقول: سمعت أبا عبد اللَّه بن رشيد يقول: إن خطيبنا بتلمسان كان يقول في خطبته: من يطع اللَّه ورسوله فقد رشد، بالكسر، وكان الطلبة ينكرون عليه فلا يرجع، فلما قفلت من رحلتي تلك دخلت على الأستاذ ابن أبي الربيع بسبتة فهناني بالقدوم وقال لي فيما قال رشدت بابن رشيد ورشدت لغتان صحيحتان حكاهما يعقوب في الاصلاح، قال المقري: وهذه كرامة للرجلين أو الثلاثة.
ومنها: قال: من عجائب تفسير الرؤيا أن أبا عبد اللَّه القرقوني كان في سجن السلطان يوسف بن عبد الحق مع غيره من التلمسانيين أيام حصره فرأى أبا جمعة علي الجرائحي منهم كأنه قائم على سانية دائرة وجميع أقداحها وأقواسها تصب في نقير في وسطها، فجاء يشرب فاغترف الماء كذا فيه فرث ودم فأرسله واغترف فإذا هو كذلك ثلاثًا أو أكثر، ثم عدل إلى خصة ماء فجاءها وشرب منها ثم استيقظ وهو في النهار فأخبره فقال: إن صدقت الرؤيا فنحن على قليل خارجون من هذا السجن قال كيف؟ قال: الساقية الزمان والنقير السلطان وأنت الجرائحي تدخل يدك في جوفه فينالها الفرث والدم، وهذا لا نجاح معه فلم يكن إلا ضحوة الغد فإذا النداء عليه فخرج فوجد السلطان مطعونًا بخنجر فأدخل يده في جوفه فناله الفرث والدم فخاط جراحته وخرج فرأى خصة ماء فغسل يده وشرب، فلم يلبث السلطان أن توفي وسرح المسجونون.
ومنها: قال: شهدت الشمس ابن قيم مقيم الحنابلة بدمشق، وهو أكبر أصحاب ابن تيمية وقد سئل عن حديث "من مات له ثلاث من الولد كانوا له حجابًا من النار" كيف إن أتى بعدها بكبيرة؟ فقال: موت الولد حجاب
стр. 411
والكبيرة خرق لذلك الحجاب، وإنما يحجب الحجاب إذا لم يخرق فإذا خرق لم يكن حجابًا بدليل حديث "الصوم جنة ما لم يخرقها".
ومنها: قال: سألني السلطان عمن لزمته يمين على نفي العلم فحلف جهلًا على البت هل يعيد أم لا فأجبته بإعادتها، وقد أفتاه من حضر من الفقهاء بأن لا تعاد لأنه أق بأكثر مما أمر به على وجه يتضمنه فقلت له: اليمين على وجه الشك غموس، قال ابن يونس: الغموس الخلق على تعمد الكذب، أو على غير يقين، ولا شك أن الغموس محرمة منهي عنها، والنهي يدل على الفساد، ومعناه في العقود عدم ترتب أثره فلا أثر لهذه اليمن فوجب أن تعاد، وقد يكون من هذا اختلافهم فيمن أذنها السكوت فتكلمت هل يجتزئ بذلك؟ والإجزاء هنا أقرب لأنه الأصل والصمات رخصة لغلبة الحياء.
فإن قلت: البت أصل وإنما يعتبر نفي العلم إذا تعذر.
قلت: ليس رخصة كالصمات.
ومنها: قال: سألني بعض الفقراء عن سوء بخت المسلمين في ملوكهم إذ لم يل أمرهم من سلك بهم الجادة وحملهم على الواضحة، بل يغتر في صلاح دنياه غافلًا عن عقباه فلا يرقب في مؤمن إلّا ولا ذمة ولا يراعي عهدًا ولا حرمة، فأجبته بأن ذلك، لأن الملك ليس في شريعتنا بل كان شرع من قبلنا قال تعالى: ممتنًا على بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ ولم يقله في هذه الأمة بل جعل لهم خلافة، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ وقال سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ فجعلهم ملوكًا، ولم يجعل لنا إلا الخلفاء فأبو بكر خليفة رسول اللَّه ﷺ كما فهمه الناس عنه فهمًا وأجمعوا على تسميته بذلك، ثم استخلف عمر فخرج بها عن سنن الملك الذي يرثه الولد عن والده إلى سنن الخلافة الذي هو النظر والاختيار، ونص في ذلك على عهده، ثم اتفق أهل الشورى على عثمان فأخرجها عمر عن بنيه إلى الشورى دليلًا على أنها ليست ملكًا، ثم تعين على بعد إذ لم يبق مثله فبايعه من آثر الحق على الهوى والآخرة على الدنيا، ثم الحسن كذلك ثم كان معاوية
стр. 412
أول من حولها ملكًا والخشونة لينًا ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فجعلها ميراثًا، فلما أخرجت عن موضعها لم يستقم ملك فيها، ألا ترى أن عمر بن عبد العزيز كان خليفة لا ملكًا لأن سليمان رغب عن بني أبيه إيثارًا لحق المسلمين ولئلا يتقلدها حيًا وميتًا، وكان يعلم اجتماع الناس عليه فلم يسلك طريقة الاستقالة بالناس قط إلا خليفة، وأما الملوك فعلى ما ذكرت إلا من قلّ، غالب أحواله غير مرضية- اهـ.
ومنها: ما ذكره عنه أنه يحضر مجلس السلطان أبي عنان لبث العلم، وكان مزوار الشرفاء بفاس إذا دخل مجلس السلطان قام له السلطان وجميع من في مجلسه إجلالًا له إلا الشيخ المقري فلا يقوم معهم فأحسن المزوار من ذلك وشكاه للسلطان فقال السلطان: هذا رجل وارد علينا نتركه على حاله حتى ينصرف فدخل المزوار يومًا فقام له السلطان وغيره على العادة، فنظر المزوار إلى المقري فقال له: أيها الفقيه مالك لا تقوم كما يفعل، نصره اللَّه، وأهل مجلسه إكرامًا لجدي وشرفي، ومن أنت حتى لا تقوم لي، فنظر إليه المقري فقال له: أما شرفي فمحقق بالعلم الذي أنا أبثه ولا يرتاب فيه أحد، وأما شرفك فمظنون، ومن لنا بصحته منذ أزيد من سبعمائة عام، ولو قطعنا بشرفك لأقمنا هذا من هنا وأشار للسلطان أبي عنان وأجلسناك مجلسه، فسكت المزوار- اهـ.
قال العلامة أبو عبد اللَّه بن الأزق: وعلى اعتذاره ذلك يكون الشرف الآن مظنونًا، فمن معنى ذلك أيضًا ما يحكى عنه أنه كان يقرأ بين يدي السلطان وأبي عنان صحيح مسلم بحضرة أكابر فقهاء فاس وخاصتهم، فلما وصل إلى أحاديث الأئمة من قريش قال الناس: إن أفصح بذلك استوغر قلب السلطان وإن ورى وقع في محظور فجعلوا يتوقعون ذلك، فلما وصل إلى الأحاديث قال بحضرة السلطان والجمهور: إن الأئمة من قريش ثلاثًا، ويقول بعد كل كلمة وغيرهم متغلب، ثم نظع وقال: لا عليك فإن القرشي اليوم مظنون أنت أهل للخلافة إذ توفت فيك بعض الشروط والحمد للَّه، فلما انصرف لمنزله بعث له السلطان ألف دينار- اهـ.
стр. 413
قال القاضي ابن الأزرق: يلزم من اعتذاره أن قيام السلطان لذي الشرف المحقق بالعلم أولى في المحافظة على حرمات اللَّه، وقد روي أن بعض الأمراء تكبر عن ذلك واستخف بمنزلة من عظم به غيره، فسلب ملكه وملك بنيه بعده- اهـ.
قلت: وفوائده ولطائفه وتحفه وظرفه لا تحمى فلنكتف بما ذكرنا، وله تآليف ككتاب القواعد، اشتمل على ألف قاعدة ومائتي قاعدة، قال الونشريسي: وهو كتاب غزير العلم كثير الفوائد لم يسبق بمثله بيد أنه يفتقر إلى عالم فتاح، وكتاب الحقائق والرقائق في التصوف لطيف الإشارة بديع المنزع موجود بأيدي الناس، شرحه الشيخ زروق، وكتاب التحف والطرف غاية في الحسن والظرف، قاله الونشريسي، واختصار المحصل لم يتم، وشرح الخونجي لم يتم، وكتاب عمل من طب لمن حب مشتمل على فنون فيه أحاديث حكمية كالشهاب وعلى كليات فقهية على أبواب الفقه في غاية الإفادة وعلى قواعد وأصول وعمل اصطلاحات وألفاظ. قال الونشريسي: رأيته عند الفقيه عبد اللَّه بن عبد الخالق فتلطفت في استنساخه فلم يسمح به، وكتاب المحاضرات مشتمل على حكايات وإشارات وفوائد، وقال الونشريسي: ولقد استوفى شيخ شيوخنا المحقق النظار أبو عبد اللَّه بن مرزوق ترجمته في كتاب سماه النور البدري في التعريف بالفقيه المقري- اهـ.
وممن أخذ عنه من العلماء الإمام الشاطبي وابن الخطيب السلماني وابن خلدون والكاتب ابن زمرك وأبو محمد بن جزي والأستاذ القيجاطي والحافظ ابن علاق في خلق.
٥٥١ - محمد بن إبراهيم الصفار المراكشي (١).
الأستاذ إمام القراءة في وقته، أخذ عنه كثير من شيوخ الغرب، كبيرهم شيخ المحدثين أبو عبد اللَّه ابن رشيد. صح من ابن خلدون، وقال غيره:
стр. 414
ألف تأليفًا في القراءات أحضره أبو عنان أخيرًا عنده، فكان يعارضه القرآن، وهو الذي غسله لما مات، وتوفي بعده سنة إحدى وستين.
٥٥٢ - محمد بن علي بن العابد الأنصاري (١).
الفاسي الأصل ثم الأندلسي أبو عبد اللَّه، قال في الإحاطة: كان إمامًا في الكتابة والأدب واللغة والإعراب والتاريخ والفرائض والحساب والبرهان، عليه أربي على الموثقين من فحول المبرزين في نظم الشعر وحفظه، حافظًا مبرزًا درس الحديث وحفظ أحكام عبد الحق الاشبيلي ونسخ كبار الدواوين وضبط كتب اللغة وقيد على كتب الحديث، واختصر تفسير الزمخشري وأزال اعتزاله، لم يفتر قط من قراءة أو درس أو نسخ أو مطالعة ليله ونهاره، لم يكن في وقته مثله، أخذ بفاس عن أبي العباس بن أبي القاسم وابن البقال الأصولي وأبي عبد اللَّه بن البيوت المقري وأبي الحسن الموالي الزاهد وغيرهم. توفي بغرناطة عام اثنين وستين وسبعمائة في ذي القعدة.
٥٥٣ - محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم البلفيقي (٢).
السلمي أبو البركات، شهر بابن الحاج الري من ذرية العباس بن مرداس الصحابي، ذكره في الديباج ونقل ترجمته من الإحاطة. قال الحضرمي في مشيخته: شيخنا الفقيه الجليل الأستاذ القاضي العدل النزيه الخطيب البليغ المتفنن العالم الصالح الفاضل عماد الدين قاضي القضاة علم الرواية وفخر الولاة الإمام الخاشع الشهير الأصيل المعظم- اهـ.
قال ابن خلدون: شيخنا شيخ المحدثين والفقهاء والأدباء والصوفية والخطباء بالأندلس وسيد أهل العلم بإطلاق، والمتفنن في أساليب وآداب صحبة الملوك فمن دونهم- اهـ.
стр. 415
وقال أبو زكريا السراج في فهرسته: شيخنا الفقيه القاضي الخطيب البليغ الأستاذ المقري العالم الحدث المسند الراوية المكثر المحقق المتخلق سليل العلماء ونتيجة البررة الأولياء ابن الشيخ الفقيه الجليل السنن السني الصالح الزاهد الخاشع الحسيب أبي بكر بن الشيخ الأستاذ المحدث الرحال الناقد الراوية الشهير المتبرك به أبي إسحاق، كان شيخًا محدثًا حافظًا متفننًا متمسكًا بطريق القوم، مؤثرًا لها حسن التلاوة طيب النغمة بالقراءة مع خشوع وبكاء، حسن المجالة مليح المداعبة، صدرًا في عدول القضاة وأئمة الرواية، من ذوي الأحساب الطاهرة الأصلية والبيوت الرفيعة الجليلة.
رحل في طلب العلم قديمًا وحديثًا وحصل من المعقول والمنقول بغية أربه، طلع بالأندلس شمسًا منيرة ونزع باجتهاده في المعارف والروايات إلى مناحيه الشهيرة، أخذ عن عمه الفقيه الحدث أبي القاسم محمد والخطيب أبي الحسن بن أبي العيش وأبي جعفر اللورقي وابن الزبير والقاضي ابن فركون ابن رشيد وأبي الحسن القيجاطي والقاضي ابن بكر وابن أبي العاصي وأبي محمد بن سلمون وابن الكماد وابن الفخار الأركشي وأبي الحسن عبيد اللَّه بن منظور وأبي عبد اللَّه الهاشمي والقاضي ابن البنا الهمداني المالقي وأبي إسحاق الغافقي وابن حريث، والفقيه المحدث الرحلة المحقق أبي القاسم التجيبي والعلامة أبي القاسم بن الشاط وابن هانيء والفقيه الصالح أبي بكر المتفنن أبي العباس أحمد بن محمد بن عثمان بن البنا العددي والخطيب أبو غربون والناصر المشذالي في خلق كثيرين، وله سماع كثير، ولم ألق في هذه الطريقة أكبر منه ولا أعلم منه بهذا الشأن- اهـ.
قال الحضرمي: كان على جلالته وتبحره في فنون المعارف شاعرًا مفلقًا وأديبًا بارعًا وخطيبًا مفوهًا مصنفًا، له ديوان كبير سماه "العذب والأجاج من شعر أبي البركات ابن الحاج" أتى فيه بالعجب العجاب، أنشدني لنفسه كثيرًا، ومما أنشدني في التحذير من بذل الوجه للناس لغيره:
إذا أظمأتك أكف اللئام ... كفتك القناعة شبعًا وريا
стр. 416
فكن رجلًا رجله في الثرا ... وهامة همته في الثريا
أبيًا لنائل ذي ثروة ... تراه بما في يديه أبيا
وسمعته ينشد وقد سئل عن سنه، وكان مذهبه أن لا يخبر به ولا بتاريخ حياته:
احفظ لسانك لا تبح بثلاثة ... سن ومال إن سئلت ومذهب
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة ... بحاسد ومكفر ومكذب
ومن المأثور عن مالك "ليس من المروءة اخبار الرجل بسنه" فقيل له: لم؟ قال: لأنه إن كان صغيرًا استحقر أو كبيرًا استهرم. وتوفي شيخنا أبو البركات وقت الزوال يوم الجمعة أو آخر رمضان عام أحد وسبعين وسبعمائة عن نحو تسعين سخة تخمينًا، وكانت جنازته حافلة وتبعه ثناء حسن -اهـ- ملخصًا.
٥٥٤ - محمد بن أحمد بن علي بن يحيى بن علي بن محمد بن القاسم بن محمود بن ميمون بن علي بن عبد اللَّه بن عمر بن إدريس بن عبد اللَّه بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (١).
هكذا وجدته بخط ولده، عفا اللَّه عنه، الشريف أبي عبد اللَّه التلمساني، قال ابن خلدون: يعرف بالعلوني نسبة لقرية من أعمال تلمسان تسمى العلونين، ونسبة بيته لا يدافع فيه، وربما غمص فيه بعض الفجرة ممن لا يزعه دينه ولا معرفته بالأنساب، فيعد من اللغو- اهـ.
ويعرف أيضًا بالشريف التلمساني، علّامة تلمسان بل إمام المغرب قاطبة الإمام ابن مرزوق الحفيد شيخ شيوخنا، أعلم أهل عصره بإجماع- اهـ.
وقال السراج في فهرسته: شيخنا الفقيه الإمام العالم العلامة الشهير
стр. 417
الكبير الصدر القدوة الشريف نسبًا العظيم قدرًا ومنصبًا أبو عبد اللَّه ابن الشيخ الفقيه الجليل الوجيه العاقل العدل المبرز أبي العباس.
كان أحد رجال الكمال علمًا وذاتًا وخُلقًا وخَلقًا، عالمًا بعلوم جمة من المنقول والمعقول، بلغ رتبة الاجتهاد أو كاد، بل هو أحد العلماء الراسخين وآخر الأئمة المجتهدين.
نشأ بتلمسان وقرأ القرآن على الشيخ أبي زيد بن يعقوب، وأخذ عن الإمامين ابني الإمام والقاضي أبي عبد اللَّه بن هدية الرشي والولي الصالح عبد اللَّه المجاصي والقاضي التميمي وأبي عبد اللَّه محمد بن محمد البروني وعمران المشذالي والقاضي ابن عبد النور والقاضي أبي العباس بن الحسن والقاضي علي بن الرماح وابن النجار، ولازم الإمام الابلي كثيرًا وانتفع به، وأخذ أيضًا عن ابن عبد السلام التونسي والعالم السطي بمدينية فاس وغيره. حضرت عليه الأحكام الصغرى لعبد الحق والتهذيب وبعض الموطأ والصحيحن لما قدم رسولًا لفاس عام سبعة وستين وسبعمائة- اهـ.
قلت: وممن صرح ببلوغه درجة الاجتهاد عصريه الإمام الخطيب ابن مرزوق الجد في رسالته التي ردّ فيها على أبي القاسم الغبريني وأثنى عليه كثيرًا، قال ابن خلدون: أخذ العلم بتلمسان عن مشيختها واختص بأولاد الإمام وتفقه عليهما في الأصول والكلام، ثم لزم شيخنا الابلي وتضلع من معارفه واستبحر، وتفجرت ينابيع العلوم من مداركه، ثم رحل لتونس سنة أربعين فلقي شيخنا ابن عبد السلام وأفاد منه واستعظم رتبته في العلم، وكان ابن عبد السلام يصغي إليه ويؤثر محله ويعرف حقه حتى زعموا أن عبد السلام يخلو به في بيته فيقرأ عليه أي على الشريف فصل التصوف من إشارات ابن سينا لأن الشريف قد أحكم الكتاب على الابلي وقرأ عليه ابن عبد السلام أيضًا فصل التصوف من شفاء ابن سينا ومن تلاخيص أرسطو لابن رشد، ومن الحساب والهندسة والهيئة والفرائض، علاوة على ما كان الشريف يحمله من الفقه والعربية وسائر علوم الشريعة، وله اليد الطولى في الخلافيات وقدم
стр. 418
عالية، فعرف له ابن عبد السلام ذلك كله وأوجب حقه، فرجع لتلمسان وانتصب للتدريس وبث العلم فملأ المغرب معارف وتلامذ إلى أن اضطرب المغرب بعد واقعة القيروان، ثم ملك أبو عنان تلمسان بعد مهلك أبيه سنة ثلاث وخمسين فاختار الشريف لمجلسه العلمي مع من اختار من المشيخة ورحل به لفاس فتبرم الشريف من الغربة واشتكى، فغضب السلطان لذلك ثم بلغه أن عثمان بن عبد الرحمن سلطان تلمسان أوصاه على ولده وأودع مالًا له عند بعض الأعيان من التلمسانيين وأن الشريف عالم بذلك، فسخط على الشريف واعتقله ثم سرحه عام أول ست وخمسين وأقصاه.
ثم أعتبه بعد فتح قسنطينة فرده لمجلسه ثم هلك أبو عنان وملك أبو حمو بن عبد الرحمن تلمسان فاستدعى الشريف من فاس فسرحه الوزير القائم بالأمر عمر بن عبد اللَّه فرجع لتلمسان فتلقاه أبو حمو براحتيه وأصهر له في بنته فزوجها له وبنى له مدرسته، فقام يدرس حتى هلك سنة إحدى وسبعين، وأخبرني أن مولده عام عشرة- اهـ.
قال الونشريسي: هذا هو الصحيح في ولادته، وأما وفاته فرابع ذي الحجة من عام إحدى وسبعين، وكان شيخًا حبرًا إمامًا محققًا نظارًا، شرح جمل الخونجي وألف كتاب المفتاح في أصول الفقه- اهـ.
وممن أخذ عنه ولده أبو محمد والإمام الشاطبي وابن زمرك وإبراهيم الثغري أبو عبد اللَّه القيسي وابن خلدون وابن عباد وابن السكاك والفقيه ابن محمد ابن علي الميروفي والولي إبراهيم المصمودي وغيرهم، وذكر أبو زكريا السراج والسيلي أن مولده عام ستة عشر، وما تقدم أصح.
وبعد أن كتبت ما تقدم وقفت على جزء لبعض التلمسانيين عرف صاحبه بالشريف وولديه فلخصته في جزء سميته القول المنيف في ترجمة الإمام أبي عبد اللَّه الشريف، فلنذكر هنا بعض ما تيسر منه، قال صاحب الجزء المذكور: وكان آخر الأئمة المجتهدين ولد عام عشرة وسبعمائة فنشأ عفيفًا صينًا فتعلم العلم في صغره بأخلاق مرضية نسيج وحده وفريد عصره، انتهت إليه
стр. 419
إمامة المالكية بالمغرب وضربت إليه آباط الإبل شرقًا وغربًا، فهو علم علمائها ورافع لوائها.
أحيا السنة وأمات البدعة وأظهر من العلم ما بهر العقول، نجب في القرآن على ابن يعقوب فلما ظهرت نجابته أحبه خاله عبد الكريم فكان يلازمه في مجالس العلم صغيرًا، حضر يومًا مجلس أبي زيد ابن الإمام في تفسير القرآن فذكر نعيم الجنة فقال له الشريف، وهو صبي، هل يقرأ فيها العلم؟ قال له: نعم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فقال له: لو قلت: لا لقلت لك: لا لذة فيها، فعجب منه الشيخ ودله.
ثم قيض اللَّه له الابلي بما عنده من العلوم الجزيلة والتحقيق التام فانتفع به انتفاعًا عظيمًا واعتمد عليه، ثم استفرغ وسعه في طلب العلم حتى حدث لبعضهم أنه لازمه أربعة أشهر فلم يره نزع ثوبه ولا عمامته لشغله بالنظر والبحث، فإذا غلبه النوم نام نومًا خفيفًا، فإذا أفاق لم يرجع إليه أصلًا ويفول: أخذت النفس حقها فيتوضأ، والوضوء من أخف الأشياء عليه ثم رجع للنظر، ابتدأ الإقراء وهو ابن احدى عشرة سنة.
أخذ عن ابني الإمام وكانا من أجلة العلماء، لم يكن في زمانهما أعظم منهما قدرًا ولا أعلى قدرًا، ولا أوقع عند الملوك نهيًا وأمرًا فتضلع وأخذ عن غيرهما، فذكر من تقدم وشهد له شيوخه كلهم بوفور العقل وحضور الذهن، فاتسع في العلم باعه وعظم قدره، فأقرأ العلوم في زمن شيوخه وأقبل عليه الخلق، مع سلامة العقل، جاريًا على نهج السلف، عالمًا بأيام اللَّه، مائلًا للنظر والحجة أصوليًا متكلمًا جامعًا للعلوم العقلية القديمة والحديثة.
لقي بتونس ابن عبد السلام فلازمه وانتفع به، وذكر ولده أبو محمد عبد اللَّه أنه لما حضر مجلس ابن عبد السلام جلس حيث انتهى به المجلس فتكلم الشيخ في الذكر هل هو حقيقة في ذكر اللسان؟ فقال له أبو عبد اللَّه: يا سيدي الذكر ضد النسيان ومحل النسيان القلب لا اللسان وتقرر أن الضدين يجب اتحاد محلهما فعارضه ابن عبد السلام بأن الذكر ضد الصمت والصمت
стр. 420
محله اللسان فيجب كون اللسان محل ضده الذي هو الذكر، فيكون حقيقة فيه، قال أبو عبد اللَّه: فسكت عن مراجعته تأدبًا معه، وقد علمت أن الصمت إنما ضده النطق لا الذكر، فلما جاء في الغد جلس في موضعه فقام نقيب الدولة فأجلسه بجنب ابن عبد السلام بأمره بذلك، فلما فرغ من القراءة قال: أنت أبو عبد اللَّه الشريف؟ قال نعم فأكرمه، فكان يجلس بجنبه وكان يقرأ على الشيخ في داره، ولقي أكابر التونسيين بمجلسه فتعجبوا منه فكل يوم يزداد عندهم جلالة، ثم رجع لبلده فدرس العلوم وأحيا الشريعة.
كان من أحسن الناس وجهًا وقورًا مهيبًا، ذا نفس كريمة وهمة نزيهة رفيع الملبس بلا تصنع، سري الهمة بلا تكبر، حليمًا متوسطًا في أموره قوي النفس مؤيدًا بطهارة، ثقة عدلًا ثبتًا سلم له الأكابر بلا منازع، أصدق الناس لهجة وأحفظهم مروءة، مشفقًا على الناس رحيمًا بهم يتلطف في هدايتهم ويعينهم بجهده، حسن اللقاء كريم النفس طويل اليد، يعطي نفقات عديدة ذا كرم واسع وكنف لين وصفاء قلب.
دخل عليه طالب فصيح فأعطاه وفرًا، ثم دخل عليه مرة بفاس فسأله عن حاله، فذكر له أنه قرأ القرآن بالقرويين فما أعطاه أحد شيئًا فتأسف الشيخ لحاله، ففي الغد بعث أربعة من طلبته بأربعة قراطيس دراهم وقال لهم احضروا مجلسه فإذا قرأ فارموا القراطيس بين يديه ففعلوا فأخذها الطالب ودعا لهم، فعرف الناس حاله فانثالت عليه العطايا.
وسأله السلطان يومًا عن مسألة ابن الحاجب الأصلي فقال له: إنما يفهم هذه المسألة الطالب الفلاني وكان محتاجًا، فطلبه السلطان فقيل: إنه بسجلماسة فوجه لعاملها أن يعطيه نفقة وكسوة ويوجهه فوصل في أسرع وقت، فبين المسألة بين يدي السلطان، فسئل عمن استفادها فقال: من سيدي أبي عبد اللَّه الشريف.
وكان الطلبة في وقته أعز الناس وأكثرهم عددًا وأوسعهم رزقًا، فنشروا العلم واستعانوا بحسن إلقائه وسهولة فيضه وحلاوته، مع بشاشة لا يؤثر على
стр. 421
الطلبة غيرهم، يحملهم على الصدق ويبث لهم الحقائق يرتب كلًا في منزله ويحمل كلامهم على أحسن وجوهه؛ يبرزه في أحسن صورة يترك كل أحد وما يميل إليه من العلوم ويرى الكل من أبواب العادة، ويقول: من رزق في باب فليلازمه، مع كرم أخلاق قائمًا بالعدل لا يغضب، وإذا غضب قام وتوضأ. جميل العشرة بسامًا منصفًا يقضي الحوائج، سمحًا متورعًا يوسع في نفقته أهله ويصل رحمه للَّه، ويواسيهم بجرايات كثيرة من ماله، يكرم ضيفه ويقرب له ما حضر ويطعم الطلبة طيب الأطعمة، وبيته مجتمع العلماء والصلحاء.
كان أشياخه يجلونه حتى قال ابن عبد السلام: ما أظن أن في المغرب مثل هذا، وكان الابلي يقول: هو أوفر من قرأ عليّ عقلًا وأكثرهم تحصيلًا، وقال أيضًا: قرأ عليّ كثير شرقًا وغربًا فما رأيت فيهم أنجب من أربعة أبو عبد اللَّه الشريف أنجحهم عقلًا وأكثرهم تحصيلًا، وإذا أشكلت مسألة على الطلبة عند الابلي وأظهر بحث دقيق يقول: انتظروا أبا عبد اللَّه الشريف، قال له الشيخ ابن عرفة: غايتك في العلم لا تدرك، ولما سمع بموته قال: لقد ماتت بموته العلوم العقلية.
وحضر بفاس في بدايته مجلس عبد المؤمن الجناتي فاتفق بحث بأبدى فيه وجهًا بديعًا، فنظر إليه الشيخ عبد المؤمن فقال: ما ذكرته من عندك أو من نقل؟ فقال: من عندي، فسأله عن بلده ونسبه ولأي شيء جاء فقال: جئت للقراءة على الابلي فقال له: الحمد للَّه الذي وفقك ودعا له، وبحث يومًا مع أبي زيد ابن الإمام في حديث وتجاذبا فيه الكلام جوابًا واعتراضًا حتى ظهر فأنشد الشيخ:
أعلّمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
قال الشيخ أبو يحيى المطغري: لما اجتمع العلماء عند أبي عنان أمر الفقيه العالم المقري بإقراء التفسير فامتنع منه وقال الشريف أبو عبد اللَّه أولى مني بذلك، فقال له السلطان: تعلم أنت علوم القرآن وأهل تفسيره فأقرأه قال له: إن أبا عبد اللَّه أعلم بذلك منّي، فلا يسعني الإقراء بحضرته،
стр. 422
فعجبوا من انصافه، ففسر أبو عبد اللَّه بحضرة العلماء كافة في دار السلطان ونزل عن سرير ملكه وجلس معهم على الحصير فأتى بما أدهش الحاضرين حتى قال السلطان عند فراغه: إني لأرى العلم يخرج من منابت شعره. وجاء إليه القاضي الفشتالي بعد خروجهم فطلب منه تقييد ما صدر منه ذلك اليوم فقال: إنه من كتاب كذا وكذا وذكر كتبًا معروفة عندهم، فعلم القاضي أن الحسن للشنب وأن الأمر غير مكتسب.
قال الخطيب ابن مرزوق: لما سافر أبو عبد اللَّه لتونس كرهت مفارقته ولكن حمدت اللَّه على رؤية أهل افريقية مثله من المغرب، وكان الفقيه الكبير الصالح موسى العبدوسي كبير فقفاء فاس يبحث عما يصدر من أبي عبد اللَّه من تقييد أو فتوى فيكتبه وهو أسن من أبي عبد اللَّه، وكان الفقيه المحدث القاضي أبو علي منصور بن هدية القرشي يقول: كل فقيه قرأ في زماننا هذا أخذ ما قدر له من العلم إلا أبا عبد اللَّه الشريف فإن اجتهاده يزيد، واللَّه أعلم حيث ينتهي أمره، وسمعت أبا يحيى المطغري يقول: حضرت مجلس كثير من كبار العلماء فما رأيت مثل أبي عبد اللَّه وولييه- اهـ.
ووصل في التفنن في العلوم إلى الغاية، جمع بين الحق والحقيقة، لا يشق غباره بل حظ العلماء السماع منه، فسر القرآن خمسًا وعشرين سنة بحضرة أكابر الملوك والعلماء والصلحاء وصدور الطلبة لا يتخلف منهم أحد، عالمًا بقراءته ورواياته وفنون علومه، من بيان وأحكام وناسخ ومنسوخ وغيرها، مع إمامته في الحديث وفقهه وغريبه ومتونه ورجاله وأنواع فنونه إلى الإمامة في أصول الدين قائمًا بالحق صحيح النظر، كثير الذب عن السنة وإزاحة الاشكال، متدربًا في تعليم غوامضها، حسن البسط في التأليف، ألف كتابًا في القضاء والقدر وحقق فيه مقدار الحق بأحسن تعبير عن تلك العلوم الغامضة، وإليه يفزع علماء المغرب في حل المشكلات، وجه العالم المحقق يحيى الرهوني من بلاد توزر أسئلة فأوضع مشكلها، وكان من أئمة المالكية ومجتهديهم فقيه النفس، قائمًا على الفروع والأصول ثبتًا وتحصيلًا، عالمًا بالأحكام واستنباطها، قوي الترجيح سريع النظر متورعًا في الفتوى متحريًا في مسائل الطلاق يدفعها
стр. 423
عن نفسه ما استطاع، يدرس الفقه في كثير أوقاته وغالبها يقرأ المدونة بعد التفسير حتى مات، لم ينتفع الطلبة بأحد في مصر من الأمصار ما انتفعوا به في زمانه.
وذكر بعض فقهاء فاس للسلطان أبي عنان أنه غير متبحر في الفقه حسدًا، فبعث السلطان حينئذ للفقهاء فحضروا وأمره بقراءة حديث "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم" يختبر به حاله في الفقه، فأخذ فيها من غير نظر فأول ما قال: في هذا الحديث خمس وعشرون فرقة فسردها، ثم تكلم على أخذها من الحديث وترجيح ما رجح كأنه يمليها من كتاب، فلما رأى السلطان ذلك أقبل على الطاعنين وقال لهم: هذا الذي قلتم أنه قاصر في الفقه، وكان لكلامه حلاوة ورونق وطلاوة، قوة علمه فيه ظاهرة وأنواره باهرة.
ألف في أصول الفقه مفتاح الأصول في بناء الفروع على الأصول طبق منه مسائل الفقه مع الأصول، من أعلم الناس بالعربية وعلوم الأدب نحوًا وبيانًا، حافظًا للغة والغريب والشعر والأمثال وأخبار الناس ومذاهبهم وأيام العرب وسيرها وحروبها وأخبار الصالحين وسيرهم، وإشارات الصوفية ومذاهبهم، حسن المجلس كثير الحكايات ممتع المحضر عذب الكلام منصفًا في البحث والمناظرة، كثير البسط بلا عار ولا سرف، خبيرًا بأخبار النفس وتزكيتها وتطهيرها مذللًا صعاب الأمور إمامًا في العلوم العقلية كلها منطقًا وحسابًا وفرائض وتنجيمًا وهندسة وموسيقًا وتشريحًا وفلاحة وكثيرًا من العلوم القديمة.
شرح جمل الخونجي من أجل كتب الفن، انتفع به العلماء قراءة ونسخًا وتأليفًا في المعاوضات، وكان قليل التأليف أكثر اعتنائه بالإقراء تخرج به من صدور العلماء وأعيان الفضلاء ونجباء الأولياء من لا يحصى، وكان مهيبًا محببًا، جعل اللَّه محبته في القلوب، من رآه أحبه وإن لم يعرفه، يجله الملوك فيقدمونه في مجالسهم يلاطفهم تارة ويفصح بالحق تارة وينصر المظلوم ويقضي الحوائج.
وقال لبعض اللوك، وقد أمر بضرب فقيه: إن كان عندك صغير فهو
стр. 424
عند الناس كبير، وإنه من أهل العلم، فنجا الفقيه وسرح مكرمًا، ودخل بعض المرابطين على السلطان أبي حمو في أول أمره فلم يقبل يده ولا بايعه بل سلم وانصرف، فاشتد عليه غضبه فقال: ما له لا يبايعني وهم بشر فقال له أبو عبد اللَّه: هذه عادته مع من تقدم من الملوك وهو من أهل اللَّه فانكسر غضبه وأكرم المرابط وولاه قبيلة كلها، وكان يجلسه الملوك في أرفع المجالس ينصتون له فيقيم الحق، لا يخدمهم بدينه ولا يسألهم حوائج نفسه ولا يخاطبهم إلا بما يسوغ شرعًا، يعظم أهل الحق في قلوبهم ولا ينتصر لنفسه ويدفع حاسده بالتي هي أحسن يلتمس لأولي الفضل في عثراتهم أحسن الوجوه، ويتغافل عن غيره، مع ما له من جميل الذكر وبعد الصيت وعلو المنصب، لا يماري العلماء في مجالس الملوك ولا يرد على أحد ولا يخطئ المفسرين ولا ينصر العامة ولا يجرئهم على المعاصي بل يعظم منصب العلم.
مجلسه مجلس نزاهة ودراية وتحقيق، إذا تكلم في مسألة أوضحها نهاره كله بين إقراء ومطالعة وتلاوة، يقسم الوقت على الطلبة بالرملية ينام ثلث الليل وينظر ثلثه ويصلي ثلثه، يقرأ كل ليلة ثمانية أحزاب في صلاته ومثله في أول النهار ويواظب قراءة الحزب دائمًا، ويقرأ من التفسير نحو ربع حزب كل يوم مع البحث، وإذا طال بحث الطلبة أمرهم بالتقييد في المسألة ثم يفصل بينهم.
يطالع كتبًا كثيرة حدثني بعضهم أنه وجد بين يديه سبعين كتابًا، قوي اليقين بعيد النفس عن الطمع لا يشغله أمر الرزق، ارتاض نفسه للطلب حتى سهل عليه فنال خيرات الدنيا والآخرة، وكان علماء الأندلس أعرف بقدره وأكثرهم تعظيمًا له، حتى إن العالم الشهير لسان الدين ابن الخطيب صاحب الأنباء العجيبة والتآليف البديعة إذا ألّف تأليفًا بعثه إليه وعرضه عليه، وطلب منه أن يكتب عليه بخطه، وكان الشيخ الإمام الصدر المفتي أبو سعيد بن لب شيخ علماء الأندلس كلما أشكل عليه شيء كاتبه ليبين له ما أشكل، مقرًا له بالفضل.
وأما زهده ومروءته ودينه فمعلوم، كان غني النفس بربه ساكن الجاش
стр. 425
كثير النفقة لا يهتم في أمرها حتى ذكره ولده عبد اللَّه أنه بقي بعض الأزمنة ستة أشهر مشتغلًا بالعلم لم ير فيها أولاده لأنه يقوم صبحًا وهم نائمون ويأتي ليلًا وهم نائمون، وذكر أنه لم يأخذ مرتبًا في مدرسته ولا غيرها في زمن طلبه وإنما ينفق من مال أبيه، وربما وضع له طيب الطعام ليفطر به في رمضان وغيره فيشتغل عنه بالنظر حتى لسحوره فيتركهما حتى يصبح ويواصل الصوم بالنظر، مصون العرض منزهًا عن الريب، اتفق العدو والصديق على نزاهة وصدق لهجته، وتساوى في محبته البر والفاجر، مواظبًا على الفكرة، واقفًا مع الحدود، مسلمًا للعبودية كثير الجد في الأمر والنهي، لا تعدل الدنيا عنده شيئًا، يتباعد عن الملوك مع إقبالهم عليه وحرصهم على قربه ورفعته، ما تولى أمرًا من أمور الدنيا بل يقف مع العلم حيث وقف، مع تمكنه، وكان السلطان أبو سعيد يحبه حبًا عظيمًا ويخاطبه بسيدي فلما انحل ملكه عرض عليه مالًا وديعة فامتنع بالكلية فأودعه عند غيره وأشهده، ثم رفع الأمر لأبي عنان بعد ملكه وأخبر به، فوجه فيه وعاتبه شديدًا حين لم يرفع الأمر إليه وأمن عليه بتقريبه ورفعه على العلماء فأجابه، وقال: إنما عندي شهادة لا يجب عليّ رفعها بل سترها، وأما تقريبك إياي فقد ضرّني أكثر مما نفعني ونقص به ديني وعلمي، وشدد القول عليه أي على السلطان فغضب لذلك وسجنه، ثم ورد اثر ذلك يعقوب بن علي شيخ أعراب افريقية على السلطان فسأله عما يقول الناس فيه بافريقية فقال خيرًا، غير أنهم سمعوا بسجنك عالمًا شريفًا كبير القدر فلامك فيه الخاصة والعامة، فأمر بإطلاقه والإحسان إليه بلا تسبب منه ولا معرفة، وهي أعظم محنة امتحن بها، ومازال السلطان يعتذر له عنها حتى مات.
وكان أمينًا مأمونًا حافظًا لسره مالكًا لنفسه مقبلًا على شأنه، يركن إليه أهل الدين والدنيا من القريب والبعيد، وكان قاضي قسنطينة حسن بن باديس وضع عنده أمانة في قرطاس فوضعها في بيته، فلما طلبه صاحبه أخرجها فوجد مكتوبًا على ظاهر القرطاس مائة ذهب، فحله وعدها فإذا خمس وسبعون ذهبًا فزاد فيها خمسة وعشرين فأعطاه له، فمكث عنده يومين فرجع إليه وقال: يا سيدي وجدت في الأمانة زيادة خمس وعشرين فقال: إني لم أعدها عند أخذها