← Тараджим

Тараджим · id 14197

نيل الابتهاج بتطريز الديباج

أحمد بابا التنبكتي

Полный текст (625 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الطلبة غيرهم، يحملهم على الصدق ويبث لهم الحقائق يرتب كلًا في منزله ويحمل كلامهم على أحسن وجوهه؛ يبرزه في أحسن صورة يترك كل أحد وما يميل إليه من العلوم ويرى الكل من أبواب العادة، ويقول: من رزق في باب فليلازمه، مع كرم أخلاق قائمًا بالعدل لا يغضب، وإذا غضب قام وتوضأ. جميل العشرة بسامًا منصفًا يقضي الحوائج، سمحًا متورعًا يوسع في نفقته أهله ويصل رحمه للَّه، ويواسيهم بجرايات كثيرة من ماله، يكرم ضيفه ويقرب له ما حضر ويطعم الطلبة طيب الأطعمة، وبيته مجتمع العلماء والصلحاء. كان أشياخه يجلونه حتى قال ابن عبد السلام: ما أظن أن في المغرب مثل هذا، وكان الابلي يقول: هو أوفر من قرأ عليّ عقلًا وأكثرهم تحصيلًا، وقال أيضًا: قرأ عليّ كثير شرقًا وغربًا فما رأيت فيهم أنجب من أربعة أبو عبد اللَّه الشريف أنجحهم عقلًا وأكثرهم تحصيلًا، وإذا أشكلت مسألة على الطلبة عند الابلي وأظهر بحث دقيق يقول: انتظروا أبا عبد اللَّه الشريف، قال له الشيخ ابن عرفة: غايتك في العلم لا تدرك، ولما سمع بموته قال: لقد ماتت بموته العلوم العقلية. وحضر بفاس في بدايته مجلس عبد المؤمن الجناتي فاتفق بحث بأبدى فيه وجهًا بديعًا، فنظر إليه الشيخ عبد المؤمن فقال: ما ذكرته من عندك أو من نقل؟ فقال: من عندي، فسأله عن بلده ونسبه ولأي شيء جاء فقال: جئت للقراءة على الابلي فقال له: الحمد للَّه الذي وفقك ودعا له، وبحث يومًا مع أبي زيد ابن الإمام في حديث وتجاذبا فيه الكلام جوابًا واعتراضًا حتى ظهر فأنشد الشيخ: أعلّمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني قال الشيخ أبو يحيى المطغري: لما اجتمع العلماء عند أبي عنان أمر الفقيه العالم المقري بإقراء التفسير فامتنع منه وقال الشريف أبو عبد اللَّه أولى مني بذلك، فقال له السلطان: تعلم أنت علوم القرآن وأهل تفسيره فأقرأه قال له: إن أبا عبد اللَّه أعلم بذلك منّي، فلا يسعني الإقراء بحضرته،

стр. 422

فعجبوا من انصافه، ففسر أبو عبد اللَّه بحضرة العلماء كافة في دار السلطان ونزل عن سرير ملكه وجلس معهم على الحصير فأتى بما أدهش الحاضرين حتى قال السلطان عند فراغه: إني لأرى العلم يخرج من منابت شعره. وجاء إليه القاضي الفشتالي بعد خروجهم فطلب منه تقييد ما صدر منه ذلك اليوم فقال: إنه من كتاب كذا وكذا وذكر كتبًا معروفة عندهم، فعلم القاضي أن الحسن للشنب وأن الأمر غير مكتسب. قال الخطيب ابن مرزوق: لما سافر أبو عبد اللَّه لتونس كرهت مفارقته ولكن حمدت اللَّه على رؤية أهل افريقية مثله من المغرب، وكان الفقيه الكبير الصالح موسى العبدوسي كبير فقفاء فاس يبحث عما يصدر من أبي عبد اللَّه من تقييد أو فتوى فيكتبه وهو أسن من أبي عبد اللَّه، وكان الفقيه المحدث القاضي أبو علي منصور بن هدية القرشي يقول: كل فقيه قرأ في زماننا هذا أخذ ما قدر له من العلم إلا أبا عبد اللَّه الشريف فإن اجتهاده يزيد، واللَّه أعلم حيث ينتهي أمره، وسمعت أبا يحيى المطغري يقول: حضرت مجلس كثير من كبار العلماء فما رأيت مثل أبي عبد اللَّه وولييه- اهـ. ووصل في التفنن في العلوم إلى الغاية، جمع بين الحق والحقيقة، لا يشق غباره بل حظ العلماء السماع منه، فسر القرآن خمسًا وعشرين سنة بحضرة أكابر الملوك والعلماء والصلحاء وصدور الطلبة لا يتخلف منهم أحد، عالمًا بقراءته ورواياته وفنون علومه، من بيان وأحكام وناسخ ومنسوخ وغيرها، مع إمامته في الحديث وفقهه وغريبه ومتونه ورجاله وأنواع فنونه إلى الإمامة في أصول الدين قائمًا بالحق صحيح النظر، كثير الذب عن السنة وإزاحة الاشكال، متدربًا في تعليم غوامضها، حسن البسط في التأليف، ألف كتابًا في القضاء والقدر وحقق فيه مقدار الحق بأحسن تعبير عن تلك العلوم الغامضة، وإليه يفزع علماء المغرب في حل المشكلات، وجه العالم المحقق يحيى الرهوني من بلاد توزر أسئلة فأوضع مشكلها، وكان من أئمة المالكية ومجتهديهم فقيه النفس، قائمًا على الفروع والأصول ثبتًا وتحصيلًا، عالمًا بالأحكام واستنباطها، قوي الترجيح سريع النظر متورعًا في الفتوى متحريًا في مسائل الطلاق يدفعها

стр. 423

عن نفسه ما استطاع، يدرس الفقه في كثير أوقاته وغالبها يقرأ المدونة بعد التفسير حتى مات، لم ينتفع الطلبة بأحد في مصر من الأمصار ما انتفعوا به في زمانه. وذكر بعض فقهاء فاس للسلطان أبي عنان أنه غير متبحر في الفقه حسدًا، فبعث السلطان حينئذ للفقهاء فحضروا وأمره بقراءة حديث "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم" يختبر به حاله في الفقه، فأخذ فيها من غير نظر فأول ما قال: في هذا الحديث خمس وعشرون فرقة فسردها، ثم تكلم على أخذها من الحديث وترجيح ما رجح كأنه يمليها من كتاب، فلما رأى السلطان ذلك أقبل على الطاعنين وقال لهم: هذا الذي قلتم أنه قاصر في الفقه، وكان لكلامه حلاوة ورونق وطلاوة، قوة علمه فيه ظاهرة وأنواره باهرة. ألف في أصول الفقه مفتاح الأصول في بناء الفروع على الأصول طبق منه مسائل الفقه مع الأصول، من أعلم الناس بالعربية وعلوم الأدب نحوًا وبيانًا، حافظًا للغة والغريب والشعر والأمثال وأخبار الناس ومذاهبهم وأيام العرب وسيرها وحروبها وأخبار الصالحين وسيرهم، وإشارات الصوفية ومذاهبهم، حسن المجلس كثير الحكايات ممتع المحضر عذب الكلام منصفًا في البحث والمناظرة، كثير البسط بلا عار ولا سرف، خبيرًا بأخبار النفس وتزكيتها وتطهيرها مذللًا صعاب الأمور إمامًا في العلوم العقلية كلها منطقًا وحسابًا وفرائض وتنجيمًا وهندسة وموسيقًا وتشريحًا وفلاحة وكثيرًا من العلوم القديمة. شرح جمل الخونجي من أجل كتب الفن، انتفع به العلماء قراءة ونسخًا وتأليفًا في المعاوضات، وكان قليل التأليف أكثر اعتنائه بالإقراء تخرج به من صدور العلماء وأعيان الفضلاء ونجباء الأولياء من لا يحصى، وكان مهيبًا محببًا، جعل اللَّه محبته في القلوب، من رآه أحبه وإن لم يعرفه، يجله الملوك فيقدمونه في مجالسهم يلاطفهم تارة ويفصح بالحق تارة وينصر المظلوم ويقضي الحوائج. وقال لبعض اللوك، وقد أمر بضرب فقيه: إن كان عندك صغير فهو

стр. 424

عند الناس كبير، وإنه من أهل العلم، فنجا الفقيه وسرح مكرمًا، ودخل بعض المرابطين على السلطان أبي حمو في أول أمره فلم يقبل يده ولا بايعه بل سلم وانصرف، فاشتد عليه غضبه فقال: ما له لا يبايعني وهم بشر فقال له أبو عبد اللَّه: هذه عادته مع من تقدم من الملوك وهو من أهل اللَّه فانكسر غضبه وأكرم المرابط وولاه قبيلة كلها، وكان يجلسه الملوك في أرفع المجالس ينصتون له فيقيم الحق، لا يخدمهم بدينه ولا يسألهم حوائج نفسه ولا يخاطبهم إلا بما يسوغ شرعًا، يعظم أهل الحق في قلوبهم ولا ينتصر لنفسه ويدفع حاسده بالتي هي أحسن يلتمس لأولي الفضل في عثراتهم أحسن الوجوه، ويتغافل عن غيره، مع ما له من جميل الذكر وبعد الصيت وعلو المنصب، لا يماري العلماء في مجالس الملوك ولا يرد على أحد ولا يخطئ المفسرين ولا ينصر العامة ولا يجرئهم على المعاصي بل يعظم منصب العلم. مجلسه مجلس نزاهة ودراية وتحقيق، إذا تكلم في مسألة أوضحها نهاره كله بين إقراء ومطالعة وتلاوة، يقسم الوقت على الطلبة بالرملية ينام ثلث الليل وينظر ثلثه ويصلي ثلثه، يقرأ كل ليلة ثمانية أحزاب في صلاته ومثله في أول النهار ويواظب قراءة الحزب دائمًا، ويقرأ من التفسير نحو ربع حزب كل يوم مع البحث، وإذا طال بحث الطلبة أمرهم بالتقييد في المسألة ثم يفصل بينهم. يطالع كتبًا كثيرة حدثني بعضهم أنه وجد بين يديه سبعين كتابًا، قوي اليقين بعيد النفس عن الطمع لا يشغله أمر الرزق، ارتاض نفسه للطلب حتى سهل عليه فنال خيرات الدنيا والآخرة، وكان علماء الأندلس أعرف بقدره وأكثرهم تعظيمًا له، حتى إن العالم الشهير لسان الدين ابن الخطيب صاحب الأنباء العجيبة والتآليف البديعة إذا ألّف تأليفًا بعثه إليه وعرضه عليه، وطلب منه أن يكتب عليه بخطه، وكان الشيخ الإمام الصدر المفتي أبو سعيد بن لب شيخ علماء الأندلس كلما أشكل عليه شيء كاتبه ليبين له ما أشكل، مقرًا له بالفضل. وأما زهده ومروءته ودينه فمعلوم، كان غني النفس بربه ساكن الجاش

стр. 425

كثير النفقة لا يهتم في أمرها حتى ذكره ولده عبد اللَّه أنه بقي بعض الأزمنة ستة أشهر مشتغلًا بالعلم لم ير فيها أولاده لأنه يقوم صبحًا وهم نائمون ويأتي ليلًا وهم نائمون، وذكر أنه لم يأخذ مرتبًا في مدرسته ولا غيرها في زمن طلبه وإنما ينفق من مال أبيه، وربما وضع له طيب الطعام ليفطر به في رمضان وغيره فيشتغل عنه بالنظر حتى لسحوره فيتركهما حتى يصبح ويواصل الصوم بالنظر، مصون العرض منزهًا عن الريب، اتفق العدو والصديق على نزاهة وصدق لهجته، وتساوى في محبته البر والفاجر، مواظبًا على الفكرة، واقفًا مع الحدود، مسلمًا للعبودية كثير الجد في الأمر والنهي، لا تعدل الدنيا عنده شيئًا، يتباعد عن الملوك مع إقبالهم عليه وحرصهم على قربه ورفعته، ما تولى أمرًا من أمور الدنيا بل يقف مع العلم حيث وقف، مع تمكنه، وكان السلطان أبو سعيد يحبه حبًا عظيمًا ويخاطبه بسيدي فلما انحل ملكه عرض عليه مالًا وديعة فامتنع بالكلية فأودعه عند غيره وأشهده، ثم رفع الأمر لأبي عنان بعد ملكه وأخبر به، فوجه فيه وعاتبه شديدًا حين لم يرفع الأمر إليه وأمن عليه بتقريبه ورفعه على العلماء فأجابه، وقال: إنما عندي شهادة لا يجب عليّ رفعها بل سترها، وأما تقريبك إياي فقد ضرّني أكثر مما نفعني ونقص به ديني وعلمي، وشدد القول عليه أي على السلطان فغضب لذلك وسجنه، ثم ورد اثر ذلك يعقوب بن علي شيخ أعراب افريقية على السلطان فسأله عما يقول الناس فيه بافريقية فقال خيرًا، غير أنهم سمعوا بسجنك عالمًا شريفًا كبير القدر فلامك فيه الخاصة والعامة، فأمر بإطلاقه والإحسان إليه بلا تسبب منه ولا معرفة، وهي أعظم محنة امتحن بها، ومازال السلطان يعتذر له عنها حتى مات. وكان أمينًا مأمونًا حافظًا لسره مالكًا لنفسه مقبلًا على شأنه، يركن إليه أهل الدين والدنيا من القريب والبعيد، وكان قاضي قسنطينة حسن بن باديس وضع عنده أمانة في قرطاس فوضعها في بيته، فلما طلبه صاحبه أخرجها فوجد مكتوبًا على ظاهر القرطاس مائة ذهب، فحله وعدها فإذا خمس وسبعون ذهبًا فزاد فيها خمسة وعشرين فأعطاه له، فمكث عنده يومين فرجع إليه وقال: يا سيدي وجدت في الأمانة زيادة خمس وعشرين فقال: إني لم أعدها عند أخذها

стр. 426

منك فلما وقع بصري على الخط اختبرتها فلم أجد العدد فكملتها ظانًا ضياعها عندي فقال: يا سيدي لم أعط إلا خمسة وسبعين فرد الزيادة وشكره وحمد اللَّه على وجود مثله، وكان متمسكًا في أموره بالسنة راكبًا لأهلها كثير الاتباع شديدًا على أهل البدع ذا بأس وقوة في نصر الحق، لا تشاهد في فطره بدعة ولا أشرار الشريعة في غير محلها ولا يشوش على أحد ويزجر من أخذ فوق قدره، سأله بعض مفقهة عن تفضيل أبي بكر على عمر فزجره. وكان يحضر مجلسه كبير وزراء الدولة فمال يومًا على بعض الأئمة فنظر إليه نظرة غضب وعنفه فسكت الوزير ولم يقطع المجلس، وقرأ عليه بعض الطلبة كتب الغزالي على وجه التجمل بها، فرأى الشيخ في المنام كأنه يضع كتبه في موضع قذر فتركه ولم يعد لتعليمه، وكان كثير التدبر للآيات والنظر في الملكوت بعبرة وفكرة، له كرامات كثيرة. منها: أنه اشتد الغلاء بقسنطينة في محلة أبي عنان حتى بلغ الفول ثمانية بدرهم وعظم الحال فكانت تصله الكتب وفي عنوانها تدفع لسيدي أبي عبد اللَّه فإذا فتحها وجدها بيضاء فيها ذهب لا يعرف من أين هي فيستعين بها على شأنه حتى خلصه اللَّه. ومنها: أنهم أتوا في واد حامل لا يجوزه إلا الفرسان، وكانت معه حمارة يحمل عليها فجازت مع الفرسان سالمة فنزلت المحلة قرب الوادي فاتفق ضرب خبائه بموضع مرتفع هناك، ففي نصف الليل جاء سيل عم المحلة وطلع في أخبيتهم وانهدت أبنية السهلطان فباتوا في أسوأ حال وهو في منزله لم يصله الماء، فكان السلطان ينظر إليه في تلك الحال ويقول: كيف علم بما يتفق الليلة ولم يعلمنا به، ولما وصل في تفسيره الأخير إلى قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ مرض ثمانية عشر يومًا ثم مات ليلة الأحد رابع ذي الحجة متم عام أحد وسبعين، وحدّث الخطيب الصالح علي بن مزية والفقيه راشد وغيرهما أنهم رأوه حين موته كأنه يجلس من يدخل عليه فكانوا يظنونه الملائكة، وذكر ولده أبو يحيى أنه في مرضه قبّل المصحف ومسح به وجهه

стр. 427

وقال: اللهم كما عززتني به في الدنيا فاعززني به في الآخرة، ورآه بعض الصلحاء بعد موته فقال له أين أنت؟ فقال في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وتأسف لموته السلطان، وقال لولده عبد اللَّه ما مات من خلفك وإنما مات أبوك لي لأني أباهي به الملوك، ثم أعطاه الدرسة ورتب له جميع مراتبه -اهـ- ملخصًا من الجزء المذكور. فائدة: سئل ﵀ عن غرناطة عن قول الإمام المرجوع عنه وما نقله أهل المذهب عنه في مسألة واحدة قولين مختلفين وثلاثة يقولون: وقع له في المدونة كذا وفي الموازية كذا ويعتقدونها خلافًا فيفتون بها من غير تعيين للمتأخر منها يجب الأخذ به من المتقدم الذي يترك مع التقليد لصاحبها وهو واحد مع اتفاق أهل الأصول على أنه إذا صدر القولان عن عالم لم يعلم المتأخر منهما لا يؤخذ بواحد منهما لاحتمال كون المأخوذ المرجوع عنه، فصارا كدليلين نسخ أحدهما فلم يعلم بعينه لا يعمل بمقتضى واحد منهما، وأما المجتهد فيأخذ برأيه من حيث اجتهاده، وقد وقعت هذه عندنا وتردد النظر فيها أيامًا فلم يوقف إلا أن الضرورة داعية إلى ذلك وإلا ذهب معظم فقه مالك ومستند الأخذ مع الضرورة أن مالكًا لم يقل بالأول إلا بدليل وإن رجع عنه فيأخذ به من حيث الدليل وأيضًا غالب أقواله قال بها أصحابه، فيعمل بها من حيث اجتهادهم، وأيضًا فجميع المصنفين سطروا هذه الأقوال وأفتوا بها من غير تعرض لهذا الاشكال فبعيد اجتماعهم على الخطأ، هذا ما ظهر لنا. وقد أجاب القرافي عن هذا الأخير في شرح التنقيح بما في علمهم، فأجاب ﵀ اعلموا أن المجتهد إما مطلق وهو من اطلع على قواعد الشرع وأحاط بمداركها ووجوه النظر فيها، فهو يبحث عن حكم نازلة بنظره في دلالتها على المطلوب فينظر في معارض المسند والتخصيص والتقييد والترجيح وغيرها إن لم يعلم المتأخر فيعمل بالراجح أو الناسخ حيث ظهر، ويصير المتقدم لغوًا كأنه لم يذكر البتة هذا نظره. وأما مجتهد في مذهب معين وهو من اطلع على قواعد إمامه وأحاط

стр. 428

بأصوله ومآخذه وعرف وجوه النظر فيها ونسبته إليها كالمجتهد المطلق في قواعد الشريعة كابن القاسم وأشهب في المذهب والموني وابن سريج في مذهب الشافعي وقد كان ابن القاسم وأشهب والشافعي قرؤوا على مالك، فأما الشافعي فترقى للاجتهاد المطلق فكان ينظر في الأدلة مطلقًا بما أداه إليه اجتهاده وابن القاسم فيقول: سمعت مالكًا يقول كذا أو بلغني عنه كذا وقال في كذا كذا، ومسألتك مثلها، فهذه رتبة الاجتهاد المذهبي. وقد قال في غصب المدونة في الغاصب والسارق يركبان المغصوبة أو المسروقة بعد حكايته قول مالك ولولا ما قاله مالك، لجعلت على الغاصب والسارق كراء ركوبة إلى، فأنت ترى شدة اتباعه لمالك وتقليده له. وأما مخالفته له في بعض المسائل كقوله: يتعين ثلاث بنات لبون في مائة وإحدى وعشرين من الإبل كقول ابن شهاب ومالك يخيره في ذلك أو حقتين، وفيمن قال لعبده أنت حر بتلا وعليك مائة دينار فقال مالك: هو حر ويتبع بها وابن القاسم لا يتبع بشيء كقول ابن المسيب وفي الغرماء يدعون على الوصي التقاضي يحلفهم مالك في القليل وتوقف في الكثير، ويحلفهم ابن القاسم مطلقًا كقول ابن هرمز وغيرها، فيحتمل أنه رأى أن ما قاله هو في هذه المسائل هو الجاري على قواعد مالك فلذا اختاره فلم يخرج عن تقليده فيها، ويحتمل أنه اجتهد فيها مطلقًا بناء على جواز تجزي الاجتهاد، وأما أصبغ فقال: أخطأ ابن القاسم لما رآه خالف فيها مالكًا أما لأنه رآه خارجًا عن أصوله وصريح قوله، وأما أشهب فالمحققون على أنه مقلد لمالك غير مجتهد، وقوله في مسألة من حلف بعتق أمته أن لا يفعل كذا فولدت بعد اليمين وقبل الحنث لا يعتقون معها قيل له: إن مالكًا قال: يعتقون معها قال: وإن قاله مالك فلسنا له بمماليك يقتضي اجتهاده، كما قال ابن رشد خلاف ما قاله الجمهور أنه مقلد له، فإذا تقرر هذا فالقولان لمالك الذي لم يعلم المتأخر منهما، ينظر مجتهدًا لذهب أيهما أجرى على قواعد إمامه وتشهد له أصوله فيرجحه ويفتي به.

стр. 429

وإذا علم المتأخر من قولي الإمام فلا ينبغي اعتقاد أنهما كأقوال الشارع بحيث يلغى الأول البتة لأن الشارع واضع ورافع لا تابع، فإذا نسخ الأول رفع اعتباره أصلًا وإمام المذهب لا واضع ولا رافع بل هو في اجتهاده طالب حكم الشرع متبع لدليله في اعتقاده، وفي اعتقاده ثانيًا أنه غالط في اجتهاده الأول، ويجوز على نفسه في اجتهاده الثاني من الغلط ما اعتقده في اجتهاده الأول ما لم يرجع لنص قاطع، وكذلك مقلدون يجوزون عليه في كلا اعتقاديه ما جوزه هو على نفسه من غلط ونسيان، فلذلك كان لمقلده اختيار أول قوليه إذا رآه أجرى على قواعده إن كان مجتهدًا في مذهبه، وإن كان مقلدًا صرفًا تعين عليه العمل بآخر قوليه لأغلبية إصابته على الظن، فهذا سر الفرق بين صنفي الاجتهاد وفصل القضية فيهما. وحاصله أن أقوال الشارع إنشاء وأقوال المجتهد أخبار، وبهذا يظهر غلط من اعتقد من الأصوليين أن حكم القول الثاني من المجتهد حكم الناسخ من قولي الشارع، ويظهر صحة ما ذكره ابن أبي جمرة في "اقليد التقليد" أن المجتهد إذا رجع عن قول أو شك فليس رجوعه عنه مما يبطله، ما لم يرجع لقاطع قال: لأنه رجع من اجتهاد لاجتهاد عند عدم النص فيرجح أصحابه فيأخذ بعضهم بالأول قال: وفي المدونة من ذلك مسائل هذا كلامه، ولم أر من اعترض عليه بأن من أخذ بالقول المرجوع عنه فإن ذلك لقوة مداركه عنده لا أنه قلد مالكًا فيها، كما أشير إليه في السؤال، وإنما لم يصب لأن نظر من أخذ بالقول الأول من أصحابه نظر مفيد بقواعده لا نظر مطلق كالمجتهد، فلذا كان مقلدًا له لتمسكه بأصول مذهبه وقواعده. وإن خالف نص إمامه ففي العتبية في سماع عيسى فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن كلمتني حتى تقولي: أحبك، فقالت: غفر اللَّه لك إني أحبك فقال حانث لقولها: غفر اللَّه لك قبل قولها: أحبك، ولقد اختصمت أنا وابن كنانة لمالك فيمن قال: إن كلمتك حتى تفعلي كذا فأنت طالق، ثم قال لها نسقًا: فاذهبي فقلت: حانث، وقال ابن كنانة: لا يحنث فقضى لي مالك عليه، فمسألتك أبين من هذا وصوّب أصبغ قول ابن كنانة.

стр. 430

ولما تكلم ابن رشد على هذه المسائل وشبهها اختار قول ابن كنانة ثم قال: يوجد في المذهب مسائل ليست على أصوله تنحو لمذهب أهل العراق فأنت ترى ابن رشد اختار خلاف قول ابن القاسم كما اختاره أصبغ جريًا على أصل المذهب ولم يبالوا بقضاء مالك لابن القاسم لما رأوه خارجًا عن أصول مذهبه حتى قال ابن رشد: إن في المذهب مسائل ليست على أصوله، أترى من خالف في تلك المسائل جريًا منه على قواعد المذهب ومداركه يعد شاقًا لإمام تلك المذهب؟ كلا بل هو أولى بالاتفاق وأحق بالتقليد، وقولكم: اتفق أهل الأصول على عدم العمل بمقتضى الولين المتضادين اللذين لا يعلم المتأخر منهما، فلا أعرف في كتبهم إلا في المقلد تفريعًا على أن أحدهما مرجوع عنه، قالوا: لا يعمل بواحد حتى يظهر المتأخر وقد قدمنا أن مجتهد المذهب لا ينظر في ترجيح أحدهما فيعمل بما يوافق المذهب كفعل المجتهد في أقوال الشارع. وبينا أن قولي الإمام ليسا كنسب الناسخ والمنسوخ بما لا مزيد عليه، وقولكم: إن الضرورة داعية إلى العمل بمثله ذلك وإلا بطل معظم الفقه قلنا: كان ماذا وأين هذه الضرورة من وجوب التوقف في أقوال الشارع إذا لم يعلم المتأخر؟ إذ لا يعمل بواحد منهما قبل التبين وقولكم في مستند الأخذ بها إن مالكًا لم يقل بكل إلا بدليل، فلنأخذ به من حيث ذلك الدليل. قلنا: لا يصح هذا المسند عند من يقول إن القولين كدليلين نسخ أحدهما الآخر ولم يعلم الناسخ ولا اعتبار للدليل مع نسخه، نعم إنما يتم ذلك المستند على ما أصلناه من أن الشارع رافع وواضع، والإمام بان على دليله وتابع. وقولكم: إن غالب أقوال مالك أخذ بها أصحابه فنعمل بها من حيث اجتهادهم فأين هذا من قولكم أولا أنهم يعملون بها مع تقليد صاحبها اللهم إلا أن يحقق بما ذكرنا من عمل أصحابه بأول أقواله، بناء على اعتقادهم جريه على قواعده وأصوله، فلم يزالوا في ذلك التقليد وإن اجتهدوا في المذهب، وأما إن عملوا به بناء على الاجتهاد المطلق فقد بطلت وحدة الإمام ولزم

стр. 431

الخروج عن مذهبه، وقولكم: إن الصنفين سطروا الأقوال إلى قولكم بعيد أن يجمعوا على الخطأ فهو رد إجمالي ما تبين فيه نكتة مستندها الإجماع السكوتي وهي ما أشرنا إليه، وأما جواب القرافي فضعيف عند التأمل واللَّه أعلم، انتهت فتواه ملخصة فتأملها مع ما فيها من التحقيق، فبعض الشيء يؤذن بكله وربك الفتاح العليم. ٥٥٥ - محمد بن عبد اللَّه بن سعيد بن علي بن أحمد السلماني (١). الغرناطي، قرطبي الأصل أبو عبد اللَّه لسان الدين ويعرف بابن الخطيب الإمام الأوحد الفذ صاحب الفنون المنوعة والتآليف العجيبة ذو الوزارتين، قرأ القرآن على الشيخ الصالح أبي عبد اللَّه العواد، والقرآن والعربية على أبي الحسن القيجاطي وأبي القاسم بن جزي ولازم في العربية والفقه والتفسير ابن الفخار البيري، المجمع على إمامته في العربية المفتوح عليه فيها حفظًا واصطلاحًا ونقلًا وتوجيهًا بما لا مطمع فيه لسواه، وعلى القاضي أبي بكر وتأدب بأبي الحسن بن الجياب، وروى عن كثير كأبي عبد اللَّه بن جابر وأخيه أبي جعفر وأبي البركات ابن الحاج وأبي محمد بن سلمون وأبي عمر بن أبي جعفر بن الزبير وأبي الحسن التلمساني وأبي القاسم بن البنا والقاضي أبي عبد اللَّه المقري والخطيب ابن مرزوق وأبي عثمان بن ليون وأبي الحجاج المتشافري في خلق كثيرين. وألّف تآليف عديدة أكثرها في الأدب والتاريخ والطب، منها كتاب الإحاطة في تاريخ غرناطة في ثمانية أسفار، وريحانة الكتاب في ثمانية أيضًا وكتاب المحبة في سفرين والصيب والجهام في مجموع شعره ومفاضلة مالقة وسلا ورسالة الطاعون، والتاج المحلى في سفرين وعائد الصلة في سفرين وصل بها صلة ابن الزبير ونفاضة الجراب في أسفار والبيطرة في سفر في محاسن

стр. 432

الخيل وغيرها، والوصول لحفظ الصحة في الفصول في سفر، ورجز في الطب ورجز في الأغزية ورجز في السياسة، وكتاب الوزارة ورسالة الغيرة على أهل الحيرة وحمل الجمهور على السنن المشهور والزبدة الممخوضة المنحوضة في الرد على أهل الإباحة، وسد الذريعة في تفصيل الشريعة وتقريب الشبه وتحرير الشبه كبير له فيه شجرات عشرة: شجرة السلطان ثم الوزارة ثم العمل ثم الجهاد أسطولًا وخيولًا ثم المضطر إليهم في باب السلطنة من الأطباء والمنجمين والندماء والشعراء وغيرهم، ثم الرعايا في عدة أسفار، وتلخيص الذهب في اعتبار عيون كتب الأدب، وطرفة العصر في دولة بني نصر في سفرين، وكتاب أعلام الأعلام فيمن بويع من ملوك الإسلام قبل الإحتلام في ثلاثة أسفار، وهو من أواخر ما ألّف. مولده عام ثلاثة عشر وسبعمائة، وتوفي مقتولًا فاتح عام ستة وسبعين وسبعمائة في خبر طويل ذكرناه في غير هذا الموضع، نقلًا عن ابن خلدون وغيره. ٥٥٦ - محمد بن أحمد بن عبد الملك الفشتالي (١). الفاسي، قاضي الجماعة بها، وسلفه من أهل الصلاح والخير فيها كان من أكابر الفقهاء المشاركين من العلوم لكن غلب عليه الفروع واقتصر على حفظ المسائل وتقدم في علم الوثائق واشتهر بها، كان منقبضًا عن الناس كثير الصمت متحفظًا للسانه لا يتكلم إلا في ضرورة، تقلد خطة القضاء بفاس وسلك سيرة قضاة العلل، له نظم حسن وكتابة رائقة يضمن فيها، فمنها مما رفعه لأبي عنان قوله: أَيا إمامًا ندى كفيه قد وكفا ... حسبي اعتصامي بحبل منكم وكفى وكيف أصرف وجه القصد عن ملك ... ما صدَّ عَنِّي سَنا بشر ولا صرفا

стр. 433

في أبيات. هكذا أصبت هذه الترجمة في بعض المجامع بخزانة جامع الشرفاء بمراكش، وقال ابن الخطيب في الإحاطة في ترجمته: له أبوة صالحة وأصالة زاكية قديم الطلب ظاهر التخصيص مفرط الوقار صدر الصدور في الوثيقة والأدب فاضل النفس جميل العشرة مديد الباع في الأدب شاعر مجيد كاتب بليغ، علم من أعلام المشيخة، قدمه السلطان العالم أبو عنان لقضاء حضرته اختصه واشتمل عليه فعرف حقه وتردد للأندلس سفيرًا فذاع فضله وعلم قدره -اهـ- ملخصًا. قال أبو زكرياء السراج في فهرسته: شيخنا الفقيه الخطيب البليغ المدرس العالم العلم المتفنن الصدر الأوحد قاضي الجماعة، كان عالمًا بالفقه مشاركًا في غيره من العلوم مسددًا في الفتاوى عارفًا بأخذ الشروط، له حظ وافر من الرواية شاعر مجيد وكاتب بليغ، حسن المعاملة للطلبة مستحسنًا لأبحاثهم متممًا لنقصها مغضيًا متغافلًا عمن يورد ما لا يحسن، صدرًا في القضاة ذا سمت فيه، لم أر بعده من يشبهه منهم ولا من ينحو نحوه، أخذ عن الأستاذ أبي الحسن بن سليمان والشيخ الصدر وحيد عصره ونسيج دهره قاضي الجماعة ابن عبد الرزاق، سمع عليه الترمذي وعن الإمام السطي والصدر المحقق أبي عبد اللَّه بن آجروم والحافظ الناقد المحقق أبي زكرياء ابن واثق والفقيه الخير العالم أبي عبد اللَّه الرندي والخطيبين أبي عبد اللَّه الطنجالي وأبي جعفر الزيات والمحدث ابن جابر الوادي آشي وعبد المهيمن الحضرمي -اهـ- ملخصًا. وقال ابن الخطيب القسنطيني: شيخنا قاضي الجماعة، له عقل وسمت لم يكن لغيره من القضاة وله مجلس جليل في العلم، توفى سنة تسع وسبعين وسبعمائة، أخذ عن شيخنا القباب- اهـ. قلت: وله تأليف في الوثائق مشهور مليح وكلام في الدعاء بعد الصلاة على الهيئة المعهودة، رد عليه فيه الإمام أبو يحيى بن عاصم الشهير في تأليفه الذي رد فيه على شيخ الشيوخ ابن لب، منتصرًا للإمام الشاطبي.

стр. 434

٥٥٧ - محمد بن الحسن بن محمد المالقي (١). نزيل دمشق، قال ابن حجر في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة كان من أئمة المالكية وشيوخ العربية حسن التعليم متواضعًا، شرح التسهيل وشرع في شرح فرعي ابن الحاجب وانتفع به الطلبة، ولي مشيخة التجيبية، ومات في ذي الحجة أحدى وسبعين وسبعمائة. ٥٥٨ - محمد بن يوسف الرجراجي (٢). الشيخ شمس الدين، قدم من الغرب وقد راهق أو بلغ فلازم الاشتغال على شيوخ عدة ومهر في المعقول، وقرأ الأصلين والعربية وكان غاية في الذكاء وحصل طرفًا جيدًا من الفقه، ولا اشتهر أمره نازع البرهان الاخنائي في تدريس المنصورية، وكان كثير الاستهتار بالكبار والاستهزاء بالصغار فكتبوا فيه بحضوره ونسبوه لعمل السحر والنجوم، فخلصه أكمل الدين ثم ولاه نور الدين الاخنائي مدرسة الحجازية. وتصدر بالجامع الأزهر ثم درس الفقه بالشيخونية فقرره أكمل الدين ثم بغيرها واتصل بالملك الظاهر وأجلسه عنده يوم الممالآت ثم فسد ما بينه وبين أكمل الدين فآل أمره إلى أن أهانه منطاش وأمر بضربه، ثم قيد فلم يثبت القيد في رجله فأعيد فيها فانكسر فتحيروا في أمره فبعضهم قال: إنه سحر وبعضهم قال: إنه صلاح وبعضهم: وقع اتفاقًا -اهـ- من الدرر الكامنة. ٥٥٩ - محمد بن حسن بن يوسف بن يحيى بن أحمد الحسيني (٣). أبو القاسم، قال الشيخ يحيى السراج في فهرسته: شيخنا الفقيه الجليل العلم الصدر الشهير الماجد الأصيل الفاضل ابن الففيه الجليل الفاضي الشريف المحدث الراوية الرحلة الحاج أبي علي، كان حسن الخلق والخلق

стр. 435

ساعيًا في حوائج معارفه وغيرهم باذلًا جهده فيه، معظمًا عند الأمراء والخاصة والعامة، فصيح الكلام والكتب ناظمًا مجيدًا عارفًا بأصول الفقه واللغة مشاركًا في بقية العلوم، لازم والده كثيرًا فسمع وقرأ وأخذ عن الأخوين الإمامين الفذين ابني الإمام أبي زيد وأبي موسى وابن جابر الهواري والمسند عبد المهيمن الحضرمي، وأجازه من الشرق الشرف الدمياطي والتاج الشرافي والشراف الطبري وغيرهم. مولده عام ثمانية عشر وسبعمائة، وتوفي موفى عشرين من ذي القعدة عام أحد وثمانين. ٥٦٠ - محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن علي بن إبراهيم الغساني البرجي (١). من برجة الأندلس الغرناطي، قال في الإحاطة: فاضل مجمع على فضله صالح الأبوة طاهر النشأة بادي الصيانة طرف في الخير والحشمة، صدر في الأدب جم الشاركة ثاقب الذهن جميل العشرة ممتع المجلس حسن الحظ والشعر والكتابة فذ في الانطباع يحكم كثيرًا من الآلات العملية ويجيد تفسير الكتاب، رحل للعدوة فاشتمل عليه السلطان الكبير أبو عنان فنوه به وملأ بالخير يده فاقتنى جدة وحظوة وشهرة وانقباضًا مع استرسال الملك وأثر الدعة، ومهد في رحلة طلب المشرق فأسعف به، ثم تولى قضاء فاس فسدد مع نزاهة، وهو الآن بحالة الموصوف من مفاخر بلده، نسيج وحده في السلامة والتخصيص واجتناب الفضول، واستعمل سفيرًا عند الفشتالي وغيره- اهـ. قال ابن خلدون: كان كاتب السلطان أبي عنان وصاحب الإنشاء والسر، مختصًا به نشأ بالأندلس واجتهد في العلم والتحصيل وقرأ وسمع وتفقه على شيوخ الأندلس واستبحر في الأدب وبرز نظمًا ونثرًا، وكان لا يجارى في كرم الطبع وحسن العشرة ولين الجانب وبذل البشر والمعروف، رحل لبجاية في عشر الأربعين وسبعمائة فتولى خطة الإنشاء بها ثم نزل تلمسان بعد تملك أبي الحسن المريني بجاية ثم استكتبه أبو عنان، ثم تولى قضاء فاس في زمن أبي

стр. 436

سالم فلم يزل عليها، ثم مات بعد الثمانين وسبعمائة، وأخبرني أن مولده سنة عشرة -اهـ- ملخصًا. وقال السراج في فهرسته: شيخنا الفقيه القاضي النزيه الخطيب البليغ الراوية المتفنن الفاضل المتخلق أبو القاسم ابن الفقيه الجليل الأستاذ المقري، نشأ بغرناطة وقرأ ثم انتقل لفاس فنوه به أبو عنان واشتهر في زمانه ورحل حينئذ وحج ورجع فحظي عند ملوك الغرب، ولي الخطابة والقضاء بالحضرة ودأب عليه، محمود السيرة، توفي في ثالث صفر سنة ست وثمانين وسبعمائة، وتولى قضاء الجماعة بفاس، كان فاضلًا بليغًا ذا سمت حسن متفننًا في معارف، صدرًا في الطلب علمًا في الأدب مائلًا بطبعه للتصوف مؤثرًا له محبًا في أهله مليح الخطابة جيد الخط والشعر والكتابة، ثاقب الذهن بعيدًا من فضول القول والعمل، جميل العشرة والمجلس صنع اليدين جملة فاضلة. أخذ السبع عن والده وغيره وعن الإمام الولي أبي إسحاق بن أبي العاص الكتب الخمسة في الحديث وغيرها، وعن العالم المحقق الولي الطنجالي وأبي جعفر بن الزيات وعبد المهيمن الحضرمي وابن جابر الوادي آشي وابن هدية القرشي والمجاصي وإمام الموقف خليل المكي وعبد اللَّه اليافعي -اهـ- ملخصًا. ٥٦١ - محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن مرزوق الخطيب (١). شمس الدين شهر بالخطيب وبالجد ابن مرزوق، شارح العمدة في الحديث والشفاء، ذكره ابن فرحون في الأصل أي في الديباج وأثنى عليه وذكر شيوخه، ولنذيله هنا لما لم يذكره هنا. قال ابن خلدون: صاحبنا الخطيب أبو عبد اللَّه التلمساني كان سلفه

стр. 437

نزلاء إلى مدين بالعباد متوارثين تربته من زمن جدهم خادمه في حياته وجده الخامس والسادس أبو بكر بن مرزوق معروف بالولاية فيهم، وولد صاحب الترجمة، على ما أخبرني، عام عشرة وسبعمائة ورحل مع والده للشرق سنة ثمان عشرة وسمع ببجاية على ناصر الدين، ولا جاور أبوه بالحرمين رجع هو للقاهرة فأقام وقرأ على البرهان السفاقسي وأخيه وبرع في الطلب والرواية، وكان يجيد الخطين، ورجع سنة ثلاث وثلاثين للمغرب ولقي السلطان أبا الحسن محاصرًا لتلمسان وقد بنى مسجدًا عظيمًا بالعباد. وكان عمه محمد بن مرزوق خطيبًا به على عادتهم، وتوفى فولاه السلطان خطابة ذلك المسجد مكان عمه، وسمعته يشيد بذكره في خطبته ويثني عليه فقربه، وهو مع ذلك يلازم ابني الإمام ويلقى أكابر الفضلاء ويأخذ عنهم، وحضر معه وقعة طريف وأرسله للأندلس وفشتالة في الصلح وفك ولده المأسور ورجع بعد وقعة القيروان مع زعماء النصارى وافدين على أبي عنان بفاس مع أمه حظية أبي الحسن، ثم رجع لتلمسان وأقام بالعباد وبها يومئذ أبو سعيد عثمان وأخوه أبو ثابت والسلطان أبو الحسن بالجزائر وقد حشد هناك فأرسل أبو سعيد بن مرزوق إليه سرًا في الصلح، فلما أطلع أبو ثابت على الخبر أنكره على أخيه فبعثوا من حبس ابن مرزوق ثم أجازوه البحر للأندلس فنزل على أبي الحجاج سلطان غرناطة فقربه واستعمله على الخطبة بجامع الحمراء فبقي عليها حتى استدعاه أبو عنان سنة أربع وخمسين بعد مهلك أبيه واستيلائه على تلمسان وأعمالها فنظمه في أكابر أهل مجلسه، ثم بعثه لتونس عام ثمان ليخطب له بنت السلطان أبي يحيى فردت الخطبة ووشى لأبي عنان أنه مطلع على مكانها وسخطه وأمر بسجنه فسجن مدة ثم أطلقه قبل موته. ولما تولى أبو سالم آثره وجعل الأمور بيده فوطيء الناس عقبه وغشي أشراف الدولة بابه وصرفوا إليه الوجوه، فلما وثب الوزير عمر بن عبد اللَّه بالسلطان آخر اثنين وستين حبس ابن مرزوق ثم أطلقه بعد طلب كثير من أهل الدولة قتله فمنعه منهم ولحق بتونس سنة أربع وستين ونزل على السلطان أبي إسحاق وصاحب دولته أبي محمد بن تافراكين. فأكرموه وولوه خطابة جامع

стр. 438

الموحدين وأقام بها حتى هلك أبو يحيى سنة سبع وولي ابنه خالد. ثم لما تولى أبو العباس الأمر بعد قتله خالدًا وبينه وبين ابن مرزوق شيء لميله مع ابن عمه محمد صاحب بجاية عزله عن الخطبة فوجم لها فأجمع الرحلة للشرق وسرحه السلطان فركب السفينة للاسكندرية ثم للقاهرة ولقي أهل العلم وأمراء الدولة فنفقت بضاعته عندهم وأوصلوه للسلطان الأشرف فولاه الوظائف العملية موفر المرتبة معروف الفضيلة مرشحًا للقضاء ملازمًا للتدريس حتى هلك سنة إحدى وثمانين -اهـ- ملخصًا. وقال في الإحاطة: كان من طرف دهره ظرفًا وخصوصية ولطافة، مليح التوسل حسن اللقاء مبذول البشر كثير التودد نظيف البزة لطيف التأتي خير البيت، طلق الوجه حلو اللسان طيب الحديث مقدر الألفاظ عارفًا بالأبواب دربًا بصحبة الملوك والأشراف، ممزوج الدعابة بالوقار والفكاهة بالنشك والحشمة والبسط، عظيم المشاركة لأهل وده والتعصب لإخوانه، ألفًا مألوفًا كثير الأتباع غاص النزاع بالطلبة منقادًا للدعوة بارع الخط أنيقه، عذب التلاوة متسع الرواية مشاركًا في فنون من أصول وفروع وتفسير يكتب ويشعر ويقيد ويؤلف فلا يعدوه السداد في ذلك، فارس منبر غير جزوع ولا هيابة، رحل للشرق في كنف وحشمة مع والده فحج وجاور ولقي جلة ثم فارقه. وقد عرف حقه بالشرق ورجع للغرب فاشتمل عليه أبو الحسن وجعله مفضي وإمام جمعه وخطيب منبره وأمين رسالته، وقدم الأندلس وسط عام اثنين وخمسين فقلده سلطانها خطبة مسجده وأقعده للإقراء بمدرسته، ثم صرف عنه جفن سره من أسره من أسلوب طماح ودالة فاغتنم الفترة وانتهز الفرصة فانصرف عزيز الرحلة مغبوط المنقلب في شعبان عام أربعة وخمسين فاستقر عند أبي عنان في محل تجلة وبساط قربة مشترك الجاه مجري التوسط -اهـ- ملخصًا. قال الحافظ ابن حجر: ولما وصل تونس أكرم إكرامًا عظيمًا فخطب ودرس في أكثر المدارس ثم قدم القاهرة فأكرمه الأشرف شعبان ودرس

стр. 439

بالشيخونية والصرغتمشية والنجمية، وكان حسن الشكل جليل القدر. مات في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين- اهـ. قال ابن الخطيب القسنطيني: شيخنا الفقيه الجليل الخطيب، توفى بالقاهرة ودفن بين ابن القاسم وأشهب، له طريق واضح في الحديث ولقي أعلامًا، سمعنا منه البخاري وغيره في مجالس، ولمجلسه لياقة وجمال، وله شرح جليل على العمدة في الحديث- اهـ. قلت: وقرأت بخط العالم أبي عبد اللَّه بن الإمام بن العباس التلمساني ما ملخصه: كتب بعض السادات للإمام زعيم العلماء الحفيد ابن مرزوق أنه وجد بخط جده الخطيب ابن مرزوق لما تفقه عمر بن عبد اللَّه على يد الشيخ أبي يعقوب كتب ما نصه: الحمد للَّه على كل حال خرج الطبري في منسكه أبو حفص الملائي في سيرته عن عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عمر قالا: وقف رسول اللَّه ﷺ على الثنية التي بأعلى مكة وليس بها يومئذ مقبور فقال: "يبعث اللَّه من هاهنا سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب ووجوههم كالقمر ليلة البدر "فقال أبو بكر: من هم يا رسول اللَّه؟ فقال: هم الغرباء من أمتي الذين يدفنون ها هنا" ففي الموضع دفن والدي ﵀ بعد سماعه الحديث بسبعة أيام أفتراه لا يشفع فيمن أقال عثرة ولده؟ أفما يشترى هذا بأموال الأرض؟ أفلا يراعى لي ثمانية وأربعين منبرًا في الإسلام شرقًا وغربًا وأندلسًا؟ أفلا يراعى لي أنه ليس اليوم يوجد من يسند أحاديث الصحاح سماعًا من باب اسكندرية إلى الريق والأندلس غيري؟ وقرأت عن نحو مائتين وخمسين شيخًا واللَّه ما أعلمه لكني حرمني اللَّه منه فنبذت الاشتغال به وآثرت اتباع الهوى والدنيا فهويت، اللهم غفرانك أفلا يراعى لي مجاورة نحو اثني عشر عامًا وختم القرآن في داخل الكعبة والاحياء في محراب النبي ﷺ بمكة؟ ولا أعلم من له هذه الوسيلة غيري، أفلا يراعى لي الصلاة بمكة ستة وعشرين سنة وغربتي بينكم ومحنتي في بلدي

стр. 440

على محبتكم وخدمتكم؟ من ذا الذي خدمكم من الناس يخرج على هذا الوجه؟ أستغفر اللَّه أستغفر اللَّه أستغفر اللَّه من ذنوبي، ذنوبى أعظم وربي أعلم وربي أرحم والسلام- اهـ. وفيه دليل على قدر الرجل ومكانته دينًا ودنيا، ورأيت له في بعض المجامع ما ملخصه: ومن أشياخ والدي سيدي محمد المرشدي لقيه في ارتحالنا للشرق وحملني إليه وأنا ابن تسع عشرة سنة، فنزلنا عنده وقت صلاة الجمعة، ومن عادته أن لا يتخذ إمامًا للمسجد وحضر حينئذ من أعلام الفقهاء من لا يمكن اجتماع مثلهم في غير هذا المشهد فقرب وقت الصلاة فتشوق من حضر من الفقهاء والخطباء للتقديم، فخرج الشيخ فنظر يمينًا وشمالًا وأنا خلف والدي فوقع بصره عليّ فقال لي يا محمد تعال فقمت معه إلى موضع خلوة فباحثني في الفروض والشروط والسنن قال: فتوضأت وأخلصت النية فأعجبه وضوئي ودخل معي المسجد وقادني للمنبر وقال لي: يا محمد ارق المنبر فقلت له: يا سيدي واللَّه ما أدري ما أقول فقال لي ارقه وناولني السيف الذي يتوكأ عليه الخطيب عندهم وأنا جالس مفكر فيما أقول إذا فرغ الأذان، فلما فرغوا ناداني بصوته وقال لي: يا محمد قم وقل بسم اللَّه قال: فقمت وانطلق لساني بما لا أدري ما هو إلا أني انظر إلى الناس فينظرون إليّ ويخضعون من وعظي فأكملت الخطبة فلما نزلت قال لي: أحسنت يا محمد وقراك عندنا أن نوليك الخطابة وأن لا تخطب بخطبة غيرك ما وليت وحييت، ثم سافرنا فحججنا وأراد والدي الجوار وأمرني بالرجوع لتلمسان لأونس عمي وأمر لي بالوقوف على سيدي المرشدي هنالك فوقفت عليه وسألني عن والدي فقلت له يقبل أيديكم ويسلم عليكم، فقال لي: تقدم يا محمد واستند لهذه النخلة فإن شعيبًا يعتي أبا مدين عبد اللَّه عندها ثلاث سنين، ثم دخل خلوته زمانًا ثم خرج فأمرني بالجلوس بين يديه، ثم قال: يا محمد أبوك من أحبابنا وإخواننا إلا أنك يا محمد إلا أنك يا محمد، فكانت إشارة منه لما امتحنت به من مخالطة أهل الدنيا والتخليط، ثم قال: يا محمد أنت مشوش من جهة أبيك تتوهم أنه مريض ومن بلدك، أما أبوك فبخير وعافية وهو الآن عن يمين منبر الرسول

стр. 441

- ﷺ وعن يمينه خليل المكي وعن يساره أحمد قاضي مكة. وأما بلدك فسم اللَّه فخط دائرة في الأرض ثم قام فقبض إحدى يديه على الأخرى وجعلهما خلف ظهره وجعل يطوف بتلك الدائرة ويقول: تلمسان تلمسان حتى طاف بها مرات، ثم قال لي: يا محمد قد قضى اللَّه الحاجة فيها فقلت له: كيف يا سيدي، فقال ستر اللَّه إن شاء اللَّه على ما فيها من الذراري والحريم، ويملكها هذا الذي حصرها فهو خير لهم. ثم جلس وجلست بين يديه فقال لي: يا خطيب، فقلت يا سيدي عبدك ومملوكك، فقال: كن خطيبًا أنت الخطيب، وأخبرني بأمور وقال لي: لا بد أن تخطب بالجانب الغربي وهو الجامع الأعظم بالاسكندرية، ثم أعطاني شيئًا من كعيكعات صغار وزودني بها وأمرني بالرحيل. وأما خبر تلمسان فدخلها المريني كما ذكر وستر اللَّه على ما فيها من الذراري والحريم، وكان هذا المرشدي يتصرف في الولاية كتصرف أبي العباس السبتي، نفعنا اللَّه بهما- اهـ. ولصاحب الترجمة تآليف كشرحه الجليل على عمدة الأحكام في أسفار خمسة جمع فيها بين ابن دقيق العيد والفاكهاني مع زوائد، وشرحه النفيس على الشفا ولم يكمل، وشرح الأحكام الصغرى لعبد الحق وشرح فرعي ابن الحاجب سماه: إزالة الحاجب لفروع ابن الحاجب ولا أدري كمل أم لا. وبيته بيت علم ودراية ودين وولاية كعمه وأبيه وجده وجد أبيه وكولديه محمد وأحمد وحفيده الإمام النظار الحفيد بن مرزوق وولد حفيده المعروف وحفيد حفيده المعروف الخطيب، وهو آخر فقهائهم، فيما أعلم. ٥٦٢ - محمد بن علي بن أحمد بن محمد الدوسي البلنسي (١). أبو عبد اللَّه، من علماء غرناطة يعرف بالبلنسي، قال في الإحاطة: كان حسن اللقاء عفيف النشأة، مكبًا على العلم والاستفادة، قائمًا على العربية

стр. 442

والبيان، ذاكرًا لكثير من المسائل، متفننًا حسن الإلقاء والتقرير تولى بعض أمور المتغلب على الدولة فجرت عليه نكبة ثم خلص منها بحسن براءته، لازم شيخ الجماعة ابن الفخار وانتفع به وأعاد دول دروسه، وقرأ على غيره، له تفسير كبير على القرآن وتأليف في مبهماته، وهو من فضلاء جنسه- اهـ. قلت: وأخذ عنه الإمام أبو إسحاق الشاطبي والقاضي أبو بكر بن عاصم المنتوري، ولد يوم الاثنين خامس عشر ذي الحجة عام أربعة وعشرين وسبعمائة وتوفي يوم السبت خامس ربيع الأول عام اثنين وثمانين، كذا وجدته بخطه. ٥٦٣ - محمد بن عبد المؤمن (١). من فقهاء فاس في طبقة موسى العبدوسي، نقل عنه في المعيار. ولم أقف له على ترجمة. ٥٦٤ - محمد بن عبد اللَّه الهاروني (٢). الفقيه أبو جابر، مشهور بكنيته كان ماهرًا في مذهبه كثير المخالفة في الفتوى، كثير الاستحضار، توفى سنة ست وسبعين وسبعمائة -اهـ- من أنباء الغمر. ٥٦٥ - محمد بن محمد بن يوسف بن محمد بن محمد بن علي الأنصاري (٣). شهر بابن الخشاب الغرناطي، قال السراج في فهرسته: شيخنا الفقيه الأستاذ الجليل الخطيب البليغ المقرئ الراوية المسند أبو القاسم ابن الفقيه العدل أبي عبد اللَّه، كان راوية عارفًا بالوثائق خطيبًا بليغًا كثير التلاوة للقرآن وقورًا حسن السمت واللبس مليح الشيبة، أخذ عن والده وخاله الأستاذ عبد اللَّه بن سلمون والقاضي ابن بكر سمع عليه مسلمًا والنسائي وابن ماجه

стр. 443

والخطيبين الصالحين أبي الحسن القيجاطي وأبي علي عمر بن عتيق وأبي القاسم بن جزي وأبي الحسن بن الحباب والأستاذ البياني وابن الفخار البيري وأجازه المزني والبرزلي وأبو حيان والمشهاب أبو العباس بن كشتغدي، ومن تونس الشريف محمد بن يحيى الحسني البجائي وابن عبد السلام وابن جابر، ومن المغرب القاضي ابن عبد الرزاق وابن أبي يحيى وعبد المهيمن الحضرمي في جماعة يقاربون أربعمائة شيخ، جمعهم في معجم كبير نحو عشرين جزء، أجازني عام اثنين وسبعين وسبعمائة -اهـ- ملخصًا. ٥٦٦ - محمد بن سعيد بن عثمان بن سعيد الصنهاجي الهنائي البرنسي الزموري الدار شهر بانقشابو (١). الشيخ الفقيه القاضي العدل الأرضي المحدث الراوية الواعية المدرس المتقن المتفنن أبو عبد اللَّه الفقيه المفتي المدرس المصنف القاضي الحاج الرحلة، أخذ عن أبي حيان والقاضي ابن عبد الرزاق الجزولي وأبي العباس ابن عبد الرحمن المكناسي، عرف بالمجاصي والحافظ العلامة المقري وغيرهم، وأجازني. صح من فهرسة ابن الأحمر. قلت: له تآليف كشرح فرعي ابن الحاجب سماه معتمد الناجب في إيضاح مبهمات ابن الحاجب في ثلاثة أسفار، وذكر فيه أنه حضر قراءته على مشايخ مصر والاسكندرية، وذكر في باب الحج منه ما نصه: حدثني شيخي شيخ المالكية بمكة خليل: أنه حدثه من يثق به من الأولياء المجاورين بمكة أنه رأى الجمار ترفع إلى السماء- اهـ. وله أيضًا كنز الأسرار ولاقح الأفكار جزء مليح وقفت عليه. ٥٦٧ - محمد بن محمد بن عمران الفنزاري السلوي عرف بالمجراد (٢). فهو عبد اللَّه فقيه محدث مدرس صالح، أخذ عن ابن الفخار الحولاني

стр. 444

وأبي الفضل بن الحسن المزدغي وغيرهما، وتوفي عام ثمانية وسبعين وسبعمائة. ٥٦٨ - محمد بن علي بن البقال الأنصاري الفاسي (١). قال ابن الأحمر في فهرسته: الفقيه العدل الكثير الحياء والصمت أبو عبد اللَّه ابن الفقيه المدرس، أخذ عن والده وعن الإمام أبي العباس بن البناء العددي، وتوفي بفاس عام ثمانية وسبعين وسبعمائة، أجازني عامة- اهـ. ٥٦٩ - محمد بن سعيد بن محمد بن عثمان الرعيني الأندلسي الفاسي مولدًا ووفاة، من أعلامها (٢). قال أبو زكريا السراج في فهرسته: شيخنا الحسن الفقيه الحاج الصالح الفاضل أبو عبد اللَّه، كان فاضلًا دينًا خيرًا حسن الخلق متواضعًا مولعًا بالتقييد والتصنيف، قلّ ما تراه إلا ناظرًا أو مقيدًا لفائدة مقتر الرزق صابرًا عليه، تفقه على أبي الحسن الصغير والحافظ عبد الرحمن الجزولي وأبي سالم اليزناسني وأبي الحسن المزدغي. وأخذ عن جماعة شرقًا وغربًا كأبي الحسن بن سليمان والمفسر أبي عبد اللَّه بن أيوب الصنهاجي والإمام ابن البن الأزدي، سمع عليه من تآليفه تفسير الباء من بسم اللَّه، وتفسير الاسم وتأويله وتفسير سورة الكوثر ومراسم الطريقة في فهم الحقيقة من حال الخليفة ومقالة في المكاييل الشرعية، والكلام على القبلة وعن الشيخ الفقيه الراوية الرحلة الحدث المحقق الضابط أبي القاسم التجيبي السبتي، لقيه بفاس وأجازه برنامج روايته ومؤلفاته، والخطيب الراوية المحدث ابن رشيد والشيخ المسند الراوية أبي بكر محمد بن محمد بن أبي عمر محمد بن خليل السكوني، والأصولي النظار قاسم بن الشاط، قال: كان شيخنا ابن رشيد يقول: ما رأيت عالمًا بالمغرب إلا ابن البنا بمراكش وابن الشاط بسبتة.

стр. 445

وعن القاضي أبي عبد اللَّه القرطبي السبتي وابن عبد المنعم والناصر المشذالي وابن عبد الرفيع وابن قداح وأثير الدين أبي حيان وابن سيد الناس في جماعة كثيرة، ذكرهم في برنامجه، وتوفي ثامن صفر عام تسعة وسبعين وسبعمائة -اهـ- ملخصًا. قال ابن الأحمر في فهرسته: شيخنا الفقيه المعمر المحدث الصالح الرحال الجامع أبو عبد اللَّه الفاسي يعرف بالرعيني وبالسراج، توفى عام ثمانية وسبعين أخذ عن جماعة فذكر بعض من تقدم. وقال بعضهم: كان من فقهاء فاس نسخ بخطه أزيد من مائة وخمسين كتابًا وألف في فنون منها: تحفة الناظر ونزهة الخواطر في غريب الحديث، والجامع المفيد في سفرين "والغرب في حثالة صلحاء المشرق والمغرب" والقواعد الخمس، والمقامات وشرحها، والوعظ والشعر، والمهاد والاعتماد في الجهاد، وتنبيه الغافل وتعليم الجاهل. واختصر مقدمات ابن رشد والأسئلة والأجوبة واختصار حدود الشيرازي ونظم مراحل الحجاز، والروضة البهية في البسملة والتصلية، وروى عن نحو ستين شيخًا مخربًا وشرقًا منهم ابن الشاط وابن رشد وأبو حيان وأبو الحسن الصغير والناصر المشذالي وأبو الربيع اللجائي. هكذا وجدت بخطه، رحمة اللَّه. ٥٧٠ - محمد الغرباني التونسي أبو عبد اللَّه (١). قال البرزلي: الفقيه العدل الدرس- اهـ. وهو من معاصري ابن عرفة، تنازع معه في مسألة القبطان المكاس القائل لرجل في محاورة: أنا عدوك وعدو نبيك، فأفتى صاحب الترجمة بأنه مرتد وأفتى ابن عرفة بأنه منتقص بقتل بلا استتابة، وجرى في ذلك بحث لابن عرفة مع الابي وغيره.

стр. 446

٥٧١ - محمد بن علي بن حياتي الغافقي (١). الأستاذ النحوي، قال السراج في فهرسته: شيخنا الفقيه الجليل الأستاذ المقري النحوي المحقق الصدر المتخلق الفاضل، كان شيخ الجماعة بقطرنا والمنفرد بالإمامة في النحو في أفقنا حيى به ما درس من رسمه على يديه ونفع به أكثر من قرأ عليه، نشأ بغرناطة وقرأ بها ولازم المحقق شيخ الجماعة ابن الفخار البيري قرأ عليه بالسبع ثمان ختمات وعرض عليه الرسالة حفظًا وقرأ عليه كثيرًا. وانتقل لفاس وأخذ بها عن الأستاذ أبي العباس اليفرني المكناسي والفقيه قاضي الجماعة ابن عبد الرزاق وغيرهما، ولد سنة ثمانية عشر وسبعمائة، وتوفى يوم الخميس ثامن جمادى الأولى عام ثمان وثمانين وسبعمائة. وقال ابن الخطيب القسنطيني: شيخنا الأستاذ، له تحقيق في النحو والقراءات، طلب منه بعض الناس قراءة الجزولية فأخذها الأستاذ في يده وقصد شيخنا أبا العباس أحمد بن الشماع المراكشي لمعرفته بالمنطق وقرأ عليه استفتاحها في الجنس والنوع وأنا حاضر، ثم أقرأها عشية يومه، وهذا من انصافه وتحقيقه، توفي بفاس عام أحد وثمانين- اهـ. وهو خلاف ما تقدم في وفاته، والأول أشبه وأخذ عنه الإمام ابن مرزوق الحفيد. ٥٧٢ - محمد بن سعد بن أحمد بن لب بن حسن بن بقي (٢). وبهذا الأخير يعرف، من علماء غرناطة كان خطيبًا أستاذًا راوية، قال في الإحاطة: كان فاضلًا حسن الخلق جميل العشرة كريم الصحبة مبذول المشاركة معروف الذكاء والعرفة، مبسوط الكف مع الانقباض عفة مع الحشمة، تسع الطوائف أكناف خلقه ويعم المتضادين رحب ذرعه، محصل حصيف العقل

стр. 447

حسن المشاركة في فنون من فقه وقراءة ونحو وغيرها، حلق التعليم في الجوامع فانثال عليه المتعلم والمستفيد لإجادة بيانه وحسن تفهمه. قرأ بنافع على أبيه وعلى الخطيب ابن طرفة وابن عامور، والعربية على إمام فيها الأستاذ ابن الفخار، وجود عليه بالسبع، وعلى الأستاذ ابن لب أنشدني في اثر مواراة جنازة: كم أرى مدمن لهو ودعه ... لست أخلو ساعة من تبعه كان لي عذر لدى عصر الصبا ... وأنا آمل في العمر سعه أو ما يوقظنا من حالنا ... ألف لقبره قد شيعه سيما وقد بدا بفرق ... ما أخال الموت قد جاء معه فدعوني ساعة أبكي على ... عمر أمسيت ممن ضيعه وأنشدني في النوم وهو يكرره كثيرًا: أباد البينِ [أجياد] التلاقي ... وحالتْ بينَنا خيل الفراقِ فجودوا وارحموا وارثوا ورِقُّوا ... على من جفنه سكبَ المآقِي ولد عام اثنين وعشرين وسبعمائة -اهـ- ملخصًا. ورأيت في موضع آخر ولد يوم الجمعة ثاني عشر صفر عام اثنين وعشرين وسبعمائة، وتوفي يوم الجمعة ثاني عشرين من ذي القعدة عام أحد وتسعين، أخذ عنه العلامة الراوية المنتوري وغيره، وهو جد الإمام المواق لأمه. ٥٧٣ - محمد بن أحمد البطروني الأنصاري التونسي محدثها أبو الحسن (١). قال البرزلي: شيخنا الفقيه الراوية المحدث المسن المقرئ الصالح الزهد- اهـ. وقال أبو الطيب بن علوان: سيدنا الإمام الخطيب الراوية المتقن الأصيل

стр. 448

المشاور ولي اللَّه أبو الحسن ابن الحافظ أبي العباس، أخذ عن والده، والقطب ماضي ابن سلطان خادم أبي الحسن الشاذلي يروى عنه جميع أحزابه، وأجازه نور الدين بن فرحون والعز بن جماعة. مولده عام ثلاثة وسبعمائة وتوفى تاسع عشر ذي القعدة عام ثلاثة وتسعين وسبعمائة- اهـ. قال ابن الخطيب القسنطيني: شيخنا الفقيه الخطيب الصالح، ابتدأ الرواية عام تسعة وسبعين- اهـ. وممن أخذ عنه البسيلي والوانوغي وغيرهم. ٥٧٤ - محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عمر (١). وبه اشتهر، اللخمي الفاسي أبو عبد اللَّه الأستاذ الصالح. قال السراج في فهرسته: شيخنا الفقيه المسن الأستاذ الجليل المقرئ الراوية المتخلق الصالح الفاضل، انفرد بعلو الرواية في قطرنا وجلس للإقراء بفاس، مواظبًا عليه صابرًا محتسبًا للَّه، قرأ عليه خلق كثير حتى كبر وضعف وعجز عن الخروج فأقرأ بداره مدة ثم اشتد ضعفه فصار يقرئ في بعض الأوقات، أخذ عن أبي الحسن بن سليمان القرطبي القراءات وعن قاضي الجماعة ابن عبد الرزاق. ولد عام ثلاثة وسبعمائة وتوفى ليلة الأحد ثاني عشر المحرم عام أربعة وتسعين -اهـ- مختصرًا. ٥٧٥ - محمد بن موسى بن عامر أبو عبد اللَّه الغماري (٢). نزيل مكة، كان كثير العناية بالعبادة، يحكى عنه أنه أصابته فاقة زائدة فبينما هو طائف بالكعبة إذ رأى المطاف ممتلئًا ذهبًا بحيث غاصت رجلاه فيه إلى فوق قدميه فقال يعني للذهب: تقربني، ولم يتناول منه شيئًا، وكان قدومه مكة سنة ثمانين وسبعمائة. ٥٧٦ - محمد بن عمر بن علي بن عبد الرزاق الغماري النحوي (٣). الشيخ شمس الدين، قال ابن حجر: أخذ العربي والقراءات عن أبي

стр. 449

حيان وغيره وأخذ عن الشيخ خليل وحدّث، وكان عارفًا باللغة والعربية بارعًا فيهما كثير الحفظ للشعر سيما الشواهد، قوي المشاركة في الأدب، قال السيوطي: قال بعضهم: تفرد على رأس المائة الثامنة خمسة بخمسة: البلقيني بالفقه والعراضي بالحديث والغماري هذا بالنحو والشيرازي صاحب القاموس باللغة وابن الملقن بكثرة التصانيف، وتوفي في شعبان سنة اثنين وثمانمائة وولد في ذي القعدة سنة عشرين وسبعمائة- اهـ. قلت: ويزاد على الخمسة فيقال: وابن عرفة بجمع العلوم والتحقيق والشريف الصقلي بمعرفة الطب. وممن أخذ عن الغماري الكمال الدميري الشافعي والإمام ابن مرزوق الحفيد في شعبان الأثاري وغيرهم. ٥٧٧ - محمد بن محمد بن عرفة الورغمي (١). التونسي، إمامها وعالمها وخطيبها الإمام العلامة المحقق القدوة النظار شيخ الإسلام العالم المبعوث على رأس المائة الثامنة حسبنا ذكره السيوطي في نظمه، عرّف به في الديباج وأثنى عليه غاية، ولنذيله بما قال غيره، قال الشيخ الرصاع: هو شيخ الإسلام الإمام الأعلم الصالح القدوة الفهامة البركة الحاج الأنزه الأكمل، كان والده خيرًا صالحًا متعبدًا، جاور بالمدينة الشريفة، على ساكنها الصلاة والسلام، ولازمها حتى توفي. كان يدعو آخر الليل لولده بعد تهجده ويصلي على النبي وسلم عليه ثم يقول: يا نبي اللَّه محمد بن عرفة في حماك يقوله في كل ليلة، فصحبه اللطف الجميل في حياته، وظهر عليه آثار البركة بعده، وكان أبوه صاحب جد وولاية يناول عصى الخطيب لولي اللَّه خليل المكي فإذا ناوله يقول: يا سيدي ادع لمحمد ولدي، فكان له بذلك الكرامات، كان الشيخ، ﵁،

стр. 450

في صغره مشهورًا بالجد والاجتهاد والمطالعة والمذاكرة، لازم الشيوخ الجلة، أخذ عن الإمام ابن عبد السلام القراءات العشر والحديث ولازمه كثيرًا وأخذ عنه علمًا غزيرًا، والفرائض على الشيخ السطي والعلوم العقلية على ابن اندراس والابلي وابن الحباب، والنحو والمنطق والجدل على ابن الحباب والحساب وسائر العقول على الابلي وكان يثني عليه، وقرأ بالسبع على ابن سلامة، والفقه على ابن عبد السلام وابن قداح وابن هارون والسطي، وأما جدّه واجتهاده في الطاعات من صلاة وصيام وصدقة فيقال: إنه بلغ درجة كثير من التابعين، وحكاية حاله في ذلك تحتاج لتأليف. ألّف تآليف العجيبة كمختصره الفقهي، لم يسبق به في تهذيبه وجمعه وأبحاثه الرشيقة وحدوده الأنيقة، وتأليفه في المنطق فيه من القواعد والفوائد، على صغر جرمه، ما يعجز عنه الفحول، وتأليفه في الأصلين وغيرهما من املآته الحديثية والقرآنية والحكم الشرعية، وكان مسعودًا في دنياه مرضيًا عنه في أخراه، مع طول عمره هابته الملوك وقامت بحقه، ومن سعادته أنه لم يتل بتولية القضاء مع قدرته على تحصيله حفظًا من اللَّه تعالى له، تولى إمامة الجامع الأعظم سنة خمسين وسبعمائة وقدم لخطابته عام اثنين وسبعين وللفتوى عام ثلاثة وسبعين، ولم يقع له عذر في صلاة من الصلوات إلا زمن أمراضه الثلاثة وزمن خروجه في مصلحة المسلمين بعثه الملك الهمام أبو العباس، جمع اللَّه له خيري الدنيا والآخرة، كان، ﵀، وليًا صالحًا ذكيًا قدوة سنيا عارفًا محققًا، صاحب سعدة، نهاية في المنقول والمعقول بقية الراسخين آخر المتعبدين، تواتر هديه وغزارة علمه وقوة فهمه، ألقى اللَّه محبته في القلوب، شيخ كثير من شيوخنا، وكان شيوخنا الآخذون عنه يقفون عند حده معظمين لقدره مسلمين لفهمه، وتلقينا عنهم كراماته ومحاسنه وحسن دينه وطريقته، وكتبه جامعة مانعة شافية مبرز الفقهاء قل من يفك رموزه ويفهمها، يتفاخرون بذلك خلفًا عن سلف -اهـ- كلام الرصاع ملخصًا. قال القاضي ابن الأزرق: ووقفت في مكتوب لابن عرفة وفيه أنه قرأ على ابن الحباب جملة من كتاب سيبويه قراءة بحث وتحقيق، وجملة من

стр. 451

التسهيل على بعض شيوخه، وسمع القاء ابن عبد السلام والتفسير من أول القرآن العظيم لآخره بما يجب لذلك من تحقيق أحكام الاعتقاد والفقه وقواعد العربية والبيان وأصول الفقه وغيرها مما تتوقف هذه المذكورات عليه، مع مراجعة وبحث وأسئلة وجواب، وقرأ عليه جميع صحيح مسلم بلفظه إلا يسيرًا، سمعته بقراءة غيره وسمعت عليه بعض البخاري والموطأ وقرأت عليه جملة من التهذيب وسمعت عليه سائر أزيد من ختمة قراءة بحث وفقه ونقل وفروع الأمهات وأحاديث الأحكام مع التنبيه عليها تصحيحًا وتحسينًا وتعقب ما تعقبه الأئمة وغيرها مما قرئ عليه مما قرأه على شيوخه مع ما أفاد من ذكر الأدب في الاشتغال بالتعلم خصوصًا حكم البحث والمراجعة وتوجيه الأسئلة- اهـ. وقال تلميذه الإمام الابي: كان شيخنا من حسن الصورة والكمال على ما هو معروف، وكان شديد الخوف من أمر الخاتمة يطلب كثيرًا الدعاء له بالموت على الإسلام ممن يعتقد فيه خيرًا، أعطاني يومًا شيئًا مما يتصرف به الأولاد وقال: اعطه للولد الذي عندك وكان ولدًا سباعيًا وقل له يدعو لي بالموت على الإسلام رجاء قبول دعاء الصغير، فلحقتني منه عبرة وشفقة، وكان يقول في حديث أو علم ينتفع به بعده إنما تدخل التآليف في ذلك إذا اشتملت على فوائد زائدة وإلا فهو تخسير للكاغد، ويعاني بالفائدة الزائدة على ما في الكتب السابقة عليه، أما إن لم يشتمل التأليف إلا على نقل ما في الكتب فهو الذي قال فيه: تخسير للكاغد، وهكذا يقول في حضور مجالس التدريس أنه إن لم يكن فيها التقاط زيادة من الشيخ فلا فائدة في حضور مجلسه بل الأولى لمن حصلت له معرفة اصطلاح وقدر على فهم ما في الكتب أن ينقطع لنفسه ويلازم النظر، ونظم ذلك في أبيات فقال: إذا لم يكن في مجلس الدرس نكتة ... وتقرير إيضاح لمشكل صورة وعزو غريب النقل أو فتح مقفل ... أو إشكال أبدته نتيجة فكرة فدع سعيه وانظر لنفسك واجتهد ... وإياك تركًا فهو أقبح خلة

стр. 452

قال الأبي: وقلت مجيبًا: يمينًا بمن أولاك أرفع رتبة ... وزان بك الدنيا بأكمل زينة لمجلسك الأعلى كفيل بكلها ... على حين ما عنها المجالس ولت فأبقاك من رقاك للخلق رحمة ... وللدّين سيفًا قاطعًا كل فتنة ثم قال: وإني لبار في قسمي هذا، فلقد كنت أقيد من زوائد القائه وفوائد إبدائه الخمس التي تقرأ في مجلسه من تفسير وحديث وثلاثة في التهذيب نحو الورقتين كل يوم مما ليس في الكتب، قدّس اللَّه روحه، فقد كان الغاية، وشاهد ذلك تآليفه وناهيك مختصره الفقهي الذي ما وضع في الإسلام مثله لضبطه في المذهب مسائل وأقوالًا مع زوائد مكملة والتنبيه على مواضع مشكلة وتعريف الحقائق الشرعية قال: وقال يومًا: لولا خوف الحاجة في الكبر ما بت وعندي عشرة دنانير، ثم حبس آخر عمره قبلٍ موته من الربع ما يفرق من أكريته آخر كل شهر نحو اثنين وعشرين دينارًا- اهـ. وقال تلميذه البرزلي: أدركناه يقرأ في الصيف الأصلين والمنطق والفرائض والحساب والقراءات في آخر عمره وجالسناه نحو أربعين عامًا وأخذنا عنه علومه وهديه- اهـ. وقال تلميذه البسيلي بعد إيراد أسئلة وأجوبة، وهذه الأسئلة والأجوبة مما تقع بين الطلبة في مجلس شيخنا ابن عرفة أو بينه وبينهم مما يدل على علو رتبته وعظم منفعه ولذا كان الحذاق يفضلونه على غيره من مجالس التدريس- اهـ. قال الحافظ ابن حجر في أنباء الغمر: شيخ الإسلام بالمغرب، سمع من ابن عبد السلام وابن سلامة وابن بلال واشتغل ومهر في الفنون وأتقن المعقول حتى صار المرجع في الفنون إليه ببلاد الغرب، معظمًا عند السلطان فمن دونه مع دين متين وصلاح، له تصانيف منها المبسوط في المذهب سبعة أسفار إلا أنه شديد الغموض، ونظم قراءة يعقوب، أجازني وكتب لي خطه لما حج بعد التسعين، وعلق عنه بعض أصحابنا كلامًا في التفسير في مجلدين كثير الفوائد كان يلتقطه في حال قراءتهم عليه ويدونه أولًا فأولًا، وكلامه دال على توسع في

стр. 453

الفنون واتقان وتحقيق- اهـ. وقال تلميذه أبو الطيب بن علوان: كان شيخنا ابن عرفة إمامًا علامة محققًا مفتيًا مدرسًا خطيبًا صالحًا حاجًا، فاز من كل فن بأوفر نصيب وحاز في الأصول والفروع السهم والتعصيب، رمى لهدف كل مكرمة بسهم مصيب وأطلعت سماء إفاداته ذراري علم عيشهم وإبل مرعاهم خصيب فمنفعته بعد موته دائمة وبركاته بعد وفاته وتلامذته وأوقاته قائمة جمع بين طرفي العمل والعلم وشغل أوقاته بخير، فليس وقت منها بهزل، أيامه صيام ولياليه قيام وركوع وسجود جاهد هجوم الليل وآثر السجود على النوم والهجود- اهـ. وقال تلميذه الشمس بن عمار: اجتمعت به سنة ثلاث وتسعين وأخذ عنه المصريون وهو إمام حافظ وقته بفقه مذهبه شرقًا وغربًا، انتهت إليه الرياسة في قطره أجمع في الفنون والتحقيق والمشاورة مع خشونة جانبه وشدة عارضته وبراءته من المداهنة وحرز من المخاشنة- اهـ. قال القاضي ابن الأزرق: حال الشيخ ابن عرفة في بلوغه أقصى مراتب الغاية العلمية لا ينكر ومقامه في المجاهدة العملية من أشهر ما يذكر، فقد أخبرني الفقيه القاضي الأجل خاتمة السلف أبو عبد اللَّه الزلديوي نزيل تونس مكاتبة قال: كان ابن عرفة في العلوم كما دلت عليه تآليفه فيها وفي العبادة بالمزية الأعلى قال: سمعت شيخنا الإمام المعظم قاضي الجماعة أبا مهدي الغبريني يقول: لا يرى ولا يسمع مثل سيدي الفقيه في ثلاثة أشياء الصيام والقيام وتلاوة القرآن إلا ما يذكر عن رجال رسالة القشيري فلا تراه أبدًا إلا صائمًا ويقرأ عشرين حزبًا في ساعة معتدلة وقيامه معلوم يقوم في جامع الزيتونة العشر الأواخر من رمضان في كل عام حتى عجز عنه قرب وفاته. قال الزلديوي المذكور: أول ما لقيناه عام ثلاثة وتسعين وله سبع وسبعون سنة وقرأنا عليه جميع صحيح البخاري بقراءة شيخنا قاضي الجماعة أبي مهدي المذكور وحضر هذه الختمة جميع أعلام تونس وعلماؤها وطلبتها صغارًا وكبارًا، وكانت من الغرائب قراءة عالم على عالم وهما علماء وقتهما، وذلك في رمضان

стр. 454

أول عام من هذا القرن، وسبب القراءة ما أصاب أمير الؤمنين حجة اللَّه على السلاطين أبا فارس بجبل أوراس فأمر بقراءته لأنه ترياق الشدائد فقرئ كذلك، ثم أجازا كل من حضر أو مهدي بقراءته والشيخ الإمام بالقراءة عليه- اهـ. قال ابن الأزرق: وأفادني الفقيه العالم المتفنن أبو الحسن القلصادي قال: أفادني شيخنا الإمام العلامة محمد بن عقاب وغيره من علماء تونس أن الإمام آخرًا بالفقه خصوصًا من حين تولى الفتيا بعنى بالمدونة غاية ملازمًا لنظرها. قرأ بالسبع على ابن سلمة من طريق الداني وابن شريح وعلي بن برا من طريق الداني وأصول الدين على ابن سلمة وابن عبد السلام وأصول الفقه على ابن علوان والنحو على ابن نفيس والجدل على ابن الحباب، والفقه على ابن عبد السلام وسائر المعقولات على الشيخ الابلي، وكان يثني عليه كثيرًا ويقول: إنه لم ير ممن قرأ عليه مثله والشريف التلمساني. ولي إمامة جامع الزيتونة عام ستة وخمسين وخطابته عام اثنين وسبعين والفتوى عام ثلاثة وسبعين، وابتدأ تصنيف المختصر الفقهي عام اثنين وسبعين وكمله عام ستة وثمانين، واستخلف، حين حج، على الإمامة قاضي الجماعة عيسى الغبريني وعلى الخطابة الولي الصالح أبا عبد اللَّه البطروني وعاد لخططه عام ثلاثة وتسعين لما رجع إلا موته، وكان مجدودًا في دنياه موسعًا عليه فيها، مالًا وجاهًا ونفوذ كلمة- اهـ. وقال تلميذه أبو حامد بن ظهيرة المكي في معجمه: هو إمامة علّامة برع أصولًا وفروعًا وعربية ومعاني وبيانًا وقراءة وفرائض وحسابًا، رأسًا في العبادة والزهد والورع ملازمًا للشغل بالعلم، رحل إليه الناس وانتفعوا به ولم يكن بالمغرب من يجري مجراه في التحقيق ولا من اجتمع له من العلوم ما اجتمع له، تأتي إليه الفتوى من مسيرة شهر، له مؤلفات مفيدة، لم يخلق بعده مثله- اهـ.

стр. 455

قلت: قوله: ولم يكن بالغرب من يجري مجراه!. . الخ يعني، واللَّه أعلم، بالنسبة لآخر عمره أو ببلاده افريقيا فقط، وإلا فقد كان بالمغرب الأوسط والأقصى والأندلس من هو مثله ومن لا يتقاصر عن رتبته فيما ذكر من جمعه وتحقيقه، فهذا الإمام الشريف التلمساني والإمام المقري والقاضي أبو عثمان العقباني في تلمسان، وشيخ الشيوخ أبو سعيد بن لب والإمام النظاري أبو إسحاق الشاطبي بغرناطة والإمام القباب بفاس، فهؤلاء أمثاله في علومه بلا شك، بل قال ابن مرزوق في حق الشريف أنه أعلم أهل وقته بإجماع، كما تقدم. ونذكر ما وقع بين ابن عرفة وابن لب وكذا بينه وبين الشاطبي في المراجعات والأبحاث في عدة مسائل، نعم هؤلاء ماتوا قبله بزمن بل تأخر عن المقري بأزيد من أربعين عامًا وعن الشريف بأزيد من ثلاثين وعن ابن لب بأزيد عن عشرين، وكذا عن القباب وعن الشاطبي بأزيد من عشر سنين إلا العقباني وحده، واللَّه أعلم، نعم إنما فاقهم بتأليفه الفقهي، وقال البسيلي وغيره: مولده ليلة سابع وعشرين من رجب ستة ست عشرة وسبعمائة وتوفى يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الأولى عام ثلاثة وثمانمائة فعمره سبع وثمانون عامًا إلا نحو شهرين، وحبس قبل موته كثيرًا من الرباع، وتصدق قرب موته بمال كثير، وكان قدر تركته ثمانية عشر ألفًا ذهبًا دنانير ما بين عين وحلى ودرهم وطعام وكتب، وكان مجاب الدعاء، ومما رأيت من بركته إذا جلس قبالته في درسه فربما. وأخبرني عم والدي الشيخ الصالح عبد العزيز البسيلي أنه رأى في نومه بعضر معاصريه وهو الفقيه المفتي القاضي أحمد بن حيدرة، وكان في نفسه منه شيء فقال له اطلب لي منه السماحة لأني رأيت له منزلة عظيمة عند اللَّه تعالى قال لي: نعم، فالتقيت بالشيخ ابن عرفة وأخبرته بذلك فقال لي: الملتقى بين يدي اللَّه تعالى، ولم يزد على ذلك- اهـ. قال أيضًا: ومن نظمه قرب وفاته: بلغت الثمانين بل جزتها ... فهان على النفس صعب الحمام

стр. 456

وآحاد عصري مضوا جملة ... وعادوا خيالًا كطيف المنام وأرجو به نيل صدر الحديث ... بحب اللقاء وكره المقام وكانت حياتي بلطف جميل ... لسبق دعاء أبي في المقام أشار بقوله: وأرجو. . . البيت، لحديث "من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه" الحديث، وصدره: أوله. وأنشدني بعض الحذاق من الطلبة تخميسًا لنفسه: علمت العلوم وعلمتها ... ونلت الرئاسة بل جزتها فهاك سنين عددتها ... بلغت الثمانين (البيت) فلم تبق لي في الورى رغبة ... ولا في العلى والنهي بغية وكيف أرجيهما لحظة ... وآحاد عصري (البيت) ونادى الردى لي وما لي مغيث ... وحث المطية كل الحثيث وأني لراج وحي أثيث ... أرجو به نيل (البيت) فيا رب حقق رجاء الذليل ... ليحظى بداريك عما قليل فيسمى رجائي بموت كفيل ... وكانت حياتي (البيت) - اهـ. قلت: والمخمس هو الإمام الأبي، كما ذكره. وقال تلميذه ابن الخطيب القسنطيني: شيخنا الإمام الحجة، له مصنفات أرفعها مختصره الكبير في المذهب قرأت عليه بعضه سنة سبع وسبعين، وهو على حال اجتهاد في العلم، ثم لقيه قبل وفاته وبه ضعف وبعض نسيان، وأمّ بجامع الزيتونة خمسين عامًا- اهـ. وقد مدحه الأبي بقصيدة مطلعها: أيا طالبي العلم يبغون حفظه ... هلموا فإن العلم هانت سبيله فهذا هديتم للصواب ابن عرفة ... أتاكم بوضع لم يشاهد مثيله فدونكم يغني عن الكتب كلها ... وإن قل حجمًا والعيان دليله وحل من التحقيق أرفع رتبة ... وهذب مبناه فصحت نقوله وأحكم من كل الحقائق رسمها ... فلا خلل يخشى لديها حلوله

стр. 457

وردّ من التخريج والنقل واهيًا ... وأورد تنبيهًا فحق قبوله كذا. فليكن وضع التآليف لو يدم ... ولا غير ذاك العلم هذا قليله فإن جاء فرضًا من يريد اعتراضه ... فدع أمره أن التعسف قيله وقال بعض تلاميذه: وعلَّامة من نعته العَلَمُ الفَرْدُ ... وبعض سجاياه السماحة والرفد تفرد في عليائه وذكائه ... وفي خلق حلو حكى طعمه الشهد إذا فسر التنزيل أعجز أو عزا ... حديثًا فلا يسأل زهير ولا عبد ومهما نحا نحوًا وفقهًا وأصّله ... وعلم كلام سلمت له ألسن لد وإن قسّم الميراث أوجز عادلًا ... بفرض يحلي وجه سنته الرشد لقد حفّ بالحوفي منه مسدد ... متى رامه حيف فبينهما سد فلو مالك العلم الإمام بطيبة ... رآه لولاه وقال لك العهد أمام إمام والورى من ورائه ... يؤمون مصباحًا مصاحبه رشد إلى أن قال في مختصره: أبان لغيره ما لم يبنه لذي النهي ... بيان ابن رشد ما ابن رشد وما رشد في أبيات تزيد على خمسين بيتًا. وقلّ بتونس من لم يأخذ عنه، فمن أصحابه غير ما تقدم الشريف السلاوي والإمام ابن مرزوق الحفيد وأبو مهدي عيسى الوانوغي وأبو العباس المريض وابن قليل الهم، وأبو عبد اللَّه القشاني وأخوه الحاج أحمد القلشاني وولده أحمد شارح الرسالة وأبو يعقوب الزغبي والأمير أبو عبد اللَّه ابن السلطان أبي العباس الحفصي، والعلامة ابن عقاب وأبو يحيى بن عقيبة وابن ناجي والشريف العجيسي والإمام الزلديوي في خلق لا يحصون غربًا وشرقًا كالبدر الدماميني وغيره من الأئمة الأجلاء.

стр. 458

٥٧٨ - محمد بن محمد بن إسماعيل بن مكين الدين البكري الشيخ شمس الدين (١). برع في الفقه وولي تدريس الظاهرية وعين للقضاء فامتنع، مات في ربيع سنة ثلاث وثمانمائة وقد بلغ ستين سنة. صح من تاريخ مصر. ٥٧٩ - محمد بن يوسف الاسكندري يعرف بالمسلاتي (٢). فقيه أهل الثغر، درس وأفتى، وكان عارفًا بالفقه مشاركًا في غيره، انتهت إليه رئاسة العلم مع دين وصلاح، مات سنة خمس وثمانمائة، صح من السخاوي. ٥٨٠ - محمد بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن مالك بن إبراهيم بن محمد بن عباد النفزي الرندي، شهر بابن عباد (٣). الفقيه الصوفي الزاهد الولي العارف باللَّه، قال ابن الخطيب القسنطيني فيه: الخطيب الشهير الصالح الكبير، وكان ولده خطيبًا نجيبًا فصيحًا، وكان والده هذا ذا عقل وسكون وزهد بالصلاح مقرون، يحضر معنا مجلس شيخنا الفقيه أبي عمران العبدوسي، وهو من أكابر أصحاب ابن عاشر وخيارهم، له كلام عجيب في التصوف وصنف فيه، وله فيه قلم انفرد به وسلم له فيه بسببه ألف شرح حكم ابن عطاء اللَّه في سفر، ورأيت في ظهر نسخة منه مكتوبًا ما نصه: لا يبلغ المرء في أوطانه شرفًا ... حتى يكيل تراب الأرض بالقدم ومن كلامه: الاستئناس بالناس من علامة الافلاس، وفتح باب الأنس باللَّه تعالى الاستيحاش من الناس، ومن لازم الكون وبقي معه وقصر عليه

стр. 459

همته لم تفتح له طريق الغيوب الملكوتية ولا خلص له سير إلى قضاء مشاهد الوحدانية فهو مسجون بمحيطاته محصور في هيكل ذاته إلى غيرها من كلامه. وكان يحضر السماع ليلة المولد عند السلطان وهو لا يريد ذلك، وما رأيته قط في غير مجلس العلم جالسًا مع أحد وإنما حظ من يراه الوقوف معه خاصة، وكنت إذا طلبته بالدعاء احمر وجهه واستحيا كثيرًا ثم دعا لي، وأكثر تمتعه من الدنيا بالطيب والبخور الكثير، يخدم نفسه، لم يتزوج ولم يملك أمة، ولباسه في داره مرقعة يسترها إذا خرج بثوب أخضر أو أبيض. له تلاميذ أخيار مباركون، بلغني عن بعضهم أنه تصدق حين تاب على يده بعشرة آلاف دينار ذهبًا، وهو الآن إمام جامع القرويين وخطيبه، وأكثر قراءته في صلاة الجمعة "إذا جاء نصر اللَّه" وأكثر خطبه وعظ، ومثله يعظ الناس لاتعاظه في نفسه، أوحى اللَّه لعيسى، ﵇، يا عيسى عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحصي مني، ذكره الغزالي وهو على صفة البدلاء الصادقين النبلاء، كثر اللَّه أمثاله- اهـ. قال صاحبه الشيخ أبو زكرياء السراج في فهرسته: شيخنا الفقيه الخطيب البليغ الخاشع الخاشي الإمام المصنف السالك العارف الرباني المحقق، ذو العلوم الباهرة والمحاسن المتظاهرة سليل الخطباء ونتيجة العلماء ابن الفقيه الواعظ الخطيب البليغ العلم الحظي الوجيه الحسيب الأصيل إبراهيم بن أبي بكر بن عباد، كان حسن الخَلق والخُلق عالي الهمة متواضعًا معظمًا عند الخاصة والعامة، نشأ ببلده رندة على أكمل طهارة وعفاف وصيانة وحفظ القرآن ابن سبع سنين ثم طلب العلوم بعده نحوًا وأدبًا وأصولًا وفروعًا حتى حصلها ورأس فيها ثم أخذ في التصوف وبحث عن الأسرار الإلهية حتى أشير إليه وتكلم في علم الأحوال والمقامات والعلل والأفات، وألف فيه تآليف عجيبة بديعة. وله أجوبة كثيرة في مسائل العلوم نحو مجلدين ودرس كتبًا وحفظها أو جلها كالشهاب القضاعي والرسالة ومختصر ابن الحاجب وتسهيل ابن مالك

стр. 460

ومقامات الحريري وفصيح ثعلب وقوت القلوب وغيرها، وأخذ ببلده عن أبيه القرآن وغيره، وعن خاله القاضي الفقيه عبد اللَّه الفربسي العربية وغيرها والخطيب أبي الحسن الرندي عرض عليه الرسالة والإمام العلّامة المحقق الشريف التلمساني جمل الخونجي تفهمًا وغيره، والقاضي العالم المقري كثيرًا من مختصر ابن الحاجب الفرعي وفصيح ثعلب وبعض صحيح مسلم كلها تفقهًا، والعالم الفقيه عبد النور العمراني الموطأ والعربية والإمام الابلي إرشاد أبي المعالي وجمع أصلي ابن الحاجب وعقيدته تفقهًا، والفقيه الحافظ أبي الحسن الصرصري بعض التهذيب تفقهًا، والأستاذ أحمد بن عبد الرحمن المجاصي، شهر بالكناسي جمل الزجاج والتسهيل، والفقيه الصالح أبي مهدي عيسى المصمودي جمع فرعي ابن الحاجب والحاجبية له تفقهًا. وتفقه على الفقيه أبي محمد الوانغيلي في ابن الحاجب الفقهي، وأخذ عنه حرف نافع وعن الفقيه الصالح المدرس أبي محمد عبد اللَّه الفشتالي كثيرًا من التهذيب تفقهًا وعن غيره ولقي بسلا الزاهد الورع الحاج ابن عاشر وأقام معه وأصحابه سنين عديدة، قال: قصدتهم لوجدان السلامة معهم، ثم رحل لطنجة فلقي الشيخ أبا مروان عبد الملك الصوفي قال: لازمته كثيرًا وقرأت عليه وتردد بيننا مسائل في إقامته بسلا، وانتفعت به عظيمًا في التصوف وغيره. مولده عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة وتوفى بعض عصر الجمعة رابع رجب عام اثنين وتسعين وحضر جنازته الأمير فمن دونه وهمت العامة بكسر جنازته ولم أر أحفل ولا أكثر خلقًا منها، ورثاه الناس بقصائد كثيرة- اهـ. زاد الشيخ زروق أنه رحل لفاس وتلمسان فقرأ بهما الفقه والأصول والعربية ثم عاد وصحب بسلا أفضل أهل زمانه علمًا وعملًا أحمد بن عاشر فظهر عليه من بركته ما لا يخفى ثم نقل بعد وفاة الشيخ فجعل خطيبًا بجامع القرويين بفاس وبقي بها خمسة عثر عامًا حتى توفي، وكان ذا صمت وسمت
следующие страницы →